قدّمت هذه الدراسة ضمن أعمال الندوة الدورية الثالثة للعام 2026م التي عقدها مركز مجتمع للدراسات الثقافية والتاريخية في أيلول-سبتمبر في العاصمة الأريدنية عمان، تحت عنوان: مصادر التاريخ العربي والإسلامي.
مخطط البحث:
مقدمة:
أولا: مفهوم المصدر في التاريخ العربي – الإسلامي:
ثانيا: المصادر الأم لدراسة التاريخ العربي قبل الإسلام:
- مصادر أخبار العرب وأيامهم والجزيرة العربية قبل الإسلام:
(الرواية الشفهية- أيام العرب – الأنساب – الشعر الجاهلي).
- المصادر العربية الكتابية قبل الإسلام:
- التوراة والتلمود مصدرا للتاريخ العربي قبل الإسلام:
- الإسرائيليات في مصادر التاريخ العربي:
ثالثا: المصادر الأم لدراسة التاريخ العربي- الإسلامي:
- القرآن الكريم:
- بدء التدوين عند العرب المسلمين:
- الإخباريون مصدرا للتاريخ في الإسلام:
- كعب الأحبار (ت 32هـ)ومنهجه:
- عبيد بن شرية الجُرهمي (ت 67هـ)ومنهجه:
- دَغْفَل بن حَنْظَلَة (ت 65 هـ) ومنهجه:
- وهب بن منبّه (ت ١١٤هـ) ومنهجه:
- أبو مخنف (ت 157هـ) ومنهجه:
- عوانة بن الحكم الكلبي (ت 147هـ) ومنهجه:
- سيف بن عمر (ت نحو 180هـ) ومنهجه:
- نصر بن مزاحم (ت 212 هـ) ومنهجه:
- علي بن محمد المدائني (ت ٢٢٥هـ) ومنهجه:
- علم الحديث وأثره في نشأة علم التاريخ عند المسلمين:
- كتب السيرة النبوية:
- عروة بن الزبير (ت 94 هـ) ومنهجه في السيرة:
- محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (124 هـ) ومنهجه في السيرة:
- عاصم بن عمر بن قتادة (ت 120هـ) ومنهجه في السيرة:
- محمد بن إسحاق (ت ١٥١ هـ) ومنهجه في السيرة:
- كُتب المغازي والفتوح:
- سهل بن أبي حَتْمة (ت ٤١ هـ) ومنهجه:
- موسى بن عقبة (ت 141هـ) ومنهجه:
- أبو إسحاق الفزاري (ت: 186 هـ) ومنهجه:
- محمد بن عمر الواقدي (ت ۲۰۷ هـ) ومنهجه:
- أحمد بن يحيى البلاذري (ت 279هـ) ومنهجه في كتاب فتوح البلدان:
- كُتب علم الطبقات عند المسلمين:
- كُتب علم التراجم عند المسلمين:
- كُتب علم الأنسابعند المسلمين:
- كُتب التاريخ المحلي وتاريخ المدن:
- كُتب التاريخ العامة:
- كتب الحوليات ومنهجها:
- كتب الموضوعات ومنهجها:
- منهج مؤرخي القرن الثالث:
مقدمة:
يعتبر موضوع مصادر التاريخ العربي من أعقد الموضوعات وأكثرها إثارة للنقاش في أوساط المثقفين، وهذا النقاش الذي يدور حولها منذ القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، ازداد زخماً في القرن التاسع عشر في أوساط المؤرخين الغربيين، إذ لم يكن لدى أي من الباحثين، سواء الغربيين أم المسلمين، منهج نقدي تجاه المصادر التاريخية العربية لإعادة بناء العصور الإسلامية الأولى. وأمام هذا التطور في الدراسات التاريخية كان من الضروري تحليل مصادر التاريخ العربي، وما قدمته لنا عن العقود الأولى من الإسلام؛ وهو كم هائل من المواد التي يبدو أنها تغطي جوانب عديدة من أصول الإسلام، كما أنها تقدم تفاصيل عن سمات مهمة مثل السيرة والمغازي والتراجم والطبقات والفتوحات. ولما كانت هذه المصادر أساسا لدراسة التاريخ في أكثر حقبةٍ إشكاليةٍ من تاريخ المسلمين، سهل علينا فهم لماذا أثارت هذا الزخم من النقاش، فمعظم الصراعات التي نعيشها اليوم قامت بناء على ادعاء الحق، استنادا لمرويات التاريخ.
ومن المهم جدا أن يكون لدى قراء التاريخ الإسلامي فكرة واضحة عن ماهية المصادر الأولية لكتابة التاريخ الإسلامي: إذ اعتمد المؤرخون المسلمون على الرواية الشفوية من الثقات، وكانت مصدرهم الأول، وعلى ما أتيح لهم من الوثائق الرسمية: من عقود البيع والشراء، وسجلات الدواوين، والرسائل ونصوص المعاهدات والاتفاقيات، ومنشورات الحكام، والوثائق المتعلقة بالضرائب (معظمها من مصر)، إن كل ذلك يعتبر مصادر أولية، وقد أوردوها المؤرخون العرب بنصوصها في مدوناتهم.
في الواقع لقد اعتبر علماء ومؤرخو المسلمين التأريخ المصدر الثالث للمعرفة والبحث بعد القرآن والسنة. ولذلك بعد جمع وتدوين أحاديث النبي ﷺ، شرعوا في كتابة التاريخ، وعلم التاريخ عند العرب المسلمين في نشأته ومنهجه وغايته تأثر تأثرا بالغاً بعلم الحديث، فقد دفع بحث علماء الحديث عن رواة موثوقين وصادقين إلى تطوير مناهج نقدية؛ يتضمن هذا المنهج البحث في المعلومات البيوغرافية للرواة وتسجيلها، بما في ذلك صفاتهم الشخصية، واحتمالية لقائهم بالنبي ﷺ أو صحابته أو أتباعهم. وتشكل هذه الدراسات جوهر علم السيرة، الذي شمل دراسات حياة النبي ﷺ وصحابته كقدوة للمسلمين في الأخلاق والإيمان. وبالتالي تميزت منهجية البحث التاريخية -بفضل علم الحديث- عندهم بمعيار لم يظهر في علم التاريخ في أي حضارة من حضارات العالم، ألا وهو «علم الرجال» أو «علم الجرح والتعديل»، فلما كان التاريخ مجموعة من الروايات متصلة السند، كان من الواجب على المؤرخ أن يحقق في رواتها، هل هناك انقطاع في السند؟ هل بين سلسلة رواة الحادثة من اشتهر بالكذب أو النفاق أو التدليس أو شهادة الزور؟ عندها تصنف الرواية على أنها ضعيفة أو متروكة، بمعنى البحث في عدالة الرواة*، وإذا كانت سلسلة الرواة متصلة برجال ثقات، كانت الرواية حُجَّةً. كما وجب على الراوي أن يكون حافظا للحديث عن ظهر قلب (الضبط)، وعلى علم بالأحاديث المروية، سواء فيما يخص معناها، أم ألفاظها، أم الظروف التي قيلت فيها، والغرض المقصود منها يوم قولها، وهل الحديث منسوخ أم لا.
بمعنى أن المؤرخين قد طبقوا ما طبقه رواة الحديث، لكن في الحديث يروى القول عن رسول الله ﷺ أما في التاريخ يروى القول عن أشخاص، فالتراث الإسلامي يقسم المحتوى المنقول إلى مجموعتين منفصلتين: الأخبار والأحاديث. الأخبار هي تلك الأقوال التي تشير إلى أحداث تاريخية، مثل الحروب ومعاهدات السلام وحياة الخلفاء، بينما الأحاديث هي أقوال منسوبة إلى النبي ﷺ مباشرةً، وتشكل مجتمعة السنة النبوية، وهي مصدر أساسي لهداية المؤمنين([1]). لذلك ضعيف الحديث تقبل روايته التاريخية، فكان محمد بن إسحاق ضعيف الحديث، إلا أنه كان عمدة في السيرة، وعندما سئل أحمد بن حنبل عن تفسير الكلبي؟ قال: “من أوله إلى آخره كذب”. فقيل له: فيحل النظر فيه؟ قال: “لا”([2])، إلا أن الكلبي حجة في الأنساب. بمعنى أن التشدد الذي انتهجه علماء الحديث في جمع حديث رسول الله ﷺ لم يطبقه جامعوا الأخبار، والتساهل في التاريخ كان لسببين، الأول هو الدوافع السياسية، والثاني أن التاريخ لن يصدر عنه حكم شرعي. وقد استمر هذا النهج حتى القرن الثالث الهجري (التاسع والعاشر الميلادي) بعدها بدأ المؤرخون بإدخال قواعد المنهج العلمي إلى التاريخ، فظهرت فلسفة التاريخ، والتاريخ الاقتصادي، وتم تسليط الضوء على الجغرافيا التاريخية والإثنوغرافية والأنثروبولوجيا. كما أبدع المسلمون في: علم الطبقات وعلم التراجم: فمن أرخ لعلماء من مختلف الفنون؛ من أطباء وعلماء وفقهاء ومفسرين ومحدثين كان كتابه تراجماً؛ ككتاب ابن أبي حجر العسقلاني «الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة»، ومن أرخ لفن واحد فكتابه يندرج في علم الطبقات ككتاب «طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة. وسرعان ما تشعبت نواة علم التاريخ عند العرب حتى وصلت إلى التاريخ العام.
أولا: مفهوم المصدر في التاريخ العربي – الإسلامي:
طالما كانت صحة المصادر التاريخ الإسلامية من كتب الحديث والفقه والسيرة والمغازي موضع نقاش منذ تاريخ مبكر، فعندما شرع في تدوين التاريخ العربي؛ ظهر أن عدد من المؤرخين العرب المسلمين قد حملوا تلك الروايات إلى كتبهم، وأحيانا دون نقد أو تمحيص، فالطبري مثلا في تفسيره للقرآن الكريم قد نقل عن وهب بن منبّه. وابن إسحاق في سيرته كان راويةً لـ عبيد بن شَرِيَّة الجُرهمي، بل إن ابن خلدون ذاته الذي نقد تلك الروايات، وأظهر لا عقلانية بعض الأخبار اليمنية، اغترف هو الآخر منها([3]). وبالنسبة للباحثين المعاصرين الذين يبحثون عن الحقيقة الموضوعية، فإن الأدبيات الإسلامية، بدلاً من الصحة العقائدية، تُعدّ موضع شك. وتزداد هذه المشكلة أهميةً إذا أخذنا في الاعتبار أن تدوين التفسير والحديث والفقه والسيرة وغيرها من الكتب الإسلامية بدأ بعد قرن إلى ثلاثة قرون من وفاة النبي ﷺ([4]). وكان المؤرخون الغربيون منذ منتصف القرن 19 قد بدأوا، بدراسة جديدة لمصادر التاريخ العربي، وأثاروا العديد من القضايا المتعلقة بها وبموثوقيتها. وأُخذت أنواع أخرى من الأدلة في الاعتبار، مما دفعهم إلى إعادة تقييم التراث الإسلامي، الذي يُعدّ المصدر الأكبر لدينا، والذي رُفض في بعض الحالات اعتباره صحيحاً([5]). وقبل إطلاق الأحكام يجب أن نفكك الخطاب العام ونعرف مصطلحاته.
يشير مصطلح الأدب إلى الكتابة المتسقة في نمط التعبير والشكل، والتي كُتبت خصيصاً لتكون ذات قيمة دائمة ويقرأها الجميع، وتشمل أدبيات السير الذاتية، والتعليقات، والمذكرات، والروايات، والشعر، لذلك اعتبر المؤرخون الغربيون مصادر التاريخ العربي المكتوبة (بما فيها الحديث والسيرة وتفاسير القرآن والكتب التاريخية): أدباً؛ لأنهم افترضوها خالية من “الحقائق الملموسة” ولا تقدم سوى وجهات نظر مُؤلفيها حول هذه الحقائق. ووفقاً لهذه الفرضية، يجب تدعيم المصادر بـ “بقايا مادية” مثل العملات المعدنية والنقوش والآثار. بينما يشير مصطلح السرد إلى العروض الشفوية أو المكتوبة لحدث أو أكثر من حدث وقع في الماضي، صنعه شخص أو مجموعة من الأشخاص. أما المصدر فيشير إلى نقطة انطلاق السرد، والذي قد يكون مصدراً مكتوباً (مثل السيرة الذاتية) أو مصدراً شفوياً (الراوي). ويُستخدم مصطلح التقاليد الإسلامية بشكل مختلف حسب السياق: فقد يشير إلى الإسلام ككل، أو إلى واحد أو أكثر من فروعه، مثل الحديث أو السير أو التراجمأو المغازي([6]).
ويميز المؤرخون بين المصدر والمرجع على أساس المباشرة والوساطة في تقديم المعلومات المتعلقة بموضوع الدراسة التاريخية، لأن المصدر: هو الذي يمد المؤرخ بجملة من البيانات والمعلومات التي تمت كتابتها أو النطق بها من الأشخاص الذين كانوا من الشهود على الحدث وعاصروه أو شاركوا في صناعته، أو ما يلقى الضوء على أحد جوانب الموضوع التاريخي بطريقة مباشرة، فالكتاب الذي يروي مؤلفه ما شاهده بصدد موقعة معينة أو ما سمعه من أحد شخصيات تلك الموقعة؛ يُعد مصدراً أولياً بالنسبة لتاريخ هذه الموقعة، وتسمى هذه المصادر “بالمصادر الأصلية”؛ لأنها تأتي في نفس الزمن الذي وقعت به الظاهرة أو الحادثة التاريخية، وهو شرطٌ صارمٌ لدرجة أنه يستحيل تحقيقه في دراسة معظم الفترات التاريخية، لاسيما في الفترات الباكرة من تاريخ العرب([7]).
ويؤكد كل من الأستاذ هاول Howell وبريفينير Prevenier أنه لا يمكن لأي مصدر أو تفسير له؛ أن يكون “موثوقاً تماماً” لأنه لا يوفر معرفة يقينية عن الماضي. وفي هذا السياق، يشير ستيف ماسون Steve Mason’s إلى أن توقع اليقين لا يؤدي إلى اليقين، بل إلى غيابه فيما يتعلق بالتاريخ برمته. لذا، لا ينبغي لنا أن نتوقع من المصادر أو التاريخ أن يكون موثوقاً تماماً؛ أي لا ينبغي لنا أن نتوقع منهما أن يوفرا لنا اليقين، ولكن لماذا؟ يقدم هاول وبريفينير عدة أسباب، منها أن المصادر تفتقر إلى الشمولية والحيادية المطلوبتين، وأن الفجوة الزمنية بين المؤرخين والمصادر قد تكون كبيرة لدرجة أن المؤرخين لا يستطيعون الإلمام الكافي بالسياق الثقافي للمصادر لفهمه فهمًا كاملًا، وأن الأساليب التي يستخدمها المؤرخون ليست خالية من العيوب. وبالتالي من المستحيل تحقيق الموثوقية التامة([8]). ولكن ماذا عن نوع الموثوقية الذي لا يتعلق باليقين، بقدر ما يتعلق بالاحتمالية أو المعقولية؟
من الواضح إن هذا النقص في المصادر لا ينبغي أن يُشكِّل، من حيث المبدأ، مشاكلَ لا تُحل بالنسبة للحقبة الباكرة من تاريخ العرب والمسلمين، شريطةَ وجود استعدادٍ لاستخدام التقنيات المعيارية للمنهج التاريخي، والانتقال من إعلان منهجٍ تأويلي قائم على الشك إلى إجراءٍ لاسترجاع المعلومات. فمثلاً، يُمكن الوصول إلى تاريخ بيزنطة في القرن السابع من خلال مصادر القرن التاسع، “دون أن يشعر المختصون بتاريخ بيزنطة بالأسف حيال ذلك”. وهذا يدفعنا للقول إلى أن تأخر مصادر تاريخ المسلمين الأوائل، والذي أدى إلى رفضها أو التشكيك المفرط فيها، وهو أمر مبالغٌ فيه، يدفع البحث العلمي إلى “مناقشاتٍ أكثر انغلاقًا من أي وقت مضى”([9]).
في الواقع إننا لن نتمكن أبداً من استعادة نصوص محادثات النبي ﷺ، أو محاضر اجتماعاته، أو سجلات غزواته، أو سجلات الغنائم التي استولى عليها ووزعها، أو المعاقل التي مرَّ بها، أو السجلات المادية لخطاباته، أو النسخة الأصلية من معاهدة الحديبية، أو المسودات والتنقيحات المتتالية لدستور المدينة، كما أنه من غير المرجح أن نحصل على المسودات التي كتبت عليها الآيات القرآنية بقلم كتاب الوحي قبل جمع القرآن الكريم -لأول مرة- من قبل أبو بكر الصديق t، أو أي سجلات من ديوان عمر بن الخطاب t. لكن إدراك هذا الغياب للوثائق المباشرة هو بداية القصة وليس نهايتها، مما يدفع الباحث إلى الاستعانة بمهارات البحث التاريخي، وإجراءات التفسير التاريخي للتعامل مع مثل هذا الوضع، طبعاً مع إدراك أن مصادر كل حقبة من حقب التاريخ تبقى خاصةً بها([10]).
ولما كان التاريخ العربي–الإسلامي فرعاً من علم التاريخ؛ كان من الطبيعي أن تكون أدوات ومناهج المؤرخين المسلمين لا تخرج -من حيث المبدأ- عن أدوت علم التأريخ، ولما كان علم التاريخ قد نشأ عند العرب-المسلمين فرعا من علم الحديث، فمن الحري أن يتأثر بطريقة جمع الحديث ونقده، وأسلوب تدوينه وإسناده. فالمؤرخون العرب في جمعهم «للخبر»، كما في جمعهم «للحديث»، سعوا إلى المصادر الموثوقة، وإن كانت في بادئ الأمر مستندة على الأكثر إلى الرواية الشفوية؛ فالمصدر الموثوق هو إذا الشخص العدل، الذي له علم مباشر بالواقعة المروية، كأن يكون قد عاينها مباشرة أو اشترك فيها، أو أخذها من مواردها الأولى: كجيل الرواة الأول، أو من وثيقة مفقودة. ومن ثم كان المؤرخون في تقميشهم للوقائع التاريخية -وهذه أول خطوة من خطوات البحث التاريخي العلمي- يجوبون مختلف البقاع، ليحصلوا على المعلومات الصحيحة، من أناس عاصروها، أو من مستندات مدونة سمعوا بوجودها([11]). وإن من وضع أسس الكتابة التاريخية عند العرب المسلمين؛ مؤرخون علماء لم يكن لهم هم ولا شاغل سوى تقصي الحقيقة والمتابعة التاريخية، وكانوا أصلاً من المفسرون لكتاب الله عز وجل، أو من المحدثين بأحاديث رسول الله ﷺ، ثم أضافوا لعملهم كتابة التاريخ وأخبرونا بأهدافه، وتحدثوا عن فوائد ذلك العمل في الدنيا والآخرة. ولهذا نجد الكثير مطمئنين إلى ما كتب المؤرخون المسلمون الأوائل([12]).
في الواقع علينا أن ندرك أن سكان الجزيرة العربية قد ظلوا يتناقلون شفهيًا جميع الأحداث التي وقعت لهم، وكانت هذه الممارسة هي الطريقة الوحيدة لنشر المعلومات خلال القرنين الأولين اللذين حظيت أحداثهما بأهمية مركزية في التاريخ الإسلامي([13]). كما اعتمدوا على ما أتيح لهم من الوثائق الرسمية: من عقود البيع والشراء، وسجلات الدواوين، والرسائل ونصوص المعاهدات والاتفاقيات، ومنشورات الحكام، إن كل ذلك يعد مصادر أولية، أوردوها المؤرخون العرب بنصوصها في مدوناتهم؛ فاليعقوبي (284هـ) قد خصص فصلا خاصا في تاريخه لمكاتبات الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين (حتى أنه أورد 20 رسالة)، والبلاذري (279هـ) ضمن كتاب «أنساب الأشراف» بعض الرسائل لشخصيات عدة منهم عثمان بن عفان t، وكذلك فعل كل من الطبري، وابن الجوزي (597هـ) في كتابه «المنتظم»، والعماد الأصفهاني (597هـ) في كتابه «البرق الشامي»، بل إن بعضهم كان يلاحق الوثائق الماضية ليدون تاريخه منها. واعتمد بعضهم على النقوش الكتابية في الأبنية كالخطيب البغدادي، وابن الشحنة، والأزرقي، ومن النقوش على الأختام. ويمكن القول إن المؤرخين العرب قد استخدموا مختلف العلوم والمعارف مصدرا لكتاباتهم التاريخية، سواء على الصعيد المنهجي أم المستوى المعرفي([14]).
كما كان معظم مؤرخي الحضارة العربية ذوي ثقافة موسوعية؛ فقد أفادوا منها في مجال الكتابة التاريخية، إذ اقتبسوا الكثير من قواعد المنهج العلمي التجريبي الذي ترسخ في هذا العصر، بفضل ابن الهيثم وابن سينا والبيروني وغيرهم. بفضل ذلك كله احتل علم التاريخ مكانة جلية في كتب تصنيف العلوم؛ فقد أفرد الخوارزمي (ت 232هـ) باباً «لأخبار التاريخ» في مصنفه «مفاتيح العلوم». كما خصص ابن النديم (384 هـ) فصلاً مطولاً عن المؤرخين والتاريخ والنسابة في كتابه «الفهرست». واعتبر إخوان الصفا وخلان الوفا -في القرن الرابع الهجري- علم التاريخ من العلوم الأساسية التي وظفوها لتثقيف الأتباع والأعوان. وليس جزافا أن يعترف جُل دارسي علم التاريخ الإسلامي بهذه النقلة التي اكتمل بفضلها أطر علم التاريخ([15]). وهكذا أثرت الكتابة التاريخية في تلك الفترة، استجابة لتزايد نفوذ المنهج العلمي؛ حيث تمكن المؤرخون من تعديل المضامين والأشكال والمنظورات التاريخية، وقد نقل هذا التحول التدريجي التاريخ إلى بيئة جديدة أكثر “علمانية”، وفي هذه البيئة، لم يعد يُنظر إلى أسلوب الحديث وآفاقه كمعيارين كافيين لمصداقية الروايات التاريخية([16])، واختط المؤرخون طرائق وقواعد جديدة أثرت هذا العلم موضوعاً ومنهجاً ورؤية، فتحول التاريخ من الرواية إلى الدراية. ولا غرو فقد تطورت موضوعات التاريخ المدرُوسة من قبل، واستحدثت موضوعات جديدة، كالاهتمام بالتاريخ الاقتصادي ومفرداته، ومزج التاريخ بالجغرافيا والسياسة والفلسفة والعقائد والذهنيات وغيرها؛ وهي من مقومات التاريخ الحضاري. وشهدت الموارد التاريخية تطوراً مماثلاً، فجرى الاعتماد على الوثائق والمذكرات والآثار والنقود والنقوش وغيرها، وجرى الاهتمام بنقد المصادر المكتوبة، فصنفت كتب خاصة في نقد الروايات والرواة وغدت الأخبار المستقاة من المشاهدة والعيان حجر الزاوية في المادة التاريخية المعول عليها([17]).
ولما كان يفترض بأن المؤرخين فاعلون اجتماعيون يمارسون فعل كتابة التاريخ في سياقهم الاجتماعي الخاص، فإن النصوص التاريخية تُكتب من قِبل أشخاص مختلفين، وفي أماكن وأزمنة مختلفة؛ وبالتالي فإن لغة النص تحمل نكهة سياقه، ومن خلال ربط لغة النص بالسياق، يمكننا التمييز بين الروايات غير المتوافقة مع العصر والروايات الأصيلة، أي مصداقية المصدر([18])، وليست جميع المصادر درجة واحدة من المصداقية، ومن الحكمة تقديم توجيه أولي فيما يتعلق بالموثوقية التاريخية؛ فعندما يقول الباحث “إن هذا الكتاب هو مصدر تاريخي موثوق”، فإنه يعني أنه جدير بالاعتماد عليه، أو ينبغي الاعتماد عليه، ولا يعني هذا أن كل ما جاء فيه موثوق، لذا يجب توخي قواعد المنهجية التاريخية عند اعتماده؛ أي عدم الاعتماد عليه بشكل عشوائي، بمعنى لا قبول في المطلق ولا رفض بالمطلق. لهذا السبب يُعتبر الحكم على موثوقية مصدر؛ ما هو إلا حكماً مدعوماً بالحُجج، لا سيما في سياق جدلي؛ حيث تُوازن الآراء المتعارضة مع بعضها بعضاً (مثلا: هل يمثل المصدر X الماضي الفعلي أم لا؟). وهكذا عندما يقول الباحث “إن مصدراً ما موثوقٌ تاريخياً”، يكون هذا الحكم مدعوماً بحجج ذُكرت أو لم تُذكر بعد، وقد يعكس قناعة الباحث بأن الحُجج الإيجابية تفوق الحُجج المضادة لها([19]).
وهذا ما يمكن لنا أن نطلق عليه اصطلاحاً “ملكة النقد” فلا يجوز للمؤرخ أن يقبل كل الكلام أو يصدقه، أو يصدق كل وثيقة أو مصدر بغير الدرس والفحص والاستقراء، فيأخذ الصدق أو أقرب ما يكون إليه، ويطرح جانباً ما ليس كذلك. وإذا أعوزت المؤرخ ملكة النقد سقطت عنه صفته، وأصبح مجرد شخص يحكى كل ما يبلغه على أنه حقيقة واقعية([20]). حتى أن البيروني جعل فلسفة التاريخ عنده تقوم على العقل النقدي أولاً، والوجود المادي ثانياً، والفعل البشري أخيراً. وكان المؤرخ الفيلسوف مسكويه ممن عول على النظرة النقدية للمرويات، واعتمد فيها ما يقبله العقل، كما اعتمد على حصاد مشاهداته وصلاته واستخلص منها جميعاً مادة كتابه، الذي اعتبره البعض أهم ما كُتب في التاريخ الإسلامي. فلقد نَظر مسكويه إلى الروايات التاريخية باعتبارها محض أخبارٍ تجري مجرى الأسمار والخرافات لا فائدة منها، إن لم تتفق مع المنطق، ومن هنا حرص على اخضاعها للعقل المنوط بتمحيصها أولا، ثم تعليلها([21]).
في الواقع لا يوجد خلاف يُذكر بين الباحثين على أن المصادر العربية تُستخدم غالبًا دون نقد، وأنها تعاني من مشكلات متنوعة، وقد شهدت دراسات المصادر الأدبية للفترة الإسلامية القديمة في العقود الأخيرة تباينات حادة في الآراء. لكن في المقابل يجب التنويه إلى حجم الهجوم الكبير على مصداقية المصادر العربية منذ ثلاثة قرون، فبغض النظر عن المخاوف المشروعة بشأن المصادر، فإن الدراسات المتشككة للغاية؛ تبدو في معظمها مفتعلة، بما يتجاوز متطلبات البحث التاريخي، والهدف منها تعطيل مهمة المؤرخ الرئيسية، في تجاوز حدود المصادر، في سبيل إعادة بناء التاريخ، وتتجلى خصوصية هذا الوضع الناجم عن الاستسلام التام للمصادر، في حلقة مفرغة تتمثل في: بناء صورة عن الإسلام المبكر من مصادر تُستخدم لاحقًا لإنقاذ نفسها والصورة المستخلصة منها، ليتحول الأمر إلى هوسٍ بنقد المصادر على حساب جميع المهام التاريخية الأخرى، مما يَختزل دراسات الإسلام في نهاية المطاف إلى مجرد “علم المصادر” (Quellenkunde) “الببليوغرافيا العليا”. وهو أمر ليس مثمراً على وجه الخصوص، وينتج عن ذلك تحويلٌ للطاقة البحثية من مسارات البحث المثمرة وأسئلته إلى قضايا وهمية، وأحيانًا تافهة([22]). حتى إن المؤرخ العام بات متشككًا في قدرته على إعادة بناء الماضي، وفي إمكانية استخلاص الحقائق من المصادر، فضلًا عن إمكانية تصنيف المصادر من حيث موثوقيتها. ويشير هاول وبريفينير إلى أن هذا الأمر يتعلق بـ “وضع الحقيقة” و”مشكلة الموضوعية”. فالأولى تشير إلى مسألة ما إذا كانت تفسيرات الماضي التي تقدمها لنا مصادرنا معزولة عن الماضي الفعلي، أم أنه يمكن إعادة بناء جوانب من الماضي الفعلي من خلال هذه التفسيرات، أما الثانية فتشير إلى مشكلة عدم قدرة المؤرخين على فصل أنفسهم عن تأثيرات حياتهم ومجتمعاتهم لدراسة الماضي من منظور شامل أو منظور أرخميدس، أي المنظور الذي يسمح برؤية أي شيء بكامله دون أي تحيزات أو أحكام مسبقة. ويوضح هاول وبريفينير أن كل مؤرخ فرد ذو قدرات مختلفة، مرّ بتجارب متباينة، وطوّر طرق تفكير مختلفة تؤثر على استفساراته المتعلقة بمصادرنا والماضي. ولا تقتصر هذه الفردية على المؤرخين فحسب، بل تشمل أيضًا الأشخاص الذين يدرسونهم، ولذلك يفتقر المؤرخون إلى الموضوعية ويدرسون الماضي من خلال روايات أشخاص يفتقرون بدورهم إلى الموضوعية. ويذكر هاول وبريفينير أن قدرات المؤرخين والأشخاص الذين يدرسون رواياتهم تتحدد بعوامل مثل مخاوفهم وتطلعاتهم وبيئتهم السياسية وخلفياتهم التعليمية والعرقية، ويدعي هاول وبريفينير أن هذه العوامل تحدد إلى حد كبير ما يُعتبر (وما كان يُعتبر) حقيقة واقعة من قِبل المؤرخين والأشخاص الذين تُدرس رواياتهم([23]).
بينما تأثرت مصادر التاريخ الشيعية، سلباً بمعطيات العصر السياسية والثقافية، فانحازت إلى فكرة الإمامة، وأخذت بمبدأ التقية في التاريخ، فمثلا صلح الحسن ومعاوية في عام الجماعة الإسلامية سنة 41 هـ ما هو إلا تقية من الحسن عليه السلام وتنازل ظاهري. كما لم تخل مصنفاتهم من تهويم الرؤية والشطط في الرأي، وقد كَتَبَ هؤلاء في الغالب الأعم وفق منطق «الدفاع» عن مذاهبهم وأيديولوجياتهم، فاتسمت كتاباتهم بالسجال والتعصب، كما روجوا لأفكار وهمية وأسطورية كفكرة «المهدي» أو «المخلص»، ونصوص الأئمة في الرواية الشيعية نصوص مقدسة تقطع على الرواية التاريخية، (بحكم اعتقاد الشيعة بعصمة الأَئِمَّة) مما فت في قيمة ما صنفوا من تواريخ دارت معظمها حول عقائد مذاهبهم ورجالاتهم، فمثلا دون سعد بن عبد الله القمي (ت ۲۹۹هـ) كتاباً عن الشيعة؛ فصودر وأحرق. وإذ أفلت كتاب مقاتل الطالبيين للأصفهاني من المصادرة، فيعد أنموذجا للكتابات ذات الطابع المأساوي «البكائي» التي تتعالى فيها التشنجات العاطفية على التفسيرات العقلانية والواقعية. ويعتبر كتاب الكافي من أبرز وأهم كتب الحديث عند الشيعة الإثني عشرية، وضعه أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي (ت 329هـ). وتجدر الإشارة إلى أن الشيعة أسقطوا رواية كل صحابي اختلف مع الإمام علي كرم الله وجهه، فمثلا أسقط اليعقوبي روايات أبي هريرة* t لقربه من الأمويين. وفي المنحى نفسه صنف مؤرخو المعتزلة عن مذهبهم ورجالاته وأعلامه، كما هي حال عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي (ت ۳۱۹هـ) في كتاب «طبقات المعتزلة». أما مصنفات المتصوفة فاتخذت في الغالب الأعم طابعا أخلاقيا، إذ استهدف مصنفوها تغيير الواقع بالنصح والوعظ أو الدعاء من أجل الخلاص. يفهم هذا من مصنفات صوفية مثل «مواعظ الخلفاء» و «ذم المنكر» و«الفرج بعد الشدة» …. إلخ، وكلها تتنكب طريق العقلانية وتعول على الخرافات والكرامات والخوارق([24]).
أما المصادر الثانوية فكما هو واضح من اسمها؛ هي مصادر مستمدة من مصادر أخرى أكثر موثوقية، وبالتالي هي تقدم للباحث معلومات وبيانات مستقاة من أشخاص قاموا بنقل الحدث دون أن يعاصروه أو يشاهدوه بشكل شخصي، ومثال هذا النوع من المصادر هي الكتب المهتمة بتأريخ أزمنة أقدم من عصر المؤلف([25])، وبما أنه لا يوجد كاتب، باستثناء شاهد العيان، يمتلك معرفة بالماضي الذي يكتب عنه، وحتى هذه المعرفة قد تكون ملوثة بميوله. وفقًا لهذه الفرضية، ينبغي لنا مقارنة المصادر بمصادر أخرى، ولا سيما “البقايا غير المكتوبة” مثل العملات المعدنية والنقوش والآثار، من الفترة الزمنية نفسها([26]). ولما كان أغلب المؤرخين المسلمين قد دونوا مؤلفاتهم من الخليقة حتى عصرهم، فإن المادة التاريخية التي سبقت عصرهم تعتبر كلها مصدرا ثانويا. وتختص المصادر الإسلامية المبكرة بالوفرة والتنوع، مع تفاوت مهم في القيمة والأهمية المتصلة بالأحداث والفترات؛ إذ يتعين على الباحث فيها أن يعود إلى القرآن الكريم، والأحاديث، والتفاسير، وكتب السيرة والمغازي، والأخبار والتراجم وكتب الفرق والنحل والفقه والأحكام وكتب الجغرافيا والمسالك والممالك، وحتى كتب الأدب والشعر والأمثال([27]).
واليوم تعد الوثائق والمخطوطات أهم مصادر التاريخ العربي، وتأتي الوثائق في المرتبة الأولى بين المصادر الأساسية للتاريخ؛ لأنها تحتوي على مادة تاريخية حية غير قابلة للتغيير، ونقصد بالوثائق الأوراق الرسمية مثل الرسائل والسجلات، والأوامر القضائية والمالية والأحكام والفتاوي والمعاهدات والاتفاقات … الخ، ومن ناحية القيمة العلمية تعتبر الوثائق غير المنشورة أكثر قيمة وتعطي البحث التاريخي أهمية كبيرة. أما المخطوطات ما حقق وطبع منها (كالسير والتراجم وكتب التراث العربي وغيرها) وما لم يحقق ويطبع بعد، ولا تزال بخط المؤلف. ومعظم هذه المخطوطات توجد في المكتبات الأكاديمية والعامة ودور الوثائق، وقد أصبح استخدامها شائعاً ومنتشراً في البحث التاريخي خصوصاً، وإن كثيراً من الكتب المهمة لم ينشر بعد، وإن معرفتنا بالتاريخ العربي–الإسلامي مصدرها دراسة نحو 20 % من المخطوطات العربية فقط، لذلك تشكل المخطوطات كنزا علميا ذو قيمة عالية، وتجدر الإشارة إلى أنه قد فُقد الكثير منها، أو ضاع بعض أجزائها المهمة، كما توجد بعض صفحات المخطوط ممزقة وبالية بفعل الزمن أو سوء الحفظ في المكان الذي كانت فيه. عموما إن مصادر التاريخ العربي متنوعة وتنقسم إلى مصادر أولية ومصادر ثانوية. أما المرجع فهو الذي يمد المؤرخ بجملة من المعلومات، أو ما يلقى الضوء على أحد جوانب الموضوع التاريخي بطريقة غير مباشرة. فالكتاب أو البحث أو المقالة التي تشرح وجهات نظر المؤرخ الحديث وتحليلاته لوقائع موضوع تاريخي قديم تعد (مرجعاً) في نظر المؤرخين أو مصدراً ثانوياً([28]).
وتجدر الإشارة إلى أن مصادر تاريخ العرب قبل الإسلام وتاريخ الإسلام الباكر قد تعرضت منذ القرن التاسع عشر لحملة تشكيك كبيرة، تلخصت في أن مصادر تاريخ الإسلام المكتوبة يجب أن تُدعم بمصادر مكتوبة أخرى أو أدلة مادية، إلى درجة أن غياب المعلومات الداعمة يُعد سببًا للافتراض بأن مصادر الإسلام المكتوبة لا تُمثل الماضي الفعلي. ويشير عدد من هؤلاء المؤرخين الغربيين إلى أن هذه الفرضية تقبل حجة الصمت، والتي تنص على أن غياب الأدلة الداعمة لحدث معين يُعد بحد ذاته دليلًا على أن هذا الحدث لم يقع. هذه الحجة إشكالية لأن ليس كل الأدلة التي تدعم أحداثًا ماضية قد وصلت إلينا: فإذا كان من المحتمل ألا تكون الأدلة قد وصلت، فمن غير الآمن الاستدلال بناءً على غياب دليل على عدم وقوع حدث ما. مع ذلك، من غير الآمن أيضاً افتراض وقوع حدث ما دون وجود دليل عليه، لأنه كما أشار كورين Koren ونيفو Nevo بشكل مبهم، إذا لم يقع حدث ما، فإن الصمت هو أفضل دليل يمكن اكتشافه لدعم فرضية عدم وقوعه. ولعل من الأفضل لنا التريث في إصدار الأحكام بشأن وقوع حدث ما إذا لم تتوفر أدلة كافية تدعمه. كما تجدر الإشارة إلى أن الهدف العميق من هذه الفرضية هو تناول القرآن الكريم (وهو المصدر النصي الرئيسي في الإسلام) بالنقد الأدبي. ووفقًا لهذه الفرضية، ينبغي لنا أن ندرس القرآن دراسة نقدية باعتباره مصدرًا أدبيًا، وأن نسعى لاكتشاف كيف نشأ على الأرجح، وكيف تطور إلى النص الذي بين أيدينا اليوم، وأن نخضع لغته للنقد اللغوي([29]).
ووصل الأمر مع اتباع منهج الشك الديكارتي أن الدكتور طه حسين (1889- 1937م) في كتابه «في الشعر الجاهلي» شكك بوجود إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وقال ما نصه إن وجود هذين الاسمين في القرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، ورأى إن قصص القرآن كلها بحاجة لبرهان تاريخي لإثباتها، وشكك في نسب إسماعيل عليه السلام ونسب النبي محمد ﷺ، وبالتالي يجب فصل التاريخ عن التدين. أما الدكتور نصر حامد أبو زيد في كتابه «مفهوم النص- دراسة في علوم القرآن» الذي نشره سنة 1990م؛ وصف القرآن الكريم بأنه نص لغوي؛ بمعنى أنه لم ينكر أن القرآن من وحي إلهي، لكنه يُفهم بالتفسيرات البشرية، وبالتالي جميع التفسيرات قابلة للنقض، وفُهم من كلامه أن أحكام القرآن مرتبطة بالظروف التي نزلت فيها، وبالتالي يمكن أن تتغير كلها ما دام أن الزمن قد تغير.
على الرغم من جميع المحاولات الفكرية التي بذلها المؤرخون المسلمون لإثبات مصداقية مصادرهم التاريخية، فإن المصداقية والموضوعية لمصادرهم التاريخية تُعتبر إشكالية في الدراسات النقدية المعاصرة، إذ تعاني الروايات التاريخية الإسلامية عن القرن الأول من التاريخ الإسلامي من نقص شديد في التراث المادي والأدلة الأثرية. كما تدور من جهة أخرى نقاشات حادة حول عواقب تأخر جمع الأحاديث والتاريخ. ويمكننا تصنيف الباحثين المعاصرين إلى ثلاث اتجاهات فيما يتعلق بموقفهم من مسألة الموثوقية؛ وهم: المتشككون، والمدافعون عن الموثوقية، والاتجاه المعتدل. بدأ الاتجاه المتشكك مع إغناز غولدزيهر Ignaz Goldziher؛ ثم ألقى إيكارت شتيتر Eckart Stetter وجوزيف شاخت Joseph Schacht الضوء على أبعاد جديدة للمشكلة، مقترحين آليات محتملة لتلفيق أحاديث باطلة على نطاق واسع([30])، فبعد دراسة غولدزيهر للأحاديث، شاع بين العلماء رأيٌ أكثر تشكيكاً؛ ففي كتابه “دراسات محمدية” Muhammedanische Studien، يُقدم تحليلًا يُركز أساسًا على أقوال النبي ﷺ، مُدعيًا أنها مُكذوبة. ويستند في نظريته على إثبات زيف العديد من الأحاديث، التي اعتبرها علماء المسلمين وعلماء الغرب الأوائل مُقنعة، ولذلك اعتُبر الإسناد أيضًا غير موثوق. ورغم أن عمله يقتصر على الأحاديث ولا يتناول الأحداث التاريخية (الأخبار)، فقد أُخذ مضمون عمله على محمل الجد من قِبل المؤرخين الذين طبقوا المنهج النقدي على النصوص التاريخية. ورغم أن فيلهاوزن Wellhausen استخدم نمطًا مشابهًا لدراسة الأخبار والإسناد، إلا أنه أكد وجود تقليد صحيح في بدايات الإسلام([31]).
لقد قدم بعض المتشككين، مثل جون وانسبرو John Wansbrough، التحليل الأدبي كوسيلة لاستخلاص معلومات موثوقة من الأحاديث، أي تناول طبيعة الإسناد من منظور الجوانب الجدلية والسياسية، ونادرًا ما يولي التحليل الأدبي اهتمامًا لخصائص مجتمع الجزيرة العربية وثقافته في ذلك الوقت. إن افتراض ظهور سلسلة الإسناد كنتيجة للمناظرات الجدلية التي أعقبت الفتنة الرابعة (195- 198هـ)، كما يذهب بعض الباحثين. إن ما تقدم هو تحليل أحادي البُعد، إذ ينبغي فهم أهمية الرواة في المجتمع العربي في القرن السابع في ضوء خصائص الثقافات الشفوية. ففي هذه الثقافة، تستمد الروايات مصداقيتها من الناس؛ أما اليوم فيؤدي الرجوع إلى المصادر المكتوبة -في عالمنا المعاصر- هذا الدور. في الواقع لم تفصل الثقافة الشفوية العربية في القرن الثامن بين “المعرفة” وموضوعها، واستندت موثوقية الإجماع “باعتباره إجماع الأشخاص الأصيلين ذوي المعرفة” إلى أهمية الإنسان، صاحب المعرفة في هذه الثقافة([32]).
وتجدر الإشارة إلى أن تاريخ العرب قبل الإسلام وتاريخ الإسلام الباكر قد تعرض لحملة شعواء وعملية تشويه منهجية على يد اليهود والشعوبيين من الفرس وغيرهم، كان الهدف منها تحقير العرب والتقليل من شأنهم؛ لضرب الإسلام من وراء ذلك، على أساس أن الإسلام إذا كان قد جاء على يد هؤلاء الجهال الذين لا حظ لهم من علم ولا أدب ولا حضارة، فلا بد أن يكون هذا الدين الذي جاءوا به مناسباً لأحوالهم المتدنية المنحطة ولا يناسب أمماً لها السبق في العلم والحضارة والرقي، لذلك رموا العرب قبل الإسلام بكل نقيصة([33]). وحتى الدراسات الحديثة التي صدرت منذ القرن التاسع عشر واستخدمت المنهج النقدي المفرط، انتجت دراساتٍ انحصرت في التركيز على قصور المصادر العربية، واتخذت مسارًا آخر؛ مقترحةً بلا هوادة رواياتٍ تاريخيةً مضادةً غريبةً وعبثيةً بشكلٍ واضحٍ عن الإسلام في عصره الباكر، وذلك لملء الفراغ الذي أُتيح لها بشكلٍ نقديٍّ مفرط. إن كون هذه الأعمال مُتناقضةً تمامًا مع الروايات التقليدية، بل ومدفوعةً بـ “رغبةٍ في استبدال النص”، ليست هي المشكلة الوحيدة الكامنة فيها، فغالبًا ما اقترن هذا النهج برأيٍ مفاده أن الإسلام كان ظاهرةً مُشتقةً تمامًا، وُلِد، مثلا، كبدعةٍ يهودية، أو من عمل “رجال دين مسلمين”، أو نشأ من فارسية؛ على اعتبار أن المسلمين أعادوا انتاج تجربة ساسانية، بعد أن استوطنوا في مرو وهناك تبنوا طقوس الحج والطهارة البوذية، إلى جانب عناصر عقائدية، ثم عادوا بها معهم، وهم على وشك تأسيس دولة جديدة، وتأليف كتاب مقدس بلغة غير مؤكدة ([34]).
وأمام هذه الهجمة كان في المقابل مستشرقون منصفون من أمثال إرنست رينان Ernest Renan (1823-1892) الذي يصف التاريخ الإسلامي الباكر بقوله: «إن ميلاد الإسلام… حقيقة فريدة لا تُقدر بثمن… فبدلاً من الغموض الذي غطت به الأديان الأخرى أصولها، وُلد هذا الدين في ضوء التاريخ الكامل؛ جذوره ظاهرة للعيان. إن حياة مؤسسه معروفة لنا كما هي حياة أي مُصلح من القرن السادس عشر. يمكننا أن نتتبع عامًا بعد عام تقلبات فكره، وتناقضاته، ونقاط ضعفه. في أماكن أخرى، تضيع أصول الأديان في غياهب الأحلام؛ إن جهد أشدّ الانتقادات لا يكفي لتمييز الحقيقة من وراء المظهر المضلل للأساطير والخرافات. أما الإسلام، على النقيض من ذلك، فقد نشأ في خضمّ فكر متقدم، وهو يخلو تماماً من الخوارق([35]). وقد تبنى بعض المفكرين (هوروفيتز Horovitz، باوساني Bausani) نهجًا إيجابيًا، إذ يقبلون مراجعة المصادر دون اعتبارها تحريفًا للأحداث التاريخية. ويدعمون هذه النظرية نظرًا لحاجة المجتمع الجديد إلى مرجعية موحدة للأحداث، لا سيما خلال عهد الخلفاء الراشدين الأربعة الأوائل([36]).
ثانيا: المصادر الأم لدراسة التاريخ العربي قبل الإسلام:
- مصادر أخبار العرب وأيامهم والجزيرة العربية قبل الإسلام:
لقد عمل العرب قبل الإسلام -شأنهم شأن الأمم الأخرى- على استذكار تاريخهم ونقله من جيل إلى جيل عبر الذاكرة والرواية الشفهية التي ضمنت في أشعارهم وأخبارهم، واشتهر البدو منهم بهذا الأسلوب، والعرب أمة تفخر بنسبها وتحب قصص البطولات. لذلك كان الفكر التاريخي عندهم يسير في مسارين أساسين: الأنساب وأيام العرب، وكانت الأنساب نمطاً من أنماط المعرفة التاريخية، ووسيلة لتثبت القبيلة من هويتها، وتأكيد ذاتها من خلال شجرة النسب؛ أي الوعي بالذات، على اعتبار القبيلة الوحدة الأساسية على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني. إلا أن هذا النسب يخلو عادة من الإشارة إلى الأحداث التاريخية. وتبدو صلة النسابين بالشعر الجاهلي واضحة جلية، كما يرتبط علم الأنساب بأيام العرب وأخبارهم([37]). أما أيام العرب فإن مادتها التاريخية تدور حول الحروب والوقائع العظيمة والمعارك التي وقعت بين القبائل العربية؛ كحرب البسوس وداحس والغبراء وذي قار وغيرها. ومما يميز أيام العرب، هو استشهادها بالشعر الذي يعتبر سنداً للأخبار المروية، ولكن يؤخذ عليها أنها معلومات متفرقة لم تكن تعدو قصصاً خرافية تخلو من الصفة التاريخية، ويعوزها الربط والحبكة التاريخية، وينقصها التاريخ الثابت المعين، بالإضافة إلى أنها لا تخلو من التعصب والتحيز لبعض القبائل. وعلى الرغم من المسحة الخيالية والأسطورية لأيام العرب، فلا شك في أنها قد نسجت حول نواة من الأحداث التاريخية الحقيقية، بحيث يمكن الاعتماد عليها باعتبارها مصدراً هاماً من مصادر تاريخ العرب قبل الإسلام، بل إنها سبيل لفهم ما وقع بين العرب قبل الإسلام من حروب شجرت بين القبائل، ووقائع كانت بين البطون والأفخاذ والقبائل، كما كان لها تأثير في نشأة علم التاريخ بعد الإسلام([38]).
إن فكرة التاريخ عند أي جماعة إنسانية تنطلق من وعيها بذاتها، وإن ما يميز الخبر التاريخي في التراث العربي قبل الإسلام بأنه حدث بشري لا علاقة للآلهة فيه، كما هو الحال عند الإغريق. وإن لعب الخيال دوراً كبيراً في تضخيم وقائعه وأصدائها. مع الأخذ بعين الاعتبار التنافس بين القبائل العربية، وسعي كل قبيلة إلى تمجيد نفسها والظهور بالمظهر المثالي، لذلك لم يكن رواة أيام العرب يعنيهم الحدث التاريخي إلا بقدر ما يشيد بمآثر أسلافهم وبطولات قبيلتهم، إما وفق تصوراتهم أو أمانيهم، وإن من صنع أيام العرب هذه؛ هم فرسان معلومو النسب، خلدتهم قصائد الشعراء. وهكذا حلّ هذا التمجيد محل الحقيقية التاريخية. وعلى الرغم من المسحة الخيالية التي تغلف أيام العرب فلا شك في أن هذه الروايات “التاريخية الملحمية” قد نسجت حول نواة من الأحداث التاريخية حقاً، وهي تكشف عن صلات العرب بغيرهم من الأمم قبل الإسلام، كما تكشف عن طبيعة المشاكل والخلافات فيما بين القبائل العربية إبان تلك الحقبة من تاريخيهم([39]).
ومن أشهر الرواة المسلمين الأوائل لأيام العرب وأشعارها وأخبارها هو حماد الرواية (95 – 155 هـ). بينما قام معمر بن المثنى المشهور بأبي عبيدة؛ وهو مولى من العراق، بتجميع الروايات عن أيام العرب هادفا الحصول على ما تبقى من الشعر الجاهلي، بهدف طعن العرب، إذ عرف عنه أنه كان شعوبيا. بينما قام هشام بن محمد الكلبي بعمل مشابه، إلا أنه أضاف إلى المعلومات المستقاة من الرواية الشفوية، معلومات مستقاة من مصادر مكتوبة من كنائس الحيرة ومن كتب مترجمة عن الفارسية([40]). ويمكننا القول إن الرواية أول ما نشأت نشأةً بسيطةً، ثم تطورت بتطور العصر وظروفه، حتى أخذت قبيل الإسلام صفة علمية، لكنها لم تصبح علماً ذا قواعد وأصول إلا بعد الإسلام، حيث اكتسبت شيئا من روح العلم، وظهر فيها نوع من التخصص، فبعد ما كانت تمارس بمعناها العام التاريخي والأدبي؛ أصبح للرواية التاريخية رواة، وللأدبية والشعرية رواة، وهكذا تخصص الرواة؛ فأصبح هناك رواة وظيفتهم حفظ قصائد شاعر بعينه، ورواة وظيفتهم حفظ أخبار القبيلة وأنسابها ومفاخرها، وأصبح الراوي بحكم هذه المهمة الجديدة عالم قومه، وأصبحت الرواية هي العلم في ذلك العصر([41]).
ويمكن استخدام الشعر العربي في العصر الجاهلي مصدرا أوليا لإعادة بناء تاريخ الإسلام المبكر، حيث كانت مواضيعه تتمحور أساسًا حول معتقدات وعادات المجتمع قبل مجيء النبي ﷺ، وكثيرًا ما ذُكرت أسماء العائلات أو الأشخاص أو الأماكن في أبياته. كما كانت الصراعات بين القبائل والحروب المحلية والاتفاقيات بين العشائر من المواضيع الشائعة في الشعر. لكن تكمن المشكلة الرئيسية في تشابهها مع مشكلة التراث الإسلامي: فقد نُقل هذا الشعر الجاهلي شفهيًا لفترة طويلة قبل تدوينه. وقد كتب طه حسين، أحد أبرز علماء مصر سنة 1926م، أطروحة في كتابه «في الشعر الجاهلي» تؤكد أن جميع الشعر الجاهلي مزيف، وأنه كتب بعد الفترة الجاهلية ونسب إليها، وقد توصل إلى هذه النتيجة بعد أن طبق مبدأ الشك الديكارتي على قصائد الجاهلية، وصرح أن ما لدينا الآن هو نسخة مُعدّلة من قِبل علماء لاحقين لإضفاء صورة مجيدة على ماضٍ أدبي للعرب. ورغم أن هذه النظرية رُفضت بشدة من قِبل غالبية المثقفين، إلا أننا نلمس أسلوب التحليل ذاته لدى علماء الغرب، الذين تتلمذ طه حسين عندهم، وربما القواعد نفسها تنطبق على كل من الأحداث التاريخية والأدب([42]).
كما عرف عرب اليمن نوعا من التراث التاريخي الشفوي، هو القصص ذات الطابع التاريخي -لا الأخبار التاريخية- التي رواها القصاصون الجوالون عن ملوك اليمن وعن بطولاتهم وأعمالهم، وهذه القصص تعبر عن مدى وعي عرب الجنوب بفكرة التاريخ، ورغم ذلك لا نستطيع أن نخرج منها بأخبار تاريخية علمية. وقد ازدهرت القصص عند عرب الجنوب بحكم أنهم عرفوا نظماً سياسية واجتماعية متقدمة نسبياً عن تلك التي عرفها عرب الشمال، ولعبوا دوراً بارزاً في التجارة الدولية آنذاك. لذلك أتت الروايات التاريخية منسجمة مع ذلك الوضع، فقد اهتم القصاصون بأخبار الملوك ومآثرهم ومنجزاتهم، وبالممالك التي كانت على علاقة باليمن وبأخبارها. لكن وعيهم بالتاريخ ظل غير ناضج لعدة أسباب، أهمها أن هذه القصص لم تعتمد على توقيت زمني يربط بينها، مما يدل على أن الوعي بالزمن باعتباره قاعدة للحدث التاريخي كان بعيداً عن هذا النمط من الكتابة التاريخية في تلك العصور. ولم تكن هذه القصص ذات الطابع الملحمي تهدف إلى الحقيقة التاريخية، وغالبا ما يختلط بها التاريخ بالأسطورة([43]).
- المصادر العربية الكتابية قبل الإسلام:
تعد النقوش والكتابات مصدرا مهما من مصادر التاريخ العربي قبل الإسلام، فعرب الجنوب المتحضرة، سكان اليمن، فضلاً عن القصص التاريخية أو شبه التاريخية التي تناقلوها، دونوا أخبارهم نقشاً و«بالحرف المسند»، على جدران قصورهم ومعابدهم ورووا فيها أحوالهم، في جميع الممالك اليمنية القديمة، وتعتبر النقوش السبئية الأكثر انتشارا بحكم أنها استخدمت طوال 12 قرنا. وقد تعرف الباحثون الأثريون المعاصرون من خلالها على الكثير من تاريخ اليمن في الفترة الممتدة من القرن العاشر قبل الميلاد وحتى القرن السادس الميلادي، لاسيما أسماء الآلهة والقبائل والأفراد، وبوسعنا أن نتلمس منها الأهمية التاريخية لبعض المنجزات السياسية والإدارية والقانونية. ويشير المؤلفون المسلمون الذين كتبوا عن الجزيرة العربية قبل الإسلام أحيانًا إلى مصادر مكتوبة كانت متاحة لهم، فعلى سبيل المثال، أشار الهمذاني al-Hamdānī في كتابه (الإكليل: 1، 118-119، 131)، وهو خبير في شؤون جنوب الجزيرة العربية، أنه قرأ «زبر» حمير* القديمة ومساندها الدهرية. وفي مجال آخر ينوه بأن أنساب الملوك في اليمن كانت مزبرة في خزائن حمير، وهذا يعني أنه كان لعرب الجنوب «زبر» أو «صحائف» دونوا فيها أخبارهم وقد استخدمها الهمداني نفسه في تدوين كتابه([44]).
أما عند عرب الشمال كانت الحركة العلمية مزدهرة في الحيرة، وشاعت عندهم المدارس لتعليم القراءة والكتابة، وخط الحيرة هو أساس الخط العربي، وكان لعرب الحيرة وتاريخهم وأمرائهم أثراً كبيراً في الأدب العربي أخبار العرب، من خلال بعض الأحاديث والقصص والأساطير كجَذيمة الأبرش، وقصص الزباء، وقصر السدير وقصر الخورنق والتغني بهما، والأقاصيص التي رويت عن المهندس سنمار، والأمثال التي ضربت فيه، ويوم النعمان بن ماء السماء؛ يوم نعيمه ويوم بؤسه([45]). وقد دون أهل الحيرة أخبارهم وأنسابهم وكانوا يضعون ذلك في بيعهم، وقد جاء في تاريخ الطبري ما نصه: «وقد حُدثت عن هشام بن محمد الكلبي أنه قال: إني كنت أستخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر بن ربيعة (الحيريين) ومبالغ أعمال من عمل منهم لآل كسرى، وتاريخ نسبهم من بيع الحيرة، وفيها ملكهم وأمورهم كلها»([46]). ويروى أن النعمان ملك الحيرة أمر بنسخ أشعار العرب، فدونت له في الطنوج (الكراريس) ثم دفنها في قصره الأبيض، حتى نبشت أيام ثورة المختار بن أبي عبيد الثقفي([47]).
كما دونت بعض النقوش في جنوب بلاد الشام، ولا تزال موجودة، كنقش النمارة الجنائزي المؤرخ بسنة ۳۲۸م، وهو عبارة عن حجر بازلتي مستطيل الشكل، عليه خمسة أسطر منقوشة بالخط النبطي وباللسان العربي الشمالي، والنقش يحيي ذكرى امرئ القيس الأول ثاني مُلوك الحيرة الذي هرب من الفرس بعد أن أصطدم بهم، ولجأ إلى أرض حوران وفيها قبره، وقد كُتب على شاهده: «هذا قبر امرئ القيس ابن عمر، ملك كل العرب، الذي ارتدى الإكليل وأخضع قبائل أسد ونزار وملوكها، وهزم مذحج بقوته، وقاد الظفر إلى أسوار نجران مدينة شمر، وأخضع معد، واستعمل بنيه على القبائل، وأنابهم عنه لدى الفرس والروم، فلم يبلغ ملك مبلغه من القوة إلى اليوم، توفي سنة 223 يوم 7 بكسلول ليسعد ولده». وكان أهل بلاد الشام يؤرخون بتاريخ مدينة بُصرى قصبة حوران، وهو يبدأ بتاريخ دخولها تحت نفوذ الرومان سنة 105م، وسنة 223 بتاريخ بُصرى تعادل سنة 328م وهي السنة التي توفي فيها امرؤ القيس الأول([48]).
- التوراة والتلمود مصدرا للتاريخ العربي قبل الإسلام:
هما مصدران دينيان غير عربيان، أرخا لشبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، والتوراة هي الكتاب المقدس عند اليهود، والتلمود يعتبر تكملة للتوراة ويشمل مجموعة الأحكام والشروح والروايات المتصلة بها والتي تواترت شفاهاً بعض الوقت قبل أن يدونها بعض أحبار اليهود في فترة لاحقة. وبعد تدمير الهيكل الأول سنة 586 ق.م، نُفي مجتمع كبير إلى مدينة بابل على نهر الفرات، في العراق الحالي، وهناك شاهد اليهود عظمة بابل، وقرروا أن يقاموا بطريقة مبتكرة، تناسب المجتمع المتفوق عليهم علميا، فلجأوا إلى كتابة أسفار التوراة، وضمنوها كثيرا من قصص الشرق القديم، ومعلوم أن التلمود وبعض أسفار التوراة لم تكن مدونة من قبل، وإن الرواية الشفهية التي مرت بها أحكام التلمود (وربما بعض أسفار التوراة) قبل أن تدوّن، يضعف من مصداقيتها العامة، وبالتالي لابد أن ندخلها في اعتبارنا ونحن نعتمد على ما جاء بهما من أخبار ونقارنها بالمصادر الأخرى. وفيما يخص قيمة التوراة والتلمود كمصدر من مصادر تاريخ العرب قبل الإسلام؛ هي أنهما يتحدثان عن علاقة العبرانيين بالعرب في مواضع عديدة من جهة، كما أنهما معاصران لفترة ما قبل الإسلام من جهة أخرى. وهنا تجدر الإشارة أن ما يذكره هذان المصدران الدينيان من معلومات تاريخية قد يكون مقتضباً أو عابراً في بعض الأحيان، وبالتالي إن على الباحث أن يستكمل الحقيقة التاريخية بالمقارنة مع المصادر الأخرى مثل الآثار والنقوش والكتابات الكلاسيكية (اليونانية واللاتينية)، وأخيراً إنّ المقصود بكلمة «العرب» في التوراة والتلمود تعني البدو أو عرب البادية أساساً، وحتى حين يرد داخل المدن فإن المقصود بهم في هذه الحال البدو الذين انتقلوا إلى هذه المدن لسبب أو لآخر، أما سكان الحضر في شبه الجزيرة العربية؛ فإن هذين المصدرين يشيران إليهما كأهل هذه المنطقة أو تلك، كأن يقال «أهل سبأ» أو «سكان أرض تيماء» أو «الدادانيون» وهم سكان منطقة العلا الحالية بشمالي غربي شبه الجزيرة العربية. أو كأن ينسب شخص إلى مدينة «هجر»؛ التي ترد باسم «الحجر» في القرآن ومكانها ميناء الوجه حالياً قرب مدينة العلا أو مدائن صالح([49]).
ولنأخذ مثالا واحدا من التوراة وهو ذكر منطقة «عوص» التي كان يقطنها أيوب وآله من بني قدم. ونستنتج من التوراة أنها منطقة أقرب للبادية تجمع بين الرعي والزراعة، إذ تذكر أن أيوب كان يملك سبعة آلاف من الغنم وثلاثة آلاف من الإبل وعدداً من البقر تكفي لفلاحة خمسمائة فدان من الأرض الزراعية وخمسمائة أتان. كذلك تذكر التوراة أن الكلدانيين قد هاجموا هذه المنطقة وأخذوا الجمال وتركوا وراءهم عدداً كبيراً من القتلى من بين السكان، بينما أغار السبئيون عليها، وأخذوا البقر والأتن. ولنحاول الآن أن نحدد مكان منطقة «عوص». سنجد اختلافاً في الرأي بين الباحثين، فبعضهم يرى أنها منطقة حوران في سورية. وبعضهم يرى أنها تقع في منطقة الحجاز. وهو رأي قد يغري به وجود موضع حتى الآن يدعى «عيص» في المجاز فعلاً (شمال غربي المدينة وشمال ينبع النخل)، وبعضهم يضعها في مناطق أخرى، فأين إذن منطقة «عوص» على وجه التحديد؟ إن التوراة أطلقت على سكانها بني قدم، وهو: وصف يعني سكان الشرق أي السكان الذين يقطنون إلى شرقي العبرانيين، ثانيا تقع في المجال الذي تجتاحه قوات وادي الرافدين في طريق غاراتها المعتاد على المنطقة السورية. من جهة أخرى فإن السبئيين الذين أغاروا على منطقة عوص لا يمكن أن يكونوا قوات مملكة سبأ التي كانت في اليمن، فلا يعقل أن يتكبد هؤلاء مشقة اختراق شبه الجزيرة من جنوبيها إلى شمالها لكي يغيروا على منطقة يأخذون منها عدداً من البقر والأتان. وإذن فسبأ المقصودة هنا هي مستوطنة سبأ التي أقامها السبئيون في شمالي شبه الجزيرة والتي يرد ذكرها في عدد من النصوص الآشورية، وهكذا نستطيع القول إن منطقة «عوص» المذكورة هي منطقة تقع في البادية الشمالية من شبه الجزيرة والتي تمتد بين وادي الرافدين والمنطقة السورية، وأن الحادثة التي ترويها التوراة تمثل نوعاً من الاحتكاكات التي كانت تحدث بين البدو والمناطق المستقرة التي يوجدون على تخومها، وأن الحدث المذكور قد يكون نوعاً من الغارات التأديبية على هؤلاء البدو لسبب أو لآخر([50]).
- الإسرائيليات في مصادر التاريخ العربي:
تعرفالإسرائيليات بأنها معلومات مستقاة من أهل الكتاب، مسيحيين ويهود، تُستخدم لتوضيح ما جاء في القرآن الكريم من قصص. ويتفق أهل الاختصاص على أن الإسرائيليات تحتوي على عناصر خارجية تسللت إلى الإسلام، لكنهم يختلفون في طبيعة مضمونها. ويتفق معظمهم على أن مصادر الإسرائيليات يهودية ومسيحية، مع أن إدراج المصادر المسيحية في التفسير قليل نسبيًا. وبالتالي يمكن الاستنتاج أن الإسرائيليات هي معلومات مستقاة من اليهود والمسيحيين، استوعبها المسلمون وأدرجوها في التفسير والحديث وكتب التاريخ، سواء أكانت هذه المصادر متوافقة مع الإسلام أم لا([51]).
إذاً تتألف الإسرائيليات غالبًا من قصص طويلة وغريبة وأجنبية وتاريخية، وتعود الجذور الأولى لدخول الإسرائيليات إلى الموروث الثقافي العربي مبكرا، منذ أن دخلوا شبه الجزيرة العربية بعد هجرتهم إليها إثر الترهيب الذي مارسه القائد الروماني تيتوس عليهم، نحو سنة 70م، إذ جلبوا معهم كتبهم المقدسة، ووجدوا مكانًا للعبادة، ونشروا دينهم، وأسسوا مراكز لدراسات التراث الثقافي تُسمى «المدراس». كما سكن بنو إسرائيل في اليمن وبلاد الشام. واختلطوا بالعرب وأقاموا معهم علاقات تجارية وثقافية. ورغم أن اليهود لم تدخل مكة المكرمة؛ العاصمة الدينية لعرب الجاهلية، إلا أنَّ أهل مكة في العصر الجاهليّ كانوا يقصدون الشام واليمن كل سنة؛ رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى بلاد الشام ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾([52])، وخلال أسفارهم اجتمعوا باليهود والنصارى في اليمن والشام، وتعرفوا إلى كتبهم وأسفارهم، ما شكل بيئة مساعدة للتأثير الثقافي، وهكذا كانت الإسرائيليات معروفة عند عرب الجاهلية، حتى أن قريش سمّتها أساطير الأولين. ومع انتشار الإسلام وتزايد أعداد أتباعه، أصبح التعايش مع اليهود أمراً لا مفر منه. كما إن جزء كبير من اليهود قد اعتنق الإسلام، وقد ترسخت في أذهانهم تعاليم أخرى غير أحكام الشريعة الإسلامية، حول أصول الخلق، وأسرار الظواهر الطبيعية، وغيرها من القصص؛ لاسيما قصص الأنبياء([53]).
لقد بدأت فترة ظهور وانتشار التراث الإسرائيلي بين المسلمين في نهاية حكم عمر بن الخطاب t، وبعد تلك الفترة، تناقل تلك القصص الصحابة ومن بعدهم التابعين، ومن التابعين انتقلت إلى الأجيال الأخرى لتسجيلها باستمرار في كتب التفسير والتاريخ([54])، حتى صارت الإسرائيليات من أهم المصادر التي اعتمدت عليها أمهات كتب التاريخ العربية – الإسلامية؛ لتوضيح كثير من الأحداث التاريخية، التي أثارت فضول المسلمين عن الأمم الغابرة وقصص الأنبياء، ولم يكونوا على علم بها، لاسيما أن اليهود أخذوا يطرحون أسئلتهم على الرسول العربي الكريم r بهدف المناظرة، أو بهدف إثارة شكوك المسلمين في صدق نبوته، وكانت الشرارة التي فجرت المواجهة الفكرية والنقاش العقدي هي تحويل قبلة المسلمين إلى مكة المكرمة بدلا من القدس، وكان رسول الله r أول من أشار بضرورة تعلم كتابة اللغة العبرية، عندما أمر زيد بن ثابت بتعلمها. وقد أسهم يهودٌ أسلموا من أمثال كعب الأحبار ووهب بن منبّه، في فتح الباب على مصراعيه لهذه القصص للدخول إلى صلب الموروث الثقافي العربي؛ فهي مصدر لتفسير كثيرٍ من موروثنا العقدي (اعتماد المفسرين عليها)، وموروثنا الثقافي (السبي البابلي، ومسميات متعددة للمدن والأماكن والأنهار)، والديني (قصة الكهف- قصة النبي يوسف- قصة النبي داوود- قصة هاروت وماروت)؛ لا بل إن نحو ثلث القرآن الكريم يتحدث عن بني إسرائيل. وقد بيَّنَ الذهبيّ: «إنّ القرآن الكريم يتّفق مع التوراة في بعض المسائل.. غير أنَّ القرآن الكريم اتّخذ منهجاً يُخالف منهج التوراة والإنجيل، فلم يتعرَّض لتفاصيل جزئيَّات المسائل، ولم يستوفِ القصَّة من جميع نواحيها، بل اقتصر من ذلك على موضع العبرة»([55]).
فعلى عكس الكتب المقدسة اليهودية والمسيحية، يصعب قراءة القرآن الكريم كسرد تاريخي للشعب المختار، مع أن القرآن يتناول الخلق، وحياة الأنبياء، وصولًا إلى رسول الله ﷺ والسنوات الأولى للإسلام، ويعتبر القرآن الكريم مصدرًا هامًا للدراسة حياة النبي محمد ﷺ وبدايات الإسلام، ويتنبأ بيوم القيامة، وبالتالي فإن جميع جوانب الماضي والمستقبل تتعايش فيه، إلا أن قصصه لا تُروى بشكل خط زمني. والنص القرآني المقدس عبارة عن سلسلة من الرسائل الأخلاقية التي تُضاف إليها أحداث من التاريخ عند تقتضي الحاجة لتوضيح هذه التعاليم([56]). وهكذا تحدث القرآن عن بني إسرائيل للموعظة؛ حتى لا يقع المسلمون في ذات الأخطاء التي وقع بها بنو إسرائيل، ففي سورة البقرة ليس للمسلمين أن يجادلوا رسولهم كما جادل بنو إسرائيل نبيهم، فكلما ضيقوا على أنفسهم، ضيق الله عليهم، وبالتالي إن جميع القصص الواردة في القرآن الكريم الهدف منها العبرة لا التاريخ، لكن ورود هذه القصص في كتاب الله تعالى تتلى على المسلمين؛ أثار فضولا عند كثير من الصحابة لمعرفة أحداثها، لاسيما أن العرب في طبعها تحب الاستماع لحكايات التاريخ، والطابع الإيماني فيها أعطاها بريقا إضافيا في عصر توقدت فيه التقوى.
لقد كانت الهجرة النبوية نقطة تحول حاسمة في علاقة المسلمين باليهود، فمنذ أن وصل الرسول r إلى يثرب أمر بوضع دستور المدينة؛ لتنظيم العلاقة بين المسلمين واليهود، كما كان اليهود في المدينة يختارون الرسول حكماً في بعض منازعاتهم. وعندما جاء رسول الله r صبية المسلمين يرغبون بالمشاركة في أخذ عير قريش، رفض ذلك، وعندما ألح عليه زيد بن ثابت الأنصاري وكان عمره 13 سنة، أشار عليه رسول الله r بضرورة تعلم كتابة اللغة العبرية، لأنه كان بأمس الحاجة لها، حتى إذا كتب العهود والمواثيق مع اليهود فإنه بحاجة لأحد المسلمين حتى يقرأها عليه، وقد أورد البخاري في صحيحه «عن زيد بن ثابت أن الرسول أمره “أن يتعلم كتاب اليهود” حتى كتبتُ للنبي r كتبهُ وأقرأته كتبهم» ([57]). ويبدو أن للأنصار حظا في تعلم العبرية بحكم أنهم عاشوا مع اليهود ردحا طويلا من الزمن في يثرب قبل الإسلام، وبذلك يكون رسول الله r قد كلف زيداً بعمل يؤدي فيه دوراً عظيماً يخدم فيه الأمة الإسلامية.
كما كان للهجرة النبوية دور كبير في فتح باب الجدل العقائدي، فبينما كانت قريش تدعي أن ما أتى به محمد ﷺ ما هو إلا أساطير الأولين، تبدل الجدل في المدينة المنورة إلى داخل العقيدة الإسلامية، عندما بدأ اليهود يسألون النبي محمد ﷺ ويطلبون منه أن يجيبهم عليها كقضايا الروح والساعة وقصة أهل الكهف. وقد رفض النبي الكريم الانسياق خلف الترهات الحاخامات عندما طالبوه بالذهاب إلى القدس، وبناء هيكل سليمان فيها، بوصفها أرض الميعاد، وهذا أمر متوقع، فقد جاء في القرآن الكريم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ ([58]). لكن الشرارة التي فجرت المواجهة الفكرية والنقاش العقدي؛ هي تحويل قبلة المسلمين إلى مكة المكرمة، ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضها، فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ ([59]) عندها أدرك اليهود أن الإسلام دين تام الإركان ليس بوسعهم أن يحتووه، بوصفهم مرجعيته الدينية الأقدم، لذلك بدأوا حربا كلامية شعواء على النبي الكريم ﷺ، أشد وطأة وأكبر مكرا من حرب الجدل التي كانت بينه وبين قريش في مكة([60]).
وقد ذكر الذهبي أن: «… الصحابة كانوا يسألون علماء اليهود الذين اعتنقوا الإسلام… عن تفاصيل لبعض القصص والأخبار الماضية»([61]). ومع ذلك، فهم يتوخون الحذر والدقة، لأن القصص الإسرائيلية ليست كلها تتوافق مع التعاليم الدينية الإسلامية. وبالعموم سواء أكانت القصة حقيقية أم لا، يتفق المفسرون على وجود قيم وتعاليم ضمنية فيها. ومع ذلك، يحاول المفسرون الذين يقرّون بصحة القصة استخلاص تفسيرات لتفاصيلها من خلال تاريخها. ويحدث هذا بشكل خاص في كتب التفسير ذات التوجه التاريخي([62]). وإن الذي جعل المسلمين الأوائل، ومَنْ جاء بعدهم، ينقلون الإسرائيليات دون حرج، طبعا وفق ضوابط معيَّنة، هو إباحة النبي ﷺ ذلك؛ ففي الحديث الصحيح عن عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ :«بَلِّغُواعَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عن بَنِي إِسْرَائِيلَ ولا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ»([63]). قال ابن حجر العسقلاني: «قوله (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) أي: لا ضيق عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان تقدَّم منه ﷺ الزَّجْرُ عن الأخذ عنهم، والنَّظَر في كتبهم، ثم حصل التوسُّع في ذلك، وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خَشْيةَ الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار»([64]).
ولما كانت قصص القرآن تُعرض عَرَضًا، مما يُصعّب على المفسر شرحها من منظور تاريخي، وخاصة ذكر أسماء الشخصيات التي تؤدي دورًا في القصة، وعند محاولة مناقشتها بمزيد من التفصيل والشمول. كان لابد من استشهاد المفسرين بمعلومات إضافية من أهل الكتاب الذين اعتنقوا الإسلام، باعتبارهم قومًا تربطهم علاقة وثيقة بالقصص المذكورة في القرآن الكريم. وقد شكّل هذا التواصل بين المفسرين وشهادة خبراء الكتاب أساساً لإدراج قصص الإسرائيليات في تراث تفسير القرآن الكريم([65]).
ومن بين الشخصيات البارزة، من الصحابة الذين رووا “الإسرائيليات”: عبد الله بن عمر بن العاص، وابن عباس، وأبو هريرة، وقد تلقوها من عبد الله بن سلام* وتميم الداري*. ومن رواة “الإسرائيليات” ومصادرها من التابعين: كعب الأحبار ووهب بن منبّه؛ وهؤلاء علماء يهود اعتنقوا الإسلام بعد وفاة النبي محمد ﷺ. ومن رواة “الإسرائيليات” من تابعي التابعين محمد بن السائب الكلبي، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومقاتل بن سليمان، ومحمد بن مروان السعدي. وهناك نحو خمسة عشر كتاباً من كتب التفسير تحتوي على الإسرائيليات: وهذه الكتب هي: التفسير الكبير لمقاتل بن سليمان، جامع البيان في تفسير القرآن لمحمد بن جرير الطبري، الكاشف والبيان عن تفسير القرآن للثعلبي، معالم التنزيل للبغوي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية، الكشاف للزمخشري، مفاتيح الغيب لفخر الدين الرازي، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي، لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن، تفسير القرآن العظيم لابن كثير، الدر المنثور في تفسير المأثور بواسطة السيوطي، السراج المنير في الإعانة على معرفة بادي معاني كلام ربنا الحكيم. الخبير للخطيب الشربيني، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم للألوسي، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا. وأضاف أبو شهبة كتاب إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم لأبي سعود العمادي الحنفي. وتعتبر جميع هذه الكتب تقريبًا مراجع أساسية لثقافة المجتمع الإسلامي التاريخية، إذ تحتوي على الإسرائيليات بأشكال متنوعة، سواء كانت قليلة أم كثيرة، مع شروح أم لا، مُصاغة وفقًا للشريعة أم لا، مُنتقدة أم غير مُنتقدة. عند قراءة هذه الكتب، ولا سيما تلك التي تخلو من النقد والشروح، يبدو جليًا الحاجة لدليل يُرشد القارئ في دراسة الإسرائيليات، وإن هذه الحاجة تستدعي ابتكار مناهج جديدة في تناول هذه المسألة. وقد ظهرت العديد من الكتب والدراسات للتمييز بين الإسرائيليات الأصيلة والإسرائيليات الملفقة([66]).
ورغم أن هدف استخدام الإسرائيليات في التفاسير كان توضيح الغموض، وتفصيل الإيجاز من القصص، وفهم الآيات، وشرح الأسباب الكامنة وراء روايات الإسرائيليات، إلا أن انتشار الإسرائيليات وتطورها ضمن التراث التفسيري الغني، أصبح بين المسلمين موضع جدل ونقاش، ومحملاً بالنقد، ففي حوار ابن عباس مع رجل يروي عن كعب الأحبار خبرًا مفاده «أنّ الشمس والقمر يؤتيان يوم القيامة فيُقذفان في النار»، فغضب ابن عباس ووصف القصة بأنها يهودية يُراد إدخالها في الإسلام([67])، ويذكر ابن خلدون أنَّ أوَّل من نَظَرَ إلى الإسرائيليات بعين النقد، المفسِّر الأندلسيّ عبد الحقّ بن عطية (ت 584 هـ). وقد انتشر مصطلح الإسرائيليات على نطاق واسع كمصطلح ازدرائي في التفسير (أي المادة التي يشك في صحتها في التفسير) مع ابن تيميّة وابن كثير.
عموما يثار الجدل حول جواز استخدام روايات الإسرائيليات ودقتها، ولمعالجة هذه الديناميكية، وضع الإمام الذهبي شروطًا صارمة لاستخدامها: إذ يجب أن يكون المفسرون نقديين، وأن يوازنوا بين العقل وروح القرآن الكريم. وبعض القصص قد تم توضيحها من قِبل النبي ﷺ، فلا ينبغي استخدامها من الرواية التوراتية، كقصة يوسف مثلا. بينما يجوز الاستشهاد بالروايات الإسرائيلية إذا تم توضيح صفاتها، ولكن من الأفضل تجنبها تماماً. ويُسلط الإمام الذهبي الضوء على الآثار السلبية لاستخدام الرواياتالإسرائيلية، بما في ذلك تصوير الأنبياء والرسل على أنهم عرضة للخطيئة، وتعزيز الخرافات، والإساءة إلى صورة الإسلام، والتشكيك في مصداقية العلماء الأوائل والصحابة والخلفاء. علاوة على ذلك، يمكن أن تُحرف الروايات الإسرائيلية المعاني والمقاصد المقصودة لآيات القرآن الكريم([68]).
ثالثا: المصادر الأم لدراسة التاريخ العربي- الإسلامي:
- القرآن الكريم:
هو كلام الله عز وجل؛ الذي لا يرقى إليه الشك، وهو أصدق المصادر على الإطلاق، ولم يتعرض للتحريف أبداً، فقد تعهده الله تعالى بالحفظ في قوله: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾([69]) ولما جاء الإسلام فإن العرب لم يدونوا من تفاصيل هذا الحدث العظيم في تاريخهم سوى ركيزته الكبرى (القرآن الكريم)، ثم الرسائل التي بعث بها رسول الله ﷺ إلى الملوك وشيوخ القبائل يدعوهم فيها إلى الإسلام، وكذلك الاتفاقيات التي عقدها كدستور المدينة وصلح الحديبية. إلا أن القرآن الكريم نفسه حوى على شيء من تاريخ العرب في الجاهلية؛ فيما يتصل بعقيدتهم وأسماء أصنامهم وعاداتهم (النسيء، الحمس)، وتجارتهم، وحديثه عن العرب البائدة (عاد* وثمود*) ومن بُعث فيهم من أنبياء([70]). كما إن القرآن الكريم ضم تاريخ الدعوة الإسلامية، فهو يصف بدقة صدّ قريش للنبي ﷺ منذ اللحظة الأولى، التي جهر فيها بالدعوة النبوية وإعراضهم عنه، وأذاهم له، هذا من جانب ومن جانب آخر فإن القرآن الكريم أعطى بُعداً عالمياً للتاريخ، تمثل في توالي النبوات؛ وهي في الأساس رسالة واحدة بشّر بها أنبياء متعاقبون، وكان رسولنا الكريم ﷺ خاتم النبيين. وهكذا تم ربط الدعوة بمن سبق من الأنبياء، وبتاريخ أقوام خلوا منذ بدء الخلق، وبذلك أكد مفهوم التطور ورابط التاريخ الإنساني([71]).
وقد طرح القرآن الكريم على فكر الإنسان المسلم الرؤية التاريخية للوجود، وللعمل الإنساني، وحثه على التأمل فيها، والاتعاظ والاعتبار من سير الأمم الغابرة، في قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِين﴾([72]). كما لا تخلوا جل سور القرآن الكريم من عرض لحدث تاريخي، أو إشارة لواقعة أو تذكير بسنة ماضية، بل إن تأكيد القرآن الكريم على الإيمان باليوم الآخر وبالحساب، قد اعطى لهذا التاريخ بعده المستقبلي، فأعمال المرء لن تنسى بل هي مسجلة عليه، سيحاسب عليها في المستقبل، وهذا الشعور دفع المسلم للتفكر بالماضي للعبرة، بل وحبب إليه تسجيل أعمال الحاضر لخدمة المستقبل([73])، وهكذا يمكننا القول إن نشأة الوعي التاريخي عند العرب المسلمين بدأت بالقرآن الكريم، الذي أورد العديد من قصص العرب البائدة: كعاد وثمود، وموضوع سيل العرم، وقصة لقمان الحكيم، وأصحاب الفيل، وأصحاب الأخدود، وقصص الأنبياء والصالحين؛ كقصة أهل الكهف، وقصة سيدنا يوسف.. الخ([74]). وفي تفسير الآيات الكريمة من 59-93 من سورة البقرة، تظهر قصص نوح وهود وصالح ولوط بأنها استعارات للتحذيرات التي وجهها الله إلى الغافلين([75])، وقد بين القرآن الكريم أن هذه القصص للعبرة، يقول الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنُ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ([76]). ومن هنا كانت قصص القرآن الكريم التاريخية للعبرة والاستفادة من تجارب الأمم الغابرة وأخبارها، لاسيما بنو إسرائيل، حتى كاد ثلث القرآن الكريم يتحدث عنهم. وإن أكثر ما يتجلى البناء الدراماتيكي، الذي يمكن أن نسجله للأحداث التاريخية في القرآن الكريم، في قصة النبي يوسف عليه السلام؛ فشخصيات القصة هم من يحرك الأحداث وليس العكس، وكل شخصية لها كيانها وأفكارها وأبعادها النفسية الذاتية([77]).
كما إن القرآن الكريم يشير إلى عدد من الأحداث والمواقف الخاصة بمجتمع الجزيرة العربية، سواء المعاصرة لنزوله أم التي سبقت ذلك بوقت قصير أو طويل، ولكنها كانت لا تزال موجودة، بدرجات متفاوتة بين التعميم والتفصيل في وعي سكان شبه الجزيرة العربية، ومن ثم فإن القرآن الكريم يبين لنا بشكل نابض مدى انفعال هذا المجتمع بهذه الأحداث والمواقف، كذلك فإن القرآن الكريم في محاولته تصحيح عدد من الأوضاع والممارسات التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي عند نزوله؛ يعطينا فكرة واضحة عن هذه الأوضاع والممارسات، وعن الدوافع التي أدت بهذا المجتمع إلى اتخاذها طريقاً له، وإلى التمسك بها، والمجادلة عنها، والتعنت في سبيل المحافظة عليها -وهي دوافع يسهب القرآن الكريم في عرضها وتفصيلها- ومن ثم يحصل الباحث على صورة تاريخية حية للصراع الذي شهده هذا المجتمع في نهاية العصر الجاهلي بين أسلوبين للحياة أحدهما هو ما كان قائماً فعلاً، والآخر هو ما كانت الدعوة الإسلامية تسعى لتكريسه([78]).
أما من حيث المنهج فقد حث القرآن الكريم في آيات كثيرة، على ضرورة إعمال العقل فيما يرى الإنسان ويسمع، وأكد على مفهوم البينة، والحجة، والبرهان، ووجوب التثبت في قبول الأنباء والروايات والأحاديث، والتحقق من الأخبار من خلال نقد الراوي وخبره معاً، والتدقيق في أمر الشهادة والشهود، وكلها أمور توجه الفكر إلى النقد العقلاني للأمور، وتبين الصدق من الكذب، والحقيقي من المزيف وذلك في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ([79]). وقوله تعالى أيضا: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾([80])، فدل بذلك على أن خبر الفاسق يقتضي التبين، وأن شهادة غير العدل مردودة([81]).
وفيما يتصل بالشكل فعلى الرغم من أنه ليس بوسعنا أن نعتبر القرآن الكريم كتاباً تاريخياً؛ إذ ينقص أخباره التحديد الزماني والمكاني؛ إلا إن الإشارة المقتضبة أو العابرة إلى بعض الأحداث أو المواقف لا ينتقص من قيمتها في شيء، فالمصادر جميعاً وحدة متكاملة، تتساند فيما بينها في استكمال الحقيقة التاريخية، سواء أكانت هذه المصادر آثاراً أم نقوشاً أم كتباً سماوية أم كتابات تاريخية أم غيرها، بل إن سطراً واحداً أو عدة كلمات من سطر نعثر عليه في أحد هذه المصادر قد تستكمل لنا حقيقة ناقصة أو تقدم تصوراً جديداً لهذه الحقيقة أكثر قرباً إلى الصواب. كذلك فيما يتصل بالشكل فإن المصدر التاريخي ليس من اللازم -في كل الأحوال- أن يكون سجلاً مباشراً للأحداث أو المواقف، بل ربما كان الاستنتاج غير المباشر هو السبيل الوحيد المتاح أمام الباحث في كثير من الأحيان. ودور الباحث هو أن يستخلص الحقيقة التاريخية التي يبحث عنها من الإطار الذي جاءت ضمنه أو الصورة التي عرضت بها. فقد تأتي الحقيقة متناثرة داخل عدة نصوص دينية أو قانونية أو سياسية أو قصصية أو غيرها، كما قد تعرض في صورة تقريرية أو تقديرية أو يمتزج فيها العرض التقريري بالعرض الوجداني أو حتى قد يداخلها الخيال في بعض الأحيان دون أن يقف هذا عائقاً حقيقياً أمام استخلاصها([82]).
- بدء التدوين عند العرب المسلمين:
لقد كانت الكتابة الخطية معروفة عند عرب الجاهلية، لاسيما من كانت تربطهم صلة بالأمم المجاورة، كالتجار والشعراء الذين كانوا يفدون على أمراء التخوم وملوك العرب؛ من المناذرة والغساسنة وحمير، وهم قوم يقرأون ويكتبون. وعرب الجزيرة قوم تجارة، وكانت مدينة مكة المكرمة منذ القدم أحد المراكز التجارية الهامة بين الشرق والغرب، وقد جاء في قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ دليل على ذلك، والكتابة شيءٌ ضروريٌ لهذه المعاملات التجارية، فضلاً عن أن طبيعة التطور نفسها تنحو بالأمم ناحية الكمال الذي يتطلب مثل هذا اللون من المعرفة([83])، وما يشهد بذلك ظهور «حساب اليد*»، ولعل أبرز الشواهد على معرفة قريش الكتابة، أنه في حصار شعب أبي طالب، كتب القريشيون كتاب المقاطعة على الرقاع ووضعوه في جوف الكعبة الشريفة([84]).
والسؤال الذي يطرح نفسه من أين تعلمت قريش الكتابة؟ يقول ابن خلكان([85]): «وذكروا أن قريشا سُئلوا من أين لكم الكتابة فقالوا: من الحيرة، وقيل لأهل الحيرة من أين لكم الكتابة فقالوا: من الأنبار*»، يذكر البلاذري*: “عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم العدوي، قال: دخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلاً، كلهم يكتب: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجراح، وطلحة، ويزيد بن أبي سفيان، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وحاطب بن عمرو أخو سهيل بن عمرو العامري من قريش، وأبو سلمة بن عبد الله المخزومي، وأبان بن سعيد بن العاص بن أمية، وخالد بن سعيد أخوه، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري، وأبو سفيان، وابنه معاوية، وجهم بن الصلت، ومن حلفاء قريش العلاء بن الحضرمي([86]).
لقد كانت الفكرة السائدة حتى عهد قريب، أن المسلمين الأوائل، مع كل النظرة التاريخية العميقة والشاملة في القرآن الكريم، ومع كل الحث الضمني نحو تسجيل أحداث الحاضر، لم “يدونوا” تفاصيل أحداثهم، ولا ظروف ماضيهم السابق للإسلام مباشرة، لعدم حاجتهم لذلك، بسبب وجود الرسول r بين ظهرانيهم أولا، ولاستغراقهم في خضم الدعوة الاسلامية، والعمل لها ثانيا، ولأن القرآن الكريم كان هو تاريخهم الكبير ثالثا، الذي لم يحي ماضيهم فحسب، وإنما ماضي الوجود الكوني والإنساني، وحاضر الحدث الضخم الذي يعيشونه، وبالتالي اكتفى المسلمون بأن وعوا ما كان يجري ذاكرةً ورووه شفاهاً، ونقلوه لجيلين تقريبا بهذه الطريقة. وعلى رواياتهم الشفوية تلك، اعتمد المحدثون الأوائل، وكتاب (السيرة النبوية)، في أواخر القرن الأول للهجرة/ السابع للميلادي. إلا أن بعض الدراسات العربية الحديثة أخذت تميط اللثام وبالإثبات الوثائقي، فالمسلمون كانوا يعرفون التدوين؛ ودليل ذلك كتاب الوحي؛ ومنهم أُبي بن كعب الأنصاري (ت 30 هـ) وأبو الدرداء (ت 32 هـ) وزيد بن ثابت (ت 45 هـ) ([87]).
وإن ما يدعم معرفة الصحابة للتدوين ما ورد في شرح كتاب «كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي»* لعبد العزيز بن أحمد البخاري ما نصه: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا مختلفين في جواز كتابة الحديث النبوي الشريف، فكرهها عمرو بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى، وأبو سعيد الخدري في جماعة آخرين من الصحابة والتابعين، وأباحها علي بن أبي طالب وابنه الحسن وأنس وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم. فحجة الفريق الأول ما روى أبو سعيد الخدري t أن النبي ﷺ قال: «لا تكتبوا عنِّي شَيْئًا إِلَّا الْقُرْآن، فَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ»*. وعن أبي سعيد قال: “جهدنا بالنبي ﷺ أن يأذن لنا في الكتابة فأبى”، وفي رواية عنه قال: “استأذنَّا النبي ﷺ في الكتابة فلم يأذن لنا”. وحجة الفريق الثاني أن الرسول ﷺ منع الكتابة في فترة نزول الوحي، ثم أنه أذن لعلي بن أبي طالب t أن يكتب بعض المسائل التي تتصل بالديات والدماء، وأذن لعبد الله بن عمرو بن العاص*، وأذن لأبي شاه اليمني في التماسه أن يكتب له شيئا سمعه من خطبته عام فتح مكة، إذ قال رسول الله ﷺ «اكتبوا لأبي شاه»، ولعله أذن في الكتابة لمن خشي عليه النسيان، ونهى عن الكتابة عنه من وثق بحفظه؛ مخافة الاتكال على الكتاب، أو نهى عن كتابة ذلك خشية اختلاطه بصحف القرآن الكريم، وأذن في كتابته حين أمن من ذلك. وأخيرا زال ذلك الخلاف وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه لدَرَسَ في العصور الأخيرة، وممن ذهب إلى هذا الإمامان الجليلان النووي وابن حجر العسقلاني([88]).
وهكذا يمكننا القول إن الأمر مرَّ بمرحلتين الأولى هي النهي والثاني هي الجواز، وكان الجواز بعد أن استقرت الدعوة، وارتفعت المحاذير المتوقعة من كتابة السنة في أول الأمر، فعند ذلك أذن رسول الله ﷺ في الكتابة، وقد ذكر أهل العلم أحاديث الإباحة وجواز التدوين، وبَوَّب البخاري باباً في صحيحه اسماه: “باب كتابة العلم” وذكر أحاديث عدة تدل على جواز الكتابة والتدوين. فقد جاء فيه عن أبي هريرة t أنه قال: «ما مِن أصحاب النبي ﷺ أكثر حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب». وفي رواية «ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله ﷺ مني، إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب بيده فاستأذن رسول الله في أن يكتب ما سمع منه، فأذن له، فكان يكتب بيده ويعي بقلبه، وإنما كنت أعي بقلبي»([89]).
كما حثّ القرآن على تعلّم الكتابة؛ يقول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ~ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ~ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ~ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ~ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾([90]) وعظـّم الله جل وعلى شأن الكتابة بأن أقسم بالقلم ﴿ن والْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾([91])، والدلالة هنا في قيمة الكلمة المكتوبة. وكانت كتابة الوحي من أهم الموضوعات التي عُني بها النبي ﷺ. وتجدر الإشارة إلى أنه منذ عهد النبي ﷺ بدأ تدوين أولي لبعض الأمور والأحداث؛ كان أهمها الإحصاء الذي جرى في عهده الرسول ﷺ. كما تُحدثنا المصادر غير المباشرة كثيرا عن رسائل بعث بها النبي ﷺ إلى ملوك العرب والفرس والبيزنطيين، وتُحدثنا أيضًا عن صلح الحديبية([92])، ووثيقة دستور المدينة؛ ذلك أن الرسول ﷺ أراد أن يضع نظاما للحياة العامة في المدينة، يكون أساسا لتحقيق الوحدة؛ فكتب كتابا بين المهاجرين والأنصار، كما عاهد قبائل اليهود، واشترط عليهم وشرط لهم([93]). ولما اتسعت الفتوحات الإسلامية خلال العصر الراشدي وكثرت الغنائم، أشار بعض الصحابة على عمر بن الخطاب t بضرورة إنشاء ديوان لتسجيل أسماء الجند وأعطياتهم، وديوان للجباية لمعرفة ما يرد لبيت مال المسلمين من أموال، وكان لهذه الخطوة أهميتها التاريخية بقدر أهميتها الاقتصادية.
لقد بدأ المسلمون بتدوين بعض أقوال النبي ﷺ وبعض أخباره لمنفعة دينية خاصة، أي إن الصحابة قاموا بالأمر لأنفسهم، وكانوا عند تدوين كل قول يسجلون المناسبة التي قيل فيها والأسباب التي دعت للقول، وكان هذا جمعاً غير مباشر لأخبار رسول الله ﷺ وتاريخ حياته([94]). وكان يُرى (حبر الأمة) عبد الله بن عباس (ت 68هـ) ومعه ألواحاً يكتب عليها عن أبي رافع (مولى رسول الله ﷺ) شيئاً من فعل رسول الله ﷺ؛ حيث كان ابن عباس يتردد عليه ليسأله عما فعل النبي ﷺ([95]). ولم يترك ابن عباس كتباً، ولكنه ترك أقواله ومعلوماته مكتوبة لدى بعض مواليه وبعض تلاميذه. ويذكر أنه كان لدى كريب بن أبي مسلم مولى ابن عباس؛ حمل بعير أو عدل بعير من كتبه وأقواله المكتوبة، فكان علي بن عبد الله بن العباس إذا أراد الكتاب؛ كتب إليه ابعث إليّ بصحيفة كذا وكذا، قال: فينسخها فيبعث إليه بإحداهما، وهذا لا يعني فقط بدء التدوين التاريخي في عهد مبكر منذ أواسط القرن الأول الهجري فقط، ولكن يعني أيضاً أن ابن العباس ترك صحفاً لورثته بعد وفاته، وكانت من الكثرة أنها بلغت حمل بعير([96]).
وكان لبعض الصحابة صحائف كتبوا فيها من حديث رسول الله ﷺ ما سمعوه أو بعضه، فعن عبد الله بن عمرو قال: استأذنت النبي ﷺ، في كتاب ما سمعت منه فأذن لي فكتبته؛ فكان لعبد الله بن عمرو صحيفة تسمى (الصادقة) تحتوي على 400 حديث نبوي([97])، رواها عنه حفيده عمرو بن شُعَيب، وكان لجابر بن عبد الله الأنصاري صحيفة، وكان لسعد بن عبادة صحيفة، وكان لأنس بن مالك صحيفة وكان يبرزها إذا اجتمع الناس، وكان لأبو هريرة صحيفة اشتملت على 132 حديثا نبويا. لكن هذه المدونات ما كانت قيد التداول، بل ضمن التراث الشخصي لأصحابها.
وقد أصبحت الرسائل في أواخر العصر الراشدي وثائق تاريخية سياسية لها أهميتها البالغة في تصوير تلك الأحداث والكشف من أدقّ الأمور التي ألمّت بالأمة وبالمجتمع الإسلامي ورسم ملامحه المختلفة. فكانت الرسائل الوسيلة المهمة التي لجأت إليها كل الأطراف السياسية المتخاصمة للتعبير عن نوازعهم ودعم حججهم وإبطال مزاعم خصومهم والكشف عن مساوئهم*. وكان للأمويين فضل كبير في بدء التدوين من خلال تأسيس ديوان الرسائل، ففي العصر الأموي كانت حاجة الإنشاء أشد من ذي قبل، حيث أدى اتساع رقعة البلاد، وازدياد الحاجة إلى المكاتبات؛ لتسيير شؤون الدولة الداخلية والخارجية، وإرسال الأوامر الأميرية، إلى ظهور ديوان يُعنى بكتابة ما يأمر به الخليفة، ويُدون بأسلوب أدبي وفنّي، فلما آل الأمر إلى الخليفة معاوية بن أبي سفيان، أنشأ ديوان الخاتم وديوان الرسائل (الإنشاء)، وقد تولى ديوان الرسائل المكاتبات الرسمية في الدولة، ولاسيما إصدار النشرات والرسائل التي تشمل التعليمات الموجهة للولاة وعمالهم وللرعايا عامة([98]). وقد وصلنا من المصادر غير المباشرة كثيرا من المعلومات عن ديوان الإنشاء، لكن ما وصل من رسائل دواوين الإنشاء في دمشق وعواصم أقاليم الدولة الإسلامية لا يمثل سوى نسبة ضئيلة من الرسائل المكتوبة على ورق البردي في مصر، ويعود تدوينها على ما يبدو إلى بداية الفتح الإسلامي لمصر؛ أما بقية الرسائل الأخرى التي من المفروض أن تكون أطنانا من الورق، فلم يصل إلينا منها سوى ما وقع إعادة كتابته في المصادر اللاحقة للعصر الأموي([99]).
ولأن الأجيال اللاحقة من المسلمين وغير العرب الجدد الذين اعتنقوا الإسلام لم تكن لديهم تجربة شخصية مع صدر الإسلام، فقد ازدادت الحاجة إلى جمع تراث ظهور الإسلام أهمية. إضافةً لذلك؛ فإن تطور المجتمع الإسلامي من مجتمع فاتح إلى مجتمع متسع (أمة) أعطى هذا التراث دوراً مهماً كأيديولوجية اجتماعية وسياسية في الفترة اللاحقة خلال العصرين الأموي والعباسي. لقد مهدت هذه التطورات الطريق لتوسيع نطاق الجهود العلمية لجمع الأحاديث، وتدوين مختلف فروع المؤلفات في الفقه وعلم الكلام والتفسير، وغيرها([100])، فكانت جهود التابعين بعد الصحابة، ومنهم شعبة بن الحجاج (ت 160 هـ)، والليث بن سعد (ت 175 هـ) ومالك بن أنس (ت 179 هـ) صاحب كتاب الموطّأ. وفي تقدير الذهبي أن التدوين الممنهج عند المسلمين قد بدأ في منتصف القرن الثاني الهجري، نحو سنة 143 هـ؛ فهي السنة التي شرع فيها علماء المسلمين في تدوين الحديث والفقه والسيرة، على أن الذهبي رغم تحديده السابق، لم ينف وجود الكتابة التاريخية قبل هذه السنة، ولكنها أخذت تشيع وتحل محل الذاكرة؛ التي كانت تعتمدها العرب في الحفظ، وصولا إلى القرن الثالث الهجري الذي كان فيه جهابذة علم الحديث من أمثال الإمام أحمد بن حنبل والإمام البخاري([101]).
- الإخباريون مصدرا للتاريخ في الإسلام:
- كعب الأحبار (ت 3٢هـ) ومنهجه:
تنسب مرحلة بواكير تدوين الكتابة التاريخية إلى كعب الأحبار بن مانع، وهو من حمير، من يهود اليمن. أسلم زمن أبي بكر الصديق t، ويُفترض أنه وصل إلى المدينة المنورة زمن عمر بن الخطاب t، فجالس أصحاب محمد ﷺ وأخذ السنن عنهم، وكان حَسَن الإسلام، سكَنَ حمص وبها توفي سنة (3٢هـ/65٢م) في خلافة عثمان بن عفان t([102]). له الكثير من معارف أهل الكتاب، وكان يحدث الصحابة عنها. وكان الخليفة عمر t يستمع له؛ وذلك تعجبا لما كان يذكره، وقد ذكر ابن كثيرٍ في حديثه عن كعب الأحبار: «إنّه لمَّا أسلمَ في الدولة العمريّة جعل يحدِّث عمر t عن كتبه قديماً، فربما استمع له عمر، فترخَّص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده، غثّها وسمينها، وليس لهذه الأمّة -والله أعلم- حاجة إلى حرفٍ واحدٍ ممَّا عنده»([103]). وقد أخذ عنه المسلمون أخبار اليمن والأمم الغابرة. وبدأوا يتناقلون ما يرد من كلامه وأخباره؛ وكانت هذه الأخبار على هيئة قصص كثيرة، فكان يتحدث عن بني إسرائيل، وكثيرا ما يقع فيما يرويه من قصص وأخبار غلط كبير وخطأ في الأحداث([104]).
لقد كان لكعب الأحبار دور كبير في إدخال الإسرائيليات إلى التراث العربي الإسلامي، ويُفسَّر لقب “الأحبار” عادةً على أنه دلالة على مكانته الرسمية كعالمٍ أو مُتبحّر بين أتباعه السابقين في الدين، وتدور حول شخصية كعب العديد من الحكايات، معظمها يتمحور حول براعته المزعومة في استخدام النصوص اليهودية والروايات التلمودية لتأكيد مكانة الإسلام ونبيه الإلهية، حتى أمسى المصدر الأصلي للتفاصيل غير النصية حول حياة وتعاليم الأنبياء الحقيقيين؛ الذين بشروا بظهور محمد r. وتبدأ بعض الروايات المنسوبة إلى كعب بعبارات مثل “وجدت في التوراة…” أو “مكتوب في التوراة…”، وهي بدايات تُبرز تركيزه على النصوص المقدسة مع براعته التفسيرية المزعومة. أما بالنسبة للخطاب الإسلامي الناشئ، فإن الفائدة البلاغية لشخصية كعب واضحة؛ فهو على عكس إخوانه السابقين في الدين، الذين رفضوا “الحقيقة” إما عن جهل أو عن عمد، يُجسّد كعب الاستجابة العلمية السليمة للوحي “الجديد”. فهو يعتنق الإسلام ويُبيّن كيف يمكن استشفاف رسالته في النصوص القديمة رغم تحريفها وطمسها. يُرشد كعب الأمة الناشئة، ويُمكّنها من إعادة قراءة “التاريخ” الجاهلي وتراث الأجداد من خلال عدسة المعجم الإبراهيمي. ورغم ذلك، ومع نضوج الخطاب الإسلامي واكتسابه هيمنة ثقافية أوسع، بدأت دوافع شخصيات مثل كعب يُنظر إليها بعين الريبة من قِبل المفكرين اللاحقين. يتجلى هذا النوع من المواقف بوضوح في الروايات التي تُحيط بعلاقة كعب بالخليفة عمر بن الخطاب t يوم فتح بيت المقدس، والصلاة عند الصخرة المقدسة، حيث يُتهم كعب بمحاولة دمج تبجيل مقدس يهودي ضمن الممارسات التعبدية الإسلامية، حيث طلب من عمر t أن يصلي خلف الصخرة، فعارضه عمر t وصلى أمامها. وتتعرض بعض تفسيرات كعب للنصوص الدينية لانتقادات حادة باعتبارها أمثلة مزعومة على “تهويد” الناس، وتُوبخ بشدة باعتبارها أساليب ملتوية لتقويض ما يُعاد تعريفه على أنه رسالة إسلامية أصيلة. وقد يعكس هذا التحول في دور كعب من مُشرِّع حكيم إلى وكيل خبيث، تصويره السلبي في الروايات غير الإسلامية حول نشأة الإسلام. ويبرز بشكل خاص في بعض الروايات اليهودية والمسيحية التي صِيغت لتأكيد زيف المشروع الإسلامي؛ إذ يُعد كعب، مثلا، من بين ما يُسمى بـ “معلمي محمد اليهود”. كما يُصوَّر كعب على أنه التزم طواعيةً بالعمل مع العدو من أجل إحباط تهديداتهم لوحدة المجتمع اليهودي. كما تستغل النصوص الجدلية المسيحية شخصية كعب، مدعيةً أنه كان يهوديًا “حرّف” عمدًا التعاليم التوراتية والأخروية من أجل إضفاء الشرعية على مكانة محمد r النبوية([105]).
وهذا الربط الأخير بين كعب وعلم الأخرويات والتزوير له دلالةٌ واضحة، إذ في مجال كتب نهاية العالم اكتسب اسم كعب سلطةً خاصة، فإحدى التقاليد المبكرة المثيرة للاهتمام تربط كعب بمصادرة كتاب تم العثور عليه في قبر دانيال، الشخصية التوراتية التي ربما تكون الأكثر شهرة في الأوساط اليهودية والمسيحية لـ “تنبؤه بالأمور المستقبلية”: فـ«بحسب أبي العالية: عندما تم فتح تستر*، وجدنا في بيت مال الهرمزان كتابًا بجانب رأس جثة على سرسر، ظننا أنه دانيال، حملناه إلى عمر، كنت أول عربي يقرأه، لأنه أرسله إلى كعب، فكتبه إلى العربية، وكان فيه ما سيحدث؛ أي أثناء الفتن»، ويبدأ عدد كبير بشكل غير متناسب من هذه الأحاديث بأسانيد منسوبة إلى كعب. كما تقتبس مجموعات أخبار الفتن أحيانًا من “كتابات” أو “كتب” يُزعم أن كعب قد ألفها، والتي يبدو أنها تتمتع بمكانة مماثلة لمكانة “تصريحاته” المنقولة التي تفسر النصوص المقدسة. وكما بدأ بعض الباحثين يدركون، فإن هذا “التأطير النصي” لسلطة كعب يعكس إلى حد كبير التحولات المفاهيمية التي يمكن القول إنها تكمن وراء عادة الكتابة المنحولة الشائعة للغاية التي مارسها الكتبة في الشرق القديم الهلنستي والروماني والساساني. هذه “العادة الزائفة”؛ التي أدت إلى نوع من التزوير الديني الذي يسجل رسمياً الخطاب الموثوق في “كتب” يُزعم أنها أعدت أو اكتشفت أو أوصت بها الشخصيات الخيالية التي تُنسب إليها. وهذا مادفع أحد المستشرقين للتصريح بأن يكون كعب شخصية نسبت لها كتابات متنوعة حتى تنال المصداقية([106]).
- عبيد بن شَرِيَّة الجرهمي (ت 67هـ) ومنهجه:
لقد شعر بعض الخلفاء أنهم محتاجون إلى نبراس يهتدون بهديه في سلوكهم في المُلك والرياسة، لاسيما أنهم رأوا ممالك أجنبية بهرتهم حضارتها، فأحبوا أن يعرفوا كيفية سياستها ونظامها، فقد كثرت المشكلات السياسية والاجتماعية حتى بدى واضحا أن العرب بحاجة إلى نظام سياسي يسوس عليهم حياتهم وينظمها، وبالتالي كان لابد من مطالعه جهود الأمم السابقة وتجاربها([107])، فما كان من الخليفة معاوية بن أبي سفيان إلا أن استدعى عبيد بن شَرِيَّة الجرهمي (ت 67هـ) هو رجل مخضرم عاش في الجاهلية والإسلام، أدرك رسول الله r وأسلم، وتوفي في عصر الخليفة عبد الملك بن مروان. ومع أنه يماني إلا أنه كان أساس مدرسة الشام في التاريخ، استدعاه معاوية إلى الشام، بناءً على مشورة عمرو بن العاص([108])، إذ قال له عمرو: «لو بعثت إلى الجرهمي الذي بالرقة* من بقايا من مضى فإنه أدرك ملوك الجاهلية، وهو أعلم من بقي من أحاديث العرب وأنسابها»، وقد أتى بعد أيام وكان شيخاً كبير السن وصحيح البدن، ثابت العقل([109])، فقدم عليه وجعل الخليفة يسأله أسئلة تكشف اهتمامات الناس العامة في التاريخ وما يشوقهم من النواحي فيه، وجعل عبيد يقص ما يعرف من أخبار الماضين والكوائن والأحداث وتشعب الأنساب، والأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وسبب تبلبل الألسنة وأمر افتراق الناس في البلاد … فأمر معاوية أن يدون ذلك كله، فدونت في كتاب «الملوك وأخبار الماضين»([110])، ويتلخص في أسئلة معاوية وأجوبة عبيد عنها وتتمحور موضوعاته حول أخبار هلاك عاد، وثمود، ولقمان، وأخبار تبع، وهجرة جرهم من اليمن، ويتخلل الأخبار كثير من الأشعار([111]). وكان معاوية بن أبي سفيان شغوفاً بالتاريخ يخصص شطراً من الليل لسماع أخبار الملوك والحروب والمكائد السياسية، فقد جاء عند المسعودي عن معاوية أنه كان بعد أن يفرغ من عمله «يستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها، وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السابقة… ثم يدخل فينام ثلث الليل، ثم يقوم فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها، والحروب والمكائد، فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتبون، وقد وكلوا بحفظها وقراءتها، فتمر بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار والسير والآثار أنواع السياسات»([112]). ومن أشهر مؤلفات ابن شَرِيَّة كتاب «الأمثال» من خمسين صحيفة وقد فُقد، و«أخبار عبيد بن شَرِيَّة في اليمن وأشعارها وأنسابها*» وكتاب «الملوك وأخبار الماضيين*» الذي يعد مع دفاتر معاوية أول كتابة أو تدوين تاريخي منظم لجزء من تاريخ العرب عرفه المسلمون في مرحلة مبكرة من العصر الأموي، وقد اقتصر عمل عبيد على الجمع ولم يخرج عن الطابع القصصي([113]). وأول ما يلاحظ على الكتاب أنه ليس كتابا تاريخياً بالمعنى المصطلح عليه، وإنما هو مجالس سمر تاريخية مدونة، ولذلك يغلب عليه ما يغلب على تلك المجالس من خصائص، لاسيما طابع الحوار الذي يشيع فيه([114]). وحتى لا تكون أحكامنا قطعية، تجدر الإشارة إلى بعض الأخبار التي أتى بها عبيد، ترقى إلى مرتبة الأخبار التاريخية؛ ومنها ما ذكره عبيد بن شرية عن بعض ملوك الحيرة والغساسنة القريبين من ظهور الإسلام، وعن الحملة التي أرسلت من اليمن في عهد السيادة الحبشية إلى الحجاز بهدف هدم الكعبة المشرفة (يوم الفيل)، وعن سنوات القحط والجفاف، وأيام العرب، وعدد من الأصنام والطقوس العربية الجاهلية. وذلك لأن عبيد بن شرية كان مخضرماً؛ أدرك الجاهلية والإسلام، ومن ثم فقد كان معاصراً لهذه الأحداث أو على الأقل قريباً منها. كما قدم عبيد بن شرية معلومات ذات الطابع الجغرافي؛ عن بعض مناطق شبه الجزيرة مثل الأحقاف والحجر ووادي القرى واليمامة([115]).
- دَغْفَل بن حَنْظَلَة (ت 65 هـ) ومنهجه:
كما استمع معاوية إلى دَغْفَل بن حَنْظَلَة السَّلُوسِيّ البَصْرِيّ (ت 65 هـ) وكان أشْهَرَ الإخْبَارِيِّين والنَّسَابة العِرَاقِيِّين الذين استقدمهم معاوية، وراجعهم في أخبار العرب، وقد نقل القدماء بعض أسئلة معاوية له عن قبائل العرب، ومكانة كل قبيلة منها، وأشرافها وسَادَتِها، ومآثرها ومَفَاخِرِها. ولم يكن لدغفل كتاب مصنف، إلا أن أخباره جمعت في كتاب أسمه «التظافر والتناظر»، وأخباره جمعت بالأسلوب الحواري، إذ يسأل معاوية عن قبائل العرب ويجيبه دغفل. عموما لقد كان من عادة معاوية ألا يدع من يفد عليه من الأشراف من أهل الأمصار المختلفة إلا وراجعه في أخبار العرب في الجاهلية والإسلام، ومن ذلك سُؤَالُهُ لعبد الله بن عبد المدان الحارثي اليماني عن أخبار قبائل اليمن، وسُؤَالُهُ لغرابة بن أوس الأنصاري المَدَني عن سيادته لِقَوْمِه، وسُؤَالُهُ لعقال التميمي البصري عن سيادة الأحنف بن قيس التميمي البَصْرِي لِقَوْمِهِ، وسؤالُهُ لِلْأَحْنَفِ بن قيس التميمي عن أعزُّ أَهْلِ العراق، وسُؤَالُهُ لِقَوْب بن تَلدَة الأسدي عن أمية بن عبد شمس. وكان يسأل كثيراً من جلسائه عن أجواد العرب، وملوكهم في الجاهلية. وتشير الأخبار السالفة إلى عناية معاوية بن أبي سفيان بأخبار العرب وتنقيبه عنها، ومُراجعتِه لِلْعُلماء فيها، وتَدْوينِه لبعض ما كانوا يُحَدِّثُونَهُ به منها([116]).
- وهب بن منبّه (ت ١١٤هـ) ومنهجه:
أما وهب بن منبّه* (ت ١١٤هـ) صاحب كتابي «قصص الأنبياء» و«قصص الأخبار» وأصله فارسي وأمه من حمير، ولد في خلافة عثمان بن عفان t نحو 34 هـ، وعاش في اليمن، عمل قاضياً على صنعاء زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز، وكان يجيد أكثر من لغة كالسريانية والعبرية واليونانية والحميرية([117])، كان والد وهب قد اعتنق الإسلام في زمن النبي ﷺ، لذلك يرجح أغلب الباحثين أن وهب لم يكن كتابيا، وإنما ولد مسلماً، وجمع المغازي([118]). ولم يخرج في كتاباته عن الطابع القصصي، إذ كان فرد زمانه في القص، لا بل إن رواياته تقترب في بعض فصولها من الأسطورة، وقد قابل العلماء معلوماته بالريبة، فلم يذكر بين أصحاب المغازي، فهو لا يتبع الإسناد([119]).
لقد اعتنى وهب بالإسرائيليات، وهي قصص وأساطير عن العهد القديم، وأراد بها توضيح بعض الإشارات القرآنية، وهو بهذا استطاع أن يدخل عنصر القصص إلى الدراسات الإسلامية. لوهب قصة مع حجر مسجد دمشق؛ إذ وجدت عليه كتابة يونانية لم يستطع أحد قراءتها إلا وهب الذي أرجعها إلى أيام سليمان بن داود عليهما السلام، وقد كانت روايته عن نصارى نجران وتعذيب ذي نواس (ت 527م) إياهم، وكانت قصة الراهب فيميون التي رواها وهب مطابقة للروايات النصرانية، ولما جاء في كتاب شمعون الأرشامي عن هذا الحادثة، فربما أنه أخذها من المؤلفات النصرانية أو من أشخاص كانوا قد سمعوا بما ورد عن حادثة نجران([120]). وقد جمع وهب من هذه القصص ما كان متداولاً بين المسلمين، وبخاصة قصص كعب الأحبار (ت ٣٢- ٣٤هـ) وعبد الله بن سلام (ت نحو ٤٠هـ). وقد أضاف إليها ما حصل عليه من القصص نتيجة اتصالاته بأهل الكتاب، ومن قراءاته للكتب المقدسة. وكان كتابه «المبتدأ» أول محاولة لكتابة تاريخ الرسالات، والكتاب لم يصل إلينا، وإنما وصل منه مقتبسات وشذرات في كتابي «التاريخ» و«التفسير» للطبري (ت 310هـ)، وفي «المعارف» لابن قتيبة، و«السيرة» لابن إسحاق، و«البدء والتاريخ» للمقدسي، وتدل دراسة هذه الاقتباسات على أن وهب بدأ بالخليقة وتدرج إلى تاريخ العهد القديم، ثم إلى الأنبياء الذين ذكرهم القرآن مثل هود وصالح بل حتى إلى بعض الصالحين مثل لقمان وأهل الكهف([121])، ويعتقد المستشرق روزنثال أن كتاب الإسرائيليات هو نفسه كتاب المبتدأ، ويذكر لوهب أيضاً كتاب «الملوك المتوجة من حمير وأخبارهم»([122])؛ وهو ما رواه وهب عن تاريخ اليمن، ودونه عبد الملك بن هشام المعافيري (ت 213هـ) في كتاب «التيجان في ملوك حمير»، وروايات الكتاب تجمع ما بين الحدث التاريخي والقصة الدينية؛ التي تجمع بدورها ما بين الأسطورة والخرافة، وهي تأخذ من قصص الاسرائيليات والقصص الشعبي، مع كثير من الشعر الموضوع، وتتمشى مع أسلوب قصص الأيام، وفيه يقدم وهب ملحمة نثرية يمانية شعبية لتجابه تفوق عرب الشمال، والكتاب هو أدبي أكثر مما هو تاريخي، يلمس فيه القارئ ميلاد فجر القصة العربية وطريقة روايتها بأسلوب مُشوق، وبهذا كان كتاب التيجان أول كتاب يستخدم القصة لنقل الأحداث التاريخية. إلا أن وهب لم يكن دقيقاً في أخباره، بل إنه لم يترفع عن الادعاء والكذب، ولذا فإنه يُصنف إخبارياً قاصاً، ويعتبر السخاوي أخباره غير جديرة بالمؤرخين الجادين، وأنه جاء باتجاه منحرف ضعيف بالنسبة لوجهة علماء الحديث. لكنه جعل من الإسرائيليات مادة لتاريخ الجاهلية، وقدم أول نموذج للتاريخ العالمي متمثلاً في تاريخ الرسالات([123]).
- أبو مخنف (ت 157هـ) ومنهجه:
لقد كثر خلال النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة تدوين الأخبار في صحف شخصية دون أن يبلغ مرحلة التدوين التاريخي التي بدأت مع لوط بن يحيى الأزدي والمشهور بـ أبي مخنف (ت 157هـ)، وقد اتخذت رواياته حضوراً لافتاً في تاريخ الطبري والبلاذري، رغم أن كلاهما كان مهتما بالإسناد، أما أبو مخنف فكان أقل تشدداً منها في استخدام الإسناد، لا بل إن ابن حجر العسقلاني استعان به في كتابه «الإصابة في تمييز الصحابة» وأورد عنه ست روايات نقلها من كتبه بشكل مباشر([124]). وقد نسب إليه أكثر من ثلاثين كتاباً في شتى المواضيع، وبعضها لا شك منحول عليه، لا سيما المتصلة بشؤون العراق. ولما كان أبو مخنف قد ولد وعاش في الكوفة، فإنه نشأ متأثراً لحد ما بأجوائها المعادية للدولة الأموية([125]). وقد كتب أبو مخنف في معظم ما كتب رسائل على ما يبدو، يمكن أن تؤلف تاريخا مفصلا يكمل بعضه بعضا للفترة الممتدة منذ عهد أبي بكر t حتى العصر الأموي لولا بعض الثغرات([126])، وأهتم أبو مخنف بتأريخ بعض الأحداث باليوم والشهر والسنة؛ فهو لا يهمل التسلسل الزمني للحوادث، فالأحداث مفصلة عنده، ولكن دون تماسك كبير، ويتخلل وصفه للأحداث الصور والمشاهد؛ من خطابات ومحاورات وشعر؛ مما يقربها من قصص السمر والأيام، وهذا بدوره يثير تساؤلات حول الزيادات التي تعرضت لها الروايات([127]). كانت أخبار أبو مخنف تدور حول «الردة» و«الفتوحات الإسلامية» و«أخبار الشورى» و«صفين» و«الخوارج» وأخبار العراق أيام الأمويين، ورغم أنه كان يورد ورايات قبيلته الأزد، إلا أنه كان يورد الروايات الكوفية الأخرى، وروايات قبائل أخرى كهمدان وطيء وكندة وتميم([128])، ويروي روايات المدينة، إلا أنه لا يورد الروايات الشامية، حتى إن أهل الاختصاص قالوا إن تاريخ القرن الأول هو تاريخ أهل العراق، فقد قدمه الرواة بما يخدم وجهة نظرهم ويتناسب مع ميولهم وأهوائهم([129]). ويعتبر أبو مخنف أحد أعمدة المدرسة الكوفية (العراقية) التي نمت تحت راية المعارضة، واتخذت سمة أكثر حركية من مدرسة المدينة (الحجازية) المحافظة، حيث سمي أصحابها بأهل الرأي مقابل أهل الحديث أصحاب الأخيرة([130])، ورغم أن أبا مخنف يحاول ألا يظهر ميوله بشكل صريح وواضح، إنما يخفي هواه في طيات رواياته، إلا أن اللون الشيعي فيها واضح، وقد نسبته الشيعة لها واعتبرته أعظم مؤرخيها، ورغم أن رجال الحديث ضعفوا روايته، إلا أننا مضطرون لقبولها جريا على سنن التاريخ، طبعا لا على علاتها، وإنما بعد النقد ومقابلة الروايات وإزالة التناقض منها([131]).
- عوانة بن الحكم الكلبي (ت 147هـ) ومنهجه:
لقد تميزت مدرسة الكوفة بالتنوع، وكان من الطبيعي أن تمتاز به، وقد تجلى ذلك مع مؤرخ (إخباري) آخر معاصر لأبي مخنف هو عوانة بن الحكم الكلبي (ت 147هـ) أو (148)، فرغم أن الرجل من أهل الكوفة وعاش في ظل العباسيين نحو 15 سنة، إلا أنه كان أموي الهوى يتتبع أخبارهم ويقتصاها. لقد تضلع عوانة بالشعر والأنساب، روى وكتب كتباً عامة؛ لا تتناول موضوعاً خاصاً ضيقاً، ولكنها أكثر سعة، وهي مطالع على التاريخ الإسلامي العام، فمما كتبه: «كتاب التاريخ»: وإذا صح العنوان كانت هذه أول مرة يظهر فيها الاسم بمعنى «التاريخ» كعلم. وهو كتاب يتناول أحداث القرن الأول الهجري. والمقتطفات عنه تكشف أنه تحدث عن الخلفاء الراشدين، والردة، والفتوح، والصراع بين علي ومعاوية، وتنازل الحسن، وشؤون العراق والشام حتى نهاية عهد عبد الملك بن مروان. أما الكتاب الثاني وهو «سيرة معاوية وبني أمية»: فكان أول كتاب يخصص لخليفة ولأسرة حاكمة في الإسلام. والروايات التي وردت في كتابيه -حسب المقتطفات الباقية- تكشف عن معرفة قوية بدخائل العصر الأموي. ولعله أخذ معلوماته عن قبيلة كلب التي كان يفخر بعلمها. وابن عوانة لم يتعصب للأمويين، وإن حُسب عليهم، لأنه في الواقع لا يهمل الآراء المعارضة لهم، ولا الروايات العراقية والمدنية. وتجد في كتاب «الأنساب» للبلاذري روايات لعوانة بجانب الزبيريين وأخرى ضد الحجاج. ولدى الطبري روايات لعوانة رواها بجانب العلويين، وأخرى ضد الكوفة. وقد كان عوانة المصدر الذي استقى منه ابن الكلبي والمدائني والهيثم بن عدي (ت 207هـ) وعن طريق هؤلاء نقل الطبري([132]). وقد استعمل عوانة الإسناد بصورة مفككة، كما إن طريقة إيراده الشعر في أخباره تعكس أثر أسلوب قصص الأيام في كتاباته([133]).
- سيف بن عمر (ت نحو 180هـ) ومنهجه:
كما انعكس تنوع مدرسة الكوفة في إخباري ثالث من قبيلة تميم، التي قادت حركة الخوارج في عهدها الأول، وهو سيف بن عمر (ت نحو 180هـ)، روى سيف عن طائفة كبيرة من أصحاب المغازي والإخباريين؛ القريبين من مصادر الأخبار أو المطلعين عليها، وعُرف باطلاعه الواسع على تاريخ الإسلام، واعتبر من أصحاب السير والأحداث. إلا أن المحدثين ضعفوا سيف في مجال الحديث، واعتبروا روايته متروكة، وساقطة، وليست بشيء، واتهموه صراحة بوضع الأحاديث. أما في التاريخ فليس لسيف كتب كثيرة، والكتابان المرويان عنه أحداهما عن الردة والفتوحات، والثاني يهتم بأخبار الفتنة ووقعة الجمل بصورة خاصة، اتصفت كتاباته بالسرد المتصل والمفصل للأحداث مع البيان والحيوية، استخدم الإسناد واعتنى به، وقدم الأخبار كما جمعها؛ وذلك من النظرة العراقية وربما التميمية، حيث استقى على الأرجح معلومات من روايات قبيلته، ويظهر في كتاباته الطابع القصصي العاطفي على منوال الأيام، اعتمد عليه الطبري في روايات في أحداث الفتنة، ورغم أنه يظهر في كتاباته احتراماً شديداً للصحابة، وحرصاً على اجتماع كلمة المسلمين، إلا أن بعض الدراسات التاريخية الحديثة أشارت إلى عدم اطمئنان أصحابها لرواياته التاريخية في مواضيع مختلفة، مثل: الردة، والفتوح، ودور عبد الله بن سبأ في الفتنة، وهي إشارات ذهبت إلى حد بعيد في اتهامه بالوضع ونسبت إليه الاختلاق في التاريخ([134]).
- نصر بن مزاحم (ت 212 هـ) ومنهجه:
أما إخباري الكوفة الرابع فهو نصر بن مزاحم المنقري (ت 212 هـ) صاحب الكتاب المعروف «وقعة صفين»، الذي صدره عن تعصب قبلي؛ مؤكدا دور تميم. وقد جاء اهتمامه بأخبار الإمام علي والحسين وبعض القيادات الشيعية في الكوفة، مؤكداً ميله العلوي الواضح، جمع في كتابه أكاذيباً للطعن في الصحابة، وخصوصا السيدة عائشة وبني أمية، أسلوبه في الكتاب على أسلوب الأيام وقصص السمار، فيه الشعر والحوار والخطب، ولا يشدد نصر في اصطناع السند. جمع كتابه المطبوع «صفين» من المقتبسات الموجودة، والكتاب شبه قصصي، فهو مجموعة من الأخبار المتتالية، وفيه شيء من التخلخل في الحبك. ويظهر معاوية في هذا الكتاب كشيخ قبيلة، حتى أن بعض الأقوال التي قالها أبو سفيان في مكة ترد على لسانه هنا. ويظهر في الكتاب أن العناية بالتواريخ ضعيفة، كما أن الإسناد يستعمل بكثير من التساهل. أما أسلوب الكتابة فهو مثل واضح لأسلوب قصص الأيام، وينتهي بقائمة بأسماء أنصار الإمام علي البارزين([135]).
لقد اعتمد الطبري في أخبار «صفين» على أبي مخنف* لوط بن يحيى، إذ انفرد برواياته عنها، فقد ألف أبو مخنف كتاباً في صفين، كما اعتمد الطبري على سيف بن عمر التميمي كثيراً في أخبار الردة والفتوح؛ إذ ألف كتاب الردة والفتوح. ولا يمكن الوثوق بما رواه الاثنان (أبو مخنف وسيف) من أخبار الصحابة في الفتن التي جرت في ذلك التأريخ المبكر، وينبغي تلمس الأخبار المفردة التي وردت في كتب الحديث، وتأريخ خليفة بن خياط، وأخبار المدينة، وأخبار البصرة لعمر بن شبة بن عبيدة النميري* للمقارنة مع أخبار أبي مخنف وسيف. وقد بنيت الدراسات التاريخية الحديثة على تأريخ الطبري والبلاذري وعزت الأخبار إليهما دون التحقق من أثر الرواة الذين اعتمدهم الاثنان في سرد الأحداث، وإمكان تأثير الرواة المنحازين على الأخبار المنقولة عنهم، مع تشبع معظمهم بروح متحزبة لا يمكن الوثوق بنزاهتها في شهادتها على الأحداث. ومن هنا يظهر أن كتابة حقب التاريخ الإسلامي المبكر في العصر الحديث تحتاج إلى عمل نقدي كبير لتقويمها علمياً، وللوصول إلى مقاربة أكبر للصدق والحقيقة. ومن الطبيعي أن يشترك جمع من المحدثين والإخباريين في حيازة الوصفين: المحدث والإخباري، حيث يتوسع المحدث في جمع الأخبار خارج نطاق الأحاديث النبوية وأحداث السيرة، كما فعل محمد بن إسحاق (ت ١٥١هـ)، ومحمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٤هـ)، وخليفة بن خياط (ت 240 هـ) ([136]).
- علي بن محمد المدائني (ت ٢٢٥هـ) ومنهجه:
بعد أن باتت تفاصيل الرواية وأبعادها معروفة وقيد التداول، لم يعد الإسناد مجدياً للرواية، بقدر ما كانت هنالك أهمية للنقد التاريخي الذي سار فيه علي بن محمد المدائني (ت ٢٢٥هـ) شوطاً بارزاً، وكان الأكثر دقة وموضوعية بين مؤرخي تلك المرحلة، إذ تصل معه دراسات الإخباريين إلى قمتها([137]). كما أنه يمثل جسراً يربط بين المدرستين الحجازية والعراقية خلال القرن الثالث الهجري، مُشكّلاً ما يُسمّيه الباحثون “مجالاً مشتركاً للاهتمام في الدراسات التاريخية والآراء التاريخية المشتركة”. وبفضل جهوده في التطور التاريخي، تلاشت الفروق المميزة للمدرستين، حيث جُمعت موادهما في تواريخ عامة وعالمية([138]).
عُرف المدائني بهذا الاسم بسبب نشأته في المدائن، على الرغم من ولادته في البصرة وقضاء الفترة الأخيرة من حياته في بغداد، حيث نال موقعاً بارزاً في حياتها الثقافية والاجتماعية. كما عُرف بأنه أكثر هؤلاء الإخباريين غزارة في إنتاجه([139])، ويظهر عنده الاتجاه نحو جمع أوسع وتنظيم أوفى للروايات التاريخية، وقد صار هذا ممكناً نتيجة التأليف السابقة، فنراه يأخذ من الإخباريين السابقين، مثل أبي مخنف وابن اسحق والواقدي مضيفاً إلى ذلك بحوثه الخاصة. ويبدو أنه جمع بين الدراسات التاريخية والأدبية. ونظرة إلى القائمة الطويلة بمؤلفاته وكتبه وتبلغ نحو (٢٤٠) مؤلف، يتبين منها أن جال دراساته امتدت من حياة النبي ﷺ إلى التاريخ العباسي، وتناول الفتوحات والخلفاء والأشراف والمعارك والشعراء.. الخ. كما أن أحد تأليفه هو «نسب قريش وأخبارها» كُتِب على خطة كُتُب الأنساب. وبعض كُتُبه كتلك التي تتصل بحياة الرسول ﷺ لا تتعدى كونها فصولاً للسيرة، حيث أنه كتب أخبار النبي ﷺ؛ وصنف كراريس في موضوعات مختلفة من السيرة النبوية، وعرض أخبارا لقريش، وللمنافقين، وللخلفاء في كتابه «أخبار الخلفاء الكبير» الذي تناول فيه تاريخ الخلفاء من أبي بكر t إلى المعتصم بالله([140]). وقد عرض المدائني للأحداث الرئيسة في الإسلام الأول، مثل الردة، والجمل، والخوارج، والفتوح، والأنساب، والتأريخ الشعري، حيث كانت للمدائني فرادة في هذا الباب، بالمقارنة مع جيله من مؤرخي القرن الثاني. وقد مثل المدائني فوق ذلك مرحلة هامة في تطور المنهج التاريخي، متأثراً بالأسلوب النقدي للمحدثين، مما جعل أخباره موثقة، ومصدراً بارزاً لدى المؤرخين من بعده، لا سيما الطبري الذي احتل المدائني موقعاً هاماً في رواياته([141]). يمثل المدائني درجة أعلى من أسلافه في البحث والدقة. ويظهر أنه اتبع أسلوب المحدثين في نقد الروايات، وبذا صار يتمتع بثقة أكثر من أسلافه. ثم أنه توسع أكثر ممن سبقه في الأخذ من روايات المدينة واستفاد من روايات البصرة، بخاصة عن الخوارج وعن مدينة البصرة وعن فتوح خراسان وما وراء النهر. وقد جاء المدائني بأخبار أوفى وأكثر توازناً ممن سلف عن الحوادث والموضوعات التي تناولها. وقد أيد البحث الحديث دقته، وصار المصدر الأساسي للمؤرخين التالين([142]).
وهكذا فإن أبرز سمات المدرسة العراقية في هذا القرن (الثاني)، التنوع في المضمون الذي اتسعت دائرته لتشمل تفاصيل واسعة عن تاريخ العرب قبل الإسلام، وعن بلدانهم وأمصارهم وأحوالهم وأنسابهم بعده، فضلا عن أخبار النبي ﷺ والخلفاء والفتوح والصراعات السياسية التي دارت في العهد الأموي، كما اتسمت منهجياً بالتحول من الرواية إلى التأليف وتوثيق السند على طريقة المحدثين، حيث تبلور هذا المنهج في أعمال مؤرخي القرن الثالث، واتسمت هذه المدرسة أيضاً، ببروز الخلفية السياسية للمؤرخ، الذي كان أكثر قرباً من الحدث، وأكثر تأثراً بأجواء الصراعات الحادة بين الأمويين وخصومهم من الشيعة والزبيريين والخوارج، إذ لا ينبغي إغفال تأثير الجدال الطائفي والسياسي على تطور الفكر التاريخي، لذلك ينبغي التدقيق في أخبار هذه المرحلة، التي لم تخل أخبارها من تعاطف مع هذا الاتجاه السياسي أو ذاك، لا سيما الاتجاه المناوئ للدولة الأموية، حيث ينتمي هؤلاء المؤرخون إلى المدرسة العراقية التي كانت قاعدتها في الكوفة، بؤرة المعارضة الأولى لهذه الدولة([143]).
- علم الحديث وأثره في نشأة علم التاريخ عند المسلمين:
ولما كان هَم المسلمين تلاوة الذكر الحكيم وتدبره، وتفهم أحكامه وإشاراته؛ لأنه وضع أسساً للحياة والدين، فقد أشكل عليهم فهم بعض أحكامه وتفسير جانب من معانيه، فعمدوا إلى الأحاديث ليستعينوا بها على توضيح البيان وجلاء الغامض([144])، إيمانا منهم بقول الله تعالى: }وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ~ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى{([145])، وهكذا وصار شغلهم جمع الأحاديث ممن سمعوها أو رواها أحد سامعيها بالإسناد المسلسل، أي الإسناد المتصل من الرواة الموثوق بهمحتى النبي محمد ﷺ([146])، وقد كان منهج الصحابة في قبول الأخبار: الاحتياط الشديد؛ لأنهم يعتبرون الخبر كالشهادة عملاً بقول الرسول r: «لا تأخذوا العلم إلا عمن تقبلون شهادته»، وقد طبق ذلك أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما؛ هذا الأمر في تقسيم ميراث الجدة والاستئذان، فأصبحت الرواية بعد وفاة النبي ﷺ بمعنى العلم الذي لا ينبغي الرجوع إلا إليه وله شروط منها: التثبت والتحري والشهادة على السماع. ومن الشهادة على السماع كانت أول خطوة من خطوات الإسناد، التي لا يعرف متى بدأت، وإن كان بعض الأقوال تشير إلى أنها ظهرت بعد الفتنة الثانية (بين علي ومعاوية رضي الله عنهما). ولم يظهر الإسناد فجأة، وإنما تدرج مع العصر فكلما قرب العهد بالمصدر الأصلي للخبر لم تكن هناك حاجة باعثة على التزام الإسناد في عهد الصحابة والتابعين([147]).
وكان رسول الله ﷺ قد نبه في أحاديثه، لضرورة تبين الصدق من الكذب، أو بتعبير أدق، نقد ما يرى ويسمع. فمن أحاديثه: «من حَدَّث عنى بحديثٍ يرى أنَّه كَذِبٌ، فهو أحَدُ الكاذِبِينَ»([148]) و«مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»([149]). و«كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ»([150])؛ لأنَّ الإنسانَ يَسمَعُ في العادَةِ الصِّدقَ والكَذِبَ، فإذا حدَّثَ بكلِّ ما سَمِع فقد أخبَرَ بكَلامٍ فيه بعضُ الكَذِبِ؛ لإخبارِه بما لم يَكُن، حتَّى وإن لم يَتعمَّدِ الكَذِبَ؛ لأنَّ الكَذِبَ في الحقيقةِ هو الإخبارُ عن الشَّيءِ بخِلافِ حَقيقتِه، وهذه دَعوةٌ نَبويَّةٌ إلى التَّحرِّي في الإخبارِ، وعدَمِ نَقلِ كُلِّ ما يُقالُ دُونَ تَمحيصٍ.
لقد بدل الإسلام أولويات العرب؛ حيث أدى إلى التوقف عن تقارض الشعر وتذاكر «الأيام»، بعد أن ملأ عليهم القرآن كل الفراغ الديني والفكري والأدبي، ثم سرعان ما لحق به الارتباط بحديث رسول الله r والسنة وأحداث عصر الرسالة وما تلاها. فأقبل الناس من العرب وغيرهم الأقبال الشغوف على تقصي كل ما يتصل بذلك، وعلى تقصيه بدقائقه، وهذا ما أدى إلى «التدوين»: تدوين القرآن الكريم مجموعاً منظماً، وتدوين الحديث وأخبار الرسول ﷺ ومغازيه والصحابة وأعمالهم، كما أدى في الوقت نفسه إلى تفسير بعض آيات القرآن الكريم، وتفصيل بعض الأخبار، بل وإلى بعض التزيد في تلك الأخبار. وإذا كان من غير الممكن التزيد في القرآن لشيوع حفظه الكامل في الناس، وشدة الحرص على حروفه، فقد كان من السهل التزيد في الحديث وأخبار الصحابة، وقد جرى ذلك بالفعل، مما دفع الناس إلى تحري الصدق في الرواة (وهكذا ظهر السند قبل الخبر) وإلى معرفة المناسبات والأحداث التي تتصل بكل حديث وسنة([151])، طبعا لم يكن الهدف من نقد المحدثين للسند؛ السند ذاته، وإنما الهدف الأساس منه هو خدمة المتن؛ لأنه متى ما كان رواة الأحاديث من الثقات كان الاطمئنان([152])، وحتى إذا كان رواة الحديث ثقاتاً فإن هذا وحده لا يكفي، فالحديث ليس رواية فحسب؛ بل «رواية ودراية»، أي أن الذي يروي الحديث لا يكفي أن يكون صادقاً وحريصاً في روايته فحسب، بل ينبغي أن يكون على علم بالأحاديث المروية، سواء فيما يخص معناها، أم ألفاظها، أم الظروف التي قيلت فيها، والغرض المقصود منها يوم قولها، فالحديث قد يكون صحيحاً وثابتاً وقاله الرسول ﷺ فعلاً، ولكنه منسوخ، أي أبطل العمل به في عهد الرسول نفسه([153]). وبناء عليه صنف علماء الحديث، الأحاديث إلى مراتب فكان: الصحيح، الحسن، الضعيف، الغريب، العزيز، المشهور، المسند، المتصل، المرفوع، الموقوف، المقطوع، المتواتر، الآحاد، الشاذ، المنكر، الموضوع، المدرج، المقلوب، المضطرب. وعندما يصل الحديث إلى مرتبة الصحيح كما في الأحاديث التي جمعت في صحيح البخاري*، هناك شروط صارمة مر بها الحديث، أولها: عدالة جميع الرواة، بمعنى أنهم كلهم مسلمون عاقلون بالغون سالمون من الفسق وخوارم المروءة، وشهد لهم جميع الناس بعدالتهم، ثانيا: الضبط: وهو أن يكون راوي الحديث حافظا له على ظهر قلب، ويستطيع استحضاره متى طلب منه، وأن يكون ما حفظه مدونا في كتبه، ثالثاً: اتصال السند: وهو أن كل راوي أخذ عمن فوقه بالسماع المباشر الشفاهي. رابعا: السلامة من الشذوذ: خامسا: سلامة الحديث من العلة في المتن أو السند. والعلة لا يعرفها إلا من بلغ درجة عالية في اتقان علم الحديث.
وإلى جانب هذه الوتيرة السريعة للتغيرات الجذرية، لابد من الإشارة إلى أهمية وضع تقويم ثابت للمسلمين، هو التاريخ الهجري، الذي بدأه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب t، وهو حدثٌ ذو أهمية علمية وإدارية عظيمة، فالإسلام أسرع الأديان في وضع تسلسل زمني، وبهذا التسلسل الزمني، اكتملت البنية الزمنية للثقافة الإسلامية، فأصبح توقيت الحوادث (أو تأريخها) العمود الفقري للدراسات التاريخية فيما بعد([154])، ويمكننا القول إن الوعي التاريخي عند العرب- المسلمين تبلور بعد أحداث الفتنة الثانية مباشرة، والتي امتدت ما بين 60– 73هـ، فظهر بذلك مجمعون محترفون احترفوا بأخبار الإسلام الأول عن طريق المشافهة ليظهر بعدهم بين 80- 100هـ جيل ثان اعتمد في نقل هذه الأخبار إلى جانب الذاكرة على الصحف الشخصية ([155]). ويمكننا القول إن منهج التدوين التاريخي عند العرب- المسلمين تبلور تحت تأثير علم الحديث والإسناد وتقصي الحقيقة([156])؛ وكانت البداية مع عروة بن الزبير* (ت ٩٢هـ)، وأبان بن عثمان* (ت ۱۰۲هـ)، فقد كتب كلاهما كتاباً في «الحديث»، وتتالى بعدها تدوين الحديث؛ فقد واجه الخليفة عمر بن عبد العزيز فتنة الوضاعين (الذين وضعوا الحديث على لسان رسول الله r) استغلالا لمآربهم السياسية، أو المذهبية، أو الشخصية، مستهدفين هذا الأصل الكبير، من أصول الإسلام بالتحريف([157])، كما أن عدداً من القصاص فعل ذلك؛ فقد جاء عند ابن الجوزي «أن قوما منهم كانوا يضعون أحاديث الترغيب والترهيب، ولبس عليهم إبليس؛ بأننا نقصد حث الناس على الخير وكفهم عن الشر، وهذا افتيات منهم على الشريعة؛ لأنها عندهم على هذا الفعل ناقصة تحتاج إلى تتمة»([158])، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم يأمره: «انظر ما كان من حديث رسول الله r أو سنة ماضية أو حديث عمره*؛ فأكتب فأني قد خفت دروس العلم وذهاب أهله»([159]).
كما كلف الخليفة عمر بن عبد العزيز، محمد بن مسلم بن شهاب الزهري* (٥٠-١٢٤هـ) بتدوين ما جمع من أحاديث. وقد قام الزهري بتدوينها فعلاً، ووضعت في دار «قراطيس» الخلافة لكنها فقدت فيما بعد([160]). ولم تكن هذه التجربة الأولى فقد دونت بعض الأحاديث فعلاً قبل عهد عمر بن عبد العزيز، وهو أمر وارد إذ أدخلنا في اعتبارنا أن المجتمع الإسلامي الأول كان على معرفة بالكتابة وأدواتها([161]). إذا كانت دراسة علوم الحديث تعتبر الإسناد المحور الذي تدور حوله كثير من قواعد نقد الحديث؛ فمع نهاية القرن الأول ظهرت الحاجة الملحة للبحث في رواة الحديث، لاسيما أن الوضع قد كثر منذ أيام الفتنة، حتى إن ابن سيرين يقول: بعد الفتنة عندما كانوا يحدثونا عن التاريخ نقول لهم سَمّوا رجالكم (أي رواتكم)، وبالتالي كان لابد من تصفية الروايات، وكانت هذه التصفية تتم عن طريق المُسنِد، أي البحث في رواة الحديث، إن هذا المنهج في علم الحديث، يشكل العمود الفقري من هذا العلم، وقد نتج هذا العمل ظهور علم كامل هو «علم الرجال»: حيث انصبت الملاحظات على الرجال الذين رووا الحديث وتناقلوه، ومن هنا اهتم العلماء بالتعريف بهؤلاء الرجال، فدققوا أسماءهم وكناهم وألقابهم، وأنسابهم لأبائهم وأمهاتهم، وضبط سني وفاتهم، وذكر بعض شيوخهم، وتسجيل رحلاتهم في البلدان ولقاءهم مع علماءها، وبيان أحوالهم وأخلاقهم، مما له أهمية في توثيقهم وتضعيفهم وذكر نماذج من مروياتهم مما يدل على مكانتهم في العلم، وطبقتهم بين العلماء([162])، ومن خلال التحليل الدقيق لسير رواة الحديث، يستطيع علماء «علم الرجال» التحقق من صحة سلاسل الحديث وتأكيدها. وتُعد هذه السلاسل مصدرًا أساسيًا للمعرفة حول حياة النبي محمد ﷺ وتعاليمه، والمجتمع الإسلامي الأول. وتضمن عملية التوثيق والتحقق صحة المعلومات التاريخية في أدبيات الحديث وموثوقيتها. وعلاوة على ذلك، تُقدّم البيانات البيوغرافية التي جمعها خبراء «علم الرجال» فهمًا عميقًا للتاريخ الاجتماعي والثقافي والفكري للمجتمع الإسلامي المبكر. ومن خلال تحليل السير الذاتية والأكاديمية للرواة، ويُمكن للباحثين الحصول على فهم أعمق للبيئة الفكرية والثقافية التي نُقلت فيها الأحاديث وحُفظت([163]).
ولما انتصف القرن الثاني الهجري وظهر من الطوائف من ظهر، وبرزت روايات الكذب والافتراء واضحة أمام الناس، وأول ما استهدفت هذه الهجمة الحديث النبوي الشريف، فرأى أبو جعفر المنصور التصدي لها، وطلب من الإمام مالك* (ت ۱۷۹هـ) أن ينتقي للناس إماما يرجعون إليه في صحيح السنة النبوية، فما كان منه رحمه الله إلا أن اجتهد بكل ما أوتي من جد وقوة، حتى اجتمع لديه آلاف الأحاديث، يختار منها وينتقي، ويرتب كتابه، وينظر فيه كل عام، ثم لم يزل خلال أربعين سنة يعرض ما انتخب على الكتاب والسنة ويقيسها بالآثار والأخبار حتى استقر على ما هو عليه، وسارت بكتابه الركبان، وطارت به الريح في أرجاء المعمورة([164]). وقد كان العباسيون أكثر الناس حرصا على سنة رسول الله ﷺ، فقد جاء في تذكرة الحفاظ للذهبي أن أحد الزنادقة المظلين أتوا به إلى هارون الرشيد، فقاله له: «أين أنت من ألف حديث وضعتها؟»، فرد عليه الرشيد: «أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري* وعبد الله بن المبارك؟ فإنهما ينخلانها نخلاً فيخرجانها حرفاً حرفاً»([165]). وقد اشتهر عن عبد الله بن المبارك (ت ۱۸۱هـ) قوله: «الإسناد عندي من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء»([166]).
لقد استقر الأمر في العصر العباسي، إذ يقول الإمام الذهبي «وفي هذا العصر شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنف ابن جريج التصانيف بمكة، وصنف سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، وصنف الأوزاعي بالشام، وصنف مالك الموطّأ بالمدينة وفيه سيرة رسول الله وأخلاقه ومغازيه، وصنف ابن إسحاق المغازي، وصنف معمر باليمن، وصنف أبو حنيفة وغيره الفقه والرأي بالكوفة، وصنف سفيان الثوري كتاب الجامع، ثم بعد يسير صنف هشيم كتبه، وصنف الليث بمصر وابن لهيعة ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب. وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس. وقبل هذا العصر كان سائر الأئمة يتكلمون عن حفظهم، أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة؛ فسهل ولله الحمد تناول العلم، وأخذ الحفظ يتناقص، فالله الأمر كله»([167]).
ولم يكتف المسلمون بتدوين الحديث وإنما دققوا فيما يروى من أحاديث رسول الله r، ولاسيما بعدما تزايد وضع الأحاديث على لسان النبي ﷺ زوراً وبهتاناً، وهكذا أوجد علماء الحديث تدريجياً، أصولاً نقدية للتميز بين الصحيح والموضوع من الأحاديث ولتصنيفها بحسب قربها من الحقيقة. واتبع المؤرخون العرب تلك الأصول للتحقق من «صحة الخبر» أيضاً. فقد طبق النقاد من الحفاظ والمؤرخين الذين نقدوا الروايات التاريخية، المنهج نفسه في نقد الحديث على مستوى الأسانيد والمتون معاً، من دون أن يفرقوا بين نقد الإسناد والمتن، ولا بين الخبر الشرعي والخبر البشري من حيث طريقة النقد وجوانبه. والأسلوب النقدي الذي ساروا عليه، كان «الجرح والتعديل» أي إنهم كانوا يتابعون «الرواة» الذين أسندت لهم الأخبار، ويعملون على دراسة شخصياتهم دراسة تفصيلية من حيث: تاريخ ميلادهم، ووفاتهم، وسيرة حياتهم وسلامة حواسهم الجسدية وقواهم العقلية وخلفياتهم الدينية أو العرقية أو المذهبية أو السياسية ومقدار الأخلاق التي يتحلون بها، وهذا ما يسمى: «التجريح». أي بذكر عيوبه الشخصية التي تجرده من صفة العدالة (الثقة والاستقامة)، وعلى هذا الأساس يوجه الطعن له، كأن يقال ضعيف، أو ساقط الحديث، أو لا يحتج به، أو كذاب. أو بتعديل بعضهم الآخر، أي بيان الصفات الشخصية للراوي، التي تثبت أنه «إنسان عدل»، أي موضع للتصديق والثقة، ككونه عالماً، نقي النفس، سليم السريرة، تقياً، ورعاً، ومستقيماً في أخلاقه وسلوكه فيقال عنه بأنه ثقة أو ثبت أو حجة إلى غير ذلك من الصفات([168]). وقد لخص الإمام مالك بن أنس ذلك بقوله: «لا يأخذ العلم من أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذلك: لا يؤخذ من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس، وإن كان لا يتهم على أحاديث رسول الله ﷺ. ولا من شيخ له فضل وصلاح وعبادة، إذا كان لا يعرف ما يحدث به»([169]).
وهكذا فإن نشأة التاريخ عند العرب المسلمين علماً مدوناً ومجموعاً من مصادره الشفوية والمدونة بجاهليته وإسلامه، ترجع إلى القرن الثاني للهجرة/ الثامن الميلادي، وكان في نشأته عربياً أصيلاً، وجديداً بفكره، وبتقويمه الزمني وبأهدافه، أي أن المسلمين لم يقلدوا فيه غيرهم من الأمم([170]). كما ارتمست في هذا القرن قواعد علم التاريخ العربي الإسلامي، من حيث التطور المنهجي الهام الذي طرأ عليه كعلم بدأ يتخذ استقلاليته عن علم الحديث، ولكن دون إهمال السند الذي أعطى للروايات التاريخية في ذلك الوقت الكثير من المصداقية والثقة التي اتخذها الحديث، لاسيما أن معظم المؤرخين، في هذا القرن كتبوا في التاريخ انطلاقاً من الاهتمام بالحديث، جمعاً أو كتابة، بحيث حدث تداخل واضح بين العلمين، كما سيكون التأريخ مديناً للحديث في النشأة والمنهج والغاية؛ وقد ظل هذا التداخل وثيقاً خلال عدة قرون، استطاع بعدها التأريخ الخروج من دائرة الحديث والاستقلال عنه([171]).
وخدمة لعلم الحديث تم التبحر في علم الرجال؛ إذ يعتبر يحيى بن معين (233 هـ)؛ المؤسس الحقيقي لعلم الجرح والتعديل، كما كان كتاب «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم الرازي (327 ه)، و«كتاب الثقات» للأمام ابن حبان (354 هـ). لذلك جاءت جهود العلماء جبارة، في تمحيص الحديث ونقده، لاسيما فرز الرواة ونقد الأسانيد، لتمييز الصحيح من الضعيف، ووضع القواعد والأسس التي تعين على ذلك([172]). ولا شك أن هذا العلم أراح المسلمين في تحديد صحة الرواية الحديثية. وقد دأب المسلمون في التأليف والبحث والكتابة في علم الجرح والتعديل وتراجم الرجال خدمة لعلم الحديث، فقد وضع عبد الغني المقدسي (600 هـ) «الكمال في أسماء الرجال» ترجم فيه لرواة كتب علم الحديث الستة، فما كان من جمال الدين المزي (742 هـ) محدث الشام وأحد كبار علماء الحديث ورجاله في القرن السابع الهجري، إلا أن هذبه باسم «تهذيب الكمال»، ثم وضع ابن حجر العسقلاني كتاب «تهذيب التهذيب» مع زيادة فوائد وتنبهات كثيرة والتعقيب على ما سبقوه، فجاء الذهبي (748 هـ) فوضع «تذهيب التهذيب». وبالعموم يمكن لنا تمييز عصرين من الزخم في البحث المنهجي في علم الحديث: الأول في القرنين الثالث والسادس الهجريين (التاسع والحادي عشر الميلاديين)، حين جرى تصنيف الحديث وتدقيقه، والثاني في القرنين الثامن والتاسع الهجرين (الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين)، حين اكتملت معاجم رواة الحديث والمواضيع ذات الصلة([173]).
تُعدّ الفترة الأولى هي الأهم بالنسبة لنا في هذا المقام، لأنها شهدت أوج الترابط بين التاريخ والحديث. وقد دارت خلالها نقاشات عديدة حول صحة سلسلة الرواة في تحديد مصداقية الروايات، مما كان له أثر بالغ على الكتابة التاريخية، ولا سيما كيف ساهمت هذه النقاشات في إرساء منهج أكثر دقة وتركيزًا في علم التأريخ([174]). وعبر توسيع نطاق التدوين، واختلاف الغاية والموضوع، واتساع دائرة الأحداث الإنسانية السياسية لتشمل أحداثا مرتبة دون التقيد بشروط الجرح والتعديل الخاص بالأحاديث؛ نشأ علم التاريخ، واستقل عن علم الحديث، وكانت البداية الأولى للتدوين التأليفي للتاريخ العربي الإسلامي في العصر الأموي([175]). كما لم يعد المؤرخ يسمى إخبارياً، إذ اقتصر مدلول الإخباري على راوي القصص والنوادر والحكايات، وأقبل العلماء والفقهاء على دراسة التاريخ والتأليف فيه، وصار لهم مكانة عالية بين النَّاس، واعتنى الخلفاء بسماع تواريخ الملوك في الأمم الأخرى لتكون لهم عِظة، ويستفيدوا من تجاربهم، ورأَوْا أن قراءة التاريخ تفيد الفطنة والحِنكة([176]). وكان لدخول الورق للعام الإسلامي نحو سنة 750م ومن ثم تأسيس أول معمل للورق في بغداد سنة (١٧٨هـ / ٧٩٤م)، دور كبير في انتشار كتابة التاريخ، فبعد توافر المادة الورقية اللازمة للتدوين ازدادت المؤلفات، ومن بغداد انتشرت صناعة الورق في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وكان الورق يصنع من الخرق البالية، ومن ألياف الحشيش ومن القنب والكتان([177]).
- كتب السيرة النبوية:
لقد شكك الباحثون الغربيون في كتب السيرة النبوية؛ على اعتبار أنها قد لا تكون موثوقةً تاريخياً؛ فقد أعرب ويم رافين Wim Raven عن شكوكه بشأن إمكانية استخدام أدب السيرة النبوية “لكتابة سيرة ذاتية موثوقة تاريخيًا لمحمد ﷺ، أو لتأريخ صدر الإسلام”. ويلمح بيتر Peters إلى أن المؤرخين الذين يركزون على محمد وصدر الإسلام، يتعرضون باستمرار “للخداع”، بسبب عدم موثوقية مصادرهم. بينما يرفض ستيفن شوميكر Stephen Shoemaker الرأي السائد بين الباحثين الغربيين بأن أدب السيرة النبوية “عديم القيمة أساساً لإعادة بناء سيرة ذاتية موثوقة تاريخياً لمحمد أو لتاريخ صدر الإسلام بشكل عام. ويتسأل شوميكر عما إذا كانوا يعتقدون أن أدب السيرة النبوية يهدف إلى اطلاعنا على حياة لم يعشها محمد، وعلى ماضٍ إسلامي لم يحدث، على الأقل بالقدر الذي يثير التساؤل حول جدوى أدب السيرة النبوية”. في الواقع يسعى باحثون مثل أندرياس غوركه Andreas Görke وغريغور شويلر Gregor Schoeler إلى تقديم سبيل للمضي قدمًا: فهم يهدفون إلى إعادة بناء جزء من السيرة النبوية مما يعتبرونه “المادة الأصلية” من “التقاليد الإسلامية”، على عكس “الكثير من المواد المشكوك فيها والمزيفة”. ومع ذلك، يقول شوميكر عن هذه المساعي: “إن القضية المطروحة هي الموثوقية العامة لروايات السيرة المبكرة لمعرفة حياة محمد وبدايات الإسلام: فالمصداقية التاريخية لهذه الروايات موضع شك كبير”. في الواقع ينتشر مفهوم الموثوقية في دراسة التاريخ، ولا سيما في نقاشات تاريخية المصادر مثل أدب السيرة النبوية، ولكن لا يوجد وضوح كافٍ حول كيفية فهم الموثوقية أو كيف ينبغي فهمها([178]).
كما يرى المستشرقون أن أدب السيرة النبوية يتجاوز مجرد سرد حياة محمد ﷺ وبدايات الإسلام، فهو أيضاً (إن لم يكن في المقام الأول) محاولة لإثبات صحة نبوة محمد r، ويستخدم الماضي عملياً كسلاح ضد اليهود والمسيحيين الذين رفضوا (أو يرفضون) هذا الادعاء. وقد أشارت الدكتورة كلير وايلد Clare Wilde: “أن أدب السيرة النبوية يدور حول صناعة نبي عربي” لاسيما أمام اليهود والنصارى. أي أن هدفه إقناع الناس بظهور نبي حقيقي بين العرب، وهو وصف من وجهة نظر بعض المؤرخين الغربيين؛ قد يكون دقيقاً، وذلك من خلال حرص كتاب السيرة النبوية، وعلى رأسهم ابن إسحاق، على إدراج قصص ربما من الإسرائيليات؛ حول تبشير اليهود والنصارى -المعاصرين للنبي محمد r قبل البعثة- بقدوم نبي من العرب([179]). ومهما أفرط المؤرخون الغربيون في استعمال منهج الشك الديكارتي، يبقى يقينا عندنا أن الله تعالى قيض لمفردات حياة النبي ﷺ والحوادث في عهده أن تكتب وتحفظ، فبعد تناقلها شفاهاً في بداية الأمر تمّ تدوينها([180]). وإن دراسة الموضوع بمنهجية علمية يبين لنا ما يلي:
يُقدّم القرآن الكريم -أصدق الكتب- تفاصيل كثيرة عن حياة النبي محمد ﷺ ورسالته، فهو يُخبرنا عن مولده وطفولته المبكرة يتيماً، وعن بلوغه سن الرشد وبداية الوحي. كما يُخبرنا عن إعلانه الجليّ للرسالة وكيف رفضه أهل مكة وبقية العرب. ويروي لنا القرآن الكريم بعض الأحداث المهمة في حياة النبي ﷺ، مثل رحلة الإسراء والمعراج، وقصة تلاوة الجن للقرآن، وهجرة النبي ﷺ، وغيرها. كما يتناول القرآن الكريم أحداثًا وقصصًا أخرى من حياة النبي ﷺ، مثل معاركه ضد المشركين في بدر، وأحد، والأحزاب، والحديبية، وفتح مكة، وحنين، وتبوك، وغيرها. وبينما يسرد القرآن الكريم هذه القصص، فإنه يُبين الأحكام والمعايير، ويُسلط الضوء على دروس محددة وأخلاق عامة([181]).
لقد بدأت عناية المسلمين بالسيرة النبوية بتناقل أخبارها شفاهاً، وقد اتسمت الرواية الشفهية بثلاث مظاهر وهي: انفصال الأخبار فيما بينها واستقلاليتها، الطابع القصصي الذي لا يخلو من الحوار، والاستشهاد بالشعر([182]). ولما بدأ التدوين المبكر لحديث رسول الله ﷺ، دونت الأحاديث دون التفرقة بين أحاديث المغازي وأحاديث الأحكام وغيرها، ثم تطور الأمر فتم ترتيب تلك الأحاديث في كتب وأبواب خاصة بها ضمن مصنفات الحديث؛ فجعلوا أبوابا للصلاة والزكاة والزواج وللجهاد أبوابا للمغازي والسير([183]). ويُفصّل أدب السيرة حياة محمد ﷺ والإسلام المبكر بترتيب زمني، بينما لا تُرتّب الأحاديث ترتيبًا زمنيًا. لكن نادرًا ما ينظر الباحثون الغربيون إلى هذين النوعين الأدبيين كمصدرين منفصلين. أي أنهم نادرًا ما يعتقدون أن أدب السيرة النبوية والحديث النبوي متوازيان ومستقلان عن بعضهما البعض: فالافتراض السائد هو أن أدب السيرة النبوية مستمد في معظمه من الحديث النبوي الشريف. ويرى العديد من الباحثين الغربيين أن أدب السيرة النبوية يشمل الشعر الجاهلي أيضاً، لكن هنري لامنس Henri Lammens يقول إن هذا يتعلق “فقط بتلك الأعمال التي يعتقد أنه وجد فيها تأكيدًا لنظرياته”، أي الشعر الذي اعتبره كُتاب أدب السيرة النبوية مفيدًا لتأكيد صحة المعلومات التي دونوها لها([184]).
لقد نص القرآن الكريم على أن أقوال النبي محمد ﷺ موحى بها وسيرته مثال يحتذى عند المسلمين، قال الله تعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا»([185])، وكان الصحابة يقدرون السيرة النبوية قدرها، ويتقصون أخبار النبي ﷺ ليقتدوا به، وليعتمدوا عليها في التشريع ، وفي التنظيم الإداري وفي شؤون الحياة، وكانت مغازي الرسول ﷺ وسراياه مصدر فخر عند المسلمين([186])، يتواصون بتعلمها وتعليمها لأبنائهم، فكان زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنه يقول: “كنا نُعلَّم مغازي النبي ﷺ كما نعلم السورة من القرآن”([187]). وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: “كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله ﷺ ويعدها علينا ويقول: يا بني هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها”([188]).
كما إن كثيراً من التابعين ساروا على نهجهم في الاهتمام برواية السيرة وتدوينها، وكان معظمهم ممن اشتهر برواية الحديث النبوي الشريف، وهذا ميزة لمرويات ومدونات السيرة النبوية العطرة؛ فقد حفظ الله تعالى سيرة نبيه من الضياع والتحريف. والمبالغة والتهويل بأن هيأ لها علماء الحديث ليعنوا بها ويدونوا أصولها الأولى، وهذه ميزة لمصادر السيرة لم تتوافر لغيرها من كتب التاريخ والأخبار([189])، حتى إن كتب السيرة المختصة تلي من حيث الدقة القرآن الكريم والحديث الشريف، ومما يعطيها قيمة علمية كبيرة أن أوائلها كتبت في وقت مبكر جداً، وعلى وجه التحديد في جيل التابعين؛ حيث كان الصحابة موجودين فلم ينكروا على كتاب السيرة؛ مما يدل على إقرارهم لما كتبوه، والصحابة على علم دقيق وواسع بالسيرة النبوية، لأنهم عاشوا أحداثها وشاركوا فيها، وكانت محبتهم للرسول ﷺ وتعلقهم به ورغبتهم في اتباعه وأخذهم بسنته في الأحكام سبباً في ذيوع أخبار السيرة ومذاكرتهم فيها وحفظهم لها، فهي التطبيق العملي لتعاليم الإسلام. كما إن التبكير في كتابة السيرة قلل إلى حد كبير من احتمال تعرضها للتحريف أو للمبالغة والتهويل أو للضياع([190]).
تعتبر كتب السيرة والمغازي من أقدم الكتب التاريخية؛ التي تجمع بين التاريخ والحديث، وتمثل أول شكل للكتابة التاريخية عند العرب المسلمين([191]). فإذا أطلق اسم «السيرة النبوية» انصرف الذهن إلى أن هذه الكلمة تعني حياة الرسول ﷺ في العهد المكي والمدني، ولا يعني هذا أن الكتب التي تحمل عنوان «المغازي» لا تتحدث عن الفترة المكية، لكن الغالب أنها لا تذكر إلا حياة الرسول ﷺ في الفترة المدنية. إجمالا يمكننا القول إنه إذا أطلق لفظ «السيرة» لوحده شمل حياة الرسول ﷺ في المرحلة المكية والمدنية، وإذا أطلق لفظ «المغازي» لوحده شمل الفترة المدنية في الغالب، بحكم أن الجهاد أُذن به بعد الهجرة النبوية الشريفة، أما إذا قيل «السير والمغازي» فالمراد سيرة النبي ﷺ كاملةً؛ في مكة والمدينة والغزوات والسرايا والبعوث([192]). واعتمدت كتب المغازي والسير على الأحاديث المروية عن النبي ﷺ، والتي يتحرى في جمعها الصحة وتلتزم الدقة، وكان لذلك فضلٌ كبير في رفع مستوى الكتابة التاريخية والاتجاه بها إلى الطريق السوي، وقد كان لهذا الاتصال بين رواية الأحاديث وكتابة التاريخ تأثير بالغ في الطريقة التي سار عليها مؤرخو الإسلام في كتابة التاريخ. لقد كانت أخبار المغازي والسيرة متناثرةً في داخل الأحاديث النبوية، من غير تبويب يؤلف بينها أو يجمعها في باب واحد، فلما رتبت الأحاديث في أبواب وكتب، استقلت السيرة والمغازي بأبواب مستقلة في كتب الحديث ذاتها، ثم توسعت دراسة فظهرت مستقلة قائمة بذاتها في كتب مستقلة منفصلة عن كتب الحديث النبوي الشريف([193]).
وأكثر من اهتم بالسيرة النبوية هم رواد المدرسة الحجازية، أو مدرسة المدينة، ولا شك أن هنالك علاقة بين رواد هذه المدرسة وبين الموضوعات التي ألفوا فيها، حيث تمحورت في الغالب حول سيرة الرسول ومغازيه وأخبار الخلفاء الأوائل، وغير ذلك مما شهدته المدينة على أرضها، أو كان لها تأثير في قرارها. وإذا انتقلنا إلى منهج المدرسة الحجازية فإنه تأثر شأن الموضوع، بالمناخ الاجتماعي الفكري السائد حينذاك في المدينة المنورة، التي ظلت نحو قرنين مرجع المسلمين في شؤونهم الدينية، ومقر محدثيهم وفقهائهم الكبار وأئمتهم من أمثال: ابن عباس، والحسن بن علي، والحسين بن علي، والباقر، والصادق، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبان بن عثمان، وشرحبيل بن سعد، والزهري، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وغيرهم ممن برزوا أساساً كمحدثين واهتموا من المنطلق نفسه بأخبار الرسول r والدولة الإسلامية الأولى. وكان من الطبيعي أن ينعكس المنهج الحديثي على أعمال هؤلاء، الذين طغت لدى بعضهم صفة المحدث والفقيه على المؤرخ، مثل سعيد بن المسيب وأبان بن عثمان([194]).
- عروة بن الزبير (ت 94 هـ) ومنهجه في السيرة:
لقد بدأ الاهتمام بدراسة سيرة الرسول ﷺ في المدينة المنورة، ضمن دراسة المحدثين للحديث النبوي الشريف وجمعه وتبويبه، ولا غرو أن تكون المدينة المنورة مدرسة الحديث النبوي والتفسير، فهي مهاجر رسول الله ﷺ، وقاعدة أمته، وبيئة تربيته ودعوته([195])، ولعل أول الصحابة الذين اهتموا بجمع أخبار السيرة ابن عباس*، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والبراء بن عازب*، ثم التابعي عروة بن الزبير الذي يروى أنه أول من صنف في المغازي؛ أي أفردها وميزها عن الحديث والآثار، كما يروى عنه أنه تبادل المراسلات مع الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان حول مسائل تخص حياة النبي ﷺ بناء على طلب الأخير، ثم عاد إلى دمشق في عهد الوليد بن عبد الملك، وكتب له جواب عدد من الأسئلة التاريخية نقلها عنه المؤرخون، وكان على صلة بعمر بن عبد العزيز، لكن ظروفا كثيره أجبرته على ترك الشام([196]). صرح كثيرٌ ممن اهتموا بتاريخ تدوين العلوم الإسلامية أن عروة بن الزبير كتب في السيرة النبوية، وإن لم تصلنا مؤلفاته فقد وصلت في كتب السير والمغازي التي نقلت الكثير من رواياته؛ كما في سيرة ابن إسحاق، ومغازي الواقدي، وطبقات ابن سعد، وتاريخ الطبري وغيرها([197])، وهي تتناول جوانب مختلفة من حياة الرسول ﷺ؛ اشتملت على بدء الوحي، وبداية الدعوة والهجرة إلى الحبشة، والهجرة إلى المدينة، ثم بعض السرايا والغزوات وبعض رسائل رسول الله ﷺ ثم وفاته([198])، وعروة محدث اتبع أسلوب أهل الحديث فاستعمل الإسناد، وقد كانت النظرة إلى الإسناد في زمنه لا تزال مرنة، ولم تكن القواعد الدقيقة للإسناد قد ظهرت بعد. وأسلوب عروة في التأليف بسيط، بعيد عن الإنشاء، في حين أن نظرته واقعية وصريحة وخالية من المبالغات. وقد مكنته منزلته الاجتماعية من الحصول على معلومات تاريخية من مصادرها الأولية؛ لاسيما من السيدة عائشة ومن آل الزبير (أسرته)، وقد حصل على بعض الوثائق، كما أنه أشار إلى آيات قرآنية تتصل بالحوادث. وامتد اهتمام عروة بالتاريخ إلى عصر الخلفاء الراشدين؛ فتناول الردة ومعركتي القادسية واليرموك، وهكذا نجد الاهتمام مبكراً بأحداث الأمة([199]).
ويمكننا القول إن عروة بن الزبير وأبان بن عثمان وشرحبيل بن سعد يمثلون الطبقة الأولى من مؤرخي السيرة النبوية، فقد كان أبان بن عثمان بن عفان (ت نحو 102هـ) أول من كتب في السيرة النبويّة؛ إذ روى أخباراً متفرقة عن حياة الرسول ﷺ([200]). بينما كان شرحبيل بن سعد (ت 123هـ) أبو سعد الخطمي المدني مولى الأنصار، تابعي، عالماً بالمغازي، وأحد رواية الحديث النبوي([201]). كانت أخبار شرحبيل كثيرة وفضائله شهيرة، سعى لتطوير فكرة كتابة السيرة النبوية لتكون تاريخا بالمعنى العلمي للكلمة، وقد تجلى ذلك بتطوير النظرة الاجتماعية للأحداث؛ حين يقدم قوائم بأسماء الصحابة الذين شاركوا في الأحداث الكبرى، مثل البدريين، والذين اشتركوا في معركة أحد، وجماعة المهاجرين إلى الحبشة، والمهاجرين إلى المدينة، لما للمشاركة في المغازي من قيمة اجتماعية متزايدة([202]).
- محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (124 هـ) ومنهجه في السيرة:
ويعتبر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (124 هـ) مؤسس مدرسة التاريخ الحجازية في المدينة، ومن وضع خطوط كتابة تاريخ السيرة النبوية المطهرة، وهو أول من أعطى «السيرة» وهو التعبير الذي استعمله هيكلا محددا ورسم خطوطها بوضوح؛ فكان أول من دونها ووضعها في ترتيب واضح ونسق شامل([203]). ومثل ما اشتغل الزهري في جمع الحديث*، والتفسير والقراءات والفقه والأنساب والإعراب، اشتغل في كتابة التاريخ، وإذا كان الزهري قد ذاع صيته في مجال السيرة والمغازي النبوية، وصار مقدم علماء عصره في هذا العلم، فما ذلك إلا لتمكنه من علم الحديث النبوي، خصوصاً الجانب المنهجي منه المتعلق بضبط الأسانيد وغربلتها، حيث طبق هذا المنهج على الروايات التاريخية، والتي كانت تهمل الجانب التوثيقي، وما كان الزهري يعرض حدثاً من السيرة النبوية إلا وحاول أن يربطه بآية قرآنية مع الاعتماد على سبب نزولها، وقلَّ ما اعتمد على القصص الشعبية والإسرائيليات في سيرته؛ لأنه استقى معظم معلوماته من الأحاديث النبوية الشريفة([204]).
وكان الزهري أول من تحررت كتاباته من الطابع القصصي وتمثل كتاباته المرحلة الأولى من التدوين التاريخي، ويعتبر من مؤسسي علم التاريخ عند العرب المسلمين. أورد في السيرة النبوية تفاصيل أخبار الرسول ﷺ التي استقاها في الغالب عن الحديث، الذي شكل مورده الأساسي؛ إذ كان يتنقل بين مشايخ الحديث*، ومعه ألواح يكتب عنهم فيها الحديث، حتى قيل في الزهري: «ما أرى أحداً جمع بعد رسول الله ﷺ ما جمع ابن شهاب»، وهكذا توفرت له هذه المادة العلمية الغزيرة([205])، وقد أورد تفاصيل كثيرة عن البعثة النبوية وبداياتها والهجرة إلى الحبشة وأسبابها، وهجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة، والمغازي، ورسائل النبي ﷺ إلى القبائل العربية وملوك العصر، والفترة الأخيرة من حياة الرسول([206]). ولم يقتصر عمله على الجمع فقط، وإنما لجأ إلى ترتيب مادته وتبويبها، حتى إن مرويات ابن شهاب الزهري تعتبر أول إطار متكامل لأحداث السيرة النبوية؛ فقد راعى فيها التسلسل الزمني لحوادث السيرة من ولادة الرسول ﷺ إلى وفاته، فعلى سبيل المثال وردت مروياته عن العهد المكي كالآتي: رواية تتعلق بحمل آمنة بنت وهب بالرسول ﷺ، ووفاة والده عبد الله، وأخرى عن نسب النبي ﷺ وروايات عن حلف الفضول، وبناء الكعبة، وزواج الرسول ﷺ من خديجة، ونزول الوحي وغير ذلك. وثمة مرويات عديدة للزهري تتعلق بمرحلة الدعوة الإسلامية في العهد المكي، مثل: أول من أسلم، ومعاملة قريش للرسول ﷺ ومن معه من المسلمين، ومحاولة الرسول ﷺ نشر الدعوة بين القبائل العربية، والهجرة إلى الحبشة، وقصة الإسراء والمعراج، والمقاطعة، وبيعتي العقبة، وبداية دخول الإسلام إلى المدينة. ثم تأتي المرويات المتعلقة بالعهد المدني بدءاً بحديث الهجرة، وبناء المسجد، وحالة المهاجرين في المدينة، وأكثر تركيز المرويات هنا على المغازي والسرايا.. بدءاً من سرية عبد الله بن جحش وغزوة بدر بتفاصيلها ثم بقية المغازي واحدة فواحدة.. إلى أن ينتهي بمروياته عن حجة الوداع، ثم مرض النبي ﷺ ووفاته ودفنه([207]).
إن روايات الزهري ومن قبله عروة بن الزبير؛ تتصف بصراحتها وبطابعها الإنساني، ويندر فيها ما يظهر لدى المؤرخين فيما بعد من مبالغة. كما إن الاتجاه نحو الجبرية في تفسير الحوادث؛ وهو اتجاه شجعه الأمويين، لا يبدو واضحاً لديهما، بل إننا نجد أن أعمال الرسول ﷺ ذاتها تعرض أحياناً على أنها موحى بها، وتعد في بعض الحالات مجرد تدابير بشرية محضة وعملية. كما في قصة الخندق، وفي جعل ماء بدر خلف جيش المسلمين([208]).
وتجدر الإشارة إلى أن الزهري لم يقتصر على دراسة حياة الرسول ﷺ قبل البعثة وبعدها وعلى مغازيه فحسب، وإنما مدّ ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين، وما حدث أثناء انتخابات الخلافة، كما تحدث عن حروب الردة، وفتوح الشام، وأظهر اهتماماً كبيراً بالأنساب، وكان واحداً من علمائها، ألف كتابا في نسب قريش. ومن ثم فإنه يمكن القول إن ما دونه الزهري كان الأساس في كتب المغازي والسيرة([209]). أما فيما يخص منهجه التاريخي، فيظهر من بعض الاستعمالات ما ينم عن اعتماده على منهجية تاريخية؛ لاسيما في بعض المواضع عند يأتي بمجموعة من الأخبار المتعارضة، ثم يعقد مقارنة بينهما، إلى أن يصل إلى النتيجة العلمية. وهذا كما لا يخفى مبدأٌ أخذت به الكتابات التاريخية في فترات ما بعد فترة الإمام الزهري بكثير([210]). ويلاحظ على جهود الزهري في مروياته أنه كان يتحقق ويدقق الرواية، فضلاً على اعتماده على الإسناد، واشتهر بقوة إسناده. ونظرته في ذلك تمثل نظرة عصره، حيث نجده يعدّ رواية التابعين أحيانا وافية بشروط الإسناد. ولكنه أدخل شيئاً جديداً هو الإسناد الجمعي، حيث يدمج عدة روايات في خبر متسلسل، وبذلك تقدم خطوة مهمة نحو الكتابة التاريخية المتصلة، وهو تطور هام للدراسة التاريخية. وقام الزهري بخدمة هامة للدراسة التاريخية؛ إذ إنه كتب رواياته، ويعد أول من فعل ذلك بصورة منظمة([211]). وكان الزهري يضمن مروياته آيات قرآنية، وبعض أبياتٍ من الشعر بحسب ما ورد في الواقعة، مثال ذلك ما أورده من شعر في قصة مسير خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن مالك بعد فتح مكة سنة 8 هجرية([212]).
لقد جاءت أخبار الزهري متحررة أو تكاد من الطابع القصصي، مرتبه زمنياً، ويعتبر في الواقع مع آخرين من جيله، المؤسسين لعلم التاريخ عند العرب المسلمين، وإن لم يكونوا من رواده حيث كانت ثمة محاولات سابقة قام بها جيل آخر، ولكن دون أن يترك من التأثير في هذا المجال ما كان للزهري بصورة خاصة. ذلك أن عمله لم يقتصر فقط على الجمع، وإنما لجأ إلى ترتيب مادته وتبويبها، مشكلاً اسهامه هذا محطة بارزة في تطور هذا العلم، ستعقبها محطة أخرى هامة على يد تلميذه محمد بن اسحاق، أشهر كتاب السيرة النبوية، ولعل في طليعة الذين أخذ عنهم الزهري: عبد الله بن عباس (ت 68هـ) وأبان بن عثمان (ت نحو 102هـ) وعروة بن الزبير (ت 92هـ)، وآخرين ممن يمكن أن نعتبرهم مؤرخي القرن الأول الهجري، وقد انصب اهتمام معظمهم على السيرة والمغازي انطلاقاً من معاصرتهم للنبي r وقربهم من الأحداث السياسية([213]). ومن المعروف أن كتاب الزهري لم يصلنا، إذ ظل الأصل مفقوداً، وقد وصلتنا روايات الزهري (ت 124هـ) عبر تدوينها في كتب تلاميذه الذين رووها عنه، ثم تداولها علماء الأمة وحفظوها في دواوين الإسلام الأساسية، دوراً مميزاً في الإسناد وحركة التدوين، ما أسهم في حفظ هذا التراث*.
- عاصم بن عمر بن قتادة (ت 120هـ) ومنهجه في السيرة:
أما الطبقة الثانية فإنها ثلاثة علماء قاموا بتنمية علم المغازي هم: أبو شهاب الزهري وعبد الله بن أبي بكر بن حزم* (ت نحو 130هـ) وليس أمامنا إلا مقتطفات من مؤلفاته، إلا أن الثابت أنه استخدم التاريخ الهجري في موارده في المغازي، وعاصم بن عمر بن قتادة (ت 120هـ)، وقد كان لعاصم رواية للعلم، وعلم بالسيرة، ومغازي رسول الله ﷺ، وأكثر من روى عنه أخبار السيرة النبوية محمد بن إسحاق، وغيره من أهل العلم. من تلك المرويات في العهد المكي قصة إسلام سلمان، وخبر عرض النبي ﷺ نفسه على العرب في المواسم، وقصة إسلام سويد بن الصامت، وإسلام الأنصار في العقبة الأولى، ومروية عن بيعة العقبة الثانية، وكلام العباس بن عبد المطلب فيها وغير ذلك”([214]). ومما أورده ابن اسحاق من رواية عاصم بن عمر عن خبر عن عرض النبي ﷺ نفسه على العرب في المواسم ما نصه: …. «قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَشْيَاخ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: لَمَّا لَقِيَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ لَهُمْ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَفَرٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، قَالَ: أَمِنْ مَوَالِي يَهُودَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَفَلَا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى فَجَلَسُوا مَعَهُ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ القرآن»([215]) …. ونقل عنه ابن إسحاق أيضاً مرويات أخرى تتعلق بالعهد المدني من السيرة النبوية مثل: خبر عن نقابة النبي ﷺ لبني النجار*، وأخبار تتعلق بأمر المنافقين في المدينة، ومرويات تتعلق بمعركة بدر الكبرى، وخبر عن نقض بني قينقاع للعهد مع الرسول ﷺ، وأخبار تتعلق بغزوة أحد مع قائمة بشهداء المسلمين فيها، ومقتل خبيب بن عدي، وأخبار عن غزوة الخندق، وغزوة بني قريظة، وغزوة بني لحيان، ومرويات عن غزوة حنين، ومعركة الطائف، وغزوة تبوك، وغيرها. ولم يقتصر نقل مرويات السيرة النبوية عن عاصم بن عمر على ابن إسحاق، بل نقل عنه الواقدي الكثير من الأخبار المتعلقة بالمغازي النبوية([216]). قال عنه ابن سعد: «كان ثقة كثير الحديث عالماً»، وفد عاصم بن عمر على الخليفة عمر بن عبد العزيز في دين لزمه فقضاه عنه عمر. وأمر له بعد ذلك بمعونة. وأمره أن يجلس في جامع دمشق فيحدث الناس بمغازي رسول الله ﷺ ومناقب أصحابه، ففعل، ثم رجع إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى تُوُفّي سنة 120 هـ في خلافة هشام بن عبد الملك([217]).
- محمد بن إسحاق (ت ١٥١ هـ) ومنهجه في السيرة:
لقد كان لتلميذ الزهري؛ محمد بن إسحاق بن يسار الفارسي المتوفى سنة ١٥١ هـ/ ٧٦٨م الدور الأكبر في علم السيرة؛ إذ كان أحد أعلام مدرسة المدينة، حيث ولد وتلقى علومه فيها، ثم أجبر على الهجرة إلى العراق سنة 132 هـ بسبب الخلافات التي دبت بينه وبين مالك بن أنس وهشام بن عروة بن الزبير. ومع ابن اسحاق ترتسم خطوط جديدة في تطور عملية الكتابة التاريخية عند المسلمين؛ ومن مظاهرها الواضحة وجود عنصر القصص الشعبي، والاتجاه نحو المبالغة. ومع ابن إسحاق يستشعر القارئ أنه انتقل إلى أشخاص هم مؤرخون أولاً ثم محدثون من الدرجة الثانية. في الواقع لقد ذهب ابن اسحاق أبعد من حدود مدرسة المدينة، سواء أكان ذلك في نظرته التاريخية أم في أسلوبه؛ فقد جمع بين أساليب المحدثين والقصاص في كتاباته، واستفاد من نواحي الاهتمام المختلفة بالمغازي وتواريخ الأنبياء؛ فجمع بين الأحاديث والروايات التاريخية والإسرائيليات والقصص الشعبي مع كثير من الشعر الصحيح والموضوع. ولذا فإن مصادر معلوماته تكون خليطاً يجلب الانتباه إليه([218]).
لقد وصل من ابن اسحاق أقدم سيرة تكاد تكون محفوظة بكليتها، وقد وضع ابن إسحاق كتابه الشهير: «السيرة» بناء على طلب من الخليفة أبو جعفر المنصور، كما قيل، وكان ثمرةَ مفهومٍ قد يكون أوسع من مفهوم أسلافه ومعاصريه عن سيرة الرسول r، لأنه لم يقدم سيرته فحسب وإنما قدم تاريخ الرسالة. وبهذا الشكل الأصيل والأول لكتب السيرة، ضم مؤلفه ثلاثة أقسام هي: القسم الأول: المبتدأ: ويبحث في التاريخ قبل الإسلام، ومنذ بدء الخليقة. ويأخذ فيه من روايات وهب بن منبّه متأثرا به، ومن نصوص التوراة والقرآن، قد غلب على هذا القسم الطابع القصصي (قصص الأنبياء، أصحاب الفيل، أصحاب الأخدود) مع قلة الإسناد، والكتاب وصلتنا منه فقرات عند الطبري والمقدسي والأزرقي. القسم الثاني: المبعث: ويبحث في حياة النبي r في مكة المكرمة، والهجرة الشريفة، ويعتمد في أخباره على الإسناد؛ لاسيما رواية شيوخه وفي مقدمتهم الزهري وعاصم بن عمر بن قتادة. القسم الثالث: المغازي: وهو تاريخ النبي r والدعوة الإسلامية في المدينة المنورة وحتى وفاته، وبخاصة منذ بدء حربه مع القبائل المشركة([219]). وخطة ابن إسحاق في السيرة تشتمل على حياة النبي r قبل البعثة، وأخبار مكة، والبعثة النبوية، ودعوته في مكة، ثم يتحدث عن حياته في المدينة وغزواته وسراياه([220]).
وعلى الرغم من النقد الذي وجه لكتابات ابن إسحاق: لاعتماده أهل الكتاب في الرواية، ولإيراده كثيرا من الشعر الموضوع، ولأخطائه في الأنساب، ولضعفه في الإسناد؛ فلم يكن دقيقاً كما يتطلب أهل الحديث([221])، وعلى الرغم من الطعن فيه لتشيعه واعتزاله، وأنه كان قدرياً، وروايته الكثير من الأمور اللاعقلانية، وبعض الأحاديث الموضوعة، فإنه أمسى المصدر الرئيسي في التاريخ الجاهلي، ومن المعروف أن كتاب ابن إسحاق لم يصلنا، إذ ظل الأصل مفقوداً، باستثناء قطعة تم العثور عليها في مكتبة القرويين في فاس، وأخرى في المكتبة الظاهرية في دمشق*، كما وصلتنا منه فقرات عن طريق تلخيص المؤرخين له وتنقيحهم، وبخاصة عبد الملك بن هشام* المتوفى سنة ۲۱۸هـ/ ۸۳۳م، الذي قام بتهذيب سيرة ابن اسحاق*، وتعقبه في كثير من الأمور، وحذف الكثير من حكايات قسمها الأول؛ وكثيراً من الأشعار المنتحلة، وأضاف إليها أشياء فاتت ابن إسحاق، فجاءت هذه السيرة التي رواها ابن هشام فيما بعد منسوبة إليه؛ وصارت تعرف بـ «سيرة ابن هشام»، حتى كاد الناس أن ينسوا مؤلفها الأول، وقد ضمت بين دفتيها معلومات ذات قيمة عالية جيدة وروافد مهمة، شملت نواحي متنوعة منها السياسية والاقتصادية والاجتماعية([222]). وهكذا فإن أقدم مخطوطة موجودة لسيرة ابن إسحاق هي في الواقع منقحة من قِبل ابن هشام، ومن هنا جاءت ملاحظة بيتر F. E. Peters (صاحب كتاب محمد وأصول الإسلام) بأن السيرة التي كتبها ابن إسحاق وحررها ابن هشام هي أقدم نسخة محفوظة، كما حُفظت أجزاء من مادة ابن إسحاق في حوليات الطبري (839-923 م)، والتي، بحسب فريد دونر Fred Donner، “تكاد تكون مطابقة” للأجزاء المقابلة من تحرير ابن هشام([223]). ولعل أهمية هذه المرحلة التي اقترنت بالتدوين التاريخي، أنها لم تقتصر على السيرة النبوية المطهرة، حيث كان الباعث الأساسي لكتابها الكبار الذين أرسوا مداميك علم التاريخ عند العرب المسلمين، وإنما تفرعت اهتماماتها وتشعبت موضوعاتها بين السيرة والمغازي والمواقع والأنساب والمثالب والإدارة والقضاء وأخبار الخلفاء والولاة والقادة والشعراء والفقهاء، إلى آخر ذلك من العناوين البارزة والثانوية في القرن الأول للهجرة([224]).
كما وضع ابن عبد البرّ (ت 463هـ) كتاب «الدرر في اختصار المغازي والسير»، ويعتبر هذا التصنيف من أهم المختصرات للسيرة النبوية؛ إذ حفظ لنا عدة نصوص من رواية موسى بن عقبة ومن سيرة ابن إسحاق؛ عن طريق رواته الثلاثة البكائي والحراني وابن بكير، كما أخذ أيضا عن الواقدي وابن شهاب الزهري متتبعاً رواية ابن هشام وغيره([225]). وقد عمل عدد من المؤرخين عبر القرون المتتالية لإعادة كتابة السيرة، وأبرز من فعل ذلك في القرنين السابع-الثامن الهجريين/ الثالث عشر-الرابع عشر الميلاديين، ابن سيد الناس (ت 734 هـ) وكتابه «عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير»، وفي القرنين العاشر-الحادي عشر الهجريين/ السادس عشر-السابع عشر الميلاديين، بينما وضع نور الدين الحلبي كتاب «إنسان العيون في سيرة الأمين والمأمون» وهو المعروف باسم السيرة الحلبية، ويبحث في أحداث السيرة النبوية المطهرة، وتفاصيل حياة النبي محمد ﷺ، وشمائله العطرة، وأخلاقه. وإن من أكثر كتب السيرة النبوية اليوم انتشارا: كتاب «فصول من سيرة الرسول» لابن كثير، وكذلك كتاب «زاد المعاد» لأبي عبد الله بن القيم، وكذلك كتاب «الرحيق المختوم» لصفي الدين المباركفوري، وكتاب «فقه السيرة» لمحمد الغزالي، وكتاب «السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة» لمحمد أبي شهبة.
- كتب المغازي والفتوح:
عُني العرب بأخبار الأيام والمعارك وشؤون القتال، فكان من الطبيعي أن يهتم كُتاب السير قبل كل شيء بمغازي الرسول ﷺ، مشدّدين على الدور الحربي الذي اضطلع به، وأدى إلى انتصار المسلمين في معاركهم([226]). وقد كان للفتوحات الإسلامية فضل على علم التاريخ لا يقل عن فضل علم الحديث، وهو فضل لا ينكر، وإذا كان للحديث الدور الأبرز والحضور الأقوى في المدرسة الحجازية، فإن فضل الفتوحات الإسلامية لم يقتصر على قطر دون آخر، فالفتوحات أشعرت المسلمين أن لهم دورا تاريخيا، كما كان للمسلمين حاجة للتعرف إلى تاريخ الفتوحات، رغبةً ثقافيةً ودينيةً في المقام الأول، إذ جاء عن زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهما أنه قال: “كنا نُعلَّم مغازي النبي ﷺ كما نعلم السورة من القرآن”([227]). وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: “كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله ﷺ ويعدها علينا ويقول: يا بني هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوها”([228]). وقد تجمع في الشام حول البلاط الأموي عدد من الصحابة والتابعين الذين حضروا أحداث الإسلام الأولى ورووها، وأمر الفتوحات كان يهم الدولة الأموية لتنظيم الكثير من شؤونها، وللفصل في بعض القضايا السياسية والإدارية والمالية التي واجهتهم؛ فيما يتعلق بالعطاء وإدارة المدن المفتوحة والأقاليم([229])؛ كالتميز بين ما فتح من تلك البلاد صلحاً وما فتح عنوة، فعلا سبيل المثال حدث معضلة فقهية ومالية فيما يخص الأراضي التي فتحها المسلمون في الأمصار؛ إذ رغبت الدولة الأموية اعتبار الأرض المفتوحة كلها صوافي وخراجاً مؤبدين، وأما الفاتحون وأبناؤهم وخصوم الأمويين، فكانوا يريدون انتزاع الحق بتملك الأرض التي فتحوها أو فتحها آباؤهم أو منع الأمويين من تملكها، بينما كان هدف المسلمين الجدد تحويل أرضهم الخراجية إلى عشرية، على غرار ما كان المسلمون يؤدونه عن أرضهم في الحجاز والجزيرة العربية عامة([230]).
وتتحدث كتب المغازي عن غزوات الرسول وسراياه (المغازي) وعن الفتوحات الإسلامية في مختلف الأمصار، يعتبر عبد الله بن عباس (ت 68هـ) أول من فتح باب المغازي والسيرة؛ حيث استقصى تفاصيل الغزوات والأحداث النبوية مباشرة من الصحابة، وفي هذا يقول عن نفسه: «كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فأسألهم عن مغازي رسول الله ﷺ وما نزل من القرآن في ذلك»([231])، كما تحدث عن بعض الغزوات والسرايا* مثل: سرية نخلة، وغزة بدر، وقصة مقتل كعب بن الأشرف اليهودي؛ بسبب تحريضه المشركين على رسول الله ﷺ، وغزوة أحد، وحمراء الأسد، وحصار بني النضير، وصلح الحديبية، وفتح مكة، وغزوة حنين*. كما كان عروة بن الزبير (ت ٩٢هـ) من أبرز مؤسسي علم المغازي، وهو أول من صنّف ودّون كتابًا مستقلاً في المغازي، حيث قام بجمع الروايات التاريخية والأحداث ودونها([232]).
سرعان ما بدأت تتشكل بوادر ظهور مدرسة للتاريخ والمغازي والفتوحات في الشام، وقد اعتمدت على عدد من الصحابة الكرام الذين نزلوا حمص، وكانوا ممن اشتركوا في الفتوحات الإسلامية، وكانوا اللبنة الأولى في عملية التدوين التاريخي، كان منهم الصحابي عبادة بن الصامت (ت 34هـ) الذي روى عنه البلاذري أخبار معركة اليرموك، في دقائق وتفصيلات تبلغ حد وصف الانفعالات التي شعر بها المسلمون أثناء المعركة.والصحابي أبي أمامه الباهلي* (ت 81هـ) الذي اشترك في فتح الشام، وروى المؤرخون عنه بعض أخبار الفتح. كما روى عدد من التبعين وتابعيهم أخبارا تاريخية، منهم شراحيل بن مرثد (أبو عثمان الصنعاني) الذي أدرك أبا بكر الصديق t، وشهد اليمامة مع خالد بن الوليد، ومقتل أبي مسيلمة الكذاب، وشهد فتح دمشق، وعاش إلى زمن الخليفة معاوية بن أبي سفيان([233]).
- سهل بن أبي حَتْمة (ت ٤١ هـ) ومنهجه:
كما يعتبر سهل بن أبي حَتْمة المدني الأنصاري (ت ٤١ هـ): من أوائل من كتب في المغازي، وهو أحد متأخري الصحابة، ولد سنة ٣هـ/ ٦٢٤م، وعندما توفي الرسول ﷺ كان له من العمر 8 سنوات. ويبدو أنه من شباب الصحابة الذين دونوا عن حياة الرسول ﷺ ومغازيه، ويتضح من بعض القطع التي وصلت في جلاء أنه حفيد محمد بن يحيى بن سهل، الذي روى عنه الواقدي كثيرا، وربما أخذ الواقدي في كتابه «المغازي» نصَّ الكتاب المذكور كاملاً. وهناك قطع من هذا الكتاب في مصادر أخرى، ولاسيما عند الطبري، وإن هذه المقتبسات عند الطبري وعند البلاذري في كتاب «أنساب الأشراف»، وابن سعد في الطبقات، تقدم صورة تكفي لإيضاح أن سهلا قد اهتم في كتابه بكل غزوات الرسول ﷺ. ويظهر من الآثار الباقية من هذه المغازي أن ابنه محمد وابن أخيه محمد بن سليمان، وأبا بكر بن سليمان قد أسهموا في رواية كتب المغازي، وكان الأخير في رأي الزهري عالم قريش، وكان عالماً بالأنساب([234]).
- موسى بن عقبة (ت 141هـ) ومنهجه:
لقد حثّ علماء المسلمين على كتب أحاديث المغازي؛ لما فيها من العلم الكثير، إذ قال الزهري: «في علم المغازي علم الآخرة والدنيا»([235]). لذلك كان من الطبيعي أن تكمل أطر مدرسة المغازي على يد موسى بن عقبة* (ت 141هـ) تلميذ الزهري، الذي روى عنه المغازي وتاريخ الراشدين والأمويين، كما دون أسماء المهاجرين إلى الحبشة، وأسماء من بايع في بيعتي العقبة، وكان يعرض مادته التاريخية وفق السنين. وكان موسى عالماً بالسيرة النبوية، من ثقات رجال الحديث، بصيراً بالمغازي النبوية، ألفها في مجلد، فكان أول من ألف فيها كتاباً مفرداً أخرجه للناس([236])، اتبع بدقة أسلوب مدرسة المدينة؛ إذ يعكس تزايد تأكيد المحدثين على الإسناد، ويبدي اهتماماً خاصاً بذكر تواريخ الحوادث. وقد استفاد من مواد مكتوبة وبخاصة صحف ابن عباس، وكتب الزهري، إضافة إلى الوثائق والروايات الشفوية، ولكن الاعتماد في الروايات المكتوبة بقي على الراوي لا الكتاب. وقد استند موسى بن عقبة في منهجه بالدرجة الأولى إلى الزهري، وأضاف إلى ذلك بحوثه الخاصة، وبذلك أضاف مادة إلى تراث المدرسة([237]).
شهد لابن عقبة أئمة كبار، وحظي كتابه على تقدير العلماء، حتى قال فيها الإمام مالك بن أنس: «إنها أصح المغازي». وكان إذا قيل له مغازي من نكتب؟ قال: «عليكم بمغازي موسى بن عقبة فإنه ثقة». وقال فيها الإمام أحمد بن حنبل: «عليكم بمغازي ابن عقبة فإنه ثقة»، هذا علاوة على أن كثيراً من الأحداث يرجحها أحمد بن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري باختياره لرواية موسى بن عقبة. وقد قال الخطيب البغدادي: «وليس في المغازي أصح من كتاب موسى بن عقبة مع صغره، وخلوه من أكثر ما يذكر في كتب غيره»([238])، وقد ذكرها الذهبي في سير أعلام النبلاء قائلاً: «وأما مغازي موسى بن عقبة، فهي في مجلد ليس بالكبير، سمعناها، وغالبها صحيح، ومرسل جيد، لكنها مختصرة تحتاج إلى زيادة وبيان وتتمة»([239]). لقد تميز كتاب المغازي بوضوح أسلوبه، وسلاسة منهاجه، واهتمام كبير بالأنساب، وخاصة الشهداء في المعارك، كما يكثر الاستشهاد بالآيات القرآنية في كل حادثة نزل فيها القرآن، ويستشهد ببعض الأبيات الشعرية التي تتعلق بالحدث باختصار، كما يتجنب الحشو والاستطرادات التي لا صلة لها بالحدث([240]). كما تميز موسى بن عقبة بفكر تاريخي منهجي منظم سمح له، وهو يبحث مغازي الرسول وأخبار الخلفاء الراشدين والأمويين: أن يفكر بوضع قوائم بأسماء الصحابة المهاجرين إلى الحبشة، أو المشاركين في بيعة العقبة وغيرهم. وأن يضع بدوره، مثل ابن أبي حزم، مادته التاريخية في تسلسل زمني حولي، وهكذا قدمت مدرسة المدينة بعمل هذين المؤرخين أهم الخدمات التطور التدوين التاريخي([241]).
وإلى عهد قريب كان كتاب المغازي لموسى بن عقبة بحكم المفقود، حتى نُشر مؤخراً في ثلاث مجلدات محققة على مخطوط وحيد وغير مكتمل، بتحقيق الباحث المغربي الدكتور محمد الطبراني. وقد سبق الطبراني عدة محاولات للوصول إلى نص الكتاب بدأت منذ القرن الثامن الهجري، حيث برزت أول محاولة لجمع مروياته عندما قام ابن قاضي شهبة يوسف بن محمد بن عمر (ت: 789هـ) بانتحاب مجموعة من مروياته في كتاب عنونه «أحاديث منتخبة من مغازي موسى بن عقبة». وللحق فإن محقق الكتاب (الطبراني) قدَّمَ خدمةً جليلةً لميدان التخصص حينما أخرج مصدراً رئيساً في تاريخ السيرة النبوية كان في حكم المفقود عدة قرون، باذلا جهدًا كبيراً، وعملاً متقنا سعى فيه إلى الوصول بالنص إلى أفضل صورة واضحة للقارئ والباحث وكل مهتم بتاريخ السيرة النبوية. واللافت أن المخطوط الذي حققه الطبراني خلا من حوادث مهمة في السيرة النبوية مثل إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد رضي الله عنهما، وغزوة بني لحيان، وحادثة الإفك، ومكاتبات الرسول ﷺ إلى الملوك، وعام الوفود، وهي وقائع مهمة دارت خلال المرحلة الزمنية التي تناولها الجزء المتبقي من المخطوط، أي بين عامي ٢- ١٠هـ/ ٦٢٣-٦٣٢م، والواقع أن معظم تلك الحوادث وردت في أوراق المخطوط المفقودة، ومنها على سبيل المثال “قدوم مهاجرة الحبشة بعد فتح خيبر”، وسؤال هرقل أبا سفيان عن الرسول ﷺ، وبعض وفود قبائل العرب، فضلاً عن أيامه الأخيرة وأخبار كثيرة أثبتها محمد باقشيش في دراسته التي جمع فيها مرويات مغازي بن عقبة([242]).
- أبو إسحاق الفزاري (ت: 186هـ) ومنهجه:
لقد وضع أبو إسحاق الفزاري كتاب «السير في الأخبار»، في نهاية النصف الأول من القرن الثاني للهجرة، يعالج فيه مواضيع المغازي والسير والجهاد وأحكامها الفقهية، فهو مصدر أصيل في معرفة فقه السلف وتتجلى أهميته في أن شيوخ المصنف هم من أتباع التابعين كالأوزاعي والثوري وهشام بن عروة. نوه به الإمام الشافعي وفضله عن كل ما كتب في عصره، كما مجده ابن تيمية لما يحتويه الكتاب من معلومات حول الغزو والجهاد خلال فترة صدر الإسلام. وقد أخذ عنه ابن قتيبة الدينوري في كتابه “غريب الحديث”، واقتبس منه الطبري في تهذيب “الآثار”، ونقل منه عددا من النصوص في كتابه “اختلاف الفقهاء”، وكذلك ابن عبد البرّ في “التمهيد” و”الاستيعاب”، وابن سيد الناس اليعمري في كتابه: “عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير”، ومنه قطعة في الإصابة لابن حجر. ويفيد هذا الكتاب بنوعية العلاقات التي كانت تربط علماء القرن الثاني. كما يظهر فيه عدد من النصوص التي تم توظيفها لصالح الأحكام الفقهية؛ مثل الربا ونبش القبور والبيع والشراء والخيانة وبيع الأحرار والإمارة في الحروب والبيعة وما تستلزمه من طاعة والضرورة الشرعية([243]).
- محمد بن عمر الواقدي (ت ۲۰۷ هـ) ومنهجه:
لقد وضع محمد بن عمر الواقدي (ت ۲۰۷ هـ) مؤرخ الرشيد والمأمون، كتاب «المغازي» الشهير، ويعتبر هذا الكتاب من أوسع الكتب في هذا المجال تفصيلاً وأكثرها دقة وتنظيما، فقد عمل على تقليص عنصر القصص الشعبي في مادته، وحرص على السند الذي اكتسبه من ضلوعه في علم الحديث، وأخذه له عن أئمته الكبار من أمثال مالك وسفيان الثوري([244])، واستعمل طريقة الإسناد الجمعي بانتظام تقريباً؛ ليعطي المواد الأساسية عن كل غزوة، ثم يورد بعد ذلك روايات فردية؛ ليعطي تفاصيل أخرى أو روايات متباينة. وهذا الأسلوب يدل بوضوح على أن الواقدي يعطي بإسناده الجمعي روايات مدرسة المدينة، ثم يضيف إليها ما وصل إليه. ويظهر أثر بحوثه الشخصية في المادة الإضافية التي يقدمها، وفي ضبط التواريخ، وفي تقديم إطار أوضح للغزوات([245])، حيث عمل في كتابه على ترتيب تفاصيل كل غزوة وحادثة من السيرة، بدءاً من ذكر عنوانها وتاريخها، والسبب الموجب لها، والتعبئة والخروج، وطبيعة المسير، ووصف القتال، وحيثيات المعركة إن وجدت، وما تمخض عن الحادثة أو الغزوة من نتائج، ورجوع الطرفين إلى مكانهما، واهتم بسند الحادثة المروية من السيرة، ويذكر الرواة الذين حدثوه عن الغزوة وتفاصيلها، كما أنه استخدم أسلوب الإسناد الجمعي في كثير من السرايا والغزوات. وفي بعض الغزوات البارزة ذكر قوائم مهمة لمن شارك واستشهد فيها، وقد اعتمد ضمن أحاديثه وتدوينه الكثير من الآيات القرآنية التي نزلت في تلك الغزوة، كما هو الحال مع غزوة أحد، وغزوة الحديبية، وغزوة تبوك، وكان الواقدي يورد الآيات ويفسرها، كما أنه ذكرَ كثيراً من الشعر في تلك الغزوات([246]).
وقد أفاضت أكثر المراجع في ذكر عناية الواقدي بجمع التفاصيل عن الأخبار والأحاديث والروايات المختلفة، وأشادت بجهوده في هذا السبيل، وفي اهتمامه بالتفاصيل الجغرافية التي تتصل بمواقع المعارك؛ فما عرف عنه أنه ما كان ليثبت حوادثه عن الفتوح ما لم يعاين المواقع التي جرت فيها الغزوات، وكان لا ينثني يسأل أبناء الصحابة عن الأمكنة التي استشهد فيها آباؤهم ليذهب إليها، وتبدو نظرته النقدية في زيارته لمواقع المعارك ليكمل بذلك مادته، وفي تمحيصه للمواد التي وصلت إليه، وفي بحثه عن وثائق جديدة، وفي إعداد قوائم أوفى للمشاركين في الغزوات، حتى جاء منها بمجموعة جيدة. ويكثر الواقدي من الإشارة إلى الآيات القرآنية التي تتصل بالحوادث، وفي الحالات المهمة يذكر الآيات ملحقة برواياته، كما في حديثه عن بدر وأحد والخندق، وبذلك يجعل قصته التاريخية سهلة التسلسل([247]).
وقد نسب للواقدي أيضاً كتاب «فتوح الشام»، الذي جاء برغم الشك بنسبته إليه، ثمرة اهتمامه بهذا المجال، متخذاً لديه ذلك نوعاً من التخصص، ومشكلاً تركيزه على الموضوع وابتعاده عن المقدمات الطويلة والتفاصيل الخارجة على نقطة البحث، خطوة هامة في منهجية التاريخ الإسلامي، لا سيما في توحيد السند لعدة روايات (الإسناد الجمعي) والتدقيق في الأماكن ومواقعها؛ وهو منهج اشتهر به. وفضلاً عن الموضوعية التي اتسمت بها أخباره، وإخفاءه البارع لميلوه السياسية، الذي اختلف المؤرخون في تحديدها، إن كان من أنصار «العلوية أم الزبيرية»، وإن كانت ميوله العلوية أشهر([248]).
وتعتبر مغازي الواقدي مجالا قيما للمقارنة مع ابن اسحاق، لأن كلا منهما اعتمد على سلاسل إسناد مستقلة عن تلك التي اعتمد عليها الآخر، كما إن الترتيب الزمني لتاريخ بعض السرايا المنفصلة هي النقطة الأخرى الرئيسية للاختلاف بين الواقدي وابن إسحاق([249]). ويبدو أن الواقدي أعرض عن رواية ابن إسحاق، نظرا لعدم توثيق علماء المدينة عنه([250]). كما قام الواقدي بدراسة التاريخ الإسلامي؛ فكتب كتباً عن موضوعات مهمة، مثل «الردة» ويوم «الدار» أو مقتل عثمان t، و«صفين» و«الجمل» وفتوح الشام والعراق. ويهمنا بصورة خاصة كتابه «التاريخ الكبير»، الذي يتناول فيه -كما يبدو- تاريخ الخلفاء حتى سنة ١٧٩هـ/ ٧٩٥م على الأقل([251]).
لقد وقف الناس من الواقدي مواقف متباينة؛ فمنهم من قوَّاه، ومنهم من ضعفه حتى اتهمه غير واحد بالوضع في الحديث، ولكنه في المغازي والسير والأحداث غير مدفوع عن ذلك، بل له بها مزيد عناية واختصاص، وهو فيها رأس وله مكانة، لذلك هو عند المحدثين ضعيف مع غزارة مادته العلمية، ويقدم أحياناً إضافات على سيرة ابن إسحاق، ويبدي رأيه في الروايات ويرجح بينها. وكان يمتلك مكتبة كبيرة تضم ستمائة قمطر كتب، واحتاج نقلها من الكرخ إلى الرصافة إلى عشرين ومائة وقر. ولم يقتصر على ما في الكتب بل تتبع مواضع الأحداث التاريخية بنفسه ووصفها، ولا تصلح مروياته للاحتجاج بها فيما يتعلق بالعقيدة والشريعة، فقد قال ابن حجر، وهو الذي حكم على الواقدي بأنه «متروك على سعة علمه»، ومقصود ابن حجر من قوله «متروك» أي عند المحدثين؛ حيث لا تأخذ أقواله في الفرائض أو الأحكام، أما في السير والمغازي فإنها تنفع في وصف تفاصيل الأحداث، خاصة إذا لم يخالف الأخبار الصحيحة، قال ابن حجر: «والواقدي إذا لم يخالف الأخبار الصحيحة ولا غيره من أهل المغازي فهو مقبول عند أصحابنا». وهذا ما ذهب إليه الإمام الذهبي: «وقد تقرر أن الواقدي ضعيف يحتاج إليه في الغزوات والتاريخ، ونورد آثاره من غير احتجاج، أما في الفرائض فلا ينبغي أن يذكر» وقد انتقى ابن حجر من مغازي الواقدي وقال إنه في نفسه مصدر عند أهل العلم وأركان مُعدّي المغازي مما لم يخالف غيره فيه. والملاحظ في استقراء مغازيه أنه يسوق روايات كثيرة، من طرق فيها رجال لا نجد لهم تراجم في كتب علم الرجال، وأما الروايات التي ينقلها ابن سعد عن الواقدي فيبدو أنه انتقاها، حيث نجد تراجم رجال الإسناد في كتب علم الرجال، ومعنى ذلك أن أسانيد الواقدي فيها رجال ليست لهم رواية في الحديث، لذلك لم تترجم لهم كتب الرجال، أو أنهم مختلفون وضع أسماءهم الواقدي أو بعض شيوخه. وقد قال الإمام أحمد: والواقدي يركب الأسانيد. ومن هنا يتضح سبب اتهامه بالكذب والوضع([252]).
وقد نقل ابن حجر مقولة أحمد رحمه الله في مقدمة كتابه ما نصه: وقال الإمام أحمد: ثلاثة كتب ليس لها أصول وهي المغازي والتفسير والملاحم. “قلت ينبغي أن يُضاف إليها الفضائل، فهذه أودية الأحاديث الضعيفة والموضوعة، إذ كانت العمدة في المغازي على مثل الواقدي، وفي التفسير على مثل مقاتل والكلبي، وفي الملاحم على الإسرائيليات، وأما الفضائل فلا تحصى كم وضع الرافضة في فضل أهل البيت، وعارضهم جهلة أهل السنة بفضائل معاوية بدأ، وبفضائل الشيخين، وقد أغناهما الله وأعلى مرتبتهما عنها”([253]). وبالتالي الواقدي ليس بثقة، متهم بالكذب والتحريف والتدليس، ومعروف برواية المناكير عن المجهولين، وكان حاطب ليل في مؤلفاته، خلط فيها الغث والسمين والخرز بالدر الثمين، لذا طرحه العلماء ولم يحتجوا به حتى قال الإمام الشافعي عن مؤلفاته: «كتب الواقدي كذب»([254]).
وقد أخذ عنه الطبري رواياته الحجازية، مثل أحداث الفتنة وثورة المدينة وحركة ابن الزبير، كما أخذ عنه أخباراً تتعلق بالأوضاع الإدارية للدولة الأموية في الحجاز؛ كأسماء الولاة وأمراء الحج وغيرها من أمور هامة، قد لا نجدها لدى مؤرخ آخر في تلك المرحلة([255]). وانتقد الطبري روايات الواقدي مبدياً عدم اطمئنانه لعدد منها، وشكك في صحتها كقوله «فإن كان صحيحاً ما رواه الواقدي» أو «زعم»، وعبر بشكل صريح عن عدم رضاه عن بعض ما رواه عن الفتنة([256]). أما مصطفى شاكر فإنه قال: «وبالنهاية يتبين لنا أن رجال الحديث ربما لا يقبلون كل القبول بالواقدي، لكن العاملين في حقل التاريخ يولونه ثقة تامة، أما المستشرقون فيعتبرونه المؤرخ الأول؛ وذلك بسبب تدقيقه الزمني والجغرافي واعتماده الوثائق»([257]).
- أحمد بن يحيى البلاذري (ت 279هـ) ومنهجه في كتاب فتوح البلدان:
يعتبر كتاب البلاذري القيم «فتوح البلدان»، مصدراً هاماً؛ استعرض فيه أخبار الفتوح الإسلامية منذ صدر الإسلام إلى آخر أيامه بلداً بلداً، كما ضمنه قضايا سياسية وإدارية أظهرت خبرة الإمة الإسلامية وقدرتها على الاستجابة للتطورات الدنيوية، والكتاب بالعموم سجل موثق ودقيق لتلك الحركة العظيمة التي حققها العرب تحت لواء الإسلام، وقد ضم الكتاب في دفتيه أخبار الفتوح بشمولية واستيعاب، طبعا باستثناء بعض الثغرات مثل إسقاط حملة مؤتة أو الإيجاز في فتوح الأندلس، ربما بسبب قلة المعطيات عن هذا الأقاليم النائية، خلافاً لفتوح المشرق التي جاءت مادتها مكثفة ومتنوعة ما بين الحروب والبلدان والسكان وعهود الصلح ومسائل الخراج والإدارة والنقود وغير ذلك مما حفل به هذا الكتاب من مسائل هامة، جعلته من أوثق المصادر عن تلك المرحلة، ولعل ما تميز به البلاذري هو أن الحدث عنده لم يكن معزولاً عن ظروفه ومحيطه وزمانه، مهتماً من هذا المنطلق بأوضاع البلدان المفتوحة وتكوينها الاجتماعي، وغير ذلك من عوامل مساعدة أسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في حركة الفتوح. كما تتجلى هذه الفرادة في معالجته لمسائل اتخذت مكانةً هامشيةً في المصادر الأخرى، مثل قضية الجراجمة، وذلك إلى درجة ربما استطاع معها إزالة الالتباس التاريخي، الناجم عن الخلط بين هؤلاء وبين المردة. فقد حدد البلاذري الموقع الجغرافي للجراجمة فضلاً عن المذهب الديني (اليعقوبي) والعلاقة بالدولة البيزنطية، حيث كانوا يستقيمون للولاة مرة ويعرجون أخرى فيكاتبون الروم ويمالئونهم حسب تعبيره، ولكن دون أن يصل خطرهم إلى حد القيام بعمليات عسكرية ضد الدولة الأموية. وهكذا فإن «فتوح البلدان» للبلاذري، لا يتطرق فقط إلى الفتوحات والمسائل العسكرية وتعبئة الجيوش وتنظيمها وقياداتها وانتصاراتها فقط، ولكنه يتوغل في أمور خارجة عن السياق وغير ملتزمة بعنوان الكتاب. وإذا كان البلاذري قد جنح قصداً عن محور الموضوع، فليس في ذلك ما يشين كتابه الذي سبق عصره، سواء في المنهج وما تخلله من تبسيط لقضايا معقدة ومتابعتها بطريقة علمية، أو في إثارة مسائل هامة لم تكن معزولة عن سياق الأحداث. وإذا كان هذا الكتاب يحمل في الأصل، عنوان الكتاب المفقود أي «أمـور البلدان»، وليس «فتوحها»؛ فإن البلاذري حقق من هذا المنطلق، خطوة متكاملة على صعيد تطور المنهج التاريخي في القرن الثالث الهجري([258]).
- كُتب علم الطبقات عند المسلمين:
لقد أبدع العرب المسلمون في التأليف في علم التاريخ، وتنوعت تأليفهم في هذا العلم، ومن بين هذا التنوع ظهر علم الطبقات، والذي لا يقل أهمية عن باقي مصنفات التاريخ الأخرى، وهو علم يبحث في تراجم الأشخاص التي لعبت دوراً هاماً في تاريخ الأمة؛ في مختلف تخصصاتهم العلمية، واتجاهاتهم الفكرية، مسلّطةً الضوء على مكانة صاحب الترجمة العلمية؛ سواء كان محدثاً أم فقيهاً أم مفسراً أم نحوياً أم أديباً أم متكلماً، وعلى مسيرة التأليف في التخصص العلمي وتطوره عبر الزمن. وقد نشأت كتب الطبقات بتأثير علم الحديث، وجدت كتب الطبقات الأولى لخدمة علم الحديث([259]). وكان كتاب الطبقات الذي ألفه الواقدي باسم كتاب «الطبقات» أو «تاريخ طبقات المحدثين في الكوفة والبصرة» كتابا مهما؛ لأنه يُظهر أثر دراسة الحديث في كتابة التاريخ، ولأنه يساعد المحدثين في تحقيق الأسانيد. ولعله كان المثال والأساس الذي اعتمده ابن سعد؛ كاتب الواقدي في طبقاته([260]). بينما ألف الهيثم بن عدي (ت 207 هـ) كتابين في الطبقات؛ هما «طبقات من روى عن النبي صل الله عليه وسلم» و«طبقات الفقهاء المحدثين»، ثم أتى بعدهما محمد بن سعد* (ت 230هـ) في كتابه «الطبقات الكبرى»، ثم ابن المديني (ت 340هـ) في كتابه «الطبقات»، وتتابع التأليف بعد ذلك من قبل علماء آخرين كابن المنذر، وابن خياط وغيرهما([261]).
لقد فقدت كتب الطبقات الأولى، وأول كتاب وصلنا هو كتاب «الطبقات الكبرى» لمحمد بن سعد؛ وبناء عليه يعد الرجل مؤسس علم الطبقات في التاريخ الإسلامي، ومصنفه «الطبقات الكبرى» كان له دور كبير في بناء علم الطبقات، وهو موسوعة علمية استعرض فيه لعدد كبير ممن ترجم لهم بمعلومات غزيرة، كما كان للمادة التاريخية التي يحتويها أكبر الأثر في إثراء الجوانب العلمية في عند العرب المسلمين، ويتبع أسلوب الترتيب الزمني أو المكاني أو الفئوي أو كل ما سبق([262])، ولما كان المؤرخون قد اختلفوا في تحديد الطبقة زمنيا؛ فمنهم من جعلها عشرون سنة، ومنهم من جعلها خمس وعشرون، أو ثلاثون سنة، وآخرون ذكروا أنها أربعون سنة، كذلك اختلفوا في مفهوم الطبقة أيضاً، كان ابن سعد قد استعملها للدلالة على القوم المتشابهين من حيث تقاربهم في السن والمكان والفئة([263])، فقد سار في تصنيفه في طبقات الصحابة مراعياً عنصري الزمان المكان، فذكر الصحابة والتابعين بحسب أسبقيتهم في الإسلام، مستمداً أسلوبه من الخليفة عمر بن الخطاب t الذي كان عندما يوزع العطاء يعتمد القدم، ورتبهم بحسب المكان على أساس المقيمين في الكوفة أو في مكة أو في المدينة أو في البصرة الخ([264])، على أن نصيب المدن المختلفة في كتابه يتوقف على مكانتها الدينية والعلمية ومدى نشاط الرواية فيها، لذلك كان حظ المدينة المنورة وافراً، فقد خصص لها أكثر من نصف الكتاب، شمل سيرة النبي ﷺ وطبقات الصحابة والتابعين ومن هم بعدهم من أهل المدينة وطبقات النساء. أما بقية مدن الحجاز فكان دورها في الرواية ضئيلاً، إذا ما قيست بالمدنية، وتبرز بينها مكة بسبب مركزها الديني واجتماع العلماء فيها في موسم الحج([265]). كما قسمهم ابن سعد طبقاته بحسب الفئات؛ أي عدم وضع كل الشخصيات بمختلف اختصاصاتها ومهنها في بوتقة واحدة، بل تصنيفهم إلى طبقات بحسب طبيعة عمل كل منها، كالأطباء، والأدباء، والفلاسفة، والشعراء، والفقهاء([266]). وإن كتاب «الطبقات الكبرى» الذي وضعه ابن سعد، يضم في قسمه الأول أخبار الرسول ﷺ وفيه يضع ابن سعد الخطوط الأخيرة لهيكل السيرة؛ إذ ذهب أبعد من الواقدي في تنظيم مادته وفي إعطاء مجموعة أوفى من الوثائق، وفي اهتمامه بصورة أقوى بسفارات الرسول ﷺ. كما أن القسم الذي يتناول عهد ما قبل الإسلام عبارة عن مقدمة لعهد الرسالة؛ إذ يتحدث عن بعض الأنبياء الذين لهم صلة برسالة النبي محمد ﷺ ثم ذكر نسبه. وقد توسع ابن سعد في الحديث عن شمائله وفضائله وعن دلائل نبوته، وجعل ذلك باباً خاصاً أصبح نموذجاً لأدب «الشمائل» و«الدلائل» فيما بعد([267]).
ومنهج ابن سعد في ذكر الغزوات والسرايا يختلف باختلاف الخبر من حيث الأهمية، فبعد أن ذكر إسناداً جماعياً عن عدد من شيوخه ومنهم الواقدي؛ في ذكر عدد الغزوات والسرايا إجمالاً، بدأ بذكر الغزوات والسرايا، فتحدث عنها بالتفصيل، دون ذكــر إسناد لها، وكأنه اعتمد على الإسناد الأول الذي ذكر فيه الغزوات والسرايا إجمالاً، لكنه يستعمل أسانيد جيدة عندما يدخل في تفاصيل الغزوات أو السرايا التي لها شأن كبير مثل غزوة بدر وأحد، وسرية بئر معونة والرجيع، حتى إنه يستعمل الإسناد في جزئيات صغيرة، ويصدر الوقعة دائما بذكر تاريخها؛ فيذكر اليوم والشهر والسنة، مرتبا تلك الأحداث حسب التسلسل الزمني([268]).
في الواقع إن الطبقات كما يقدمها ابن سعد هي وسيلة من وسائل نقد الحديث، بالتركيز على أحوال رواته، ويمكن توضيح هذه الصورة بالمقارنة مع ما فعله الإمام البخاري في كتابيه “التاريخ الكبير” و”التاريخ الصغير”. ومثلما يهتم اين سعد بأخبار السيرة فإنه يهتم بأخبار الصحابة وأقوالهم وأعمالهم، لاسيما أنها أصبحت آثارا يقاس عليها، وهذا يوضح أسباب توسعه في ترجمة الصحابة. إن نظرة ابن سعد لكتابة السيرة، تندرج ضمن تفسير التاريخ من خلال الفكرة الإسلامية التي حدد إطارها القرآن والسُنة، إذ تركت للعقل البشري مساحة واسعة من الاجتهاد والتفكير، هذه الفكرة الإسلامية هي محور كتاب الطبقات كله، وحتى في التوطئة التي قدم بها للسيرة، لا يظهر ابن سعد يتناول تاريخ الجاهلية، بل يشير إلى تاريخ الرسالات فقط، وما له علاقة مباشرة بالرسول r والرسالة، وفي أثناء عرضه للسيرة نفسها لاسيما في المغازي، فقد كان تركيز ابن سعد على الطرف الإسلامي من المعركة، ولا يتطرق للطرف الآخر، إلا بالحدود التي يخدم بها استكمال الصورة بالصف الإسلامي، وهذه النظرة لدى ابن سعد تتضح أيضاً من خلال طبقات الصحابة ومن جاء بعدهم، إذ يثبت فكرة تقدير الناس لقربهم من منابع الإسلام الأولى، ويصنفهم على هذا الأساس، ثم يصنف المهتمين بشؤون الإسلام ودراسته تبعاً لمدى قربهم من العهود الأولى. وهذه الفكرة تنسجم أيضاً مع تفكير العرب التاريخي الذي يتجلى في الاهتمام بالأنساب والمآثر. ويعتبر عمل ابن سعد إبداعاً جديداً في الفن التاريخي عند العرب المسلمين([269]).
وقد أكد مصطفى شاكر أن تلاميذ ابن سعد رووا عنه أخبار النبي ﷺ، و«طبقات الصحابة» على أنهما كتابان، وقد حفظت «الطبقات» على صورتها المعروفة للمرة الأولى على يد الحسين بن فهم*، ثم جمع ابن معروف* الكتابين نحو سنة ۳۰۰ه مشكلاً منهما كتاباً واحداً تؤلف سيرة النبي ﷺ القسم الأول منه. وابن سعد آخر جامعي السيرة من المتصلين بالمصادر الأولى، وثاني مؤلف بعد ابن إسحاق، وصلنا كتابه عن السيرة والطبقات كاملاً. ولن يأتي بعده مؤلف يأتي بجديد فيها. وأسلوبه التاريخي رغم أنه يجمل الملامح التي يحملها السابقون له، إلا أنه يتميز بملامح خاصة أيضاً. يعتمد في مصادر معلوماته بشكل خاص على أستاذه الواقدي، وإن كان يعطي أحياناً تفاصيل أوفى منه، لاسيما في الفترتين المكية والمدنية للدعوة النبوية، كما يعتمد على هشام بن محمد بن السائب الكلبي فيما يتعلق بما يروى عن أهل الكتاب، أما مصادره الأخرى فقد صدر المغازي بقائمة تحوي أهم رواته، كما صدر كتاب الطبقات بقائمة أخرى. وقد تميز منهجه بالعرض بتنظيم المادة والغاء الملاحظات الشخصية وإسناد كل قول إلى مرجعه وذكر الوثائق بنصوصها والاستشهاد الكثير بالشعر([270]). وإن أشهر من كتب في هذا الفن بعد ابن سعد هو محمد بن سلام الجمحي البصري (١٥٠ – ٢٣٧هـ) ([271])، ولكتابه «غزوات الرسول وسراياه» أهمية خاصة؛ نظراً لما أورده من أحداث وتحليلات دقيقة للأوضاع السياسية والعسكرية التي عاشتها الدولة الإسلامية الأولى، قال عنه الخطيب البغدادي: «كان من أهل العلم والفضل، وصنف كتاباً كبيراً في طبقات الصحابة والتابعين والخالفين إلى وقته فأجاد فيه وأحسن»([272]).
ومن أشهر كتب الطبقات: كتاب: «تاريخ قضاة قرطبة» لأبي عبد الله محمد بن الحارث بن أسد الخشني (ت ٣٦١ هـ)، وكتاب: «الصلة في تاريخ أئمة الأندلس» لأبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال الخزرجي الأنصاري القرطبي (٥٧٨ هـ)، وكتاب «أسد الغابة في معرفة الصحابة» لابن الأثير (ت ٦٣٠هـ)، وكتاب: «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٧هـ). وعندما ظهرت المذاهب الإسلامية؛ نشط فقهاء كل مذهب في التأليف في علم رجال وفقهاء المذهب للتعريف بأسمائهم وأنسابهم وألقابهم ومواليدهم ووفياتهم وبيان آراء العلماء الثقات فيهم جرحاً أو تعديلاً وعنوا كذلك بالتعريف بشيوخهم وتلاميذهم، ورحلاتهم إلى البلدان، ولقائهم بالمشايخ فتجمعت لديهم نتيجة لذلك مادة ضخمة كان لا بد من تنظيمها وترتيبها ليسهل الرجوع إليها. في الواقع لقد أسهمت كتب الطبقات في الحفاظ على المسائل الفقهية لصلتها الوثيقة بحياة المسلمين الدينية والدنيوية، وكانت حياة العلماء وسيرهم وأخبارهم محط عناية وإعجاب من لدن كثير من مصنفي كتب طبقات المذاهب، خاصة وأن معظم من كتب في هذه المصنفات كانوا من فقهاء المذاهب، وكانت الرغبة في الإحاطة بأخبارهم وأحوالهم سببا في تأليف كتب الطبقات([273]).
أولا: كتب التراجم الفقهية في المذهب الحنفي([274]):
- الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية، المحي الدين أبي محمد عبد القادر بن محمد القرشي الحنفي ت 775هـ/ 1373م.
- تاج التراجم في طبقات الحنفية، لزين الدين قاسم ابن قطلوبغا ت 779هـ/ 1377م.
- طبقات الحنفية للمولى علاء الدين على الحميدي الرومي ت 979هـ/ 1571م.
ثانيا: كتب الطبقات على المذهب المالكي([275]):
- أخبار الفقهاء والمحدثين لابي عبد الله محمد بن الحارث الخشني القيرواني ت 361هـ/ 971م.
- ترتيب المدارك وتقريب المسالك لأبي الفضل القاضي عياض بن موسى الحصبي 544 هـ/ 1149م.
- الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب للقاضي برهان الدين إبراهيم بن علي ابن فرحون المالكي ت 799هـ/ 1397م.
- نيل الابتهاج بتطريز الديباج، لأحمد التنبكني ت 963هـ/ 1555م.
ثالثا: كتب الطبقات على المذهب الشافعي([276]):
- طبقات الشافعية، لابي عاصم محمد بن أحمد العبادي ت 458هـ/ 1066م.
- طبقات الفقهاء الشافعية، لأبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح الشهر زوري 643هـ/ 1246م.
- تهذیب طبقات الشافعية، لمحي الدين أبي زكريا يحيي بن شرف النووي ت 676هـ/ 1278م.
- طبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين القاضي عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي 771هـ/ 1370م وقال عنه محققه محمود الطناحي: «اشتغال ابن السبكي بالفقه والحديث والتاريخ، فقد احتفل بعلوم اللسان العربي، وأفسح من صدر كتابه الطبقات المسائل النحو والصرف والبلاغة والعروض.
- التحفة البهية في طبقات الشافعية، لعبد الله بن حجازي بن إبراهيم الشرقاوي ت 1227هـ/ 1813م.
رابعا: كتب الطبقات على المذهب الحنبلي([277]):
- طبقات الحنابلة، لأبي الحسين محمد بن محمد ابن أبي يعلى ت 521هـ/ 1128م.
- المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد البرهان الدين ابن مفلح ت 884هـ / 1480م.
- الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد لابن المبرد يوسف بن عبد الهادي الحنبلي 909هـ/ 1504م السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة، لمحمد بن عبد الله النجدي 1295هـ/ 1878م.
- كُتب علم التراجم عند المسلمين:
لما هال علماء المسلمين كثرة ما وضع كذباً على رسول الله ﷺ من الأحاديث؛ لجأوا إلى وسائل يعرفون بها صحيح الحديث من ضعيفة، وكان من هذه الوسائل تشريح رجال الحديث من الصحابة والتابعين ونقدهم وتعديلهم وتجريحهم، فتكون من ذلك مجموعات من تراجم الرجال وسيرهم، وشي مما حدث لهم، ليستفاد منه في معرفة صدقهم أم كذبهم، ومنه يفهم قول الإمام سفيان الثوري (ت ١٦١هـ): «لما استعمل الرواة الكذب، استعملنا لهم التاريخ»، وعن حسان بن زيد قال: «لم يستعن على الكذابين بمثل التاريخ، يقال للشيخ سنة كم ولدت؟ فإذا أقر بمولده مع معرفتنا بوفاة الذي انتمى إليه عرفنا صدقه من كذبه»، وعن حفص بن غياث القاضي قال: «إذ تهمتهم الشيخ فحاسبوه بالسنين» بمعنى احسبوا سنه وسن من كتب عنه. ثم تتطور مصطلح الترجمة في هذا المجال فصارت الترجمة مرادفة للسيرة، فترجمة الرجل سيرته، وكلمة سيرة أوسع دلالة من الترجمة، وكتب التراجم تتحدث عن سير الصحابة والخلفاء، والقادة، والفقهاء، والمحدثين. ومع ما رافق الثقافة الإسلامية من تطورات مختلفة في القرن الثاني، وظروف التدوين، كل ذلك أدى لاتساع مجال الترجمة لتشمل طبقات العلماء على اختلاف تخصصاتهم، فألفت كتب في تراجم القراء، والمفسرين، والفقهاء، والنحاة، والأدباء، والشعراء، والحكماء، والأطباء، والفلاسفة، والخلفاء، والوزراء، والمؤرخين، والنسابة، وقد فاق العرب في هذا الفرع من التاريخ غيرهم من الأمم([278]).
أما التساند بين كتب التاريخ وكتب التراجم فقد بدأ في مستهل القرن الرابع الهجري على يد المؤرخ محمد بن عبدوس الجهشياري* (ت ٣٣١هـ) في كتابه «تاريخ الوزراء والكتاب». وتبعه بعد ذلك في سبيل المثال الصولي (ت ٣٣٥هـ) في كتابه (الأوراق) فقد جمع فيه التراجم السياسية إلى التراجم الأدبية، وهلالي الصابي (ت ٤٤٨هـ) في كتابه «الوزراء» أو «تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء»([279]). وكتب التراجم تشبه كتب الطبقات، إلا أنها لا تختصر بفئة معينة، ولا تلتزم بترتيب تراجمها الأسس المتبعة في كتب الطبقات، وإنما قد تسير في أغلب الأحوال بحسب الترتيب الأبجدي. ويمكن أن يطلق عليها اسم معجم([280]). ومن أشهر سير (تراجم) الخلفاء ما كتبه ابن الجوزي عن سيرة عمر بن الخطاب t وسيرة عمر بن عبد العزيز وسيرة أحمد بن حنبل؛ أرخ فيها أعماله ومحنته([281]).
وأشهر كتب التراجم كتاب: «تاريخ علماء الأندلس» لأبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي القرطبي المعروف بابن الفرضي (ت ٤٩٣هـ)، وهو كتاب تراجم عامة مرتب على حروف المعجم، وكتاب: «إخبار العلماء بأخبار الحكماء» لجمال الدين أبو الحسين علي بن يوسف بن إبراهيم الشيباني القفطي المصري (ت ٦٤٦هـ)، وكتاب: «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لشمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد المعروف بابن خلكان (ت ٦٨١هـ)، و«معجم الأدباء» لياقوت الحموي. ومنذ القرن الثامن للهجرة/ الرابع عشر الميلادي، يلاحظ اهتمام المؤرخين بالشخصيات الهامة في عصرهم. وظل هذا الأسلوب متبعا حتى يومنا هذا، مع اتجاه نحو الترجمة لشخصيات كل قرن من القرون على حدة، مثل كتاب: «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٣هـ). وكتاب: «الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع» لشمس الدين السخاوي (ت ۹۰۲ هـ)، وكتاب: «البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع» للقاضي محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ)، وغيره من كتب التراجم للقرون التالية. ويمكن أن يسمى النوع الأخير «بالتراجم الطبقية» لأن تلك التراجم محددة بطبقة زمنية قدرها قرن، أي أن رجالها قد توفوا خلال قرن محدد([282]). عموما يمكننا القول أنه اختفى تصنيف السير للأموات منذ القرن التاسع الهجري، وحل محلها سير الأحياء من الملوك والسلاطين بالإضافة الى سير العلماء المعاصرين، فمن السير التي ألفت في الملوك ما كتبه ابن شداد (ت 632هـ) في سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي بعنوان: «النوادر السلطانية والمحاسن لليوسفية»، وما كتبه ابن عربشاه (ت 845هـ) في سيرة تيمور لنك ملك التتار بعنوان: «عجائب المقدور في أخبار تيمور»، والبعض كتب في سير العلماء الصوفية، ومنهم ابن حجر (ت 852هـ) حيث وضع كتابين في سيرة السيد البدوي والسيد عبد القادر الجيلاني، بينما ترجم السخاوي (ت 902هـ) لشيخه ابن حجر([283]). وقد ألحق المصنفون في علم الرجال تراجم الإخباريين، ودرسوهم ضمن تراجم المحدثين، وبذلك قدموا معلومات مهمة عنهم، ولا سيما أن الإخباريين لم تفرد تراجمهم في مصنفات مستقلة. وبعضهم نأى بنفسه عن رواية الحديث النبوي إلا عرضاً، في حين غلبت الأخبار التأريخية على ثقافتهم. بل إن اهتمامهم بموضوعات السيرة النبوية قليل([284]).
وقد وضع المؤرخون كتب التراجم العامة؛ وهي كتب التاريخ عند بعض الناس ممن يظنون أنها كتب التاريخ، ولا كتب للتاريخ غيرها وهي على قسمين: التراجم المرتبة على السنين، وذلك في كتب التاريخ المعروفة بالحوليات، مثل: «كتاب الأمم والملوك» للطبري، و«الكامل في التاريخ» لأبن الأثير. و«المختصر في أخبار البشر» لأبي الفداء الملك المؤيد صاحب حماة، و«العبر في خبر من عبر» للذهبي و«السلوك» للمقريزي، و«النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي، و«شذرات الذهب» لابن العماد الحنبلي. أما التراجم المرتبة على الأسماء ومن أبرزها: «وفيات الأعيان» لابن خلكان (681هـ)، وكتاب «الوافي بالوفيات» للصفدي (764هـ)، وكتاب «فوات الوفيات» لابن شاكر الكتبي (764هـ)، وكتاب سير أعلام النبلاء للذهبي (748هـ)، وكتاب الأعلام لخير الدين الزركلي (1396هـ) ([285]).
- كُتب علم الأنساب عند المسلمين*:
لقد كان لدى العرب قبل الإسلام وعيٌ بالتاريخ، ويتجلى ذلك في اهتمامهم الخاص بعلم الأنساب، أي معرفة أنساب العرب. وشكّل هذا أساس سجلاتهم التاريخية المتعلقة بروابط القرابة، والحروب القبلية، وأعمال أسلافهم البطولية. ووفرت المجالس والمعارض التجارية السنوية التي كانت تُقام في عكاظ ومَجَنَّة سُبلاً لنقل الروايات التاريخية الشفوية. ومع ظهور الإسلام، ظهرت منهجية أكثر تطوراً ودقة في تدوين التاريخ ونقله. وكان بعض صحابة النبي ﷺ معروفين بعلمهم الواسع في هذا المجال، ومن أبرزهم أبو بكر الصديق t، وأبو جهم بن حذيفة العدوي (ت 60 هـ)، وعبد الله بن عباس، كما كان جبير بن مطعم (59 هـ)، وعقيل بن أبي طالب (ت 60 هـ) عالمين بالأنساب. قيل إن الخلفاء الراشدين الثلاثة، عمر وعثمان وعلي، كانوا على دراية واسعة بأنساب العرب كذلك([286]).
لقد جاء إنشاء ديوان العطاء في عهد عمر بن الخطاب t سنة 15 هـ؛ بدافع جديد للاهتمام بها، ولما استقرت دولة الإسلام سُجلت في الأمصار العربية؛ وخاصة في البصرة والكوفة ثم في واسط من العراق، وفي دمشق بالشام وفي مصر، سِجلات أنساب كان مركزها دواوين الجند. وقد رأينا بعضها يحرق في البصرة خلال ثورة ابن الأشعث سنة ٨٢- ۸۳هـ. ويبدو أن بعض هذه السجلات كان مصدراً من مصادر معلومات النسابين والمؤرخين([287]). وقد شجع الأمويون، ابتداء من عهد معاوية، مثل هذه الدراسات، ويروى أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك (ت 126 هـ) أمر بعمل سجل واف بالأنساب. ثم إن الحاجات الإدارية كتنظيم العطاء وإسكان القبائل في الأمصار أدت إلى وضع سجلات الأنساب وعززت الاهتمام بها. يضاف إلى ذلك الخصومات القبلية، وأثر الأوضاع السياسية على وضع القبائل، وظهور ارستقراطية جديدة في الإسلام، والعوامل الاجتماعية. وكل هذه شجعت دراسات الأنساب. وأخيراً إن المناقشات مع الشعوبية وتهجمهم على الأنساب العربية أدت إلى تأكيد جديد على الأنساب العربية([288]).
لقد ظهر النسابون الأولون في العهد الأموي، وكانت عنايتهم محدودة اقتصرت على الاهتمام بأنساب قبيلة من القبائل، ثم ظهر بعد ذلك نسابون؛ جمع بعضهم إلى النسب علم الأخبار والأدب أيضاً، ومن أبرزهم: محمد بن السائب الكلبي (ت ١٤٦ هـ) الذي محور اهتمامه حول الأنساب، ربما بتأثير من الدور البارز الذي كان لقبيلته في الشام، وقبيلته هي التي مهدت له الاتصال بعلم الأنساب، مع الأدب والأخبار، فحاول جمع أطراف هذا العلم معتمداً، حسب ما قال: «على أفضل نسابة في كل قبيلة». والرجل متهم بالتشيع متروك الحديث؛ مع أن هذا قد يكون السبب في نقد المحدثين له، إلا أن ثمة اتفاقاً على أنه أول النسابين الكبار([289]). وعلى الرغم من اهتمام ابن الكلبي في هذا المجال، وتخصصه -إذا جاز التعبير- بعلم النسب، فإنه لم يتحول من الطور الإخباري إلى الطور التأريخي، فقد روى ولم يؤلف في النسب؛ إذ لم تعرف له آثار كتابية أخرى، وإن كان قد أسهم في وضع هذا الفرع من التاريخ، ومهد لظهور أعلام كبار فيه، من أمثال أبي اليقظان النسابة (ت 190 هـ)، ومصعب الزبيري (ت 233هـ)، وابن حبيب، وابن سعد، والبلاذري وغيرهم، كما مهد لظهور مؤرخ كبير في بيته هو ابنه هشام بن محمد الكلبي (ت 204 هـ) الذي عاش في كنف البرامكة. والذي يعتبر نداً للمدائني في غزارة انتاجه وتنوع موضوعاته ما بين الأحلاف والألقاب والمثالب وأخبار اليمن وما بين أخبار الخلفاء والأمصار والبلدان والأنساب، لا سيما كتابه الشهير «جمهرة النسب»([290]): وهو مصنف موسع لمؤلف والده*، يحوي الكتاب على ملاحظات مختصرة، بعضها مهم، عن مشاهير الرجال في الحقول كافة. وأصبح هذا الكتاب المرجع الأول للمؤلفين فيما بعد. ولكن الهمداني يعده ناقصاً في أنساب قبائل اليمن. أما في دراساته التاريخية فإنه تناول تاريخ الأنبياء، والجزيرة العربية قبل الإسلام، وأيام العرب، والتاريخ الإيراني، والتاريخ الإسلامي. ومصادر أخباره مختلفة، ففي تاريخ الأنبياء يأخذ عن أهل الكتاب، وفي تاريخ إيران يأخذ من الترجمات عن الفارسية، ومن الأخبار والقصص المتداولة، وبعض معلوماته وثيقة. وهو يأخذ عن كتب عوانة وأبي مخنف. ويبدي حصافة خاصة حين يستفيد من الكتابات ومن الوثائق في كنائس الحيرة، وهي تتعلق بتاريخ عرب الحيرة والعلاقات بين العرب والساسانيين. وهو يأخذ من القصص الشعبي في تاريخ اليمن. ولكنه لم يكن مدققاً كما يلزم؛ إذ أخذ الكثير من القصص الشعبي، ومن مواد أسطورية، ومن بعض الأخبار الموضوعة عن شعراء الجاهلية، وتحامل على الأمويين بصورة بشعة([291]). كما ظهر أبو بكر بن عبده بن سلمان (ت ۳۰۰ هـ)، وهو من النسابة الثقات، كان حسن المعرفة بالأخبار والمآثر وأيام العرب وكان متصلاً بخدمة السلطان، توفي وقد ترك من الكتب: «كتاب مختصر أسماء القبائل» و«كتاب النسب الكبير» وخلال هذه الفترة زادت المادة التاريخية عند النسابة وأمست أكثر تنظيما([292]).
لقد أعان النسابون الدراسات التاريخية بما قدموا مع الأنساب، من معلومات تاريخية عن أصحابها؛ ويظهر هذا جلياً عند مصعب الزبيري، صاحب كتابي «النسب الكبير» و«نسب قريش»، إذ وصل الكتاب الثاني وكان أفضل ما كتب عن نسب قريش. لقد توسع النسابون في معلوماتهم تحت ضغط التيار الشعوبي، مما أعطى العصبية القبلية وأشراف القبائل مادة هامة تقابل ما أعطته كتب الطبقات لرواة الحديث من مادة، وإن كانت أقل كثرة وتنوعاً. وأعان النسابون التاريخ من ناحية أخرى هي تجاوزهم حدود الاهتمام بقبيلة واحدة إلى رواية أنساب مختلف القبائل وأحوالها؛ فقد أعطى ذلك شعورا بالأمة الواحدة([293]). كذلك أهتم المحدثون بالأنساب ويعود ذلك إلى ضرورة التعريف بالرواة والتمييز بينهم، وخاصة عند اتفاق مجموعة من الرواة في الاسم واسم الأب والجد فتكون النسبة أظهر ما يميز فيهم أحياناً، فكان التصنيف على النسب يعني جمع الرواة الذين ينتمون إلى قبيلة معينة في موضع واحد، ومن أشهر الكتب المصنفة في أنساب المحدثين كتاب الأنساب لأبي سعيد عبد الكريم بن محمد التميمي السمعاني ت 562هـ وهو مرتب على حروف المعجم ويقع في مجلدات زادت على العشرة([294]).
- كُتب التاريخ المحلي وتاريخ المدن:
لقد كان الاهتمام بالتواريخ المحلية في كل الأزمنة تعبيرا أدبيا محببا عن شعور الانتماء عند الجماعة، ولقد عبرت المجتمعات التي تكون العالم الاسلامي عامة عن الرباط الوثيق الذي يربط الناس بمكان مولدهم، ومع أن كثيرا من التواريخ المحلية في الإسلام نشأت من الاعتبارات الدينية والفقهية، غير أن المفاخر الإقليمية كانت وراء ما بحث العلماء([295]). ومن بينها كتاب «صفة جزيرة العرب»، للهمداني ولعله أهم ما كتب في هذا المجال، إذ نجد فيه، إلى جانب حديث الكاتب عن الآثار، وصفاً جغرافياً لمناطق شبه الجزيرة وأسمائها التي عرفت في وقت ذكر الكاتب لها، وهي أسماء كانت هذه الأماكن تعرف بها في الجاهلية دون شك، وتحديد المواقع هذه الأماكن يساعد الباحث في التعرف عليها سواء بالمقارنة مع ما جاء في كتب الكلاسيكيين التي كانت معاصرة العصر ما قبل الإسلام أو بالمواقع الأثرية التي لا يفتأ المنقبون الأثريون يكشفون عنها بين وقت وآخر([296]). أو ما أسماه السخاوي بالتواريخ المحلية، ويبحث في تاريخ مدينة أو إقليم من أول نشأته حتى فترة مؤرخه، مع بيان بالعلماء والمشهورين فيه. ويعدد السخاوي عديداً منها بحسب أبجدية المكان، أكان في المشرق أو المغرب والأندلس. ومن تلك التواريخ المشهورة والمتداولة «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ/ ۱۰۷۲م) و«تاريخ دمشق» لـ ابن عساكر (ت ٥٧١هـ/ ۱۱٧٦م) و«الخطط» للمقريزي، (ت ٨٤٥هـ/ ١٤٤١م) ([297]).
- كُتب التاريخ العامة:
- كُتب الحوليات ومنهجها:
إن المنهج الحولي هو أحد المنهجين اللذين اتبعهما المؤرخ العربي في كتب التاريخ العامة، والحول يعني العام أو السنة، كما وردت في المعاجم العربية، اعتبارا بانقلابها ودوران الشمس في مطالعها ومغاربها. والمؤرخون الذين رتبوا أحداث ما كتبوه في سنة معينة، فمتى ما خلصوا منها انتقلوا إلى السنة التي تليها ثم التي تليها؛ هم مؤرخو الحوليات. أما الصلة بين الحوادث المتعددة التي تحدث في السنة نفسها؛ فكانت عادة بإضافة جملة «وفيها» (أي في السنة نفسها). وإن أول مؤلف عربي دون التاريخ على ترتيب السنين أو على الطريقة العمودية، وبقي لنا كتابه هو خليفة بن خياط (ت ٢٤٠هـ). كما وضع أبو عيسى بن المنجم كتابا في «تاريخ سني العالم»، لعل حوادثه كما هو واضح من عنوانه كانت مرتبة حسب السنين. كما وضع الهيثم بن عدي (ت ۲۰۷هـ) كتاباً في التاريخ على المنهج الحولي بعنوان «كتاب التاريخ على السنين»، وهو أمر يشير أن الكتابة التاريخية على المنهج الحولي كانت معروفة عند العرب المسلمين([298]). وأشهر الكتب التاريخية العامة التي سارت على هذا النمط كتاب «الكامل في التاريخ» لابن الأثير، وكتاب «المختصر في تاريخ البشر» لأبي الفداء وغيرها.
وكان محمد بن جرير الطبري من أصحاب المنهج الحولي، وقد جعل الطبري الإسناد عمدة رواياته، امتاز الطبري بقربه من وقوع الأحداث التاريخية، كما امتاز بمكانته حيث كان رجلا صالحا، اتبع مذهب أهل السنة وإجماع الأمة، وكل من أتى بعده اعتمد عليه، وجمعوا مادتهم مما كتب، ثم عمدوا إلى التكملة من حيث انتهى، حتى عصرهم، لاسيما ابن خلدون وابن كثير وغيرهم كثير. أما منهجه فقد تلخص في جمع الروايات دون أن يحققها، ولم يمل مع أي هوىً في إيراد الأخبار التاريخية، يبتعد عن التصريح برأيه في تخطئة طرف ونصرة آخر، فلم تساند آراؤه شخصاً من الأشخاص، أو فرقة من الفرق التي امتلأ بها عصره، (رغم معادته للخوارج) ([299])، وقد نبه القارئ والدارس والباحث إلى ضرورة جرح وتعديل الرواية التاريخية قبل استخدامها والاعتماد عليها، لأنه قد أسند ومن أسند فقد حمّلك، وقال في مقدمة كتابه: «فما في كتابي هذا من خبر يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، إنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا»([300]). وما يؤخذ عليه أنه في بعض الحوادث المهمة كما في حديثه عن التحكيم مثلا تجده لا يطبق النقد في الروايات التي أوردها، مثلما فعل في تفسيره، وقد كان من الواجب عليه التعليق على روايات التحكيم، أو تقديم روايات أخرى ذات مصادر متنوعة، كما فعل بغيرها من المواضيع، لما لها من أهمية، إلا أنه اقتصر على إيراد رواية أبي مخنف وهو مشهور بتشيعه([301]). لكن ماذا كان موقف كتاب التاريخ المعاصرين من استخدام هذه الروايات؟ لقد استخدموا الروايات الضعيفة التي تخدم أهواءهم وتخدم خطاباتهم الشعوبية، وأهملوا ما قاله الطبري، وأهملوا الإشارة إلى السند وأهملوا جرحه وتعديله.. فجاء التاريخ الإسلامي مشوها محشوا بالكذب والافتراء على هذا الدين وأهله([302]).
ومن حيث المادة التاريخية فقد وضع الطبري كتابه «تاريخ الرسل والملوك» وهو من كتب التاريخ العامة، وقد قسمه إلى قسمين: الأول يشمل تاريخ ما قبل الإسلام منذ الخليقة ولغاية البعثة النبوية الشريفة، وهذا القسم تناول فيه بدء الخليقة، وهبوط آدم وحواء وإبليس، وقصة قابيل وهابيل. ثم عرض للأنبياء: نوح وإبراهيم ولوط وإسماعيل وأيوب وشعيب ويعقوب وموسى والياس وداود وسليمان وصالح ويونس وعيسى ومحمد قبل الهجرة. وأرخ للأمم: فذكر تاريخ الفرس منذ عهده الأول أيام منوشهر إلى كسرى أبرويز، ومعركة ذي قار، ويزدجرد بن شهريار. وقد شغل الحديث عن الفرس وخصوصاً تاريخ الساسانيين المتأخر حيزاً كبيراً من تاريخ الطبري، لأنه قريب عهد بما دونه الرواة والاخباريون عن علاقة العرب بالفرس. ثم تحدث عن بني إسرائيل وأخبارهم، ثم ذكر ملوك الروم منذ المسيحية، واقتصر على سرد قائمة بأسماء الملوك ومدة حكم كل ملك. ثم عطف على عاد وثمود وطسم وجديس وجُرهم. ثم أشار إلى ملوك اليمن من التبابعة وغيرهم، وقصة جذيمة الأبرش مع الزباء الملكة المعروفة، وأخبار المناذرة والغساسنة. ثم تحدث عن أجداد الرسول r وطرفا من سيرته قبل البعثة. أما القسم الثاني الخاص بالإسلام والمسلمين فتناول فيه السيرة النبوية وتاريخ الخلفاء حتى عام ٣٠٢ هـ، ويمكن تقسيم هذا القسم إلى ثلاثة أجزاء وهي: عصر الرسول r والخلفاء الراشدين، ثم الدولة العربية في عصرها الأموي، وأخيرا الدولة العربية في عصرها العباسي. لقد ألف الطبري تاريخه ليؤكد على وحدة الرسالات، وأهمية خبرات الأمة واتصالها، وهي خبرات مهمة في سلوك الأمة في حالات الوحدة أو الاختلاف. وفي كتابته أولى الإنسان ونشاطاته أهمية كبيرة باعتباره صانع حركة التاريخ([303]).
أما مسكويه فقد نَهَجَ في كتابه «تجارب الأمم» المنهج الحولي، الذي راعى فيه ترتيب الحوادث ترتيباً زمنياً؛ سنةً فسنة، منذ بدء الخليقة إلى سنة ٣٦٩هـ أو سنة ٣٧٢هـ. فذكر في كل سنة ما وقع فيها من حوادث تستحق الذكر، فإذا كانت الحادثة تستغرق سنوات جزأها، أو أشار إليها، بالتفصيل في موضعها الملائم. وابتدأ كتابه بما نقل إليه من الأخبار بعد الطوفان، ثم سيرة الرسول r، وتاريخ الخلفاء الراشدين، وما أعقب هذه الفترة من عهود. وفي بداية كتابه يكاد أن يستقي من الطبري حرفا، حرفا، وفيما يتعلق بالفترة من سنة ٣٩٥هـ إلى ٣٢٠هـ يستعمل مصدر مستقلا عن الطبري، ويعتمد ابتداء من سنة ٣٤٠هـ على روايات شهود الأحداث، ولاسيما روايات صاحبيه أبي الفضل محمد بن الحسين بن العميد وأبي محمد المهلبي. أما من ناحية إسناد هذه الروايات، فمسكويه كان ثقة في تصويره للأحداث التي عاصرها وشاهدها([304]).
ومن مزايا المنهج الحولي أنه يحصر دائرة الأحداث حصراً من حيث الزمن والمكان، وبذلك يتركز ذهن القارئ في إطار محدد يجعله أكثر التصاقا بسير الأحداث، ويبعده عن النظرة الشمولية التي تحتاج الى جهد في البحث، وعمق في المعرفة. ويساعد القارئ على استيعاب أسرع، بالنسبة للزمان والمكان اللذين هما موضع اهتمامه. ويحدد مجال البحث بالنسبة للباحث الذي لا يلتفت إلى ربط أحداث ببعضها بعضا داخل عمود سنوي محدد. ويفيد بوجه خاص في ميدان التراجم، كما شجع المؤرخين على السرد والرواية. أما سلبياته: تقطيع أوصال الحادثة إذا كانت على أكثر من عام، وبالتالي يشتت ذهن القارئ، فلا يستطيع تركيز اهتمامه على حادثة بعينها ما دامت قد تفرقت تبعا لتفرق السنين. ولا يسمح للمؤرخين بالنقد والتمحيص إلا ما ندر. وإن عمودية الحوادث فيه تنتقل القارئ من مكان إلى آخر بعيد، من غير وجود أي رابط سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي إلا رابط التوازي الزمني نفسه([305]).
- كُتب الموضوعات ومنهجها:
إن أقدم المؤرخين الذين كتبوا التاريخ على المنهج الموضوعي اتخذوا عهود الخلفاء، والحكام، أو الدول، مبدئا فريدا في الترتيب، ولم يكن لها تقسيم حولي دقيق؛ كاليعقوبي* في تاريخه المشهور والمعروف «بتاريخ اليعقوبي»([306])، فاعتبر من أبرز التواريخ التي وضعت حسب هذا المنهج، وقد استعرض فترة كل خليفة على انفراد، وعالجها كوحدة مستقلة. أما من حيث المادة التاريخية فكتاب التاريخ عند اليعقوبي يتألف من جزئين، الأول: يبدأ بالخليقة ولم يقصره على تاريخ الأنبياء، وتاريخ الفرس القديم، وتاريخ العرب قبل الإسلام، بل تناول أيضا تاريخ الشعوب القديمة ما قبل الإسلام كالأشوريين والبابليين والهنود واليونان والرومان والمصريين والبربر والحبشة والزنوج والترك والصينيين. والثاني: أفرده للتاريخ الإسلامي، فبدأه بمولد الرسول ﷺ ومغازيه حتى وفاته، ثم تتبع تاريخ الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين حتى المعتمد، أي حتى سنة 258 هـ، ويعبر اليعقوبي في تاريخه عن فكرة التاريخ العالمي، ويقدم ملخصاً متسلسلاً له. كما يظهر مراحل تطور الأمة الإسلامية في المجالات السياسية والثقافية المختلفة([307]). واليعقوبي كان معاصرا للطبري (صاحب المنهج الحولي)، إلا إن الاختلاف بين أسلوب الطبري وأسلوب اليعقوبي، هو اختلاف أسلوب المؤرخ التقليدي المبدع عند الطبري، الذي هو نتاج بيئة الفقهاء وعلماء التفسير والحديث التي اختلط فيها، عن أسلوب اليعقوبي الذي أتى بجانب من الفلسفة، حينما أسقط الأسانيد، ولخص رؤيته، وقدمها بِلُغَةٍ قوية ومباشرة ومختصرة([308]).
يؤخذ على اليعقوبي تحيزه ضد الأمويين، إذ تناول تاريخ الدولة الإسلامية خاصة الخلافتين الراشدية والأموية من وجهة نظر الشيعة الإمامية، فأسهب في ذكر مناقب الإمام علي كرم الله وجهه وخدمته للإسلام، وأكد اليعقوبي أن الله وملائكته اعترفوا بفضل علي، وأشار إلى جمعه القرآن، وأبرز مكانته الدينية والسياسية والعلمية عند الصحابة. وأفاد بتنكر أبي بكر وعمر وعثمان لهذه المكانة، وتأمرهم على علي لإبعاده عن حقه في الخلافة، كما حصل بعد وفاة النبي ﷺ في سقيفة بني ساعدة، وفي مجلس الشورى بعد مقتل عمر، ولهذا لم يعترف بخلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، ولم يطلق على كل منهم لقب خليفة، وأرخ لهم تحت عنوان «أيام بينما لقب علي بوصي محمد»، و«وصي الأنبياء»، و«الهادي المهتدي»، واعترف بخلافته وخلافة الحسن، وبإمامة الأئمة من بعده حسب تسلسل الشيعة الجعفرية، وأرخ لعلي ولولده الحسن، تحت عنوان «خلافة»، كما أسهب في ذكر أقوال الأئمة وخطبهم وسيرتهم. واعتبر اليعقوبي الأمويين مغتصبين للخلافة، ووصف حكمهم بـ«الملك»، ولم يعترف بخلافتهم إذ أرخ لهم تحت عنوان «أيام». وتبدو نظرته الإمامية من عرضه الموجز لثورة زيد بن علي (ت ١٢١هـ) في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك (ت ١٢٥هـ). بينما أثرت علاقة أسرة اليعقوبي بالعباسيين على موقفه منهم، فأظهر في حديثه عنهم شيئاً من التسامح أو المجاملة، وأطلق على دعوتهم اسم الدعوة الهاشمية»، وسمى عصرهم بـ «الدولة». وأشار إلى العلاقة التاريخية بين العلويين والعباسيين، وأكد أن إعلان الدولة العباسية هو انتصار للطرفين معاً. كما انتقد اليعقوبي سياسة عثمان t واعتبرها خروجاً على سنة الرسول ونهج أبي بكر وعمر، واعتبر الخروج على سلطته أمراً شرعياً قاده جمهور الصحابة في المدينة والأمصار، وبالتالي اعتقد أن مقتله كان نهاية متوقعة. كما وصف حكم عثمان t بأنه مؤامرة أموية لتجاوز أحقية العلويين بالخلافة. وأشار إلى دعم الصحابة والمسلمين لعلي، واعتبر خروج أصحاب الجمل على خلافته، مؤامرة شخصية، وأدان معاوية وصراعه مع علي، ووصفه بأنه صراع على «الملك»، واعتبر انتصار معاوية انتصارا للظلم والعدوان([309]).
وعند حلول القرن الرابع الهجري، يظهر لنا المؤرخ أبو الحسن المسعودي في كتاب «مروج الذهب ومعادن الجوهر» الذي نهج منهج اليعقوبي في كتابة التاريخ، لكنه طوره، وأضاف إليه من تجاربه وخبراته الكثير. لقد تميّز الكتاب بطابعه الموسوعي الذي جمع بين التاريخ والجغرافيا والأنساب والحضارات وعجائب الدنيا. وجمع فيه الحوادث التاريخية تحت رؤوس موضوعات تتعلق بالشعوب أو الأسرات، والدول، والحكام، وتحدث عن الهنود، الفرس، الروم، اليهود، الصينيين، العرب، والأتراك في العصور القديمة. اهتم المسعودي في نقل أخباره بالتحقيق والتمحيص، خلافًا لكثير من المؤرخين الذين كانوا ينقلون الروايات دون نقد. اعتمد على مقارنة أخبار الأمم بعضها بعضا، مثل مقارنة العرب بالفرس والروم والهند والصين، وهذا يكشف عن نظرته الأنثروبولوجية الواسعة، وكان يسعى دائماً لإبراز وحدة التجربة الإنسانية رغم اختلاف العادات. لذلك يُعدّ الكتاب من أوائل الكتب التي تقدم نظرة حضارية عالمية. وقد سلك منهج المسعودي عدد آخر كأبي اسحق الصابي، والمحسن بن علي التنوخي، وهلال بن المحسن الصابي. كذلك تبعه في منهجه هذا، عدد آخر في العصور اللاحقة له([310]).
- منهج مؤرخي القرن الثالث:
في مطلع القرن الثالث الهجري تنامت الدراسات التاريخية لتنتج جيلا من المؤرخين الكبار في ذلك القرن إذ أن الإخباريين واللغويين والنسابين وضعوا من خلال مؤلفاتهم نطاق الدراسة التاريخية وشملت دراساتهم جوانب حقولها المختلفة ومن خلال هذه الدراسات طفت إلى السطح فكرة وحدة التاريخ الإسلامي، فجاء مؤرخون أفذاذ مثل البلاذري (ت 279هـ) واليعقوبي (ت 284هـ)، والدينوري (ت 282هـ) فكتبوا تواريخ متصلة للأمة الإسلامية متمايزة عما سبقها من كتب في الأفكار وفي طريقة الطرح بما تحمله من وحدة تاريخ الأمة وعالميته فمثل البلاذري الوحدة والاتصال في المضمون وكثير من المؤرخين مثلوا العالمية في الطرح كل ذلك باختلاف دوافعهم في كتابة التاريخ([311]).
لقد تشكلت عند المؤرخين المسلمين رؤى شاملة وفكر نقدي تمحور حول إشكالية التعليل والتأويل، فرغم أن جل اهتمامهم انصب على جمع الأخبار وتحقيقها، إلا أنهم لم يغفلوا تعليلها وتحليلها. وفي هذا المعنى ذكر أحمد بن إسحاق اليعقوبي (285 هـ): «وليعلم الناظر في كتابنا هذا إلى اعتمادي في كل ما أخطرت ذكره فيه مما شرطت أني راسمه فيه إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أناد ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مسندها إلى رواياتها دون ما أدرك بحجج العقول وأستنبط بفكر النفوس إلا اليسير القليل»، وأشار إلى حرصه على عدم النقل والسرد، وأوضح أن منهجه يقوم على الاختصار والتركيز لا على الحشو والتطويل. والدارس لأخبار اليعقوبي لا يعدم وجود رؤية خاصة للتاريخ فحواها الربط بين حركة الأحداث وحركة الأفلاك. وعند غيره من معاصريه نقف على رؤى علمية أخرى فالبلاذري (279 هـ) عوّل على تأثير الاقتصاد في الصيرورة التاريخية في كثير من الأحيان([312])، وناقش موضوعات جغرافية في غاية الأهمية، له العديد من التصانيف، إلا أن كتابه أنساب الأشراف من المصادر الأساسية في تاريخ الحجاز، مرتب على الأحداث والقبائل، كما تضمن تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده، خاصة أنه يركز على التحديد الزمني للأحداث التاريخية، أي أنه يعبر عن فكرة استمرار التاريخ، والأهم مما تقدم أن الكتاب يعبر عن وحدة الأمة واتصال خبرتها في التاريخ الإسلامي. ومن حيث المنهج هو يختلف في أسلوبه عن الكتب التاريخية التي تتناول الأحداث على السنين، وعن كتب الطبقات، فلم يلتزم باستعراض تراجمه وفق نسق مألوف يتناول بدايتها ونهايتها، سلّط الضوء على الروايات الشفوية والمكتوبة للأجيال السابقة، مُقدّماً سرداً متماسكاً ومتوازناً، وبالتالي هو صاحب أسلوب خاص يجمع بين الاهتمام بالتاريخ والتراجم والأنساب والأدب ضمن إطار الأنساب([313]).
أما من حيث المادة التاريخية فقد انتقد البلاذري الأمويين بشكل حاد، وفي مقدمتهم الخليفة عثمان t، وحشد أعدادا كبيرة من الروايات التي أدانت سياسته وخروجه على سنة الرسول وخليفتيه اللذين جاءا من بعده، وأشار إلى رفض المسلمين عامة وكبار الصحابة خاصة لهذه السياسة، وأوضح محاولات أهل الأمصار المتعددة لتصحيح سياسة الخليفة دون جدوى، وأكد أن مقتل عثمان t هو عمل شعبي تحمل وزره بنفسه نتيجة أعماله الخاطئة. كما انتقد خروج معاوية على خلافة علي، وأبرز خطأ موقفه وعدم أحقيته بالمطالبة بدم عثمان t، إلا أنه أشار في الوقت نفسه -وبشكل عابر- أثناء ترجمته لمعاوية، إلى الأحاديث النبوية التي تشيد بإيمانه جنباً إلى جنب مع تلك التي تكفره وتحث على قتله. وهو موقف يرضي العباسيين الذين كانوا يعادونه ويلعنونه على المنابر، ويتحاشون التحدث بمفاخره ومفاخر الأمويين بشكل عام. بينما في المقابل لقب البلاذري كل خليفة عباسي بأمير المؤمنين وترحم عليه، ووصف الدولة العباسية بالدولة المباركة([314]).
أما عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (276 هـ) الفارسي الأصل، هو يمحور وقائع العصر الراشدي حول مسألة الصراع على الخلافة. أما كتابه الأهم هو «أخبار الطوال» ركز البحث فيه على العراق وفارس قبل الإسلام. وقد اتخذ بعض المؤرخين من ذكر عبارات بعينها في مواضع بعينها أيضا؛ مثل «والله أعلم»، ما يدل على موقف مضمر للمؤرخ يفهمه القارئ اللبيب، نظرا لوجود محاذير تحول دون الإفصاح ولا غرو فمعلوم أن الحنابلة رجموا دار الطبري بالحجارة، بعد ان اتهموه بالتشيع لإغفاله ذكر أحمد بن حنبل من كتاب الفقهاء([315]).
وتجدر الإشارة هنا إلى نسبة كتاب «الإمامة والسياسة» لابن قتيبة الدينوري؛ إلا أن مقارنة المصادر والروايات التي اعتمد عليها ابن قتيبة في مؤلفاته، مع الأسانيد المتفرقة التي وردت في كتاب الإمامة والسياسة، تشير إلى وجود تباين كبير بينهما، مما يؤيد عدم صحة نسبة الكتاب إليه. كما توجد اختلافات واضحة بين منهج وأسلوب ابن قتيبة وصاحب الإمامة والسياسة، فبينما تميز أسلوب ابن قتيبة في مصنفاته بالإيجاز، والاهتمام بالأسانيد. وعدم استخدام الألفاظ المجهولة فيها، والتنوع في مواضيع مؤلفاته، وتقديمها بمقدمات طويلة يوضح فيها منهجه والغرض من تأليفها، بالإضافة إلى حرصه على عدم نقد الخلفاء العباسيين، تميز أسلوب صاحب الإمامة والسياسة بالتساهل في الأسانيد، حتى إن نسبة الروايات المسندة محدودة جدا، والتركيز على الإسناد الجمعي في رواياته، باستعمال لفظ «ذكروا»، والاهتمام بالأخبار التي تدور حول مؤسسة الخلافة. والأرجح أن الكتاب لمؤلف مجهول عاش في أوساط القرن الثالث الهجري. لقد استعرض صاحب الإمامة والسياسة في كتابه أحداث الفترة التاريخية الممتدة من وفاة الرسول حتى نهاية الفتنة بين الأمين والمأمون عام ۱۹۸ هـ، من خلال اهتمامه بالتطورات التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمؤسسة الخلافة والصراع حولها، حيث تناول الفتن والثورات التي جرت خلال تلك الفترة، فأبدى اهتماماً بأحداث السقيفة، ومقتل عثمان t، وتناول بعض الانتقادات الموجهة ضد الخليفة، وموقف عدد محدود من الصحابة منه، ومعركة الجمل ونتائجها، وصفين والصراع بين علي ومعاوية بشكل مفصل، ومواجهة الإمام علي للخوارج، وتنازل الحسن بن علي عن لخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، وأظهر بيعة يزيد بن معاوية والمعارضين لها، وتفاصيل الفتن التي اندلعت في نهاية الدولة الأموية، وظروف إعلان العباسيين لدولتهم. وتحدث عن الأعمال التي قام بها الخلفاء العباسيون لتثبيت سلطتهم، والقضاء على الثورات التي قامت ضدهم. ولم يبد اهتماماً بالفتوحات باستثناء فتوح موسى بن نصير في المغرب والأندلس، ولم يذكر أي معلومات عن حياة الخلفاء، أو أي إجراءات إدارية أو اقتصادية أو ثقافية أو اجتماعية تمت في فترات حكمهم، وانحصر اهتمامه بمتابعة مؤسسة الخلافة، وما دار حولها من تطورات وأحداث مختلفة. وأشار صاحب الإمامة والسياسة إلى أن الخلافة، والصراع من أجلها هي المحور الرئيس لحركة التاريخ الإسلامي خلال هذه الفترة. لقد اختار صاحب الإمامة والسياسة مواده ضمن خطة دقيقة توضح مواقفه من الصراع حول مؤسسة الخلافة، فأبدى دفاعاً شديداً عنها، وبالتالي فإن مواقفه منها بدت متغيرة تبعاً لتعدد وتغير أطراف الصراع منها، حيث دافع عن سياسة عثمان t ضد منتقديه من عامة الناس والصحابة، وأكد شرعية خلافته، ودعا إلى وجوب احترامها، ثم هاجم الخروج على علي، وعده أمراً لا يمكن قبوله، ثم ذكر خلافة الحسن بن علي، وأبدى احترامه لها، وأشار إلى انتقال السلطة إلى معاوية، وأبرز شرعيتها، ودعا إلى وجوب احترامها وتقديرها. وحرص صاحب الإمامة والسياسة على الدفاع عن مؤسسة الخلافة، جعله يشير إلى مواقف متناقضة، مثل تأييده للأمويين، والشيعة، والعباسيين، وهي إشارات غير ثابتة إلى حد ما([316]).
وتجدر الإشارة إلى أنه في القرن التاسع الميلادي، كان مصطلح “التاريخ“، الذي كان يُستخدم أحيانًا للدلالة على ما نسميه اليوم “التاريخ”، يُستخدم أساسًا للإشارة إلى تاريخ حدث ما. ففي سنة 987-988م وضع ابن النديم (384 هـ)، ابن بائع كتب في بغداد، فهرسًا لجميع الكتب التي عرفها؛ وبعضها لا يزال موجودًا، والعديد منها فُقد. خصَّصَ القسم الأول من الفصل الثالث من فهرسه لـ«أخبار» المؤرخين وعلماء الأنساب وحافظي السير والأحاديث، مع ذكر أسماء كتبهم. مع أن بعض الأعمال مُدرجة تحت مسمى «تاريخ»، إلا أن ابن نديم لم يُطلق اسمًا واحدًا على هذه الفئة؛ ولم يُدرج جميع الروايات أو القوائم الزمنية، مهما كانت تسميتها، في هذا القسم؛ إذ يظهر العديد منها في أقسام أخرى من الفهرس مع أعمال أكثر شهرة لمؤلفيها في علم الكلام أو الفقه أو غيرها من المواضيع([317]).
فعلم التاريخ عند العرب المسلمين نما تدريجياً، من بذرة صغيرة استندت في بداياتها إلى الرواية الشفوية، وبعض الرواية الكتابية إلى شجرة ضخمة وباسقة، كثيرة الفروع، وناضجة الثمر، وغزيرته. وأزهى ثمرة فيها كانت مقدمة ابن خلدون التي تمثل خروج التاريخ من مجرد استعراض للأحداث والدول، الى النظرة الفلسفية المحيطة الشاملة. وإذا كان هذا العلم قد بلغ ذروته في أواخر القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، فإنه توقف في الواقع عن النمو منهجا، وإن كان قد تابع تطوره معرفةً. فالمؤرخون الذين تلوا هذه الحقبة كانوا بصفة مقلدين لأسلافهم، بل وناقلين عنهم. وظل الأمر كذلك حتى تأثرت كتابة التاريخ العربي منذ القرن التاسع عشر بتيارات التأريخ المعاصر في أوربا ومدارسه. ولعب الاحتكاك الثقافي مع أوروبا، وحركة الترجمة التي ابتدأتها مصر في القرن التاسع عشر بقيادة رفاعة رافع الطهطاوي، والبعثات العربية إلى أوروبا، ونمو الجامعات العربية، وأقسام التاريخ فيها، دورها في التطور الجديد للتاريخ العربي المعاصر([318]).
الخلاصة:
لقد نما علم التاريخ عند العرب المسلمين تدريجياً، من بذرة صغيرة استندت في بداياتها إلى الرواية الشفوية، وبعض الرواية الكتابية، وصولا إلى علم تشعبت أبوابه، فكان علم الرجال، وعلم الطبقات، وعلم السير، وعلم الأنساب، وعلم السيرة، وعلم المغازي والفتوح. وقد اعتمد المؤرخون المسلمون على الرواية الشفوية، وبعض المصادر الكتابية، بما يتفق مع نمط ثقافتهم في القرن السابع الميلادي، وقد استمر هذا النهج حتى القرن الثالث الهجري (التاسع والعاشر الميلادي)، وما أن ترسخت الحياة العلمية في بلادهم حتى عملوا على تطوير منهجية كتابة التاريخ التي اخذوها من منهجية جمع حديث رسول الله، استجابة لتزايد نفوذ المنهج العلمي عندهم؛ وسرعان ما نجحوا في تعديل المضامين والأشكال والمنظورات التاريخية؛ فظهرت فلسفة التاريخ، والتاريخ الاقتصادي، وتم سليط الضوء على الجغرافيا التاريخية والإثنوغرافية والأنثروبولوجيا، وقد نقل هذا التحول التدريجي التاريخ إلى بيئة جديدة أكثر “علمانية”، وفي هذه البيئة لم يعد يُنظر إلى أسلوب الحديث وآفاقه كمعيارين كافيين لمصداقية الروايات التاريخية. وإن ما نقوم به اليوم من إعادة دراسة مصادر التاريخ العربي الإسلامي سبقتنا إليه أوروبا منذ القرن التاسع عشر، وكان الأجدر والأولى أن نقوم به نحن، فحتى ابن خلدون ذاته الذي نقد العديد من الروايات التاريخية في المصادر العربية، وأظهر لا عقلانية بعض الأخبار اليمنية، اغترف هو الآخر منها. ونحن في دراستنا لمصادر التاريخ العربي أمام معضلة حقيقية وهي أن الروايات التاريخية السنية للأحداث ليست بريئة من التحيز، وكذلك الروايات الشيعية للأحداث هي الأخرى ليست بريئة من التحيز، والشك المفرط الذي يستخدمه المؤرخون الغربيون لمصادرنا التاريخية ليس مقبولا، والاعتقاد بصواب كل ما جاء في المصادر الإسلامية ليس مقبولا كذلك، وبالتالي لا مفرّ من الحاجة إلى منهج نقدي للتاريخ الإسلامي يُساعد على استيعاب تنوّعه وثراءه. وهذا المنهج لا يجوز تطبيقه على أهم مصدرين من تاريخ العرب في العصور الباكرة، وهما القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وجميع المحاولات التي تعرضت لهذا الموضوع باءت بالفشل، والتي كان آخرها محاولة نصر حامد أبو زيد. أما ما دون ذلك من مصادر تاريخية فكلها قابلة للنقاش، والنقد، والمقارنة، والمقاربة، ولما كانت جل المصادر العربية قد أرخت للبشرية منذ الخليقة، وأرخ كتابها لعصورهم، فما يهمنا هو ما كتبه المؤرخ لعصره، وكيف عالج الأخبار، وقد ظهر أن جلهم متحيزون؛ مثلهم مثل بقية البشر، متحيزون لخلفياتهم الدينية والطائفية والعرقية والسياسية والمنفعية، وكل مؤرخ منهم له ما له وعليه ما عليه، وهذه سمة أعمال البشر، فالكمال لله وحده. وبالتالي مهما حاول المرء من الوصول إلى نتائج أقرب إلى اليقين، سيجد نفسه أمام بحر من الروايات المتضاربة، والتي لا بد له أن يعالجها بكثير من الصبر والتأني.
مصادر ومراجع البحث باللغة العربية:
- إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية العربية حتى نهاية القرن الثالث الهجري مجلة الفكر العربي العدد ٥٨ سنة العاشرة، بيروت ۱۹۸۹م.
- إحسان عباس، فن السيرة، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت 1956م.
- أحمد أمين، فجر الإسلام، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة 2011م.
- أحمد زايد مبروك، قول الإمام أحمد ثلاثة كتب ليس لها أصول “المغازي والملاحم والتفسير”: دراسة حديثية تحليلية، مجلة كلية الدين بأسيوط، عدد 37، ج3، 2019م.
- أكرم ضياء العمري، السيرة النبوية الصحيحة، محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية، ج1، مركز بحوث السيرة والسنة، جامعة قطر 1991م.
- أكرم ضياء العمري، مرويات السيرة النبوية بين قواعد المحدثين وروايات الإخباريين، د.ت.
- أميرة عامر عوض، أثر الاتجاهات الفكرية وأهواء المؤرخين في تدوين التاريخ الإسلامي؛ رسالة معدة لنيل درجة الماجستير في التاريخ، جامعة اليرموك، أربد 2008م.
- إيمان حاج، الكتابة الديوانية بين الإبداع العربي والتأثير الفارسي خلال العصر الأموي، مجلة علوم اللغة العربية وآدابها، الصادرة عن مجلة الوادي مج 15، العدد 1، 2023م.
- البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر، فتوح البلدان، القاهرة 1900م.
- البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، الجامع لشعب الإيمان، تحقيق: مختار أحمد الندوي، مكتبة الرشد، الرياض.
- جمال عبد الهادي مسعود، ووفاء محمد جمعة، أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ – منهج كتابة التاريخ الإسلامي لماذا؟ وكيف؟، دار الوفاء الطبعة 3، القاهرة 1994م.
- حسن الإبراهيمي، كتب الطبقات وأهميتها في التأريخ العربي الإسلامي، مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية، مج 15، عدد 2، 2025م.
- حسن عثمان، منهج البحث التاريخي، ط2، دار المعارف، القاهرة 1964م.
- حسن النور حسن، أهمية المصادر الأولية للباحث في التاريخ، مجلة دراسات حوض النيل، عدد 8، 2006م.
- حسين عطوان، الرواية التاريخية في بلاد الشام في العصر الأموي، ط1، دار الجليل ١٩86م
- أبي الحسين محمد بن أبي يعلي، طبقات الحنابلة، ج1، وقف على طبعه وصححه محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة 1952م.
- حسين نصار، نشأة التدوين التاريخي عند العرب؛ ط3، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ١٩80م
- ابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي. (د.ت) صفة الصفوة، حققته وعلق عليه: أحمد بن علي، القاهرة: دار الحديث.
- حياة عمامو، ماهية المصادر الإسلامية المبكرة واختلاف أراء الباحثين في أهميتها التاريخية، مجلة أسطور، الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، العدد 6، 2017م.
- الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي، الجامع للأخلاق الراوي وآداب المسامع، تحقيق محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض 1444 هـ.
- الذهبي، محمد حسين، التفسير والمفسّرون، ج1، دار الكتب الحديثة، القاهرة 1381هـ.
- الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان: سير أعلام النبلاء، ج2، تحقيق شعيب الأرناؤوط، ط 3، مؤسسة الرسالة، بيروت 1985م.
- رؤوف عبد الله الشريفين، سلامة النعيمات، مرويات وهب بن منبه في كتاب تاريخ الرسل والملوك للطبري وأصولها التوراتية، المجلة الأردنية للتاريخ والآثار، المجلد 13، العدد 2، 2019م.
- رشيد كهوس، تدوين السيرة النبوية في عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم، د.ت.
- الزركلي، خير الدين، الأعلام، ط15، دار العلم للملايين، بيروت 2002م.
- زيد صالح أبو الحاج، ابن سعد ومنهجه في كتابة التاريخ، رسالة معدة لنيل درجة الماجستير في التاريخ، الجامعة الأردنية، عمان 1990م.
- سعاد مقداد الأسدي، البواكير الأولى لظهور التدوين التاريخي ومراحل تطور منهاج المؤرخين المسلمين في الكتابة، مجلة العلوم الإسلامية، العدد 31.
- صالح بن عبد الله الصياح، مقولة الأمام أحمد بن حنبل: ثلاثة كتب ليس لها أصول “المغازي والملاحم والتفسير”: دراسة تحليلية، مجلة العلوم الشرعية، عدد 15، ديسمبر 2022م.
- الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، ج2، تحقيق محمد أبو الفضل، دار المعارف، القاهرة 1967م.
- عبد الله السليمان، إشكالية الكتابة التاريخية في القرنينين الأول والثاني الهجريين، مجلة المعرفة الصادرة عن وزارة الثقافة، دمشق، العدد 627، السنة 54، كانون الأول 2015م.
- عبد الله السليمان، تاريخ الخليج العربي، دار مرايا للطباعة والنشر والتوزيع، دبي 2020م.
- عبد الباري محمد الطاهر، أبان بن عثمان بن عفان رضي الله عنهما الأمير العام، مجلة دراسات تاريخية العددان ٧٥-٧٦، دمشق ۲۰۰۱م.
- عبد الرحمن العزاوي، التاريخ والمؤرخون في العراق 334- 447 هـ / 945- 1055م، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد 1993م.
- عبد الصمد شيخ وفتح الرحمن قرشي، اعتناء المستشرقين بالواقدي وكتابه “المغازي” دراسة تحليلية، مجلة البصيرة، مج5، عدد 1.
- عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، مركز زايد للتراث والتاريخ، أبو ظبي 2000م.
- عبد العزيز العمري، الولاية على البلدان في عصر الخلفاء الراشدين، ط ١، الرياض ١٤٠٩هـ.
- عدنان محمد ملحم، المؤرخون العرب والفتنة الكبرى (القرن الأول – القرن الرابع الهجري) دراسة تاريخية منهجية، ط2، دار الطليعة، بيروت 2001م.
- عدنان علي الفراجي، جهود علماء المسلمين وتدوين السيرة النبوية والمحافظة عليها “القرن الثاني انموذجا”، مجلة مداد الآداب، العدد 14.
- العسقلاني، أحمد بن علي بن محمد، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دار السلام، الرياض 2000م.
- عطية نوري الشريف، دراسة مقولة الإمام مالك بن أنس لا يؤخذ العلم عن أربعة، مجلة جامعة الملك عبد العزيز: الآداب والعلوم الإنسانية مج 29، عدد5، 2021م.
- عواطف محمد نواب، المدخل إلى علم التاريخ، جامعة أم القرى، مكة 1433هـ.
- عوض بن عبد الله بن ناجي، مراجعة لتحقيق كتاب مغازي سيدنا محمد ﷺ، لموسى بن عقبة المدني، مجلة مراجعات مجلة نصف سنوية محكمة تصدر عن دارة الملك عبد العزيز، العدد 3، السنة 2، يناير ٢٠٢٤م.
- فتحية عبد الفتاح النبراوي، علم التاريخ، دراسة في مناهج البحث، جامعة الأزهر 1993م.
- فرانز روزنثال، علم التاريخ عند المسلمين، ترجمة: صالح أحمد العلي، مراجعة محمد توفيق حسين، بغداد ١٩٦٣م.
- فريد بن سليمان، مدخل إلى دراسة التاريخ، مركز النشر الجامعي، تونس ۲۰۰۰م.
- قاسم عبده قاسم، تطور منهج البحث في الدراسات التاريخية، عين للدراسات والبحوث الاجتماعية، القاهرة ۲۰۰0م.
- ابن القيم، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، أحكام أهل الذمة، تحقيق يوسف بن أحمد البكري، وشاكر بن توفيق العاروري، رماد في النشر، الدمام 1997م.
- ابن كثير، أبـو الفداء إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث الغربي، ط١، بيروت 1988م.
- لطفي عبد الوهاب يحيى، العرب في العصور القديمة، مدخل حضاري في تاريخ العرب قبل الإسلام، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت 1979م.
- ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ط ۱3، منشورات جامعة دمشق ۲۰۰۸م.
- محمد أبو اليسر عابدين، أغاليط المؤرخين، دمشق 1972م.
- محمد طليبي، حركة تدوين التاريخ الإسلامي خلال القرن الثالث الهجري، مجلة الحقيقة، المجلد 17، العدد 2، 2018م.
- محمد المحاسنة، أضواء على تاريخ العلوم عند المسلمين، دار الكتاب الجامعي، العين 2000م.
- محمد بن محمد بن علي العواجي، مرويات الإمام الزهري في المغازي، رسالة معدة لنيل درجة الدكتوراه، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 1418 هـ.
- محمود إسماعيل، إشكالية تفسير التاريخ عند المؤرخين المسلمين الأوائل، مجلة عالم الفكر، الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العدد 4، مج 29، نيسان- حزيران 2001م.
- محمود الحويري، منهج البحث في التاريخ، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة 2001م.
- مصطفى شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون؛ دراسة في تطور علم التاريخ ومعرفة رجاله في الإسلام، ط3، دار العلم للملايين، بيروت ١٩٨٣م.
- المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج3، اعتنى به وراجعه كمال حسن مرعي، المكتبة العصرية، بيروت 2005م.
- معاذ جحجاح، الإمام ابن شهاب الزهري، ومروياته في السيرة النبوية، د.ت.
- ممدوح غالب أحمد بري، مرويات سقيفة بني ساعدة عند اليعقوبي والطبري: قراءة في النص التاريخي، مجلة الدراسات التاريخية والأثرية، مج 5، عدد 1، ابريل 2025م.
- مها القحطاني، كتب الطبقات والتراجم عند العرب من القرن 2 هـ – القرن 13 هـ، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، مج9، عدد 3، 2025م.
- نجيب عبد الهادي، تدوين التاريخ عند العرب، مجلة جامعة وليد للعلوم الإنسانية والتطبيقية، ليبيا، العدد 30، ديسمبر 2023م.
- وهب بن منبه، التيجان في ملوك حمير، طبعة حيدر آباد، الدكن 1347هـ.
- ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا، إبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ شلبي. دار التراث العربي، بيروت.
المراجع الأجنبية:
- Aliyu Salihu., The Contribution of Sahabas to Islamic Historiography., Department of Islamic Studies, University of Maiduguri, Borno State, Nigeria.
- Ann Christys., Universal chronicles in Arabic before c. 900., Medieval worlds, No: 1, 2015.
- Aziz Al-Azmeh., The Arabs and Islam in Late Antiquity A Critique of Approaches to Arabic Sources., by Gerlach Press, Berlin 2014.
- Brannon Wheeler, Quran and Muslim Exegesis as a Source for the Bible and Ancient History., In Book; The Convergence of Judaism and Islam, Religious, Scientific, and Cultural Dimensions, University Press of Florida Gainesville, edited by Michael M. Laskier and Yaacov Lev., Printed in the United States of America 2011.
- Ernest Renan, “Muhammad and the Origins of Islam,” in The Quest for the Historical Muhammad, ed. and trans. Ibn Warraq, Amherst, N.Y.: Prometheus Books, 2000.
- John C. Reeves., Jewish apocalyptic lore in early Islam: Reconsidering KAʽB AL-AḤBĀR, University of North Carolina at Charlotte.
- Moh. Muhyiddin, & Muhammad Dluha Luthfillah., Analysis of the Narrative Structure of Isrāiliyyāt: A Study on the Isrāiliyyāt Accounts of Dawud in Al-Tha’labi’s Exegesis Al-Kashf wa al-Bayān ‘an Tafsīr al-Qur’ān., Jurnal Studi Al-Qur’an dan Tafsir Vol 7, N 1, 2023.
- Moh, Rosyad., Analysis and critique of the ISRA’ILIYAT narratives on prophets Yusuf and Dawud in JAMI’ AL-BAYAN by IBN JARĪR AL-ṬᾹBARI., Universitas PTIQ Jakarta.
- Muhammad B. Muhammad., The development of early Muslim Historiography: A general review of IBN HISHAM’S METHODOLOGY in SIRATU AL NABIY (Pbuh)., Department of Islamic Studies Bayero Univrsity, Kano.
- Nicola Seu., Types and characteristics of evidence (Muslim and non-Muslim) we have for the formative period of Islam., The Origins and early development of Islam: problems and perspectives.
- R. Nasrollahi and F. MoieniKorbekandi., Futuristic Categories as Conceptual Tools for the Study of the Reliability of Muslim Historical Sources., International Journal of Social Science and Humanity, Vol. 2, No. 4, July 2012.
- Sayyid Reza Moaddab, Fazel Asadi Amjad, Hossein Sattar., Isra’iliyyat or Traditions of Jewish Origin: A Major Instance of Transferred Traditions, Religious Inquiries., Volume 5, Number 9, June 2016.
- Tarif Khalidi., Arabic historical thought in the classical period., Cambridge Studies in Islamic Civilization, Cambridge University Press 1994.
- Wico Elzinga, What Makes a Source Historically Reliable? A Case Study of the Reliability of Sīrah literature, The University of Groningen, Master thesis, June 30, 2021.
- Zhilwan Tahir., Abdulwahed Jalal Nori., Medina to House of Wisdom: Islam and Muslim Contribution to Science of History: Journal of Islamic Studies, Vol. 2, No. 4, 2024.
* يشترط في الرواة أن يكونوا كلهم: مسلمين بالغين عاقلين سالمين من الفسق وخوارم المروءة، وشهد لهم جميع الناس بعدالتهم.
[1]) Nicola Seu., Types and characteristics of evidence (Muslim and non-Muslim) we have for the formative period of Islam., The Origins and early development of Islam: problems and perspectives, p.2.
([2]) أبي الحسين محمد بن أبي يعلي، طبقات الحنابلة، ج1، وقف على طبعه وصححه محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة 1952م، ص218.
([3]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ط ۱3، منشورات جامعة دمشق ۲۰۰۸م، ص41.
[4]) R. Nasrollahi and F. MoieniKorbekandi., Futuristic Categories as Conceptual Tools for the Study of the Reliability of Muslim Historical Sources., International Journal of Social Science and Humanity, Vol. 2, No. 4, July 2012, p.335.
[5]) Nicola Seu., Op. Cit., p.1.
[6]) Wico Elzinga, What Makes a Source Historically Reliable? A Case Study of the Reliability of Sīrah literature, The University of Groningen, Master thesis, June 30, 2021, p.11.
([7]) حسن النور حسن، أهمية المصادر الأولية للباحث في التاريخ، مجلة دراسات حوض النيل، عدد 8، 2006م، ص155.
[8]) Wico Elzinga, Op. Cit., 2021, p.17.
[9]) Aziz Al-Azmeh., The Arabs and Islam in Late Antiquity A Critique of Approaches to Arabic Sources., by Gerlach Press, Berlin 2014, p.4.
[10]) Aziz Al-Azmeh., Op. Cit., 2014, p.5.
([11]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص55.
([12]) فتحية عبد الفتاح النبراوي، علم التاريخ، دراسة في مناهج البحث، جامعة الأزهر 1993م، ص94.
[13]) Nicola Seu., T Op. Cit., p.2.
([14]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص56، 57.
([15]) محمود إسماعيل، إشكالية تفسير التاريخ عند المؤرخين المسلمين الأوائل، مجلة عالم الفكر، الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العدد 4، مج 29، نيسان- حزيران 2001م، ص46.
[16]) Aliyu Salihu., The Contribution of Sahabas to Islamic Historiography., Department of Islamic Studies, University of Maiduguri, Borno State, Nigeria, p.8.
([17]) محمود إسماعيل، إشكالية تفسير التاريخ، ص47.
[18]) R. Nasrollahi and F. MoieniKorbekandi., Op. Cit., 2012, p.335.
[19]) Wico Elzinga, Op. Cit., 2021, pp.10, 11.
([20]) حسن عثمان، منهج البحث التاريخي، ط2، دار المعارف، القاهرة 1964م، ص19.
([21]) محمود إسماعيل، إشكالية تفسير التاريخ، ص49.
[22]) Aziz Al-Azmeh., Op. Cit., 2014, p.4.
[23]) Wico Elzinga, Op. Cit., 2021, p.19.
* هو الصحابي عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني، أول من أسلم من قبيلة دوس، قدم إلى المدينة مهاجراً سنة ست للهجرة، فوجد النبي ﷺ غازياً خيبر، فالتحق به هنالك، وكان من حفاظ الصحابة، بل هو أحفظهم على الإطلاق.
([24]) محمود إسماعيل، إشكالية تفسير التاريخ، ص44.
([25]) حياة عمامو، ماهية المصادر الإسلامية المبكرة واختلاف أراء الباحثين في أهميتها التاريخية، مجلة أسطور، الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، العدد 6، 2017م، ص7.
[26]) Wico Elzinga, Op. Cit., 2021, p.21.
([27]) حياة عمامو، ماهية المصادر الإسلامية، ص7.
([28]) حسن النور حسن، أهمية المصادر الأولية، ص155، 157، 158.
[29]) Wico Elzinga, Op. Cit., 2021, pp.24, 25.
[30]) R. Nasrollahi and F. MoieniKorbekandi., Op. Cit., 2012, p.336.
[31]) Nicola Seu., T Op. Cit., p.3.
[32]) R. Nasrollahi and F. MoieniKorbekandi., Op. Cit., 2012, p.336.
([33]) عواطف محمد نواب، المدخل إلى علم التاريخ، جامعة أم القرى، مكة 1433هـ، ص28.
[34]) Aziz Al-Azmeh., Op. Cit., 2014, p.7.
[35]) Ernest Renan, “Muhammad and the Origins of Islam,” in The Quest for the Historical Muhammad, ed. and trans. Ibn Warraq (Amherst, N.Y.: Prometheus Books, 2000), pp.128–129.
[36]) Nicola Seu., T Op. Cit., p.3.
([37]) قاسم عبده قاسم، تطور منهج البحث في الدراسات التاريخية، عين للدراسات والبحوث الاجتماعية، القاهرة ۲۰۰0م، ص۱۱۱- 114. وانظر: عبد الله السليمان، إشكالية الكتابة التاريخية في القرنينين الأول والثاني الهجريين، مجلة المعرفة الصادرة عن وزارة الثقافة، دمشق، العدد 627، السنة 54، كانون الأول 2015م، 129، 130.
([38]) محمود الحويري، منهج البحث في التاريخ، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة 2001م، ص106.
([39]) قاسم عبده قاسم، تطور منهج البحث في الدراسات التاريخية، ص۱۱۱- 114.
([40]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص42.
([41]) عواطف محمد نواب، المدخل إلى علم التاريخ، ص40.
[42]) Nicola Seu., T Op. Cit., p.9.
([43]) قاسم عبده قاسم، تطور منهج البحث في الدراسات التاريخية، ص118.
* قامت المملكة الحمرية على أنقاض المملكة السبئية سنة 115 ق.م، وكانت عاصمتها الأولى في مدينة ظفار يريم، واستمرت حتى الاحتلال الحبشي لليمن بقيادة أسوم سنة 525م، أشهر ملوكهم ذو النواس، واعتنقوا الديانة اليهودية.
([44]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص37.
([45]) أحمد أمين، فجر الإسلام، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة 2011م، ص26.
([46]) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، ج2، تحقيق محمد أبو الفضل، دار المعارف، القاهرة 1967م، ص37.
([47]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص37.
([48]) عبد الله السليمان، تاريخ الخليج العربي، دار مرايا للطباعة والنشر والتوزيع، دبي 2020م.
([49]) لطفي عبد الوهاب يحيى، العرب في العصور القديمة، مدخل حضاري في تاريخ العرب قبل الإسلام، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت 1979م، ص182، 183.
([50]) لطفي عبد الوهاب يحيى، العرب في العصور القديمة، ص184، 185.
[51]) Moh. Muhyiddin, & Muhammad Dluha Luthfillah., Analysis of the Narrative Structure of Isrāiliyyāt: A Study on the Isrāiliyyāt Accounts of Dawud in Al-Tha’labi’s Exegesis Al-Kashf wa al-Bayān ‘an Tafsīr al-Qur’ān., Jurnal Studi Al-Qur’an dan Tafsir Vol 7, N 1, 2023, p.22.
([52]) القرآن الكريم، قريش، الآية 1-2.
[53]) Moh. Muhyiddin, & Muhammad Dluha Luthfillah., Op. Cit., 2023, p.23.
[54]) Sayyid Reza Moaddab, Fazel Asadi Amjad, Hossein Sattar., Isra’iliyyat or Traditions of Jewish Origin: A Major Instance of Transferred Traditions, Religious Inquiries., Volume 5, Number 9, June 2016, pp.47-66, p.49.
([55]) الذهبي، محمد حسين، التفسير والمفسّرون، ج1، دار الكتب الحديثة، القاهرة 1381هـ، ص169.
[56]) Ann Christys., Universal chronicles in Arabic before c. 900., Medieval worlds, No: 1, 2015, p.61.
([57]) البخاري، أبو عبد الله محمد بن اسماعيل، الجامِعُ المُسنَد الصَّحيحُ المُختصَر من أُمور رسولِ الله ﷺ وسُنَنِه وأيَّامِه، 9/ 76.
([58]) القرآن الكريم، المائدة، الآية 82.
([59]) القرآن الكريم، البقرة، الآية 143.
([60]) مغنية، الحرب الإعلامية، ص26، 27.
([61]) الذهبي، التفسير والمفسّرون، ج8، ص161، 162.
[62]) Moh, Rosyad., Analysis and critique of the ISRA’ILIYAT narratives on prophets Yusuf and Dawud in JAMI’ AL-BAYAN by IBN JARĪR AL-ṬᾹBARI., Universitas PTIQ Jakarta, p.250.
([63]) رواه أحمد في المسند 2/159 و2/202 و2/214، والبخاري في صحيحه 3/1273 برقم 3274، والترمذي في الجامع الكبير 5/40 برقم (2669)، ابن حبان في صحيحه 14/149 برقم (6256).
([64]) العسقلاني، أحمد بن علي بن محمد، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دار السلام، الرياض 2000م، 6/498 ـ 499.
[65]) Moh, Rosyad., Op. Cit, p.249.
* صحابي، وكان من قبل حبرا من أحبار اليهود، غير النبي ﷺ اسمه من الحصين إلى عبد الله. شهد فتح بيت المقدس، انظر: الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان: سير أعلام النبلاء، ج2، تحقيق شعيب الأرناؤوط، ط 3، مؤسسة الرسالة، بيروت 1985م، ص414.
* صحابي، يكنى بأبي رقية، تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة اللخمي، الفلسطيني. والدار: بطن من لخم، ولخم: فخذ من يعرب بن قحطان، انظر: الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج2، ص442.
[66]) Moh. Muhyiddin, & Muhammad Dluha Luthfillah., Op. Cit., 2023, p.23, 24.
[68]) Moh. Muhyiddin, & Muhammad Dluha Luthfillah., Op. Cit., 2023, p.20.
([69]) القرآن الكريم، سورة الحجر، الآية 9.
* ورد ذكر عاد في القرآن الكريم 24 مرة في 18 سورة، وفحوى قصتهم تتلخص في دعوة نبيهم هود عليه السلام، وهلاكهم بريح صر، في ثماني سور رئيسية من القرآن الكريم، وهي: الأحقاف: الآيات (21- 26)، الأعراف: الآيات (65- 72)، هود: الآيات (50- 60)، الشعراء: الآيات (123- 140)، فصلت: الآيات (15- 16)، الذاريات: الآيات (41- 42)، القمر: الآيات (18- 21)، الفجر: الآيات (6- 8).
* ورد ذكر ثمود في القرآن الكريم 26 مرة في 22 سورة، وفحوى قصتهم تتلخص في دعوة نبيهم صالح عليه السلام، وهلاكهم بالوباء ثلاثة أيام ومن ثم الصيحة، في أربع سور رئيسية من القرآن الكريم، وهي: الأعراف: الآيات (73- 79)، هود: الآيات (61- 68)، الشعراء: الآيات (141- 158)، القمر: الآيات (23- 31)، كما ورد ذكرهم في سور أخرى مثل الحجر، والإسراء، والفرقان، والعنكبوت، ص، ق، الذاريات، النجم، الفجر، الشمس.
([70]) نجيب عبد الهادي، تدوين التاريخ عند العرب، مجلة جامعة وليد للعلوم الإنسانية والتطبيقية، ليبيا، العدد 30، ديسمبر 2023م، ص502.
([71]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، مركز زايد للتراث والتاريخ، أبو ظبي 2000م، ص21.
([72]) القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 137.
([73]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص39.
([74]) محمود الحويري، منهج البحث في التاريخ، ص110.
[75]) Brannon Wheeler, Quran and Muslim Exegesis as a Source for the Bible and Ancient History., In Book; The Convergence of Judaism and Islam, Religious, Scientific, and Cultural Dimensions, University Press of Florida Gainesville, edited by Michael M. Laskier and Yaacov Lev., Printed in the United States of America 2011, p.23.
([76]) القرآن الكريم، سورة يوسف، الآية 3.
([77]) عبد الله السليمان، إشكالية الكتابة التاريخية، 133.
([78]) لطفي عبد الوهاب يحيى، العرب في العصور القديمة، ص161.
([79]) القرآن الكريم، سورة الحجرات، الآية رقم 6.
([80]) القرآن الكريم، سورة الطلاق، الآية رقم 2.
([81]) محمود الحويري، منهج البحث في التاريخ، ص112.
([82]) لطفي عبد الوهاب يحيى، العرب في العصور القديمة، ص160، 161.
([83]) سعاد مقداد الأسدي، البواكير الأولى لظهور التدوين التاريخي ومراحل تطور منهاج المؤرخين المسلمين في الكتابة، مجلة العلوم الإسلامية، العدد 31، ص453.
* حساب اليد أو حساب العرب والروم عند عرب الجاهلية: هو نوع من الحساب تم فيه إعطاء حروف اللغة العربية بالترتيب النبطي قوة الأرقام لاختصار كتابة أسماء الأعداد، انظر: محمد المحاسنة، أضواء على تاريخ العلوم عند المسلمين، دار الكتاب الجامعي، العين 2000م، ص197.
([84]) سعاد مقداد الأسدي، البواكير الأولى، ص453.
([85]) ورد خبر مقاطعة بني هاشم سيرة ابن إسحاق برواية يونس بن بكير. وورد في سيرة ابن هشام، وفي طبقات ابن سعد وعند الطبري.
* والأصح هو الأنباط، والعرب كانت تستخدم ترتيبهم للحروف وتعرفه بالترتيب النبطي. والخط النبطي في أصله مشتق من الآرامي، وأشهر النقوش المدونة بالقلم النبطي هو نص ملك الحيرة امرئ القيس الأول، وهو عبارة عن شاهدة قبر عثر عليها في البادية السورية، وخط النص وصيغ المفردات قريب جدا من المفردات العربية.
* هو أحمد بن يحيى بن جابر بن داود، كنته بعض المصادر بأبي العباس، أو أبي بكر، فارسي الأصل. أطلق لقب البلاذري على أسرة المؤرخ أحمد بن يحيى، فعرف به في حياته وقبل مماته. صنف كتابي الرد على الشعوبية، وأنساب الأشراف.
([86]) البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر، فتوح البلدان، القاهرة 1900م، ج3، ص580.
([87]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص39، 39.
* عدد الأجزاء: ٤، الناشر: شركة الصحافة العثمانية؛ إسطنبول، الطبعة الأولى، مطبعة سنده ١٣٠٨هـ – ١٨٩٠م.
* أخرجه الإمام مسلم في صحيح مسلم في كتاب الزهد والرقائق،باب: التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، برقم(3004)، عن الصحابي الجليل أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
* عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (ت ٦٣ هـ)، قَالَ: “قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقَيِّدُ الْعِلْمَ؟ قَالَ: نَعَمْ قلت وما تقييده؟ قال: (الكتاب): انظر: الخطيب البغدادي، الجامع للأخلاق الراوي وآداب المسامع، 1/228. وعن عبد اللَّه بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول اللَّه ﷺ وأريد حفظه، فنهتني قريش عن ذلك قالوا: تكتب كل شيء تسمعه من رسول اللَّه ﷺ، ورسول اللَّه ﷺ يتكلم في الرضى والغضب، قال: فأمسكت فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأشار بيده إلى فيه فقال: “اكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق”. أخرجه أحمد في صحيح (٦٥١٠)، وأبو داود (٣٦٤٦).
([88]) محمد أبو اليسر عابدين، أغاليط المؤرخين، دمشق 1972م، ص28.
([89]) صحيح البخاري، كتاب العلم ١/٢٠٦.
([90]) القرآن الكريم، العلق، الآيات 1-5.
([91]) القرآن الكريم، القلم، الآية 1.
([92]) حياة عمامو، ماهية المصادر الإسلامية المبكرة، ص9.
([93]) ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا، وآخرون، دار التراث العربي، بيروت، ج2، ص147.
([94]) عبد العزيز العمري، الولاية على البلدان في عصر الخلفاء الراشدين، ط ١، الرياض ١٤٠٩هـ، ص١٥٨.
([95]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية العربية حتى نهاية القرن الثالث الهجري مجلة الفكر العربي العدد ٥٨ سنة العاشرة، بيروت ۱۹۸۹م، ص ۱۰. نقلاً عن ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج ۲، ص۷۳۱.
([96]) مصطفى شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون؛ دراسة في تطور علم التاريخ ومعرفة رجاله في الإسلام، ط3، دار العلم للملايين، بيروت ١٩٨٣م، ج1، ص150.
([97]) ابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، (د.ت) صفة الصفوة، حققته وعلق عليه: أحمد بن علي، القاهرة: دار الحديث، ج1، ص252.
* لقد وقع التزوير باكرا من تاريخ التدوين العربي: فهناك من زور كتابا باسم الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان t، ذلك الكتاب الذي أُرسل إلى والي مصر (عبد الله بن سعد بن أبي سرح)، والذي تضمن أوامر بقتل وفد أهل مصر العائدين من المدينة المنورة. وتحوم الشبهات حول دور عبد الله بن سبأ في استغلال هذا الكتاب لإشعال الفتن وكان سببا في قتله عثمان t مظلوما. كما أن المختار الثقفي انتحل باسم محمد بن الحنفية كتابا، وقد كشف الشعبي -الفقيه الكوفي- هذا الانتحال، بعد أن حمل هذا الكتاب من المختار إلى إبراهيم بن مالك الأشتر؛ يطلب فيه تأييد إبراهيم للمختار ضد الأمويين، من دون أن يحوز المختار ثقة الاثنين الفقيه والقائد، وكان إبراهيم قد شك أن هذا الكتاب موضوع باسم محمد بن الحنفية، وسرعان ما تحولت الشكوك إلى واقع، وخبى نجم المختار بالسرعة التي سطع بها، بعد أن تخلى عنه القائد الكوفي وانضم إلى مصعب بن الزبير. انظر: إبراهيم بيضون، مسائل في المنهج، ص9. والتاريخ هو الطريق الأفضل للاطلاع على التزوير في المكاتيب ونحوها: فلما كان الرسول ﷺ لم يفرض على يهود الحجاز الجزية، بحكم أن آية “الجزية” لم تنزل ولم تكن شُرّعت إلا بعد فتح خيبر بسنوات. وكان صلح الرسول ﷺ لأهل خيبر على إقرارهم في الأرض بنصف ما يخرج منها ما شاء، فوفى لهم عهدهم ولم يأخذ منهم غير ما شرط عليهم، فلما أجلاهم عمر t إلى الشام ظنوا أنهم يستمرون على أن يعفوا منها فزوروا كتابا يتضمن أن رسول الله ﷺ أسقطها عنهم بالكلية، وجاؤوا في عام 447 هـ إلى أبي القاسم علي وزير الخليفة العباسي القائم بأمر الله ومعهم وثيقة إعفاء من الجزية يقولون إن النبي ﷺ كتبها لليهود (يوم فتح خيبر) وأنها بشهادة أصحابه وتوقيعهم واختامهم، النبي محمد ﷺ، لكن سرعان ما تبين بطلانها بعد أن عرضها على الحافظ والمؤرخ والمحدث الحجة أبو بكر الخطيب البغدادي: فتأمله ثم قال: «هذا مزور» فقيل من أين لك هذا؟ قال فيه شهادة معاوية وهو إنما أسلم عام الفتح، وفتح خيبر كان في سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ وهو قد مات يوم بني قريظة قبل فتح خيبر بسنتين»، هذا ناهيك أن الخط ليس خط الإمام علي، وفيها من اللحن الذي يخالف لغة العرب؛ ما لا يجوز نسبة مثله إلى علي رضي الله عنه ولا غيره. انظر: ابن القيم (أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية)، أحكام أهل الذمة، حققه يوسف بن أحمد البكري، وشاكر بن توفيق العاروري، رماد في النشر، الدمام 1997م، ج1، ص172.
([98]) إيمان حاج، الكتابة الديوانية بين الإبداع العربي والتأثير الفارسي خلال العصر الأموي، مجلة علوم اللغة العربية وآدابها، الصادرة عن مجلة الوادي مج 15، العدد 1، 2023م، ص136.
([99]) حياة عمامو، ماهية المصادر الإسلامية المبكرة، ص9.
[100]) R. Nasrollahi and F. MoieniKorbekandi., Op. Cit., 2012, p.336.
([101]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص9.
([102]) الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3، ص490.
([103]) ابن كثير، أبـو الفداء إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، ج4، 18.
([104]) ابن كثير، أبـو الفداء إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث الغربي، ط١، بيروت 1988م، ج1، ص19.
[105]) John C. Reeves., Jewish apocalyptic lore in early Islam: Reconsidering KAʽB AL-AḤBĀR, University of North Carolina at Charlotte, p.5.
* هي مدينة إيرانية تقع شمال مدينة الأحواز في محافظة خوزستان، وتبعد عنها نحو 81 كلم.
[106]) John C. Reeves., Op. Cit., pp.6,7.
([107]) حسين نصار، نشأة التدوين التاريخي عند العرب؛ ط3، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ١٩80م، ص9.
([108]) مصطفى شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون؛ ج1، ص126.
* وقد ورد عند خير الدين الزركلي، الأعلام، ط15، دار العلم للملايين، بيروت 2002م، ج4، ص189: أن معاوية استحضره من صنعاء إلى دمشق.
([109]) وهب بن منبه، التيجان في ملوك حمير، طبعة حيدر آباد، الدكن 1347هـ، ص325، 326.
([110]) مصطفى شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون، ص126. وانظر: وهب بن منبه، التيجان، ص327. وانظر: الزركلي، الأعلام، ج4، ص189.
([111]) حسين عطوان، الرواية التاريخية في بلاد الشام في العصر الأموي، ط1، دار الجليل ١٩86م، ص19.
([112]) المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج3، اعتنى به وراجعه كمال حسن مرعي، المكتبة العصرية، بيروت 2005م، ص32.
* وهو مخطوط محفوظ في المتحف البريطاني؛ رقم ملحق 578.
* الكتاب موجود وقد طبع في حيد آباد سنة 1375هـ، بعنوان: «أخبار بن عبيد شرية الجرهمي في أخبار اليمن وأنسابها»، ويظهر من عنوان المؤلف، أن عبيد نفسه لم يدونه، ولا عنوانه، وإما دونه كتاب معاوية، ونسبوه إليه دون عنونة، كما يبدو، ومن ثم اختلف النساخ في عنوانه. انظر: حسين نصار، نشأة التدوين التاريخي عند العرب، ص15.
([113]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص40.
([114]) حسين نصار، نشأة التدوين التاريخي عند العرب، ص17.
([115]) لطفي عبد الوهاب يحيى، العرب في العصور القديمة، ص237.
([116]) حسين عطوان، الرواية التاريخية، ص20.
* هو أبو عبد الله وهب بن منبه عاش بذمار قرب صنعاء، ولد في سنة 34 للهجرة في زمن الخليفة عثمان بن عفان t، من أبناء الفرس الذين سكنوا اليمن (الأبناء) وكانوا قد قدموا إليها مع القوة الفارسية التي ناصرت سيف بن ذي يزن، أسلم أبوه زمن النبي ﷺ، وقد نشأ في اليمن على الزهد وقراءة قصص الأنبياء. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج4، ص545.
([117]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص40.
([118]) رؤوف عبد الله الشريفين، سلامة النعيمات، مرويات وهب بن منبه في كتاب تاريخ الرسل والملوك للطبري وأصولها التوراتية، المجلة الأردنية للتاريخ والآثار، المجلد 13، العدد 2، 2019م، ص3.
([119]) زيد صالح أبو الحاج، ابن سعد ومنهجه في كتابة التاريخ، رسالة معدة لنيل درجة الماجستير في التاريخ، الجامعة الأردنية، عمان 1990م، ص56.
([120]) رؤوف عبد الله الشريفين، سلامة النعيمات، مرويات وهب بن منبه، ص7.
([121]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص31.
([122]) فرانز روزنثال، علم التاريخ عند المسلمين، ترجمة: صالح أحمد العلي، مراجعة محمد توفيق حسين، بغداد ١٩٦٣م، ص 456.
([123]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص31.
([124]) أميرة عامر عوض، أثر الاتجاهات الفكرية وأهواء المؤرخين في تدوين التاريخ الإسلامي؛ رسالة معدة لنيل درجة الماجستير في التاريخ، جامعة اليرموك، أربد 2008م، ص37.
([125]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص11.
([126]) مصطفى شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون؛ ج1، ص178.
([127]) أميرة عامر عوض، أثر الاتجاهات الفكرية، ص35.
([128]) مصطفى شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون؛ ج1، ص178.
([129]) أميرة عامر عوض، أثر الاتجاهات الفكرية، ص37.
([130]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص11.
([131]) أميرة عامر عوض، أثر الاتجاهات الفكرية، ص36، 37.
([132]) مصطفى شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون، ج1، ص180.
([133]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص43.
([134]) عدنان محمد ملحم، المؤرخون العرب والفتنة الكبرى (القرن الأول – القرن الرابع الهجري) دراسة تاريخية منهجية، ط2، دار الطليعة، بيروت 2001م، ص71، 72.
([135]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص11. وانظر: عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ، ص43.
* اقتبس الطبري عنه ۱۲5 رواية، منها 9 روايات عن الصراع بين معسكر علي ومعسكر عائشة وطلحة والزبير، و ١١٦ رواية عن الصراع بين معسكري علي ومعاوية. واحتوت هذه الروايات على ۲۱ آية قرآنية، و٤ أحاديث نبوية، و٤٢ رسالة. و٤٧ خطبة، ووثيقة واحدة، و۱۰۱ بيتاً من الشعر. واتسمت رواياته بالإطالة والتخصص باستثناء 9 روايات مركبة احتوت على أكثر من موضوع واحد. وانظر: عدنان محمد ملحم، المؤرخون العرب، ص70.
* وهو محدث ثقة، لم يبق من مؤلفته سوى أخبار المدينة، ومن حيث المنهجية يعد من الإخباريين.
([136]) أكرم ضياء العمري، مرويات السيرة النبوية بين قواعد المحدثين وروايات الإخباريين، ص7.
([137]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص12.
[138]) Aliyu Salihu., The Contribution of Sahabas to Islamic Historiography., Department of Islamic Studies, University of Maiduguri, Borno State, Nigeria, p.6.
([139]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص12.
([140]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص45.
([141]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص12.
([142]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص46.
([143]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص12.
([144]) محمود الحويري، منهج البحث في التاريخ، ص112.
([145]) القرآن الكريم، سورة النجم، الآية رقم 3، 4.
([146]) محمود الحويري، منهج البحث في التاريخ، ص112.
([147]) عواطف محمد نواب، المدخل إلى علم التاريخ، ص41.
([150]) أخرجه ابن داوود، وأروده مسلم في مقدمة الصحيح، ص5.
([151]) مصطفى شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون؛ ج1، ص114.
([152]) مها القحطاني، كتب الطبقات والتراجم عند العرب من القرن 2 هـ – القرن 13 هـ، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، مج9، عدد 3، 2025م، ص83.
([153]) لطفي عبد الوهاب يحيى، العرب في العصور القديمة، ص181.
* عدد الأحاديث المرفوعة في صحيح البخاري مع المُكرر:٧٣٩٧ حديثًا، فإذا ازلنا الأحاديث المكررة عند البخاري فستكون نحو 2761 حديث. وقد استخدم الدارقطني منهجية نقدية صارمة في صحيح البخاري، فانتقد نحو 110 أحاديث، ورغم ذلك ذهب كثير من علماء السنة أن الصواب فيها ما قاله البخاري، وحتى الأحاديث التي انتقدها الدارقطني ليست خطأ، بل لها طرق أخرى أصح في السند الذي يوصلها إلى النبي ﷺ.
[154]) Aliyu Salihu., Op. Cit., p.3.
([155]) حياة عمامو، ماهية المصادر الإسلامية المبكرة، ص12.
([156]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص39.
* هو أبو محمد عروة بن الزبير بن العوام القرشي، الأسدي، المدني، التابعي الجليل، أحد الفقهاء السبعة في المدينة المنورة، كان من حفاظ الحديث المتقنين، سمع أباه الزبير وأخاه عبد الله، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وخالته عائشة أم المؤمنين، وسعيد بن زيد، وحكيم بن حزام، وأبا هريرة وكثيراً من الصحابة والتابعين، انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج4، ص423.
* هو ابن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي القرشي، الإمام الفقيه، مدني، ثقة، كان من أعلام رواة الحديث النبوي، أدرك قسما من الصحابة وسمع عنهم الحديث. اختلف المؤرخون في تاريخ وفاته فمنهم من قال توفي سنة (١٠٥هـ) ومنهم من قال توفي سنة (٨٥ هـ)، وقد حقق المسألة محقق تهذيب الكمال، وخلص إلى القول إن أبان بن عثمان توفي سنة (١٠٢هـ) في خلافة يزيد بن عبد الملك، ويجب عدم الخلط بين أبان بن عثمان بن عفان، وأبان بن عثمان بن يحيى الأحمر الكوفي، المتوفى نحو (٢٠٠هـ). انظر: عبد الباري محمد الطاهر، أبان بن عثمان بن عفان رضي الله عنهما الأمير العام، مجلة دراسات تاريخية العددان ٧٥-٧٦، دمشق ۲۰۰۱م، ص95.
([157]) سعاد مقداد الأسدي، البواكير الأولى لظهور التدوين، ص467.
([158]) ابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، (د.ت) تلبيس ابليس، طبعة دار الفكر، بيروت ص111.
* هي عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية تابعية جليلة وفقيهة عالمة موثوقة، ولدت في المدينة المنورة نحو سنة 29 هـ، وتربت في حجر أم المؤمنين عائشة بنت أبو بكر الصديق رضي الله عنها وعن أبيها.
([159]) سعاد مقداد الأسدي، البواكير الأولى لظهور التدوين، ص467.
* محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، الإمام العلم، حافظ زمانه أبو بكر القرشي الزهري المدني نزيل الشام. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج5، ص327.
([160]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص43.
([161]) لطفي عبد الوهاب يحيى، العرب في العصور القديمة، ص181.
([162]) زيد صالح أبو الحاج، ابن سعد ومنهجه، ص64.
[163]) Zhilwan Tahir., Abdulwahed Jalal Nori., Medina to House of Wisdom: Islam and Muslim Contribution to Science of History: Journal of Islamic Studies, Vol. 2, No. 4, 2024, p.300.
* أبو عبد الله مالك بن أنس بن أبي عامر بن عمرو بن حارث بن غميان بن خثيل بن عمرو بن الحارث الأصبحي: (الطبقات الكبرى 1/ 433).
([164]) عطية نوري الشريف، دراسة مقولة الإمام مالك بن أنس لا يؤخذ العلم عن أربعة، مجلة جامعة الملك عبد العزيز: الآداب والعلوم الإنسانية مج 29، عدد5، 2021م، ص11.
* إبراهيم بن محمد بن الحارث من مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وهو غير الفزاري المنجم وعالم الفلك الذي ترجم في عهد الخليفة أبو جعفر المنصور كتاب الهند-سند.
([165]) الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان: تذكرة الحفاظ، ج1، وضع حواشيه زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت 1998م، ص273.
([167]) الذهبي، تاريخ الإسلام، ج9، ص13.
([168]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص43.
([169]) أخرجها يعقوب بن سفيان (ت 277 هـ) عن شيخه إبراهيم بن المنذر: حدثني معن بن عيسى: كان مالك بن أنس يقول: لا أخذ العلم من أربعة …”. انظر: عطية نوري الشريف، دراسة مقولة الإمام مالك بن أنس، ص5.
([170]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص39.
([171]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص14.
([172]) زيد صالح أبو الحاج، ابن سعد ومنهجه، ص64.
[173]) Tarif Khalidi., Arabic historical thought in the classical period., Cambridge Studies in Islamic Civilization, Cambridge University Press 1994, p.17.
[174]) Aliyu Salihu., Op. Cit., p.7.
([175]) عبد الباري محمد الطاهر، أبان بن عثمان بن عفان، ص135.
([176]) محمد بن طاهر البرزنجي، كتاب صحيح وضعيف تاريخ الطبري، ج1، ص76.
[177]) Aliyu Salihu., Op. Cit., p.6.
[178]) Wico Elzinga, Op. Cit., 2021, p.7.
[179]) Ibid, p.10.
([180]) عدنان علي الفراجي، جهود علماء المسلمين ص227.
[181]) Muhammad B. Muhammad., The development of early Muslim Historiography: A general review of IBN HISHAM’S METHODOLOGY in SIRATU AL NABIY (Pbuh)., Department of Islamic Studies Bayero Univrsity, Kano, p.4.
([182]) عواطف محمد نواب، المدخل إلى علم التاريخ، ص42.
([183]) رشيد كهوس، تدوين السيرة النبوية في عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم، ص52.
[184]) Wico Elzinga, Op. Cit., 2021, p.4.
([185]) القرآن الكريم، الأحزاب، الآية 21.
([186]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص22.
([187]) ابن كثير، البداية والنهاية، 3/242.
([188]) الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي، الجامع للأخلاق الراوي وآداب المسامع، تحقيق محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض 1444 هـ، ج2، ص195.
([189]) عدنان علي الفراجي، جهود علماء المسلمين وتدوين السيرة النبوية والمحافظة عليها “القرن الثاني انموذجا”، مجلة مداد الآداب، العدد 14، ص221.
([190]) أكرم ضياء العمري، السيرة النبوية الصحيحة، محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية، ج1، مركز بحوث السيرة والسنة، جامعة قطر 1991م، ص53.
([191]) فريد بن سليمان، مدخل إلى دراسة التاريخ، مركز النشر الجامعي، تونس ۲۰۰۰م، ص ٩٥.
([192]) محمد بن محمد بن علي العواجي، مرويات الإمام الزهري في المغازي، رسالة معدة لنيل درجة الدكتوراه، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 1418 هـ، ص21.
([193]) محمود الحويري، منهج البحث في التاريخ، ص113.
([194]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص13، 14.
([195]) رشيد كهوس، تدوين السيرة النبوية، ص48.
* ولد قبل وفاة الرسول ﷺ بنحو 13 سنة: ويعد حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، كَتَب الحديث والتفاسير والمغازي والسير مليئة بمروياته، خصص أحد أيام الأسبوع لرواية المغازي التي أخذها عن أكابر صحابة رسول الله. وقد ورد عن ابن عباس مرويات تاريخية كثيرة عند ابن إسحاق والواقدي وابن سعد والطبري، تُظهر مدى الحس التاريخي المبكر لديه.
* الفقيه الكبير البراء بن عازب أبو عمارة الأنصاري الحارثي المدني الأوسي، نزيل الكوفة، روى حديثا كثيرا عن رسول الله، وروى أيضا عن أبي بكر الصديق. شهد غزوات كثيرة مع النبي ﷺ أولها غزوة الخندق، وروى أبو إسحاق، عن البراء، قال: غزوت مع رسول الله ﷺ 15 غزوة. توفي سنة 72 هـ وقيل 71 هـ عن بضع وثمانين سنة. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3، ص159.
([196]) مصطفى شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون، ج1، ص127.
([197]) البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، الجامع لشعب الإيمان، تحقيق: مختار أحمد الندوي، مكتبة الرشد، الرياض، ج5، ص319. وانظر: محمد أبو زهو، الحديث والمحدثون، ص193.
([198]) زيد صالح أبو الحاج، ابن سعد ومنهجه، ص55.
([199]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص25.
([200]) خير الدين الزركلي، الأعلام، ج1، ص27.
([201]) خير الدين الزركلي، الأعلام، ج5، ص181.
([202]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص26.
([203]) فريد بن سليمان، مدخل إلى دراسة التاريخ، ص ٩٥. وانظر: عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص27.
* إن أغلب الدراسات الاستشراقية التي اعتنت بحياة الزهري أو باتجاهاته العلمية اهتمت بالعلاقة التي جمعت بين الامام الزهري والخلافة الأموية، حيث إن جمهرة من المستشرقين وجدت في هذه العلاقة مجالا خصبا للتشكيك في المصدر الثاني من مصادر التشريع الاسلامي، وبالتالي بذر الشكوك حول مصداقية الأسانيد وجدواها كوسيلة لتمييز صحاح الأحاديث عن ضعيفها ومكذوبها. وعلى رأس هذه الدراسات والأبحاث كتابات المستشرق المجري اليهودي الأصل غولدزيهر من خلال كتابيه: «العقيدة والشريعة في الاسلام» و «دراسات اسلامية». والنتيجة التي توصل إليها غولدزيهر هي أن علاقة الامام الزهري بالخلافة الأموية لم تكن بريئة كما تصورها كتب التراجم والطبقات حيث أكد أن الخلافة الأموية استغلت شهرة الإمام ابن شهاب في مجال رواية الحديث لتحقيق أغراضها السياسية، معتمدة عليه في وضع الأحاديث، للتخلص من بعض المآزق السياسية التي مروا بها. في دحض هذه الشبه انظر: معاذ جحجاح، الإمام ابن شهاب الزهري، ومروياته في السيرة النبوية، ص324. وانظر: مصطفى السباعي، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ص189. وانظر ابن عساكر ص161-163.
([204]) معاذ جحجاح، الإمام ابن شهاب الزهري، ص332، وما تلاها.
* عروة بن الزبير، وعبيد بن عبد الله بن عتبة، وسعيد بن المسيب.
([205]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص ١٠.
([206]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص59.
([207]) عدنان علي الفراجي، جهود علماء المسلمين، ص226.
([208]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص29.
([209]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص43.
([210]) معاذ جحجاح، الإمام ابن شهاب الزهري، ص349.
([211]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص28.
([212]) عدنان علي الفراجي، جهود علماء المسلمين، ص227.
([213]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص10.
* لقد قام الدكتور سهيل زكار بنقل الباب المتعلق بالمغازي من كتاب «المصنف» لعبد الرزاق الصنعاني، دون تعديل أو تدخل منه، وكان يعتقد اعتقادا يقينيا، وهو يقوم بذلك أنه عثر على كتاب الزهري في المغازي، وقد طبعه في دار الفكر سنة 1981م باسم «المغازي النبوية». وقد بين معاذ جحجاح خطأ ذلك، بعد أن عاد إلى كامل روايات الكتاب، فوجد أن نصفها للزهري ونصفها الثاني لغيره، بالإضافة إلى المغالطات الأخرى التي قدمها زكار في تقديمه للكتاب. انظر: معاذ جحجاح، الإمام ابن شهاب الزهري، ص359 وما بعدها. وانظر: العواجي، مرويات الإمام الزهري في المغازي، ص30.
* عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري من بني مالك بن النجار، من سادات الناس وفقهائهم، صاحب المغازي وشيخ ابن إسحاق، قال عنه مالك: “كان رجلا صدقا، كثير الحديث”، وقال عنه ابن سعد: “كان ثقةً عالماً كثير الحديث”. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج5، ص315.
([214]) عدنان علي الفراجي، جهود علماء المسلمين ص224.
([215]) ابن هشام، السيرة النبوية، ج1، ص428.
* تعني تولي النبي محمد ﷺ بنفسه زعامة ونقابة حيّ “بني النجار” من الأنصار، بعد وفاة نقيبهم السابق أسعد بن زرارة رضي الله عنه، وذلك في بداية الهجرة النبوية، بينما كان المسجد النبوي يُبنى، إذ اجتمعت بنو النجار إلى الرسول ﷺ وسألوه أن يجعل منهم شخصاً نقيباً عليهم مكان أسعد بن زرارة، فقال لهم: «أنتم أخوالي، وأنا فيكم، وأنا نقيبكم».
([216]) عدنان علي الفراجي، جهود علماء المسلمين ص224، 225.
([217]) ابن سعد، الطبقات الكبرى، مج2، ص237.
([218]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص32.
([219]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص44. وانظر: العواجي، مرويات الإمام الزهري في المغازي، ص48.
([220]) زيد صالح أبو الحاج، ابن سعد ومنهجه، ص58.
([221]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص33.
* يقول سهيل زكار في مقدمة تحقيقه لكتاب ابن إسحاق: «هذا وتعود القطعتان اللتان أقدم لهما إلى القسم الثالث من سيرة ابن إسحاق، ولما كان هذا القسم يغطي الفترتين المكية والمدنية من حياة النبي فقد كان من حسن الحظ أن أولى القطعتين تتعلق بالفترة المكية وهي تكاد تغطيها جميعا، بينما تتعلق القطعة الثانية بالفترة المدنية، وهي تروي أخبار الحوادث التي وقعت مع نهاية معركة بدر الكبرى وحتى نهاية معركة أحد. ويوجد من القطعة الأولى مخطوطتان واحدة قديمة تعود في تقديري إلى القرن الخامس للهجرة، وهي موجودة في مكتبة القرويين في فاس، وتحوي مائة واثنتان وخمسون صفحة، كتبت بعدة خطوط حسب القاعدة المغربية، ولقد لحقت أوراق هذه المخطوطة رطوبة شديدة أدت إلى طمس بعضها طمسا كليا والبعض الآخر طمسا جزئيا، كما سببت خروما لحقت ببعض الأوراق، وقد جعلت هذه الحالة قراءة المخطوط أمرا في غاية الصعوبة، ولذلك فقد استغرق نسخ هذا المخطوط قرابة العام. وبعد ما أنجزت عملية النسخ وكدت أنجز التحقيق تمكنت من الحصول على مصورة لنسخة ثانية من المخطوط موجودة في الخزانة العامة في الرباط، وهذه النسخة حديثة تعود إلى هذا القرن أو القرن الماضي على أبعد الحدود، وخطها مغربي جميل، إنما فيه من الأخطاء والتصحيفات ما لا يحصى، ويبدو أن هذه النسخة قد اعتمدت على النسخة الأولى، وهي تتألف من مائة وست وستين صفحة، ورغم ما فيها من أخطاء وتصحيفات فقد أفادتني فائدة كبيرة وأنقذتني من الوقوع في بعض الأخطاء. أما القطعة الثانية فهي عبارة عن أوراق فيها جزء واحد صغير من أجزاء المغازي، كان الأستاذ ناصر الدين الألباني قد عثر عليها في المكتبة الظاهرية بدمشق، وكنت عام ١٩٦٤م قد كلفت أحد النساخ بنسخ هذا الجزء ففعل، ويبدو أن المخطوط الأصلي منه يعود إلى القرن الخامس للهجرة، وكان صاحبه طاهر بن بركات الخشوعي (ت: ٤٨٢هـ/ ١٠٩٠م) من رجال الحديث، وقد سمعه في دمشق مع كامل السيرة، بحضور جملة من علماء عصره، منهم الخطيب البغدادي سنة «أربع وخمسين وأربعمائة» وكان البغدادي قد جاء إلى دمشق قبل قرابة أربع سنوات، تاركا بغداد إثر فتنة البساسيري، وقد ترك لنا بعض تلامذته قائمة بالكتب التي حملها معه إلى دمشق ومنها سيرة ابن إسحاق». انظر: مقدمة كتاب السير والمغازي تحقيق سهيل زكار، دار الفكر، بيروت 1978م، ص19، 20.
* أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري توفي عام ٢١٣هـ / ۸۲۸م، أو ٢١8هـ / ۸33م، نشأ في البصرة، ثم نزل مصر، مشهور بحمل العلم، متقدم في علم النسب والنحو. هذب السيرة النبوية، وسمعها من زياد البكائي صاحب ابن إسحاق، وخفف من أشعارها، وروى فيها مواضع عن عبد الوارث بن سعيد، وأبي عبيدة. رواها عنه محمد بن حسن القطان، وعبد الرحيم بن عبد الله بن البرقي، وأخوه أحمد بن البرقي. وله مصنف في أنساب حمير وملوكها. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج10، ص429.
* يشير ابن هشام صراحة أنه قام بتهذيب سيرة ابن إسحاق، إذ يقول: «وترك ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب مما ليس لرسول الله ﷺ فيه ذكر، ولا نزل فيه من القرآن شيء، وليس سببا لشيء من هذا الكتاب ولا تفسيرا له ولا شاهدا عليه، لما ذكرت من الاختصار، وأشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكره». انظر: ابن هشام الحميري، سيرة النبي ﷺ، تحقيق مجدي فتحي السيد ج1، ص40.
([222]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص44. وانظر: العواجي، مرويات الإمام الزهري في المغازي، ص48.
[223]) Wico Elzinga, Op. Cit., 2021, pp.4, 5.
([224]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص11.
([225]) محمد العادل لطيف، المغازي والسيرة في منتصف القرن الثاني للهجرة إلى منتصف القرن السادس، عرض ونقد، ص21.
([226]) إحسان عباس، فن السيرة، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت 1956م، ص14.
([227]) ابن كثير، البداية والنهاية، 3/242.
([228]) الخطيب البغدادي، الجامع للأخلاق الراوي وآداب المسامع، 2/ 195.
([229]) مصطفى شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون، ج1، ص121.
([230]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص11.
([231]) محمد إسماعيل المقدم، سلسلة علوم الهمة، ج11، حرص السلف على طلب العلم، ص10.
* إن كلمة «غزوة» غالباً تطلق على الغزوة أو السرية، سواء حضرها الرسول أم لا، أما كلمة «البعث» فغالباً تطلق على ما لم يحضره الرسول. انظر: العواجي، مرويات الإمام الزهري في المغازي، ص27.
* قال ابن إسحاق: «وكان جميع ما غزا رسول الله ﷺ بنفسه سبعاً وعشرين غزوة، منها غزوة ودان..» ثم قال: «وكانت بعوثه وسراياه ثماني وثلاثين من بين بعثٍ وسرية: غزوة عبيدة بن الحارث أسفل من ثنية المروة، ثم غزوة حمزة بن عبد المطلب ساحل البحر من ناحية العيص، وغزوة سعد ابن أبي وقاص الخرار، وغزوة عبد الله بن جحش نخلة، وغزوة زيد بن حارثة القَرَدة». انظر: ابن هشام 2/ 608، 609.
([232]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص52.
* اسمه: صُنعيّ بن عَجْلان بن وهب الباهلي، وتغلب عليه كنيته “أبو أمامه”.
([233]) مصطفى شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون، ج1، ص121.
([234]) رشيد كهوس، تدوين السيرة النبوية، ص48.
([235]) ابن كثير، البداية والنهاية، ج5، ص21.
* هو أبو محمد موسى بن عقبة بن أبي عياش، مولى آل الزبير بن العوام، من أهل المدينة، مولده ووفاته فيها.
([236]) الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج6، ص115.
([237]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص31
([238]) الخطيب البغدادي، الجامع للأخلاق الراوي وآداب المسامع، 2/ 163.
([239]) الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج6، ص116.
([240]) رشيد كهوس، تدوين السيرة النبوية، ص65.
([241]) مصطفى شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون، ج1، ص158، 159.
([242]) عوض بن عبد الله بن ناجي، مراجعة لتحقيق كتاب مغازي سيدنا محمد ﷺ، لموسى بن عقبة المدني، مجلة مراجعات مجلة نصف سنوية محكمة تصدر عن دارة الملك عبد العزيز، العدد 3، السنة 2، يناير ٢٠٢٤م، ص19.
([243]) محمد العادل لطيف، المغازي والسيرة في منتصف القرن الثاني للهجرة إلى منتصف القرن السادس، عرض ونقد، ص14.
([244]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص13.
([245]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص36.
([246]) عدنان علي الفراجي، جهود علماء المسلمين ص232.
([247]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص36.
([248]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص13.
([249]) عبد الصمد شيخ وفتح الرحمن قرشي، اعتناء المستشرقين بالواقدي وكتابه “المغازي” دراسة تحليلية، مجلة البصيرة، مج5، عدد 1، ص173.
([250]) محمد العادل لطيف، المغازي والسيرة، ص15. وانظر: عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص36.
([251]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص37.
([252]) أكرم ضياء العمري، السيرة النبوية الصحيحة، ص61. وانظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج9، ص469.
([253]) ابن حجر، لسان الميزان، 13/ 1. وانظر بحث: أحمد زايد مبروك، قول الإمام أحمد ثلاثة كتب ليس لها أصول “المغازي والملاحم والتفسير”: دراسة حديثية تحليلية، مجلة كلية الدين بأسيوط، عدد 37، ج3، 2019م. وانظر بحث: صالح بن عبد الله الصياح، مقولة الأمام أحمد بن حنبل: ثلاثة كتب ليس لها أصول “المغازي والملاحم والتفسير”: دراسة تحليلية، مجلة العلوم الشرعية، عدد 15، ديسمبر 2022م. ص429- 466.
([254]) الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج9، ص463. وانظر: البيهقي، مناقب الشافعي 1/548، وانظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد 12/11، وانظر: ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب 9/195.
([255]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص13.
([256]) عدنان محمد ملحم، المؤرخون العرب، ص76.
([257]) مصطفى شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون، ج1، ص166.
([258]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص17، 18.
([259]) حسن الإبراهيمي، كتب الطبقات وأهميتها في التأريخ العربي الإسلامي، مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية، مج 15، عدد 2، 2025م، ص297.
([260]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص37.
* أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع القرشي توفي عام ٢٣٠هـ / ٨٤٤م، ولد في البصرة، وسكن بغداد، كان كاتب عند الواقدي. وهو مؤرخ إسلامي جليل، وعالم بارز في الحديث والسير، وراوية ثقة. وقد ظهرت فضائله ومعارفه، وهو كثير العلم، كثير الحديث والكتب، وضع مصنف “الطبقات الكبير” في بضعة عشر مجلداً و”الطبقات الصغير” وغير ذلك، انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج10، ص664.
([261]) مها القحطاني، كتب الطبقات والتراجم، ص79.
([262]) فرانز روزنثال، علم التاريخ عند المسلمين، ص ١٣٣ – ١٣٤.
([263]) حسن الإبراهيمي، كتب الطبقات، ص298.
([264]) فرانز روزنثال، علم التاريخ عند المسلمين، ص ١٣٣ – ١٣٤.
([265]) زيد صالح أبو الحاج، ابن سعد ومنهجه، ص57.
([266]) فرانز روزنثال، علم التاريخ عند المسلمين، ص ١٣٣ – ١٣٤.
([267]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص37.
([268]) العواجي، مرويات الإمام الزهري في المغازي، ص 52.
([269]) زيد صالح أبو الحاج، ابن سعد ومنهجه، ص66، 67.
* هو الحافظ والعلامة أبو علي الحسين بن محمد البغدادي، ويعد من رواية الحديث الثقات، ولد سنة 211هـ وتوفي في رجب سنة 289هـ. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج13، ص428.
* الشيخ المحدث أبو علي محمد بن القاسم بن معروف بن أبان، التميمي الدمشقي،عاش فيالقرن الرابع الهجري، حيث ولد في عام 283هـ وتوفي في عام 347هـ. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج15، ص573.
([270]) مصطفى شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون، ج1، ص167.
([271]) فرانز روزنثال، علم التاريخ عند المسلمين، ص ١٣٣ – ١٣٤.
([272]) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج3، ص6.
([273]) حسن الإبراهيمي، كتب الطبقات، ص299، 300.
([274]) مها القحطاني، كتب الطبقات والتراجم، ص85.
([275]) مها القحطاني، كتب الطبقات والتراجم، ص85.
([276]) مها القحطاني، كتب الطبقات والتراجم، ص85.
([277]) مها القحطاني، كتب الطبقات والتراجم، ص85.
([278]) مها القحطاني، كتب الطبقات والتراجم، ص80.
* أبو عبد الله محمد بن عبدوس، من المؤرخين والكتاب المترسلين. أتت نسبته «الجَهْشَيَارِي» من أن أباه كان يخدم «أبا الحسن علي بن جَهْشَيَار» القائد، حاجب «الموفَّق طلحة» أخي الخليفة العباسي المعتمد، وكان خصيصاً به فنسب إليه. وهو من أهل الكوفة إلا أنه نشأ مع أبيه في بغداد. وقد عمل أبوه أيضاً حاجباً للوزير علي بن عيسى، وزير الخليفة المقتدر العباسي، عاش محمد بن عبدوس وسط الأجواء السياسية المضطربة للخلافة العباسية زمن ذلك الخليفة؛ وخلف أباه في الحجابة لـ علي بن عيسى. انظر: ليلى الصباع، الموسوعة العربية.
([279]) عبد الرحمن العزاوي، التاريخ والمؤرخون في العراق 334- 447 هـ / 945- 1055م، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد 1993م، ص40.
([280]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص51.
([281]) مها القحطاني، كتب الطبقات والتراجم، ص80.
([282]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص51.
([283]) مها القحطاني، كتب الطبقات والتراجم، ص80.
([284]) أكرم ضياء العمري، مرويات السيرة النبوية، ص7.
([285]) مها القحطاني، كتب الطبقات والتراجم، ص83.
* أورد ابن خلدون في أول تاريخه أنه: سئل مالك رحمه الله تعالى عن الرجل يرفع نسبه الى آدم فكره ذلك، وقال من أين يعلم ذلك؟ فقيل له فإلى إسماعيل، فأنكر ذلك وقال من يخبره به؟ وعلى هذا درج كثير من علماء السلف. وكره أيضا أن يرفع في أنساب الأنبياء مثل أن يقال إن ابراهيم بن فلان بن فلان، وقال من يخبره به. واحتج أيضا بحديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما بلغ نسبه الكريم إلى عدنان قال: «من ههنا كذب النسابون». تاريخ ابن خالدون ج2، ص3، والحديث أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس، وانظر أيضا: البلاذري، أنساب الأشراف ج1، ص12 .
[286]) Muhammad B. Muhammad., Op. Cit., p.2.
([287]) مصطفى شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون، ج1، ص190.
([288]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص46.
([289]) مصطفى شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون، ج1، ص190.
([290]) إبراهيم بيضون، مسائل المنهج في الكتابة التاريخية، ص12.
* يوجد قسم منه في المتحف البريطاني.
([291]) عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب، ص47، 48.
([292]) سعاد مقداد الأسدي، البواكير الأولى لظهور التدوين، ص485.
([293]) مصطفى شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون، ج1، ص173.
([294]) مها القحطاني، كتب الطبقات والتراجم، ص84.
([295]) عبد الرحمن العزاوي، التاريخ والمؤرخون، ص39.
([296]) لطفي عبد الوهاب يحيى، العرب في العصور القديمة، ص237.
([297]) ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص52.
([298]) عبد الرحمن العزاوي، التاريخ والمؤرخون، ص131- 136.
([299]) أميرة عامر عوض، أثر الاتجاهات الفكرية، ص94.
([300]) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج1، ص8.
([301]) أميرة عامر عوض، أثر الاتجاهات الفكرية، ص94.
([302]) جمال عبد الهادي مسعود، ووفاء محمد جمعة، أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ – منهج كتابة التاريخ الإسلامي لماذا؟ وكيف؟، دار الوفاء الطبعة 3، القاهرة 1994م، ص20.
([303]) عدنان محمد ملحم، المؤرخون العرب، ص68.
([304]) عبد الرحمن العزاوي، التاريخ والمؤرخون، ص175.
([305]) عبد الرحمن العزاوي، التاريخ والمؤرخون، ص184 + 187.
* اليعقوبي: هو أبو العباس أحمد بن أبي يعقوب اسحاق ابن جعفر ابن وهب ابن واضح، لقب بالكاتب والإخباري بسبب اشتغاله بالكتابة والتدوين واهتمامه بالأخبار ولقب أيضا بالأصفهاني نسبة إلى مدينة أصفهان التي يعتقد أن أصله منها. ولد في بغداد نشأ وترعرع فيها إلا أنه غادرها مبكرا عام 260هـ إلى أرمينية وخرسان وأمضى شبابه هناك في خدمة الدولة الطاهرية.
([306]) عبد الرحمن العزاوي، التاريخ والمؤرخون، ص191.
([307]) عدنان محمد ملحم، المؤرخون العرب، ص48.
([308]) ممدوح غالب أحمد بري، مرويات سقيفة بني ساعدة عند اليعقوبي والطبري: قراءة في النص التاريخي، مجلة الدراسات التاريخية والأثرية، مج 5، عدد 1، ابريل 2025م، ص33.
([309]) عدنان محمد ملحم، المؤرخون العرب، ص51، 52.
([310]) عبد الرحمن العزاوي، التاريخ والمؤرخون، ص191.
([311]) محمد طليبي، حركة تدوين التاريخ الإسلامي خلال القرن الثالث الهجري، مجلة الحقيقة، المجلد 17، العدد 2، 2018م، ص318.
([312]) محمود إسماعيل، إشكالية تفسير التاريخ، ص43.
([313]) عدنان محمد ملحم، المؤرخون العرب، ص20.
([314]) عدنان محمد ملحم، المؤرخون العرب، ص44.
([315]) محمود إسماعيل، إشكالية تفسير التاريخ، ص43.
([316]) عدنان محمد ملحم، المؤرخون العرب، ص54، 55، 58، 59.
[317]) Ann Christys., Op. Cit., 2015, p.62.
