Skip to content Skip to footer

           التجسيد لله في الملة اليهودية وتأثير ذلك على التفاسير والأحاديث | سامر إسلامبولي

     إن البحث في تاريخ المرويات الدينية لا يقتصر على جمع النصوص وتتبع أسانيدها، بل يتجاوز ذلك إلى فحص الأنساق الفكرية التي تسربت إلى داخل تلك النصوص، وكيف تحولت بعض التصورات الأجنبية عن البنية القرآنية إلى جزء من المادة التراثية المتداولة. ومن أخطر هذه الظواهر تسرب التصورات التجسيمية ذات الأصل اليهودي إلى بعض كتب الحديث والتفسير والصفات، حتى أصبح من الممكن العثور على أخبار تصف الذات الإلهية بصفات وحركات وأوضاع تنتمي إلى عالم الأجسام لا إلى مقام الألوهية. وهذه الظاهرة لا يصح إنكارها بمجرد أن فريقًا من العلماء ردّ تلك الأخبار أو طعن فيها؛ لأن محل البحث هنا ليس الدفاع عن تلك النصوص ولا تصحيحها، وإنما إثبات وجودها في الكتب، وبيان أن المدونة الإسلامية التراثية قد تعرضت فعلًا لاختراق روائي وفكري في هذا الباب.

    لقد كان القرآن حاسمًا في تأسيس مبدأ التنزيه المطلق، لكن البيئة الثقافية التي نشأ فيها التدوين الإسلامي لم تكن معزولة عن روافد أهل الكتاب، ولا عن الأخبار التي حملها الداخلون في الإسلام، ولا عن الروايات التي كان القصاص والوعاظ والرواة يتداولونها في المجالس. ومع الزمن، تسللت بعض هذه المضامين إلى المصنفات، ودخلت أبوابًا حساسة تتصل بصفات الله، وبكيفية الخلق، وبالعرش، وبالكرسي، وبأفعال الله بعد خلق السماوات والأرض. ومن هنا نشأت الحاجة إلى إعادة قراءة هذا التراث بوصفه حقلًا تاريخيًّا اختلطت فيه المادة القرآنية المحكمة بمرويات دخيلة، بعضها ذو أصل يهودي واضح، وبعضها تشكل في الوعي الروائي الإسلامي تحت تأثير ذلك الأصل.

    عرض الفكرة عند اليهود والتوثيق من كتبهم

    إذا رجعنا إلى النصوص المؤسسة في العهد القديم وجدنا أن صورة الإله فيه تتضمن، في مواضع متعددة، سمات ذات طابع بشري ظاهر. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما ورد في سفر التكوين، الإصحاح الثاني، العددان 2 و3، بالنص العربي المتداول: «وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل. فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدسه. لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمله الله خالقًا». وهذا النص بالغ الدلالة؛ لأنه لا يكتفي ببيان انتهاء الخلق، بل يضيف إليه معنى الاستراحة بعد العمل، وهو معنى لا ينفك في الوعي البشري عن التعب السابق على الراحة أو عن الانتقال من الفعل إلى السكون.

إن خطورة هذا النص لا تكمن في كونه وصفًا عابرًا، بل في كونه يؤسس ذهنيًّا لنمط من التفكير اللاهوتي يجعل الإله فاعلًا داخل العالم على نحو يشبه فاعلية الإنسان: يعمل، ثم يفرغ، ثم يستريح. وهذا الانتقال من الخلق إلى الاستراحة ليس مجرد تعبير بياني في القراءة الإسلامية الناقدة، بل هو مظهر من مظاهر الأنسنة اللاهوتية التي تنقل الصفات الإلهية إلى مجال الحس البشري. ولهذا كان هذا النص موضعًا مركزيًّا في النقد الإسلامي القديم للتصورات الكتابية عن الله.

ويزداد هذا المعنى وضوحًا في سفر الخروج، الإصحاح الحادي والثلاثين، العدد 17، حيث يرد في الصياغة العربية المتداولة: «هو بيني وبين بني إسرائيل علامة إلى الأبد، لأنه في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض، وفي اليوم السابع استراح وتنفس». وهنا يبلغ التجسيم درجة أعلى؛ لأن إضافة “التنفس” بعد الاستراحة لا تترك المجال واسعًا أمام قراءة ذهنية مجردة، بل تدفع المعنى مباشرة إلى الجسم الحي الذي يلهث بعد الجهد ويسترد أنفاسه عقب الفعل. ولذلك فإن هذا النص يمثل شاهدًا مركزيًّا على أن أصل فكرة التعب والاستراحة بعد الخلق حاضر في النص الديني اليهودي بصياغة ظاهرة.

ومن خلال هذه النصوص يتبين أن البيئة اليهودية لم تكتف بإسناد الخلق إلى الله، بل صورت علاقته بالفعل الكوني في إطار يشبه علاقة الإنسان بعمله البدني. وهذا هو الأساس الذي يفسر انتقال بعض الصور المادية المتعلقة بالله إلى مجالات التلقي الأخرى. فحين تكون البنية الأصلية متضمنة لفكرة الاستراحة والتنفس بعد الخلق، يصبح من السهل أن تنشأ حولها صور أكثر تجسيدًا، كفكرة الجلوس، أو الاستلقاء، أو اتخاذ هيئة جسمية بعد انقضاء الفعل. ومن هنا يمكن فهم كيف تحولت بعض العناصر التصويرية في اللاهوت اليهودي إلى روايات أكثر كثافة حين تسربت إلى المرويات الإسلامية.

   عرض الفكرة في التفاسير الإسلامية والأحاديث

   إن أخطر ما في هذا الملف ليس وجود الفكرة في نصوص اليهود وحدهم، بل نجاحها في التسلل إلى داخل بعض الكتب الإسلامية المرجعية. فقد دخلت هذه التصورات إلى فضاء الرواية، وتحوّلت إلى أخبار تُنقل بالأسانيد، وتُدوَّن في المصنفات، وتُتداول بين المحدثين وأهل الأخبار. ومن أوضح ما يمثل ذلك ما أورده ابن عدي في كتاب الكامل في ضعفاء الرجال من الخبر المنقول بلفظ: «لما خلق الله السماوات والأرض وفرغ استلقى على قفاه ووضع إحدى رجليه على الأخرى…». ومجرد وجود هذا النص داخل كتاب تراثي إسلامي يكفي في إثبات أن الفكرة لم تبق خارج المدونة، بل دخلت بالفعل إلى بنية النقل الإسلامي.

   وهنا ينبغي التركيز على النقطة التي يضيعها كثير من الجدل: فالمقصود ليس أن جميع علماء المسلمين قبلوا هذا الخبر، ولا أن هذا النص أصبح عقيدة عامة، بل المقصود أن هذه الصورة التجسيمية نفسها وجدت طريقها إلى التدوين، وأنها سُجلت وحُفظت ونُقلت ضمن فضاء إسلامي. وهذا وحده يثبت وقوع التسرب. فالخبر حين يدخل الكتاب المرجعي يصبح جزءًا من تاريخ الوعي الإسلامي، حتى لو واجهه بعض العلماء بالإنكار أو الرد.

   ولم يتوقف الأمر عند هذا النص المفرد، بل إن كتب الصفات والسنة احتفظت بطائفة من المرويات التي تتصل بالجلوس، والحد، والأطيط، وهي جميعًا تنتمي إلى مجال التصوير الحسي للذات الإلهية. ومن ذلك الأخبار التي تتحدث عن أطيط العرش، أو عن جلوس الله على الكرسي أو العرش حتى لا يفضل منه إلا مقدار أربع أصابع. وهذه الأخبار، مهما اختلفت المواقف منها، تدل على أن المتخيل التجسيمي قد وجد لنفسه موطئ قدم داخل بعض المصنفات الإسلامية. فالاختراق هنا ليس فرضية ذهنية، بل واقع نصي تشهد له الكتب نفسها.

“نهى رسول الله عن الاستلقاء في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى، وقال: إنها جلسة المغضوب عليهم”

وفي صياغة أخرى وردت باللفظ التالي:

“نهى عن الاستلقاء على الظهر ووضع إحدى الرجلين على الأخرى وقال: إنها جلسة اليهود”

توجد هذه الرواية مدونة بحرفيتها في المصادر التالية:

الكامل في ضعفاء الرجال لأبي أحمد بن عدي الجرجاني.

العلل المتناهية في الأحاديث الواهية لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي.

وكانت الروايات منتشرة بين الناس قبل مجيء هؤلاء  والحكم عليها بالضعف والكذب، وهذا يعني أن التسرب لم يكن سطحيًّا؛ بل كان عميقًا بما يكفي لإنتاج أثر في طبقات متعددة من التراث: في التفسير، وفي الحديث، وفي كتب السنة، وفي الجدل الكلامي، وفي بعض فروع الآداب والفقه. ومن هنا فإن تصوير الظاهرة بوصفها حالات فردية عابرة لا ينسجم مع حجم حضورها الفعلي في بعض المصادر. نعم، ليس الجميع قبلها، لكن بقاءها محفوظة في المصنفات الكبرى يكشف أن المدونة التراثية لم تكن مغلقة دون هذا النوع من الاختراق.

أثر التسرب في تشكيل الذهنية التراثية

حين تدخل الروايات التجسيمية إلى الكتب المرجعية، فإن خطرها لا يقف عند مجرد الحضور النصي، بل يمتد إلى تشكيل الذهنية الدينية عند من يتلقاها من غير ميزان نقدي صارم. فالمتلقي الذي يواجه أخبارًا تتحدث عن استلقاء، أو جلوس، أو أطيط، أو هيئة جسمية، قد ينشأ لديه تصور ضمني عن الله بوصفه ذاتًا تقع داخل المجال الحسي، وإن أُحيط ذلك كله بخطاب التوقير والتعظيم. وهكذا يتحول الخبر المنقول إلى أداة لإعادة تشكيل العقيدة في الوعي الشعبي أو المدرسي.

أخرج أبو داوود في سننه”إن عرشه على سماواته لهكذا -وقال بأصابعه مثل القبة عليه- وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد بالراكب” .

    ومن هنا نفهم لماذا ظل هذا الباب من أكثر أبواب التراث حساسية واضطرابًا؛ لأن الرواية فيه لا تنقل معلومة تاريخية أو حكمًا عمليًّا فحسب، بل تنقل صورة عن الله. وحين تكون الصورة مبنية على خصائص الجسم والحركة والهيئة، فإنها تتعارض من أصلها مع مبدأ التنزيه القرآني. ولذلك فإن مجرد بقاء هذه الأخبار متداولة عبر القرون يكشف حجم أثرها، حتى لو تصدت لها اتجاهات كثيرة بالنقد والرفض.

كما أن هذا التسرب أتاح لبعض النزعات أن تبني تصوراتها العقدية على أخبار من هذا النوع، فتتحول الرواية إلى أصل في الفهم، بدل أن تكون مادة للنقد والتمحيص. وهنا تتجلى خطورة التحول من النص القرآني المحكم إلى المروية الظنية حين تتصل هذه المروية بأخص خصائص العقيدة. ولذلك فإن بحث هذه الظاهرة ليس ترفًا جدليًّا، بل هو جزء من إعادة تحرير مفهوم التوحيد من الشوائب التي علقت به عبر مسارات الرواية والتلقي.

الرؤية القرآنية المحكمة والنزاهة المطلقة

يقف القرآن الكريم في مواجهة هذا البناء التجسيمي وقفة قاطعة، إذ ينفي عن الله كل ما يقتضي ضعفًا، أو فتورًا، أو تعبًا، أو مماثلة للمخلوق. ففي آية الكرسي يقول تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ… وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾، سورة البقرة، الآية 255. وهذا النص وحده كافٍ في هدم الأساس التصوري الذي تقوم عليه روايات الاستراحة بعد الخلق؛ لأن السنة والنوم أدنى درجات الفتور، فإذا كان الله منزهًا عنهما، فمن باب أولى أن يكون منزهًا عن التعب الذي يعقبه استلقاء أو تنفس أو احتياج إلى هيئة جسمية.

ويأتي النص الحاسم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾، سورة ق، الآية 38. وهذه الآية تمثل ردًّا قرآنيًّا مباشرًا على فكرة التعب بعد الخلق، لأن اللغوب هو الإعياء والكلل. ولم يأت النفي هنا بصيغة عادية، بل جاء بعبارة ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾، وهي صياغة تنفي مجرد المقاربة، لا مجرد الوقوع، فتنسف من الجذور أي تصور يمكن أن يربط الخلق الإلهي بالإرهاق أو الاستراحة.

ويتعاضد هذا الأصل مع قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، سورة الشورى، الآية 11، وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، سورة مريم، الآية 65، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، سورة الإخلاص، الآية 4. وهذه الآيات لا تترك مجالًا لإدخال الله في نظام الأجسام أو الهيئات أو الحركات. ومن ثم فإن كل رواية تتجه بالوعي إلى تصور الله في إطار جسدي أو حسي أو مكاني تصطدم مباشرة بهذا الأصل القرآني الكلي.

خاتمة البناء الفكري للمسألة

إن الذي تكشفه هذه القراءة ليس مجرد وجود بعض النصوص الشاذة في بطون الكتب، بل وجود مسار كامل من التسرب الفكري انتقلت فيه تصورات ذات أصل يهودي إلى داخل المروية الإسلامية، ثم استقرت في بعض المصنفات، وأثرت بدرجات متفاوتة في مجالات التفسير والحديث والصفات والفقه. وليس في الإشارة إلى رفض بعض العلماء لها ما ينقض هذه الحقيقة، بل إن هذا الرفض نفسه شاهد على أن المادة كانت موجودة، وأنها بلغت من الحضور والانتشار ما استوجب مقاومة علمية وكلامية ومنهجية.

وعليه، فإن الدراسة الأكاديمية الصادقة لهذا الملف لا ينبغي أن تنشغل بتبرئة المدونة التراثية من وجود هذه النصوص، لأن وجودها ثابت في الكتب، ولا أن تتوقف عند مجرد الحكم على الأسانيد، لأن القضية أوسع من ذلك. القضية هي أن الوعي الإسلامي التراثي قد تعرّض فعلًا لاختراق من روايات تجسيمية ذات صلة بأصول يهودية ، وأن هذه الروايات بقيت محفوظة ومتداولة، مع استمرار الجدل حولها. أما القرآن الكريم فقد بقي المرجع الحاسم الذي يرد هذه الصور كلها إلى أصل التنزيه المطلق، ويعيد بناء العلاقة بالله على أساس التوحيد الخالص المنزَّه عن الجسمية والحركة والاحتياج.

Leave a comment