هل تساءلت يومًا لماذا تتحول بعض الأفكار عن المرأة إلى حقائق لا يُسمح بمناقشتها؟ ومن يملك حق تفسير النص الديني؟ وهل ما نعتبره «حكمًا شرعيًا» هو فعلًا نص إلهي، أم اجتهادات بشرية ورثناها عبر القرون؟ وماذا تكشف قضايا القوامة والطلاق والميراث والحجاب عن علاقتنا بالدين والسلطة؟ الباحث حسين سعدون يقدّم قراءة في كتاب «دوائر الخوف — قراءة في خطاب المرأة» لنصر حامد أبو زيد، ويفتح ملف الخطاب الديني حول المرأة، وكيف يمكن للخوف من السؤال أن يتحول إلى سلطة، في #بودكاست_كتاب على #منصة_مجتمع
دوائر الخوف تبدأ بالانكشاف
في كل مجتمع يوجد خطاب، خطاب يقول لك هذا مقدَّس لا تقترب، لكن أحدهم سأل: مقدَّس لمن؟ ومقدَّس لماذا؟ وحين تسأل هذا السؤال تبدأ دوائر الخوف بالانكشاف. حين تُقيَّد المرأة لا يُقيَّد جسدها فحسب، بل يُقيَّد حق الإنسان في أن يكون حرًّا. الخوف من المرأة هو في العمق خوف من الحرية نفسها. هذا الكتاب الذي بين يديَّ لن يُعطيك أجوبة جاهزة، لكنه سيُعلِّمك شيئًا أثمن: كيف تسمع ما لا يُقال.
مقدمة الحلقة: “المرأة ناقصة عقل ودين” — من أين جاءت هذه الجملة؟
اليوم سأقرأ لكم “دوائر الخوف” للكاتب نصر حامد أبو زيد — “دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة”.
——-
عزيزي القارئ، “المرأة ناقصة عقل ودين”. هل سمعت هذه الجملة من قبل؟ بالتأكيد سمعتها. كلنا سمعناها. في خطبة جمعة، في برنامج ديني، في نقاش عائلي، في تعليق على السوشال ميديا. وربما سمعتها من والدك، شيخك، أستاذك، أو صديق يظنُّ نفسه مُلمًّا بالدين.
والسؤال الذي ربما لم تسأله لنفسك يومًا: من أين جاءت هذه الجملة أصلًا؟ الإجابة الأسرع لذهنك: إنه حديث شريف نُسب للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. طيب، ما هو يوجد حديث آخر للنبي نفسه صلى الله عليه وسلم يقول: “النساء شقائق الرجال”. يعني نجد جملتان، مصدرهما واحد، نُسبا إلى نبي واحد. لكن واحدة تملأ المساجد والبرامج والنقاشات، والثانية كأنها لم تُقَل، كأنها مدفونة في مكان ما ولا أحد يريد إيجادها.
والسؤال هنا: لماذا؟ من قرَّر أن تُستحضَر الأولى وتُغيَّب الثانية؟ ومن يستفيد من هذا الاختيار؟
هذا هو السؤال الذي دمَّر حياة رجل اسمه نصر حامد أبو زيد، مؤلف كتاب حلقة اليوم: “دوائر الخوف — قراءة في خطاب المرأة”.
عزيزي القارئ، المعرفة الحبيسة في كتاب لا يقرأه أحد كأنها لم تُكتَب. واليوم جئتُ لك بكتاب أفكاره ليست فيه فقط. هي في بيتك، في شارعك، في نقاشات العائلة على مائدة الغداء، في تعليقات السوشال ميديا، في المحاكم، في الجامعات، في المدارس. في كل مرة قيل فيها لبنت “هذا مو شغلك”. في كل مرة وُصفت فيها امرأة بالفتنة لمجرد وجودها. في كل مرة سُئل رجل “من يحكم البيت” وكانت الإجابة البديهية: هو.
المؤلف يشرح من أين جاءت هذه الأفكار، ومن صنعها، ولماذا.
بين يديَّ كتاب “دوائر الخوف — قراءة في خطاب المرأة”. مؤلف الكتاب هو الدكتور نصر حامد أبو زيد الذي وُلد عام 1943 في قرية قحافة بطنطا. نشأ في بيئة دينية، حفظ القرآن الكريم وعمره ثماني سنوات. درس اللغة العربية ثم تخصَّص في الدراسات الإسلامية، وأصبح أستاذًا في جامعة القاهرة، واحدة من أعرق جامعات العالم العربي. لم يكن ملحدًا، لم يكن معاديًا للإسلام. كان رجلًا يؤمن بدينه ويريد أن يفهمه بعمق أكبر. تخصُّصه كان: كيف نقرأ النص الديني؟ وكيف نفهمه؟ ومن يملك حق تفسيره؟ هذه أسئلة علمية أكاديمية طرحها علماء مسلمون كثيرون عبر التاريخ. لكن حين طرحها أبو زيد في سياق سياسي مشحون دفع ثمنًا لم يدفعه أحد من قبل في مصر الحديثة.
عزيزي القارئ، بعد قراءة الكتاب خرجت بعشر أفكار مهمة هي بمثابة خلاصة لما يريده المؤلف.
الفكرة الأولى: الخطاب عن المرأة يتعامل معها كـ”فئة” لا كـ”فرد”
عزيزي القارئ، افتح هاتفك وتابع أي نقاش على السوشال ميديا في الأخبار أو برنامج ديني عن المرأة. لاحظ معي شيئًا واحدًا فقط.
حين يدور نقاش عن “المرأة” — يُتحدَّث عنها دائمًا كـ”فئة”. كتلة واحدة متجانسة. “المرأة تفعل. المرأة تريد. المرأة يجب عليها.” وترى جملًا محفوظة تُكتَب بطريقة آلية: “المرأة بطبيعتها عاطفية”. “المرأة لا تصلح للقيادة”. “المرأة فتنة”. كأن كل النساء، من المغرب إلى العراق، من الطفلة إلى العجوز، من الأمية إلى الدكتورة، كأنهن كيان واحد تنطبق عليه نفس الصفات ونفس الأحكام.
لكن حين يُتحدَّث عن الرجل يُتحدَّث عنه كـ”فرد” له تاريخه وظروفه وخصوصيته. “فلان أخطأ لأن ظروفه صعبة”. تبرير هذا.. “فلان تصرَّف هكذا لأن تربيته كانت كذا”. الرجل إنسان معقَّد له سياق. المرأة… فئة لها حكم. لماذا هذا الفرق؟ هل هو صدفة؟ لنفتح الكتاب ونقرأ.
نقرأ من كتاب دوائر الخوف للدكتور نصر حامد أبو زيد، “الخطاب المتداول حول المرأة في العالم العربي المعاصر هو في مجمله خطاب طائفي وعنصري، يتعامل مع مطلق المرأة ويضعها في مقارنة دائمة مع مطلق الرجل، ويريد منها أن تكون دائمًا خاضعةً مستسلمة.”
وكلمة “طائفي وعنصري” هنا ليست مبالغةً ولا استفزازًا. هي وصف علمي دقيق. لأن التعصُّب في جوهره هو أن تحكم على شخص بناءً على انتمائه لفئة، لا بناءً على شخصه وأفعاله. وهذا بالضبط ما يفعله الخطاب المتداول عن المرأة. يحكم على “مطلق الأنثى” بصفات جوهرية ثابتة قبل أن يراها، وقبل أن يعرفها.
بالحقيقة الدكتور نصر حامد أبو زيد يذهب أبعد من مجرد تسمية المشكلة. يقول: هذا الخطاب لم يأتِ من فراغ. جاء من لحظة تاريخية محددة. كيف؟ نرجع للكتب التاريخية لنفهم.
مثلًا في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية، في بغداد العباسية، في الأندلس، كانت النساء يُدرِّسن في المساجد. وكانت هناك مُحدِّثات، أي عالِمات في علم الحديث، يروي عنهن كبار العلماء الرجال. ابن عساكر، المؤرِّخ الكبير، تلقَّى العلم عن أكثر من ثمانين امرأة. ثمانين امرأة. وهذه ليست أسطورة، هذه حقيقة موثَّقة في كتب التراجم.
ثم جاءت عصور التراجع. الغزو المغولي، ثم الاستعمار، ثم الهزائم المتتالية. وحين ينكسر المجتمع من الخارج يبحث عن شيء يسيطر عليه من الداخل. وأسهل شيء يجد المجتمع الذكوري أنه يستطيع السيطرة عليه هو جسد المرأة وحركتها. وفي هذه اللحظة بالذات تحوَّلت المرأة في الخطاب من “شريك” إلى “مصدر خطر”. من “شقيقة الرجال” إلى “فتنة”. من “عالِمة يُروى عنها” إلى “ناقصة عقل ودين”.
عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، ولأننا هنا نختار الكتب التي لها انعكاسات مباشرة على مجتمعاتنا العربية، أُعطيكم أمثلة في حياتكم اليومية.
حين تُقرأ أخبار الجرائم في المواقع العربية، لاحظوا الفرق في الصياغة. حين يكون الجاني رجلًا يُكتَب: “اعتدى فلان على…” بينما عندما تكون المجني عليها امرأة يُكتَب في أحيان كثيرة: “تسبَّبت المرأة بإثارة…”. إلى آخره.. حتى حين تكون ضحية يجد الخطاب طريقةً يجعلها فيها مسؤولة. لأن المرأة في هذا الخطاب هي دائمًا الفاعلة حتى حين تكون هي المفعول بها.
وأيضًا في المناقشات على صفحات السوشيال ميديا، حين تنشر امرأة رأيًا في موضوع ما، سياسة، دين، رياضة، أي شيء، التعليقات لن تناقش الرأي في أغلب الأحيان. بل ستناقش هي: شكلها، ملبسها، من هو زوجها، هل تستحق أن تتكلم أصلًا. هذا لا يعني أن كل الناس سيئون. يعني أن الخطاب السائد علَّمنا أن “المرأة التي تتكلم” تحتاج تبريرًا، بينما “الرجل الذي يتكلم” لا يحتاج أي تبرير.
وحتى في بيوتنا نجد أن الأهل ورثوا خطابًا يرسم لكل جنس مسارًا مختلفًا قبل أن يُولَد. كيف؟ رغم حبهم الحقيقي لأبنائهم، لكن توقُّعاتهم مختلفة تمامًا، لأن الخطاب السائد يقول: نجاح البنت طريق إلى الزواج الجيد. نجاح الولد طريق إلى المستقبل. البنت وجهتها إنسان آخر. الولد وجهته الحياة نفسها. وهذا ليس حكمًا على الأهل، هم يحبون أبناءهم حقًّا.
وهنا يقول مؤلف الكتاب الدكتور نصر حامد أبو زيد شيئًا مهمًّا جدًا يستحق أن تقفوا عنده: هذا الخطاب في مجتمعاتنا لا يتحدَث عن المرأة الحقيقية، لا يصف واقعها، هو يُنتج واقعًا. يعني: الخطاب لا يجد المرأة “فتنة” فيصفها كذلك، بل يصفها “فتنة” فتصبح كذلك في أعين الناس. وحين تصبح كذلك في أعين الناس، يتعاملون معها على هذا الأساس. وحين تُعامَل المرأة على هذا الأساس، تجد نفسها مقيَّدةً ومحاصرة. وهذا التقييد والحصار يُثبت للجميع أن “المرأة تحتاج تقييدًا”. دائرة مغلقة، والخطاب هو من أغلقها.
ويرى مؤلف الكتاب الدكتور نصر حامد أبو زيد: هذا الخطاب عن المرأة لا يصف المرأة. يصف خوف الرجل من المرأة. والخوف حين يُلبَّس لباس الدين أو العلم أو التقاليد يصبح سلطةً. والسلطة لا تحب الأسئلة. لكننا اليوم نسأل.
الفكرة الثانية: الاختيار بين النصَّين اختيار سياسي اجتماعي لا ديني
عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، سأذكر لكم تاريخًا واحدًا: 5 يونيو عام 1967. في ست ساعات فقط هُزمت ثلاث جيوش عربية. سقطت سيناء. سقطت الضفة الغربية. سقط الجولان. ما الذي حدث في الأيام والأشهر والسنوات التي تلت هذه الهزيمة؟ لا تفكَّر في السياسة الآن، فكِّر في الكلام عن المرأة.
في السنوات التي تلت هزيمة عام 1967 ظهرت موجة ضخمة من الخطاب الديني ربطت الهزيمة بـ”ابتعاد المجتمع عن القيم”، وكان أبرز مؤشرات هذا “الابتعاد” ما يلي: خروج المرأة للعمل، اختلاط الجنسين، “تبرُّج” المرأة في الشارع. “عودوا للأصالة” — ومن أولى علامات الأصالة: إعادة المرأة إلى البيت. كأن الطائرات الحربية هُزمت لأن المرأة خرجت للعمل. هذا ليس تحليلًا نظريًّا. هذا ما وثَّقه المؤرِّخون في كتبهم.
ونعود إلى كتاب “دوائر الخوف”. يُلفِت نصر حامد أبو زيد انتباهنا إلى حقيقة صادمة في الموروث نفسه: في نفس المصادر الإسلامية يوجد حديث نبوي “النساء شقائق الرجال”، ويوجد في نفس المصادر “ناقصات عقل ودين”. كلاهما منسوب للنبي صلى الله عليه وسلم. فكيف يُستحضَر أحدهما في المساجد والبرامج والنقاشات ويُغيَّب الآخر؟
يقول الدكتور نصر حامد أبو زيد: “في عصور التقدم والنهضة تُستحضَر «شقائق الرجال». في عصور التأخر والانحطاط تُعلَن «ناقصات عقل ودين». الاختيار بين النصَّين ليس دينيًّا بحتًا” — وهذا كلام مهم جدًّا — “هو اختيار سياسي اجتماعي يعكس حالة المجتمع أكثر مما يعكس حكم الدين.”
هنا يكشف أبو زيد آليةً خطيرة جدًّا تحتاج أن تفهمها جيِّدًا: حين يكون المجتمع في أزمة، اقتصادية، سياسية، هوياتية، يبحث عن تفسير لهزيمته. لماذا نحن في هذا الوضع؟ ومن المسؤول؟ والإجابة الأسهل دائمًا هي: “ابتعدنا عن الله” أو “تركنا قيمنا”. وأسهل دليل على هذا “الابتعاد” هو ما يراه الناس بأعينهم في الشارع: ملبس المرأة، خروجها، “تبرُّجها”، اختلاطها بالرجال.
والأخطر من ذلك يقول أبو زيد: أن هذا الخطاب حين يُنسَب للدين يصبح سلاحًا لا يُرَدُّ. لأنك حين تنتقده تُوصَف بأنك تنتقد الدين. وحين تسأل عنه تُوصَف بأنك “متغرِّب” أو “علماني” أو “عدو للإسلام”. فيُغلَق النقاش من البداية.
إذن يُستدعى حديث “ناقصات عقل ودين” من سياقه الأصلي الذي كان يتحدَث عن شيء محدَّد، ويُحوَّل إلى “حقيقة كونية” عن طبيعة المرأة. وتُستدعى قصة حواء والشيطان بصياغتها التوراتية لا القرآنية التي تتساوى فيها المسؤولية. ويُستحضَر “كيدهن عظيم” من سياق قرآني محدَّد جدًّا ليُحوَّل إلى صفة عامة لكل امرأة. والمُنتِج لهذا الخطاب يصبح حارسًا للدين. ومن ينتقده يصبح عدوًّا له.
ومن أمثلة الواقع: حتى في واقع حياتنا اليومية، لاحظ حين تمرُّ العائلة بأزمة اقتصادية أو اجتماعية، أول ما يُقيَّد هو حركة المرأة. يقولون لها: “ما يصير تشتغلين بعد” ممنوع الشغل. “ما يصير تسافرين”. “لازم تكونين في البيت”. كأن تقييد المرأة هو أول حل متاح حين تضيق الأحوال. لأن الخطاب السائد يقول: الأزمة سببها “ابتعادنا عن القيم”، وأبرز مظاهر هذا “الابتعاد” هي حرية المرأة.
الفكرة الثالثة: الشريعة كلام الله والفقه كلام البشر — والخلط بينهما سلاح
عزيزي القارئ إذن الكلام عن المرأة يتغيَّر بتغيُّر الظروف السياسية والاجتماعية. لكن هذا الكلام حين يتغيَّر دائمًا يُلبَّس ثوبًا واحدًا: ثوب الدين. ويُقال للناس: “هذا حكم الله”.
عزيزي القارئ، حين يقول أحدهم “هذا حكم الشريعة” — ماذا يقصد بالضبط؟ هل يقصد نصًّا قرآنيًّا صريحًا لا يحتمل التأويل؟ أم حديثًا نبويًّا ثابتًا متواترًا؟ أم رأيًا لفقيه تُوفِّي منذ ثمانمائة سنة، عاش في مجتمع مختلف تمامًا عن مجتمعنا؟
في الغالب لا أحد يسأل ولا أحد يُفرِّق. والخلط بين الثلاثة، سواء كان متعمَّدًا أم جاهلًا، هو أحد أخطر الأسلحة في يد من يريد إغلاق النقاش حول حقوق المرأة.
ونعود إلى كتاب “دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة” للدكتور نصر حامد أبو زيد لنقرأ التالي.. هنا يضع أبو زيد تمييزًا دقيقًا وجوهريًّا، بسيطًا في صياغته، ثوريًّا في تطبيقه:
الشريعة هي القواعد والمبادئ الكلية الموحى بها من الله. والفقه هو الاجتهادات البشرية لعلماء المسلمين في مختلف العصور.
ويذهب أبو زيد إلى أصل كلمة “شريعة” في اللغة العربية، وهي لحظة جميلة جدًّا: “الشريعة في أصل اللغة: المكان الذي تنحدر منه الدواب إلى الماء لتشرب. أي الطريق إلى الماء. المنهاج. الصراط. الشريعة في أصلها طريق حيٌّ متجدِّد نحو الحق، وليست نصًّا جامدًا من الأحكام المحفورة في الحجر.”
ولماذا يعتبر هذا التمييز مهمًّا جدًّا لقضية المرأة تحديدًا؟ لأن معظم القوانين التي تُقيِّد المرأة اليوم في العالم العربي، في الطلاق والميراث والزواج والولاية والسفر والعمل، تستند في الأساس إلى الفقه الكلاسيكي، لا إلى النص القرآني مباشرة. وهذا الفقه، مهما كان عبقريًّا في زمانه، كُتب في مجتمعات ذكورية قبل ألف سنة، في سياقات اجتماعية واقتصادية مختلفة تمامًا عن واقعنا. كُتب في زمن لم تكن فيه المرأة تعمل أو تتعلَّم أو تملك أو تُدير. وكُتب بأدوات معرفية كانت هي الأفضل في زمانها لكنها ليست النهائية.
حين تُسمِّي هذا الفقه “شريعة الله” تُحوِّل الاجتهاد البشري إلى قداسة إلهية. وتضع هذا الاجتهاد فوق النقد والمراجعة والتطوير. وتجعل السؤال عنه كفرًا. وهنا يطرح أبو زيد سؤالًا حارقًا: هل يعقل أن يكون الفقيه الذي عاش في القرن العاشر الميلادي بكل ما يملكه من علم وتقوى قد توصَّل إلى الإجابة النهائية على أسئلة لم تُطرَح في زمنه؟ هل يعقل أن الله أراد لعقل إنسان واحد أن يتجمَّد ويُطبَّق إلى الأبد؟
ومن الأمثلة الواقعية في المجتمعات العربية: على سبيل المثال: في مصر وكثير من الدول العربية، قوانين الأحوال الشخصية التي تحكم حياة الملايين من النساء تُطبَّق وفق تأويلات فقهية عمرها قرون. وحين تطالب امرأة بتعديل هذه القوانين يُقال لها: “هذا حكم الله”. بينما الحقيقة أنه “حكم فقيه” يختلف فيه فقهاء آخرون كثيرون. الاختلاف الفقهي موجود، لكن من يملك السلطة هو من يختار أي رأي يُطبَّق.
وفي بعض الدول العربية المرأة البالغة العاقلة المتعلِّمة، ربما الدكتورة أو المهندسة، لا تستطيع أن تُنجز بعض الإجراءات القانونية الخاصة بها بدون إذن وليِّها الذكر. هذا ليس نصًّا قرآنيًّا صريحًا. هذا رأي فقهي في سياق تاريخي محدَّد. لكنه يُقدَّم ويُطبَّق كأنه “حكم الله الأبدي”.
الأئمة الأربعة اختلفوا فيما بينهم — فأيُّهم يملك “الحكم الأبدي”؟
وهنا علينا أن نلاحظ هذا شيء مهم جدًّا: الفقهاء أنفسهم كانوا يختلفون. الإمام مالك والإمام الشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل، كلهم اختلفوا في مسائل كثيرة تخصُّ المرأة. اختلفوا في الطلاق، في الميراث، في الشهادة، في العمل.
فأيُّ رأي فقهي هو “حكم الله”؟ وأيُّهم هو “الصواب الأبدي”؟ الاختلاف الفقهي يُثبت أن الفقه اجتهاد بشري لا وحي إلهي.
الفكرة الرابعة: “الرجال قوَّامون على النساء” — القوامة مسؤولية مرتبطة بالإنفاق
عزيزي القارئ، أسمعك الآن تقول لي: حسنًا. الفقه كلام بشر والبشر أخطأوا وأصابوا. لكن ماذا عن النص القرآني نفسه؟ ماذا عن “الرجال قوَّامون على النساء”؟ هل هذا تشريع أبدي أم شيء آخر تمامًا؟
عزيزي القارئ، أقول لك: ما زالت الأفكار التي طرحها الكتاب “كتاب دوائر الخوف” لم تنتهِ بعد.
“الرجال قوَّامون على النساء”. هذه الآية الكريمة، رقم أربعة وثلاثين من سورة النساء، هذه الآية ربما تكون الآية الأكثر استخدامًا في النقاشات حول المرأة في العالم العربي. يستشهد بها من يريد إثبات أن الإسلام يمنح الرجل السلطة المطلقة على المرأة. ويستشهد بها من يريد إثبات العكس. لكن هل قرأناها فعلًا؟ هل قرأناها كاملةً في سياقها؟ أم أننا نستدعي منها جملةً واحدة ونُغلق المصحف؟
ونعود إلى كتاب “دوائر الخوف” للدكتور نصر حامد أبو زيد. فالمؤلف يذهب إلى أن هذه الآية محكومة بأدوات لغوية وتاريخية دقيقة جدًّا. ويطرح سؤالًا جوهريًّا يُغيِّر كل شيء: هل الآية تُشرِّع للقوامة كحكم إلهي أبدي؟ أم تصف واقعًا اجتماعيًّا وُجد في عصر نزولها، واقعًا كانت فيه المرأة معتمِدةً اقتصاديًّا على الرجل، وتُعطي هذا الواقع حكمًا مناسبًا له؟
ثم يُضيف أبو زيد بُعدًا من السنة النبوية نفسها، وهو بُعد مذهل: يروي السيوطي في أسباب النزول أن امرأةً جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها. فقال النبي أولًا: “ليس له ذلك”، أي لا حق له في ضربها. بل في رواية أخرى حكم للمرأة بالقصاص. ثم نزلت آية القوامة. يعني الموقف الأصل للنبي كان المساواة والقصاص. وجاءت الآية لأن المجتمع آنذاك لم يكن قادرًا على تحمُّل هذه المساواة الكاملة بعد.
جذر كلمة “قوَّام” — القائم بالرعاية والعدل لا الحاكم المسيطر
أطرح اجتهاد مؤلف الكتاب الدكتور نصر حامد أبو زيد الذي يبحث عن معانٍ جديدة للكلمة، حيث ذهب إلى جذر الكلمة نفسها. وهنا يحدث شيء جميل جدًّا في اللغة.
ألا يُسمَّى الله “القيُّوم”؟ والقيُّوم من القيام، القائم بحفظ الوجود ورعايته وتحقيق العدل. فحين يقول القرآن “الله قيُّوم” لا يعني أن الله سلطة على الخلق. يعني أنه المسؤول عن رعايتهم وحفظهم وعدلهم. إذن “القوَّام” الذي يقوم بشيء هو في جوهره المسؤول عن الرعاية والعدل. وليس الحاكم المسيطر الذي يأمر وينهى.
والدليل من القرآن نفسه في نفس السياق، الآية قبلها مباشرة: “وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ” — البقرة 228. هذا هو الأصل: المساواة في الحقوق والواجبات. “الرجال قوَّامون” جاء بعد هذا الأصل كتنظيم للمسؤوليات في سياق اجتماعي محدَّد. من بنى فهمه على التنظيم وأغفل الأصل بنى على رمال.
ويُضيف أبو زيد: سبب القوامة في الآية نفسها مذكور صراحةً: “بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم”. أي أن السبب الإنفاق الاقتصادي. في عصر لم تكن فيه المرأة تعمل أو تكسب، الرجل ينفق فتكون له مسؤولية القوامة. فحين تُنفق المرأة وتعمل وتُساهم، هل ما زال السبب قائمًا؟
وهناك أمثلة كثيرة بالحقيقة من الواقع. مثلًا نأخذ أمثلة ذُكرت في الكتاب على ما يحدث في المجتمعات العربية. في كثير من المحاكم العربية القوامة تُفسَّر هكذا: الزوجة “ناشز” إن خرجت من البيت بدون إذن زوجها، حتى لو خرجت لعملها. الزوجة “عاقَّة” إن طالبت بحقوقها أمام القضاء. لكن الزوج الذي لا يُنفق ولا يرعى ولا يحضر، نادرًا ما يُقال عنه إنه “فقد قوامته”. القوامة صارت حقًّا بلا واجب. وهذا عكس ما يقوله القرآن تمامًا.
وعندك مثال آخر، في كثير من البيوت العربية اليوم: الزوجة تعمل وتُنفق مثل زوجها أو أكثر. تدفع نصف الإيجار. تدفع فواتير المدرسة. تشتري طعام البيت. ومع ذلك حين يأتي قرار مهم يُقال: “الكلمة الأخيرة للرجل”. بأيِّ منطق؟ المرأة التي تُنفق مثله وتعمل مثله، لماذا لا تملك نفس القرار؟ القوامة صارت عادةً اجتماعية موروثة، لا مسؤولية دينية مربوطة بالإنفاق.
برأي الدكتور نصر حامد أبو زيد: القوامة إذن حين تُقرأ بأمانة هي مسؤولية مرتبطة بالإنفاق والرعاية. لا سلطة مطلقة تُمنح للرجل بغضِّ النظر عن سلوكه أو إنفاقه.
الفكرة الخامسة: تعدد الزوجات — القرآن يقول العدل مستحيل
لكن ماذا عن مسألة أخرى، كثيرون يعتبرونها حقًّا ثابتًا للرجل؟ تعدد الزوجات. هل هو إذن مطلق أم مشروط؟
————–
عزيزي القارئ، لو سألتَ مئة رجل عربي: “هل يحقُّ لك الزواج بأكثر من واحدة؟” الغالبية الساحقة ستقول: “نعم. الإسلام أجاز ذلك. هذا حكم الله.” لكن لو سألتهم: “ما هو الشرط الذي وضعه القرآن نفسه لهذا الإذن؟” كثيرون سيصمتون. أو سيقولون: “العدل بين الزوجات.” طيب. والقرآن ماذا قال عن هذا العدل بالضبط؟ هنا تبدأ المفاجأة.
نعود إلى كتاب “دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة”.
يعود أبو زيد إلى سياق نزول آية تعدد الزوجات بدقة تاريخية شديدة. حسب ما جاءنا من مرويات وافتراض أنها صحيحة: سورة: النساء، سورة مدنية، نزلت بعد غزوة أُحُد مباشرةً. السياق: استُشهد كثير من المسلمين في أُحُد. بقيت أرامل وأيتام بلا عائل. الأزمة الاجتماعية: كيف تُعالَج قضية الآلاف من الأرامل والأيتام في مجتمع لا ضمان اجتماعي فيه؟ في هذا السياق الطارئ المحدَّد جاء الإذن بتعدد الزوجات كحل لأزمة إنسانية ضاغطة، وليس ترفًا جنسيًّا مفتوحًا للأبد.
والأهم من ذلك، يقرأ أبو زيد الآيتين معًا كنص واحد متكامل. الآية الأولى في نفس السورة: “فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً”. الآية الثانية في نفس السورة بعدها بصفحات: “وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ”.
يقرأ أبو زيد هذين النصَّين معًا ويقول: “القرآن الكريم بنفسه يُقرِّر أن العدل الكامل بين الزوجات مستحيل. إذن الآية في مجملها تسير نحو تضييق التعدد وتقييده، لا نحو توسيعه وتشجيعه.”
حين تقرأ الآيتين معًا: الشرط موجود لكنه بنصِّ القرآن لا يمكن تحقيقه
وهنا أريد أن أقف عند نقطة مهمة جدًّا، لأنها تكشف كيف يُقرأ النص. حين تقرأ الآية الأولى فقط: “فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة” — تفهم: الشرط هو العدل. إن استطعت العدل فيجوز. لكن حين تقرأها مع الآية الثانية: “ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم” — هنا نفهم أن القرآن نفسه يقول إن العدل الكامل مستحيل. يعني الشرط موجود لكنه بنصِّ القرآن لا يمكن تحقيقه تحقُّقًا كاملًا. فكيف يُباح ما شرطه مستحيل؟
وهذا بالضبط ما قاله الإمام محمد عبده، أحد أكبر علماء الإسلام في التاريخ الحديث. قال صراحةً: تعدد الزوجات في زماننا مُحرَّم عمليًّا لاستحالة العدل. وكانت جهوده هي التي مهَّدت للقانون التونسي عام 1957 الذي حرَّم التعدد. ولا تزال تونس الدولة العربية الوحيدة التي فعلت ذلك.
وهناك أمثلة من الواقع. عزيزي القارئ تعالى لنرى مدى انعكاس هذه الفكرة على حال المجتمع وما الذي يحدث في كثير من مجتمعاتنا، الرجل يتزوَّج بثانية بدون أي إشعار للزوجة الأولى. بدون موافقتها. بدون أي اعتبار لمشاعرها أو حياتها التي بنتها معه. وحين تطالب الزوجة الأولى بحقوقها أو بالطلاق، تدخل في دوَّامة قانونية تمتدُّ لسنوات. سنوات من حياتها تُهدَر وهي عالقة، لا مطلَّقة ولا متزوِّجة بشكل حقيقي. بينما الزوج يعيش حياته الجديدة.
حتى فكرة العدل المستحيل في الواقع: حتى الرجال المخلصون الذين تزوَّجوا بثانية، حين تسألهم بصدق: “هل وزَّعتم الوقت بالتساوي؟ هل أعطيتم كل زوجة نفس القدر من الاهتمام العاطفي؟” في الغالب ستجد جوابًا صادقًا: “أحاول لكن الإنسان ما يقدر يتحكَّم في قلبه.” هذا بالضبط ما قاله القرآن: “ولو حرصتم”. القرآن يعرف أن القلب لا يُقسَّم بالتساوي. لهذا أشار ضمنيًّا إلى الواحدة.
ولا يفوتك قضية أخرى: ما لا يُقال كثيرًا في هذا النقاش: ماذا يحدث للأبناء؟ في كثير من العائلات التي مرَّت بتعدد الزوجات، الأبناء يعيشون في صراع وتنافس دائم. “أبناء الضَّرة”، مصطلح شعبي يختصر حجم الجرح النفسي والاجتماعي. هل هذا هو “الإذن القرآني”؟ أم أن الإذن كان لحالة طارئة لا لخلق جيل من الجراح؟
الفكرة السادسة: الطلاق بكلمة — دليل على بدائية علاقاتنا
إذن حين اكتشفت المرأة أن زوجها تزوَّج بأخرى، أو حين وجدت الزواج مستحيلًا، ما خياراتها؟ هل تستطيع الخروج من هذا الزواج بكرامة؟
—–
عزيزي القارئ، نعود إلى كتاب “دوائر الخوف — قراءة في خطاب المرأة”. يقول مؤلف الكتاب الدكتور نصر حامد أبو زيد بصراحة شديدة لا تحتمل اللفَّ والدوران: “ترك الطلاق لمجرَّد يمين يتفوَّه بها الرجل في لحظة نزاع مؤقت يُؤكِّد بدائية العلاقات الاجتماعية على مستوى الأسرة، ويجعل المرأة رهينة لحظة غضب عابرة بدلًا من أن تكون شريكةً في قرار مصيري.”
ثم يعود أبو زيد إلى الإمام محمد عبده الذي طالب بتقنين الطلاق وقال: “لا طلاق إلا أمام القاضي أو المأذون بحضور شاهدَين على الأقل، وذلك بعد الاستمهال أسبوعًا للتفكير، وبعد أن يُقدِّم الحكمان، واحد من أهل الزوج وآخر من أهل الزوجة، تقريرًا للقاضي باستحالة العِشرة.”
ويُشير أبو زيد إلى أن هذا ليس تغريبًا ولا خروجًا على الشريعة. هذا تطبيق حرفي لآية قرآنية صريحة يتجاهلها الجميع: “وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا” — النساء 35.
لاحظ معي عزيزي القارئ المفارقة المذهلة: القرآن الكريم يشترط لحل الزواج حكمان، واحد من كل طرف، ومحاولة للإصلاح. هذا إجراء مدروس يحفظ حقوق الطرفين ويمنع القرارات المتهوِّرة. لكن ما يحدث في الواقع: طلاق بكلمة في لحظة غضب، بدون إجراء ولا حكمين ولا محاولة إصلاح. من تجاهل الآية؟ ليس “المتحرِّرون” بل بعض “المتديِّنين” الذين يرفعون راية الشريعة.
أما المرأة في هذا النظام فما وضعها؟ وضعها أنها تعيش تحت ما يُسمِّيه مؤلف الكتاب أبو زيد “سيف الطلاق المسلَّط”. يعني أن علاقة الزواج ليست علاقة شراكة، بل علاقة استرضاء دائم من طرف واحد. الزوجة تعمل طوال حياتها على إرضاء الزوج، لا لأنها تحبُّه فقط، بل لأن غضبه في أي لحظة قد يعني نهاية حياتها كما بنتها.
وفي المقابل حين تريد الزوجة الطلاق تدخل في نفق قانوني مظلم يُسمَّى “الخلع” أو “الطلاق للضرر” يمتدُّ لسنوات. تُثبت الإساءة. تُثبت “استحالة العِشرة”. تدفع رسومًا. تنتظر. بينما الزوج يُطلِّق في ثوانٍ بثلاث كلمات. هنا السؤال الهام.. هل هذا نظام إسلامي؟ أم نظام ذكوري لبس ثوب الإسلام؟
وهناك أمثلة كثيرة من الواقع. هنا نقف أمام المثال الحي وهو الطلاق الغيابي: في بعض المجتمعات العربية رجل يمكنه تطليق زوجته وهي في بلد آخر. تعلم بالطلاق بعد أسابيع أو أشهر. تجد نفسها مطلَّقة بدون أن تكون حاضرة، وبدون أن تُعطى فرصة الكلام. هل هذا “حكم الله”؟ أم هذا غياب كامل للعدل الذي أمر به القرآن؟
لنأخذ مثالًا آخر، طلاق الغضب والندم: كثير من الرجال طلَّقوا في لحظة غضب ثم ندموا. لكن المذهب الذي يُطبَّق في بعض الدول لا يسمح بالرجعة إلا بشروط صعبة. أُسَر تفكَّكت. أطفال فُرِّق بينهم. حياتان دُمِّرتا. لأن نظامًا لا يأخذ بعين الاعتبار أن الإنسان قد يتكلَّم في لحظة غضب ثم يندم. القرآن الكريم أمر بحكمَين ومهلة، لكن أحدًا لم يُطبِّق الآية.
في مرة صديق لي قال لي جملةً صادمة: أن عقد الزواج في مجتمعاتنا أكثر هشاشةً مقارنةً مع أي عقد للعمل. كيف؟ نعمل مقارنةً بسيطة لكنها كاشفة: عقد العمل، أي عقد عمل عادي، لا يمكن إنهاؤه من طرف واحد بدون إشعار مسبق. الفسخ الفجائي من صاحب العمل يستدعي تعويضًا قانونيًّا. هناك حماية قانونية للموظف من القرار المفاجئ غير المبرَّر. لكن عقد الزواج، أقدس العقود وأهمِّها، يمكن إنهاؤه في ثوانٍ بكلمة واحدة. أيُّ نظام يحمي الموظف أكثر مما يحمي الزوجة؟
الفكرة السابعة: الميراث — الإسلام أعطى المرأة نصف ميراث في مجتمع كانت هي نفسها تُوَرَّث
إذن في الزواج والطلاق المرأة تعيش في ظل عدم الأمان. لكن ماذا يحدث حين يموت أحد الوالدين؟ ماذا تحمل المرأة معها من الميراث؟ هل قرار الميراث حدٌّ أدنى أم أن له سقف أعلى؟
—–
“لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ”. هل هذه الآية قُرِئت خطأً؟ لأن المرأة ترث نصف الرجل. وهي من أكثر الآيات التي يستشهد بها من يريد إثبات أن الإسلام يُفرِّق بين الجنسين. وهي أيضًا من أكثر الآيات التي يتجنَّب المسلمون مناقشتها خوفًا أو إحراجًا. لكن السؤال الذي يطرحه مؤلف الكتاب أبو زيد، وهو سؤال يستحق أن نتوقَّف عنده: هل هذا النص يضع سقفًا أعلى لا يتجاوزه أحد؟ أم يضع أرضيةً دنيا لا ينزل عنها أحد؟
ونذهب إلى الكتاب مباشرةً. يعرض المؤلف الدكتور نصر حامد أبو زيد اجتهادًا مثيرًا للباحث محمد شحرور، وإن كان أبو زيد لا يتبنَّاه بالكامل فهو يطرحه للنقاش: “«حدود الله» في القرآن تعني الحدَّ الأدنى الذي لا يجوز النزول عنه، لا الحدَّ الأقصى الذي لا يجوز تجاوزه. إذن «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ» هو الحدُّ الأدنى للمرأة، لا يجوز أن تأخذ أقل. لكنه لا يمنع أن تأخذ أكثر حتى تصل إلى المساواة الكاملة.”
لكن أبو زيد يذهب إلى ما هو أعمق، إلى السياق التاريخي الذي جاءت فيه هذه الآية: “الإسلام حين جاء كان في مجتمع لا يُورِّث المرأة شيئًا على الإطلاق. المنطق الجاهلي كان: «لا نُورِّث من لا يركب فرسًا ولا يحمل كَلًّا ولا يُقاتل عدوًّا». بل وأكثر من ذلك، المرأة نفسها كانت تُوَرَّث كالمتاع.” حين أعطى الإسلام المرأة حق الميراث كان ذلك ثورةً كاملة في مجتمعه. والسؤال الحقيقي: هل نقف عند هذه الخطوة للأبد؟ أم نُكمل في نفس اتجاه العدل؟
وهنا خلِّيني أحاول تحليل هذه الفكرة بطريقة مختلفة. تخيَّل أن شخصًا كان في السجن منذ سنين محبوسًا بلا جريمة. جاء أحدهم وأخرجه من الزنزانة إلى فناء السجن. هذا تحسُّن حقيقي. هذا تقدُّم حقيقي. هذا يستحق الامتنان. لكن هل الهدف النهائي هو أن يظل في فناء السجن للأبد؟ أم أن الهدف النهائي هو الحرية الكاملة؟
حسب رؤية المؤلف الدكتور نصر حامد أبو زيد: الإسلام أخرج المرأة من وضع “المتاع الموروث” إلى وضع “الوارث”. وهذه خطوة ضخمة، لكنها خطوة في مسار لا نهاية المسار.
وأبو زيد يستشهد بحديث نبوي جميل جدًّا: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيُورِّثه.” النبي يصف كيف أن الإسلام يتوسَّع باستمرار في دائرة العدل. من الأهل إلى القبيلة إلى الجار. وروح الإسلام هي التوسُّع في العدل، لا التضيُّق فيه.
والآن عزيزي القارئ، تعالَ لنُحلِّل بعض التصرُّفات التي نراها أحيانًا في مجتمعاتنا، “التنازل الطوعي”: في كثير من العائلات العربية اليوم البنت تتنازل عن ميراثها لأخيها “طواعيةً”. ولو سألت لماذا ستجد إجابات متعدِّدة: “حتى لا يُقطَع رحمنا”. “العيلة ما تتقسَّم”. “الأخ هو المسؤول عن العائلة”. لكن وراء كل هذه الإجابات ضغط اجتماعي واضح. البنت التي تطالب بميراثها تُوصَف بأنها “طماعة” و”قاطعة رحم”. ترث قانونيًّا نصف الرجل. وعمليًّا تُضغَط للتنازل حتى عن هذا النصف.
المرأة التي تعول ونموذج تونس 2017 في المساواة بالميراث
المثال الآخر: المرأة التي تعول. اليوم في واقعنا الحديث هناك ملايين النساء في العالم العربي يقمن بإعالة بيوتًا. زوج مريض. زوج عاطل. أرملة. مطلَّقة. هذه المرأة تعمل وتُنفق على أبنائها مثلما كان الرجل يُنفق قديمًا. لكن حين يموت والدها أو أخوها تأخذ نصف ما يأخذه أخوها الذي لا يُنفق. هل هذا عدل؟ والقرآن أساسًا ربط الميراث بالإنفاق في كثير من الآيات.
المثال الآخر تونس مرةً أخرى: في عام 2017، قبل سنوات قليلة، أصدرت تونس قانونًا يُساوي بين الجنسين في الميراث. القانون أثار جدلًا ضخمًا. لكن كثيرًا من العلماء التونسيِّين دافعوا عنه. قالوا: هذا ليس خروجًا على الإسلام. هذا استكمال لمسيرة العدل التي بدأها الإسلام. العالم العربي الآخر تجاهل هذا النقاش كأنه لم يحدث.
الفكرة الثامنة: الحجاب — صار قضيةً كبرى بعد الثورة الإيرانية 1979
إذن في الطلاق والميراث والزواج، الصورة واضحة. لكن هناك قضية أخرى تمسُّ جسد المرأة ويومياتها مباشرةً وأصبحت معركةً سياسيةً كاملة. الحجاب: فريضة دينية أم علامة سياسية؟
لو كان الحجاب فريضةً قرآنية قاطعة واضحة لا لبس فيها، لماذا اختلف فيها الفقهاء على مدى أربعة عشر قرنًا كاملًا؟ لماذا لم تكن المرأة المسلمة في الأندلس ترتدي ما ترتديه اليوم المرأة في إيران؟ لماذا كانت نساء الخلفاء والصحابة يختلفن في ملابسهن؟ الاختلاف الجغرافي والتاريخي الضخم في فهم “الزي الإسلامي” يدلُّ على شيء مهم جدًّا.
ونعود إلى كتاب “دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة”. يقول أبو زيد بصراحة لافتة: “مسألة الزي لا تستحقُّ كل الجهود الضخمة التي تُبذَل في مناقشتها. لكنها أصبحت قضيةً كبرى، ليس لأن القرآن جعلها كذلك، بل لأن التيَّارات السياسية ذات اللافتات الإسلامية جعلتها كذلك. خاصةً بعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979، حين أصبح زيُّ المرأة من أهم رموز الثورة وعلاماتها السياسية.”
ويذهب أبو زيد إلى أصل مفهوم “العورة” في القرآن الكريم: كلمة “السوأة” التي تُستخدَم في القرآن لما يجب ستره وردت في سياقَين فقط. الأول: قصة آدم وحواء، والمقصود الأعضاء الجنسية. والثاني: قصة قتل قابيل لهابيل، والمقصود جثَّة الميت. إذن مفهوم “العورة” في القرآن نفسه محدود جدًّا. والتوسُّع الهائل الذي حدث في تعريف “ما يجب ستره” جاء من الفقه والثقافة، لا من القرآن.
الحجاب علامة سياسية لا حكم قرآني — وجسد المرأة ساحة معركة
لاحظ معي عزيزي القارئ ما يكشفه أبو زيد هنا، وهو آلية مهمة تفهمونها في السياسة والاجتماع: حين تريد حركة سياسية أن تُميِّز نفسها عن الآخرين تحتاج إلى علامة ظاهرة تراها العيون. الحجاب بمعناه الموسَّع أصبح هذه العلامة. لا لأن القرآن فرضه بهذه الصورة بالضبط، بل لأنه أصبح يقول في لحظة واحدة: “أنا مسلمة. أنا مُلتزِمة. أنا مع هذا التيَّار.”
وهذا لا يعني أن الحجاب خطأ. ولا يعني أن المرأة التي تختاره مخطئة. يعني أن النقاش حوله انفصل عن جذره الديني الأصيل وصار نقاشًا هوياتيًّا سياسيًّا. والدليل على ذلك: الدول التي تفرض الحجاب بالقانون، هل النساء فيها أكثر سعادةً أو حريةً أو تقدُّمًا؟ والدول التي تمنع الحجاب بالقانون، هل هذا احترام لحرية المرأة أم انتهاك لها؟ في الحالتين قرار المرأة نفسها غائب. جسدها ساحة معركة لأطراف أخرى.
ومن الواقع هناك أمثلة عديدة: فالمفارقة الصارخة في بعض الدول العربية.. امرأة بلا حجاب في الشارع تواجه نظرات إدانة أو تعليقات. في دول غربية المرأة المحجَّبة في مكان عمل قد تواجه تمييزًا أو رفضًا. في الحالتين الجسد الأنثوي هو مركز القرار السياسي والاجتماعي. وهي نفسها صاحبة الجسد غائبة عن صنع هذا القرار.
وهناك مثال آخر، أولويات مقلوبة: الذي يجعل من زيِّ المرأة معركةً مصيرية، بينما يتجاهل أن ثلث البنات في بعض الدول العربية لا يُكمِلن تعليمهن، وأن نسبة العنف الأسري مرتفعة بشكل موثَّق، وأن قوانين الأحوال الشخصية لا تحمي المرأة من الطلاق المفاجئ، هذا الشخص يُخبرنا بوضوح ما هي أولوياته الحقيقية.
الفكرة التاسعة: قوانين الأحوال الشخصية المقياس الحقيقي لتقدُّم المجتمع
إذن هذه المسائل كلها، القوامة، التعدد، الطلاق، الميراث، الحجاب، نُوقشت وطُرحت بجدية. لكن هل هناك مجتمع ترجم هذا النقاش إلى قانون يحمي المرأة فعلًا؟ نعم. مجتمع واحد فعل هذا قبل سبعين سنة.—-
عزيزي القارئ، هناك سؤال عادي: ما المقياس الحقيقي لتقدُّم المجتمع؟ الناتج القومي الإجمالي؟ عدد الجامعات والمستشفيات؟ قوة الجيش؟ كثيرون يُجيبون بهذه المعايير. لكن مؤلف كتاب “دوائر الخوف” الدكتور نصر حامد أبو زيد يقول: هذه معايير مهمة لكنها ليست الأعمق. المقياس الحقيقي هو: ما الذي تقوله قوانين الأحوال الشخصية عن المرأة؟ لأن هذه القوانين تكشف بوضوح لا يحتمل التأويل: ماذا يعتقد هذا المجتمع في أعماقه؟ هل المرأة إنسان كامل الحقوق؟ أم إنسان من درجة ثانية يحتاج وصايةً؟
ونعود إلى كتاب “دوائر الخوف” للدكتور نصر حامد أبو زيد. فهو يقول بوضوح لا يتركك مرتاحًا: “لا عبرة بالشعارات. ولا بالقصائد. ولا باحتفالات عيد الأم أو عيد الأسرة. ولا بالخطب السياسية والدينية التي تُمجِّد دور المرأة. بل بما هو موجود في قوانين الأحوال الشخصية، لأنها هي التي تحكم حياة الناس فعلًا.”
ويُقدِّم نموذج تونس عام 1957 كمثال لما يمكن أن يُحقَّق حين تتوفَّر الإرادة: أول قانون عربي يمنع تعدد الزوجات قانونيًّا وتجريميًّا. وأول قانون يجعل الطلاق حقًّا مشتركًا بين الزوج والزوجة أمام المحكمة، مع ضمان حقوق الطرف المتضرِّر من الطلاق.
لماذا فعلت تونس ما لم تفعله الدول العربية؟ الإرادة السياسية والأرضية الفكرية
والسؤال المهم: ما الذي جعل تونس تفعل ذلك وبقية الدول العربية لم تفعله؟ السؤال مهم جدًّا لأن الجواب يكشف لنا لماذا لا يحدث هذا التغيير في مجتمعاتنا. أبو زيد يُشير إلى مسار فكري متَّصل سبق القانون التونسي:
الإمام محمد عبده في مصر، نهاية القرن التاسع عشر، طالب بإصلاح قوانين الزواج والطلاق. قاسم أمين في مصر كتب “تحرير المرأة” وأحدث الضجَّة. الطاهر الحداد في تونس كتب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” ودفع ثمن كتابته. هؤلاء الثلاثة وغيرهم بنوا الأرضية الفكرية. في تونس وجدت هذه الأرضية قيادةً سياسية مستعدَّة للبناء عليها. في مصر وبقية الدول وجدت مقاومةً دينيةً وسياسية وظلَّت حبرًا على ورق.
والنتيجة اليوم: تونس تتجادل في قضايا متقدِّمة عن حقوق المرأة. وبقية الدول العربية تتجادل في القضايا نفسها التي حسمتها تونس قبل سبعين سنة.
ومن الأمثلة: السؤال الحارق: اليوم في بعض الدول العربية ما زالت امرأة لا تستطيع السفر بدون إذن وليِّها. في نفس الوقت في دول عربية أخرى تستطيع المرأة أن تترشَّح لرئاسة الجمهورية. كلاهما دول عربية مسلمة. كلاهما يستند إلى الإسلام. كيف يُنتج نفس الدين نظامَين متناقضَين تمامًا؟ الجواب: الإسلام لم يُنتجهما. السياسة والثقافة والإرادة هي من أنتجت الفارق.
احتفالات عيد الأم وقوانين لا تحمي الأمَّ — التناقض الصارخ
المثال الثاني، احتفالات عيد الأم: في كل دولة عربية تقريبًا يوجد يوم رسمي للاحتفال بالأم. خطب في المساجد، برامج في التلفزيون، قصائد وأغانٍ. “الأم مدرسة”. “الأم هي الوطن”. “الجنة تحت أقدام الأمهات”. ثم في اليوم التالي هذه الأم لا تستطيع تطليق زوج يضربها بدون معركة قانونية. الكلام عن المرأة جميل. القوانين التي تحميها أقلُّ جمالًا.
إذن التغيير ممكن. وقد حدث في تونس. لكن لماذا لم يحدث في كثير من بلداننا رغم مرور سبعين سنة؟ لأن التغيير يحتاج شيئًا واحدًا قبل كل شيء: جرأة السؤال. وهذا بالضبط ما يختم به أبو زيد كتابه ويدفع ثمنه من حياته.
الفكرة العاشرة: نصر حامد أبو زيد — دفع ثمن أسئلته ومات في أمستردام
اسمحوا لي أن أعود للبداية. نصر حامد أبو زيد. أستاذ جامعي. متخصِّص في الدراسات الإسلامية. رجل حفظ القرآن في طفولته وأحبَّ دينه. كتب هذا الكتاب وطرح هذه الأسئلة التي سمعتموها اليوم.
النتيجة: صدر حكم قضائي بردَّته. طُلِّقت زوجته التي يحبُّها منه قسرًا، بدون أن تريد هي ذلك. تلقَّى تهديدات بالقتل. اضطرَّ للمغادرة إلى هولندا. وعاش هناك يُدرِّس ويكتب ويُحاضر بعيدًا عن مصره ومنزله وأهله. ومات في أمستردام عام 2010. كل هذا الثمن الباهظ. لمجرَّد أسئلة.
ونعود إلى الكتاب. يكتب أبو زيد في مقدِّمة هذا الكتاب بهدوء مذهل يكشف حجم الشجاعة: “من اجتهد فأخطأ فله أجر. ذلك أن الخطأ هو السبيل لبلوغ الصواب في مجال التفكير الحر. التفكير بلا خوف، ولا عوائق، ولا مناطق آمنة يرسمها البعض حفاظًا على مصالحه. إن الدين الذي يُحرِّض على التفكير الحر هو دين واثق من نفسه.”
ثم يكتب: “في هذا الكتاب لن يجد القارئ عفريتًا. لكنه سيجد اجتهادات قد يختلف معها وقد يتَّفق. لأنها مطروحة للنقاش. وهي اجتهادات لا يملك صاحبها سلطةً من أي نوع لفرضها على الناس. والأهم: صاحبها يقف ضد كل سلطة تحول بين الإنسان وحريَّته في التفكير.”
دوائر الخوف الأوسع: خوف من السؤال والاجتهاد والعقل الحر
هنا لاحظوا بدقَّة ما يقوله مؤلف الكتاب الدكتور نصر حامد أبو زيد هنا، لأنه يختلف عن كل ما تعوَّدنا عليه: لا يقول: “أنا على صواب مطلق ومن خالفني ضلَّ.” لا يقول: “اتَّبعوني أنا أعرف الحقيقة.” لا يقول: “هذا هو الإسلام الصحيح وما عداه باطل.” يقول: “هذه اجتهاداتي. قد أُخطئ. وهذا حقِّي كإنسان مفكِّر. والدين نفسه كافأ المجتهدَ المخطئ بأجر، لأن الاجتهاد مطلوب حتى حين يؤدِّي للخطأ.”
هذا النموذج، التفكير المتواضع المنفتح الذي لا يدَّعي الكمال، هو ما تحتاجه ثقافتنا العربية أشدَّ الاحتياج اليوم. لأن ثقافتنا تعيش بين نقيضَين: إما الكلام بصوت الحق المطلق، “من خالف فهو كافر أو جاهل أو عميل”، أو الصمت التام، لأن الكلام قد يُكلِّفك ما كلَّف أبو زيد. وبين هذين النقيضَين يختفي الفكر الحقيقي.
دوائر الخوف التي يتحدَّث عنها أبو زيد، والتي أعطت الكتاب اسمه، ليست فقط الخوف من المرأة. هي دوائر أوسع وأعمق: خوف من السؤال، لأن السؤال قد يُزعزع ما بُني على غير أساس. خوف من الاجتهاد، لأن الاجتهاد قد يؤدِّي إلى نتائج غير مريحة. خوف من الاختلاف، لأن الاختلاف كُدِّر وشُوِّه حتى صار خيانةً. خوف من العقل الحر، لأن العقل الحر لا يمكن السيطرة عليه.
وحين يسكن الخوف مركز ثقافة ما، لا تتوقَّف بعض الأسئلة فقط. يتوقَّف كل شيء.
أبو زيد لم يأتِ بإجابات نهائية. جاء بشيء أثمن بكثير من الإجابات: جاء بجرأة السؤال. وبرفض الخوف. وبعد أن رحل بقيت الأسئلة. لأن الأسئلة الحقيقية لا تموت بموت أصحابها. تبقى تطرق الأبواب. أبواب عقولنا. واحدًا واحدًا.
خاتمة الحلقة — الإذن بأن تسأل
عزيزي القارئ، في نهاية كل حلقة أحبُّ أن أقف لحظة. ليس لأقول وداعًا، بل لأسألك سؤالًا يبقى معك بعد ما تُغلق شاشة هاتفك.
“دوائر الخوف” كتاب يُزعجك. لا يُعطيك راحة البال السهلة. لا يُخرجك وأنت مطمئنٌّ إلى كل ما ورثته. بل يتركك في حالة من عدم اليقين المثمر. لكنه يُعطيك شيئًا أثمن: يُعطيك الإذن… بأن تسأل. الإذن الذي دفع أبو زيد ثمنه من وطنه وزوجته وحياته.
وبعد أن رحل بقيت الأسئلة. لأن الأسئلة الحقيقية لا تموت بموت أصحابها. بل تبقى تطرق الأبواب. أبواب عقولنا. واحدًا واحدًا.
أتركك اليوم بسؤال واحد، فكِّر فيه بصدق قبل أن تنام: ما الفكرة التي تخاف من مجرَّد التفكير فيها؟ ليس الإجابة، فقط التفكير فيها. لأن الفكرة التي يُخيفك مجرَّد التفكير فيها هي بالضبط الفكرة التي تستحق أن تفكِّر فيها.
شكرًا لمتابعتكم حلقة اليوم من بودكاست “كتاب”. لو أضافت لكم شيئًا شاركوها مع من تحبُّون، ربما تُضيف لهم أيضًا. ولو عندكم رأي أو سؤال أو حتى اعتراض اكتبوه في التعليقات. النقاش هو بالضبط ما كان يريده أبو زيد. أنا حسين سعدون. نراكم في الحلقة القادمة.
