Skip to content Skip to footer

علم الجريمة وتوظيف الرياضيات|محمد الخمسي

تمهيد: تُوظَّف فروع من الرياضيات بشكل مباشر وبعضها بطريقة ضمنية في علم الإجرام والتحقيق الجنائي، بل تُستعمل أحيانًا كأداة حاسمة لتحليل الأدلة المادية، ومع علم الاحتمالات وعلم الإحصاء وسلاسل ماركوف أصبح التنبؤ بمواقع الجرائم أمرًا واقعًا، ورصد الأشخاص وفهم سلوك المجرمين من جملة ما يتطلب الاعتماد فيه على نتائج الرياضيات، فبفضل النماذج الرياضية والإحصائية تحوّل العمل في علم الجريمة وما يرافقه من الاعتماد على الحدس والصدفة إلى الاعتماد على الأدوات العلمية الدقيقة ومنها علم الرياضيات.

الذين يهتمون أو المختصون في الطب الشرعي يعرفون أن كل مواضيع الرياضيات تقريبًا التي تم تعلمها خلال السنوات الدراسية يمكن أن تُستخدم في حل الجرائم، والسبب أن هذا الطب يعتمد الدليل المادي من أجل اكتشاف وفهم ومعرفة النشاط الإجرامي والمشتركين فيه، ولبلوغ هذه الغاية يحتاج إلى كفاءة الرياضيات بالإضافة إلى العلوم الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية. وباختصار سوف نسلّط الضوء في هذه المقالة على بُعد الرياضيات في اكتشاف المجرم والجريمة.*1

1- الرياضيات وحل ألغاز الجريمة: في مقدمة العلوم التي يحتاجها الكشف عن الجريمة علوم البيولوجيا نظرًا لالتصاقها بالطبيعة البشرية، وعلوم الفيزياء نظرًا لأدوات ومكان الجريمة، غير أن تطبيقات الرياضيات تنتشر بين هذه المجالات وعلى عدة محاور رئيسية، منها تحليل بقع الدم الذي يستعمل علم المثلثات والهندسة، وكذلك تحديد زاوية السقوط. ومن المعلوم لدى الخبراء في الأدلة الجنائية أن دالة الجيب العكسية (\sin ^{-1}) لحساب الزاوية التي ضربت بها قطرة الدم السطح زمن نقطة الأصل يتم عبر رسم خطوط مستقيمة مستوحاة من زوايا بقع الدم المختلفة، وتطبيق قوانين المثلثات لتحديد النقطة الدقيقة التي بدأ منها النزيف أو مكان وقوع الاعتداء. فأشكال بقع الدم تُستخدم فيها المثلثات بحيث يُنجز تحليل شكل بقع الدم في موقع الجريمة، ويتم ذلك بتمثيل بقع الدم المنتشرة على الأرض والجدران بمثلثات حسب أشكالها وتحليلها هندسيًا حيث إن شكل البقع يشير إلى الاتجاه الذي قد أتى منه الدم، وكذلك فيما إذا كان الدم قد أتى من مصدر واحد أو عدة مصادر أو من الجثة نفسها.

أما سقوط الجثة على الأرض، فهناك عدة افتراضات مرتبطة بجثة الضحية الموجودة على الأرض في غرفة معينة، وأول الأسئلة التي تفرض نفسها: هل الجثة ناتجة عن حادث، أم انتحار أم جريمة قتل؟
فالإجابة تتم من خلال قياس المسافة بين الجثة وجدران الغرفة التي تبعد عنها، وباستخدام أساسيات الهندسة والحركة يستطيع المختص تشكيل فكرة أولية عن سبب سقوط الضحية على الأرض، فيما إذا سقطت فجأة أو تم دفعها، وهكذا تلتقي علوم الرياضيات وقوانين الفيزياء لتستنطق الدم الموجود بمكان ما، وأسباب سقوط الجثة. أيضًا مرة أخرى يتم استدعاء المثلثات لتُستخدم في حسابات المقذوفات، فعلى سبيل المثال فإن حساب زاوية ارتداد الرصاصة ومساراتها لتحديد المسافة بين الرامي والهدف، وربما حتى طول المسلح أيضًا يمكن تحديده، وفي بعض الأحيان تصل الدقة في المعلومات ليقول لنا علم المثلثات هل كان الرامي واقفًا عندما أطلق النار على ضحيته. ودراسة المقذوفات وحوادث السير باعتماد حساب التفاضل من أجل تحديد مسار الرصاصة تعتمد الرياضيات، فحساب المقذوفات يعتمد على معادلات وقوانين الفيزياء والرياضيات لتحديد الزاوية والمسافة التي أُطلقت منها النار. وتحليل حوادث المرور يستخدم فيه المحققون معادلات الحركة والطاقة لحساب سرعة السيارة قبل الاصطدام، بناءً على طول آثار الكبح على الطريق.

كما يُوظَّف أيضًا علم الحرارة عبر قياس درجة حرارة الجثة لمعرفة زمن الوفاة، فالجثة تبدأ بفقدان درجة حرارتها حتى تصل إلى درجة حرارة المحيط الذي هي فيه، ومن خلال نمذجة نسبة برودة جثة الضحية رياضيًا وباستخدام قانون معدل التبريد لنيوتن والدالة الأسية لتغير درجة حرارة الجثة وكذلك الدالة اللوغاريتمية في قياس نسبة كمية المواد الكيميائية الموجودة في الجثة يمكن تحديد وقت الوفاة. كما يعتمد التحليل الشكلي لبقع الدم (BPA) حساب المسارات واستخدام علم المثلثات لتحديد زاوية اصطدام قطرات الدم. منطقة المصدر: استخدام الدوال الرياضية لتقاطع خطوط المسار وتحديد الموقع الدقيق للضحية وقت الحادث.

أما الإحصاء والاحتمالات فتُستخدم لمقارنة مجموعات من القياسات التجريبية لتحديد فيما إذا كانت تلك القياسات متشابهة أو مختلفة. وتتعدد التطبيقات ومنها شظايا الزجاج وعينات المخدرات والشعر والألياف والحمض النووي (DNA) الموجودة في مسرح الجريمة. بل تصل الرياضيات لتقول لنا إن وجود شخصين لهما شكل متطابق من الحمض النووي (DNA) هو:
1/100000000000000
أي واحد من مائة تريليون، وبالتالي فإن حرص المختصين في الطب الشرعي على العمل مع العينات من مسرح الجريمة مهما كانت صغيرة يساعد عند التحليل على اكتشاف الأدلة من بصمات الأصابع ونوع الدم والحمض النووي، وتبرز الحاجة إلى الاحتمالية لأنه يمكن من خلالها تحديد طبيعة الجريمة المرتكبة هل هي مستقلة أو أنها مرتبطة بجرائم أخرى وقعت مسبقًا.

2- الخوارزميات أداة لرصد الجريمة والكشف عنها: أما التقطيع الجغرافي ومن خلال علوم الاحتمالات ونظرية المخططات (THÉORIE DES GRAPHES) يتم تحديد موقع المجرم، وتُستخدم في ذلك خوارزميات تعتمد على مواقع الجرائم المتسلسلة السابقة لتحديد المقر المحتمل لإقامة المجرم، ومع قانون التناقص المسافي حيث يُبنى هذا التحليل على فرضية رياضية مفادها أن المجرم يفضل ارتكاب جرائمه قريبًا من محيطه، لكن ليس قريبًا جدًا لدرجة كشفه. ومن هنا فعلم الإحصاء الجنائي (تحليل اتجاهات الجريمة) ورصد الحركة العامة للجريمة من أقدم وأهم أساليب دراسة الظاهرة الإجرامية لربط الجرائم بعوامل متغيرة وثابتة مثل السن، أو الجنس، أو الحالة الاقتصادية، بل الحالة النفسية والصحية تُدمج كمعطيات مساعدة.

أما التنبؤ الأمني فيُستخدم كنماذج إحصائية متطورة لتحليل بيانات الجرائم السابقة بهدف توقع “النقاط الساخنة” التي تزيد فيها احتمالية وقوع جرائم مستقبلًا، مما يحسّن توزيع الدوريات الأمنية.

ومع تطور فرع مهم جدًا في الرياضيات والمتعلق بالخوارزميات والأمن السيبراني وتحليل البيانات وتحليل الاتصالات، تُستعمل نظرية المخططات (Graph Theory) برسم شبكات الاتصال المعقدة لفك شفرات العلاقات بين أفراد العصابات المنظمة، يُضاف إلى ذلك فك تشفير البيانات والملفات المحمية التي يعتمد عليها المجرمون الإلكترونيون لإخفاء أنشطتهم، وهو تطبيق مباشر لنظرية الأعداد.

تدخل الخوارزميات مباشرة في علم الجريمة من خلال استخدام تحليل البيانات الجنائية. وهذا يشمل مستويات متعددة منها تحليل الشبكات الاجتماعية، بحيث يمكن للخوارزميات تحديد الروابط بين المشتبه بهم، كاشفة عن شبكات إجرامية، والتعرف على الأنماط، إذ تُمكّن تقنيات التعلم الآلي، المبنية على مفاهيم رياضية، من اكتشاف الأنماط في البيانات الجنائية. والغاية تحويل الأدلة المادية إلى براهين علمية وتحسين عمل الشرطة.

ومن القوة العلمية أن تحليل البصمات يتم عبر استخدام خوارزميات تعتمد على الهندسة لمقارنة النقاط المميزة (المينوتيا) في بصمة الإصبع، والتعرف على الوجه من خلال قياس المسافات الزاوية والمتجهية بين عناصر الوجه (العينين، الأنف، الفم) لتحديد هوية مشتبه به في صورة من كاميرات المراقبة.

يعتبر التحليل الجغرافي للملفات الشخصية باستخدام الخوارزميات معتمدًا على المعادلات الرياضية الاحتمالية لحساب المنطقة الأكثر احتمالًا لإقامة مجرم متسلسل بناءً على أماكن جرائمه، وكشف مسافة الأمان ونمذجة سلوكية رياضية للقاتل الذي عادة ما يتجنب الضرب قريبًا جدًا من منزله (منطقة عازلة) لكنه يظل ضمن نطاق يمكن الوصول إليه، وتحسين الجولات عبر اعتماد نماذج رياضية للبحث العملياتي لنشر قوات الشرطة بشكل استراتيجي وتوفير الوقت، مثل معادلة بايز لتحديد احتمال أن يكون المشتبه به مذنبًا بناءً على دليل الحمض النووي أو مؤشر معين. 2*

3- الرياضيات والأخطاء القضائية وخدمة التحقيقات الجنائية: تلعب الرياضيات دورًا حاسمًا في التحقيقات الجنائية، إذ توفر أدوات وطرقًا لتحليل البيانات، ونمذجة السلوكيات، واتخاذ قرارات مستنيرة، ومنها التحليل الإحصائي لتفسير البيانات التي تم جمعها أثناء التحقيق، فمن خلال تحليل إحصاءات الجريمة، يمكن للمحققين تحديد فترات أو مناطق معينة تشهد نشاطًا إجراميًا مرتفعًا، وتُستخدم الإحصاءات الجنائية لقياس مستوى الجريمة عبر حصر الجرائم المختلفة في منطقة معينة وخلال فترة زمنية محددة. هذا يساعد على فهم الجريمة بشكل أفضل ومكافحتها، بالإضافة إلى توجيه السياسات العامة في مجال الأمن. كما تساعد الرياضيات في حساب احتمال تورط مشتبه به في جريمة معينة، باستخدام طرق مثل نظرية بايز. هذه النظرية مفيدة بشكل خاص لتحديث الاحتمالات بناءً على الأدلة الجديدة، وهو أمر حاسم في السياق القضائي. أما النمذجة الرياضية فهي تسمح بمحاكاة السيناريوهات الإجرامية وتوقع سلوكيات المجرمين. يشمل ذلك عدة مستويات متكاملة مثل نماذج الانتشار التي تُستخدم لفهم كيف يمكن للجريمة أن تنتشر في مجتمع ما، ونظرية الرسوم البيانية التي تمكن من تحليل العلاقات بين المشتبه بهم أو الأحداث المختلفة، من خلال تمثيل هذه العلاقات على شكل رسوم بيانية، وفي الغالب تُدمج هذه النماذج عبر بيانات تجريبية ونظريات اجتماعية وتقنيات إحصائية لصياغة فرضيات حول العوامل التي تسهم في الجريمة، بل تُوظَّف الهندسة والطوبولوجيا لتحليل مسارح الجريمة وإعادة بنائها، حيث يستخدم المحققون المبادئ الهندسية لتحديد موقع الأشياء والجثث، وتحليل المسارات إذ تساعد الطوبولوجيا على فهم تحركات المشتبه بهم والضحايا، من خلال تتبع الطرق الممكنة.

4- الرياضيات من أجل بناء أمثلة عملية: تساعد الرياضيات في إنشاء ملفات تعريفية للمجرمين من خلال تحليل بيانات ديموغرافية وسلوكية وتقوم بالتنبؤ بالجريمة، إذ يمكن للنماذج التنبؤية تقدير أماكن وأوقات احتمال حدوث الجرائم، مما يسمح لقوات الأمن بتوجيه مواردها بشكل أفضل. تستخدم هذه النماذج البيانات الإحصائية لتقدير احتمالات حدوث أنواع معينة من الجرائم في مواقف مختلفة، مما يساعد على وضع استراتيجيات وقائية فعّالة. المراجع الرياضية: نظرية بايز: تُستخدم لتحديث الاحتمالات بناءً على الأدلة الجديدة. الإحصاءات الوصفية: المتوسطات، الوسيط، والانحراف المعياري لتلخيص البيانات. نظرية الرسوم البيانية: لنمذجة العلاقات بين العناصر المختلفة في التحقيق.

الخاتمة: في الختام، الرياضيات هي أداة لا غنى عنها في التحقيقات الجنائية. فهي تتيح ليس فقط تحليل البيانات، بل أيضًا نمذجة السلوكيات واتخاذ قرارات مستنيرة. يوضح دمج الرياضيات في المجال الجنائي أهميتها في حل المشكلات المعقدة والسعي وراء الحقيقة، وانتصار العدالة في الأخير بتوظيف فرع من العلوم بشكل متكامل مع علوم أخرى، هذا العلم لم يكن سوى الرياضيات بمختلف فروعها.

Le croisement des mathématiques et des sciences criminelles : lorsque deux lignes parallèles se rencontrent
Par Jade Philibert Pages 507b à 518b Criminologie
Science des données pour l’analyse criminelle avec Python Andrew P. Wheeler

Leave a comment