Skip to content Skip to footer

الاستشراق والمركزية الأوروبية | د. عبد الإله بلقزيز

تحدث الدكتور عبد الإله بلقزيز، المفكر المغربي، الحاصل على دكتوراه الدولة في الفلسفة من جامعة محمد الخامس بالرباط، مدير الدراسات بمركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، خلال لقائه الإعلامي ياسين عدنان، عبر برنامج “في الاستشراق”، عن الجزء الرابع من مشروعه الفكري “العرب والحداثة”؛ الذي خصصه لموضوع نقد الحداثة الغربية في الاستشراق والمركزية الأوروبية. وناقش أيضاً المعجزة الأوروبية  بشأن مكتسبات الحداثة؛ منذ النهضة والإصلاح الديني والثورة العلمية والثورة الفرنسية وعصر الأنوار، وهل هذا يعني أن أوروبا الحديثة لم تخرج إلى الوجود إلا بعدما حشمت مع ماضيها القرصي المسيحي؟

فتوحات أوروبا ومكتسبات الحداثة

 قال الدكتور عبد الإله بلقزيز، المفكر المغربي: “كل هذه المنعطفات الكبرى؛ النهضة والإصلاح الديني والثورة العلمية والثورة الصناعية وحركات التوحيد القومي والثورة السياسية وعصر الأنوار.. هذا كله من فتوحات أوروبا التي تحسب لها. وفي المقابل ينبغي ألا نغالي كثيراً في النظر إلى هذه الفتوحات، إلى درجة قسطرتها كما تفعل بعض خطابات التبجيل المركزي الأوروبي والغربي عموماً إلى الحدود التي تحاول فيها أن تكرس الانطباع؛ لأن هذه هي المعايير المعتمدة لقياس درجة التقدم أو التحضر أو التمدن في أصقاع الأرض كلها”.

وأضاف الدكتور عبد الإله بلقزيز: “صحيح هي فتوحات؛ ولكن ينبغي أن ينظر إليها نقدياً. أما في ما يخص صلة أوروبا بماضيها الوسيط؛ فيمكننا أن نتحدث عن حركتَين، حركة قطيعة مع الكثير من مظاهر أوروبا العصر الوسيط، ولكن أيضاً معها توجد حركة رديف موازية؛ هي حركة الاستمرار التاريخي أو الاستمرارية التاريخية”.

أوروبا منقسمة على نفسها.. فكرة الأنوار

وتابع المفكر المغربي: “أوروبا منقسمة على نفسها في فهم نفسها؛ قسم من أوروبا يعتبر أن انتهاض أوروبا وصعودها الحضاري مأتاه من نجاحها في ردم الهوة ما بين ماضيها الإغريقي الروماني وحاضرها في عصر النهضة في القرن السادس عشر؛ بمعنى نجاحها في محو الحقبة المسيحية من تاريخها. وهذه الرؤية للنهضة في أوروبا، وعبارة النهضة تدل عليها؛ يعني هناك ولادة أصل انبعاث، وهذه ولادة ثانية؛ ولادة جديدة أو انبعاث أو ما إلى ذلك. بمعنى أن ثمة ماضياً أوروبياً دخل عليه طارئ اسمه المسيحية؛ فقطع حبله، والآن أوروبا تعيد وصل علاقتها بماضيها؛ لكي تستأنف مغامرتها الحضارية. وهذه الفكرة هي التي نجحت في أن يستتب لها الأمر في الفكر الأوروبي في بعض جنوب أوروبا؛ يعني في إيطاليا وفرنسا بصورة خاصة، ومنها خرجت فكرة الأنوار كفكرة تقارع الظلام الذي يمثله العصر الوسيط، وطبعاً المسيحية وغيرها. هذا رأي في أوروبا..”.

نهضة أوروبا وميراثها المسيحي.. سردية أخرى

واستكمل الدكتور عبد الإله بلقزيز: “هناك رأي ثانٍ يناهض هذه الرواية ويقدم سردية أخرى؛ تقول إن أوروبا تدين في نهضتها إلى ميراثها المسيحي، وإن المسيحية مدماك من مداميك التمدن الأوروبي الحديث والإقلاعة الأوروبية الكبرى منذ القرن السادس عشر. وطبعاً هذه القراءة تلمع كثيراً حركة الإصلاح الديني. دعوة مارتن لوثر وكالفن.. إلى آخره. وتعتبر أن الدينية جزء من نسيج الكينونة الحضارية الأوروبية؛ بحيث لا تستطيع أن تتخلى عن حقها في أن تتزود به طاقة لاستمرارها. إذن لا غناء لها، ونحن نجد هذه القراءة سادت أكثر ما سادت في ألمانيا؛ لذلك لن نستغرب حينما نجد كبار المفكرين الألمان قبل حركة نقد الدين مع فيورباخ وماركس وغيرهما، ولكن في البداية مع شيرين، مع هتر، مع إيمانويل.. كانت مع هيجل تتكرر هذه الفكرة القائلة إن المسيحية من أساسات البناء الحداثي إذا شئت، أو النهضوي أو الحضاري في أوروبا”.

محاولات حجب “المعجزة الأوروبية”

وأجاب المفكر المغربي عن سؤال “كيف تضافرت العناصر الثلاث (الإرث الإغريقي الروماني مع الديانة المسيحية مع العرق الآري)؛ لتزايد على الأنوار وتحاول حتى حجب (المعجزة الأوروبية) في فترة الأنوار؟”، قائلاً: “عوارض تاريخية كثيرة طرأت على واقع أوروبا منذ نجاح الثورة الفرنسية، وأنجبت حالة من الشك ومن عدم اليقين في المثال الأوروبي الذي جرت عملية قسطرة له وتعظيم؛ وبالتالي أطلقت حركة من النقد حتى داخل الليبرالية. أنا هنا أحيلك إلى مفكرين فقط؛ لن أقول لك كارل ماركس ولن أقول لك نيتشه. سأقول اثنين؛ ألكسيس دو توكفيل وجون ستيوارت مل؛ هذان منظِّران كبيران في إطار الفكر الليبرالي الغربي، وكلاهما عاش في النصف الأول ومنتصف القرن التاسع عشر؛ النصف الأول من القرن التاسع عشر. وكتب ما كتبه في هذه الحقبة..”.

وأضاف الدكتور عبد الإله بلقزيز: “هذه الحقبة مهمة جداً، لماذا؟ لأنها نجاح لثلاث ثورات؛ الثورة الإنجليزية.. كانت هناك الأولى والثانية، ثم الثورة الأمريكية والدستور الأمريكي، ثم الثورة الفرنسية آخرها. نجاحات هذه الثورات بدأت تميط اللثام عن كثير من الحقائق الاجتماعية والسياسية التي كانت محجوبة في ذلك الإبان؛ حيث الأحداث في غليان، حينما وقع ما وقع، ونجحت الثورة؛ بدأت تتبين الشقوق والشروخ والمشكلات. حينما نعود إلى ألكسيس دو توكفيل؛ وله كتابان أساسيان (دولموقيرسيان دولامريك)، وهذا كتاب ضخم ومرجعي لا يزال حتى اليوم حول النظام السياسي الأمريكي، مع أنه فرنسي، أقام في أمريكا لفترة، وفهم النظام السياسي، وكتب عنه نصاً بديعاً؛ ولكن ليس هذا هو الذي يعنينا. يعنينا كتابه الثاني (النظام القديم والثورة)، وهو الذي يوجه فيه نقداً حاداً في الثورة الفرنسية”.

النظام الليبرالي والنموذج الديمقراطي.. طغيان وديكتاتورية مقنعة

وتابع المفكر المغربي: “بينما الذين كانوا قبله؛ من هيجل إلى ماركس، كانوا يمجدونها، كانت نموذجاً بالنسبة إليه. بعده مباشرة سيكتب جون ستيوارت مل في الحرية، سيكتب كتابه في نقد النظام الليبرالي، وفي نقد النموذج الديمقراطي، وسينتهي إلى القول إن هذا النموذج كله هو عبارة عن طغيان وديكتاتورية مقنعة؛ هدفها هو السيطرة على الحريات بدعوى ما سماه جان جاك روسو بالإرادة العامة أو دعوى الشعب أو دعوى الأمة أو الدولة أو المجتمع أو نظام القيم السائد أو.. إلى آخره. إذن ما الذي يعنيه ذلك؟ يعني بكل بساطة أن أوروبا التي بجلت نفسها وبلغ التبجيل ذروته مع هيجل. ولكن القرن التاسع عشر من حسن الحظ أطلق موجة من النقد؛ يعني من فيورباخ إلى ماركس إلى نيتشه إلى هذين اللذين ذكرتهما، إلى أن أُعيد تجديد التلميع والتظهير مع ماكس فيبر في حديثه عن المسيحية عموماً والدولة الحديثة.. إلى آخره”.

بدء الفضيحة الكبرى وصعود النازية والفاشية

واستطرد المفكر المغربي: “ولكن أيضاً ما أن بدأ في تلميع هذه الأوروبا أو هذا الغرب؛ حتى بدأت الفضيحة الكبرى بصعود النازية والفاشية، وما أعقب صعودهما من نكبات كبرى في الحرب العالمية الثانية، وتجدد النقد مع مدرسة فرانكفورت، وقبلها مع حنة أرندت في نقدها النظام الكلاني؛ فإذن أوروبا هي مزيج ما بين هذا الادعاء بالتفوق والنموذجية والمعيارية والمرجعية. وفي الوقت عينه، بنقد هذه الأزعومات من داخلها، وهذه فضيلة في الفكر الغربي الحديث؛ لأنه يضع ما بعد الحداثة، ماذا تكون سوى أنها لحظة نقدية وضعت كل معمار الحداثة موضع فحص نقدي”.

أوروبا الأنوار أنجبت الاستعمار وكل الوساخات

قال الدكتور عبد الإله بلقزيز: “الأوروبا التي نتحدث عنها؛ يعني أوروبا الأنوار والإصلاح الديني والعلمانية والديمقراطية والوحدة القومية والنهضة.. وغيرها؛ هي التي أنجبت الاستعمار.. هي التي أنجبت كل الوساخات.. التي وصلت إلى اللحظة القصوى مع النازية والصهيونية“.

عدم تحميل الألمان وحدهم مسؤولية النازية

 وأضاف المفكر المغربي: “أعطيت نموذجاً في كتابي ينتقد كل الفكرة التي قامت عليها الأنوار؛ ونموذجاً من خارج ألمانيا؛ الأول من فرنسا ألكسيس دو توكفيل، والثاني بريطانيا؛ بالنظر إلى الألمان، وأنا ضد هذه الفكرة.. النظر إلى الألمان باعتبارهم يغردون خارج سرب المدنية الأوروبية، ويعيدون الاعتبار إلى الدين في التاريخ الأوروبي.. هذا غير صحيح؛ ما من شك في أنهم تفوقوا على غيرهم في الاعتناء بهذا التراث الديني المسيحي، وطبعاً الإصلاح الديني أصلاً في الأساس هو ألمانيا؛ بدأ في ألمانيا، ولكن في نهاية المطاف حتى العالم الكاثوليكي استفاد؛ لو عُدنا إلى المجمع الثاني للفاتيكان في بداية الستينيات، سوف نكتشف أن المراجعات العميقة التي قام بها الكاثوليك للمسيحية ترسمت خطى الإصلاح الديني اللوثري البروتستانتي، واستدمجته؛ استدخلته في النظام اللاهوتي الكاثوليكي، وهذا هو الذي صالحها مع العصر ومع القيم الحديثة”.

هل النازية ترجمة سياسية لفكرة القوة عند نيتشه؟ وكيف ذلك؟

وأجاب المفكر المغربي عن سؤال “هل النازية ترجمة سياسية لفكرة القوة عند نيتشه؟ وكيف ذلك؟”، قائلاً: “ليس إلى هذا الحد؛ يعني كتبت ما كتبت عن صلة نيتشه أو صلة النازية بنيتشه، انطلاقاً من الرواية الألمانية الرسمية، وهتلر كان طبعاً يستشهد بنيتشه. الرواية الألمانية هي التي تقول إن الفكر النازي كله مستوحى من فلسفة القوة. أنا لا أقطع برأيي في ما إذا كان الكتاب السيئ في موضوع القوة الذي هو إرادة قوة.. لا أستطيع أن أقطع برأيي فيه؛ هل هو فعلاً كتاب لنيتشه أم أن أخته إليزابيث، التي مارست وصاية عليه في فترة مرضه الأخيرة، ثم تأخر لها الأرشيف نيتشاوي كله بعد وفاته، وكانت على علاقة بالنازية، وزوجها كان أيضاً من النازيين الكبار.. هل كان لها دور كبير في إعادة كتابة الكتاب وَفق برنامجها النازي؟ في كل الحالات هذا الكتاب يبدو مغرداً خارج سرب كل النص النيتشوي”.

نيتشه ليس مسؤولاً عن النازية

وأضاف الدكتور عبد الإله بلقزيز: “التعصب والعنصرية موجودان أيضاً في نصوص أخرى؛ لدى كثير من المفكرين وليس فقط نيتشه، لكن فكرة القوة.. وهذه واضحة أيضاً في جنيولوجيا الأخلاق؛ حينما يتحدث عن أخلاق القوة وأخلاق الضعف، أخلاق السادة وأخلاق العبيد، وينتقد المسيحية لأنها تربت  على أخلاق العبيد.. إلى آخره؛ هذا التبجيل لأخلاق السيادة والقوة والتفوق.. طبعاً هذا يدغدغ المشاعر الألمانية؛ ولكن نيتشه ليس مسؤولاً عن النازية، نيتشه قال ما قال، وما قاله يمكن أن يُقرأ قراءات مختلفة؛ ليست النازية سوى قراءة واحدة منها، لا نستطيع أن نماهي مماهاة مطلقة ونهائية”.

وتابع المفكر المغربي: “هذا الهجوم على الفكر الألماني ينسى أن ماركس كان الأكثر تمسكاً بالتراث الأنواري والثورة الفرنسية من الأوروبيين أنفسهم.. الفرنسيين والبريطانيين، وغيرهم. ولذلك هذا التعميم لا يجوز”.

المركزية الأوروبية والارتداد عن فكر الأنوار

وأيَّد الدكتور عبد الإله بلقزيز القولَ بأن (ما يعنينا ربما نحن هو المركزية الأوروبية التي نقرأها عند نيتشه، ونقرأها عند ماركس، وإدوارد سعيد توقف عند كيف أن ماركس في لحظة ما برر الاستعمار الغربي والاستعمار البريطاني في الهند والاستعمار الفرنسي في الجزائر، بوحي منها، وأثار ربما حتى عندما نذهب إلى كانط فيلسوف النقد والتنوير في كتابه “نقد العقل المحض”، سيُنَصِّب الأوروبي والأوروبية فقط سيداً يتصدر بقية العالم.. الفكرة هي أن هذه المركزية لم تأتِ في إطار الارتداد عن فكر الأنوار؛ بل كانت كامنة من الفكر المسيحي إلى فكر الأنوار؛ عابرةً التحولات الفكرية التي شهدتها أوروبا)، قائلاً: “هذا ما قصدته في البداية حين تحدثت عن تيارَين؛ تيار القطيعة وتيار الاستمرارية. أنا لا أؤمن بأن هناك قطائع في التاريخ الاجتماعي والثقافي؛ هذه القطائع قد تكون في الطبيعة، قد تكون في الأفكار العلمية؛ ولكن في الفلسفة أو في الفكر السياسي أو كذا، لا تكون. المواريث الحضارية لأي مجتمع لها أثر كبير قد لا يكون أثراً واضحاً ومباشراً؛ ولكنها ذات تأثير كبير في تشكيل المخيال السياسي للجماعة الاجتماعية عموماً والنخبة القائدة بصورة خاصة، وتوجيه هذه الوجهة”.

الأوروبي يعتبر نفسه سيداً على العالم والشعور بـ”تفوق المسيحية”

وأضاف المفكر المغربي: “صحيح أن الكثير من أفكار التفوق والتميز في أوروبا موجودة قبل الارتداد عن عصر الأنوار. هذا صحيح ما فيه شك؛ لأن الأوروبي منذ أن بدأ يكتشف قدرته على فلق الأفق وارتياد المستحيل، بات يعتبر نفسه سيداً على العالم. منذ القرن السادس عشر حتى اليوم لا نستطيع أن نقول هذا كان موجوداً بشكل كبير من قبل. موجود دينياً في الكتابات اللاهوتية المسيحية منذ القرن الميلادي الثاني حتى القرن الخامس عشر.. كلها تطفح بالشعور بالتفوق الديني، تفوق المسيحية عن باقي الأديان وهذه الفكرة؛ وهذا هو الذي اعتنيت به في كتابي الآخر لي حول الموضوع ما قبل الاستشراق، الإسلام في الفكر الديني المسيحي. هذه النظرة إلى الذات كذات متفوقة سيدة في المجال الروحي، سيأتي زمن وستصبح نظرة مدنية بدل أن تكون دينية، ستصبح مدنية.. وهكذا صارت في أوروبا في القرون ما بين القرن ١٦ والقرن ٢١، بعبارة أخرى أننا نستطيع أن نعثر على بصمات هذا التاريخ القديم في الفكر الأوروبي الحديث”.

العودة إلى ما قبل الاستشراق

وتابع الدكتور عبد الإله بلقزيز: “ولهذا أنا قُلت إننا لا نستطيع أن نفهم الاستشراق على الحقيقة إلا بالعودة إلى ما قبله؛ كل ذلك الماضي الفكري الثقافي اللاهوتي الذي هيَّأ لميلاد هذه الظاهرة التي نسميها اليوم بالاستشراق.. (بمعنى حتى الحداثة لم تتمكن من أن تقطع معها)؛ فهل منعت حداثة هابرماس هذا الرجل من أن يعود إلى العهد القديم؟!… لأنه هذه عقدية عنده، وحينما تكون المسألة عقدية عنده معنى ذلك أننا علينا أن نعيد فحص هذه الحداثة”.

أوروبا وأوهام التفوق.. الحرب العالمية الأولى والثانية

ورد المفكر المغربي بشأن أنه “في تحليلك في الكتاب نحس كما لو أن الغرب ذكرته كمرادف لأمريكا، وتقول إن المنقذ الأمريكي حرَّرَ أوروبا من النازية؛ إنما ليستولي عليها، وها هي أمريكا النيوليبرالية المحافظة رغم العلمانية الزائفة تعيد الدينَ ربما إلى المعترك، وها هي تبرر به اليوم حروبها وما إليه.. كيف السبيل لإنقاذ أوروبا من هذا المسار الذي سمَّيته بالمسار الانتحاري، الذي تخشى أنه سيصير قدراً للبشرية؟”، قائلاً: “أولاً أنا لست معنياً بأن أنقذ أوروبا؛ عليها هي أن تنقذ نفسها. أوروبا ركبت جنونها، ركبت أوهامها؛ أوهام التفوق. وخاضت معركة أخذها إلى حتفها، الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية. وانتهت؛ لأنه بعد عام ٤٥، ماذا حصل؟ انتهت أوروبا؛ تحولت أوروبا، انقسمت على نفسها إلى أوروبا تابعة للاتحاد السوفييتي، وأوروبا تابعة لأمريكا.. انتهت أوروبا. أصبحت هناك قوتان عظميان. بعد نهاية الحرب الباردة أصبحت هناك قوة واحدة، هذه القوة استلحقت أوروبا طيلة كل هذه الفترة، وحولتها إلى هامش؛ هي المركز وأوروبا الهامش..”.

أوروبا حكمت على نفسها بالاندحار

وقال الدكتور عبد الإله بلقزيز: “ممنوع على أوروبا أن تشكِّل جيشاً موحداً، ممنوع، جيشها هو حلف شمال الأطلسي؛ هو المظلة الأطلسية، يعني هو الجيش الأمريكي، نقطة على السطر. فإذن أوروبا حكمت على نفسها بهذا الاندحار. اليوم هو كيف نستعيد التراث التحرري الأوروبي من هذه التأويلات النيو ليبرالية التي تقوم بها المؤسسة الأمريكية ونظائرها في أوروبا؛ لأن أوروبا اليوم هي أيضاً ضد تاريخها التحرري.. في سياساتها، في سياسات دولها وحكوماتها، في مواقف نخبها، في خطابات مثقفيها. تنكُّر لهذا الماضي التحرري الذي أعتبره أنا اللحظة الإنسانية في التراث الأوروبي. هذه اللحظة الإنسانية هي التي ينبغي أن نستنقذها. أما أوروبا فأنا لا يعنيني أمرها؛ فلتنقذ نفسها أو فلتتورط كثيراً. ما يعنيني في المقام الأول هو أن تلك اللحظة الإنسانية الخلاقة المبدعة التي قدمتها أوروبا للبشرية، وصارت جزءاً من التراث الإنساني ينبغي أن يحتفظ بها وأن تُستعاد لا أن تُترك تحت تصرف مهندس الخطابات النيكولونية المعاصرة في الولايات المتحدة الأمريكية وفي دول أخرى”.

الأنا والآخر يعتركان اليوم داخل الفضاء الأوروبي الأمريكي

وقال المفكر المغربي ردًّا على أن “صحيح الفكرة واضحة؛ هذا في الجانب الإيجابي، يعني هذا التراث الإيجابي؛ ولكن حتى هذه المركزية التي نناقشها لا تعنينا في ذاتها، بل تعنينا في اتصالها بنا كعرب مسلمين شرق، ولهذا ربما”: “أصبحت تعنينا أكثر، لماذا؟ لأنه أصبحنا جزءاً من هذا الفضاء الذي يُسمى الغرب؛ أمريكا وأوروبا، عشرات الملايين من العرب والمسلمين يعيشون هناك مواطنين. ليس فقط الذين هم متعاقدون يشتغلون؛ لا، الذين هم مواطنون. لهم جنسيات؛ ولكن مع ذلك الذين لا يُنظر إلى مواطنتهم بوصفها كاملةً؛ لأنهم لا ينتمون إلى الرجل الأبيض، ليسوا مسيحيين وليست أصولهم من البلاد، وإنما أصولهم ممن خارجها؛ فيعني علاقة الأنا والآخر، كما كنا نتحدث عنها، وكما عيشت في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، تختلف اليوم؛ لأن هذا الأنا والآخر يعتركان اليوم داخل الفضاء الأوروبي الأمريكي” (حصلت تداخلات كثيرة؛ وهذا مبرر إضافي لكي ننشغل بهذه المركزية)؛ مبرر إضافي لقياس درجة الإفصاح الغربي عن هذه النزعات العنصرية في النظر إلى الآخر، لأنه هذا مواطن ديالك؛ يعني يمكن تشوفني أنا آخر تحقد عليَّ وتشتمني وتفعل ما تشاء، ولكن هذا مواطن، هذا مواطنك، ومع ذلك فأنت لا تتعامل معه بحسبانه مواطناً، إذن هذا ماذا يعني؟ يعني هذا أن مفهوم المواطنة ينبغي أن يُعاد فيه النظر كله، كل منظومة الفكر السياسي الأوروبي ينبغي أن توضع موضعاً نقدياً”.

الاستشراق والسقوط في إصلاح النزعة القبيحة “المركزية الأوروبية”

وأجاب المفكر المغربي عن سؤال “هل يمكن اعتبار الاستشراق هو مدخل هذه المركزية وأداتها المباشرة للهيمنة علينا معرفياً وثقافياً؟”، قائلاً: “بعض الاستشراق سقط في إصلاح هذه النزعة القبيحة والمستقبحة التي هي المركزية الأوروبية. ولكن الاستشراق في المقام الأول هو ميدان دراسي. بينما نحن نتحدث عن المركزية الأوروبية باعتبارها نزعة؛ نسعى إلى اعتبار أوروبا أو الغرب مركزاً ومعياراً ومرجعاً.. وإلى آخره. الاستشراق له ما له وعليه ما عليه؛ أنا أول شيء أميِّز ما بين الاستشراق وما قبل الاستشراق، هناك الكثير من الدارسين يتحدث عن الاستشراق ويعود إلى القرن الـ١٦، وما علاقة القرن الـ١٦ بالاستشراق؟ الاستشراق ميدان دراسي؛ وهو أول ميدان أنتجته أوروبا حول الشرق بكل جغرافياته ومجالاته الثقافية والحضارية؛ في الصين واليابان وكوريا، ثم العالم العربي الإسلامي.. إلى آخره”.

ميدان الإسلاميات قبل أن يبدأ الاستشراق كميدان دراسي

وأضاف الدكتور عبد الإله بلقزيز: “نحن يعنينا ما يختص بميدان الإسلاميات. قبل أن يبدأ الاستشراق في فرض نفسه كميدان دراسي، في ما قبل لم يكن تخصصاً؛ لا في الجامعات ولا في التأليف الأوروبي، نظره عن الإسلام أو على الشرق. كانت هناك اهتمامات عند اللاهوتيين أو بعض المفكرين؛ نجد مثلاً مونتسكيو يقول شيئاً عن الإمبراطورية العثمانية والاستبداد العثماني والاستبداد في البلاد الإسلامية.. فولتير يكتب نصاً عن النبي محمد بن عبد الله، هيجل يكتب شيئاً عن الإسلام في تاريخه للأديان.. إلى آخره؛ ولكن لا أحد من هؤلاء كان مستشرقاً، بمعنى أنه باحث متفرغ لدراسات الشرق. هذه الظاهرة بدأت مع مطالع القرن التاسع عشر، وبدأها الفرنسيون قبل الألمان؛ ارتبطت بحملة نابليون في مصر، ثم مدرسة اللغات التي تشكَّلت في فرنسا، ثم بدأ الاستشراق مزوداً بجملة من الموارد المعرفية التي لم تكن متاحة في ذلك الإبان للفقهاء أو الكتاب العرب والمسلمين. لذلك ظهر تفوقه، كان تفوقاً منهجياً، وحتى المعرفة بنصوص، لأن الكثير من النصوص كنا نجهلها في القرن التاسع عشر، إلى أن نفض عنها المستشرقون الغبار وحققوها ودرسوها.. إلى آخره. ومكنونا من العودة إليها”.

وتابع المفكر المغربي: “يعني ابن خلدون، كان الناس يتكلمون عن ابن خلدون؛ ولكنهم لا يعرفونه.. لم يقرؤوا كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب؛ إلى أن نشر في نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ ولكن الاستشراق في الوقت عينه مثل إذا شئت نخبة تغتنم بالنسبة إلى حركة الاستعمار. هذه نخبة من الدارسين الملمين بتاريخ الشرق ولغاته؛ يمكننا أن نستفيد من خبرتهم وأن نجندهم ضمن مشروع المؤسسة الكولونيالية.. وهكذا استُدرج كثيرون ليشتغلوا في إطار المؤسسات الكولونيالية؛ خصوصاً في البلدان التي كانت لديها مشروعات استعمارية، بريطانيا وفرنسا والبرتغال وإسبانيا وهولندا وبلجيكا وألمانيا.. لم يكن لديها مشروع، وهذه من المفارقات، كنا نتحدث عن القوة الألمانية، ننظر إلى القوة؛ لكن الذين يمارسونها لشعوب الآخر، هذا تيار ارتضى أن يقدم السخرة الثقافية للمؤسسة الكولونيالية. وبعضهم كان يعتبر أنه يؤدي وظيفة وطنية أو وظيفة قومية لصالح دولته، وبينما البعض الآخر لا”.

واستكمل الدكتور عبد الإله بلقزيز: “كانت الأجندة، إذا شئنا استعمال هذه العبارة، كانت بالنسبة إليه علمية.. إنه يريد أن يتخصص في دراسة هذا العالم الآخر المختلف طبعاً، بعد أن احتاز الأدوات لدراسته، وأهم هذه الأدوات اللسان، لا تنسَ أن المستشرقين الذين نتحدث عنهم كانوا حينما يقولون حضارة الإسلام كانوا يتعلمون العربية والفارسية، وبعدهما اللغات الإسلامية الأساسية؛ اللغة العربية والفارسية والتركية والأردية، ثم يضيفون إلى ذلك الآرامية والسريانية والعبرية.. وإلى آخره هذه اللغات الأوروبية الحديثة، لماذا؟ لأنه هناك فكرة أساس عند الفيلولجيين الألمان منذ القرن التاسع عشر؛ تقول إن اللغة هي الشفرة التي بواسطتها نفك أو نفتح حضارة أو ثقافة، لذلك كانوا يركزون على تعلم اللغات؛ فإذا يحتاز لغة الشرق يحتاز العلم الاجتماعي والسياسي والحضاري وبتاريخه الثقافي، ويعتبر نفسه متفرداً داخل بني جنسه في البيئة الأكاديمية؛ بأنه يعرف ثقافة الغرب وثقافة الشرق، فكان بمثابة رأسمال بالنسبة إلى المستشرقين”.

التيار العلمي في الاستشراق

واستطرد المفكر المغربي: “هؤلاء كان حافزهم الفضول العلمي. وهؤلاء هم الذين استفدنا منهم في التحقيق.. لذلك لا ينبغي أن يغمط أحد حقَّ هذا التيار الذي أسميه التيار العلمي في الاستشراق”.

إرنست رينو وأفضاله على الثقافة العربية.. والتورط في الجانب العنصري للمركزية

قال الدكتور عبد الإله بلقزيز: “ليس الجميع متورطاً في العنصرية؛ إرنست رينو مثلاً كان متأثراً بمدرسة الألسن، وكان عنده مختبر خاص في الدراسات اللسانية وغيرها، وكان متأثراً بالمدرسة التاريخانية؛ ولكن خذ معك ألمانيا في القرن التاسع عشر، لم يسقطوا في هذه؛ لا نولدكه الذي كتب أهم كتاب مؤسس في الدراسات القرآنية، مثلاً (تاريخ القرآن)، ولا فلهاوزن الألماني الذي اشتغل على العهد القديم، التوراة، وكتب الأنبياء وكتب تاريخية.. وغيرها، وعلى الأناجيل، كما اشتغل على التراث الإسلامي، وله دراسات رصينة في هذا الباب. أيضاً الأزهري الهنغاري، إجناتس جولد تسيهر؛ وهو يهودي. ولكن هؤلاء لم تكن لديهم هذه اللوسة التي كانت لدى صديقهم مثلما ذكرت، وغيرهم. ولا بروكلمان في تاريخ الأدب العربي أيضاً.. كل هؤلاء كانوا متحررين، ولم يكن لديهم شعور بأنهم يؤدون رسالة سياسية، إرنست رينو يختلف عنهم؛ إرنست رينو كان قد عاد عن كونه متأثراً بالمدرسة التاريخانية وبفكرة المفاضلة ما بين الألسن والثقافات والحضارات وغيرها. كان له قدر ما من الشعور؛ الحاجة إلى الحط من قيمة الثقافة العربية، وهذا كان واضحاً رغم أن دراسته عن ابن رشد دراسة لامعة تعود إلى ١٨٨٢؛ يعني أكثر من قرن ونصف القرن”.

الحط من الفلسفة العربية دون برهنة

وأضاف المفكر المغربي: “هو الذي أسس الدراسات الرشدية في كل الفكر العربي المعاصر؛ هذه حقيقة لا جدال فيها. ولكنه كان مُصراً على القول إنه ليس لدى العرب فلسفة وإنما الفلسفة العربية بناية عن فلسفة يونانية مكتوبة بحروف عربية. هذا حط من الفلسفة العربية؛ هذا موقف أيديولوجي وليس موقفاً معرفياً؛ لأنه لم يستطع على الإطلاق أن يبرهن على ذلك برهنة علمية؛ لأنه في نفس الوقت يمكنك أن تقول الفلسفة، الفلسفة اليونانية استلهمت مما قبلها؛ ليست العبرة بأصل الفكرة، وهذا هو الدرس الأساسي في البنيوية في القرن العشرين، ليست العبرة في الفكرة إنما العبرة في موقعها في النظام المعرفي..”.

وتابع المفكر المغربي: “نحن في البنيوية لا يعنينا العنصر وإنما يعنينا بنية؛ موقعه داخل بنية. العلاقة هي الأساس وليست العناصر. وهذه مشكلة التاريخانية عموماً؛ لأن العودة بأي فكر للبحث عن مصادره وعن أصوله هي عملياً فيها شحنة أيديولوجية ضمنية المقصود منها هو إهدار أصالة هذا الفكر، تقول إن هذا عبارة عن أصل سرياني أو أصل يوناني أو أصل عبري، وانتهى الموضوع”.

مناظرة المركزية الغربية لدى المستشرق

قال الدكتور عبد الإله بلقزيز: “جمال الدين ناظرَ إرنست رينو، بعمق؛ ولكنْ هناك مثقفان سقطا صريعَي أطروحته، ورددها كل منهما بطريقته؛ أولهما فرح أنطون، وثانيهما الشيخ مصطفى عبد الرازق.. طبعاً لا تقول لي إن مصطفى عبد الرازق كان شيخاً للأزهر، هذا خريج السوربون، هذا أستاذ فلسفة؛ درس وحصل على الدكتوراه في السوربون، ولو أنه شيخ للأزهر بمعنى ثقافته عصرية ويعرف أكثر من هذا، كان متمسكاً ببيان كيف أن هذا الفكر العربي الإسلامي كان سباقاً إلى إنتاج النظر العقلي، وهذا كتابه (التمهيد في تاريخ الفلسفة)؛ هو محاولة منه، كما قال، لتقصِّي جراثيم النظر العقلي في الإسلام، الأول، ولهذا عاد إلى أصول الفقه وإلى الكلام؛ ولكنه لم يتناول الفلسفة”.

مناظرة الاستشراق تدخل مرحلة جديدة

وتحدث المفكر المغربي بشأن أن “جيلاً لاحقاً سيأتي ربما بكفاءة أعلى لكي يناظر الغرب ويناظر المستشرقين، وبأنه في كتابه، في الثقافة الغربية، توقف عندهم واحدًا واحداً؛ من أنور عبد المالك، وعبد الله العروي، ومحمد أركون، إلى سمير أمين.. هذه الكوكبة من المثقفين، ستناضل الغرب بوجدان عربي إسلامي أحياناً؛ ولكن بعقل أوروبي، وناظرته بلغاته، وهذا مهم جداً. وهل يحس أن الثقافة العربية في سجالها مع الغرب وفي مناظرتها الاستشراق دخلت مرحلة جديدة مع هذه الكوكبة؟”، قائلاً:

“هي في الحقيقة حتى قبل بداية انطلاق أعمال هؤلاء بالنص الشهير لأنور عبد المالك، (الاستشراق في أزمة) هناك حلقة وسيطة مثَّلها عبدالرحمن البدوي. وعبد الرحمن البدوي من دون منازع هو أهم دارس للاستشراق في كل الثقافة العربية المعاصرة. ما قيض له من أسف شديد أن يكتب دراسات مستفيضة عن المستشرقين؛ لأنه كان مهووساً بأن يغطي ثغرة، وهي نقل آثار المستشرقين إلى اللسان العربي والتعريف بها، ولذلك ما كان عنده، إنما هو كان ثاقباً في نقده للمستشرقين”.

عبد الرحمن البدوي والتحرر من سلطان الاستشراق 

وأضاف الدكتور عبد الإله بلقزيز: “أنا أتحدث عن عبد الرحمن البدوي في القرن العشرين؛ بعدما غادر موقع التلمذة. كلهم غادروا، هؤلاء الذين تكلمنا عنهم؛ وأولهم كان عبد الرحمن البدوي. عبد الرحمن صحيح كان تلميذاً نجيباً للمستشرقين؛ ولكنه في لحظة أصبح يشعر أنه قادر على أن يتحرر من سلطان الاستشراق وأن يناقشه، وهكذا فعل؛ ولكنه وصل في نقاشه إلى الاستشراق، إلى منعطف لم يكن طيباً في أواخر حياته؛ بمعنى أصبح يبدي قدراً من التبرم بالاستشراق. ومن الهجوم عليه المجاني وبلغة تذكرنا بخطابات الأصاليين عموماً. وآخر كتابته في هذا المعنى هو القرآن أمام منتقديه، أو شيء، دفاع عن القرآن ضد منتقديه، أو شيء من هذا النوع. هو كان حلقة وسيطة؛ لماذا؟ لأنه جرؤ على أن يرفع سقف الخطاب تجاه الاستشراق، وفتح الطريق لهذا الجيل الجديد؛ بدءاً من أنور عبد الملك، طبعاً هؤلاء يعتبرون ليسوا تلامذةً مباشرين للمستشرقين وإن كان بعضهم قد درسَ على أيدي المستشرقين؛ مثل حسن حنفي أو محسن مهدي أو محمد أركون.. إلى آخره. لكنْ آخرون أبناء الثقافتَين العربية الإسلامية والغربية معاً. فكانوا يستطيعون التنقل السلس بين المنظومتَين من دون الشعور بالنقص.. أكثر من هذا؛ كانوا يشعرون أنهم إذ يقاسمون مثقفي الغرب مرجعياتهم ومدوناتهم الفكرية، يتفوقون عليهم بالمعرفة بمجال ثقافي حضاري آخر لا يعرفونه؛ لا يعرفه هؤلاء الغربيون..”.

أنداد في مخاطبة الغرب.. نقد مزدوج

وتابع المفكر المغربي: “لذلك كانت نسبة الثقة في النفس أعلى عند هذا الجيل، هذه واحدة. ثانياً؛ كان اطلاعهم على المناهج الحديثة أوسع بكثير من الأجيال السابقة من جيل طه حسين أو الذين قبله. وهذا هو الذي جعلهم يفتحون مناقشة خصبة وندية من دون شعور شخص مثل إدوارد سعيد؛ كان أعلاهم قامة في كل الغرب، كان الأعلى شأناً وشأواً في كل الفكر الغربي على الإطلاق. وليس هو وحده، سمير أمين كان سلطة علمية في كل أوروبا، جورج قرب سلطة علمية في كل أوروبا، محمد أركون سلطة علمية في كل أوروبا. إذن هؤلاء أنداد يخاطبون الغرب بحسبانهم أنداداً له أو لمثقفيه إذا شئت يعني يحتازون الأدوات المعرفية التي تسمح لهم بأن يدافعوا عن تراث، عن حضارة؛ من دون أن يسقطوا في تبجيلها.. من دون أن يفقدوا حسهم النقدي؛ لهذا أنا اعتبرت أن هؤلاء قاموا بنقد مزدوج، نقد للآخر، ونقد للأنا؛ وهذا هو الذي ميَّز هذه النخبة عن نسخ أخرى من النخب العربية”.

أمريكا تسطو على الاستشراق وتفقده عمقه المعرفي والفكري

قال الدكتور عبد الإله بلقزيز، بشأن أمريكا وسطوها على الاستشراق وإفقاده عمقه المعرفي والفكري، وهل صار ألعوبتها؟:” الاستشراق انتهى منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر؛ بمعنى لم يعد يقدم شيئاً، بقي بعض رجالاته الكبار أحياء إلى أن توفاهم الله؛ يعني آخرهم فان إس، ولكن في الأعوام الأربعين الأخيرة الكلمة العليا صارت لمَن يعتبرون أنفسهم خبراء؛ لأن المعرفة بالشرق لم تعد معرفة اليوم، أصبحت خبرة. انتقلنا من المعرفة إلى الخبرة. والخبرة ماذا تعني؟ المستشرق الكلاسيكي القديم الذي كان في القرن التاسع عشر أو في القرن العشرين؛ مستشرق على طريقة جاك بيرك أو ماكسيمو لودينسو، هذا أولاً عليه أن أول شيء حينما يقرر أن يتخصص في دراسات الشرق؛ يقرر إما تمشي للدراسات الصينية، يتعلم الصينية، أو الدراسات الهندية؛ يتعلم الهندية، أو الدراسات الكورية؛ يتعلم الكورية، أو الدراسات الإسلامية؛ يتعلم اللغات الإسلامية. يتعلم اللغات، ثم يبدأ في قراءة الدوائر المختلفة؛ الدائرة الحضارية، التاريخية، الثقافية.. إلى آخره؛ لكي يتخصص، يصبح مستشرقاً متخصصاً. اليوم المتخصصون بين مزدوجَين في شؤون الوطن العربي والعالم الإسلامي..”.

اللغة العامية والمعرفة الغربية بمجتمعاتنا اليوم

وأضاف المفكر الغربي: “هم أصلاً مستشرقون؛ كانوا إما في الفلسفة، تكوينه، أو الإنثروبولوجيا أو في التاريخ أو في اللغة.. أو إلى آخره. هؤلاء كلهم أو يا إما علماء سياسة وإما علماء اجتماع، كي يتخرج ما كانش يعرف العربية، كان ييجي إلى تونس أو المغرب، 6 شهور، يتعلم فيها اللغة، وأية لغة؟ اللغة العامية؛ لأن الذي يعنيهم هم ليس ثقافة النخب الثقافة حيال المجتمع، وحينها يصبح متخصصاً في ذلك البلد. هذا هو نوع المعرفة الغربية اليوم بمجتمعاتنا. ولذلك الحماقات السياسية المرتكبة من الحكومات الإجرامية الغربية في حق شعوبنا؛ أنا أعتبر أن جزءاً من المسؤولية فيها يعود إلى أولئك الذين يقدمون إفادات عن هذه المجتمعات وعن شعوبها..”.

وعلَّقَ بلقزيز على القول “إن المشكلة هي أن هؤلاء يعني بالنهاية قادرون على إنتاج مفاهيم تصنع باسمها الحروب وتشن باسمها الحروب، علينا أن نفكر في صراع الحضارات، مثلاً مفاهيم المجاورة”، قائلاً: “هذا الكلام يحتاج منا إلى وقفة ليست هذه مناسبتها، هل فعلاً هم الذين يؤسسون لوعي النخب السياسية أو أنهم يؤدون وظيفة مرسومة سلفاً؟ بمعنى أنه معايير موضوعة سلفاً، وعلى هؤلاء الخبراء أن يجتهدوا في تنزيلها إعلامياً، بمعنى هي معايير أنتجتها المؤسسة السياسية وعليهم هم أن يصبحوا ألسنة لها؛ لأنني لا أتصور في جملة هؤلاء الخبراء اليوم مَن هم في مستوى برنارد لويس، الذي كان يصغي إليه البنتاجون أو يصغي إليه البيت الأبيض.. هؤلاء صغار؛ أصغر من أن يُسمع لهم؛ وبالتالي قاماتهم الصغيرة تصلح لأداء هذه الوظائف الإعلامية في المقام الأول”.

رأس المال هو إله الغرب اليوم.. يعتنقه ويؤمن به

وتحدث المفكر المغربي عن “أن هناك غرباً بأيديولوجيا تتعالى على (كل هؤلاء الصغار)، غير هذا الغرب العلماني في شعاراته، وألا تزعجه اليوم أبداً أن تقوده دولة إيمان، يعلن كل دولار يتداوله أهلها شعارَ بالله نؤمن، ولا يزعجه أيضاً أن تلجأ هذه الدولة إلى التحريض الديني ضد أعدائها، ماكنش إشكال على هذا المستوى لولا أن هذا الغرب باسم رفض الاحتكام إلى الدين والحكم باسمه؛ يتحفظ على دخول تركيا إلى فضاء الاتحاد الأوروبي. وهناك خطاب قديم للمستشار الألماني برر فيه، برؤية علمانية مفترى عليها، لماذا يجب إغلاق نادي الاتحاد الأوروبي اللي ظاهر أنه نادٍ مسيحي في وجه تركيا؟ كيف تعلق على هذه المفارقة؟”، مجيباً: “هذه العلمانية أتت في حقبة من التاريخ الأوروبي والغربي تؤدي وظيفتها؛ أدت هذه الوظيفة وانتهى أمرها، فك الاشتباك؛ لأن أوروبا كانت مسرحاً لحروب دينية، بين جماعات من معتقدات مختلفة؛ فك الاشتباك بينها، وإخراج الدولة من براثن الحروب الدينية. إنها نصاب مدني مستقل، ولا شأن للدين بها، ولا شأن لها هي بالدين، وتركت الأمور هكذا. أما اليوم فإن الديانة الوحيدة التي يعتنقها الغرب هي رأسمال؛ رأس المال هو الإله الذي يعتنقه الغرب ويؤمن به. والتعبير عنه هو المصلحة؛ المصلحة هي العقيدة في الوعي الغربي الجمعي، أنَّ كانت هناك مصلحة فثمَّ عقيدتنا. تقضي المصلحة بهذا؛ يذهبون إليه. لا تقضي المصلحة؛ يحجمون عن ذلك”.

وأضاف د.عبد الإله بلقزيز: “لذلك؛ لا ينبغي أن لا نستغرب كثيراً حينما نرى هذه الظواهر؛ لأن أولاً القوة هي التي فرضت نفسها، أمريكا فرضت نفسها كقوة على العالم؛ سواء بجَّلتِ الله أو قدحت في الذات الإلهية.. ما تقوله هذا يسري على كل الغربيين الأوروبيين، وغيرهم من صغارها. المصلحة تقتضي أن تكون دولة اسمها الولايات المتحدة الأمريكية، تفرض المعايير الكونية، وشريعة القوة شريعة الأقوى؛ هي التي تفرض نفسها، وهؤلاء الصغار يرتضون لهذه الشريعة، وأن يسهموا هم أيضاً في تطبيقها وتقديم السخرة لهذا السيد الكبير؛ في تقديمها. لذلك؛ ينبغي أن لا ننشغل كثيراً بقصة العلمنة في الغرب، وهل الغرب تخلى عن علمانيته أو حتى الآن الغرب في لحظة ما يقول لك الحضارة الغربية القائمة على التراث الديني اليهودي المسيحي، يعرفها بأنها يهودية مسيحية.. نقطة على السطر، إذن ماذا ترك لك تقول له؟ بلع لسانه وبلع معه العلمانية وكل شيء، ربما شُفنا المصلحة التي تقضي هذا”.

الغرب وفرض المعايير.. غزة مثالاً

وعلق المفكر المغربي على القول “شُفنا مثلاً ضد غزة كيف أنه لا يتردد مثلاً وزير خارجية أمريكا في الانتساب إلى يهوديته”، قائلاً: “لأنه هناك دين واحد؛ هو دينه هو، نقطة على السطر.. هكذا يتصور المسألة؛ ليس لك حق في أن تختلف عني في شيء، التنميط والإرغام وفرض المعايير الوحيدة على كل العالم، هذا هو البرنامج إذا شئت الثقافي والسياسي الذي يقوم عليه المشروع الغربي في حقبته الأمريكية الراهنة. لذلك كل الدعوات التي تتعالى في العقود الأخيرة نحو بناء نظام عالمي جديد متوازن، والاعتراف بمجالات حضارية أخرى صارت لها مكانتها أيضاً في مجال إنتاج المعارف والعلوم والإنتاج الاقتصادي وغيرها. هذه هي المعركة الكبرى الحقيقية التي علينا أن نخوضها اليوم، لا أن نضيِّع وقتاً طويلاً في الحديث عن فكر الغرب وثقافة الغرب.. وغيره؛ يعني أنا هذا رأيي”.

فكر وفلسفة الأنوار والاستفادة كدول عصرية ومجتمعات مدنية

قال د.عبد الإله بلقزيز، بشأن فكر وفلسفة الأنوار، والاستفادة منها كدول عصرية ومجتمعات مدنية: “نحن مَن صرنا حريصين على التراث، نذكر الأوروبيين به اليوم؛ نحن الذين جعلناه أولاً تراثاً إنسانياً، هو كان تراثاً أوروبياً، وكان يمكن أن يبقى كذلك؛ ولكن حينما تبنيناه، نحن العرب والصينيين واليابانيين والهنود والأمريكيين اللاتينيين.. وغيرهم، حينما تبنيناه عن قناعة، اقتنعنا به، تشربناه، واستوطن نسيجنا الثقافي، أصبح تراثاً إنسانياً، هم تنكروا له، نحن ينبغي أن نكون حريصين على التمسك به”.

التنويريون العرب في مأزق اليوم أمام الفكر الأصولي

وقال المفكر المغربي، رداً على أن “التنويريين العرب، اليوم، في مأزق أمام الفكر الأصولي الذي يزايد عليهم؛ يعني أين تلك القيم؟ أين الكونية؟ أين الإنسانية؟ أين كذا؟ محنة التنوريين العرب اليوم كبيرة”: “لا ينبغي أن تكون كذلك؛ لأن الذي يزايد ينتج خطاباً مغلوطاً يفترض أن هذا الغرب متمسك بتراثه، هذا الغرب ليس متمسكاً، هذا الغرب انقضَّ على كل ذلك الموروث؛ منذ أن بدأت حركة الاستعمار في نهاية القرن الثامن عشر، دمَّر الغرب كل بنيانه الحضاري، وتحول إلى عدو لذاته والعالم. الرأسمالية غيرت البشرية، هذا الوحش الذي اسمه الرأسمال غير كينونة الإنسان، الخيال الإنساني تغيَّر، الذوق الإنساني تغيَّر؛ الخيارات الإنسانية تغيَّرت، ولذلك أوروبا هي أوروبا والغرب عموماً.. هي ثمرة للرأسمالية؛ معنى ذلك أنها سوف تمحو، سوف تجُب ما قبلها”.

رأسمالية صناعية.. رأسمالية مالية.. رأسمالية ليبرالية متوحشة

وأضاف د.عبد الإله بلقزيز: “كانت هناك محاولة يتيمة في العهد الكنزي، في ما سُمي في حينه بنموذج دولة الرعاية الاجتماعية؛ في أن تهتم الرأسمالية بالجانب الاجتماعي، ونجحت في ذلك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عملياً إلى أواسط السبعينيات. إلى النصف الثاني من السبعينيات؛ ولكن هذه اللحظة انتهت، وهي التي بنت فيها أوروبا أمجادها على فكرة. انتهت.. جاءت رأسمالية الليبرالية المتوحشة منذ عهد رونالد ريغان بأمريكا، ومارغريت تاتشر ببريطانيا؛ وهي التي تسود اليوم، ليبرالية متوحشة مالية، صحيح متوحشة؛ استمرار لأبشع أشكال العبودية التي كانت في العصور القديمة، ولكن اليوم طبعاً بوسائط أفعال في إيذائها للإنسان والحقوق الإنسانية.. هذه الرأسمالية هي التي جنت على البشرية كل هذه الجرائم التي نعيشها اليوم”.

Leave a comment

0.0/5