Skip to content Skip to footer

جاك لاكان وطبولوجيا المجتمع | أ.د. محمد الخمسي أستاذ التعليم العالي للرياضيات – المغرب

تمهيد وتذكير: يعتبر علم الطوبولوجيا علمًا حديث نسبياً يدرس الخصائص المكانية للأشكال التي تظل ثابتة لو تعرضت لتشوهات مستمرة كالتمدد أو الثني دون تمزيق، علم  الهندسة الأساسية  التي تركز على الاتصال البنيوي والترابط وليس القياسات للمسافات أو الزوايا، وتتعامل مع الأشكال بشكل مرن مع خصائص لا تتغير، أما الفضاء الطوبولوجي فهو مجموعة من النقاط مع بنية تحدد “جوارات” كل نقطة، مما يتيح تعريف الاتصال والتقارب، فروعها متعددة، وتُعد مكونا أساسيًا في التحليل الرياضي والهندسة، وفي نظم المعلومات الجغرافية لتحديد العلاقات المكانية بين عناصرها، وفي الشبكات تحدد الترتيب المادي والمنطقي لتوصيل أجهزة الكمبيوتر. باختصار تدرس جوهر الشكل وعلاقة أجزائه ببعضها بدلاً من قياساته الظاهرية.

 علاقة جاك لاكان بالرياضيات:  أعتمد جاك لاكان 1901 – 1981 الطبيب والمحلل النفسي الفرنسي البارز تطوير التحليل النفسي بدمجه مع البنيوية واللغة والرياضيات، هذا الدمج هو ما يهمنا في هذه الورقة وقد اعتمد تقسيما ثلاثي الابعاد:

الخيالي المتمثل في الصور والتوهمات، والرمزي المعتمد على النظام الثقافي واللغوي المتحكم فينا، والواقعي الذي لا يمكن التعبير عنه أو استيعابه باللغة أو الرموز.

 وظف لاكان نظرية المجموعات  والطبولوجيا (1) كأدوات هيكلية لتفسير بنية اللاشعور، معتبراً أن “اللاشعور منظم كاللغة” وأن العقد النفسية يمكن تمثيلها بنماذج رياضية دقيقة تفوق الوصف اللفظي المجرد، ومن الأشكال الطوبولوجية المعتمدة “شريط موبيوس” كسطح هندسي مذهل ذي وجه واحد فقط وحافة واحدة، ويتميز بكونه “غير قابل للتوجيه”. يُصنع عبر لف شريط ورقي نصف لفة (180 درجة) ثم لصق طرفيه، مما ينتج عنه حلقة متصلة يمكن السير عليها بالكامل دون عبور أي حافة، اكتشفه العالمان موبيوس وليستنغ عام 1858 شريط موبيوس عكس الورقة العادية التي لها وجهان (أمامي وخلفي)، إذا بدأت التلوين من نقطة ما، ستلون كامل الشريط وتعود لنقطة البداية دون أن ترفع قلمك، مما يثبت أنه وجه واحد ولا يوجد فرق بين “الداخل” و”الخارج”. وغير قابل للتوجيه. هذا الشكل ألهم الفنانين مثل “إشر” في تجسيد اللانهائية. 

 أما “زجاجة كلاين” فهي سطح هندسي عجيب ذو وجه واحد فقط، ليس له داخل أو خارج، ولا حواف، مما يجعلها مستحيلة الوجود في فضاء ثلاثي الأبعاد دون تقاطع، لكنها ممكنة في البعد الرابع. اكتشفها عالم الرياضيات فيليكس كلاين عام 1882 بحيث لا يمكنك تحديد جانب “داخلي” وآخر “خارجي” فإذا بدأت تلوين السطح ستلون الزجاجة بالكامل من الجانبين دون رفع القلم.

التوظيف الرياضياتي: وظف لاكان عقدة بورومي” (المكونة من ثلاث حلقات متشابكة) لتمثيل ترابط العوالم الثلاثة: المتخيل (Imaginary)، والرمزي (Symbolic)، والواقعي (Real). إذا انقطعت حلقة واحدة، تفككت العقدة بالكامل، مما يرمز لترابط هذه الأبعاد في النفس.

الرموز: صاغ لاكان نظرياته في معادلات شبه رياضية، مثل “رسم بياني للرغبة”   وكان الهدف عدم استخدام الرياضيات للقياس الكمي، بل كرموز منطقية (Mathemes) لضمان دقة التحليل النفسي وانتقاله كعلم، وتجنب التفسيرات الذاتية العائمة، استغل لاكان  الطوبولوجيا والمنطق الصوري، لتحويل التحليل النفسي من سرديات وصفية إلى بنية علمية دقيقة تصف اللاشعور كـ “لغة”، واستخدم هذه الأشكال الهندسية لتمثيل تداخل الوعي واللاوعي، والرمزي والمتخيل والواقعي، مما يُظهر استحالة فصل الذات عن اللغة، واستخدم الأسطح لتمثيل النفس، وجعل شريط موبيوس أن الداخلي/(الوعي  والخارجي/ للاوعي هما في الواقع سطح واحد متصل، حيث لا يوجد حد فاصل حقيقي بينهما. وأن عقد بروميو تمثل ترابط ثلاث دوائر الرمزي، والمتخيل والواقعي، مما يفسر ترابط الأبعاد النفسية. أما اللغة كبنية رياضية اعتبرها لاكان أن اللاشعور مهيكل كلغة، وطبق المنطق على الخطاب النفسي، مستبدلا مفاهيم فرويد النفسية بمفاهيم دالية (رموز) تشبه المعادلات، حيث تتحرك الذات ضمن سياق رمزي.

مرحلة المرآة (الرياضيات التخيلية) ، وصف لاكان “مرحلة المرآة” بتعرف الطفل على صورته، كنوع من التباين بين تشظي الجسد وتماسك الصورة (النموذج الأولي للأنا)، وهو ما يُنمذجه كحالة توتر بين “الذات” وصورتها التخيلية، وذهب لاكان في توظيف الرياضيات المتقدمة Hamiltonian في مراحل متأخرة من عمله حيث ربط  الخطاب النفسي بمفاهيم “الهاملتونيان” في الفيزياء، ليصف كيف أن اللاشعور يظهر من خلال التناقضات والفراغات في اللغة،  ومن خلال هذه الأدوات سعى إلى إثبات أن التحليل النفسي ليس مجرد “ثرثرة”، بل هو علم دقيق له بنية منطقية.

لم يكن لاكان متمكنا بخطاب الذهانيين فحسب، بل قارئا للتحليل النفسي كنص مفتوح لا يحتكم لنقطة ارتكاز معينة، فشكّل بوصلة ما للمعنى، وبوسعه الانفتاح على عوالم معرفية متعددة الروافد كالفلسفة والأنثروبولوجيا واللغويات والمنطق الرمزي، والطوبولوجيا، ونظرية المجموعات ،كلها أدوات من عالم الرياضيات، مما أحدث انقلابا غير مسبوق على أرثوذوكسية النص التحليلي النفسي من حيث انغلاقه النظري،  وهو إبداع دفع بمعارضين من مختلف مشارب التحليل النفسي والاحتشاد ضده فيما يتعلق بلغة التشخيص الباثولوجي للأعراض، أمّا هو فقد فضّل الردّ على كلّ الانتقادات المتهافتة عليه من شتىّ الجبهات، بأن عملية فهم تفكيره وتدبّر مقاصده تحتاج على الأقل إلى سبع سنوات، تماما مثل ما حدث مع فرويد حينما استبق منطق عصره، وكشف لنا عن القطعة الأخيرة المفقودة  اللاشعور لاستكمال تركيبة الكائن البشري، كلغز مبتورة أطرافه. إن مرّد تفتيت لاكان للذات يجد سنده الموضوعي في رجوعه للأصول الأولية العابثة بتشكيلية الأنا وبتاريخها السيكولوجي. فعلى إثر التعارض بين الهوية وصورة الجسد المجزأ الخاضع لمسار تجبيري يستجمع الأجزاء من أجل إقامة صورة كلية، تبرز ظاهرة التماهي المرآوي المشكلة لصورة الأنا بالنسبة إلى الذات، كمعيار منظم لمسار حياتها، والذي لا يستطيع أن يوجد إلا من خلال اختفاء الصورة وراء المرآة )2(

إن مشروع لاكان نظر الى الكيان النفسي كبناء افتراضي وليس كهيئات نفسية بل ككيانات حقيقية يتكون منها الكائن، فضلا على أنّه لم ينظر إلى منطقة اللاوعي بالمعنى التيبولوجي كما فعل فرويد، بل إنه كان يؤكد جازماً أن هذه البناءات الفرويدية هي بناءات ميتافيزيقية بحتة، لا رصيد أنطولوجيا لها. ولذا، فإنّه لم يتوان عن مراجعة الثالوث الفرويدي وتلقيحه عبر استعمال الرياضيات؛ لقد عاد إلى فرويد لتفكيكه، وابتكاره في المقابل لمركبات ثالوثية جديدة يظهر فيها اللاوعي محكوما باللغة وسننها  وليس البعد الغرائزي، كما تجاوز الوظيفة بمعنى الرمز في هذا التجديد للبناء النفسي، مثلما تجاوز المعنى الغامض للتخيل، وتعدى الواقع بالمعنى الفلسفي ل”الواقع ” بالمعنى الهندسي.

عندما قرر لاكان تطهير التحليل النفسي من كل نزعة ميكانيكية تقول بتشييء الموضوع ، وجد الطوبولجيا  أفضل وسيلة لذلك، معبرا بقوله : “لا ينبغي أن نرى في المحلل النفسي ((مهندسا للأرواح)). إنه ليس عالم فيزياء، إنه لا يشتغل من خلال إقامة علاقات السبب بالنتيجة، فالطموح الفرويدي كان يريد الارتقاء بالتحليل النفسي إلى درجة العلوم الدقيقة، لكن الحقيقة لا تنكشف كواقع، لأن الحقيقة لكي تعبّر عن نفسها تتلبس معاني كالأسطورة والمجاز والأحلام”، إذ هناك فرق بين الحقيقة والمعرفة؛ فالمعرفة قد تطابق الواقع المدروس –التجربة- أما الحقيقة، فهي لا تطابق غالبا الواقع.

يمكن الإشارة أن لاكان اعتبر علم اللسانيات منعطفا بارزا في تنحيته لمفهوم “اللاوعي الناطق”. فإزاء التمويه والإبهام الذي يعرفه حقل الكلام، والغواية التي يمارسها الرمز على اللسان، باعد لاكان بين المعنى والدلالة حيث عكف على خلخلة هذه القاعدة عند اللسانيين وأسقط العلامة كنتيجة توالد المعاني، معتبرا الفضل الأول يعود إلى الدّال من حيث ارتباطه وتشابكه بسلسلة الدلالات التي تكوّن الذات، الشيء الذي دفع به وعلى نحو انعكاسي ممارسة التفكيك على مفاهيم التحليل النفسي بتحطيمها وإعادة تشكيلها مبننى ومعنى.

بين لاكان أن علاقة التحليل النفسي بالكلمات ليس تقنية بسيطة؛ فالتحليل النفسي يكسّر بعض الكلمات أو يعيد تركيبها بشكل آخر، فيحول دلالاتها ويحدث فيها « تحولا دلاليا جذريا وهنا توظيف آخر للتحليل الرياضي حيث أحدث ما بعد البنيوي- ثورة في مجال العلوم النفسية والإنسانية على حدّ سواء، لم تفتأ أن حرّضت الفلاسفة على إعادة النظر في مفاهيمهم وأدواتهم التشريحية لجغرافيا الكائن، مانحا للغة مساحة مكتسحة من أنطولوجيته حول أنماط الوجود التي يرمّزها في خطابه التحليلي النفسي بالسجلات الثلاثة: واقعي/ رمزي/خيالي بعد تقويضه للثلاثي الفرويدي، واعتباره ذا حمولة ميتافيزيقية تستوجب إعادة القراءة والتأويل بدل القداسة والولاء الأعمى.

البحث في الوسم: يربط جاك لاكان الأشكال النفسية بالهندسة عبر تصوره بأن اللاشعور منظم بِنيوياً كاللغة، يهدف هذا التوظيف الهندسي إلى تفسير تشكّل الذات وتفاعلها مع الآخر، حيث تتحول المفاهيم النفسية إلى هياكل ثابتة ومعقدة. فمرحلة المرآة (المتخيل) تعرّف الطفل على صورته المتكاملة، وهو ما ينشئ “الأنا” كشكل وهمي متماسك مقابل الجسد المتشظي والصورة المرآوية هنا هندسية (انعكاس، تناظر). أما الطوبولوجيا والذات فقد انتقل لاكان في مراحل متأخرة إلى استخدام أشكال هندسية غير إقليدية كما أشرنا بشريط موبيوس الذي يمثل التداخل بين الداخلي والخارجي، فلا يوجد انفصال حاد بين الذات وموضوع الرغبة، وأخيرا عقدة بورومين التي تمثل ترابط السجلات الثلاثة (الرمزي، المتخيل، الواقعي)، بحيث إذا انحلت واحدة، انحلت العقدة بأكملها، مشيرة إلى هشاشة الهيكل النفسي.

هكذا مثلت الهندسة كخطاب للاشعور عند لاكان ليس فوضى، بل له “هندسة” دقيقة قائمة على الدوال واللغة “الرمزي”، فـ”الأنا”  لا تُفهم إلا من خلال بنية هندسية “طوبولوجية” تُشكّل الفضاء النفسي للذات وتتجاوز التصورات التقليدية، هذا الاستخدام وتحديداً الهندسة غير الإقليدية والطوبولوجيا، مكنت من نمذجة بنية اللاشعور النفسية، معتبراً أن “اللاشعور منظم بِنيوياً كاللغة”، بحيث تهدف هذه البنية الهندسية إلى تمثيل سجلات النفس الثلاثة (المتخيل، الرمزي، الواقعي)، وتفسير تشكّل الذات، والرغبة، والعلاقة بالآخر عبر هياكل ثابتة وغير قابلة للانفصال. 

خلاصة،

 وظف جاك لاكان الرياضيات في شق الطبولوجيا من خلال المتخيل (مرحلة المرآة) من خلال هندسة الانعكاس والتناظر، حيث تكون الصورة وهمية ومتكاملة مقابل الجسد المتشظي. ووظف الطوبولوجيا والذات عبر شريط موبيوس حيث استخدمه لإظهار التداخل بين الداخلي والخارجي، فلا توجد حدود فاصلة حادة بين الذات وموضوع الرغبة، وعقدة بورومين (البنية النفسية) التي تمثل ترابط السجلات الثلاثة (الرمزي، المتخيل، الواقعي)، موضحا أن انفصال إحداها يؤدي إلى انهيار الهيكل النفسي بأكمله، مما يشير إلى هشاشة الذات، ومن هنا فقد جعل الهندسة كخطاب. ومن خلالها، فاللاشعور عند لاكان ليس فوضى، بل هو خطاب منظّم هندسياً (الرمزي). لقد برع في تحويل المفاهيم النفسية

إلى فضاءات طوبولوجية معقدة، اعتمدها للتفسير والفهم.

 1 Introduction à la topologie de Jacques Lacan  J-D Nasio Petite Bibliothèque Édition PAYOT

2 Fragments de topologie selon Jacques Lacan  Auteur Jean Lafont Collection PSYCHANALYSE ET IIEN SOCIAL

Édition l’Harmaton

Leave a comment