هل تجديد الخطاب الديني خطوة للأمام أم قيدٌ على التطور؟
باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي الباحث والمفكر المصري الأستاذ عادل نعمان. نُعمان ولا نِعمان؟
عادل: نُعمان يا فندم.
باسم: لماذا يسمونه عندنا نِعمان؟ هذا تعدد اللهجات.
عادل: طبعًا.
باسم: وبالتالي تعدد اللهجة مرات ينعكس في المعنى؛ يعني اللفظ إذا لُفظ بطريقة مختلفة سيؤدي إلى معنى مختلف.
عادل: حقيقي، هذا صحيح.
باسم: لذلك نقدّم آلية اللسان العربي المبين للضبط؛ لضبط اللفظ لنضبط المعنى المستمد أو المقصود من اللفظ.
عادل: إذن، لابد أن العرب كلهم يعودون إلى لغة واحدة، ومعنى واحد، ومفهوم واحد.
باسم: يعودون إلى آلية واحدة.
عادل: آلية واحدة..
باسم: وهي آلية اللسان العربي المبين.. اللغة موجودة.
عادل: وهذه مسألة..
باسم: صعبة. اللغة المتناولة بين الناس. أنا في رأيي، لا ترقى إلى مستوى قراءة النص، لأن المستوى الذي عليه النص أعلى من اللغة الدارجة أو اللغة القصدية التي نتحدث بها نحن. بينما لغة النص، أو اللسان -دعنا نسمها- أو آلية اللسان، هو مفهوم لفظي عالٍ جدًا، يأخذ معناه في سياق، والسياقات متعددة. فنرى كم المعاني التي تؤخذ من هذا اللفظ المفهومي.
عادل: يعني هذا يضعنا في إشكالية: أنه من يفسر النص، من ينقل النص للناس سيكون هو الأداة والوسيلة، سنضع أنفسنا في مأزق، لأنه.. هذا ما نحن فيه اليوم أننا فاهمون النص وفقًا لما وصلنا من الفقهاء والمفسرين المؤولين.
باسم: صح، كلامك سليم.. ويبدو لي هذا تخصص كتابتك أو ما تكتبه.
عادل: والله أنا كتاباتي قد تجاوزت فكرة التجديد.
باسم: تقصد تجديد الخطاب الديني؟
عادل: نعم.. أنا أرى أن فكرة تجديد الخطاب الديني الآن، أصبحت فكرة متأخرة تمامًا عن الزمن نفسه، ولأنه تواجه مشكلة كبيرة جدًا مع تيار، كلما زدنا ثورة في تجديد الخطاب الديني كلما تأخرنا. لأنه للأسف الشديد يواجهوننا بسيل من الخرافات والخزعبلات والأساطير، التي تتمكن من البسطاء، وهي أصبحت مشكلتنا. هل نحن نرفع المجتمع ببسطائه ومهمشيه وفقرائه، أم نحن نخاطب النخبة التي يمكن تصلح هذا الجو؟ فأصبحنا في إشكالية: نخاطب من؟ إذا حاولنا أن نخاطب البسطاء، فالبسطاء ليسوا تحت سيطرة كتاباتنا على الإطلاق.
أذكر شيخًا من المشايخ في الفترة السابقة، تحدث عن الجن وعن أكل لحم الجن، وعن أن الجن يسرق الذهب، ويسرق الأموال، ووجد صدى رهيبًا جدًا لدى الناس في الشارع. هذا من أنت ستخاطبه بتجديد الخطاب الديني، أم ستخاطب قيادات أم ستخاطب النخبة التي لا تملك من أمر المجتمع شيئًا؟
باسم: أنا في رأيي أنه ربما أن النخبة تستخدم أدوات غير دقيقة في محاورة أو في مجادلة التيار الآخر، وربما تعتمد على نفس الميكانيزم الذي يعتمد عليها السلفي أو التيار الآخر.
عادل: هذا صحيح.
باسم: وبالتالي يعني يُحبط المثقف أو من يسعى إلى إحداث التغيير، يحبط حين يرى أن أدواته لم تقُده إلى نتيجة. وأنت كما ذكرت أنه يقود إلى تعاظم التيار الآخر. يعني هناك خلل. بمعنى أنت والآخر على نفس الـ”بلات فورم”، على نفس “المنصة”، وتنطلقان من نفس المنصة، لكنه يستخدم آلية، تستخدم آلية مختلفة، لكن في النهاية تقود إلى نفس النتيجة. يعني أنتما تعززان بعضكما بعضًا، والتجديد ضاع بين الأرجل.
عادل: هذا كلام صحيح. ولذلك أنا أقول إنه من المفروض أن نتجاوز تلك المرحلة في المطالبة بتجديد الخطاب الديني. ما هو معنى تجديد الخطاب الديني؟ أن يتوافق الخطاب الديني، والرسائل الدينية، والتعامل الديني مع العالم الآخر، مع الآخر، مع العلم، مع الحداثة، مع التطبيق. بحيث إنه يوجد نوع من التوافق، وذلك ليس موجودًا. كلما حاولنا كلما تأخرنا. فأنا أرى أننا يجب أن نتجاوز هذا، وعلى قدر مطالبتنا بتجديد الخطاب الديني، لا نحن نريد أن نطالب بإبعاد رجال الدين.
باسم: التدين تقصد؟
عادل: والتدين والمفسرين، وهؤلاء الناس عن منهج الحكم، ومنهج التعامل، والحكومة، والسياسة، بحيث أن يبقى أنا كمتخصص في الاقتصاد، ومتخصص في الاجتماع، ومتخصص في السياسة، في الطب، لا استدعاء لرجال الدين لبحث مسألة من المسائل، وسأعطي حضرتك مثالًا: لما أجيء اليوم أتكلم على مثلًا الطلاق الشفوي، وأقول ونحاول بجهد جهيد في 15 سنة أن نُثني هذا التيار والمؤسسات الدينية في مصر، عن أنه لا يقع الطلاق إلا بشهادة شهود وإثبات الطلاق، لأن هناك مشاكل كثيرة جدًا، ومع ذلك تصور 15 سنة في هذه الجزئية لم نتقدم قيد أنملة واحدة. إذن معناها أنه لابد من إبعاد هذا التيار تمامًا عن الحياة..
باسم: بينما النص واضح.
عادل: النص واضح وصريح وفقهاء قالوا إن شهادة الشهود في الطلاق وفي الرجعة. ومع ذلك يُصرون أن شهادة الشهود في الطلاق فقط. لكن في الرجعة لا..
باسم: لكن في النص يقول: “الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ” [سورة البقرة: 229]. ولا يوجد شهادة هنا، توجد شهادة مثلًا أنه هناك شهادة وقت الزواج، وتوجد شهادة وقت الطلاق؟
عادل: توجد شهادة.ولذلك حتى الألباني، قال إن الطلاق -وإن كنت مختلفًا معه كثيرًا-
باسم: الألباني مصلح ساعات.
عادل: لكن هو قال مثالًا لطيفًا جدًا، قال إن الزواج كالبناء، والطلاق كالهدم، فكيف نُشهد الناس في البناء ولا نشهد الناس في الهدم؟ طيب لما المجتمع اليوم يحتاج إلى إثبات الطلاق بصفة رسمية، لماذا؟ لأن هناك مشاكل تتم في المجتمع. إذن ما الضرر في هذا؟
باسم: ما هي مصلحة رجل الدين أو المؤسسة الدينية ألا تُقر بضرورة وجود شهود، أي ناس تشهد على الهدم أو على الطلاق؟
عادل: الاحتكار.. هؤلاء المشايخ يحتكرون الدين لأنفسهم وليس لديهم أدنى استعداد أنه نحن نُملي عليهم إرادة أو مصلحة المجتمع أو الشعب.
باسم: طيبالنص واضح.
عادل: نعم، أنا أتصور أنه هو نوع من الاحتكار، هو خوف على البناء نفسه، لأنه لو تنازل مرة سيتنازل 20-30 مرة، وبالتالي يجد نفسه ليس جالسًا على الدين، يبقى جالسًا على الأريكة دون عمل، ولذلك هو مشكلته أنه هو يصارع ويقاتل حتى على الخرافة، يعني هو يصارع حتى في الخرافة وإثباتها. في الأساطير يصارع ويحاول إثباتها لكي في النهاية يظل هو المتحكم في الدين، وأنا نحن لسنا أصحاب قرار، حتى وإن كان هذا في مصلحة المجتمع.
ما أقصد أن أقوله إن فكرة التجديد في حد ذاتها أصبحت فكرة قديمة وعقيمة وغير مجدية، نحن نريد مجتمعًا متصالحًا مع الناس، متصالحًا مع نفسه، متصالحًا مع القانون، متصالحًا مع مصالحه ومنافعه، وهذا ليس موجودًا أبدًا في ظل هذه التفسيرات وهذه التأويلات وهذه الآراء الفقهية المتشعبة التي لا نعرف الخروج منها.
هل الإسلام دين ودولة أم طقوس فقط؟
باسم: أنا افهم الإحباط الممكن المتبدّي نتيجة استخدام أن التجديد لم يقدنا إلى نتيجة، وربما الآليات التي استخدمت في طرح التجديد كانت خطأ، ربما أهداف التجديد أيضًا كانت يعني غير متوافق عليها، لا أريد أسميها مشبوهة، وهل التجديد مقصود به أن نجدد ماذا؟ نجدد الفقه؟ نجدد القرآن؟ نجدد الدين نفسه؟ نجدد علاقتنا مع القرآن؟ نجدد علاقتنا مع الفقه؟ أو تحديث مفاهيمنا للنص؟ وعلى أي أساس؟ ربما الأدوات التي استخدمت وربما الأشخاص حتى الذين نادوا بالتجديد كانوا مثار شبهات أو مثار عدم توافق من قبل المجتمع، وهذا ما قادنا إلى إحباط أو أنه لا توجد نتائج، ودعاك أنت وآخرون، دعونا نستبدل التجديد باستبداد بمنع وصول الآخرين إلى اتخاذ أو المشاركة في قيادة المجتمع. لكن هذا ظلم للناس، لماذا أنت تستثنيهم؟ جادلهم بالتي هي أحسن بأدوات متفق عليها.
عادل: هذا يقودنا لسؤال: هل الدين.. هل الإسلام دين ودولة أم دين فقط؟ هنا لو كان لدينا إجابة واضحة وصريحة على أن الإسلام دين فقط، وليس دولة، سنكون ارتحنا.
باسم: وهو أيضًا يقودني لأسأل سؤالًا آخر.
عادل: تفضل.
باسم: ما هو تصور الناس للإسلام؟ هل التصور الطقسي التقليدي الشعائري الذي يمارس هذا هو الدين فقط؟ وبالتالي يجعلك ويجعل الكثيرين يتساءلون، ما هو الإسلام الذي نريد أن نطبقه؟ أم الإسلام هو السبل.. اتباع سنن الله في الكون على اتساع الكون وعلى شمولية السنن، هذا هو الإسلام؟ لذلك بناءً على فهمي أنا للإسلام، نعم الإسلام دين ودولة وحياة، وحياة للفرد وحياة للمجتمع وحياة لكل شيء، وحياة للمعارف ولتطور المعارف صحيح، لكن إذا أنا أريد أن أطرح الدين من منظار فقط ممارسة الطقوس، لا.. ليس دينًا ودولة، هو طقس، والدولة بعيدة عن الطقس، والدولة كإطار حاكم للمجتمع هو ليس معنيًا أن يوصل الناس إلى الجنة أو يدخلهم إلى النار، الدولة تدير المجتمع، لكن هناك أسس أخلاقية مثبتة في النص القرآني يجب على أي إدارة في إدارات المجتمع أن تكون قائمة عليها.
عادل: القيم العليا، القواعد العامة، موافق. لكن أنا لما أريد أن أبني اقتصادًا، سأبنيه على أنه فقط، أن الله قد حرم الربا، “وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا” [البقرة: 275]، وأبني القاعدة كلها على آية واحدة في القرآن، هذه قاعدة، نعم. عليّ أن أحترمها، قاعدة أخلاقية ومثل عليا، ضرورة الالتزام به، لكن التفاصيل أين؟ تفاصيل التعامل داخل البنوك.
باسم: كلامك سليم. دعنا نتفق على مسألة واحدة: أن المفهوم السائد عن الدين أو عن مفاصل بعض الآيات أو مقاصد الآيات هو مفهوم سلبي لا يتوافق مع مقاصد الناس..
عادل: مضبوط، أنا معك. هنا إذن يصبح المطلوب منا أن نصل سويًا إلى مقاصد الدين، ومقاصد الدين عندي أنا وفي مفهومي التي تحقق الرفاهية للناس، والعدل بين الناس والرحمة بين الناس، والسلام بين الناس وبين الآخر، وأن نعيش في سلام ووئام مع الجميع مسلم، غير مسلم، غريب، قريب، هو هذا المعنى الذي المفروض أفهمه، أن الله سبحانه وتعالى هنا خلق الكون، خلقه على هذا النحو، وعلى هذا الهدف، هذا الهدف، أما إذا كان في حروب فيما سبق لأسباب أخرى، أنا لا أريد أن أعرفها، لكن ليس من الضروري أن أعيشها اليوم، حتى وإن كان لها أسبابها الخاصة في فترة من الفترات.
حين نستطيع أن نحقق هذه المعادلة، أنا مستعد أن أمشي وراء من يحقق هذه المعادلة حتى وإن كان حاكمًا إسلاميًا أو حاكمًا غير إسلامي. من يحقق لي العدل والحرية والرخاء والتوافق بين الناس وفكرة المواطنة والتعامل بعدل وحرية بين الجميع، أنا مستعد أن أمشي وراءه، لا يهمني من يحكمني. أنا غير مهتم بمن يحكمني..
باسم: صح، كلامك سليم.
عادل: أنا غير مهتم بمن يحكمني شيخ أو وليّ أو فقيه أو يحكمني إمام أو يحكمني رئيس سياسي أو عسكري، أنا يهمني من يحقق لي المعادلة في النهاية التي أعيش بها في سلام.
كيف رسّخت الأنظمة فهمًا مغلوطًا للدين؟
باسم: حسنًا سؤالي أنا قد يوجه للمؤسسة، لأي تشكيل ديني، دعنا نسمِه، يعني الكل يعرف أن واقع المجتمعات العربية، وبالذات العربية الإسلامية، واقع مؤسف ومزرٍ، كلنا نعاني منه. لماذا تصر هذه المؤسسات أو هذه المستويات من مفاهيم التدين على إبقاء هذا الفهم قائمًا رغم أن نتيجته بادية، نتيجته السيئة بادية في المجتمع؟
عادل: صحيح.
باسم: لماذا؟
عادل: انظر، هذه هي الوسيلة الوحيدة لدى هذه الأنظمة للسيطرة على شعوبها وعلى أممها، ولا بد أن نقتنع بذلك، إذن لا بد من أن تظل هذه المجتمعات على هذا النحو. أنا لست معنيًا جدًا بالديمقراطية في المقام الأول، الديمقراطية والحرية هي وسيلة للرفاهية وللمعيشة الكريمة، وأنا أذهب لأمريكا وأمكث كثيرًا في أمريكا لأني أنا من المقيمين هناك، حين أنظر إلى حرية المواطن الأمريكي كممارسة لا أراها، لا أشعر بها، يعني لا أشعر أن أحدًا واقفًا في الشارع يشتم رئيس الجمهورية مثلًا، لكن النظام الذي ابتدعته الديمقراطية في وجود مؤسسات برلمانية حقيقية، هي التي تمارس الحرية مضبوط، بحيث إن المواطن العادي..
باسم: مطمئن.
عادل: مطمئن، ويعيش جيدًا ويعرف أن مشكلته تصل.
باسم: يعني من قاد إلى من؟ سوء التدين أم سوء السياسة؟
عادل: سوء السياسة، أعتقد أنه حتى لا أكون متسرعًا في الإجابة، يمكن أن نقول إنه سوء السياسة بنسبة أكبر، لأن بدعة الأمويين والعباسيين وهذه الأنظمة قد خلقت هذا النوع من التدين الشكلي والظاهري لكي ينصرف الناس عن الحديث عن الحاكم أو عن الحكم، وإن مرد كل الأمور التي نحن فيها الآن هي أننا غبنا عن منهج الله، وإنه دائمًا الإنسان المسلم في حالة بحث دائم عما يرضي الله. هذا الإحساس و إحساسه بالتقصير في العبادة وفي إقامة الطقوس جزء من افتعال الأنظمة لشعوبها لكي تظل أنت باستمرار في حالة عدم رضا عما يجب تفعله لله، فأنت تنشغل.
إلى جانب أيضًا أنه يصدر له مشكلة، أن بعدك عن منهج الله وعن عبادتك الصحيحة وعن كذا هو سبب البلاء الذي أنت فيه، وبالتالي لا تبحث عن السبب الحقيقي لما تعانيه من مشاكل وما تعانيه من فوضى وما تعانيه من فقر و.. و.. وخلافه. ولذلك اسأل أي أحد بسيط يسير في الشارع في مصر، يقول لك على طول “هو نحن لو نحن متبعين الدين نحن سنجد أنفسنا في مكان ثاني”.
باسم: بعدنا عن دين الله هو سبب الذي نحن به.
عادل: فتقول له طيب اليابانيون هم بعيدون عن منهج الله تمامًا؟ الكوريون لا يوجد منهج إطلاقًا.
باسم: ليس عندهم لا قرآن ولا أي شيء.
عادل: ودولهم متقدمة.
باسم: ولا عندهم شيخ ولا عندهم مسجد.
عادل: هنا دور المشايخ، السلطة أو السلطان أو الخلفاء قد عزز هذه الفكرة لدى الناس، يشعر المسلم دائمًا بالتقصير، وبالـ..
باسم: بالدونية وبالذنب.
عادل: بالدونية وبالذنب العظيم الذي اقترفه في حق الله وفي حق نفسه، لكن لا يتساءل على الإطلاق ما هي الأسباب التي أدت إلى هذا؟
من أين نشأت عقدة الذنب الجماعية في ضمير المسلم الحديث؟
باسم: في رأيك دعنا نتساءل.. ما هي الأسباب؟ ما هي الأسباب التي قادتني وأنت والآخرين أن يظل يعيش بعقدة ذنب، أنه مهما عمل لن يرضي الله، والغاية هي رضاء الله. هل لأننا عندنا سوء فهم لما هو الله سبحانه وتعالى؟ هل لأننا عندنا سوء فهم لما مطلوب منا، ما نقوم به، كيف نرضي الله؟ وهل رضاء الله غاية يسعى إليها الفرد دون أن يحقق نتيجة منها هو كفرد مثلًا؟ هل سبحانه وتعالى بحاجة أن الناس ترضيه؟
عادل: أنا لا أتصور أن الله في حاجة إلى أن الناس ترضيه، إلا إذا كان هذا الرضا متجهًا للبشر وللناس.
باسم: حقيقي، كلام سليم.
عادل: هذا كلام صحيح.
باسم: وهذه مقاصد النص، يعني أنت ترضي الله حين تكون تعيش في حياة مرضية..
عادل: هذا صحيح.
باسم: أنت راضٍ عن نفسك وأنت فعلًا متسق مع السنن مع القوانين الموجودة المبثوثة في الكون، التي هي قوانين الله وسنن الله.
عادل: أنه تتلاشى عند الإنسان فكرة رضا الله على حساب الناس، وأنه يبدأ يقتنع أنه حين يرضي الناس وحين يُسعد الناس ويؤدي واجباته مضبوطة، ويؤدي عمله مضبوطًا، هو هذا رضا لله سبحانه وتعالى وسعادة لله. فهو مبسوط جدًا جدًا أنه يذهب يصلي الصلاة في مواعيدها، لكن يرتشي بعد ما يخرج من الصلاة، ويقول لك هذه نقرة وهذه نقرة ثانية.
أنا في مكان ما في دولة، كانوا يسكرون، فقلت له: “الله! أنت تسكر وتصلي؟!”. قال لي: “هذه نقرة وهذه نقرة. إن ربنا سيحاسبني على شرب الخمر ويكافئني على…”
باسم: الصلاة، سيخصم هذه من هذه وهو رابح.
عادل: قلت له ليس معقولًا، يعني ليس معقولًا أن ربنا يجلس… إلى هذه الدرجة من -اسمح لي أقُل بين قوسين مع تأدبي الشديد مع الله- “لهذه الغفلة”، أنه هو يأخذ باله من أنك تعمل يعطيك هنا، ويمنع عنك هنا، لا أعتقد أن الكلام هذا يتفق مع منهج الله سبحانه وتعالى أو الربوبية أو الألوهية.
باسم: يعني أن الفهم السائد عما هو الله سبحانه وتعالى هو فهم مغلوط وهو فهم خاطئ، وهو يجسد الله بشكل يعني مذهل للعقل وغير…
عادل: كأنه إنسان جالس ينتظر منك.
باسم: ينتظر منك أن ترضيه، يعني كيف ممكن الوصول إلى مرحلة أنه نجعل الناس أن تفهم الله أو تعرف الله حق معرفة؟ كيف؟
عادل: هو هذا الموروث الراسخ في أذهاننا من مئات السنين صعب انتشاله ومحاولة الخروج منه، يعني عندما تكلمني وأنا في السبعينيات واليوم حضرتك أجد أنه مازال لدي موروث ثقافي قديم غير مقنع، لكن لا أعرف أن أتخلص منه. الخوف من الله، الرعب من لقاء الله، على الرغم من أنه من المفترض أن يكون لقاء الله شيئًا جميلًا..
باسم: رحمة.
عادل: ولطيف وحلو، إنما هم رسخوا في أذهاننا من سبعين سنة أنه أنت ذاهب لـ..
باسم: ذاهب لـ”مذبح”..
عادل: ذاهب لـ”مذبح”، وستبدل جلود مكان الجلود، وأنت داخل القبر ستجد واحدًا منتظرك يقول لك.. في (الصف) الخامس الابتدائي يا سيدي الكريم أنا قرأت في كتاب “المطالعة” أنه أول ما يواجه الإنسان في القبر سؤال ناكر ونكير. في الخامس الابتدائي، وحين قلت الكلام هذا على الهواء في التلفزيون قالوا أين الكلام هذا؟ جئت لهم بالكتاب، هذا الموروث جعلنا خائفين من لقاء الله.
باسم: يا حرام.
عادل: وجعلنا نفرط في رضاء الله بطريقة خطأ أنه نحن نصلي له جدًا لكن نظلم الناس. ليس هكذا. هنا، ما نريد أن نصل له هو تغيير المفهوم عند الناس، مفهوم الله، مفهوم الخير، مفهوم الشر، كيف ترضي الله؟ ترضي الله أن تذهب تحج وتدفع لك اثنين-ثلاثة ملايين، أم ترضي الله أن تعالج الناس المرضى الذين في المستشفيات؟
باسم: أو تعدل سلوكك.
عادل: تعدل سلوكك أنت. أو ترى مثلًا.
هل يمكن تغيير الواقع؟
باسم: كيف الوصول؟ عفوًا، يعني نحن متفقون بالتشخيص.
عادل: تمام.
باسم: ويبقى الكثير من العرب في المجتمعات العربية متفقين على التشخيص وأن هذا شيء سيئ.
عادل: ولن ينفذه غيرهم، غير الذي يعملونه الآن.
باسم: لكن غالبيتنا نتفق على التشخيص ونمارسه، لأنه لا يوجد بديل، كيف يمكن نخلق بديلًا؟ وعلى أي أساس؟ ومن الذي سيقود التغيير؟ يعني خلق البديل؟ يعني من؟ أنت ككاتب، هل بما تكتب تتطرق لمثل هذه الأمور؟ وما مدى الاستجابة المجتمعية لما تكتب؟ يعني مثلًا أعطيك مثالًا، الكثيرون ممن تصدوا لنقد السرديات هذه كلها سواء حتى السردية التاريخية للتدين أو حتى للفقه أو لجذور التدين نفسه، اتبعوا نفس الأسلوب الذي يتبعه السلفيون في المحاججة، الذي هو قراءة الأشياء من خارجها والاستدلال عليها من خارجها واستخدام أدوات غير ملائمة..
عادل: فلان قال وفلان قال وعنعنة..
باسم: وبالتالي صارت النتيجة صفرًا. أنه لم يحصل شيء، والاستجابة المجتمعية لهؤلاء الناس صفر، يعني أنا جلست مع كثير من علماء الاجتماع والسياسة وإلى آخره، مدى استجابة الناس لما يكتبون لا تتعدى واحد في المليون.
عادل: صحيح.
باسم: بينما خذ مثلًا شخصًا كالدكتور المرحوم محمد شحرور، الاستجابة المجتمعية لما كتب هائلة، تتعدى عشرات الملايين، لماذا هنا توجد استجابة اجتماعية وهنا لا يوجد استجابة اجتماعية؟ هل بطريقة ما قُدم للناس؟ هل بنوعية ما قُدم للناس؟ أم أن الشخص الذي قدم للناس أيضًا عنده آليات مختلفة؟
عادل: انظر أي ظاهرة اجتماعية ليس لها سبب واحد أو رافد واحد، لكي تبني المجتمع ثقافيًا وفقًا للمنهج الذي حضرتك تتكلم عنه، والذي أنا مقتنع به نحتاج مجموعة من العوامل، رقم واحد: أنا لا أعول على الإطلاق في كتاباتي على البسطاء من الناس، وهذه ليست نظرة دونية أو نظرة تعالٍ أو عنصرية إطلاقًا، لأن مخاطبة هؤلاء الناس مسألة صعبة، لأن الأقوى مني مئات المرات الرجل الذي يقف على المنبر الذي يكلمه وجهًا لوجه، لن يقتنع بكلامي، وسيقتنع بالشيخ هذا لو قال له عن الجن والعفاريت وأنك أنت لو أنت فعلت كذا وكذا وكذا غدًا الصبح تجد الفلوس أسفل الوسادة، هو عنده قناعة بذلك. لن يقتنع بكلامي إطلاقًا، ولا أعول على أي مؤسسة دينية لأن المؤسسات الدينية هي مؤسسات تتربح من وراء هذا، سواء كان الحقيقي منها أو المزيف أو التفاسير أو غيره، وكذلك السلفيون والمشايخ الذين يفسرون على هواهم، هؤلاء “multimillionaires” ويعيشون في بحبوحة من الغنى تجعلهم في صراع وفي قتال ضد من يحاول أن يسلبهم هذا التميز وهذه الغنائم التي يستولون عليها من عقول البسطاء. أنا لا أعول على ذلك.
ليس هناك لنا غير رجاء واحد أن يخرج لنا قائد وزعيم يستطيع أن يغير هذه الشعوب، نحن مهما حاولنا، أنا لي عشرون سنة أكتب في المجال هذا، من يقرأ هم من يقرأون فقط، من يرفض هو من يرفض فقط بل ويزيد، يعني نحن نواجه مشكلة كبيرة جدًا، منها الدعم المادي والدعم المعنوي ضعيف، وبالتالي نحن نواجه من؟ نحن نواجه تيارًا شديدًا قويًا عنيفًا غنيًا ثريًا يدافع عن ثرائه وعن غناه وعن غنائمه وعن أسلابه.
باسم: أي لازم نضع خطين تحت غني وثري.
عادل: جدًا. ومقاتل..
باسم: شرس.
عادل: وأدواته ليس هو، أدواته البسطاء من الناس الذين يحرضهم ويستفزهم على من؟ علينا نحن. من قتل فرج فودة لم يقرأ كلمة واحدة لفرج فودة كلمة واحدة، إذ كان لا يقرأ ولا يكتب.
باسم: حتى غالبية الذين يهاجمون محمد شحرور لم يقرأوا صفحة.
عادل: كلمة واحدة، لأن..
باسم: لأن المايسترو قال لهم هاجوا فهاجوا..
عادل: نعم.. هاجم، اقتل. من حاول قتل نجيب محفوظ لم يقرأ كتاب “أولاد حارتنا”، هم أدواتهم، لماذا؟ لأنهم مسيطرون، يكفي أن تقول إن فلانًا الفلاني كافر، يتسابق الناس في قتله. ليسوا هم.. ولذلك أنت انظر هؤلاء المشايخ أبناؤهم يتعلمون أين؟ في أوروبا وفي أمريكا ويركبون أفضل سيارات والطائرات الخاصة، ويدفعون البسطاء من الناس لأن يفجروا أنفسهم في كتيبة أو في شارع أو في سيارة أو.. أو.. أو..
أنت تحارب من؟ الحرب غير متكافئة وغير عملية، ولا بد أنه يكون عندك قيادات سياسية واعية مدركة تمامًا لمثل هذه الفائدة التي تعم على الفهم الصحيح للدين ومحاولة الوصول بالناس إلى أنهم يفهمون صحيحًا.
لماذا صار لقاء الله مصدر خوف بدل أن يكون وعدًا بالرحمة؟
باسم: يمكن الفهم كالتالي: لإحداث حالة التغيير الثقافي على مستوى فهم التدين والدين حتى وممارسة الدين في المجتمعات نحتاج إلى قائد سياسي، ونحتاج إلى نظام تثقيفي تعليمي مختلف في المدارس.
عادل: مع الوقت، جيل جديد.
باسم: طبعًا تريد أن تخلق أجيالًا في هذه الحالة.
عادل: لازم تبدأ أنه يكون هناك نظام تعليمي يؤدي إلى وصول الناس إلى هذا المستوى من الثقافة المعتدلة، يبدأ من التعليم من الابتدائي مع استبعاد كافة المناهج التي استدعوها من المشايخ من هنا ومن هنا ومن التفسيرات الخاطئة.
باسم: مناهج الترقيع.
عادل: إلى جانب أن الجو الثقافي يكون جوًا شاملًا عامًا. أنا أذكر في الستينيات المجتمع المصري كان مجتمعًا اشتراكيًا لأن كل ما كان يحيطه بعقل الإنسان كان كله شكله اشتراكي فالناس اقتنعت. إذن الحاكم يقصر المسافة ويجعل الذي أنت تستطيع أن تفعله في عشرين سنة هو يمكن أن يعمله في يومين.
باسم: وأنا في رأيي هناك حالة في إحدى الدول العربية دون تسميتها ظهر مسؤول سياسي وفي دقيقة..
عادل: في ثانية.
باسم: أحدث تغييرًا لم نكن نتوقعه أن يقع في مئة عام.
عادل: أنا كنت متوقعه لسبب واحد، أنا على يقين والله، جدًا جدًا أن المشايخ في ركاب الحاكم، بالمؤسسات كلها بالكامل، “إذا قال يمين هيروحوا يمين وإذا قال شمال هيروحوا شمال”.
باسم: وكل منظومة الشيوخ في ذلك البلد انتظمت وكأنها فعلًا مجرد عصاة سحرية ألقيت على رؤوسهم.
عادل: في ثانية.
باسم: وكلهم اصطفوا صفًا واحدًا لتأييد ذلك، رغم أنه موقفه صحيح وكان مأمولًا وكان منتظرًا أن يقف قائد سياسي في مجتمعات العرب أن يحدث هذا التغيير.
عادل: صحيح.
باسم: وحدث، إذًا ممكن أنه يحدث في أي مجتمع آخر.
عادل: طبيعي.
باسم: لماذا هناك تلكؤ من السياسيين العرب؟
عادل: الأمر يحتاج إرادة، ويحتاج اقتناعًا، ويحتاج نية صادقة في أن هذا المجتمع ينهض ويتفوق ثقافيًا، بدون وجود نية صادقة لدى الحاكم في أن الشعب يتطور وأن بناء الإنسان البناء الصحيح لن يحدث. وكما حضرتك تفضلت وقلت في إحدى الدول، من قال إن ركوب المرأة و قيادتها للسيارة حرام، ثاني يوم، ثاني يوم، هذا لم يأخذ وقتًا..
باسم: نفس الأشخاص.
عادل: نفس الأشخاص.
باسم: الذي كان ينظر أن المرأة ربما تحمل (…) كذا صار يقول لا المرأة تقود.
عادل: أو ترقص وتغني، والغناء حرام والموسيقى ليس حرامًا، والرسول عليه الصلاة والسلام.
باسم: وأحدهم قال إذا استدعى الأمر أن نرقص نحن نعم.. لكن هنا، العودة كالتالي..
عادل: تفضل.
باسم: يعني يعني يعني يمكن للقائد السياسي، الموضوع ليس توفر نية، هو يخاف أو لا يخاف، يعني هناك قائد سياسي لا يسعى أو لا يرى أن يكون عنده مجتمع واعٍ مثقف منضبط عنده أخلاق سلوكية جميلة..
عادل: ترتيبة الأولويات عنده لا تكون واضحة تمامًا، لازم يكون عنده ترتيبة الأولويات أن بناء الإنسان أولًا ثم بناء المجتمع كطوب وحجر وطرق وكباري وغيره، وهذا وهذا مهم يكون مقتنعًا بهذا الأمر، ليس مقتنعًا سيكون في ترتيبه للأولويات ليس ترتيبًا صحيحًا.
29:54
هل المعركة الثقافية مع السلفية ممكنة أم خاسرة منذ البداية؟
باسم: هل المقصود يعني أنا أكره أن أستخدم لفظ “الإصلاح السياسي”، لكن سأستخدمه تجاوزًا، لأن الإصلاح السياسي الذي قام في أوروبا مختلف كليًا عما نسعى إليه. نحن نريد أن نعيد للقرآن القدرة على التفاعل داخل المجتمع، نعيد للناس القدرة على الاستنباط من هذا القرآن المستويات المعرفية الغنية المكتنزة في هذا المجتمع، نريد أن نمكّن للناس، نعطيهم آليات في كيفية استنباط المعارف في القرآن، نحن لا نريد أن نصلح الدين، الدين صالح. نريد للدين أن يُصلحنا، أن يُصلح المجتمع.
عادل: يسعدنا.
باسم: وأن يسعدنا بالتأكيد..
عادل: وإذا ما لم يسعدنا؟ إذن هناك خلل في المنظومة، فيما نُقل؟ ممكن.. لأنه بالتأكيد لا يمكن أن يحمل القرآن الذي جاء من عند الله إلا الخير للناس، قولًا واحدًا.
باسم: بلا شك.
عادل: قولًا واحدًا، حين يحمل أمرًا آخر، تكون هناك مشكلة فيما نُقل. أنا على يقين من أن الرسالة التي تأتي من حضرتك هي رسالة محبة وسلام، عندما تأتي لي رسالة لا توجد فيها محبة وسلام، فهي ليست منك، تكون من الذي جاء بالرسالة نفسه، أو يكون.. لا أقصد الذي أحضر الرسالة، الناقل للرسالة، فنحن نحتاج إما أن نعود مرة أخرى إلى الفهم الصحيح للأصول نفسها، ونعيد المفاهيم نفسها، وفهم الفهم الحقيقي للفظ وليس المصطلح الذي نستخدمه.
باسم: نعم.
عادل: إذن معناها أنه ببساطة شديدة جدًا، نستبعد الوسطاء بيننا وبين الله، فلكي نفهمها بشكل صحيح، إذا فهمناها بشكل صحيح يكون فهمنا مضبوطًا.
كيف احتل الوعاظ منابر الإعلام بدلًا من النخب الفكرية؟
باسم: أنت ككاتب، يعني أنت أحد الأدوات المطلوب منك أن تمارس هذا، أن تساعد أو أن تكون جزءًا من هذه المنظومة الكاملة أو الآلية التي تسعى إلى تقديم القرآن ليصلح المجتمع، طيب يعني هناك آليات، هل أنت مثلًا قد تكون.. لست أنت كشخص، الكتّاب، الباحثون، أساتذة الجامعات، المعاهد العلمية، يعني كيف يمكن الضمان أن كل هذه المؤسسات أن تتكافل وتبدأ مثلًا في تقديم مفاهيم في كيفية تقديم القرآن ليصلح المجتمع؟
عادل: هو لابد من خلال مجتمع حر ثقافي متنوع، فيه حرية رأي. أنت تكتب ليس كل ما تكتبه يُنشر، ليس كل ما تقوله يُفهم بشكل صحيح، لأنك في بعض الأحيان تلجأ للتورية، أو تلجأ للإسقاط. عادة ممكن جدًا القارئ العادي لا يفهمها ولا يستوعبها. أنت لست مباشرًا مع الناس، أنت مُستبعد أنت مهمش -لا أقصد نفسي- هؤلاء المثقفون، يجب أن تُفسح لهم المجال. أنت تُفسح المجال للسلفيين والمشايخ على قنوات البلد بطولها وعرضها، وعندما يأتي شخص يظهر -كحالي- يقيّد ويكتب وينشر بعض ويُزال البعض الآخر.
أريد هذه المجتمعات تكون مجتمعات حرة أولًا، تبدأ هذه التيارات كلها تلتف في بوتقة ثقافية واحدة تستطيع أن تمارس عملها مجتمعًا، لأنه سيكون فيها قوة..
باسم: اليوم، أصبح شرط حرية التعبير أو الكلمة يعني شرطًا أساسيًّا أوليًّا لإحداث التغيير المنشود.
عادل: لازم حرية الرأي، وحرية الفكر، وحرية التناول.
باسم: على فكرة، الدكتور محمد شحرور وضع تعبيرًا جميلًا قال: “إعلاء كلمة الله هي الحرية المقصودة”.
عادل: صحيح.. أنا متفق، من حقي أن أقول ما أريد أن أقوله طالما أنا لم أحرض على شيء، ومن حق غيري أيضًا. المجتمعات التي تتنوع فيها الثقافة في النهاية يصل الإنسان إلى الحقيقة لا شك في ذلك.
حضرتك تقول رأيك وأنا أقول رأيي وهذا يقول رأيه وهذا يقول رأيه، في النهاية نجتمع على فكرة واحدة، المجتمعات هذه مجتمعات صحية ليست مجتمعات مرضية على الإطلاق، هم متصورون أن هذا مرض، هذا ليس مرضًا هذا بالعكس. هذا الإثراء الثقافي، والإثراء الفكري، وتناول الموضوعات بصفة عامة، سيجعل نوعًا من التقارب بوجود مجتمع.
هل تحوّل قانون “ازدراء الأديان” إلى سوط على رقاب المثقفين؟
باسم: سؤالي أنا يعني وأنا التقيت مع الكثير من المفكرين والباحثين والكتاب وأصحاب الرأي، تحس أن كلهم أو غالبيتهم يخاف على ما يكتب، وإذا كتب وأفصح يصير يتوارى بين الناس حتى لا يُعرف. ألا يوجد قانون يحمي الناس؟ حسنًا لا توجد حرية تعبير، لكن إن عبرت وفق المتعارف عليه، أو وفق المقبول، لماذا أنا أظل خائفًا؟ ألا يوجد أحد.. المجتمع لا يحميني؟ لا يحميني القانون؟
عادل: لا..
باسم: يعني بأي حق يعطى للآخر الذي فهمني خطأ أن يتصرف بعنف تجاهي، ولكن لا يحق لي أنا أن أطلب حماية من المجتمع الذي نعيش فيه؟
عادل: سأرد على حضرتك بأمثلة كثيرة جدًا، أنه حين نكتب، الهجوم علينا من التيار السلفي هجوم يشخصن المسألة جدًا، يشوّه سمعتك جدًا، يتناول الموضوع بفُجر رهيب جدًا، ليس لديه شرف الخصومة، يعني لا يناقش الفكرة، لا يناقش الموضوع..
باسم: لا يتخلّقون بأخلاق القرآن، ولا يجادلون الناس بالتي هي أحسن.
عادل: أبدًا، هو يسبّك، يلعنك، ويأتي بعائلتك وعائلة عائلتك، وأولادك وأولاد أولادك، طيب انظر أختك، أنت ترضاه على أختك؟ أنت ترضاه على أمك؟ الله الله الله، هو أنت لما تأتي تتكلم، يعني أنت ترضى أن زوجتك تتزوج (لا أعرف من)؟ يعني أنت ترضى أن (لا أعرف من) يتزوج خالتك؟ الله الله. يعني يُدخلك في متاهات فكرية غريبة لم تتطرق لهذه المسألة إطلاقًا، التي هي الأسئلة الفرضية، يعني أنت حين تتكلم عن الدولة العلمانية أو تتكلم عن الدولة المدنية، يدخلك في: “ترضى أمك تتزوج لا أعرف من؟، ترضى أنت أختك تمشي مع من؟”
باسم: يشخصن الأشياء.
عادل: يشخصن الأشياء. الأمر الثاني لا نَسلم على الإطلاق من المطاردات والملاحقات، وإن الخصومة ليست خصومة شريفة لا مع هذا ولا مع هذا ولا مع الذي فوق ولا مع الذي تحت. حين أطمئن، حين أطمئن أنا كعادل نعمان، على أنه سوف أواجه من أواجهه في حدود ما كتبت فقط، أنا لدي استعداد أن أقول ما أشعر به تمامًا، لكن المشكلة أنه “بهدلة ومرمطة”، أنت تعرف حضرتك أنه مجرد فقط ما تلاحق بقضية ازدراء أديان ماذا تفعل؟ “ترى المر”.
باسم: أف.
عادل: “ترى المر”.. قضية ازدراء دين في أنك أنت فقط قلت كلمة عن الدين فقط. على الرغم من أن هذا القانون، قانون ازدراء الأديان هذا، الذي كان سنة 82 كان مٌسنًا خصيصًا لصد التيار السلفي عن المسيحيين، ما جاء ناحية واحد سلفي إطلاقًا، حتى اليوم من سنة 82 حتى اليوم، إنما جاء ضدنا نحن كمثقفين، جاء ضد أطفال مسيحيين كانوا يمثلون تمثيلية عما حدث للمسيحيين في ليبيا، وحبسوهم خمس سنين سجنًا، ضد كتاب ومثقفين.. تعالَ حضرتك…
باسم: كنت أريد أن أسألك نفس السؤال. إنه هل الخلل بالمنظومة القانونية التي تحمي الناس مثلًا؟ يعني لماذا هذه المنظومة توفر حماية للمهاجم أو لإعلان عنف ولا توفر حماية للكاتب ولا الباحث؟
عادل: لا تقترب منهم على الإطلاق، على الرغم من أنه من السلفيين والمشايخ من أهان ديانات أخرى، لا أحد ذهب اتجاههم أبدًا، ولا أحد تكلم ولا رُفعت قضية ضدهم. في حين أنّا نحن نلاحق ونطارد كل يوم، طيب أنت حضرتك ستجد نفسك فجأة: تترك الجمل بما حمل، هل أنا من سيصلح الكون؟ “بلا دوشة دماغ”، ما الذي يأتيني من وراء هذا؟ لا مكسب مادي ولا مكسب معنوي، بالعكس أنت تعاني أشد ما تكون المعاناة، أنت لا تتقاضى أجرًا من جريدة، ولا تتقاضى أجرًا من هنا ولا من هنا، أنت مطلوب منك فقط أنك أنت تتكلم لأنك مؤمن بقضية من القضايا لكن في نفس الوقت ممكن تُهان ممكن تُبهدَل.
أنا أكتب مقالًا –”يا فندم”- لو ترى نوع الشتائم التي توجه لي على الصفحة رهيب. طيب ناقش يا بني. أنا طارح فكرة قل رأيك فيها ماذا بدون أن تشتم، بدون أن تسب، بدون أن تلعن، ثم أنت ما لك وما لأمي؟ ما لك وما..
باسم: طيب، المشرع ألم ينتبه لهذه الظاهرة العنيفة في المجتمع؟
عادل: انظر حضرتك، مطلوب مني أنا ككاتب أن أذهب للذي فعل هذا وكتب هذا، وأن أطارده في المحكمة. لست على قدره، ولست على قدر الذي يقف وراءه، وأنا فتحت على نفسي نار جهنم، من أنه هذا التيار السلفي الذي يملك المليارات –خذ بالك- ولديه المحامون الخاصون به، ولديه القضايا الخاصة به جيدًا، وراصّ كتاباتك كلمة كلمة، كلمة كلمة.. وأنا رأيتهم بعيني الاثنتين هاتين في التلفزيون، أن أحدهم كان جاء وأحضر المقالات الخاصة بي كلها وقد علّم بالقلم الأحمر على.. تهديد ومطاردة بحيث إن أنت لو فكرت أن تفعل شيئًا ضد واحد، ستجد نفسك داخلًا.. أنت تقول يا رب.
باسم: طيب، أين القانون وأين التشريع؟
عادل: هو القانون يحتاج أنك أنت تطارده، وتذهب تقول إنه قال لأجل كذا، أو يطاردك هو. خذ بال حضرتك أننا متروكون لوقت معين، لكننا سنطارد سنطارد، لن نُترك. القانون لابد أن يكون مفعّلًا والقانون لابد يكون ضد الجميع، وأنه نحن جميعًا نكون في حماية الدولة.
ما تأثير المال في التخلص من السطوة الدينية والخرافات؟
باسم: المجتمعات العربية بشكل عام، هي تقع تحت ربقة هذا أنا أسميه “فجور في ممارسة الرأي”، ومجتمعات فعلًا تتوق إلى الحرية، أو إلى حرية الكلمة والتعبير. لماذا سُمح لتيار أو سمح لتيار تحت شعار الدين، أنه الرجل عنده مميزات، شكل رجل دين، هو يمارس سلطته ويبسط رأيه على الآخر، بينما لا أسمح للإنسان الآخر المعتدل الذي هو فعلًا يسعى إلى تقديم القرآن للمجتمع، لإصلاح المجتمع؟
عادل: لأنه هو يحتاج هذا التيار، هو سنده، هو مؤيده..
باسم: ربما ينطبق على مجتمع محدد ما، لكن لا ينطبق على المجتمع ككل.. يعني مثلًا، نحن سبق تحدثنا، هناك دولة عربية ما اضطر الحاكم السياسي أن يخرج ويضع حدًا، في ليلة ليس بها ضوء قمر، قطع كل شيء. لم تكن الناس تحلم بالمطلق أن يتم هذا التيار المتغول..
عادل: الظروف الاقتصادية.
باسم: ويضع له حدًا.
عادل: الظروف الاقتصادية في هذا المجتمع تسمح بذلك، الظروف الاقتصادية هنا لا تسمح الآن، لأنه ما زالت الدولة تحتاج لوجود هذا التيار، لأنه يغيِّب إلى حد ما عقول الجماهير عن المطالبات الأخرى. وبالتالي أنت تستطيع تقوم بثورة ثقافية في مجتمع غني في يوم وليلة، المجتمعات الفقيرة مسألة صعبة، لأنه يتساءل عن البديل والبديل غير موجود. ولذلك أنت من دواعي ومن المساندات المهمة جدًا في التجديد أن يكون هناك إصلاح اقتصادي قوي، بحيث إن المجتمعات حين..
باسم: قد اتفق معك..
عادل: ترتاح إلى حد كبير.. وتصبح مبسوطة إلى حد ما، وتبقى مجالات العمل مفتوحة ومجالات الرزق، والمكسب جيّد، تستطيع أن تأخذ الناس في أي اتجاه ثقافي تريده، إنما هي المشكلة في المجتمعات الفقيرة، المتمسكة بأهداب التفاسير، وهذه الخرافات، وهذا التدين، أنت تحتاج أن يظل الشعب على هذا المستوى، لأن معنى أنك أنت تقلب له هذا الكيان هو سيتساءل أين البديل؟ في هذه الدول الأخرى التي حصل فيها هذا التراجع الشديد، هي مجتمعات غنية، فكل الذي فعلوه، أنهم أغدقوا على الشعب جيدًا جدًا وقالوا هيا، فالناس تغيرت.
البناء الاقتصادي، والثورة الاقتصادية، والنمو الاقتصادي، حلقة مهمة جدًا جدًا في البناء الديني، أو بناءات أخرى يقبل الناس ما تقوله.
هل يمكن للمجتمع أن يتطور ما دام أسيرًا للتراث الموروث؟
باسم: طب.. إلى أي مدى ترى أن الفهم التراثي القديم يعيق، أو يعني يسعى في إعاقة أو يسعى في تقديم المجتمع؟ يعني هل إيماننا بالتراث القديم، بجزء منه أو طبعًا ليس كل التراث سيئ بالتأكيد لا، هناك رجال من التراث قدموا معارف رائعة للمجتمعات، لكن بشكل عام من الواضح، بالنسبة لي أصل الفعل نتيجته، ما نراه في المجتمعات العربية، هو حياة متدهورة سواء لأسباب سياسية أمنية، أو لأسباب ثقافية لها علاقة بالتدين، أو بشكل التدين، إلى أي مدى يمكن أن الإبقاء على هذا الفهم مقابل بقاء المجتمعات، يعني هل هناك أمل أن هذه المجتمعات تتطور في ظل بقاء هذا الفهم السيئ؟
عادل: إطلاقًا.. المعادلة ما بين الاثنين مثل الأواني المستطرقة، الاثنان مع بعض يكملان بعضهما، الاثنان.. يعني يَبقى المجتمع على هذا الفهم الخاطئ وأن هذا التردي الاقتصادي، لو نحن استطعنا أنا نحن نرفع المستوى الاقتصادي لهذه الشعوب أو لشعوبنا، أعتقد أن هذا التراث سيزول حتمًا، وهو كان في فترة من الفترات مهمًّا لإرضاء الشعوب وتخديرها، لأن هذه المجتمعات، الظواهر الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، التي كانت موجودة كانت بحاجة لمثل هذا النوع من التراث، الذي يدقق به، مشاريع البسطاء من الناس، لكن مع اليوم لم يعد ينفع، لأن العلم اكتشف اليوم أن هذه الظواهر لها أسبابها، وبالتالي لا تستطيع أن تعيش على هذا المستوى من الفهم الخاطئ.
نحن في احتياج شديد جدًا لإبعاد هذا التراث وهذه الخرافات، لأن معظمها خرافات، وانتبه حضرتك أن كافة الأديان كانت في فترة من الفترات تحتاج إلى هذه الأساطير لتثبيت دعائمها لدى الناس، لم نعد اليوم نستطيع نعيش.. كل ما نأتي نتكلم كلمتين يخرج يقول: ابن عباس قال وابن أحمد قال.. وحين أتكلم في نظرية اقتصادية، أحضر من التراث ما يؤكد فكرة، أو يلغي فكرة، دون النظر إلى القاعدة الاقتصادية العصرية تقول هذا صحيح أو خطأ..
باسم: أنا أتفق معك أن تعزيز هذا التيار في المجتمع، تعزيز هذا الفهم للتدين، أو للدين في المجتمع، قادنا إلى الانقسامات، إلى تشظيّ المجتمعات، الفرقة الفلانية، والمذهب الفلاني، والطريقة الفلانية، والشيخ الفلاني، والمقام الفلاني، والضريح الفلاني، صار هناك تشظٍ في المجتمع.
عادل: وانفصام في المجتمع وعنصرية في المجتمع، لأنه عندما تأتي تتحدث اليوم وسط هذه التفسيرات عن المسيحيين، أو غير المسلم، وتقول: إنه لا شهادة للكافر على المسلم، وأنه لا يُقتل المسلم في كافر، وأن المرأة أكثر أهل النار، وأن المرأة أكثر الفواحش ووخلافه. أنت تدمر المجتمع، أنت تفصل المجتمع. عندما تجعلني أعيش في وهم الجهاد، وهو جهاد “الطلب”، وليس جهاد “الدفع”، وتجعلني أعيش في فكرة أن جهاد الطلب، هذا مطلوب طالما وجد الكفر ، فأنا سأظل باستمرار في حالة خلاف مع العالم، عندما تكلمني على أنه مال غير المسلم حلال لي لأنه من.. السبب الرئيسي..
باسم: هل تعرف ارتداد هذا موجود في “التلمود”، هي بالضبط الذين يؤمنون بـ”التلمود”، يقول كالتالي: “مالي هو لي، ومالك هو مالي”.
عادل: “هو مالي”. يقول لك إن شرط أن يكون هذا المال حلالك أن تكون مسلمًا. الله! فأصبح…
باسم: يعني الدلائل التلمودية في هذا الفهم التراثي أنصع من البياض، وما زلنا متمسكين به…
عادل: نعم نعم.. لأن هناك في التفاسير كثير جدًا من لجأ إلى هذا..
باسم: ما يسمونه “الإسرائليات”، لكن هو “التلمود”، ليس له علاقة بالتوراة، التوراة كتاب الله.
عادل: هذه التفاسير وهذه التراثيات القديمة، وهذه المرويات، سبب رئيسي في تأخر المجتمعات، لأنه هي تقف حجر عثرة ضد التطور، ضد التعامل مع الآخر، عندما تأتي تقول لي مثلًا “الولاء والبراء”، عندما تقول لي..
باسم: فكرة تلمودية بحتة…
عادل: عندما تأتي تقول لي: “إنه يستبعد غير المسلم من تولّي الإمارة الكبرى أو الصغرى أو …”
باسم: في الملة اليهودية يقولون نفس الشيء..
عادل: الله! يعني أنا الآن آتي بشخص مسلم غير فاهم وأستبعد شخصًا مسيحيًا؟ هذا هو معناه أنه أنا أستبعد الكفاءات عن إدارة شؤون البلاد..
باسم: كلامك سليم.
عادل: طيب أنت في الأول تمامًا أيام عمر بن الخطاب وغيره أنت استعنت برجال الدواوين من الدولة…
باسم: الدولة العباسية كلها قامت على…
عادل: وعمر بن الخطاب هو جلب لا أعرف من لكي يفعل ماذا.. فتأتي اليوم…
باسم: الدولة العباسية قامت كلها على البيروقراطية..
عادل: فتأتي اليوم تقول لي لا أنا آتي بشخص مسلم ماليزي يحكمني، ولا آتي بشخص مسيحي مصري يحكمني، طيب كيف؟
كيف يقود الجوع الناس إلى تسليم عقولهم؟
باسم: أنت قلت مثلًا: الرخاء الاقتصادي، ربما يكون أحد الأسباب التي تجعل المجتمع يعيد التفكير بهذا الشكل من أشكال التدين، وهو السلوك الديني.. هذه قاعدة. طيب.. كيفية إيصال المعلومة للناس ألا تحتاج أيضًا إلى آلية خاصة بها؟ يعني حسنًا وسّعت على الناس، طيب كيف أريد أن أوصل لهم المعلومة؟ كيف أريد أوصل المعرفة؟
عادل: لكن بداية.. هو العقل الفقير أو العقل المحتاج هو عقل باحث عن لقمة العيش في المقام الأول، رفاهية أن يفكر في ما تقوله حضرتك، هذه رفاهية. متى الرفاهية هذه تبدأ تكون ضرورية حين يرتاح ويجلس. أنت لو أتيت تُكلم فقيرًا اليوم فيما تقوله، أغلبية ستين، سبعين في المائة من المجتمع المصري مشغول بلقمة العيش، ليس مشغولًا بالفكر هذا أبدًا، لا يفكر فيه.
باسم: صحيح ليس لديه وقت.
عادل: هو يريد في الصباح يجلب الفول والطعمية للأولاد حتى يأكلوا ويشربوا، ويجلب الغداء، هنا حين حضرتك تحقق له جزءًا من الرفاهية، وتستبعد عنه مشاكله اليومية والحياتية التي يواجهها في تعليم أولاده، وفي المستشفيات و.. و.. وخلافه، وفي علاجهم، وفي تربيتهم التربية الصحيحة، يهدأ ودماغه يبدأ يرتاح، تبدأ تناقشه في المسائل هذه.
باسم: كلامك سليم، ألا ترى مثلًا.. أنا متفق معك أن إشباع المعدة هي مقدمة لإشباع الدماغ. أنا متفق معك وتوفير بحبوحة أو مستوى ما من العيش الكريم للمجتمع في أي مجتمع..
عادل: وإلا -بعد إذن حضرتك- وإلا سيظل هذا النقاش، وهذا الحوار داخل الصالونات المغلقة.
باسم: أنا متفق معك، لكن هناك طريقة أخرى مثلًا، لو نأتي نقول كالتالي: نريد أن ندرّس آلية اللسان العربي المبين مع تدريس اللغة العربية.
نعان: لم لا؟
باسم: يعني.. لماذا لا يكون هناك هذا النمط، أن ندرس اللغة العربية من منظار أوسع، عن طريق تدريس آلية اللسان. الناس تفهم ما هو اللسان الذي نزل به القرآن؟
عادل: ليس هناك مانع في أن تبدأ في تربية النشء منذ الصغر على مثل هذا القدر من الفهم المطلوب. هذا ممتاز، ويبدأ. هو أحسن من أن نتحدث عن “ناكر ونكير”، ونتكلم عن الثعبان الأقرع، ورجل منتظره بـ”مرزبة” وزنها سبعين طنًا في القبر. طيب نتكلم الكلام هذا (بشكل) صحيح، ونفهمه القرآن (بشكل) صحيح، ونفهمه الرسالة (بشكل) صحيح، ونفهمه المعنى المضبوط، فيما نزل هذا المعنى الاصطلاحي الذي نحن نعيش فيه، ليس هناك مانع في تنشئة الجيل الجديد. وليس أن نبدأ من حيث انتهينا، ولكن نبدأ..
باسم: صحيح.
عادل: البداية محتاجة، ولذلك نحن –كما قلت لحضرتك- نحن في احتياج إلى قيادات رشيدة، فاهمة، واعية، في أن بناء الإنسان مهم جدًا، ونبدأ من الصغر، بحيث إن الخمسة عشر سنة التي مرت، كان من الممكن الجيل المقبل على الثانوية العامة اليوم مختلف في فكره تمامًا، وفي فهمه الأمور عنا. نحن جيل قديم، أنت فقدت خمسة عشر سنة في أنك.. كنت ستكون الآن على مشارف جيل متفتح يقود البلد بسرعة.
وأنا يحضرني هنا، كنت في أفغانستان في التسعينيات وقابلت المشايخ أصحاب أهل الجهاد هؤلاء كلهم وقلت لهم: أنتم لكم ثلاث عشرة، أربع عشرة سنة، تحاربون، لم تعلموا أولادًا، ولم تربوا أولادًا، ولم تفتحوا مدرسة، أنتم فقط كان همكم القتال، طيب أنت لو وصلت للحكم ستحكمون بمن؟ أنت لديك جيل كامل راح.
هنا نفس الطريقة، وفي دولنا، جيل خمس عشرة سنة كان سيكون اليوم على مشارف دخول الجامعة، أربع سنوات، ويقود الدولة بمفهوم جديد وفهم جديد ليس مثل ما هم.
باسم: أستاذ عادل الباحث والكاتب المصري، شكرًا لك أنا استمتعت بالحوار معك، إن شاء الله يكون لنا فرص أخرى.
عادل: إن شاء الله. أشكرك جدًا..
باسم: شكرًا لك.
عادل: وأشكر المنصة على هذا اللقاء الممتع الجميل..
باسم: تسلم.
عادل: وأرجو أن أنا أكون توافقت إلى حد ما معك.
باسم: نحن نتحاور.
عادل: وثقافتك الكبيرة.
باسم: تسلم، أشكرك. شكرًا وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”.