Skip to content Skip to footer

الملة اليهودية | سامر إسلامبولي

   دراسة لسانية وتاريخية في تحولات الدين والملة من الحنيفية إلى الآبائية

  إن البحث في تاريخ الأفكار والمنظومات المعرفية التي صاغت الوعي الإنساني يفرض على الباحث المعاصر تفكيك المفاهيم السائدة وإعادتها إلى أصولها البنيوية الأولى، حيث يتضح من خلال القراءة الفاحصة للتاريخ التشريعي أن النمط المعرفي والمنهج السلوكي الذي يصيب الأفكار بالركود والانغلاق ليس حكراً على جماعة عرقية أو حقبة تاريخية بعينها، بل هو توصيف منهجي عابر للأمم يظهر كلما انكفأت الجماعة البشرية على ذاتها وتبنت عقلية إقصائية تعادي التحديث وتستبدل بالبرهان العقلي تقليداً أعمى، ومن هنا تبرز إشكالية خطيرة تمثلت في اختراق المنهج اليهودي للفكر والفقه الإسلامي عبر قرون طويلة من التراكم التراثي الذي أعاد إنتاج آليات التفكير المنغلقة والآبائية الجامدة تحت عباءة إسلامية ظاهرية، مما أدى إلى شل حركة الفقه وتعطيل فاعلية العقل وحظر التجديد اللساني والتشريعي الذي جاء به التنزيل الحكيم كمنظومة عالمية متطورة تلائم الفطرة الإنسانية وتتحرك في إطار المنهج الحنيف الذي يباين تماماً مناهج الانكفاء والتعصب والجمود المعرفي.

    محورية التفريق بين الدين والملة في التنزيل الحكيم

   ولأجل وضع اليد على مكمن هذا الاختراق وتفكيك بنيته المعرفية، يجب التأسيس للمحور الجوهري المقيم للتفرقة الحاسمة بين مفهوم الدين ومفهوم الملة في التنزيل الحكيم، وهو المحور الذي يجد ركيزته القصوى وبيانه الدقيق في النص القرآني المحكم {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (البقرة 120)، حيث يتبين من خلال هذا النص أن المستهدف بالاتباع والمطالبة ليس ديناً مُنزل؛ بل هو الملة بوصفها الإطار السلوكي والمنظومة الفكرية والاجتماعية التي شكلتها تلك الجماعات وصاغتها عبر الزمان لتتحول إلى عصبية جمعية منغلقة تطالب الآخرين بالانضمام إليها والتقيد بهياكلها المعرفية، فالملة في حقيقتها اللسانية والوجودية تستوجب بالضرورة وجود جمع متصل من الناس يتمثلون فكراً معيناً ويتحركون به ببطء واستمرارية عبر الأجيال، وهذا ما يوضحه التحليل الصوتي الدقيق لأحرف الكلمة التي تعود إلى الأصل الثنائي مل، حيث يدل صوت الميم على الجمع المتصل بينما يدل صوت اللام على الحركة اللازمة المستمرة والمتصلة بطيئة الجريان، ليصاغ من دمج الصوتين المعنى الإمام للكلمة وهو التجمع البشري المتصل والمتحرك باستمرار ببطء دون انقطاع، وهو ذاته المعنى اليقيني الذي يتجلى في الاستخدامات القرآنية المتعددة كما في قوله تعالى {فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} (البقرة 282) حيث يمثل الإملاء عملية اختيار لكلمات محددة متصلة ولفظها ببطء واستمرار ليستوعبها الكاتب، وكذلك في قوله سبحانه {فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} (الرعد 32) بمعنى إمهالهم مدة زمنية ممتدة متصلة ببطء، مما يثبت أن الملة منهج يلتزم به البشر ويتحركون فيه بصرف النظر عن صوابه أو خطئه ولا تستمد اسمها إلا بوجود الجماعة التي تحمله، بخلاف مفهوم الدين الذي يمثل النظام والقانون الشامل والثابت الموحى به من الخالق كنسق متعال لا يستمد وجوده من ممارسات الناس أو اعترافهم كما في قوله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (آل عمران 19) وقوله {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (يوسف 76) حيث أتى الدين هنا بمعنى النظام الحاكم الصارم، مما يوجب عقلياً ولسانياً حذف مقولة الأديان السماوية المتعددة إذ لا يوجد إلا دين واحد هو الإسلام الحنيف المشترك بين الأنبياء جميعاً، بينما اليهودية والنصرانية ما هي إلا ملل ومناهج بشرية تشكلت تاريخياً،

   اليهودية والنصرانية كتوصيفات سلوكية متحركة بين الأمم

   وتأسيساً على هذا الفهم المنفتح، ينبغي إدراك أن اليهودية والنصرانية في التنزيل الحكيم ليستا وصفاً عرقياً محصوراً في سياق تاريخي أو سلالي محدد، وليس هما اسم لدين؛ بل هما توصيفان منهجيان وسلوكيان وعقليان يتحركان بين الأمم وبين أتباع الأنبياء جميعاً عبر امتداد الزمان والمكان، فاليهودية كمفهوم لساني مشتق من هود يهود تدل أصالة على الانكفاء على النفس والانغلاق التام ورفض أي جديد ومحاربته والتمسك بالقديم لكونه قديماً فحسب، وهو توصيف عقلي يصيب أي جماعة بشرية حين تنغلق على وعيها وتحتكر الحقيقة والخلاص وتعتبر نفسها مركز الوجود المعرفي وتمنع أي تحديث لمعلوماتها أو أدوات تفكيرها، فلا علاقة لهذا التوصيف المنهجي بأتباع النبي موسى الذين كانوا مسلمين حنفاء متبعين للوحي، بل هو نمط سلوكي وتفكير طرأ على جماعات من البشر فانكفأت وتيهت وعيها وصنعت مفهومها الإقصائي الخاص، وكذلك الأمر في توصيف النصرانية المشتق من نصران كحال لازم يدل على الستر والحركة المحددة المكررة بامتداد الزمان والمكان منتهية بستر، وهو ما يترجم في حقل الثقافة والمعرفة بالتعصب لموقف أو رأي دون إخضاعه للدراسة والنقاش والانغلاق عليه مع محاولة التعايش السطحي الشكلي مع الآخر المختلف دون اندماج معرفي حقيقي، ليصبح المنهج اليهودي والمنهج النصراني وصمتين عقليتين وسلوكيتين يمكن أن تتلبس بهما أي أمة من الأمم، حتى تلك التي تنسب نفسها إلى الدين الإسلامي، عندما تغيب عنها الروح الحنيفية المتجددة وتستسلم لآليات الجمود والانغلاق والتعصب الموروث،

   المنهج الحنيف في مواجهة مناهج الأرض الانغلاقية

   وفي المقابل التام لهذه المناهج المنغلقة، يقدم التنزيل الحكيم المنهج الحنيف بوصفه الطريقة المثلى لدراسة الدين ومواكبة الفطرة البشرية المتجددة، فالحنيفية المشتقة من حنف تدل لسانياً على الحركة المرنة المنتقلة ذات اليمين وذات اليسار بتوازن دقيق دون مرض أو علة، وهو ما يعني في الفضاء الثقافي والمعرفي التحديث المستمر للمعلومات والمعارف وفق محور ثابت يتفاعل مع المتغيرات دون أن يفقد توازنه، وتأتي صفة حنيف على وزن شهيد كصفة مشبهة باسم فاعل جمعها حنفاء وهي لازمة غير متعدية، ويمثل هذا المنهج الصراط المستقيم والقيم الحنيف المتوافق كلياً مع الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها كما جاء في قوله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم 30)، وهو المنهج الحاكم والتوصيف الشامل الذي يباين مناهج اليهود والنصارى والمشركين قاطبة كما يظهر في قوله سبحانه {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (البقرة 135) وقوله {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (آل عمران 67)، حيث يتجلى من هذه النصوص أن المنهج الحنيف هو الطريق الوحيد لرؤية الدين في نقائه وتطوره، ولذلك تكرر الأمر الإلهي للنبي خاصة وللمسلمين عامة باتباع هذا المنهج بوصفه الهادي إلى الصراط المستقيم كما في قوله تعالى {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام 161) وقوله {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (النحل 123) وقوله {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (آل عمران 95) وكذلك قوله {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} (النساء 125) وقوله {…وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (يونس 105) وقوله {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام 79) وقوله {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (النحل 120)، ليتوج هذا المسار بالأمر المطلق بأن نكون حنفاء مخلصين لله متبرئين من كل عقلية مشركة أو منغلقة كما في قوله تعالى {حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} (الحج 31) وقوله {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (البينة 5)، ومن هنا ندرك أن مناهج التفكير الأرضية كلها لا تخرج عن هذه الثلاثية، حيث يمثل صراط المستقيم والمنعم عليهم الحنفاء الواعين من بني إسرائيل وغيرهم ممن اتبعوا الوصايا بنقاء، بينما يمثل المغضوب عليهم أصحاب المنهج اليهودي الانكفائي، والضالون هم أصحاب المنهج النصراني التعصبي.

{اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ } {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }الفاتحة6 -7

   السلفية والآبائية واختراق الفكر الإسلامي

   ومن هذا المنطلق المعرفي، يتضح كيف تسرب هذا المفهوم اليهودي الانغلاقي واستوطن الفكر والفقه الإسلامي تحت مسمى السلفية بجميع أطيافها، حيث إن السلفية في حقيقتها البنيوية ليست مجرد فرقة مذهبية تاريخية بل هي توصيف كوني لنمط فكري ماضوي آبائي منغلق يعتمد على استحضار الماضي وإسقاط حلوله الجاهزة على مشكلات الحاضر، مما يعزل الإنسان عن واقعه المتطور ويقيده بأغلال تقديس السلف ومحاكاة مواقفهم التاريخية، وهو عينه المرض الفكري الذي تناوله القرآن الكريم بمفهوم الآبائية وشخصه كأكبر عائق أمام التطور المعرفي، حيث يندفع أصحاب هذا التفكير إلى تقليد الأسلاف دون إعمال للعقل ولا التماس للبرهان ودون فهم أو وعي كما في قوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقَلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ} (البقرة 170)، فالسلفية كتوصيف ذهني تلتقي تماماً مع المنهج اليهودي في انكفائه ورفضه للتحديث المعرفي، حيث ترفع شعار تقديس المنقول وحظر المعقول، وإذا ما قمنا بإسقاط هذا التحليل المنهجي على الواقع المعاصر، فإننا نرى بوضوح شديد كيف تجسد هذا الاختراق اليهودي المنغلق في حركات راديكالية وتنظيمات عنيفة وتيارات سياسية دينية تتدثر بعباءة الإسلام وتعيش تحت ظله التاريخي، لكن ملتها الحقيقية وبنيتها المعرفية وطريقة تفكيرها وسلوكها هي ملة يهودية انغلاقية إقصائية بامتياز، ويظهر ذلك جلياً في نموذج تنظيم داعش وفي الفكر الملالي الإيراني على حد سواء، حيث يشترك هذان النموذجان بالرغم من تباينهما المذهبي الظاهري في ذات الخصائص البنيوية للمنهج اليهودي القائم على احتكار الحقيقة المطلقة وادعاء الاصطفاء الحصري ونبذ الآخر المخالف واستباحة وجوده، فتنظيم داعش يعيد إنتاج عقلية الانكفاء والتمسك بتفاصيل تاريخية ماضوية مجتزأة مع محاربة ورفض كل منجز حضاري، وفي المقابل يتأسس الفكر الملالي الإيراني على هيكلية كهنوتية منغلقة قائمة على الحق الإلهي الحصري والقداسة السلالية ورفض النقد المعرفي، مما يثبت بوعي باحث إنساني متجرد أن العبرة ليست بالشعارات المرفوعة بل بالملة والمنهج السلوكي والعقلي الحاكم للتفكير، وحين تتبنى هذه الجماعات آليات الانغلاق ورفض التجديد فإنها تتحرك بوعي أو بدون وعي داخل المنهج اليهودي وتتمثل ملته المنغلقة التي تباين روح الحنيفية المرنة المنفتحة.

خاتمة

إن تصفية الفكر والفقه الإسلامي من رواسب هذا الاختراق المنهجي تقتضي ثورة معرفية شاملة تعيد الاعتبار للمنهج الحنيف كأداة وحيدة لتلقي وفهم التنزيل الحكيم، والفكاك التام من أسر التوصيفات اليهودية والنصرانية والسلفية الماضوية التي حصرت الوعي في قوالب صلدة، فالتحرر من سلطة التقليد والآبائية والانتقال إلى أفق التفكير الحر المستند إلى العلم والبرهان هو السبيل لتجاوز المأزق الحضاري الراهن وإعادة ربط الإنسان بفطرته السوية التي تجعل من الدين نظاماً كونياً مرناً قادراً على استيعاب حركة الزمن وتلبية حاجات البشرية دون السقوط في فخ الانغلاق أو التعصب، وهو الأمر الذي يتطلب شجاعة فكرية تعيد قراءة الموروث بأدوات لسانية ومنطقية حديثة لبناء مجتمعات قائمة على التوازن والتحديث المعرفي المستمر النابع من صراط مستقيم هاد للبشرية جمعاء ومتحرك معها في مسيرتها الحضارية نحو الارتقاء المعرفي المستمر في كل زمان ومكان دون انقطاع.

Leave a comment