لم تبدأ -كما هو شائع- المدرسةُ النَّقديّةُ للكتاب المقدَّس العِبريّ مع الفلاسفة وعلماء اللاهوت في عصر التَّنوير في الغرب الأوروبيّ، وليس صحيحًا أنَّ الأطروحةَ الجوهريّة لهذه المدرسةِ النقديّة التي مفادها أنَّ أنبياء بني إسرائيل لم يكونوا مؤلِّفي أجزاء كثيرة من أسفار التَّناخ ترجع إلى الفيلسوف الإنكليزيّ توماس هوبز (1588-1679 م) أو الفيلسوف البرتغاليّ اليهوديّ بينيديكت سبينوزا (1632-1677 م) أو الكاهنِ الفرنسيّ ريتشارد سيمون (1638-1712 م)، ولا يمكن حُسبان أنَّ الفرضيّة الوثائقية التي وضع أسسها يوهان غوتفريد آيشهورن ( 1752-1827م) وبلغت ذروتها مع يوليوس فلهاوزن (1844-1918 م) كانت إبداعًا أوروبيًّا محضًا لا يستند إلى أسس ومنهجيات أقدم، بل قد يُفاجَأ المرء حين يعلم أنَّ النَّقد الكِتابيّ يضرب بجذوره في تاريخ بعيد جدًا. وقد يزداد وقعُ المفاجأة بعد معرفة أنَّ فيلسوفًا عربيًّا ازدهرَ في القرن الثالث الميلاديّ هو المؤسِّس الحقيقيّ لهذا النَّقد، وكان لقبه المتداول بين مؤرِّخي الفلسفة بورفيريوس الصُّوري نسبةً إلى إقامته في صُور لأمدٍ من الزمن؛ لكن طُمِسَ اسمه الحقيقيّ بين مؤرِّخي الفلسفة الغربيين والباحثين الكِتابيين لتغييب أصله العربيّ.
الاكتناف الهيلينيّ للشخصيات التاريخية العربيّة
خضعت سوريا منذ القرن الرابع قبل الميلاد للاحتلال اليونانيّ، وطغت الهيلينيّة حتى في عصر السيطرة الرومانيّة على سوريا، واستمرَّ ذلك لأمد طويل على نحوٍ أفضى إلى حجب الشخصيات التاريخية العربيَّة في هذه الحقبة بأسماء يونانية أو رومانية، واستغلَ المؤرّخون الأوروبيون هذه الظَّاهرة فنسبوا هذه الشخصيات أنفسها إلى أصول يونانيّة أو رومانيّة لطمس أصولها. وهذا ما حدث مع الفيلسوف العربيّ مالك السُّوريّ (233-301 م) الذي سافر إلى أثينا من أجل تعلُّم الفلسفة وعُرِف في البداية هناك باسمه العربيّ وفق النطق اليونانيّ (مالخو= Μάλχο=مالك)، لكن بعد أن التقى في أثينا بأستاذه كاسيوس لونغينوس، أطلق عليه لقب بورفيريوس ومعناه باليونانيّة “الأرجوانيّ” وهو مشتق من الكلمة اليونانية القديمة “بورفيرا” وتعني “الأرجوان” أو “الصِّباغ الإمبراطوريّ” لأنَّه كان اللون المفضَّل للأباطرة، وهو صِباغ كان يصنعه الفينيقيون. ولذلك غلب عليه هذا اللقب فضاعت شخصيته العربيّة في ما يُمكن أن نُسمِّيه “الاكتناف الهيلينيّ” أي نزع الهُويَّات الأصليّة لكلّ الرجال التَّاريخيين الأفذاذ من السكان الأصليين في المستعمرات اليونانية وتحويلهم إلى يونانيين. لذلك هنا دعوة لإعادة الاسم الحقيقيّ لهذا الفيلسوف العربيّ وترجمة كتبه الباقية من اللغة اليونانية والسريانيّة إلى العربيّة.
لم تصلنا سوى تفاصيل قليلة عن السِّيرة الذاتيَّة لهذا الرجل النَّادر، لكن يُجمِع المؤرِّخون على أنَّ بورفيريوس (=مالك السُّوريّ) ولد في السنة الثانية عشرة من حكم الإمبراطور ألكسندر سيفيروس، أي في السنة 233 من العصر المسيحي في المنطقة المُسمَّاة “حوران” التي تقع في جنوب سوريا، لكن يبدو أنّه أقام في صُور ثم سافر إلى أثينا وفيها تعرَّف على أستاذه لونغينوس –الذي كما ذكرنا أعلاه أعطاه لقب بورفيريوس- وسافر إلى روما وتتلمذ هناك على الفيلسوف الشَّهير أفلوطين ثم أصبح من بعده رئيس المدرسة الأفلاطونية الجديدة، وتوفي في روما بعد أن تجاوز السبعين من عمره، في الجزء الأخير من حكم الإمبراطور دقلديانوس نحو عام 303 م.
مؤلفاته في النَّقد الكتابي
كان مالك السُّوريّ أوَّل ناقد كِتابيّ منهجيّ معروف في التَّاريخ، بل هو المؤسِّس الحقيقيّ للنَّقد الكتابيّ، فقد وضع أثناء إقامته في صقليّة عملًا مؤلَّفًا من خمسة عشر كتابًا في هذا النَّوع من النَّقد، كتبه في أواخر القرن الثالث الميلادي. ولقد حُظِرَ هذا العمل بأكمله عندما أصبحت الإمبراطورية الرومانية مسيحية رسميًا، إذ عارض الإمبراطور الرومانيّ قسطنطين العظيم (272-337 م) الأفكار الواردة في هذا العمل، كما أَمَرَ الإمبراطور البيزنطي ثيودوسيوس الثاني (401-450 م) بالبحث عن مخطوطات هذا العمل وإتلافها كلّها. وأُحرقت جميع النُّسخ المتبقية علنًا عام 448 ميلاديًا. هذا، وقد نجت مقاطع من الكتاب الثاني عشر من عمل مالك متعلِّقة بنقد الأساس التاريخي لسِفْر دانيال، لأنَّ هناك مؤرِّخين ولاهوتيين اطلعوا على نقد مالك السُّوريّ للتناخ وقاموا بوضع ردود عليه من بينهم يوسابيوس القيصريّ (265-340 م) والقديس جيروم (345-420 م) واستشهدا بهذه المقاطع -من أجل دحضها-، وهذا سبب نجاة بعض الشذرات من عمله.
نبوءات سِفْر دانيال
يزعم مفسِّرو وشُرّاح التَّناخ أنَّ سِفْر دانيال كان قد كتبه دانيال في بابل بعد السَّبي في القرن السَّادس قبل الميلاد. ويُرَجِّحون أنَّه كُتب نحو عام 530 قبل الميلاد أثناء إقامة دانيال في بابل وقد بلغ التسعين من عمره على أساس افتراض أنَّه كان شابًا ذرَّف على العشرين عندما أُخذ إلى بابل في أوَّل موجة من موجات السَّبي المزعوم نحو عام 597 قبل الميلاد. هذا، وبناءً على مقارنتهم لمحتواه مع الأحداث التَّاريخية التي وقعت بعد كتابته، زعموا أنَّ “دانيال” تنبأ بتحولات تاريخيّة كبرى لا يمكن التشكيك فيها. إذ أخبر برؤية عن كبش هائج ذي قرنين. (يُنظر: دانيال 8: 4) فأصبح هذا الكبش عند المفسِّرين رمزًا للملك الفارسيّ داريوس الثالث (380-330 ق.م) لكن جاء تيس ذو قرن واحد وفتكَ بالكبش. (يُنظر: دانيال 8: 7) وأيضًا مثَّلَ هذا التيسُ ذو القرن الواحد الجيشَ اليونانيَّ الموحَّد تحت قيادة الإسكندر الكبير (356-323 ق.م) الذي هزم جيش داريوس الثالث وأخضعَ الفُرس. علاوة على ذلك تنبأ دانيال بموت الإسكندر وانقسام مملكته. (يُنظر: دانيال 8: 8). وترمز القرون الأربعة عند المفسِّرين إلى انقسام مملكة الإسكندر الكبير إلى أربع ممالك، وكما هو معروف تاريخيًّا اقتسم قادة جيش الإسكندر إمبراطوريته، فاستولى بطليموس على مصر، وسلوقس على بلاد ما بين النهرين والشرق بأكمله، وحكم أنتيجونوس معظم آسيا الصُّغرى، بينما استولى ليسيماخوس وأنتيباتر على تراقيا وبلاد اليونان. ثم أخبر دانيال عن “قرن صغير” ينبتُ من أحد قرون التيس الأربعة (يُنظر: دانيال 8: 9) ويرمز هذا القرن الصغير وفق مزاعم المفسِّرين الكتابيين إلى استيلاء الملك أنطيخوس الرابع (215 -164 ق.م) من سلالة السلوقيين على الحكم وقيامه باضطهاد اليهود في فلسطين.
ولقد زعم المؤرخ اليوناني ثيودوروس الصقليّ (مات 20 ق.م) في الفقرة الأولى من الكتاب الرابع والثلاثين من تاريخه أنَّ الملك أنطيخوس الرابع حاصر اليهود الموجودين في “أورشليم” وارتكبَ انتهاكات بحقهم، إذ دخل معبدًا كانوا قد شيّدوه لممارسة طقوسهم، ولم يكن يُسمح لأحد بدخوله بموجب شريعتهم إلا للكهنة وللحاخامات، ثم أمر الملك أنطيوخس-كما روى ثيودور-بذبحِ خنزير كبير عند المذبح الذي كان قائمًا في الدَّار الخارجية، ورشِ الهيكل بدم الذبيحة، وأمرَ أنطيوخس أيضًا بتلويث كتب اليهود التي اعتقدَ أنَّهم تعلَّموا منها كراهية جميع الأمم الأُخَر، بسوائل من لحم الخنزير. وأطفأ السِّراج الذي يسمّونه خالدًا ويحافظون على كونه متقدًا دائمًا في الهيكل. وأخيرًا، أرغم رئيسَ الكهنة واليهودَ الآخرين على أكل لحم الخنزير.
المنهج النقديّ لسِفْر دانيال وفقًا لمالك السوريّ
رفض مالك أن يكون سِفْر دانيال استشرافًا للمستقبل بل عَدَّهُ معلومات تاريخيّة معروفة بالنسبة إلى كاتب السِّفر ومتداولة بين المؤرِّخين في زمنه. وعليه، فإنَ كلَّ ما يذكره من حروب بين اليونانيين والبطالمة من جهة والفُرس من جهة أخرى يُعَدُّ تاريخًا حقيقيًّا، ولكن كلّ ما يتطرق إليه بعد ذلك الوقت، يُعَدّ من نسج خيال هذا الكاتب. وهذا يدلُّ على أنَّ مالكًا السُّوريّ وضع الأطروحة النقديّة الأساسيّة التي قامت عليها المدارس النقديّة الأوروبيّة كافةً في العصر الحديث وهي أنَّ هناك أسفارًا في التَّناخ أُلِّفت في أزمنة متأخرة، واحتوت على الكثير من الوضع والتحريف والتزوير وإن وُجِدَت في تضاعيفها نسبيًّا حقائق تاريخيّة، إلا أنَّ هذه الحقائق وظِّفت لتبرير أباطيل كثيرة.
لم يوافق مالك السُّوريّ من حيث المبدأ على التَّفسير الرمزيّ لأسفار التناخ مبيّنًا أنَّ هذا النّوع من التَّفسير يصلح للنصوص الشِّعريّة ولا يصلح للكتب المقدَّسة، لأنَّ الأصل في الكتب المقدَّسة أن تخاطب الجمهور العامّ من النَّاس وليس نخبة منهم، لذلك يجب أن تكون لغتها خالية من الرموز التي يمكن أن يُفسِّرها أيّ شخص كيفما يشاء فينحرف بالنَّصِّ عن مقاصده الأصليّة، وبالتالي تصبح النصوص مدعاةً للخلاف في تفسيرها. لكن اضطر مفسِّرو التناخ-في رأيه-إلى اتِّباع منهج التَّفسير الرمزيّ للتَّغطية على المفارقات والتناقضات والالتباسات التي قد تنشأ عن الفهم الحرفيّ الذي قد يُفقد أيَّ نصٍّ قيمته.
لم ينكرْ مالك أسفار التناخ إنكارًا تامًّا؛ بل ميّز بين أسفار أصليّة وأسفار منحولة أو محرَّفة، لكن موقفه بشأن سِفْر دانيال، يظهر في تبيانه أنَّ هذا السِّفْر خضعَ لتزييف، بل ارتأى أنَّ فيه ضربًا من التلفيق باليونانية، واستدلَّ على ذلك من قصة سوسنة الواردة في الإصحاح 13 من سِفْر دانيال، تدور أحداث هذه القصة حول امرأة تُدعى سوسنة، وهي امرأة يهودية/ بابلية ثرية. يتآمر رجلان من الشيوخ القضاة للإيقاع بها، ويهددانها باتهامها بالزنا إذا رفضت ممارسة الفجور معهما، لكن بفضل إيمانها القوي، ترفض محاولاتهما، فيأخذانها إلى المحكمة ويتهمانها. هنا تدخَّل دانيال وقام باستجواب كلِّ رجلٍ منهما على حِدَتِهِ، فقدّما روايات متناقضة عن مكان رؤيتهما لسوسنة وحبيبها المزعوم. كشف دانيال كذبهما للقضاة المسؤولين عن القضيّة، فعاقبوا الرجلين، ونجت سوسنة.
كان سبب استدلال مالك على أنَّ الإصحاح 13 ليس من تأليف دانيال ولم يُكتب في بابل في القرن السَّادس قبل الميلاد هو فحصه عن البنية اللغوية لنصِّ هذا السِّفْر التي وجدها متناسبة مع طُرق أو أساليب الكتابة باللغة اليونانيّة في القرن الثاني قبل الميلاد. والحقيقة أنَّ هذا النمط من التفكير النقديّ يُعَدّ متقدّمًا جدًّا حتى في عصرنا هذا، إذ إنَّ هذه المنهجيّة النقديّة التي توخَّاها مالك ما تزال مستخدمة في أهم المدارس الأوروبيّة المعاصرة التي تُعنى بالنَّقد الكتابيّ. انتهى مالك أنَّ النصَّ مكتوب أصلًا من قِبَلِ كاتب يوناني لأنَّه يتبِّع إيقاع الوزن اليونانيّ، علاوةً على أنّه مكوّن بنيويًّا وفق ما يقتضيه نحو اللغة اليونانيّة. وهكذا تابع مالك نقد النَّص كلّه بهذه الطريقة وكشف أنَّ أسلوب وبنية الكتابة يونانيان تمامًا ولا علاقة لهما بالعبريّة، ورجَّحَ أن يكون كاتبه هلينيًّا متهوِّدًا عاش في القرن الثاني قبل الميلاد في فلسطين في زمن أنطيوخس الرابع (215-164 ق.م).
وهكذا يتضح أنَّ هذا الفيلسوف العربيّ وظَّفَ منذ زمن بعيد جدًا كلّ أنواع النَّقد الكتابيّ من قبيل النَّقد التاريخيّ والنَّقد النَّصيّ والنَّقد اللغويّ… بالطريقة السَّائدة في عصرنا حتى في أكثر مدارس النَّقد الكتابيّ الغربيَّة شهرةً مثل مدرسة كوبنهاغن (The Copenhagen School)، لكن المأساة أنَّ هؤلاء الغربيين لم يسلبوا منا أرضنا فقط في حقبة الاحتلال الأوروبيّ والآن في زمن الاحتلال الصهيونيّ، بل سلبوا أيضًا تراثنا الفكريّ الحقيقيّ، أي انتزعوا منّا الإمكانيّة التُّراثيَّة/الثقافيّة لاستئناف مواجهتهم فكريًّا، ونسبوها إليهم!
