Skip to content Skip to footer

الاستشراق والإسلام المبكر | د. محمد موهوب

تحدث الدكتور محمد موهوب، الأكاديمي المغربي، رئيس شعبة الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاضي عياض بمراكش، خلال لقائه الإعلامي ياسين عدنان، عبر برنامج “في الاستشراق”، عن الاستشراق والسياسة انطلاقاً من دولة الإسلام، وعن كتابه “البدء واستئناف البدء.. الإسلام المبكر على محك المنهجية التاريخية”. وناقش موهوب ما ذكره في كتابه بشأن استئناف البدء، وتوقفه مع وثيقة أساسية سمَّاها مؤرخ الإسلام، دستور المدينة، واعتبر أول دستور في التاريخ، والتي أرسى من خلالها الرسول الكريم قواعد مجتمع المدينة، بدل مجتمع القبيلة الذي ساد قبل الهجرة النبوية..

الوثيقة.. لغز أول دستور في التاريخ

وأجاب الدكتور محمد موهوب عن سؤال “كيف آرست أسباب العيش المشترك ما بين مهاجرين وأنصار ويهود؟ كيف نجحت في تكريس المدينة الدولة بديلاً للقبيلة؟”، قائلاً: “لم يثبت أنه كان هناك اهتمام واسع بالوثيقة؛ حتى إنها تناسيت ربما ما يجب الوقوف عنده هو كيف اكتشفت، وبالخصوص لماذا اكتشفت؟ يعني هي تلعب اليوم دوراً أساسياً طلائعياً في مقاربتنا لحاضرنا دون أن هذا البعد، بُعد القيمة الراهنية للوثيقة، هو ما همَّني وما هَم الكثيرين من الذين طرقوها، وإلا فقد كانت نسياً منسياً. إذن حاضرنا وأشكال توسيع رحبة حاضرنا هو الذي دفع بي كما دفع مثقفين آخرين لينقبوا في هذا التراث، في هذا الماضي؛ ماضينا، تاريخنا، مَن يبحثون فيه وينقبون عما الذي يمكن أن نعبئه منه وفيه، ليسعفنا في توسيع رحبة هذا الحاضر، فإذا بنا نقع على كنز من بين جزء من الأسئلة التي سنطرحها كمثقفين وكدارسين، هو أيضاً، كيف ترسيت؟ لماذا ترسيت؟ لماذا أبخثت حقها تاريخياً؟ يعني حتى إن كاتب السيرة الأولى، وهذا ذكرته في الكتاب، فصل في الكتاب؛ ليس ابن إسحاق هو الذي سيمدنا بالوثيقة، سنجدها عند تلميذه؛ 100 عام من بعده، عند ابن هشام؛ وهو الذي سيمدنا بالوثيقة. إذن وثيقة تم الحديث عنها، وثيقة يعني كنزاً في التنظير لمجتمع جنيني مفتوح حامل لزخم بقي مقبوراً تاريخياً، هذا لغز”.

لماذا لم تنل الوثيقة هذا العطاء؟

وفنَّد الأكاديمي المغربي أسباب عدم نيل الوثقة هذا العطاء، قائلاً: “المستشرقون كان لهم هذا الفضل، ويلزمنا أن نعترف بهذا الفضل؛ حتى وهي موجودة داخل مصر (سيرة ابن هشام)، لم تعر ما يكفي من الانتباه حتى يستفاد منها؛ وهذا هو الذي يعطيني تصوراً معيناً في علاقتنا بالاستشراق، في علاقاتنا بتاريخنا بالخصوص، وتاريخ هذا الاستشراق؛ وهو يقدم تاريخنا بطريقة ربما ذرائعية، يمدنا بالوثائق؛ ولكن شكل استثماره، شكل قراءته، شكل تقديمه لهذه الوثائق، لهذه الكنوز؛ ربما وخلافي الأكبر في علاقتنا بالاستشراق الدارس لمرحلة الإسلام المبكر”.

الوثيقة قدمت المدينة بديلاً للقبيلة.. كيف كان هذا التحول؟

وأجاب الدكتور محمد موهوب عن سؤال “ما أثارني في الوثيقة أنها قدمت المدينة بديلاً للقبيلة، كيف كان هذا التحول؟”، قائلاً: “الجميل فيها هو أنها وجدتنا وقد نضجت أعيننا لنقف على الكنز فيها، وإلا فقد كنا سنمر بجانبها سنحاذيها ولن نقف عندها مطولاً؛ لهذا تقول لك سؤالاً حاضراً، وأهم ما ستطرحه مسألة الوثيقة سؤال حاضرنا، وكيف نضجنا إلى أن نتصور مجتمعاً مفتوحاً، هو الذي مكَّن من أن نقف على انفتاحية المجتمع الأول أو المشروع الأول، وإلا ما الذي جعل من أجدادنا؛ لأنه في مرحلة من مراحل التاريخ سيتم السطو على الانفتاح في تاريخنا. طبعاً المرحلة الأموية، وسنتصور الأمة، لا مع تصورها للإسلام الأول. لهذا الإسلام المبكر، يعني بهذا الانفتاح الذي يضم كل أطيافه؛ لم يكن ليساءل اليهودي لمَ هو يهودي، ولا نصراني لمَ هو نصراني، ولغير المؤمن لمَ هو غير مؤمن”.

يهود المدينة.. الوثيقة بلورت مفهوماً منفتحاً لأمة الإسلام

وعلَّقَ الأكاديمي المغربي على أن “الوثيقة بلورت لنا مفهوماً منفتحاً للأمة، وأمة الإسلام؛ واستوعبت حتى يهود المدينة؛ وهذا أهم شيء”، قائلاً: “حتى بعض مشركيها؛ حتى مجوسييها، لأنه السهل في ما بعد هو أن نقول ضمت أبناء إبراهيم، ضمت المتدينين والمؤمنين بأطيافهم المختلفة. لا هي اللي كان الأساسي فيها هو عيش مشترك، وكأني بها عندما كنت أقرأ بنودها وكأنها تدعو ساكنة المتواضعين على الاحتكام عليها؛ لأن ينشؤوا من جديد لهذه الدولة الجديدة، لهذا المنشأ الجديد؛ لهذا قُلت في لحظة من لحظات الحديث عن المدينة، عن يثرب؛ لأنه خلافاً لما يعتقد بأنه لم تكن المدينة اليثربية هي المقصودة التي تمت لها الهجرة، وبالتالي التي تم التأسيس لهذا المجتمع الجديد لهذه الدولة الجديدة التي يتعايش فيها؛ لكن المطلوب هو نوع من أنواع الميلاد الجديد ونشأة جديدة بمقتضاها يطلب من كل واحد أن يقطع مع تاريخه القديم. سبق أن قُلت في النص حتى لا يكون هناك تفاضل بين التواريخ القديمة، حتى لا يعتد الفارسي بتاريخه، حتى لا يحس البدوي الآثم لما أدري بإرثه؛ لأنه أقل رسوخاً تاريخياً من نشأة جديدة هي التي أسست لها هذه الدولة”.

القدرة على الاختيار والانتماء إلى الفكرة بديل الانتماء القبلي

وأجاب د.محمد موهوب عن سؤال “كيف قطعت الهجرة المؤسسة للإسلام الأول مع علاقات الدم؟ وكيف صار الانتماء إلى الفكرة بديلاً عن الانتماء القبلي؟”، قائلاً: “يكاد المستشرقون يجمعون على أن بيداغوجيا الرسول، والكلمة موجودة وعبَّر على أصحابها في داخل النص، كانت له بيداغوجيا؛ كان له ذكاء ثاقب، بحيث تمت المسألة بتدرج كبير؛ مثال كيف نقطع مع مثلاً الثأر؟ الثأر كان هو عقدة القانون الذي يحكم القبيلة، بدأ تدريجياً في المطالبة بالنفس بالنفس والعين بالعين.. وكذا وكذا، الطريقة التي كانت سائدة؛ ولكن كل آيات القرآن، معظمها، كان يثمن على وإن تعف وإن تصفح وإن تغفر.. وإن وإن؛ ولكن المسألة لا أدري لمَ المفسرون مروا عليها على عجل؟! لأنه كانت هي الأساسية، لأن فيها حضاً للمؤمن الذي ينخرط في هذا المجتمع على الصفح، وأنه بصفته بهذا الحض؛ حض الدين على هذا الخلق، كان يطلب منه أن يتشبث بالإله؛ لأنه هو العفو، اسم من أسماء الله، وعلى المؤمن المنخرط في هذه الأيديولوجية بين قوسين (الناشئة)؛ عليه أن ينخرط، أن يتطلع لهذا الخلق داخل التاريخ، داخل الزمن الوجيز. أعطت هذه الأخلاق؛ أعطت مردوديتها فكسرت جبرية منطق القبيلة، وأدخلت الناس إلى زمن آخر سمَّته زمن الاختيار، اختر ماذا تريد أن تفعل بحياتك، في أي تصور تريد أن تنخرط.. اللي كان مهم بالنسبة إليَّ هو أنها قطعت مع جبرية الأرض أو الدم، فأنت تنتمي إلى قبيلة، تنتمي إلى أرض، تنتمي إلى دم الجليل لمضارب القبيلة. اختر لنفسك شيئاً آخر.. هذه القدرة على الاختيار، مدّ الناس بالقدرة على الاختيار؛ كان هو الجديد في الإسلام”.

الهجرة كانت في كل التصورات

وأضاف الأكاديمي المغربي: “ليست يثرب كمدينة هي التي كانت مستهدفة من الهجرة؛ لأن اليثربيين كانوا مطالبين بأنه يهاجروا، كان يلزمهم أيضاً أن يقطعوا ما لم يهاجروا، ويحدد نفسه بالهجرة؛ يكاد يكون مات على شعبة من النفاق، يعني الهجرة كانت في كل التصورات؛ اليثربي وهو يقيم في يثرب كان مطالباً بأن يهجر، يهجر تاريخه ينفك عنه، ينفك عن تقاليده؛ لأنه تقاليد القبيلة كانت ظاهرة أيضاً في يثرب.. كان يلزمه أن ينشأ من جديد داخل المدينة الجديدة؛ مدينة تقوم على شيء آخر، ولهذا الجميل ربما في التصور الإسلامي الذي أفرز هذه الوثيقة؛ هو أن الأرض كلها بالنسبة إليه كانت أرضاً طيبة، لم تكن مجزأة، وجعلت الأرض طهوراً.. الأرض كلها طهور، على شاكلة؛ أذكر أنها على شاكلة اليونان القدامى، أتذكر هرقليز والناس يقتربون منه ويجدونه محاطاً بروث البهائم، فاستغربوا كيف يكون هذا الحاكم؟! فقال حتى هنا، هنا آلهة، يعني هناك مقدسات، يعجبني هذا التذكير بأن الأرض كلها كانت طهوراً في تصورنا على شاكلة القدامى الأوائل أو أوائل اليونان”.

دستور المدينة ولحظة جنينية الدولة الإسلامية

وأجاب د.محمد موهوب عن سؤال “هل كان القصد في دستور المدينة هو إقامة نوع من فيدرالية المؤمنين من أبناء إبراهيم، وليس فقط انغلاقاً داخل الإسلام؛ رغم أن الإسلام كان جديداً وهذه دولته الأولى؟”، قائلاً: “ربما كنت ما أخاف منه في مقاربة هذه التفاصيل بالمؤمن وبالمسلم؛ كانت فيها بعض التمحلات من المفسرين، وإلا فكان الأساس فيها أنه جماعة الإسلام كانت قليلة، جماعة المسلمين كانت معدودة على رؤوس الأصابع التي هاجرت؛ وجدت يكاد المستشرقون يتحدثون عن نصف ساكنة يثرب، كانوا يهوداً، إذن فيها نباهة النبي إلى أن المعطى الواقعي الملموس فيه تصور ديني آخر. إذن كان من الواجب عليه ضرورةً أن يأخذه بعين الاعتبار، فتم الحديث عن المؤمنين، وكانت كلمة المؤمنين تستغرق الإسلام، ثم لا كان داعي لأن أبعد، ما كان ضرورة سيميز، سيفرق، في حين أنه داعٍ في اللحظة الأساسية، لحظة جنينية الدولة الإسلامية؛ يبحث عن جمع، عن خلق، عن أن يجمع الناس حوله.. إذن كان مطلباً للإيمان والإسلام. في هذا الباب لا أريد أن أدخل في تفاصيل فقهية؛ لأنه أخوف ما أخاف منه عندما نقارن بهذه القضايا، نصير كلنا فقهاء؛ لا أريد أن أكون فقيهاً، يهمني فيها بعدها بين قوسين (الأيديولوجي) الكبير المفتوح لمؤسس المدينة؛ المؤسس للدولة، المؤسس لتصور عن علاقة الإنسان بمَن معه في معيته وعلاقته بالقول الذي ينخرط فيه أو يسكنه؛ تظهر لي الوثيقة أن هذا هو أهم ما فيها بالنسبة إليَّ كمهموم بقضايا حاضري، والسؤال الذي قُلت لك ربطني، لقاني بالوثيقة كلحظة أساسية في تفكيري”.

 المستشرقون وخصوصية العلاقة بين الدين والسياسة في الوثيقة

وقال الأكاديمي المغربي بشأن سؤال”ماذا لو أن الشعب المختار قبل اليد الممدودة له من طرف الإسلام الأول؟ هل كان وجه العالم سيكون مخالفاً لما هو عليه اليوم؟”، قائلاً: “المجتمع المفتوح مطلبنا اليوم؛ فصرنا نتعقبه حيثما حل، بالتالي ونحن نقرأ هذه الوثيقة على غرار وثائق أخرى يحمل بها هذا التاريخ، الأساسي فيها هو أن نبسط، وأن نقوى على استكمال غناها؛ لأنه بعضها قد يكون من الغنى لأنه نمر، كما سبق القول، نحاذي عن قرب ولا نقترب منه ولا نقف على حقيقته، ما كان صعباً على المستشرقين هو أن يقفوا على خصوصية العلاقة بين الدين والسياسة في هذه الوثيقة.. (وليام مونتغمري واط الذي أشرت إليه) كان المستعصي والصعب في قراءته وتذبذبها بين أن تقف عليه تاريخياً؛ كانت الوثيقة جميلة جداً، ولكن فقط تاريخياً الأساسي الذي بدا لي أنه المهم أن تدفع باب المنطق الاستشراقي، أن تفجر من داخل، هو الذي أوقفني عند هذه الفكرة التي جعلت ماذا لو كان، ما كان في ثنايا هذه الوثيقة؟ وما كانت غايته الأولى بتاعة المجتمع المفتوح؟ ماذا لو كان اليهود من الذكاء بما كان وامتطوا صهوة هذا الزخم الذي أتت به الدولة الناشئة، فركبوه ليكونوا هم سادة المشروع؟ لأن مشروعهم في آخر المطاف، المشروع الإبراهيمي، هو الذي عمل الإسلام الأول على تحقيقه؛ ولكن ما انتصر، مع كامل الأسف من مقر التاريخ ومن عمى التاريخ وبلغز التاريخ هم انتصروا لشوفانيتهم، وبقوا دون هذا الزخم الأول الذي أعطى المدينة وأعطى الإمبراطورية وأعطى ديناً وحضارةً ما زالت حتى اليوم قائمةً. كان يبدو لي أن المهم هو نحن المحدثين، كيف نقرأ هذا التاريخ؟ عندما نقرأه بهذه الرؤية الواسعة الرحبة نخلصه مما تراكم عليه من، أكاد أقول، نفايات، من أتربة، من طبقات نسيان؛ وهذا هو الجميل في الفرق بين تصور تاريخاني للوثيقة، تاريخاني فيلولوجي، وتصور تاريخي؛ هنا أميز بين (مصطلح فرنسي) التاريخانية.. التاريخاني؛ ننظر إلى الوثيقة بأنها مرتبطة بزمانها ولحظتها التاريخية، في تصور الاستقبال التاريخي للوثيقة؛ يقول إنه يمكن أن تكون هذه الوثيقة وما تضمه من مشروع من مشروعات هذه الوثيقة؛ تكون أغنى مما يستحمله القريبون، والقريبون منها؛ فتنتظر وهي متوارية نضج الزمان. ولهذا قُلت لك في البداية إن سؤال الحاضر هو ما يهمني؛ نضج الزمان هو الذي أوقفنا على غنى الوثيقة، وإلا فهناك الكثير من الكنوز على ما يقوله كثير من الروائيين الذين نعرفهم”.

وأضاف د.محمد موهوب بشأن “ما أكثر الوثائق والكتب التي كُتبت في عصور سابقة من أجلنا، وربما نحن مَن يعطيها قيمتها، وليس حتى ما جاء المعاصرون لها لحظة الكتاب؟”، قائلاً: “أكيد بهذا المعنى يكون الاستشراق له قصور بنيوي على المستوى الفلسفي، على المستوى العلمي”.

المستشرقون والتمييز بين الديني والسياسي في دولة الإسلام الأولى

وأجاب الأكاديمي المغربي عن سؤال “هل وجد المستشرقون صعوبة في التمييز بين الديني والسياسي في دولة الإسلام الأولى؟”، قائلاً: “ما يضعنا في تاريخ الفكر ونحن نقرب قضايا تاريخنا، ونحن نحاول أن ننتشلها من القراءات التي تتالت عليها، وبالخصوص من القراءات الاستشراقية؛ هو أن المستشرقين وهم يقاربونها، يقاربونها بمفاهيمهم؛ بين قوسين بـ(آلياتهم)، بمنظارهم؛ في منظار غربي بين قوسين (الاستشراقي) المنظار لعلم الاستشراق، منظار للعلم الغربي؛ الذي أفرزه هذا الغرب وهو يقارب موضوعاً آخر وهو الشرق، في هذا المنظار كانت هناك آليات مقصورة على جسد الغرب؛ وبالتالي عندما ألبسوناها، كانت ضيقة بنا، وصار الخلاف عندما يلزمنا الاعتراف بهذه المسألة أيضاً كلنا اقتتنا ودرسنا وتتلمذنا على الاستشراق.. كلنا قرأنا في الجامعات الأوروبية الغربية، وأكثرنا. إذن هذا الغرب صار بمعنى من المعاني وفي لحظة من اللحظات، وهذا أساسي في مقاربة سؤال الاستشراق في توسط بينه وبين (مشروع معرفي) منهجي؛ يعني لا يمكننا أن نستغنى عن هذا الإقرار، بهذا المعطى, المعطى الأساسي والمعطى الجديد في مسألة الاستشراق؛ هو أنه صارت لحظة من لحظات لما هي اسم للعلم الغربي. بدنا نتكلم عن رينارد رينو، صاحب أول أطروحة عن ابن رشد في القرن التاسع عشر.. رأي العلم الغربي ومَن يجسده رينو، يقارب ابن رشد؛ لب وقلب الفكر العربي الإسلامي. إذن كل ما سنعرفه في ما بعد عن ابن رشد مثلاً سيكون متوسطاً للرؤية الاستشراقية؛ رؤية رينو”.

إشكال الاستشراق

وتابع د.محمد موهوب: “بدءاً من مصطفى عبد الرازق الذي قرأ ابن رشد برينو.. وكلهم؛ لأنه أما درسنا والكتب التي درسناها كانوا هم مَن حققوها.. روزنتال وآخرون في ترجمة.. لا عليك؛ إذن الجميع ربما في هذا الإشكال، إشكال الاستشراق في هذه الحضارة، هو أنه عندما نميز فيه (بين الأيديولوجيا وبين العلم) بين قوسين، عندما نقاربه كعلم وقف على بُعده الأيديولوجي؛ لأنه تم تسخيره في مشروع أيديولوجي؛ هو الاستعمار، الآن اللحظة التي داخلها مفاهيمه اتضحت بأنه تضيق بنا على ما قُلنا على (واط)، بما يتعلق على مفهوم الردة، ولا بمفهوم الدين، ولا بمفهوم الأمة، ولا بمفهوم السياسي.. أنه هذه المفاهيم كانت مقاسة على جسده، هو يلزمنا أن ننتشل هذه المقاربة بها؛ موضوعات أخرى هي فقط الإشكال الذي سيطرح، هل العلم الذي لا أنتجه عند ذاته هو علم معيب يلزمني أن أنتج علماً عند ذات العرب الإسلامي؛ لتكون لهذا العلم مصداقية، هنا سندخل في حوار صم بيننا وبين الآخر؛ لا نتبنى أن هذا العلم علمنا معاً، ولكن علمنا هذا معاً كانوا فيه أكثر، لهذا الكتاب، وائل الحلاق مثلاً (قصور الاستشراق) هناك قصور ذاتي في الاستشراق، هناك قصور ماهوي في مقاربة الاستشراق لذاته وللآخرين، الجديد عندنا هو أننا نتبنى هذه اللحظة الحاضرة في انفتاحيتها؛ فأعطتنا سعة رؤية تمكننا من أن نجعل لحظة الاستشراق جزءاً لا يتجزأ من تكويننا؛ ولكنها ليست هي، وهي فقط تصورنا عن تاريخنا”.

رغم الوثيقة.. كيف انتعشت القبيلة الجديدة؟

وتحدث الأكاديمي المغربي عن “البناء والخلافة مباشرة بعد دولة الخلفاء الراشدين ستتغير الأمور.. الأمويون سيحكمون وطبعاً سيحافظون على نظام البيعة؛ لكنها بيعة صورية، على كل حال الخلافة صارت تورث؛ بل إن نسل أبي سفيان، سيد قريش في الجاهلية، عاد ليحتل مركز السلطة.. كيف انتعشت القبيلة الجديدة في لحظة كانت فيها الدولة تُبنى وفق هيكل إداري تارته بمحكم؛ يشمل من خليفة وولي العهد، إلى النظراء، الدواوين، الشرطة..وما إليه؟”، قائلاً: “الوثيقة تذكر بالمنزلة الصغيرة التي أقطعت للخليفة؛ هذا هو ما نبَّه إليه (واط)، ومن أوائل اللي نبَّه إليه قبله يعني (فلهاوزن)؛ هو الذي قال لو كانت هذه الوثيقة مزوَّرة لما كان قد اقتطع كمنزلة للنبي فقط أن يكون سميته في المجلس التنفيذي، لا في مجلس تشريعي، (مجلس تشريعي) بين قوسين في داخل دائرة الإسلام، بقي يحظى به القرآن والنص القرآني والعلماء، في حين أن الحاكم الخليفة هو فقط ينفذ صفة تنفيذية، صفة تدبيرية، صفة ثانوية، مَن سيوقفنا على هذه المسألة في القرن العشرين. بالقرن العشرين ماسينون، مستشرق كبير، يلزمنا أن نعترف بهذه المكاسب؛ مكاسب الاستشراق لها فضل علينا، لأنه هو أيضاً لم يبقَ جامداً؛ تطور.. بل فيه الذي نتعاطف مع قضاياه، وهذا ما يهمني عندما أقارب سؤال الاستشراق بهذا المعنى. ليس همه فقط هو دراسة أو على الأقل في لحظة من لحظاته غير لحظة الاستشراق، ليس همه هو الوقوف فقط على ما هو هذا الآخر، الآخر هو.. لا؛ ما يهم المستشرقين بين قوسين (الجدد).. فان إس مثلاً، كوك، روزنتال.. هذا هو ما يهمهم؛ ما الإمكانات التي كانت تحمل بها تواريخهم هم، وبقيت متوارية عنهم؟ وبالتالي عندما يقرؤون ويتصفحون ينقبون في تراثات الآخرين؛ يبحثون في الإمكانات المطمورة التي ربما حادوا عنها، هم أيضاً في تاريخهم هذا، التي بني لها فان إس مثلاً محقق الكتابات الجميلة عن الاستشراق؛ وهو كاتب الكتابات الجميلة عن الاستشراق، وهو الذي نوهت به كثيراً ووقفت عنده مطولاً، لا في كتابي هذا ولا في ترجمة الفلسفة.. يعني أقصدت له أكثر من مقال؛ لأنه يوقفنا على هذا الانعطاف الذي طال الاستشراق منهجاً ورؤى وغايات”.

أول اختبار مع الأمويين والرجوع إلى تصور قبلي

قال د.محمد موهوب: “أهمية الوثيقة؛ أهمية التصور الذي اجترحته الذي يصف ويوقف على المشروع الذي حبلت به المرحلة؛ ما الذي وقع له؟ ما يقع في التاريخ؛ تمت سرقته.. هذه انفتاحية المجتمع التي أتي بها الإسلام. في أول اختبار مع الأمويين تم التخلي عنها، وتم الرجوع، تم النكوص إلى تصور قبلي؛ هو اللي سوف يستوجب في ما بعد أقل من مئة سنة ثورة العباسيين، وستعود مرة أخرى الانفتاحية على الآخرين باسم (آل النبي) باسم (آل عباس)؛ هي التي ستتصدر أمجاداً، والتي باسمها سيأتي العباسيون على الأمويين، وسنعيش معاطف أخرى. الجميل في هذه اللحظة وفي هذه المسألة؛ هو أن اللحظات اللي هي اليوتوبيا، سميتها (يوتوبيا)، مرحلة الوثيقة؛ هي مرحلة الإسلام الأول، كما يُقال، وكأنها يوتوبيا؛ لأنه أولاً وجيزة في الزمن، لم تستمر أكثر من ست سنوات، ثانياً انفتاحيتها، طلائعيتها.. سامحني بأن أستعمل مفهوم يعني (الراهنية) طلائعيتها هي التي جعلت منها وكأنها خزان كل الحركات الإصلاحية، ما فتأت تمدح منها ما يحركها في مراحلها التاريخية أو في ثوراتها أو في ردود فعلها على الأوضاع وعلى الحاضر الذي يعيشه، ما فتأت مرحلة الوثيقة؛ كل الحركات الإصلاحية استمدت منها مشروعها، استمدت منها زخمها الأول؛ استمدته منها، وبها قامت.. عبد الله العروي يقول طوبيا، يعرف عندما يترجم يوطوبيا؛ يترجمها بطوبي، وقد أوقفها عند طوبي.. هذه القضية الجميلة ربما الدرس الأموي انتكس في تصوره، والجميل في المنطلق الذي قُلت لك إنه منه انطلق سوء الفهم هذا الحاضر؛ هو أنه في نفس الوقت نحن نقارب الوثيقة، نقارب أشكال هذه الفتوحات التي كانت محاطة بها هي والحركات التاريخية الأخرى.. أنها هي مدار صراع بين مَن ينتظرونها كتصور قبلي بآليات ومفاهيم ومدارات قديمة؛ لهذا أتحدث عن قصور الاستشراق، لم يكن للاستشراق نفس الرهانات التي لي أنا العربي المسلم اليوم، الذي يبحث في تاريخه؛ ليست له نفس الرهانات، وبالتالي لا يمكن أن يقف في تصوري عند هذا الزخم المبثوث في ثنايا هذا النص وهذه الوثيقة”.

إحياء تعصب الجاهلية للقبيلة من جديد

وقال د.محمد موهوب بشأن إحياء تعصب الجاهلية للقبيلة من جديد: “ثقافياً، فكرياً، وكأني بمشروع؛ وهذا طوباوية مشروع الوثيقة، المشروع التي حملته الوثيقة كان يعني من انفتاح بمكان؛ بحيث يصعب الانخراط والعمل على تحقيقه، وكأني بالأمويين داخل ضغوطات التي كانت البيزنطيين والخصوم الأيديولوجيين القائمين داخلياً وخارجياً، فما لبث الأمويون أن عادوا إلى اعتماد سلاحهم القديم؛ سلاح القبلية”.

مضمون الوثيقة.. دستور المدينة

وأضاف الأكاديمي المغربي: “الوثيقة هذا نصها؛ هذا ما اقتبسته منها، لأنها ليست طويلة؛ ولكن هذا ما اقتطفته منها: بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا كتاب من محمد النبي، صلي الله عليه وسلم، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم، وجاء هذا معهم؛ إنهم أمة واحدة من دون الناس، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر محدثاً ولا يؤويه، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين. لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم؛ إلا مَن ضرم وآثم، فإنه لا يصل إلا نفسه، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على مَن حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم.. إلى آخره”.

استئناف البدء.. الإسلام المبكر على محك المنهجية التاريخية ورهان المستشرقين 

وتحدث د.محمد موهوب عن عنوان كتابه “استئناف البدء..” والعنوان الفرعي “الإسلام المبكر على محك المنهجية التاريخية”، قائلاً: “ربما غاية الكتاب استئناف البدء.. ولو لم يكن لي أن أبقى إلا على العنوان الفرعي لأبقيت على العنوان الفرعي، لو لم يدخل استئناف البدء في المشروع الأكبر؛ اللي هو ترجمان الفلسفة.. لا علينا؛ أهمية سؤال التاريخ اليوم هو ما سبقت الإشارة إليه في ما يتعلق بشيئين اثنين؛ علاقتنا بالحاضر وما وقفنا عنده من قصور الاستشراق، أو هذا الوجود الملتبس للاستشراق بين ما أسداه من حسنات لنا في تاريخنا والمطبات الناتجة عن قصوره فلسفياً، علمياً سؤال التاريخ هو سؤال بين التاريخانية، هو مرة أخرى بز التاريخ على أرض التاريخ والإيقاف على أن المقاربة التاريخية للتاريخ هي قاصرة، لماذا؟ لأن النزعة التاريخية في تصورها للتاريخ؛ نتصوره بطريقة علموية، كل لحظة من لحظات التاريخ بالنسبة لها استنفدت إمكاناتها، والتصور التاريخي بهذا المعنى اللاحق يفضل السابق.. مسألة أساسية.. اثنان، أضف شيئاً ثالثاً، التاريخ بهذا المعنى من المعاني يكون متحفاً نزوره؛ للوقوف على بقايا ما مر ومضى. التصور التاريخي لاستوغيال الإقامة، التمايز؛ التي قمت.. لاستوغياليتي بين النزعة التاريخية أوالتاريخانية والتاريخية، تكمن في ماذا تقرأ؟ فيرجل.. ممكن، قصة جميلة، فيرجيل الروائي الشهير، قد يعطينا فاتح شهية لهذا التصور التاريخي الذي أدافع عنه فيه؛ وحده مَن يغامر منقباً في الأصول، ذاكراً ومقلباً مكان الجذور السابقة على الأصل، وحده يمتلك البداية، يمتلك النهاية.. يتذكر كل المستقبل المصون في غياهب الماضي، وحده مَن يقبض على العابر، يرغم الموتى على البقاء داخل ما يعبر.. كم هي مستعصية على القياس، هاوية الأمس هذه مفتقدة الاسم، هذا التصدير الذي أصدر به فصلاً من فصول الكتاب؛ يميز، يقف على هذه اللطيفة بين تصور تاريخاني وبين تصور تاريخي. سبق عرفت على مقومات التصور التاريخاني؛ تصور المقومات التاريخية، ليس ضرورة إن خلفوا، أحسن من السلف، أكاد أقول في هذا التصور؛ نقف عند الغموض والالتباس الموجود في كلمة ولَّى وراح، ولكن عاد. التاريخانيون يقفون عند راح، التاريخانيون يقفون عند العود، العود الأبدي؛ لأن هذا الذي يعود ليس شيئاً (مصطلح فرنسي) ليس شيئاً.. هذا الزخم الذي تحدثت عنه في الوثيقة زخم الوثيقة لا يفتأ يمد كل الحركات الإصلاحية بما يكفي لتقوم كحركة إصلاحية، وبالتالي كلما اقتربنا من هذه كأنها مسألة مفهوم الزكاة في الإسلام، ما نأخذ منها يزكو، لا ينقص منها الشيء الذي يؤخذ من لحظة تاريخية معينة، تاريخية؛ لحظة الماضي بدل لحظة الوثيقة، وكأن تزكو بقدر الرؤى التي تعددت عليها بقدر القراءات التي تعددت عليها.. هذا هو عمل الإبداع، هذا هو العمل الأدبي، هذا هو العمل الفلسفي، هذا هو تصور الفلاسفة بالتاريخ..”.

“العلم المطلق” المؤسس للمدرسة التاريخانية.. التمييز بين التاريخانية والتاريخية

وتابع الأكاديمي المغربي: “إن اللحظات التاريخية؛ عندما يقف عند التصور التاريخي معنى التاريخاني.. وبالمناسبة هيجل هو المؤسس لهما معاً؛ هو كان مفترقاً معه، كان (العلم المطلق) بين قوسَين هو المؤسس للمدرسة التاريخانية، وهو المؤسس لإمكان المدرسة التاريخية؛ لهذا يقول عنه دريد في كلمة جميلة (كان هيجل على حق أكثر مما كان يعتقد). ما الذي يهمنا في هذه اللحظة، من اللحظة الثانية؛ ليس فقط أن كل لحظة، لحظة تستفاد إمكاناتها بمرورها؛ بل ما يهمنا هذه القدرة على مثل ما فيرجيل؛ القبض على العابر، هذه النصوص المؤسسة لتاريخنا والتواريخ اليونانية، والتواريخ لا تفتأ تغتني بقدر ما تقارب، وكل لحظة من اللحظات الواقع هي قد تمت مقاربتها أدبياً؛ تغتني في مقابل ما أسميه افتقاراً. يقول هيجل: الهوية كما تمدون بها العلوم؛ أنها هوية مفتقرة، 1000 دائماً = 1000، بالنسبة إلى الرياضيات… وهي ما تحبل به النصوص البدائية، هو ما يحبل به التصور الآخر للتاريخ غير التصور المفقر للتاريخ الذي يجعل من اللحظات كونولوجية، هذا هو ما أردت أن أقف عنده بالتمييز بين التاريخانية والتاريخية، وهو ما أردت أن أقف عنده في ثنايا الكتاب في قضية الإسلام المبكر على محك المنهجية التاريخية، أن نقف على غناه؛ ولكن انطلاقاً من تصور آخر غير التصور التاريخاني، غير التصور الاستشراقي، غير التصور المبتسر للحركة الديناميكية التاريخية”.

الوثيقة أفرزت تصورنا للحدث الحاضر.. نحن منتوج الحاضر الأول

وأجاب موهوب عن سؤال “أركون ربما أكبر المتبرمين من هذَين المنهجَين؛ كان يطالب حينها بانفتاح مناهج العلوم الإنسانية لدراسات التراث الإسلامي، لهذا بدأ الحديث بأنه نحتاج ربما أكثر إلى تفكيكية دريدان، نحتاج إلى جينالوجيا فوكو، أنثروبولوجيا ليبسترا، ربما نحتاج إلى سيمائية دو سوسور.. كيف يمكن للدراسات الإسلامية أن تتجدد بتجدد المناهج وبانفتاحنا على هذه المناهج الجديدة؟ وهل فعلاً تاريخانية المنهج الفيلولوجي صارة عائقاً اليوم؟”، قائلاً: “أذكر بما بدأت به في ما يتعلق بمسألة الحاضر، يبدو لي أن الخلاف كل الخلاف اليوم في العلوم الإنسانية عموماً.. هو مدى تجذرنا، ما عبناه على المستشرقين لا يلزمنا أن نقع فيه؛ يلزمنا ألا نقع فيه بتاتاً ما سميته بالقصور.. هذا القصور إذا ما رافقنا وإذا ما صعدنا بالقصور على قصور، نكون وقعنا في نفس المطب، وفي نفس المأخذ. ما نحن مطالبون به سواء في مقاربتنا للدراسات الإسلامية.. الدراسات الإسلامية أظنك تقصد كل ما يتعلق بتاريخنا الإسلامي أو الدراسات الإسلامية كحقل معرفي، الإسلامية التطبيقية، هنا نقول تاريخنا كله؛ هو المعني بالقضايا، تاريخنا العربي الإسلامي كله معني بهذه المقاربة، يلزمنا ألا نتصور أن المنهج هالة أو مطية أو شيء فقط لا يلزم أن يكون خضرة فوق طعام، التصور المنهجي يلزمه أن يكون قد أفرزته الموضوعات المقاربة. الوثيقة أفرزت تصورنا للحدث الحاضر، ببساطة حاضرنا كعرب وكمسلمين، عرفنا أنه نحن منتوج هذا الحاضر الأول، أردنا أن نقف عند استمرارية؛ مدى استمرارية أو القطع مع بناء الحاضر وذاك، هل هذا الحاضر مؤسس، ولَّى وراح أم أن الحاضر المؤسس ما زال يستمر بأوجه متعددة، تذكر ما يقوله فولتير.. هذا الماضي الذي لم يمضِ، الخلاف؛ سؤال المنهج هو سؤال تاريخ بالمناسبة، فليس هناك المنهج بطريقة وصفة طبية، أو المنهج هو التاريخ”.

المعيب في التصور التاريخاني.. متجدد بتجدد قراءته

ورد الأكاديمي المغربي على القول “إن عبد الله العروي كان يقول حين أتحدث عن المنهج فأنا أعني في الواقع منطق الفكر الحديث، بعد أن انفصل عن الفكر القديم”، قائلاً: “هذا جميل؛ ولكن هذا يدخلنا لمسألة خلافية، لأنه عبد الله العروي، هو تاريخاني؛ إذن التاريخ الجميل فيه هو فيك الخصام وأنت الخصم والحكم، التاريخ نحتكم إليه نختلف فيه وعنه وبسببه ويلزمه تصور؛ الذي نسميه تصوراً محكماً، أن يكون قادراً على شيئين اثنين، 3 أشياء إذا ما سمحت؛ المسألة الأولى هي التي جعلت المحدثين يفتتنون بالتاريخ، لأن التاريخ جعل من المسألة مسألة في إمكان الفرد أن يفهم، أن تمد الإنسان بإمكان أن الإنسان كان، ما كان النص، كان ما كانت الوثيقة، كان ما كان الموضوع.. بإمكان الإنسان أن يفهمه؛ هذه مسألة أساسية، يعني لو تروح على القرآن مثلاً أكاد أقول إن المعتزلة أجدادي في هذه المسألة، لأنهم يقولون إن القرآن كلام الله، نزل ليفهمه الناس؛ جانبه التعجيزي لإعجاز ما شئت.. إعجازي ليست تعجيزياً، هو إعجازي؛ نزل على ناس في لغتهم بقواعدهم، إذن نفترض فيهم أن يفهموه وحدهم.. هذا الفهم.

المسألة الثانية في قضية التاريخ؛ أنه لا يمكن أن يستفاد مرة وإلى الأبد، يعني هذا هو قُلنا المعيب في التصور التاريخاني، متجدد بتجدد قراءته، هذه قضايا أوقفنا عليها المنهج التاريخي، هو الذي أوقفنا على هذه القضايا؛ لهذا مثلاً إدوارد سعيد لا يفتأ يعود إلى فيكو في قضية مسألة أهمية التاريخ، وقت يقول أساس قضية التاريخ هو هذه الأشياء التي أتيت على ذكرها؛ أن الأوضاع البشرية مفهومة وقابلة للفهم. تم إضافة بعض الإضافة في كتابي حتى عندما يكون الفهم معتلاً ويكون على شكل شنو سوء فهم، هذا الميس فيشختنتان عند الألمان، والميس أندرستنان عند الإنجليز.. سوء الفهم هو يشير إلى فهم، ممكن وعد بالفهم؛ هذه المسألة مسألة تاريخية أساساً. هذا هو الذي يهمنا عندما ندافع عن المسألة التاريخية وعندما نجعل من الإسلام الأول قابلاً لأن يفهم، وأن خضوعه للمنهج التاريخي سيوقفنا على غناه، لن ينقص منه شيئاً، على خلاف التصور التاريخاني، سيجعل منه نصاً مضى وانقضى، ولا يعود يهمنا إلا بالمعنى اللي قُلت لك من المتحف.. (تدرسونه نصاً متحفياً؛ تخرجه من المتحف ننفض عنه الغبار وتعيده.. والحال أننا نريد أن نجدد به رؤيتنا للعالم وحوارنا مع العالم)؛ فصراعاتنا اليوم جزء لا يتجزأ منها”.

الاستشراق وجوهر الصراع اليوم

وأجاب موهوب عن سؤال “لماذا في الاستشراق اليوم كما لو أن الأمر يتعلق بطرف فكري أو مجرد هكذا انشغال يكاد يكون أكاديمياً”، قائلاً: “إلا هذا التصور؛ بأن الاستشراق أو مقاربة القضايا، الاستشراق مرتبط بقضايا تاريخنا، هو نريد أن ننتشل منه تصور يعيقنا عن أن نؤسس لحاضر يليق بنا كناس، وهو جوهر الصراع اليوم”.

وأجاب الأكاديمي المغربي عن سؤال “ألسنا مؤهلين مثلاً اليوم لننتج ونبني عقلاً فلسفياً عربياً نقدياً متحرراً من سلطة اللا معقول التراثي من جهة، ومن هيمنة الآخر ومن نماذجه المعرفية الجاهزة من جهة أخرى؟”، قائلاً: “بشرط أن نتبنى كلام العروي في معنى من المعاني.. أن نكون قد استوعبنا قصور الاستشراق وأشكال تداركه، ونعتبر أن اليوم، أن هذه اللحظة الجديدة، في الدورة الكونية التي نعيشها؛ الخصوصيات.. لها خصوصيات، أن كل خصوصية يلزمها أن تكون قد تمكنت من إضافة شيء إلى الكونية القائمة، وأن تقيم جسوراً أساسية بينها وبين المعاصر والحديث؛ لا يمكن تصور اليابانيين ولا الصينيين.. ولا ولا ولا، في غير بين شيئَين؛ خصوصية تهمهم، ولكن لهم ما يضيفونه على الكونية، يتقاطعون معها، نفسه ما يتعلق بالثقافة العربية الإسلامية. أريد أن أعطي مثالاً في ترجمان الفلسفة، توقفت عند شيء أساسي.. هؤلاء المستشرقون انطلاقاً من رينارد، كانوا عندما يريدون أن يعرفونا، يعرفونا كأمة تراجمة بالنسبة لهم؛ الدور التاريخي المنوط بنا هو أننا أسدينا للحضارة الكونية في مرحلة من مراحلنا، خدمة؛ وترجمنا.. ولكن أما أنهم وقفوا عند النصوص ووقفوا الآن عند النصوص يمكن الاستغناء عن ساعي البريد؛ التي قلناها لا الخطأ، كل الخطأ؛ قصور الاستشراق في ما يتعلق بقضية الترجمة، هو أنهم لم يتصوروا أن صلة الوصل ليست صلة وصل بين شيئَين قائمَين.. صلة الوصل هي التي تخلق أطرافها من تصورنا، نخلق كونية الكون بمجمله؛ انطلاقاً من خاصيتنا وأشكال استيعابنا لهذا التاريخ الذي جزء منه الاستشراق بقصوره، وما تداركناه عليه. لهذا قلت ما يتعلق بالتاريخ وما يتعلق بالتاريخانية، تصور تاريخي، صالحنا مع تاريخنا، لم يعد تاريخنا ثقلاً، لا صار مصدراً؛ ممكن.. لا فقط أن نعبئه؛ نعيش به، نقترحه كخيارات بديلة، كبدائل اليوم.. اليوم، وأنا أشرت في رسالة نشرتها بأربع لغات؛ لكن الأساس لا أن نفكر، لا أننا فقط نفكر في كيفية استعادة رحابة هذه الرحابة، هذا الانفتاح المبثوث في ثنايا ما أسس تاريخنا وقوميتنا؛ بل مددنا اليد مرة أخرى بعد مرحلة الإسلام، إلى كيفية فتح التجربة اليهودية؛ إخراجها من شوفينيتها التاريخية. لهذا قلت لك تحالف مع اليهود المتظاهرين ضد صهيونيهم بهذا المعنى، هناك من اليهود مَن قاموا بعمل جبار نقدي تجاه الشوفينية، تجاه القبلي”.

كيفية التأسيس لحاضرنا المشترك اليوم

واختتم الأكاديمي المغربي: “مرة أخرى؛ ما يهمني إذن ونحن نؤسس في لهذا الحاضر المشترك الذي يعنينا اليوم كونياً، كلٌّ مطالب بأن يتخلص من اللا معقول المكتنف لثقافته، اللا معقول الذي هو موجود بالضرورة في ثنايا تراثه، ماضيه، هويته.. إذا لم تقم الأدوات الحاملة للخصوصيات بهذا المجهود، فلا يمكننا أن نؤسس لحاضرنا المشترك اليوم”.

Leave a comment

0.0/5