كيف نقرأ مشروع النهضة العربية بعد أكثر من قرن من محاولات الإصلاح الأولى؟ هل كانت الضغوط الداخلية أشد فعلًا من الضغوط الخارجية في تشكيل خطاب المصلحين الأوائل؟ وكيف تحول مفهوم “المثقف” من أداة تحرر إلى أداة تستخدمها أحيانًا قوى الاستبداد والشعبوية؟ وهل فكرة “القابلية للاستعمار” مفهوم نفسي أكثر منه حقيقة واقعية؟ أسئلة يجيب عنها د. أنور مغيث، أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة، في هذا الحوار مع نور حريري، في #بودكاست_سرديات على #منصة_مجتمع
هل حقق مشروع النهضة العربية غايته؟
نور: دكتور أنور، أهلًا بك، سعيدة جدًا بوجودك معي، وأشكرك طبعًا على قبول الدعوة.
أنور: شكرًا جزيلًا لك، وأنا سعيد بوجودي مع حضرتك ومع السادة المستمعين والمشاهدين.
نور: ونحن طبعًا سعداء. دكتور، حضرتك تكتب في الفلسفة وفي النظرية السياسية وفي التاريخ، يعني حضرتك مادة دسمة نستطيع أن نتحدث في مواضيع كثيرة معًا. لكن أحبّ أن أبدأ معك بموضوع جديد وقديم، قديم ويبقى جديدا طوال الوقت، موضوع النهضة. اليوم نعيش مرحلة تحولات سياسية وثقافية كثيرة تجعلنا نعود إلى أسئلة النهضة الأولى، ونسأل أنفسنا: هل المشكلات التي نعيشها اليوم بدأت اليوم، أم لها جذور سابقة؟ ربما بدأت مع محاولات الإصلاح الأولى، محاولات النهضويين الأوائل التي بدأت قبل مئة عام. وحضرتك تكتب في هذا الموضوع، ولك كتاب هو “الماركسية في مصر”، وقد خصصت فيه فصلًا كاملًا لمناقشة أعمال وكتابات المصلحين الأوائل والنهضويين الأوائل. إذا أردنا أن نقرأ مشروع النهضة بصورة عامة الآن، هل ترى أنه حقق الغاية المرتجاة منه؟
أنور: لا، يعني بصراحة النهضة في عالمنا العربي تطرح مشكلة، وتتجلى في التقييمات. نحن عندما نحسّ أننا حسمنا موضوعًا، نعود ثانية ونعيد فيه النظر. نأخذ على سبيل المثال تعليم المرأة وعملها؛ كنا نتصور أنه حُسم في النصف الأول من القرن العشرين، ونعود الآن من جديد ندافع عن حق المرأة في العمل، ونعود من جديد ندافع عن حق المرأة في التعليم. فما من مكتسبات تبقى راسخة. فهذا الذي يجعلنا نحسّ بأنه، مع أننا حققنا كثيرًا، فإن كل ما حققناه على “كف عفريت”، فما هناك شيء نحسّ بالطمأنينة إلى أنه باقٍ وموجود.
فهذه مشكلة، يمكن أن تكون حتى مشكلة هيكلية في النهضة منذ بدايتها، ومشكلة في مشاريع الإصلاح التي تحاول ألا تواجه بشكل جذري العوائق، بل تلتف حولها وتتحايل عليها. فتبقى بعد فترة المشكلة تنفجر من جديد.
طبعًا، كل مفكري النهضة المعروفين الذين نُجلّهم، من الطهطاوي إلى الأفغاني إلى أديب إسحاق ومحمد عبده وقاسم أمين، وطبعًا خير الدين التونسي ورواد النهضة في الشام وفي العراق، بالفعل كانوا حسني النية، وكانوا وطنيين وواعين بأن شعوبهم متخلفة. وكانوا يشعرون بأن هناك طريقًا، وأن هذه ليس لعنة، وأنه لن يبقى الحال على ما هو عليه، وأن هناك طريقًا لكي ننهض ونتجاوز الكبوة التاريخية وفترة السبات والنوم التاريخي الذي عشنا فيه. هنا يبدأ الجدل مع المجتمع، فهل الكلام مقبول أم مرفوض؟ هل يُتّهمون؟ هل يجدون قوة اجتماعية تساندهم في أفكارهم الجريئة، أم تتخلى عنهم؟ كل هذا هو ما يجب أن نضعه في الاعتبار عند دراسة تحولات موضوع النهضة في تاريخنا العربي المعاصر.
ما الضغوط الداخلية التي واجهها النهضويون الأوائل؟
نور: صحيح، نضطر اليوم إلى أن نعود لهذه الكتابات ونقرأها من جديد. هناك، فلنقل، نظرتان شائعتان لهذا الموضوع؛ هناك من يقول إن هذه الكتابات فيها مشكلات، هناك كتابات ذات طابع إسلامي إصلاحي لها مشكلات، وهناك كتابات ذات طابع علماني مثلًا لها مشكلات أخرى. وهناك من يقول لا، إن الواقع كان أصعب مما نتخيل، وإن هذه الكتابات لا تدل على شيء، يعني إن الواقع بما فيه من ضغوطات خارجية وداخلية اضطرت هؤلاء الكتّاب إلى أن يتجهوا أو يأخذوا هذه الاتجاهات في كتاباتهم. قبل أن ندخل في مشاريع معينة، إلى أي درجة كانت الضغوطات الخارجية فعلًا تتحكم في هذه المشاريع؟ يعني إذا قلنا إن المنطقة، أو دولة ما بعد الاستقلال خرجت من جديد من فترات الاستعمار وفترات الاحتلال، كيف كان الواقع الذي كان يعيش فيه هؤلاء النهضويون؟
أنور: طبعًا النهضويون كانوا يعيشون في واقع صعب جدًا، ويتعرضون لضغوطات خارجية، ولكن أيضًا يتعرضون لضغوطات داخلية من داخل ضميرهم نفسه. أنا وقفت كثيرًا عند اللحظة في كتاب “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” للطهطاوي، وهو يترجم فيه الدستور، وأغلب ما فيه ليس له وجود في القرآن والسنة، ولكنه نافع في السياسة وإدارة الممالك أو ما شابه ذلك. يعني أنا شعرت بأن هذه الملاحظة لا تأتي إلا من شخص يحسّ بأنه يرتكب خطأ، أو يفعل شيئًا ليس من حقه. وأنا يمكن أن أقرأ الدستور وأقول والله جيد وخلاص، لكن فكرة أن أستدعي وأن..، فهذا معناه أن هناك تقريبًا هذه هي المرجعية الراسخة، حتى أحكم بصحة شيء.
تكررت ثانية في مسألة كروية الأرض، فهو كان يكتب، وتشمل علومهم حشوات ضليلية، مثل القول بكروية الأرض أو بدوران الأرض، وأثناء طبعه للكتاب .. شطبها، لكنه ما حلّ المشكلة بأن قال: لا، هذه نظرية علمية، في ترجمة كتاب الجغرافيا لـ مالت-برون، فهو يقول: هذا الكتاب به نظريات تخالف إجماع الأئمة، مثل القول بدوران الأرض، ولكننا نوردها للأمانة العلمية، ولأننا نقبلها من باب العلم وليس من باب الإيمان. فتشعر كل فترة كأن هناك عفريتًا يخيفه، مع أنه كان يمكن أن يقول وأنا أرى كذا .. وفقط. فهنا نشعر بأنه كان فيه ضغوط داخلية كثيرة، وكان هناك نوع من فرض مرجعية واحدة لما هي الحقيقة
نور: من مَن كان هذا الفرض؟
أنور: هذا الفرض موروث من اثني عشر قرنًا – ثلاثة عشر قرنًا، بأنه “ما فرّطنا في الكتاب من شيء”، وبالتالي كل شيء صحيح موجود فيه، وهذا معناه الاكتفاء الذاتي، ببساطة. طبعًا القرآن لا علاقة له بهذه الأمور، ولا حتى الحديث، إنما أقول: الاعتقاد السائد الذي روّج له الفقهاء ورجال الدين وغيرهم، هو أن تراثك يحل مشكلاتك، سياسية واجتماعية واقتصادية، وله حلول، بل الإنسانية كلها يحل لها، بل المشكلات التي لم تظهر بعد، عنده حلول لها أيضًا. ففكرة أن تلجأ إلى أن تستلهم تيارًا فكريًا أو تجربة عملت بها دولة ونفعت عندها، فإن هذا يُعتبر طعنا في اكتمال تراثك في كل شيء، وأن هذا اعتراف أن فيه نقصًا، واضطررت أن تكمله من الخارج. وهذا هو الذي بقي سائدًا طوال الوقت وحتى الآن. فمجرد أن يأتي الواحد بفكرة أعجبته من عند فيلسوف فرنسي، أو حتى ياباني أو صيني الآن، يقولون له: لماذا تذهب تنظر إلى الخارج، وأنت عندك تراثك الذي في حل كل شيء؟
لماذا عادى الأفغاني العلم ودافع عن التعصب؟
نور: يبدو أن هذه الفكرة تأسست وترسخت في تلك المرحلة. يعني من خلال كتاباتك دكتور، والكتاب نفسه الذي أشرت إليه، تحدثت في فقرة طويلة جدًا عن أعمال الأفغاني، وأنا ذُهلت بوقوفه الشديد ضد العلم، بعدائه للعلم في تلك المرحلة، حتى إن ما يلفت الانتباه أنه كان يدافع عن فكرة التعصب، يعني الفكرة التي اليوم ننقضها ببساطة، كان يجد أن هناك فضيلة في التعصب، وفضيلة في الوقوف ضد العلم. هذه النزعة ضد العلم، كيف يمكن أن نفهمها في هذه الفترة، مع أن العلم كان قد بدأ يثبت وجودًا وحضورًا في العالم كله؟
أنور: طبعًا، هذه النزعة ضد العلم لها سياق في كتاب “الرد على الدهريين” عند الأفغاني، فهو رد فيه على التحديثيين الهنود الذين يريدون إدخال العلوم الحديثة. بعد ذلك، يعني لما نُفي إلى إسطنبول، وفي أواخر القرن، أصبح رأيه معتدلًا نوعًا ما. لكن العداء للعلم كان لأنه في النهاية تصدر حقائق مخالفة للكتاب المقدس وللإنجيل والتوراة والقرآن، لو أخذناها بهذا المعنى. طبعًا في الغرب حلّوا هذه المسألة بأن اعتبروا الكتابات المقدسة قصصًا رمزية أو إشارات تحتاج إلى تأويل، لكن عندنا كيف نقول إن الأرض تدور؟ لازم نوافق على أنها مسطحة، وأن الأرض هي المركز والشمس هي التي تدور حولها. وهذه اعتقادات قديمة، يعني ليست لها علاقة بالكتب المقدسة فعليًا، لكنها اعتقادات البشر كلها في هذا الوقت.
نور: تأويلات وتفسيرات سادت طويلًا.
أنور: لكن مجرد أن العلم سيقول شيئًا كهذا، وهذا حتى كان أحد دواعي ظهور النزعة الأصولية في الغرب في بداية القرن العشرين، بعد الاكتشافات في الفيزياء، وبالأخص فيزياء أينشتاين وميكانيكا الكم أو (ميكانيكا الكوانتم) ،ومبدأ اللاتعيين، وانتهاء الحقيقة المطلقة، فأحسوا بأنه لازم أن يبقى الدفاع عن الدين، والدفاع أيضًا بشكل، ليس حتى خضوعًا لمنطق العلم والحجة بالحجة، لا، يعني حتى ما يبدو لك غير مقبول، هو الذي سنتمسك به، وأنت ملزم بأن تقرّ به لمجرد أنه جاء في الدين. وهذا الذي يجعل أمورًا، طوال عمر المسلمين ما مارسوها في حياتهم، مثل لا أعرف، إرضاع الكبير، وأي أمور جديدة ظهرت وانتشرت، هم يعرفون مثل “بول الإبل”!!.. أن لا أحد يفعل ذلك أصلًا في تاريخ المسلمين، لكن هذه بالذات ليس مطلوبًا منك أن تنكرها أو تستنكرها، أو تقول إنها لا تنفع، لأن هذه بالذات معيار: هل أنت لا زلت داخل الدين أم خرجت منه.
هل أسست كتابات النهضويين لظهور الإسلام السياسي؟
نور: إلى أي درجة ساهمت كتابات هؤلاء النهضويين في ظهور جماعات متطرفة فيما بعد، ذات طابع إسلامي سياسي، اعتمدت بأثر رجعي على هذه الكتابات، ومنها برزت أيضًا جماعات أخرى؟ هل لنا أن نعتبر أن هذه الكتابات كانت مرجعية في مرحلة معينة لتأسيس ما جاء فيما بعد، وما نعيشه اليوم إلى حد ما؟
أنور: أعتقد أن كتابات النهضويين بدا لها تأثير في الإصلاح المؤسسي في المجتمع، في نظام الحكم، في ارتفاع مستوى التعليم، في حرية النساء في الخروج. فهنا بدأ الإسلام السياسي يتجه إلى رد الفعل، حفاظًا على استمرار الاستبداد، ومن هنا هو رد فعل، لم يكن فعلًا، الفعل الذي كان قبل ذلك هو الثقافة الموروثة التقليدية السائدة، بدون تعصب، لكن هذه كانت الثقافة الموجودة، وبالتالي كل واحد يسمع شيئًا جديدًا يشكّك فيها، إلى أن يتبين أن ناسًا كثيرين موافقون عليها، وأن هناك أدلة أخرى عليها، فيبدأ يعتنقها. وهذا الذي جعل محمد عبده وآراءه تكون مقبولة من عامة الناس، لكن مرفوضة فقط من رجال الدين.
فهنا ظهر تأثير الطهطاوي وعلي مبارك في إدخال التعليم الحديث، لأنه قبل ذلك ما كان هناك غير التعليم الديني وجدول الضرب والأمور البسيطة. لكن أن يكون فيه جغرافيا وكيمياء وفيزياء وتاريخ وفلسفة وعلم نفس، هذا ما دخل إلا بعد أن بذل الطهطاوي مجهودًا في أن يقول: هناك معايير أخرى للحقيقة غير المطابقة لـ القرآن والسنة (يحذف)، مثل التجربة، مثل المنفعة، مثل الإحصاء، أمور كثيرة يمكن أن نرجع إليها لإقرار حقيقة شيء ما. وهذا الذي فتح الباب لأن يكون هناك فلسفة وعلم نفس. إنما لو بقينا على موضوع المطابقة للقرآن فقط، لم يكن سيدخل أي علم حديث (يحذف).
فدخل العلم الحديث، وبدأ التعليم ينتشر في مصر. قاسم أمين، رغم أن دعوته للمرأة كانت تمدح الشريعة الإسلامية، وتوضح أن فيها إمكانيات بالفعل تسمح للمرأة بأن تعيش عصرها دون أن تكون مخالفة للدين في شيء، وبدأ يحدد الأمراض الاجتماعية، ويضع لها حلولًا نابعة أيضًا من الإسلام والفقه الإسلامي. كتاب قاسم أمين “تحرير المرأة” صدر عام 1899، هو كتاب واحد صغير، حوالي 70 إلى 80 صفحة، فظهر عليه 216 كتابًا في الرد عليه في نفس السنة. فيصبح عندك شعور بأن المجتمع رافض تمامًا، وأن الرجل سبب صدمة للناس، وأنهم تعاملوا معه على أنه مجنون، وأنه لا يمكن..
نور: حتى يُقال إنه غيّر رأيه في عدة قضايا مرات ومرات فيما بعد، ويمكن بسبب هذه الهجمات؟
أنور: لا، هذه هي الميزة، أنه لم يقم بأي تراجع أو حرج، بل بالعكس، كتاب “المرأة الجديدة” بعد هذه الكتب الرهيبة كان أكثر راديكالية في الدفاع عن المرأة من الكتاب السابق.
نور: أنا أقصد أنه غير رأيه في قضايا أخرى.
أنور: لكن هنا، الكتاب الأول كان يدافع بأن تتعلم المرأة لتربي أولادها، وفي الكتاب الثاني تتعلم وتخرج وتزاحم الرجال في مقاعد العلم والمواصلات العامة والأسواق بوضوح. لكن تظل هذه فكرة مفكر، والمفكر لا يخلق واقعًا، إنما الذي يخلق واقعًا هو الإجراءات الفعلية للدولة. فسعد زغلول، صديقه، لأنه كان قد بدأ يكتب كتابًا في سويسرا، وكان محمد عبده وسعد زغلول عنده في البيت، وكان يعرض عليهم المسودة.. تولى وزارة التعليم سنة 1906، فأصدر قرارا بأن الدولة، تشجيعًا للتعليم، تدفع دعمًا لشيوخ الكتاتيب الذين يعلّمون الأولاد القراءة والكتابة، خمسين قرشًا، نصف جنيه، للفتى، وجنيهًا للبنت.
نور: وجنيهًا للبنت؟
أنور: أجل. فرجل الدين الذي كان ضد قاسم أمين ويشتمه، ويقولون إن هذا يخرّب بيت الأسرة، أصبح يذهب ويطرق أبواب البيوت ويقول: “هاتوا بناتكم تتعلم”. وبالفعل، أنا رأيت كتاب الإحصاء، كان لي صديق فرنسي يبحث حول المناهج التقليدية للتعليم في مصر، فتجد في بلد مثل بلدنا، عدد الأولاد 35 وعدد البنات 6، في سنة 1907 الصبيان 45 وعدد البنات 15، في سنة 1908 الصبيان 70 والبنات 65، فعلًا تزايد متسارع لتعليم البنات. فالإصلاح يتم هنا في الأمور التي لا ندري بها، وهي بسيطة، مجرد قرار وزاري بسيط.
نور: لكنها تتراكم مع الوقت، طبعًا.
أنور: ولكنه لا يأخذ وضعًا، أو ينخرط في جدل أو أمور مثل هذا، هو رجل اتخذ قرارًا وزاريًا تشجيعيًا للتعليم. لكن فكرة أن البنت تأخذ ضعف ما يأخذه الولد في التعليم، هذا فتح بابًا. كنا نقرأ الردود على قاسم أمين سنة 1900 ضد كتابه، واستنكار ناس مثل مصطفى كامل ومحمد فريد لقاسم أمين، وأنه سيخرّب بيوت المصريين. بعدها بخمسين سنة، كانت البنات تقف على الرصيف، تركب “ميكروباص” مع زملائها، يذهبون إلى الجامعة، يتعلمون جنب بعضهم. لم يكن ممكنًا أن يتخيل أحد أنه خلال عقود بسيطة سيتحول هذا الكلام إلى ترجمة واقعية موجودة في الواقع، ويصعب أن أحدًا يتجاوزه ويقول: لا، نرجع البنات للوضع السابق. رغم أنهم يقولون ذلك، لكن هذه أمور يسمعونها في الجوامع ويكررونها، ولكن لا يعملون بها، كشأن أمور كثيرة من الدين، طالما يقولها رجل الدين تكون مقبولة، لكن في الحياة العملية لا أحد ينفذها.
زاد الهجوم على تعليم البنات في الثمانينيات والتسعينيات والألفينيات، كله على أنه لا لزوم له، أو نكتفي فقط بأن تعرف القراءة والكتابة، وبعد ذلك، لأن بيتها هو مملكتها، ودورها هو تربية الأولاد.
هل كانت موجة الهجوم على تعليم البنات ردّة حقيقية على هذه الفكرة؟
نور: ما سبب هذه الهجمة في تلك المرحلة تحديدًا؟
أنور: هذه أيديولوجيا الإسلام السياسي.. أن السيدات يجب أن يختفين من المجال العام بأي شكل، وأن هذا سيحل مشكلة البطالة لأن الرجال سيأخذون مكان السيدات، وهكذا.
نور: إذن، فكأنك تقول إنه في هذه المرحلة حصل شيء مختلف عما كان يحصل سابقًا، يعني كان هناك تراكم تدريجي وتقدم تدريجي إلى أن وصلنا لهذه المرحلة التي لها أسباب داخلية وخارجية وعالمية، ربما في ظهور الإسلام السياسي، وحصلت الرَّدة، صحيح؟
أنور: هي ردة في الخطاب، لكنها ليست ردة في تصرفات الناس.
نور: ممكن تشرح لي قصدك؟
أنور: طبعًا، نأخذ كتاب الإحصاء السنوي في مجال التعليم، الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، الذي يرصد كم طالبا في الابتدائي، وكم طالبا في الثانوي، وكم طالبا في الجامعة. فنجد مثلا في سنة سبعين، نسبة الطلاب في الجامعة، كليات نظرية وعملية، طبعًا في العملية الصبيان أكثر، والنظرية البنات أكثر، لكن تبقى النسبة الإجمالية تقريبًا حوالي 56 بالمئة أولاد و38 بالمئة بنات. بعدها بعقد، ستجد البنات مثلًا 44 والصبيان 56. بعدها بعقد آخر، ستجد البنات 48 والصبيان 52.
نور: رائع، على ماذا يدل هذا الأمر؟
أنور: في النهاية نسبة الناجحين 51 بالمئة من البنات، وعددهم 48 في المئة، لكن عند النجاح يتحول إلى 51 بالمئة، لأن الشباب أقل جدية، مشغول أو يشتغل. لكن في النهاية، تحسّ أن الخطاب يسير في طريق وسلوك الناس في طريق آخر.. وإذا سألتِ رجلا بسيطا خارجا من الجامع .. هل البنت لابد أن تتعلم؟.. سيقول لك: “وتتعلم لماذا؟ هي جالسة في بيت أبيها وبعدها ستذهب لبيت زوجها لتربي أولادها.. وماله لزوم. لكن ابنته لما تصل لسن الخامسة والنصف، يسعى ويبحث عن واسطة ليدخلها المدرسة قبل السن.. وإذا حصلت على عشرة من عشرة في الإملاء يقول لها “تعالي يا دكتورة .. روحي يا مهندسة” ويكون فرحان..
نور: هذا يعني أننا دخلنا في الحداثة وأن هناك تقدمًا، لكن الخطاب، يعني على مستوى الخطاب طبعًا، لا نقلل من شأن الخطاب، ولا نقلل من ما يؤدي إليه الخطاب. لكن كيف نقرأ هذا التناقض، أن الواقع يسير إلى الأمام، لكن الخطاب يأخذنا باستمرار إلى الخلف؟
أنور: وهذه هي مهمة التنوير، لأنه يخلق ظاهرة مثل ما يسميه سارتر “سوء النية”، وهو أن الواحد يقول كلامًا لكنه ينوي شيئًا آخر، أو “الوعي الشقي” عند هيغل، وهو الإنسان الذي يحسّ بأنه يفعل شيئًا لا يريد أن يفعله، ولكنه مضطر أن يفعله لأجل المجتمع، لأنه إذا جلست ابنته في المنزل، فلن يجد أحدًا يتزوجها. كلها حسابات معقدة، وتخلق نوعًا من القلق والتوتر في شخصية المواطن. ومن هنا تأتي المشكلة، أننا نريد أن يكون هناك اتساق بين الخطاب الموجود وبين تصرفات الناس، لأن هذا يخلق مواطنًا متوازنًا يمكن الاعتماد على استقامته الأخلاقية والفكرية
هل الإسلام السياسي ظاهرة تقليدية أم حداثية؟
نور: دكتور، ظاهرة الإسلام السياسي، بقدر ما نقول دائمًا إنها ظاهرة إسلامية تخرج من الثقافة الإسلامية، إلا أنها أيضًا ظاهرة حديثة وحداثية أيضًا. هل ما ذكرته الآن، أن الواقع يمشي باتجاه الحداثة لكن الخطاب يعود إلى الخلف، أليس هذا من جوهر، إذا سمحت لي أن أقول، جوهر الإسلام السياسي؟ فهو شيء جديد، يعني الإسلام السياسي ليس شيئًا متخلفًا كما يقولون.. يعني الأفكار الإيديولوجية والمتطرفة هي أيضًا في قمة الحداثة والحداثية، وليست ضد العلم إلا في أماكن معينة.
ونجد باستمرار دائمًا أن هناك… تحدثنا في قضية النساء، النساء يذهبن إلى الجامعات ويدرسن، لكن ماذا؟ ما نوع الدراسات؟ هنا نتوجه إلى سؤال آخر: ما نوع العلوم؟ ما نوع الدراسات؟ الكتب التي تُقرأ والتي لا تُقرأ، وما إلى ذلك.
طيب، هذا جزء من تعقيد هذه الظاهرة.
كيف ممكن نقرأ ظاهرة الإسلام الجديد، الإسلام السياسي الجديد؟
طبعًا لا نتحدث هنا عن الإسلام ككتاب ونص.
أنور: لا شك، طبعًا ظاهرة الإسلام السياسي هي ظاهرة بالفعل خلقتها الحداثة، بتناقضاتها وما طرحته على الناس، من تغيير نمط حياتها.
لأن الإسلام التقليدي لم يكن فيه فكرة تنوعات فكرية، ولا تيارات فكرية، ولا أحزاب، وكان تقريبًا الشرعية تصنعها الشوكة، التي هي قوة الملك. يعني الذي يبايع يشتري نفسه، لكن الذي يرفض يكون إعلان حرب إلى أن ينتصر واحد، فيبقى هو الملك، والشرعية ماشية باستمرار على هذا الأساس، مع ادعاء الجميع أنهم حماة الإسلام ويدافعون عنه وكل حاجة.
لكن نحن هذا الوقت بقينا مع موجة فكرية هدفها أولًا حصار الأفكار الوافدة من أي تجربة أخرى، وثانيًا القضاء على الصور الجديدة من الشرعية المستلهمة من نظريات العقد الاجتماعي الأجنبية، التي هي معتمدة على الانتخابات، وتداول السلطة، واستقلال السلطات عن بعضها: السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية، والسلطة القضائية.
كل هذه أفكار جديدة ما كانت موجودة.
كنا نقرأ مثلًا في ألف ليلة وليلة الخليفة يتضايق، فيصدر الحكم، ويأتي بالسياف ينفذه وهو قاعد.
طبعًا في العصر الجديد، مع العقد الاجتماعي، لا، فيه برلمان يعمل تشريعا، ليس شغله أن ينفذ، وفيه قاضٍ يصدر الحكم، وفيه شرطي هو الذي ينفذ الحكم، وهذه لا علاقة لها ببعضها، لكن كان عندنا، كل السلطات في قبضة شخص واحد، الذي هو الخليفة، ويصعب معارضته.
كانت قامت مظاهرات مرة قبل ثورة 25 يناير، يعني بعض الشباب المسيحيين، لما جهاز الشرطة دخل يمنع استكمال بناء كنيسة، فعملوا مظاهرة.
فاستضافوا واحدًا من رجال الدين المستنيرين فعلًا، أقدره، فسألوه سؤالًا غريبا: ما حكم الإسلام في التظاهر؟
طبعًا التظاهر هذا آلية من آليات الديمقراطية الحديثة، ومتاح بحقوق الإنسان، لكن، له شروط: تخطر في الأول أو تعلن مطالباتك ما هي، ولو نفذنا من غير تظاهر… يعني حاجات كهذه.
فهو تعامل مع التظاهر على أنه خروج عن الحاكم أصلًا، في حين إنه ليس كل واحد يتظاهر خارج على الحاكم، هذا هو ذاهب يطلب الحاكم بحاجة، وليس أنه ينقلب عليه.
ووجد أنه تقريبًا كل الفقهاء، الأئمة الأربعة، ضد التظاهر، لأنه يسمونه الباغي، وبالتالي حلال أنهم يقتلونهم ويصلبونهم ويعذبونهم، غير أبي حنيفة، الذي سمح في حالات معينة يمكن أن يكون فيها احترام.
هذا لو كانوا مسلمين، أما لو كانوا مسيحيين فمن أساسه لا يسمح أصلًا.
الآن، كان جيل دولوز يقول: الفكر التمثيلي التقليدي الذي ن دائما يحكم بالخطأ والصواب على الإجابة، في حين أننا يلزم أن نبدأ بالحكم بالخطأ والصواب على السؤال.
نور: صحيح، جميلة جدًا الفكرة.
أنور: فأنت جالبٌ أحدًا وتسأله سؤالًا، وهو ما عنده مرجعية يحكم بها على سؤالك إلا أنه يرجع عشرة قرون إلى الوراء ويقول: ماذا كان سيحصل؟
نور: فكرة التظاهر بحد ذاتها.
فلو كانت حصلت، ماذا كان سيحصل؟
سيقول لك: الخليفة سيخرج الشرطة، ويموتون الناس.
أيضًا ضمن هذه الأفكار، أن يجيء رجل دين يقدر هذا ويحسن نيته، لكنه يقول إنه لا يصح لأي واحد أن يقتل سائحا، لأن السائح حاصل على تأشيرة، وهذه عقد أمان، وثيقة أمان، الدولة أدّتها له، فقد عصمت دمه، لا يصح أن يقترب منه.
حسنا، والذي يكسر التأشيرة، هل نموته مثلا؟ أو الذين هم قادمين زحفا، هؤلاء بسبب الحرب الأهلية أو المجاعة، وليس معهم تأشيرة، أما عصمتم دمهم؟
أنت أيضا قادم بتعبيرات قديمة وتحولها على ظاهرة حديثة.
هنا، هذا الذي يجعل ظاهرة الإسلام السياسي هي ظاهرة حديثة، هدفها احتواء وتخفيف أثر كل الإصلاحات الجذرية التي تجبر الحداثة الناس على تبنيها.
ما هي المصلحة هنا؟
مصلحة سياسية: دوام الاستبداد، دوام سيطرة الرجل على المرأة، وفكرة أنهم نفسهم يبقون، بحكم الدين، الوحيدين الذين ينبغي أن نلجأ إليهم في كل شيء.
نور: يكونوا المرجعية الدائمة لنا.
نور: فهنا فرض نفسه. يعني أنا ممكن أن أكون اشتراكيا، وأحاول أن أفرض نفسي بأنه أنا الذي سأحقق العدل، وأجعل جميع الناس تصبح في حالة جيدة، وهذا الذي أعمل عليه.
لكنه هو الوحيد: يقول: أنا لو أنتم تريدون أن يسير الحكم كما يقتضي الدين، فهو الوحيد الذي سيحكم.هذا هو الإسلام السياسي.
نور: دكتور أنور، ظاهرة جديدة منتشرة اليوم هي ظاهرة الإسلاموفوبيا، ما يسمى برهاب الإسلام أو عداء الإسلام.
كيف تقارب هذه الظاهرة؟ وماذا تفهم منها حين تسمعها منتشرة، تحديدًا في الإعلام والخطابات الشائعة اليوم؟
أنور: ظاهرة ملحوظة، متعددة الأبعاد.
ولديَّ ملاحظة على تعبير “الإسلاموفوبيا”.
الفوبيا في علم النفس هي خوف لا أسباب واقعية له ولا عقلية. هذا مثل شخص يخاف من الضفدع أو من الفأر، وهما لم يفعلا له شيئًا، لكنه لا يستطيع منع هذا الخوف.
هذه هي كلمة “الفوبيا”.
فهل بالفعل كل عداء أو نبرة عدائية في مواجهة الإسلام لا أصل لها في الواقع، وكلها خيال محض؟
لا، طبعًا.
هناك مشكلات حقيقية.
المسألة الثانية: أن الإسلاموفوبيا يُنظر إليها وكأنها عداء للمسلمين جميعًا بشكل عام، لكنها في الواقع عداء لمجموعة محددة ذات خطاب واضح، يمثل تهديدًا على مبادئ الجمهورية، ومبادئ العلمانية، ومبادئ المواطنة.
وهذا ليس كل المسلمين.
وبالتالي، فإن هذا العداء يخص خطابًا معينًا، وهذا الخطاب قد يكون ضارًا وقد يكون رجعيًا.
لكن هذه النبرة العدائية تجعل أشخاصًا لا يعرفون شيئًا عن الإسلام يصدقونها، ويوجد فيها تجنٍ كثير فعليًا على الإسلام، واتهامات لا أساس لها.
وهناك مشكلة أخرى: أنه أحيانًا لأغراض ذرائعية الإعلام يضخّم هذه النبرة.
مثال: إذا أردنا فتح مشروع ونريد أخذ رأي الناس تقريبًا… في فرنسا، كتاب «من هو شارل؟» الذي ترجمه إيمانويل تود، أستاذ الديموغرافيا، يذكر أن تقدير الذين يذهبون إلى المساجد في فرنسا يبلغ حوالي 12% من المسلمين.
وهذا يعني أن 88% يعيشون حياتهم بشكل طبيعي، وقبولهم بالديمقراطية موجود، وبناتهم لا يلبسن الحجاب، ويذهبون إلى المدارس، ويعملون، ويتم توظيفهم، وهكذا.
لكن عندما يريدون أخذ رأي الناس، يأخذون رأي من؟
هؤلاء الذين يُظهرون في المشهد، ليصوّر للمواطن الفرنسي العادي أن كل المسلمين هكذا.
وهنا أيضًا في ردودنا نحن.
مثال: أي مجموعة من الشباب الذين لا يجدون شغلًا، ويعانون من البطالة، يتجمعون كعصابة، ويذهبون لسرقة بنك أو قتل شخص، ويضعون وراءهم عبارة “لا إله إلا الله”، ويقولون أنهم يُنفّذون العمل باسم الإسلام.
طبعًا، واجبنا أن نقابل أي رجل بسيط عامل، أو أي امرأة مدرّسة، ونقول لها: هذا ليس من الإسلام في شيء، والإسلام بريء منه.
حسناً.
فهي نفسها، لماذا لا تفترض البراءة؟
هي لا تعرف شيئًا تمامًا، ترى ما تراه أمامها وتصدّقه.
أنا مثلاً أجد أن أحد أصدقائي في الجامعة، إذا اقتنع بهذا، يمكننا القول: لا، هذا رجل محدود، لأنه يفترض وجود كتب ومراجع يرجع إليها.
لكن إذا كان المواطن العادي، لماذا نتضجر إذا صدق هذا الكلام، طالما يرى الصورة أمامه، والناس أنفسهم يقولونه؟
وعندما حدثت عمليات خطف الطائرات الفلسطينية، كأحد أساليب لفت الانتباه لقضية الشعب الفلسطيني، لم يكن هناك أي اتهام للإسلام في ذلك الوقت.
لماذا؟
لأن الذين نفذوا هذه العمليات يساريون، وماركسيون، وعلمانيون.
فلا يوجد اتهام للإسلام.
الاتهام للإسلام بدأ عندما بدأ الناس يقولون: نحن نفعل هذا لأننا مسلمون، وننادي دفاعًا عن الإسلام، ونحقق الإسلام.
ففي هذه الحالة يوجد مبرر، لا تصبح الفوبيا من الهواء.
المشكلة الثانية في فوبيا الإسلام في أوروبا، وهي موجودة، وهناك خطاب عنصري ضد الإسلام، لكن يجب أن نميز بين وثائق الدولة، والدستور، ونظام الدولة، والقضاء.
فلا يوجد أي عنصرية رسمية.
توجد مساواة بين المواطنين تمامًا.
إلا أننا عندما نجلس في القهاوي ونقول: انظر ماذا يفعل المسلمون، فهذا موجود بكثرة.
ومثال: إذا ذهبت مواطنة عادية لتأجر شقة، يؤجرونها لها.
إذا كانت محجبة، يقولون: لا، لا بأس، لدى أحد أجَّرها قبل ذلك.
هذه أمراض اجتماعية، يفترض أنها تختفي مع الزمن، ومع المساواة.
لكن نجد مثلاً في فرنسا، في الوقت الذي نتكلم فيه عن الإسلاموفوبيا، كانت وزيرة العدل مسلمة، ثم وزيرة التربية والتعليم مسلمة، ووزيرة الثقافة حالياً مسلمة في الحكومة الفرنسية.
وهنا يصعب علينا تخيل أن يكون لدينا مسيحي مصري يقيم معنا، ويستلم وزارة التعليم، أو وزارة الخارجية، أو وزارة الثقافة.
نور: صحيح.
أنور: وبالتالي يقولون طبعًا أنهم يختارون الناس المتبنّين قواعد الحكم، وقواعد اللعبة الديمقراطية، والمؤمنين بالعلمانية.
حسنًا، هذا مقبول.
فهناك أحد المظاهر.
بل العكس، فرنسا فيها تقريبًا نسبة الأولاد المختلطين 13%، وهي نسبة كبيرة.
وهو سبب وجود توتر في العلاقة مع الإسلام في فرنسا، غير موجود في إنجلترا وألمانيا.
صحيح.
لأن فرنسا هي أكثر الدول نجاحًا في دمج المسلمين.
نور: ولها تاريخ، طبعًا.
[أنور]
لا، وحضرتكِ لو ذهبتِ الآن إلى جامعة لتسألي، وتريدين التسجيل، أو ذهبتِ إلى المراكر التابعة للشرطة وتريدين إقامة، ستجدين أن من يقابلكِ موظفون عرب وموظفات، يعني هم خلاص فرنسيون ومتوظفون في فرنسا. فرنسا من أكثر الدول نجاحاً في الدمج، وبالتالي ليس لديهم ترف أن يقولوا خلاص ليفعلوا ما يريدونه وهم بمفردهم، مثل مثلاً الباكستانيين في إنجلترا؛ أولاً هم نسبة أقل من السكان، ثانياً مع بعضهم يفعلون ما يحلو لهم بينهم وبين بعض، لكن هؤلاء موجودون في نسيج الدولة كله، فبالتالي ليس مسموحاً أن يخالف أحد قواعد المواطنة ولا أي شيء من هذا. فنجاح الدمج الفرنسي هو الذي أدى إلى توتر العلاقة مع الخطاب الإسلامي المتطرف.
والشيء الثاني أيضاً هو أن الخطاب الإسلامي نفسه خطاب مهمته تجنيد شباب لقضايا إسلامية ربما ليس لها علاقة بفرنسا، يأخذهم ليجاهدوا في أي مكان، وهذا يحدث كثيراً. ولأجل هذا نجد أن القضايا التي يخرجون ضدها ويتحمسون ضدها يكون فيها نوع من الانتقاء، انتقائية. يعني مثلاً عمرنا ما سمعنا في فرنسا أن هناك اعتراضاً إسلامياً على التوريث، لأن فرنسا بالقانون الولد مثل البنت، ولو أحب أبٌ أن يتحايل ويعطي ابنه أكثر سيُسجن، لأن هناك نظاماً وهو (الهبة)، تستطيع أن تعطي هبة لكن هذه الهبة لا تتجاوز 10% من الميراث ولا تتجدد إلا كل 10 سنوات، وبالتالي أنا ملزم أن أوافق على أن يأخذ الولد قدر البنت. ورغم ذلك لم نسمع احتجاجاً، رغم أن النص واضح في القرآن وكل شيء، لكن خلاص هذا نظام الدولة، وهذا يعني سلوك حكيم. لكن مع الحجاب الذي النص فيه ليس واضحاً وله تأويلات.. أقاموا مشكلة ومظاهرات واحتجاجات. وبالتالي فكرة أننا ندافع عن كل ما يقوله الإسلام، لا، ليس صحيحاً.
لماذا إذن الحجاب؟ هو طبعاً من وجهة نظر أيضاً “تود” في تفسيره لم يتبنَّه. لكن ممكن أن يكون مضيئاً.. أنه دائماً نحن نتهم العرب والمسلمين بأنهم يعني صعب أن يندمجوا في المجتمعات وأنهم دائماً ينأون بأنفسهم ويحاولون هكذا مواجهة المجتمع. هو يثبت العكس تماماً، هو يقول أنا من أسرة يهودية لم تسمح أسرتي لي أن أتزوج مسيحية أو أي أحد إلا بعد ستة أجيال، في فرنسا استطاع يهودي أن يتزوج مسيحية. في حين إن العرب الآن الذين يتزوجون، الشباب الذين يتزوجون فرنسيات نسبتهم 40%، والبنات اللواتي يتزوجن فرنسيين 32%، وهي نسبة كبيرة جداً. أما الأتراك فـ 8% فقط، يعني الأتراك مسلمون ومع ذلك لا يوجد زواج مختلط إلا بنسبة 8%. وبالتالي العرب يعني منفتحون ومقبلون على الزواج، نساءً ورجالاً.
فالحجاب من وجهة نظر تود هو وسيلة لفرملة الزواج المختلط، لأن أي شاب فرنسي يركب في المترو وأعجبته فتاة ترتدي الحجاب، صعب أن يفكر في أن يتزوجها. لكن لو لم تكن ترتديه، خلاص سيقول لها كلمتين، وترد عليه بكلمتين، ويستلطفان بعضهما، وخلاص بدأت قصة حب. فالحجاب يمنع الحب من أول نظرة، يلغيه. وبالتالي هذه عائلات تحصن بناتها بمنطق تبادل النساء، أن يبقوا محتفظين بهن لأناس من بلادهم أو مسلمين أو أشياء مثل هذه. فكل هذا داخل في مشكلة الإسلاموفوبيا. فتشعر أن أبعادها متعددة وصعب أن نتهم طرفاً ونَصِف الآخر بالبراءة.
المشكلة كانت قد حدثت أيضاً في فكرة منع الحجاب في المدارس، وساعتها كانوا يعلقون صور “شيراك” باعتباره عدو الإسلام. والموضوع كان بسيطاً جداً، لأنه معتمد على ما هي وظيفة المدرسة. المدرسة في أي مجتمع لها وظيفتان: نقل المعارف؛ كيمياء وفيزياء وقصائد المتنبي ومسرحيات شكسبير وكل هذا. والوظيفة الثانية هي التي نسميها التنشئة الاجتماعية، لأن الطفل يعيش مع أسرته وأهله، يحبونه، وسواء أكانوا مسلمين أم بوذيين أم مسيحيين أم من أفريقيا، هو يعيش في هذا الوسط. سيذهب إلى الفصل، وسيقابل ناساً آخرين من أسر مختلفة ومن أديان مختلفة. فبدل أن يتحول الفصل إلى حلبة صراع، يجب بالعكس أن يتحول إلى مجال لعقد صداقة، ويحضروا حفلات أعياد ميلاد بعضهم، ويشكلوا فريق كرة، ويصنعوا مجلة حائط، ويبدأوا يشعرون بأنفسهم مواطنين. فهي التنشئة الاجتماعية صناعة المواطن، وهذه مهمة للمدرسة أكثر من نقل المعارف. لأنني لو كنت أباً يملك المال سأجلب لابني مدرسين أفضل من مدرسي المدرسة، لكن لن أستطيع أن أهيئ له تنشئة اجتماعية (سوسياليزيشن)، مهما كان عندي من مال، يجب أن يذهب ونقذفه في قلب الفصل الذي فيه ناس عمره ما رآهم ويجب أن يصادقهم. فهذا تدريب على الحياة في المجتمع.
ومن هنا كانت مشكلة الحجاب والصليب وأي شيء آخر، أنك تبدأ في الفصل بخلق حاجز بينك وبين زملائك. فلأجل أن نسمح للتنشئة بأن تتم بشكل جيد، نمنع المظاهر الدينية. لماذا؟ لأنني ممكن أن أكون تلميذاً داخلاً المدرسة ويجلس ولد بجانبي، أين تسكن؟ آه أنت بجانبي. إذن سأمر عليك ونأتي إلى المدرسة صباحاً. وبعد أسبوعين أو ثلاثة أكتشف أنه يهودي، ولكن سأكون قد أحببته خلاص، يعني أصبحنا أصدقاء. لكن لو من الأول جاءني هكذا، فمن الأول لن أقبل منه ولا كلمة. فكل هذا داخل فيه تفكير الناس. وقالوا إذن يجب أن نمنع الحجاب أو المظاهر الدينية الأخرى من المدرسة، وهذه لا يستطيع أحد أن يلومهم عليها.
طيب ولكن سأقول لك، ولكن هذا مسلم ويريد أن يعبر عن هويته الدينية. هذا الحق يكتسبه عندما يصل إلى 18 سنة. لأننا لا نسمح للطفل الذي عمره 12 سنة أن يذهب لينتخب، لأن أحداً قد يعطيه (حلوى) ويقول له اذهب وانتخبني فيعطيه صوته. لكن 18 سنة خلاص، لأجل هذا لا يوجد منع للحجاب في الجامعات، كل فتاة حرة، أصبحت مسؤولة عن نفسها. إنما أن أرسل طفلة عمرها 9 سنوات وترتدي حجاباً، وأقول تعبر عن رأيها.. لا، هؤلاء أهلها، هم الذين فرضوا ذلك.
هنا يعني بدأ الأمر وكأنني أبحث عن تبريرات لفرنسا في كل ما تفعله. لا، أنا ما زلت أعترف أيضاً أن هناك اضطهاداً، وهناك تضخيماً أكثر في الخطاب الإسلامي لتشجيع الكراهية. وهذه كنا نلاحظها كثيراً، مثلاً عندما كانت فرنسا من البداية قد رفضت الدخول في حرب العراق، وبعد ذلك جاء الرئيس “ميتران” وقرر دخول حرب العراق، فوزير الحربية استقال، وقال لا، لم نكن متفقين. فالناس بدأت تسأل: ونحن لماذا نذهب لنحارب هناك؟ فلا بد أن نكثر من مثل هذه النماذج لنقول آه، والله هؤلاء يستحقون ولنذهب ونفعل بهم كذا. فهناك تلاعب إعلامي كثير مضاد للإسلام، وهناك تجنٍّ بالفعل. لكن نحن يعني نريد أن نشعر أن المسلمين الذين هناك من حقهم طبعاً أن يتمسكوا بهويتهم الإسلامية، لأن هذا ما تسمح به العلمانية. لكن في نفس الوقت أن يكونوا خاضعين لقوانين الدولة التي يعيشون فيها.
وهذا عندما جاء “نيكولا ساركوزي” وزير الداخلية الفرنسي وقابل شيخ الأزهر الدكتور “طنطاوي”، قال طبعاً المسلمون الذين عندكم لا بد أن يسيروا وفق قوانين بلدكم. وبدأوا يهاجمونه وبدأوا يرفعون الشعارات المعتادة لديهم وهي: “لا حرية لمخلوق في معصية الخالق”. قوانين كندا وقوانين أمريكا وهذه صنعها البشر المخلوقون، فعندما أجدها تتعارض مع الشريعة إذن لن ننفذها. وطبعاً هذا مبدأ غريب، أن أذهب لأعيش به في بلاد أخرى، يعني أنا ذهبت إلى كندا أسبوعين، أقول لهم عطلوا القوانين التي تخالف الشريعة لأني أنا مسلم؟ فهذه كلها أسباب تلعب دوراً، طبعاً، لمفاقمة الظاهرة.
[نور]
شُكراً لك طبعاً على الإجابة. طيب، أنا أريد أن ألفت الانتباه أو أن أحوّل الحديث إلى نقطة أخرى. دائماً نحن في موقع الدفاع عن أنفسنا؛ لماذا لا يصدر من جهتنا، من ثقافتنا، من المدرسين، الجامعات، أو أي مؤسسة ثقافية، نقد حقيقي يطال مثلاً هذه الظاهرة؟ أو قبل أن تظهر هذه الظاهرة وتصل إلى هذا الحد. يعني هناك غياب للحس النقدي، والنقد التاريخي لدينا في معالجة مشكلاتنا الثقافية. ما سبب هذا الغياب؟ دائماً، حتى حين جاء نقد الاستشراق مثلاً، نجد حتى أن نقد الاستشراق جاء من الغرب في مرحلة معينة، ثم تلقّفنا نحن هذا النقد وراكمنا وأضفنا وما إلى ذلك. يعني بوجود ظاهرة مثل الإسلام السياسي، لماذا يغيب وجود نقد حقيقي كامل يعالج هذه الظاهرة بموضوعية، ويدرسها كما درستِها أنت الآن في حقبة قصيرة؟ ولا يوجد هذا الأمر لا في مؤسسات ولا في جامعات ولا في مراكز بحثية تعمل ليلاً ونهاراً في مواضيع من هذا النوع.
أنور: هو طبعاً يعني العرب ليسوا معتادين على النقد الذاتي أصلاً. وفي التاريخ تُقال أشياء بشكل لا يقبله العقل، لكن من الصعب أن يعلن أحد عن أنه غير مقتنع، فيتجاوزها وينتهي الأمر؛ فلسنا معتادين على فكرة النقد. الأمر الثاني هو أنه أحياناً هذه الظواهر تكون لها أسباب، أو تكون غطاءً لمشكلات أخرى قد تكون اقتصادية أو قد تكون اجتماعية. هنا لو أنا تعاملت معها على أنها هي المشكلة الحقيقية، فكأنني أعالج العَرَض ولا أعالج المرض. يعني المسلمون موجودون في فرنسا منذ الحرب العالمية الأولى بأعداد كبيرة، ولم نسمع بمشكلة يشتكي منها المسلمون ولا مشكلة يشتكي منها الفرنسيون، المسلمون موجودون والفرنسيون موجودون ولم يكن هناك شيء. لكن هذه بدأت تتفاقم أخيراً لما أصبح هناك الاستغلال الذرائعي والأداتي للأقليات الإسلامية في البلاد الغربية. أيضاً المشكلة الثانية في هذا الموضوع هي أننا ليس لدينا شجاعة إعلان الحق بأنه: لا، نحن في مطالبنا هذه نتجنى أو نتطاول أو ليس من حقنا. ثالثاً نحن نتهم الغرب بالكيل بمكيالين ولدينا حق، لكننا نكيل بخمسة مكاييل، وليس بمكيالين فقط. أجل، يعني أقولها، مثلاً نحن عندنا في الفترة الحالية، بسبب طبعاً الهجرات الكبيرة والناس الذين يذهبون إلى أوروبا، هناك مشاكل في إدارة الأديان داخل الدولة. فعندنا هنا الإسلام السياسي يقول عندنا في مصر: العلمانية ثبت فشلها، وليست قادرة على الإدارة. وبالتالي لا داعي إذن أن نطمح في العلمانية نحن هنا في مصر، وهي التي ظهر في أوروبا خلاص أنها غير نافعة، فعلينا أن نتخلى عن مطمحنا في أن تكون لدينا دولة علمانية، لأنها فشلت في أوروبا.
نور: مع أن العلمانية ليست نموذجاً واحداً، ولا شيئاً واحداً، ولا قالباً واحداً.
أنور: ففي فرنسا إذن، يقول المسلمون إنهم سيخرجون في مظاهرة ويحتجون على منع الحجاب، يقولون: لأن هذا هو ما تحققه لنا العلمانية، أو هذا ما تسمح به العلمانية. وحين يطالبون ببناء مسجد يقولون: انطلاقاً من العلمانية. فنحن لو قلنا لا، العلمانية فشلت، خلاص سيأتي إذن اليمين المتطرف بالمسيحية الخاصة به ويحوّلكم إلى أعداء، ليس حتى مواطنين من درجة ثانية، بل ستصبحون أعداءً يصفّونكم في الشوارع.
نور: صحيح، وهذا ما يحدث بطريقة ما اليوم طبعاً.
أنور: هنا وتكونون في نفس التنظيم، هنا تقول: أنا متمسك بالعلمانية لأنها تسمح لي أن أمارس ديني بحرية، لكن في بلدك العلمانية فشلت ولا داعي لأن نأخذها نموذجاً! فهذه هي عملية الكيل بمكيالين في مثل هذه الأمور. أيضاً الدولة في أوروبا ليس لديها أموال ولن تقدر يعني على توفير عمل لكل الناس وهناك بطالة. فطبعاً بدأت مجموعة من الفلاسفة مثل تشارلز تايلور وولزر، وهو الذي يدعو إلى فكرة الاعتراف. والعلمانية التقليدية قائمة على أن حقوق المواطنة والعمل والحياة الاجتماعية، هذه في المجال العام، أما الدين ففي المجال الخاص؛ كل واحد يختار إذن ربه ودينه ويعبد في بيته. وبالتالي ليس هناك تعبير اجتماعي عام عن الدين، لأن هذا خلاص، الدين تم تحويله إلى المجال الخاص، والحجة هي حرصاً على السلام الاجتماعي حتى لا تحدث مشاكل. الحقوق الثقافية، كانت لما بدأت حقوق الإنسان السياسية، ثم الاجتماعية بعد ماركس، والتي فيها المعاش والسكن والعمل، ثم الثقافية. أنني لست من أجل أن آخذ الجنسية الفرنسية أتخلص من أصالتي الثقافية، وأتخلى عن موسيقى أهلي، ولباس أهلي، وطبيخ أهلي، ودين أهلي، وأدبهم. لا، من حقي. هذه ثقافتي وأنا متمسك بها، ورغم ذلك أنا لي حق كأي مواطن في الدستور. هذا ما نعتبره حقوقاً ثقافية، وهي التي ولّدت بعد ذلك الحق في الاعتراف”. أكسيل هونيث” ومدرسة فرانكفورت. الحق في الاعتراف يعني الحق في التعبير العلني، وهذه مشكلة لم تكن العلمانية التقليدية معتادة عليها، لأنها كانت مطمئنة إلى أن كل شيء في المجال الخاص. الاعتراف هذا لا بد أن يتجسد في: مناهج التعليم، في اللغة، في الإذاعات، في التلفزيون، بحيث يعني أي جالية تتكلم لغة ثانية أو تعمل قناة يعني. هذه تحديات كثيرة، ولكن لا حل لها أيضاً إلا بمزيد من العلمانية، وإدارة أكثر وعياً بتغيرات الواقع. وفكرة أن العلمانية فشلت وسنأتي بشرعية دينية، معناها هذا انهيار لكل هذا. ومن هنا، فالتعبير الثقافي حق من حقوق الناس. ولما تأتين لِتَرَيْ، وأعرف طبعاً كثيراً من أصدقائي المسلمين في فرنسا يطالبون بمساجد، اليمين يتردد ولا يحب ذلك ويتذرع، ويقولون: “صلّوا في شقة أحد أصحابكم وينتهي الأمر”. مَن الذي يدافع عن بناء مساجد للمسلمين في فرنسا؟ نرجع إلى مضابط المجالس المحلية أو البرلمانات، نجد “الخضر” والحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي، وهم أساساً يعني غير مرتبطين بالدين كثيراً، ولكنهم يريدون أن يشعروا بأن كل مواطن يأخذ حقه. ومن هنا، فالعلمانية بالفعل هي الحل في أن المسلمين يعني يشعرون بقيمتهم، وفي نفس الوقت باندماجهم في المجتمع.
نور: هناك فكرة شائعة ومنتشرة جداً كسردية، وهي أن العلم ضد الدين، أو يعني أنهما على طرفي نقيض. لكن في الحقيقة من خلال نماذج كثيرة، العلمانية ليست واحدة؛ علمانية ألمانيا غير فرنسا غير أمريكا، هي أشكال مختلفة، وعلاقات مختلفة، وبناءً على سياقات مختلفة لعلاقة الدولة بالدين. يعني هي علاقات لا يوجد نموذج واحد يمكن الاعتماد عليه. ما رأيك دكتور؟
أنور: طبعاً الخلافات واضحة، ولديكِ حق في هذا. نحن الآن، ميركل حكمت بنجاح لفترة طويلة في ألمانيا باسم الحزب الديمقراطي المسيحي، وهو يعلن أنه حزب في بلد علماني ويعلن هويته. لكن هل تتصورين ميركل هذه لو وقفت في البرلمان ووجدَتْ أحداً يعارضها، فقالت له: “أنت هكذا خرجت عن صحيح المسيحية”؟ سيضحكون! سيضحكون. فليخرج!
نور: ينتهي النقاش هنا، يعني ينتهي كل شيء إذا كان هناك شيء كهذا.
أنور: ما هو الأمر الذي يحدث عندنا يكون هكذا؛ إن المعارضة السياسية نبدأ باتهامها بأنها خرجت عن الدين، ثم نبرر لأنفسنا قمعها وسجنها وضربها.
نور: طبعاً، طبعاً.
أنور: هنا ما الذي جعل ميركل غير ممكن لها أن تستخدم شيئاً كهذا؟ هي العلمانية. رغم أنها تعلن: “أنا أستلهم المسيحية في برنامجي وأحاول أن أُفعِّل المسؤولية التي طالبنا بها المسيح”، وهذا حقها.
نور: صحيح طبعاً.
أنور: لكن فكرة أن يحدث تمييز بين الناس انطلاقاً من أنني مسيحية وأنتم لستم مسيحيين، هذا غير مقبول. فهذا معناه العلمانية بصرف النظر عن طرق الوصول إليها، صحيح. كذلك حتى إننا نجد أنه في إنجلترا ما زال الملك هو رمز الدولة ورمز المسيحية، وما زالوا محتفظين من الناحية الرمزية بقيمة للمسيحية.
نور: رمزية، طبعاً طبعاً.
أنور: لكن العلمانية متحققة هناك أكثر من فرنسا. يعني فيلم الإغواء الأخير للمسيح (Dernier Tentation de Christ)؛ المسيحيون المتدينون استُفِزّوا فهددوا في فرنسا بأنهم سيضعون قنابل في دور السينما فمُنِع عرضه. يعني في إنجلترا لا، هددوا وفعلوا ذلك ولكن من حقه أن يُعرض، ويُعرَض. وفي إيطاليا كان يُعرَض بجانب الفاتيكان. فهنا أصلاً يعني حين نقول إن العلمانية تأخذ طرقاً مختلفة، فإنها في النهاية تصبّ في أنه لا يصح أن يدخل الدين في لعبة السياسة للتمييز بين المواطنين.
(54:47)
نور: دكتور أنور، نعيش اليوم مرحلة خاصة نشهد فيها تحولات ثقافية كثيرة في العالم. اعتقدنا أننا وصلنا إلى العلم، وأننا بدأنا في مرحلة التقدم إلى الأمام، وأننا تخلصنا من أفكار كثيرة كانت تُعتبر علمية ثم اكتشفنا بأنها غير علمية. مثلاً، كان العالم في السابق يتعامل مع فكرة العرق، وكانوا يصدّقون بأن هناك جوهراً للدين وجوهراً للإنسان، وتخلصنا من كل هذه الأفكار. لكننا نعيش اليوم عودة، نشهد اليوم عودة جديدة إلى هذه الأفكار. في الإعلام نشاهد اليوم ما نتحدث عنه كأفكار تبدو بيولوجية طبيعية تقسم بين الناس بطريقة عرقية وبيولوجية. ومن ناحية أخرى، نسمع من جديد بصدام الحضارات، أو مثلاً نشاهد كلاماً يصدر من سياسيين شعبويين يحاولون من خلاله أن يتحدثوا بمفاهيم الطبيعة والاختلافات. يعني يبدو أن هناك شيئاً مختلفاً في المزاج العام يأخذنا من جديد إلى الوراء، يردّنا إلى الوراء. كيف تنظر لهذه العودة إلى مفاهيم اعتقدنا أننا تخلصنا منها؛ كالعرق، والدين، والإثنية، والانقسامات، والحروب على المستوى الكبير؟
أنور: طبعاً “السرديات الكبرى” كان مصطلحاً يُطلق أساساً على المذاهب الفلسفية الكبرى كالماركسية والهيجيلية، وهذه كانت مبنية على اعتقادات شائعة تقريباً: أن للتاريخ اتجاهاً، وأن هناك تقدماً تاريخياً، وأن العلم دائماً يتقدم لصالح الإنسان، وأن الإنسان يزداد بالعلم سيطرة وقدرة، وأن المظالم الاجتماعية في سبيلها إلى الانتهاء وسنصل إلى مجتمع العدالة. مع الملاحظة أن كل هذه الأشياء بدأت تهتز؛ لأنه تبين أن فكرة أن التاريخ دائماً يصعد للأمام ليست بالضرورة صحيحة، فهناك تاريخ يعود للخلف. وأولاً لسنا عارفين حتى اتجاهه أين سيكون بالضبط. كان دائماً هناك ثقة في العلم أنه يؤدي إلى رقي الإنسان، طبعاً بعد الحرب العالمية الأولى والدبابات والطائرات التي تقتل الأطفال، ومع القنبلة الذرية، زاد الشعور بأن العلم ليس بالضرورة مفيداً للإنسان دائماً، وأصبح هناك قلق. وكثير من ذوي الضمائر أيدوا شعوب المستعمرات في نضالها ضد الاستعمار وأيدوها ضد بلدانهم، مثل كتابات سارتر حول الثورة في الجزائر. ثم وجدوا أن الحكومات القومية نفسها تفعل في شعوبها أسوأ مما فعله الاستعمار. وبالتالي، كل هذه الأحلام الكبرى بدأ الواقع لا يأتي ليؤكدها بل جاء ليكذّبها، فهذا هو الذي أنهى السرديات الكبرى القديمة.
أما فيما يتعلق بالتمييز على أساس الدين، وعلى أساس العرق، وعلى أساس اللغة، فبالفعل كانت الدولة القومية أصلاً قد نشأت لتقضي على هذه التمييزات بين أفراد المجتمع الواحد. وسنجد أنه فيما قبل عصر الدولة القومية، أي عصر الإمبراطوريات الكبرى، لم تكن هناك مشكلة؛ لأن الدولة الرومانية كانت تمتد من وسط آسيا لغاية فرنسا، والحضارة الإسلامية تمتد من حدود الصين لغاية إسبانيا. ففكرة أنه لا بد أن تكون هناك ثقافة واحدة نمطية، لا، يعني سنرى أدياناً وعقائد ولكن لم تكن تحدث مشكلة؛ لأن الشرعية قائمة على الدين والقوة. فالخليفة هنا مسلم لكن الإمبراطور هناك مسيحي، خلاص، يعني شرعيته تُستمد من هذا، وتحته مسلمون ومسيحيون في بلغاريا وألبانيا وليس هناك مشكلة. لكن مع الدولة القومية صاحبة الزعم في أن كل هذه الفروق بين المواطنين ستختفي في ظل العلمانية وفي ظل المواطنة الكاملة، وبالتالي لن يكون للعرق أهمية -وليس معنى هذا أنه غير موجود أو غير مؤثر، بل ليس له أهمية- ولن يكون للغة أهمية، وهكذا.
وهذا الطموح الذي كانت تحققه الدولة القومية في عصر الازدهار، بدأ يواجهه نكوص في عصور الاضمحلال والانحطاط أو الأزمات الاقتصادية. فالأزمات الاقتصادية تسمح بظهور الفاشية أو اليمين المتطرف أو ظهور النزعة الدينية. والحرب الباردة استُغِل فيها الدين استغلالاً كبيراً جداً، واستُغِلّت اللغة استغلالاً كبيراً جداً، وأصبح هناك شعارات بأن هؤلاء المفروض أن يستقلوا لأنهم يتحدثون لغة مختلفة، أو لأنهم من عرق مختلف، أو لأنهم من دين مختلف. وطبعاً هذا منطق عبثي؛ لأن العالم فيه حوالي أكثر من 4000 دين، ومن أكثر من 6000 لغة، وفيه 200 دولة، فلو قلنا إن الاختلاف في اللغة مبرر لقيام دولة والاختلاف في الدين مبرر لقيام دولة، فسيكون عندنا 25 ألف دولة! وبالتالي فكرة أن تكون هذه أساساً لتحديد هوية شعب والمطالبة باستقلاله، فهذه ردة كبيرة جداً، وظهرت مؤخراً مع حروب البوسنة والفترة الأخيرة.
نفس المسألة فيما يتعلق باندماج المهاجرين؛ كان في الماضي لدى الدولة القومية ثقة من قوتها لأنها قادرة على دمج الأطفال الذين سيولدون ويدخلون المدرسة وينجحون ويعملون. فقد كان في كل مجتمع ما يُسمى “مؤسسات الدمج”، وهي المدرسة، والجيش، والخدمة العسكرية، والمصانع أو محل العمل. فلما لم يعد هناك جيش، خلاص انتهى التجنيد الإجباري، ولما لم يعد هناك عمل، أصبحت هناك بطالة، ولما أصبحت المدرسة تعطي شهادة لا تفتح مستقبلاً، فهنا يرجع الدمج ليختفي ويبدأ كل واحد بالعودة إلى أصوله ويعيش في الغيتو (المنطقة المعزولة) الخاص به، والدولة لا تسأل عنه. فهذه كلها أمراض ظهرت مؤخراً.
بينما كانت في الماضي فكرة أن الجيل الجديد الذي هاجر -سواء أكان قادماً من المغرب، أم من إيطاليا، أم من البرتغال أو فرنسا- هم بالتأكيد الأب والأم قادمون أصلاً وهم بعمر العشرين أو الثلاثين عاماً، يعني يعيشون على عاداتهم القديمة في البيت، لكن الأولاد، خلاص، سيدخلون في الجيل الثاني، سيندمجون وننتهي من هذه الفروق. الآن، هذه الفروق الثقافية تعيش مع الجيل الثاني ومع الجيل الثالث، ويظل كل واحد شاعراً أيضاً بأن له ديناً مختلفاً ولغة مختلفة. فهذا يعني أحد أعراض أو ملامح أزمة الرأسمالية، وأحد ملامح وأعراض أزمة السياسة في إدارة المجتمع كذلك.
أظن لو كانت الدولة عندها القدرة على أن تعطي فرصة عمل لكل مواطن لما كنا سنسمع هذه الاختلافات؛ وسيكون هناك شخص من أصل هندي، والثاني فيتنامي، والثالث عربي، والرابع فرنسي، وكلهم أديان مختلفة لكنهم أصدقاء ويعملون في الدولة، وعندهم شعور بالانتماء لهذا الوطن. لكن الأزمات الاقتصادية تخلق مثل هذه الأمراض، وهنا كونها تخلقها لا يُضفي عليها الشرعية، بل تظل سيئة وضارة بالذي يريد أن يستقل وبالمجتمع الحاضن الكبير، مضرة للاثنين معاً. ولأجل هذا، فجزء من التنوير الآن هو مواجهة ظهور هذه النزعات؛ لأنها ليست فقط نزاعات بالتمييز، بل بشكل بسيط ستتحول إلى تعصب وإلى حروب أهلية وإلى تفكك للدولة. فهذه السرديات الجديدة من هذا النوع هي بالفعل ردة وتؤدي إلى تفكك المجتمع، أو أن الدولة تكون عاجزة عن تحقيقها فتبررها بأشياء أخرى. يعني في فرنسا مثلاً، يتركون حياً أغلب من يسكن فيه عرب، وتقول الدولة: “إننا نحافظ على هويتهم الثقافية”، رغم أنها مدانة لأنها لا تحقق لهم ما يستحقه كل مواطن منها من مدارس ونوادٍ وسكن مريح، فتعفي نفسها بأن تقول: “لا، هم هذه هويتهم ويريدون العيش هكذا”. فهذه سرديات كبرى بالمعنى السلبي الذي لا بد أن نواجهه. لكن هل ما زال هناك مجال أو جدوى أو إمكانية لعودة سرديات كبرى تحمل الحلم والأمل كما كان الحال في القرن التاسع عشر أم لا؟ هذا سؤال ينبغي أن نطرحه الآن.
[نور]
نور: هل يمكن أن نعود إلى سرديات تتحدث عن تقدّم ووصول إلى حلول كبرى مثلما فهمتُ منكِ يعني؟
أنور: طبعاً، هو يعني السرديات التي أشرنا إليها تكون داخل دولة واحدة أو مجتمع واحد، وتؤدي إلى أنواع من الشقاق والاختلاف داخله. لكن لهذه السرديات بعداً عالمياً مثل “صدام الحضارات”، وأن الحروب القادمة ستكون بين معسكر الإسلام المتحالف مع الصين ومعسكر المسيحية المتحالف مع لستُ أدري مَن، ولكن سيكون هكذا صداماً بين أديان. أو “نهاية التاريخ” وأنه خلاص، الليبرالية انتشرت، ولم يعد هناك إنسان -مثلما كان يقول بوش- من الآن فصاعداً لم يعد إنسان يسأل نفسه أي نظام أتبنى، فقد انتصرت الليبرالية في كل مكان. طبعاً الآن بالعكس، الليبرالية تسبب أزمات كثيرة. فهذه سرديات كبيرة موجودة ومهيمنة الآن، لم نكن نسمعها، وهي ليست تحمل الحلم، وإنما هي في النهاية تقول خلاص، الواقع يتشكل وسيبقى بهذا الشكل، وستحدث حروب وستحدث صدامات. لكن السرديات التي تحمل أمل الإنسان في التحرر وفي العدالة، هذه هي، هل هناك فرصة لها أم لا؟ لا أعرف. لكن هل هناك حاجة إليها أم لا؟ هناك حاجة إليها؛ لأنه يعني كان ألكسيس دو توكفيل يقول: عندما نرى تاريخ الإنسانية بمعاركه، وبمعاهدات السلام، والقادة الذين جاؤوا وصنعوها، والغزوات التي قاموا بها، والهزائم التي تعرضوا لها، أو الحروب التي كسبوها، نشعر كأنه في نوع من العناية الإلهية تقود البشرية كلها في تاريخ واحد لكي ينتهي بتحقيق الحرية والعدل للجميع. هذه غاية التاريخ في النهاية، وإذا لم تتحقق نكون عائشين قلقين ومتوترين ولا تعجبنا حياتنا، فكل شيء يتحرك في هذا الاتجاه. ومن هنا كانت هناك إذن السرديات الليبرالية، والماركسية، والاشتراكية، والبراغماتية، فكلها كانت دائماً تغذي هذه الفكرة: أننا مع الوقت نصنع مجتمعاً أكثر عدلاً.
نور: وسنصل إلى الخلاص بطريقة ما.
أنور: نحن الآن الظروف بالمقارنة تكون أكثر سوداوية، ويعني نرى في العالم مظاهر للصراعات والاحتكاكات كنا قد تصورنا أن الزمان قد عفا عليها، فنجدها تعود ثانية. يعني لم يكن أحد يتصور أنه سيأتي وقت ونجد فيه سوق جوارٍ معروضاً في التلفزيون، والناس تذهب لتشتري نساءً؛ كل هذا بدأ يعود ثانية. فنحن نعيش أيضاً في عصر كابوسي، أو انحطاط، أو الألفاظ التي كانت تُستخدم لوصف هذه المراحل التاريخية. إذن نحن في حاجة إلى أن تكون هناك سردية كبرى محفزة ومحركة لطاقات الجماهير لكي تتحقق.
نور: لكن أكثر منطقية من تلك التي كانت يعني تقدم وعوداً كاملة بالخلاص.
أنور: أكثر منطقية، وأكثر يعني استجابة لمتطلبات العصر الذي نحن نعيش فيه؛ لأنه في القرن التاسع عشر لم تكن هناك أزمة بيئة، أو لم نكن نشعر بأن هناك أزمة بيئة.
نور: ولا هناك ذكاء اصطناعي يسير بهذه السرعة الهائلة، ولا كل ذلك يعني.
أنور: يعني لم يكن هناك، يعني هل يمكن لفيلسوف قديم أن يتحدث عن التلوث، ولا ثقب الأوزون، ولا التغيرات المناخية، ولا الزيادة الديموغرافية؟
نور: ولا حتى العنف، العنف.. أصبحنا أشد عنفاً، يعني حتى.
أنور: يعني حتى يقدر علماء الديموغرافيا ويقولون إن عدد سكان العالم عند ميلاد المسيح كان حوالي نصف مليار، وفي القرن الخامس عشر وصل سكان العالم إلى 550 مليوناً. يعني خمسة عشر قرناً زاد العالم فيها 50 مليوناً فقط، لكن من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين أصبحنا سبعة مليارات!
نور: رقم خيالي.
أنور: فمع الثورة الصناعية، الديموغرافيا زادت بصورة فظيعة جداً، وهذا طبعاً له تأثير على حقوق الأجيال المقبلة، واستنفاد موارد الطبيعة، وكل هذه الأشياء. فنحن في ظرف مختلف عن القرن التاسع عشر الذي لم تكن فيه هذه الهموم تكبّلنا. وطبعاً الجانب الآخر وهو: العلم هل ما زال تحت سيطرة الإنسان، أم الإنسان هو الذي سيتحول إلى موضوع تحت سيطرة العلم؟ لأنه مثلما يقول هيدجر: التكنيك (التقنية) الإنسان صنعه لكي يتلاعب بالأشياء، فاكتشف أنه هو نفسه أصبح موضوعاً للتلاعب من خلال الاستنساخ، والهندسة الوراثية، وكل هذه الأشياء. فكل هذه تحمل هموماً وأخطاراً كبيرة جداً.
ومن هنا السرديات الكبرى، يعني ماركس كان قد صاغها على أساس أنه ستكون هناك برجوازية تستغل العمال، فأصحاب المصلحة في التغيير التاريخي هم العمال، وهؤلاء العمال لا يعملون في بلد واحد، وإنما يعملون على مستوى العالم؛ لأنه لا يمكن هزيمة الرأسمالية في بلد واحد، فإما أن تُهزم على مستوى العالم وإما ستظل موجودة، ومن هنا دعا لفكرة الأممية، أي نضال كل العمال في كل البلاد، وأسّس الأممية الأولى التي هي أول منظمة غير حكومية في التاريخ؛ لأنها منظمة تضم جوزيبي مازيني من إيطاليا، وباكونين من روسيا، وماركس من ألمانيا، وبول لافارج من فرنسا، وكلهم في منظمة واحدة بمبادرة منهم، وليست الحكومات هي التي شكّلتها. وهذا هو نموذج المنظمات غير الحكومية بمبادرة من الناس، وهذا سلاح جديد يمكن أن يكون مفيداً في التواصل بين البشر في نضالهم من أجل الانعتاق.
أيضاً يعني سردية العمال والبرجوازية لم تعد مناسبة للظروف الحالية؛ لأنه طبعاً البرجوازية تنهب العالم الثالث وبالتالي لا تستطيع أن تسمح بظروف حياة كريمة للعمال، وبالتالي فهم ليسوا متحمسين كثيراً لفكرة تغيير النظام الاقتصادي. لكن في النهاية يمكننا القول إن هناك سردية قابلة للاستثمار وإنها يمكن أن تكون فعّالة، وهي سردية “الشمال والجنوب”.
[نور]
ماذا تقصد بسردية الشمال والجنوب؟ الجنوب العالمي.
أنور:
يعني الشمال؛ العالم الذي يحتكر كل الثروة، وعنده كل التقدم والحياة المرفهة، والجنوب الذي يُستغل ومحروم وهكذا. لأن دول الشمال تشكل 13% من سكان العالم، لكنها تستمتع بحوالي 75% من الثروة العالمية والإنتاج العالمي وكل شيء. فالآن عندما أتبنى نمط تنمية في مصر، أو في بنغلاديش، أو في المغرب أو نحو ذلك، وأريد أن أصبح مثل أمريكا، وأريد أن أصبح مثل أوروبا وألمانيا؛ تخيلي أن 13% وأحدثوا كل هذا التلوث!
عندما يصبح العالم كله مثلهم، الأرض ستحترق. فإذن، عليّ أن أبحث عن نمط تنمية جديد يسمح بأن نستمر في الحياة، وألا تضيع فرص الحياة. ثانيًا: يسمح بتقليل الفجوة بين هذه الأقلية المرفهة وبين الأغلبية التي تعاني. وهنا يجب أن يكون النضال على مستوى العالم، ولن يكون على مستوى منطقة محددة، وهذا هو الذي سيغير لغة الخطاب. يعني أنا لن ينفع أن أتكلم مع الصين، ولا فيتنام، ولا أمريكا اللاتينية بمنطق الفتوى، وهل هذا مقبول دينيًا أم مش مقبول؟ أنا أبحث عن خطاب إنساني يسمح بأن ننسق جهودنا ونتضامن، سواء دول أو منظمات غير حكومية أو أفراد، في أن نتجاوز هذا الاستنزاف وهذا الاستغلال من الشمال لبلاد الجنوب.
كيف يفسر صعود الشعبوية واليمين المتطرف؟
[نور]
دكتور، أحب أن أسألك في اتجاه آخر، له علاقة بحديثنا ولكن باتجاه آخر. هناك اليوم صعود قوي وشديد لما يُسمى باليمين المتطرف والشعبوي تحديدًا، والمركز الأساسي في أمريكا وله طبعًا تفرعات أخرى في أماكن مختلفة من العالم.
في المقابل، ما لدينا اليوم لا يظهر بقوة إلا إسلام سياسي واحد، وكأن هناك قطبين يتصارعان الآن في أماكن مختلفة، وكأن الواحد هو فعلًا نقيض الثاني. ما خطورة هذا الواقع؟ وكيف يمكن أن نفهم نحن اليوم صعود هذا الخطاب اليميني؟ ليس اليميني وحسب، اليميني الشعبوي، ويمكن أكثر كلمة يتفق معها.. اليمين الشعبوي، وهذا التيار الآخر الذي يدّعي الإسلامية، يلتقيان في فكرة نقد النخبة، ونقد المثقفين، ونقد الثقافة، والتوجه نحو الشعب، وكأن الشعب في حد ذاته قادر أن يتحرك نحو الأمام. ما خطورة هذا الخطاب؟
أنور: طبعًا خطر جدًا، وهذا يجعل الواحد يرد الاعتبار لانتقادات أفلاطون للديمقراطية؛ لأنه يقول إن الديمقراطية تعني أننا نتوسل أصوات الناخبين، فهنا سيكون من يريد الحكم مضطرًا أن يقول للجمهور الأشياء التي تعجبه لكي يأخذ أصواته. ويشبّه هذا بطباخ الأطفال؛ فهو يقدم لهم ما يحبونه من الحلويات وما شابه ذلك، والأطفال فرحون به، ولكن أكله مفسد لصحتهم. فهذا هو اليمين؛ يعني يقول كلامًا يغازل الناس وينبسطون منه، ويفهمونه ويصدقونه، لكنه مضر في حياتهم الاجتماعية؛ لأنه لو كان يحل مشكلة، لم تكن هناك مشاكل، لكننا نجد بالعكس أن المشاكل تتفاقم أكثر. وهذا ما رأيناه مع الفاشية والنازية واليمين المتطرف؛ فهو يقلل الحريات، ليس للأجانب أو المواطنين من أصول أجنبية فقط، بل لكل المواطنين؛ فلن تكون هناك حرية رأي ولا إبداع فني، بل رقابة، وفي الآخر لا يوجد بديل،لأي شيء آخر أن يتحسن.
من هنا يستغل اليمين الشعبوي هذا الموضوع، وهذا بسبب أزمة عند اليسار أيضًا في أنه لا يقدر أن يطرح مشاريع بديلة جذريا ومقنعة. لأننا رأينا الجمهور في فرنسا أو ألمانيا وهو يغير؛ أحيانًا نجد حكومة يمينية، وبعد قليل نجد انتخاب حكومة اشتراكية، ونقول لماذا؟ لأن صعود التيار اليميني يقلل الضرائب على الأغنياء ويزيدها على الفقراء، فنأتي باليسار للحفاظ على مكاسب الفقراء في التأمين الصحي والضرائب القليلة وما إلى ذلك. ثم نرى اليسار بعد قليل يقوم بعملية خصخصة، ويحولها إلى رأس مال خاص وكذلك. في فرنسا، كمية خصخصة المشاريع التي كانت ملك الدولة تمت في عهد الاشتراكيين أكثر مما تمت في عهد اليمين! فالناس لم يتمكنوا من التمييز بين ماذا يفعل اليسار وماذا يفعل اليمين، لأنه لا يوجد لدى كل منهما مشروع بديل حقيقي. ومن هنا، فهذا يجعلهم يستسهلون السماع إلى اليمين المتطرف، وطبعًا الحجة المستخدمة أن يهاجموا العرب في فرنسا، أو يهاجموا اليهود، أو يستعيروا لغة اليمين المتطرف القديمة، ويقولون: ها هو يعني يقول كل ما في قلب كل واحد منا، وغير قادر على أن يقوله. لكن السياسة ليست التعبير عما في قلب كل واحد، السياسة هي أن يدير الواحد المجتمع بطريقة فيها سلام اجتماعي.
ما الفرق بين المثقف الحقيقي والمثقف الشعبوي؟
نور: وهذا يصل أيضًا إلى الثقافة والمثقفين. هناك من يقول إن فلانًا مثقف لأنه يعبّر عما لا نستطيع أن نعبّر عنه. ما رأيك حتى بفكرة المثقف الشعبوي؟ هل تشبّهه بالسياسي الشعبوي؟
أنور: هو طبعًا المثقف في رسالته الأساسية بعيد عن الشعبوية، بل من المفروض أن يكون صادمًا للناس، ولكن بالصورة التي مع الممارسة تجعل الناس تتصور أنه أخيرًا ظهر من يقول الحق. لأن كلمة “مثقف” ليست موجودة في تاريخ الفكر، لا عندنا ولا في الغرب. لو بحثنا ابتداءً من القرن السابع عشر، طبعًا ليس هناك شيء اسمه المثقف؛ هناك فيلسوف، هناك طبيب، هناك كاتب، هناك شاعر، هناك رسام، لكن لا يوجد كيان اسمه المثقف. طبعًا المثقفون نرجع بهم إلى “فولتير”، الذي يأخذ قضية خاصة ويحولها إلى قضية رأي عام. أو بشكل أقرب، في قضية “درايفوس”، “إميل زولا”؛ إنه أديب وعمله يكتب روايات، لماذا يتدخل في الشأن العام، ويدافع عن ضابط متهم بالتجسس، ويقول عنه مظلوم؟ وليس فقط هو الذي يدافع، بل يعمل عرائض ويستكتب كل الناس. فلما نجح في أن يُسقط التهمة، بدأ الناس يدركون أن هناك قوة اجتماعية اسمها المثقفون يجب أن يُحسب لها حساب.
فالمثقفون، ما مهمتهم؟ يعني أولًا ليست مهنة، فليس هناك واحد يقول لي: ماذا تعمل؟ فأقول: أنا أعمل مثقفًا. أنا أستاذ جامعة، أنا طبيب، أنا… لكن المثقف هذا هو مهمة وليس مهنة، أو دور في المجتمع. فكان للمثقف توصيفات كثيرة؛ يعني عند ماركس، هو الوعي التاريخي الذي يجعله ينحاز إلى الطبقات التي التاريخ في صفها، لكنه ليس هو الذي سيُغيّر؛ البروليتاريا تحرر نفسها بنفسها، ليست بحاجة له يعني، لكن ليس هناك داعٍ أن يكون رجعيًا ودائمًا متمسكًا بالقضايا القديمة التي يتجاوزها التاريخ. لكن العامل لا، طبعًا الطبقة العاملة لن تعرف الوعي إذا لم يكن هناك مثقفون يعرّفونها به، فيكون له دور.
مع غرامشي يكون مثقفًا عضويًا ومنتميًا إلى كذا.. طبعًا مع سارتر، يقول هو مهم لأن الطبيب الذي يعالج الأطفال هو يتابع عمله، وهو الفن الخاص بالمعرفة التي تعلمها في الجامعة، لكن يوم أن يقول هذا الطبيب: يا ترى الفقراء كيف يعالجون أطفالهم؟ هنا لم يبقَ طبيبًا، أصبح مثقفًا؛ لأن هذا سؤال لا علاقة له بالطب، له علاقة بالمجتمع. لا ينفع مثلًا أن يقول مهندس معماري: لماذا الدولة لا تطبق التأمين الصحي بشكل صحيح؟ نقول له: أنت متخصص في الهندسة، ما شأنك بالتأمين؟ هذا عمل ناس آخرين. فهنا أصبح تعريف المثقف هو من يتدخل فيما لا يعنيه، ولكن تدخله إيمانًا منه برسالته في نصرة الفقراء والمظلومين، ومسؤوليته أن يُعلن شهادة عن عصره، شهادة أمينة. ومن هنا يصبح المثقف، إيمانًا بهذه الرسالة، دائمًا يتدخل فيما يعنيه، لا فيما لا يعنيه.
فهنا نشعر بأن المثقف له دور كبير. وقد قال بورديو ما معناه إنه لا يكون هناك شيء اسمه حقوق المرأة أو حقوق العمال موجودًا وفعليًا، ولكن عندما يظهر مثقفون يطالبون بحقوق العمال، وآخرون يطالبون بحق المرأة، ويحدث اعتراف اجتماعي بهذه القيمة، سواء في شكل دستور أو إعلان مبادئ، هنا يبدأ الناس يرون أنفسهم عمالًا أو نساءً ويخرجون يطالبون بحقوقهم. يعني مثلًا كتاب مثل كتاب قاسم أمين، لو كان كُتب قبل خمسين سنة من ذلك، لم يكن أحد سيشعر به ولا كان سيصبح مشكلة.
لكن متى يصبح مشكلة؟ عندما تبدأ قوة اجتماعية مستعدة أن تتحرك باسم هذا الكلام، ولأجل ذلك هم يلعبون دور ترسيخ القيم التي بناءً عليها يتحرك الشعب ويطالب بحقوقه. ومن أجل ذلك، كانت فكرة أن واحدًا يتكلم عن العمال، ولكن معه سيجار ويركب سيارة، فكنا دائمًا نعتبره وكأننا نقول: وأنت ما شأنك وشأن الفقراء وأنت تعيش هكذا؟ فهو يقول: لا، المثقف ليس فقيرًا، هو “عرضحالجي”؛ الذي يجلس في المحكمة لأنه فاهم للقانون، يكتب عرائض للناس للقاضي؛ واحد عنده مشكلة في نزاع على أرض، امرأة تريد أن تطلق، واحد يريد أن يفعل شيئًا، يكتب للجميع المذكرة التي تسمح له بالحصول على حقه. ومن هنا فالمثقف ليس لازمًا، لأنه يدافع عن العمال، أن يكون عائشًا عيشة العمال. فكل هذه تصورات المثقف في مرحلته التي كانت بالفعل دورًا مهمًا وإيجابيًا في دفع المجتمع إلى الأمام، وفي تحريك الناس للمطالبة بحقوقها.
أما المثقف الحالي، الذي يأتي ليبرر قرارات الحكومة، والذي يأتي ليأخذ حكاية أو حكايتين عن اليهود أو عن العرب، لكي يمهّد بها لحكم اليمين المتطرف، فهذا طبعًا ليس مثقفًا ولا شيء، هذا دعائي أو طبال للقوى التي تستغلهم.
هل فكرة “القابلية للاستعمار” حقيقة واقعية؟
نور: صحيح. دكتور، اسمح لي أن أسألك سؤالًا في نهاية هذه الحلقة حول الاستعمار، ولكن بطريقة أخرى، في سرديات أخرى شائعة كثيرة، تقول إن الشعوب التي تتعرض إلى استعمار أو استبداد أو قمع ثقافي وسياسي واقتصادي، تستبطن، يعني تُدخل هذه الحالة إلى داخلها، وتصبح، كما قال “مالك بن نبي” في كتابه قديمًا، “قابلة للاستعمار” دون أن تشعر، ربما بحالة غير واعية تجلب المستعمر، تجلب المستبد، تريد من يستغلها بطريقة أو بأخرى. كيف تنظر إلى هذا الموضوع، خصوصًا أنه يُعاد طرحه من جديد اليوم في سياقات مختلفة؟
أنور: أعتقد أن مفهوم “القابلية للاستعمار” هو مفهوم نفسي أكثر من كونه مفهومًا واقعيًا. فالاستعمار يحدث بسبب الفرق في التقدم والثروة، فالدولة صاحبة الإنتاج الكبير، وعندها ثروة وسلاح، بالتأكيد من السهل أن تذهب فتستعمر الشعوب البدائية. طبعًا هذه ليست حالة جديدة، فالإمبراطوريات كلها قامت على هذا الأساس، لكن الفكرة أنه كان قديمًا، في عصر الإمبراطوريات، لم يكن هناك شيء اسمه وعي قومي؛ يعني لم يكن من المعقول أن يتعامل المصريون مع “الإسكندر” على أنه جاء يحتلهم، أو أن العرب جاؤوا محتلين، لأننا نجد في هذا العصر أن الدول كلها تابعة لإمبراطوريات، ولا توجد دولة مستقلة. لم يخرج منهم بطل يدافع عن الاستقلال.. وحتى “زنوبيا”، عندما قامت بحرب، كان ذلك من أجل أن تصبح إمبراطورة في روما، ليس من أجل تحرير سوريا. حتى إنه كان، عندما يجد بلدٌ ما نفسه وحيدًا في الفراغ بعد سقوط إمبراطورية وظهور إمبراطورية جديدة، يُبعث للإمبراطورية الجديدة: “تعالوا احكمونا”. ففكرة العاطفة القومية والوطنية هذه نشأت مؤخرًا مع الدولة القومية، ويُذكيها حرص الدولة القومية على احترام الحدود ومشاعر الانتماء، وأصبحت تزرع في الناس أن هذا هو الوطن الذي نفديه بروحنا ودمائنا.
نور: إذن أنت ترفض الفكرة الأولى، لأنها نفسية أكثر، ولا تدل على الواقع اليوم؛ يعني الواقع اليوم يقوم على الفكرة القومية، وهذا ما لم يكن موجودًا من قبل، صحيح تمامًا؟
أنور: الأمر الثاني هو أن مفكري النهضة حينما أرادوا أن يبحثوا عن طريق للتحرر من إنجلترا، فبالتأكيد قالوا: نُدخل العلم الحديث، والاهتمام بالصناعة، ونخرج من كوننا مجرد مجتمع زراعي، ونعلّم أولادنا، وننشئ جيشًا قويًا، وسنتقدم. كل هؤلاء اتُّهموا بأنهم تابعون للاستعمار؛ لأنهم سيأخذون كل هذه الأمور من الغرب: الإدارة السياسية للمجتمع، والصناعة، والعلوم، والجامعات من أوروبا، فاتُّهموا بالتبعية. لكن لو حاولنا أن نرى أي دولة صنعت نهضة مستقلة بعيدًا عن التأثر بأوروبا، فلن نجد؛ لا اليابان ولا الصين ولا أي شيء من هذا. فالصين طبعًا كانت تعيش في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بلدًا متهالكًا بشكل فظيع، تنازعها الإمبراطور الرجعي والإنجليز المستعمرون الذين احتلوا أهم الموانئ، لا الصين كلها، أي الأماكن التي تجلب الأموال، وحرب الأفيون طبعًا كانت قائمة. اعتمد “سون يات سين” على النخبة الصينية المتعلمة من أجل تحرير بلده من الاستعمار ومن الحاكم المستبد، الملك.. الإمبراطور، واستعان في ذلك بفلسفة “كانط” ومنهج “جون ديوي” في التربية، وبدأ يُنشئ المدارس على هذا الأساس. لم يقل له أحد: “لماذا تفعل ذلك وتترك الصين بتاريخها الطويل؟ ولماذا لم تأتِ بـ’كونفوشيوس’ ولا تعمل بمنهجه أصلًا؟”.. ثم جاء “ماو” وقال: “إن الاعتماد على النخبة المثقفة ليس كافيًا لتحرير بلدنا من الاستبداد ومن الاستعمار، يجب أن نعتمد على العمال والفلاحين”، فتبنى الماركسية. وما رأينا صراعًا كبيرًا حول: “كيف تتبنى فلسفة غربية وهم الذين استعمروك؟”. هذا الكلام الذي يملأ مجلدات عندنا في الثقافة العربية، غير موجود في الثقافات الأخرى؛ لا في اليابان، ولا في الصين، ولا في فيتنام الآن.
نور: ما سبب أنها تملأ الكتب والمجلدات عندنا؛ هذه الدراسات وهذه الأفكار؟
أنور: نابع من الاعتقاد القديم بأن تراثنا ما فرط في شيء.. وفيه كل شيء، وفيه كل الحلول، وأي شخص يحب أن يبحث عن فكرة من الخارج، يكون ذلك عمالة وتغريبًا. يعني حتى من ضمن الأمثلة، في التلفزيون بعد ثورة 25 يناير في مصر، قيل إن الأحزاب السلفية -الذين هم طبعًا يرفضون السياسة لأنهم ناس متدينون- سينشئون حزبًا. فالمذيع سأل أحد القادة: “طيب، أنتم بهذا الشكل ستنشئون حزبًا، وتدخلون الانتخابات والبرلمانات، وستظلون أيضًا تقولون عن الليبراليين كفار، وعن الاشتراكيين كفار؟”، فقال له: “لا طبعًا، لن نتعامل معهم بهذا الشكل، إنما سأتعامل معهم على أن الإنسان يمكن أن يكون في ضلال وهو يعرف أنه في ضلال، لكن إنسانًا آخر يكون في ضلال وهو لا يعرف، فأنا سأتعامل معه على أنه لا يعرف أنه في ضلال، وسأجلس معهم وأبين لهم أنهم في ضلال، وبعد ذلك خلاص، أصبحوا يعرفون أنهم في ضلال، فلو لم يستمعوا لكلامي، خلاص، يكون الحكم بعدئذٍ الكفر”.
فتشعرين هنا أن هذه النظرة، رغم أنه يعرضها بشكل ديني، إلا أنها يمكن أن تأخذ شكلًا علمانيًا أيضًا، في أن أي شخص يأتي بفكرة من تيار فلسفي، براغماتي أو وجودي أو ماركسي، يكون بذلك عميلًا للغرب. وهذه ما زالت سائدة، وكنا نسمع كثيرًا حتى في المؤتمرات الفلسفية أن: “الفيلسوف الفلاني هذا لا يصح أن نأخذ أفكاره”، “ما الخطأ فيه؟”، “لأنه دنماركي!”، “طيب ما باله؟ هل عنده أي خطأ؟”، “لا شيء”. فأصبحت الفكرة شائعة.. فكرة أن نتخلص من القابلية للاستعمار تُرجمت إلى أننا لا نريد أي شيء له رائحة الاستعمار، في حين أن “قاسم أمين” و”طه حسين” يقولان: “نحن نريد أن نمتلك أسباب القوة التي تجعلنا نستطيع أن ننتصر على إنجلترا، أو على الأقل نجبرها على الخروج من بلدنا”. يعني هدفهم الأصلي هو الاستقلال وليس التبعية، ورغم ذلك، لمجرد أنهم قالوا نريد أن ننشئ برلمانًا وحكومة ديمقراطية وعلومًا حديثة في المدارس، اتُّهموا بالتبعية. وأنا أجد دائمًا أن من يستخدم تعبير “القابلية للاستعمار” يصل في النهاية إلى نتيجة برهانه على أننا لا يجب أن نأخذ أي شيء من خارج تراثنا.
هل نبالغ في تحميل الاستعمار مسؤولية أزماتنا؟
نور: طيب، ننهي بسؤال عن سردية شائعة، إذ نتناول سرديات كثيرة. هناك من يقول إن الاستعمار انتهى، لم يعد عندنا، يعني جلس كم سنة هنا وكم سنة هناك وانتهى، فماذا تفعلون اليوم؟ لماذا لا تفعلون كذا وكذا؟ هل نحن نبالغ في الحديث عن الاستعمار؟ ما هو هذا الاستعمار يعني؟ يشعر الشخص عندما نتحدث عن الاستعمار كأنها جماعة جاءت أخذت بعض الأشياء وانتهى الأمر، رحلت وأخذت أغراضها وذهبت. فأنا أريد أن أفهم، هل هناك مبالغة؟ هل أننا اليوم نحمّل الآخر مسؤولية يجب أن نحملها لأنفسنا اليوم؟ يعني هذه العلاقة مع الاستعمار، التي لا تزال موجودة مع انتهاء الاستعمار -هذا إذا لم نتحدث طبعًا عن كيان صهيوني موجود في فلسطين، طبعًا هنا حديث آخر- أتحدث عن الاستعمار بسياقات مختلفة في مصر، في سوريا، في لبنان، وما إلى ذلك.
أنور: لا شك أن الاستعمار، طبعًا، ظاهرة فيها سيطرة وقهر، ولا سبيل للخلاص منها إلا بالمقاومة بصورها المختلفة. ولكن يعني، ليس هناك مبرر للقبول بها ولا التوافق معها، ولا مسايرتها، الأمر يستحق المقاومة. لكن المشكلة بعد رحيل الاستعمار -وهنا كان حتى هذا رأي الأستاذ “جورج طرابيشي”- أن إنجلترا حكمت الهند طويلًا جدًا، وصنعت هناك مجازر واضطهادات أكثر من مصر؛ فمصر كان فيها مجرد انتداب، يعني سفارة، وكانوا يتحكمون فقط في السياسة، لكن لم يكن هناك هذا الحضور في كل الإدارات والقمع الشديد. ورغم ذلك، الهند بعدما تحررت من الاستعمار لم تستبد بها الرغبة في الانتقام، في حين أننا، نحن العرب، دائمًا مشغولون ومنتظرون اليوم الذي سننتقم فيه من المستعمر الذي استعمرنا، ونؤسس علاقاتنا الدولية وسياساتنا الداخلية وتربيتنا لأولادنا على أننا يجب في يوم أن ننتقم. في حين أن الدول العاقلة قالت: “تخلصنا منه جيدًا ورحل، نصبح الآن نبني دولتنا بالطريقة التي تسمح لنا بالتقدم، وتسمح لنا بأن نكون فاعلين اقتصاديًا، ننتج، وتصبح لدينا الكفاءات التي نحتاجها”، ونسوا فكرة الانتقام.
فالمبالغة، فعلاً، معكِ حق في القول بالمبالغة؛ طبعًا، المبالغة هي أننا دائمًا نتعامل مع الموضوع بروح أننا نريد أن ننتقم، وما أخذنا بعد ثأرنا. فعقدة الثأر هذه موجودة عندنا، ومتصورون أن هذه هي التي ستردّ لنا كرامتنا. في حين أن رد كرامتنا يمكن أن يكون حتى من خلال علاقات طيبة مع المستعمر، اقتصادية وسياسية، مفيدة لبلادنا، ويقدر العقل أن يحسبها على أنها ليست تبعية ولا أي شيء. وسنجد حتى أن الهند عندما قالت: “نأخذ اللغة الهندية كعامل مشترك بين اللهجات واللغات المختلفة، وتصبح هي اللغة الرسمية في الهند لكي نعرف كيف نتفاهم مع بعضنا”، هذا روح أفق واسع، ويستفيد من تراث التعليم الإنجليزي ولا يُلغيه. نحن تحركنا العُقَد أكثر مما تحركنا نظرة عقلية للمصالح؛ لأن العقل هو حساب المصلحة، أما العواطف فهي التي توجّه نحو الكراهية والنبذ والإقصاء.
نور: شكرًا دكتور.
