قدمت هذه الدراسة ضمن أعمال الندوة الدورية الثانية للعام 2026م التي عقدها مركز مجتمع للدراسات الثقافية والتاريخية بالتعاون مع جامعة سكاريا – تركيا – معهد الشرق الأوسط بتاريخ 11/7/2026م

مقدمة
تتميز قصة الخلق في القرآن الكريم بخصائص سردية ومنهجية تجعلها مختلفة بصورة جوهرية عن نظيرتها في سفر التكوين، بل وعن كثير من السرديات الدينية التي تشكلت لاحقاً في كتب التفسير والتاريخ الإسلامي. ولعل أولى هذه الخصائص أن القصة القرآنية لم ترد في موضع واحد من القرآن الكريم، وإنما توزعت على عدد من السور والمواضع المختلفة، بحيث ورد كل جزء منها في سياق موضوعي خاص يخدم المقصد العام للسورة التي ورد فيها. ومن ثم فإن كل مقطع من مقاطع القصة يمثل استراتيجية سردية مستقلة، اختيرت عناصرها بعناية لتنسجم مع البناء الدلالي للسياق القرآني الذي احتواها.
أما الخاصية الثانية فتتمثل في أن قصة الخلق القرآنية اتخذت في مجملها بعداً ميتافيزيقياً خالصاً، سواء في تناولها للأحداث التي وقعت في الحضرة الإلهية قبل خلق الإنسان، أو في عرضها لبدايات الوجود الإنساني الأول. فالقرآن يتحدث عن وقائع تنتمي إلى عالم الغيب، ويعرض حوارات جرت بين الله والملائكة، وبين الله وآدم، كما يتناول وجود إبليس والملائكة والجنة بوصفها حقائق غيبية تتجاوز عالم الحس والتجربة. غير أن هذا البعد الميتافيزيقي لا يتحول في أي موضع إلى بناء أسطوري، ولا يستدعي العناصر الميثولوجية التي عرفتها سرديات الخلق في الحضارات القديمة أو في بعض نصوص أهل الكتاب. فالميتافيزيقا القرآنية تظل مرتبطة بمبدأ التوحيد، وتخضع لنظام وجودي متماسك لا يعرف صراع الآلهة ولا تنازع القوى الكونية ولا الأنساب الإلهية التي تشكل جوهر السرديات الأسطورية.
ومن هنا يبرز السؤال المنهجي المركزي في هذه الدراسة: كيف انتقلت قصة الخلق من هذا البناء القرآني الميتافيزيقي الخالص إلى الصيغ الثيولوجية والميثولوجية التي ظهرت في بعض كتب التفسير والتاريخ والكلام؟ وما طبيعة التحولات التي أدخلها الإخباريون والمفسرون والمتكلمون على هذه السردية؟ وهل تمثل قصة الخلق حالة استثنائية في هذا السياق، أم أن ظاهرة التوسع الثيولوجي والميثولوجي طالت قصصاً قرآنية أخرى كقصص الأنبياء وأخبار الأمم السابقة وأحداث آخر الزمان؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي العودة أولاً إلى النص القرآني نفسه واستقراء المواضع المختلفة التي وردت فيها القصة، مع تحليل استراتيجيات السرد التي اعتمدها القرآن في الانتقال بين عالم الغيب الميتافيزيقي وبين بدايات التاريخ الإنساني على الأرض. وبعد ذلك يمكن تتبع التحولات التي طرأت على هذه السردية في كتابات المؤرخين والمفسرين والمتكلمين، وتحليل العوامل المعرفية والثقافية التي أسهمت في إنتاجها.
ولما كان درس هذا الانتقال يقتضي مساحة أوسع من مقال واحد فيكون النظر في هذه الدراسة مصوباً نحو كتابات بعض المؤرخين ولابد لنا من التذكير بأن بعض هؤلاء المؤرخين كتبوا عن قصة الخلق في مدوناتهم التفسيرية كذلك وبعض هؤلاء المؤرخين دخلوا في زمرة المتكلمين. وفوق هذا وذاك فإن قصة الخلق تجمع بين هذه الحقول العلمية الثلاث.
ولعل أنسب نقطة للبدء هي السردية التي وردت في سورة البقرة، والتي جاءت ضمن بناء قصصي افتتح بصيغة الاستئناف الابتدائي: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾. فالقصة هنا تبدأ في فضاء غيبي ميتافيزيقي سابق لخلق آدم، حيث يدور الحوار بين الله والملائكة حول مسألة الاستخلاف في الأرض. ثم تتدرج السردية لتعرض تعليم آدم الأسماء، وامتحان الملائكة، وإظهار منزلة العلم في المشروع الإلهي للإنسان. وبعد ذلك يأتي الأمر بالسجود لآدم، وسجود الملائكة جميعاً إلا إبليس الذي أبى واستكبر، ثم تنتقل السردية إلى حياة آدم وزوجه في الجنة وما ارتبط بها من التكليف الإلهي، والنهي عن الشجرة، ووسوسة إبليس، ومخالفة الأمر الإلهي، ثم التوبة، وأخيراً الهبوط إلى الأرض وانتظار الهدى الرباني (البقرة:30-39).
وتكشف هذه السردية عن انتقال متدرج بين مستويين من الوجود. المستوى الأول هو المستوى الميتافيزيقي الغيبي الذي تظهر فيه الشخصيات الغيبية الكبرى: الله والملائكة وإبليس، وتدور فيه الحوارات المتعلقة بالعلم، والقيم، والاستخلاف، والتكليف. أما المستوى الثاني فهو مستوى التاريخ الإنساني الذي يبدأ مع هبوط آدم وزوجه إلى الأرض. ومع ذلك لا ينقطع الاتصال بين المستويين، إذ يستمر حضور عالم الغيب من خلال الوحي والهدى والملائكة.
ومن ثم فإن دراسة بقية المواضع القرآنية التي وردت فيها قصة الخلق تصبح ضرورية للكشف عما إذا كانت هذه الخصائص نفسها تتكرر في سور أخرى كالأعراف والحجر والإسراء والكهف وطه وص، أم أن بعض هذه السور يقدم عناصر جديدة يمكن أن تفسر لاحقاً ظهور التأويلات الثيولوجية أو التوسعات الميثولوجية عند المؤرخين. كما ستمكننا هذه الدراسة من فهم الكيفية التي تحولت بها السردية القرآنية من بنية ميتافيزيقية توحيدية خالصة إلى سرديات تفسيرية وتاريخية أكثر تعقيداً، اختلط فيها الموروث القرآني بالمرويات الإسرائيلية والتصورات الكلامية والفلسفية اللاحقة.
ولابد لنا من القول: إنه من الواجب التفرقة بين ما هو غيبي ميتافيزيقي وبين ما هو أسطوري مثلوجي. فالأول يقع في عالم الميتافيزيقيا وصلته بالعالم المادي تتمثل في الأمر الإلهي وأن الإنسان وفقاً لهذه الرؤية الميتافيزيقية هو الجسر الذي يجمع بين العالمين بسبب حرية إرادته فهو الذي يحقق القيم في فعله الإنساني والقيم تنتمي إلى العالم الميتافيزيقي في إطلاقيتها ولكنها قابلة للتحقق في الفعل الإنساني. أما ما هو أسطوري مثلوجي فهي أحداث تتعلق بصراع الآلهة فيما بينهم وينتقل ذلك الصراع إلى عالمنا المادي ليكون الإنسان طرفاً في ذلك الصراع وتختلط الأنساب الإلهية بالبشر ويسقط الحاجز الذي يميز بينما هو فيزيقي وما هو ميتافيزيقي ومن ناحية تفرض المثلوجيا على العقل البشري أن يقبل التناقضات النهائية والتراجيديا طريقاً لفهم الميتافيزيقيا والقيم. أما الثيولوجيا فهي محاولة دفاعية عن المعاني الميتافيزيقيا التي تكون العقائد الدينية الرئيسة حول قضايا خلق الإنسان وعلاقة الإرادة الإلهية بالإرادة البشرية والصفات الإلهية وصلتها بالذات الإلهية والقيم المطلقة وبقية مسائل العقاب والثواب والعدل الإلهي ولا شك أن كل هذه القضايا لها صلة بموضوع قصة الخلق.
تحليل قصة الخلق في القرآن الكريم
يقصد بتحليل قصة الخلق قصة آدم عليه السلام في سياق فعل الخلق الإلهي والنظر في المواضع السبع التي ذكرت فيها القصة في سورة البقرة والأعراف والحجر والإسراء والكهف وطه وص وكيف يمكن تكوين سردية تاريخية من المادة القصصية الواردة في تلك المواضع والتمييز بين ما هو تاريخي وما هو ميتافيزيقي سردي.
ولنبدأ بتصويب النظر فيما ذكره الشيخ ابن عاشور في تفسيره حيث يدلنا في مقدمة تفسير كل سورة على الوقت الذي نزلت فيه مستخدماً أسباب النزول وكذلك النظر في آيات السورة لاستخلاص ترتيبها التاريخي في المصحف. وكل ذلك يعد جهداً تاريخياً مهما في إحداث ترتيب تاريخي يساعدنا في فهم كيفية تلقي الجماعة الإسلامية الأولى لهذه القصة التي تتعلق بالوجود الإنساني وكيف بنيت هذه السردية على مدى تنزل القرآن. فالترتيب الذي ذكرناه لا حقا هو ترتيب المصحف. أما الترتيب التاريخي تبعاً لطريقة ابن عاشور فتجعل سورة ص أولاً إذ عدها رقم 38 في النزول وتليها سورة الأعرف وهي رقم 39 ثم تليها سورة طه وهي رقم45 ثم تأتي سورة الإسراء وهي رقم 50 ثم تأتي سورة الحجر وهي رقم 54 ثم تأتي سورة الكهف وهي رقم 68 ثم تأتي سورة البقرة وهي 87 وهذا الترتيب الجديد يدلنا على الوضع التاريخي الذي تكونت فيه سردية الخلق لدى مخيلة الجماعة الإسلامية الأولى وما يمكن لنا أن نفهمه. (ابن عاشور: تفسير التحرير والتنوير، يراجع مقدمات السور السبع).
تبدأ القصة في سورة ص في صيغة استئناف ابتدائي (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين) ثم يأتي من بعد ذلك الأمر بالسجود وموقف ابليس من السجود واحتجاجه بأفضلية أصل خليقته على آدم وطلبه الإنظار إلى يوم البعث لغواية بني آدم إلا عباد الله المخلصين ثم وعيد الله له ولمن تبعه بالنار. وسورة الأعراف بها تفاصيل أكثر مما ورد في سورة ص وتبين لنا لماذا أخرج آدم من الجنة وأنزل إلى الأرض بعد توبته من معصيته وما الذي ينتظره في حياته في الأرض ومن هو عدوه الوجودي. وعلى ذلك يبدو واضحاً أن القصة هنا تجيب على مجمل الأسئلة الوجودية لقصة الخلق وارتباطها بمعصية إبليس في عدم السجود لآدم ثم أمر آدم وزوجه بعدم الأكل من الشجرة ووسوسة الشيطان لهما إلى آخر تفاصيل القصة ومن ثم التحذير لبني آدم من الشيطان وعداوته الوجودية لهم. وكأن في قصة سورة الأعراف تكملة لما جاء عاماً في سورة ص وإدخال بلاغية (ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم بعد فعل الخلق الإلهي لآدم بينما بدأت سورة ص ببلاغة سردية (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين) بصيغة استئناف ابتدائي يختلف عما جاء فيما بعد في سورة البقرة كما سنبينه لاحقاً.
أما سورة طه فتأكد على المعنى العام الذي ورد في سورة الأعراف، ولكنها بشكل قاطع تبين تفاصيل الغواية وشدة هذه العداوة بين آدم وإبليس وحرص إبليس على القيام بدوره في الغواية ونقطة الضعف التكوينية عند آدم هي نسيانه للعهد ودخول إبليس عليه من هذه الجهة لإحداث فعل الغواية. وآيات سورة طه تستخدم بلاغة (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس) والتي تتكرر في آيات سور خلق آدم السبع بهذه الصيغة إلا بقليل من التحوير باستبدال ثم مكان إذ في خمس مواضع أما الموضعين الآخرين فيرد المعنى دون الصيغة. ويبدو التطور في فهم تفاصيل قصة الخلق في مخيال الجماعة الإسلامية ومحاولة القرآن الكريم في تكييف علاقة الإنسان بالشيطان باستخدام تفاصيل قصة الخلق لبيان معنى الأمر الإلهي والمعصية والتوبة وكيفية البقاء في حرز من وساوس الشيطان بسبيل الدخول في حصن عباد الله المخلصين تلك هي المعاني الأخلاقية من وراء سرد قصة خلق آدم في سورة ص والأعراف وطه. وتؤكد سورة الإسراء على هذه المعاني وتبين طرائق إبليس في غواية بني آدم. وكذلك سورة الحجر في آيات تمتاز بقصر عدد كلمات آياتها وقوة تحذيرها من غواية إبليس وافتتاحيتها ببلاغة (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين) واستعاضة معنى صيغة (إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) بمعنى الصيغة لا بنصها. وكذا سورة الكهف والتي تلخص كل القصة في آية واحدة مؤكدة على ضرورة اتخاذ إبليس عدواً وجودياً للإنسان وتفتتح الآية ببلاغة (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس).
ختاماً لكل هذه السردية عن خلق آدم تأتي سورة البقرة التي توسعت في عرض قصة خلق آدم بالإشارة إلى ما دار بين الله عز وجل والملائكة حينما أنبأهم بجعل كائن اسمه آدم خليفة في الأرض وذلك يعني أن الغاية من خلقه حددت قبل خلقه وذلك لم يذكر في قصة التوراة في سفر التكوين وبعد خلقه علمه الأسماء كلها مما جعله يتفوق على الملائكة في هذا المضمار ثم يعاد تكرار ما سبق سرده من احداث في السور الستة السابقة في نظام جديد يبدا بربط قصة خلق آدم بخلق الكون من قبل خلقه ويتم عطف قصة خلقه بقصة خلق الكون وتستبين الغاية من خلقه بصورة لا مرية فيها وأن مسرح تحقيق تلك الغاية هو الأرض. ولما كان الزمان في غاية الأهمية فقد بينت الآية الفرق بين زمانين زمان ميتافيزيقي مبهم ويتعالى على إدراك الإنسان الذي جاء من نسل آدم ادراكه وزمان آخر يبدأ بعد نزول آدم وزوجه إلى الأرض مع إبليس. بينما الشق الميتافيزيقي من القصة تدل الحوارات التي فيه بين الله عز وجل والملائكة، وآدم، وزوجه، وإبليس. بعد النزول إلى الأرض تكون الصلة بين إبليس ونسل آدم عن طريق الوسوسة ولا يرى نسل آدم إبليس وأعوانه وليس لهم القدرة على عباده المخلصين وإنما يسلطون على من يرهن إرادته لإرادتهم وليس في هذه السردية أي معالم ثيولوجية أو ميثولوجية وإنما هي سردية تميز بين ما هو ميتافيزيقي وبينما هو بداية لتاريخ الإنسان على مسرح الأرض ولذلك كان تفسير ابن عاشور لقوله تعالى (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) أقوم في هذا الصدد يقول ابن عاشور:
“عَطَفَتْ الواو قصة خلق أول البشر على قصة خلق السماوات والأرض انتقالاً بهم في الاستدلال على أن الله واحد وعلى بطلان شركهم وتخلصاً من ذكر خلق السماوات والأرض إلى خلق النوع الذي هو سلطان الأرض والمتصرف في أحوالها، ليُجمع بين تعدد الأدلة وبين مختلف حوادث تكوين العوالم وأصلها ليعلم المسلمون ما عَلِمَه أهل الكتاب من العلم الذي كانوا يُباهون به العربَ، وهو ما في سفر التكوين من التوراة. “(ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير ج1ص374)
لا شك أن معرفة الجماعة الإسلامية في المدينة بهذه السمة المميزة لقصة الخلق يجعلهم في موقع ثقافي وأخلاقي أرفع مما عليه اهل الكتاب من فهم لذات القضية. إذ قصة الخلق بالكيفية التي صدرت بها في القرآن الكريم لا ثير جملة الإشكالات التي يثيرها رصيفتها في سفر التكوين.
ثم ينتقل لتفسير إذ قائلا: ” و(إذ) من أسماء الزمان المبهمة، تدل على زمان نسبة ماضية وقعت فيه نسبة أخرى ماضية قارنتها. فـ(إذْ) تحتاج إلى جملتين: جملة أصلية، وهي الدالة على المظروف، وتلك هي التي تكون مع جميع الظروف، وجملة تبين الظرف ما هو، لأن (إذ) لما كانت مبهمة احتاجت لما يبين زمانها عن بقية الأزمنة، فلذلك لزمت إضافتها إلى الجمل أبداً.”(المرجع السابق ج1ص365). ومسألة الزمان من أصعب الأمور في قصة الخلق إذ يتبادر للذهن هل تم هذا الخلق في زمان كان قبله زمان وكيف كانت أولية الخلق قبل خلق الزمان وما تم التعبير عن هذا الخلق ب (إذ) فقد أغلق الباب في وجه هذه الأسئلة إذ الزمان المراد التعبير عنه زمان ميتافيزيقي سيعقبه زمان مادي يمكن حسابه على مسرح الأرض عن طريق الليل، والنهار، والشهور، والسنين. ومن ثم يمكن لنا الحديث عن تاريخ لبني البشر مرتبط بوجودهم على الأرض.
ثم يشير ابن عاشور إلى مسألة مهمة في معنى اتخاذ آدم خليفة في الأرض قائلاً ” والمراد من الخليفة هنا إما المعنى المجازي، وهو الذي يتولى عملاً يريده المستخلِف، مثل الوكيل والوصي، أي: جاعل في الأرض مدبِّراً يعمل ما نريده في الأرض، فهو استعارة أو مجاز مرسل، وليس بحقيقة؛ لأن الله تعالى لم يكن حالًّا في الأرض، ولا عاملاً فيها العمل الذي أودعه في الإنسان، وهو السلطنة على موجودات الأرض، ولأن الله تعالى لم يترك عملاً كان يعمله فوكله إلى الإنسان، بل التدبير الأعظم لم يزل لله تعالى” (المرجع السابق ج1 ص 377). أما المعنى الحقيقي فلم يقبله ابن عاشور من أنه كانت هناك كائنات يطلق عليها اسم الحن والبن او الطم والرم فقال كل هذه مزاعم لا دليل عليها من السردية القرآنية لقصة الخلق. ثم يلفت انتباهنا إلى ما وقع فيه أهل القصص والخرافات في هذا الصدد ” ولعل هذا أنجزُ لأهل القصص من خرافات الفرس أو اليونان، فإن الفرس زعموا أنه كان قبل الإنسان في الأرض جنس اسمه الطَّم والرَّم، وكان اليونان يعتقدون أن الأرض كانت معمورة بمخلوقات تُدعى التِّيتَان، وأن زَفْس، وهو المشتري كبير الأرباب في اعتقادهم، جلاهم من الأرض لفسادهم” (المرجع السابق ج1 ص 378). ولذلك يعلق ابن عاشور على أن كل هذه المزاعم الخرافية التي بعضها قد انتقل إلى مدوناتنا التاريخية أو التفسيرية جازماً ” وكل هذا ينافيه سياق الآية، فإن تعقيب ذكر خلق الأرض ثم السماوات بذكر إرادته تعالى جَعْلَ الخليفة دليلٌ على أن جَعْلَ الخليفة كان أول الأحوال على الأرض بعد خلقها” (المرجع السابق ج 1ص 378). ولا يشك من أن بيان القرآن الكريم في سورة البقرة قد أغلق الباب أمام التوجهات الأسطورية لقصة الخلق وربط بين خلق الكون وخلق آدم الذي تولى مهمة الخليفة في الأرض بالمعنى الذي بينه ابن عاشور.
إذاً يمكننا القول: إن ورود القصة القرآنية متفرقة في السور السبع التي ذكرناه ومن الناحية المنهجية فأن ذلك يدل على أن هذه هذه السور تكشف بالفعل عن أمر مهم، وهو أن القرآن لم يقدم “قصة خلق” واحدة على غرار سفر التكوين، بل قدم شبكة من السرديات المترابطة، لكل واحدة منها وظيفة عقدية وأخلاقية مختلفة. ولذلك فإن محاولة المفسرين والإخباريين جمع هذه الأجزاء في قصة واحدة متسلسلة زمنياً كانت من أهم المداخل التي سمحت بدخول العناصر الإسرائيلية والميثولوجية إلى تفسير القصة؛ لأن الفراغات التي تركها القرآن عمداً لأغراضه البلاغية والتربوية جرى ملؤها لاحقاً بروايات خارج النص القرآني.
وخلاصة القول: إن تفسير ابن عاشور يمثل نموذجاً مهماً لمحاولة العودة إلى البنية القرآنية الداخلية بعيداً عن التوسع الإخباري وجلب الإسرائيليات للتفسير فهو حين يستأنس بما ورد في أسفار التوراة أو غيرها من كتب أهل الكتاب وذلك لبيان رأيهم لا لفهم بيان القرآن على أساس مقالتهم. ويسعنا وصف تفسيره بأنه: لا يعتمد كثيراً على الأساطير المتعلقة بما قبل آدم وحينما يذكرها يعرضها على ميزان النقد القائم على بنية النص القرآني الداخلية، ونرى كذلك أنه يفسر سؤال الملائكة تفسيراً عقلياً لا أسطوريا ومن ثم يجعل محور القصة هو العلم والهدى والاستخلاف والعمران، وينقل القصة من إطارها الإخباري إلى إطارها الحضاري والإنساني، وتلك هي الخصائص العامة التي تميز بها تفسيره. وتلك هي السردية القرآنية الميتافيزيقية في قبالة السردية الإخبارية أو الثيولوجية المقحمة على البنية الداخلية لآيات القرآن الواردة في السور السبع التي تعرضنا لها بالتحليل.
قصة الخلق في مدوناتنا التاريخية
إن النظر في مدوناتنا التاريخية على سعتها وتنوع طرائق الكتابة فيها يجعلنا غير مطالبينا لاستقصاء البحث في جميعها، ولكن لا بد لتك المدونات التي سنقوم باختيارها من مسوغ يجعلنا نفضلها دون غيرها ولا شك أن التحيز في انتقاء البعض وترك البعض الآخر له مخاطره العلمية إن لم يكن أسباب الاختيار قد تمت على أسس مرعية. إذاً ما تلك الأسس؟ يبدو لأول وهلة أن الاختيار سيتم على أساس تمثيل أوفر لعصر التدوين واختيار ثلة من جهابذة ذلك العصر وفي هذا الصدد نكون محقين لو اخترنا الطبري (ت 310 ه/923م) والمسعودي (346 ه/957 م) والمقدسي (بعد380ه/ بعد990 م) وهؤلاء الثلاثة خير من يمثلون القرن الرابع الهجري. ثم من بعد ذلك سنختار من يمثل القرن السابع والثامن والتاسع الهجري ولكل واحد ممن وقع عليه اختيارنا ميزة لها صلة بموضوع بحثنا وعلى ذلك فقد اخترنا ابن الأثير (630 ه/1233 م) لأنه حاول في كتابه الكامل الجمع بين التأريخ للمشرق والمغرب، ثم ابن كثير(774 ه/ 1373 م) وهو الذي حاول تخليص التاريخ من المرويات الإسرائيلية وصوب نظره إلى تلك التي ادخلها الطبري في التاريخ متوسلاً بطريقة المحدثين في نقد الأسانيد لقبول المرويات، وأخيراً يحق لنا أن نختار ابن خلدون (808 ه/1406 م) ، إذ هو يمثل طريقة جديدة في النظر إلى المرويات التأريخية وذلك بعرضها على العلم الجديد الذي ابتكره واطلق عليه اسم علم العمران.
والطبري هو البداية الحقيقية للدرس التاريخي في الحضارة الإسلامية والكل عيال عليه من حيث المادة التاريخية التي جمعها والسردية التي اختطها لنفسه ولذلك الكتابة التاريخية اتخذت مناح شتى من بعده لتجاوز أو تكملة ما قام به. ولنستمع إليه يقول في وصف عمله في كتابه الرسل والملوك ” وأنا ذاكر في كتابي هذا من ملوك كل زمان، من لدن ابتدأ ربُّنا جل جلاله خلقَ خلقه إلى حال فنائهم، من أنشأ إليهم خبره عز وجل، وابتدأهم الله تعالى بآلائه ونعمه، فشكر نعمه؛ من رسول له مرسل، أو ملك مسلط، أو خليفة مستخلف”(الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج1ص6) إذاً الكتاب هو موسوعة تاريخية تبدأ من بداية الخليقة إلى وقت المؤلف بتركيز على الملوك والرسل وهو يدرك أن الاستقصاء صعب المنال، ولكنه سيبذل ما استطاع من جهد لينجز عملاً يحقق المطلوب قدر الإمكان. وكل ذلك يقع في إطار العمل الذي يقوم به المؤرخ لكنه فجأة ينحرف إلى قول هو من عدة المتكلم في موضوعه وطريقة تناوله وإن تبدى لأول وهلة من سبيل المشتركات بين علم التاريخ وعلم الكلام. يقول الطبري في شأن أهمية تقديم القول في موضوع الزمان قبل بداية أي سرد تاريخي للملوك والرسل:
“بعد تقديمي أمام ذلك ما تقتضيه بنا أولاً، والابتداء به قبله أحجى، من البيان عن الزمان: ما هو؟ وكم قدر جميعه؟ وابتداء أوله، وانتهاء آخره؟ وهل كان قبل خلق الله تعالى إياه شيء غيره؟ وهل هو فان؟ وهل بعد فنائه شيء غير وجه المسبح الخلاق، تعالى ذكره؟ وما الذي كان قبل خلق الله إياه؟ وما هو كائن بعد فنائه وانقضائه؟ وكيف كان ابتداء خلق الله تعالى إياه؟ وكيف يكون فناؤه؟ والدلالة على أن لا قديم إلا الله الواحد القهار، الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى” (المرجع السابق، ج1 ص 5-6).
ثم من بعد ذلك ينتقل الطبري لبيان تفاصيل منهجه في جمع ورصد المادة التاريخية التي توفرت له ومتى يعمل أدوات النقد التاريخي ومتى ينقل ويسند القول لقائله دون تمحيص ولا تعقيب وما الفائدة المرجوة من ذلك وما طبيعة العمل الذي يقوم به المؤرخ حال النظر إلى تلك المادة التاريخية التي توفرت لديه قائلاً:
” وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرتُ ذكره فيه، مما شرطت أني راسمه فيه، إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها فيه، دون ما أدرك بحجج العقول، واستنبط بفكر النفوس، إلا اليسير القليل منه؛ إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين، وما هو كائن من أنباء الحادثين، غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم، إلا بإخبار المخبرين، ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، والاستنباط بفكر النفوس” (المرجع السابق، ج1 ص 7-8).
فالطبري يضع في هذا النص المهم الرواية التاريخية في قبالة ما اسماه ” الاستنباط بفكر النفوس” لكنه كذلك يستدرك من أنه سيفعل ذلك بقدر يسير لكن التوجه العام قائم على قاعدة أن هذا العلم من أخبار الماضين لا يدرك إلا بالنقل عنهم. ثم يبين حد مسؤولية المؤرخ فيما ينقل ” فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين، يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا” (المرجع السابق، ج1 ص 8). لا شك أن هذه هي النصوص التأسيسية لرؤية الطبري للصناعة التأريخية كيف تكون والهدف الذي تتغيا تحقيقه. لكنه رغم ذلك فقد انتقل إلى الدخول في مسألة لا صلة لها بالمرويات التاريخية وهو القول في ماهية الزمان، حيث يقول ” فالزمان هو ساعات الليل والنهار، وقد يقال ذلك للطويل من المدة والقصير منها، والعرب تقول: أتيتك زمان الحجاج أمير، وزمن الحجاج أمير ـ تعني به: إذ الحجاج أمير. وتقول: أتيتك زمان الصرام [وزمن الصرام] ـ تعني به وقت الصرام. ويقولون أيضاً: أتيتك أزمان الحجاج أمير، فيجمعون الزمان، يريدون بذلك أن يجعلوا كل وقت من أوقات إمارته زماناً” (المرجع السابق، ج1 ص 9). ثم يستشهد بالشعر الجاهلي لبيان مفردة الزمان والزمن في لغة العرب ثم يعقد من بعد ذلك فصلاً في بيان مدة العالم منذ بدايته إلى منتهاه قائلاً:
” اختلف السلف قبلنا من أهل العلم في ذلك، فقال بعضهم: قدر جميع ذلك سبعة آلاف سنة، ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا يحيى بن يعقوب، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الدنيا جُمعة من جمع الآخرة، سبعة آلاف سنة، فقد مضى ستة آلاف سنة ومائتا سنة، وبقيت مائتان [من] سنين، ليس عليها مزيد. وقال آخرون: قدر جميع ذلك ستة آلاف سنة” (المرجع السابق ج 1ص 10).
ثم ينقل الأخبار الواردة في شأن زمان ما مضى من الزمان وما بقي منه ليبين لنا أن الصواب من كل ذلك ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ” والصواب من القول في ذلك ما دل على صحته الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك ما حدثنا به محمد بن بشار وعلي بن سهل، قالا: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أجلكم في أجل من كان قبلكم، من صلاة العصر إلى مغرب الشمس” (المرجع السابق ج 1 ص 11). وبهذا النص ونصوص مشابهة في معناه أرد الطبري ألا يحدد وقت معيناً وإنما الإشارة إلى أن ما بقي من الدنيا أقل بكثير مما مضى منها. ومن بعد ذلك يدخل الطبري في مسائل تتعلق بأول ما خلق الله من الأشياء ثم ذكر الوقت الذي خلق فيه الله آدم من يوم الجمعة في أي ساعة من ذلك اليوم ومتى أدخل الجنة ومتى أخرج منها ويبدو للعيان دخول كثير من الروايات الإسرائيلية وتحول الطبري عن الرؤية التاريخية في شأن الرسل والملوك إلى مسائل تقع في دائرة الأساطير الرائجة في زمانه. (المرجع السابق ج 1ص 32-117)
أما إذا انتقلنا إلى بيان الرؤية التاريخية للمسعودي في شأن بداية الخليقة فيبدو لنا واضحاً تحكم الأساطير الرائجة عن بداية الخلق والابتعاد عن البنية الداخلية للقرآن الكريم في شأن النظر إلى بداية الخليقة فيقول المسعودي في شأن مبدأ الخليقة وذرء البرية:
” اتفق أهل العلم جميعًا من أهل الإسلام أن الله عز وجل خلق الأشياء على غير مثال، وابتدعها من غير أصل. ثم رُوي عن ابن عباس وغيره: أن أول ما خلق الله عز وجل الماء، وكان عرشه عليه. فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانًا، فارتفع الدخان فوق الماء فسماه سماءً. ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين، في يومي الأحد والاثنين. وخلق الأرض على حوت، والحوت هو الذي ذكره الله سبحانه في القرآن في قوله تعالى: ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) ” (المسعودي ، مروج الذهب ج 1ص 23) ثم يستطرد في بيان تفاصيل ذلك ” والحوت في الماء، والماء على الصفا، والصفا على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة على الريح، وهي الصخرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن حكاية عن قول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾” (المرجع السابق ج1 ص23). ثم يحاول التوفيق بين الأساطير الرائجة في زمانه وبين بيان القرآن الكريم قائلاً
” فاضطرب الحوت فزلزلت الأرض، فأرسى الله عليها الجبال فقرت الأرض، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ خلق الجبال فيها، وخلق أقوات أهلها، وسخّرها وما ينبغي لها، في يومين، في يوم الثلاثاء والأربعاء، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يومين وتجعلون له انداداً ذلك رب العالمين).” (المرجع السابق ج1 ص 23)
يبدو واضحاً أن المسعودي لا ينظر إلى التاريخ بوصفه تاريخ الممالك أو الأمم أو الرسل فحسب، بل بوصفه تاريخ الكون منذ لحظة الإيجاد الأولى ولذلك يبدأ كتابه ببحث: العالم والعناصر الأولى المكونة له وخلق السماوات والأرض والملائكة والجن وآدم والأنبياء فالتاريخ عنده جزء من نظام كوني شامل يبدأ بالفعل الإلهي للخلق. يتميز المسعودي بأنه لا يقتصر على الروايات الإسلامية، بل يجمع إليها الروايات الفارسية والهندية واليهودية واليونانية ولهذا أصبح كتابه أشبه بموسوعة للحضارات والذاكرات الدينية المختلفة. ونقول على الرغم من كثرة الأخبار التي ينقلها المسعودي من المصادر غير الإسلامية فإنه ليس مجرد ناقل ففي بعض الأحيان يقارن بين الروايات ويضعف بعضها ويرجح بينها ويشير إلى اختلاف الأمم، ولكن لا يصل به ذلك إلى استبعاد المادة الأسطورية بالكامل، بل هي جزء أصيل من نظرته للتأريخ. والمسعودي هو خير مثال لبيان لكيف انتقلت قصة الخلق من نص قرآني ميتافيزيقي شديد الاقتصاد في التفاصيل إلى تاريخ كوني موسوعي امتلأ بالوصف والأساطير والروايات المتعددة.
أما إذا انتقلنا للحديث عن رؤية المقدسي فهي مثال يحتذى في الخلط بين التاريخ وعلم الكلام وجعل علم الكلام مقدمات نظرية مهمة في فهم التأريخ ويصرح المقدسي في المقدمة من كتابه أنه لا يمكن الحديث عن ابتداء الخلق دون حسم الأسئلة المتعلقة بإثبات الخالق وطرق المعرفة ولذلك يقول:
” وإنما نبَّهنا على ما أردنا بقول الحكماء: اول العمل آخر التفكر وذلك أنا لما جمعنا ابتداء الخلق ثم لم نجد بدًّا من تصحيح الاحتجاج في إيجاب ابتدائه، ولم يصح لنا تثبيت ذلك إلا بإثبات مبدئه سابقاً بخلقه، ولا أمكن إثباته إلا بعد بيان طرق التوصل إليه، فابتدأنا بذكر ذرو من حدود النظر والجدل، ثم إيجاب إثبات القدم المبدئ المعيد، ثم ابتداء الخلق، ثم ما يتلو ذلك فصلاً فصلاً، باباً باباً، حتى أتينا على آخر ما كان الغرض والمقصود به.” (المقدسي، البدء والتاريخ ج 1 ص 7)
ثم ينتقل المقدسي إلى مقدماته الكلامية في تثبيت النظر وتهذيب الجدل وذلك يجعله يركز على قضايا هي أدخل في علم الكلام منه إلى التأريخ لكنه يرى أنها مقدمات لازمة حتى يستقيم علم التاريخ على أسس قويمة ثم من بعد بيان معن العلم ومراتب العلوم وطرائق الحجاج ينتقل بنا إلى إثبات البارئ وتوحيد الصانع ويستفيض في ذلك ثم ينتقل إلى القول في صفات الله عز وجل واسمائه ثم ينتقل إلى فصل آخر في تثبيت الرسالة وايجاب النبوة ثم ينتقل إلى ذكر ابتداء الخلق ولكن بسبيل النظر الكلامي لا بسبيل بيان الجانب التاريخي ويستمر على هذا المنوال ليعقد فصلاً في بيان اللوح والقلم والعرش والكرسي (المرجع السابق،ص9-146).
لا شك أن المقدسي لا يكتفي بنقل مقالات الفلاسفة وأصحاب الديانات، بل يعرض الأقوال ويناقشها ويرجح بينها وفقاً للمقدمات النظرية التي أثبتها في البداية لبيان طرائق الاحتجاج والنظر القويم فهو ينظر إلى التاريخ بحسبانه ساحة للحوار الفكري الحضاري بين أصحاب المقالات من المتدينين وأصحاب الآراء من الفلاسفة. ولذلك يصح لنا القول إن المقدسي في مقدمة كتابه لم يكن ينظر إلى التاريخ بوصفه مجرد سرد لأخبار الماضين، بل بوصفه علماً لا يستقيم إلا بعد تأسيس أصول المعرفة وإثبات العقائد الكبرى. ولذلك سبق حديثه عن الخلق والأنبياء والملوك بفصول مطولة في العلم والنظر والحجاج وإثبات الصانع والنبوة وحدوث العالم. كما أدخل آراء اليهود والنصارى والمجوس والصابئة والفلاسفة في مسائل البدء والخلق، لا لكونها أحداثاً تاريخية فحسب، بل لأنها تمثل رؤى متنافسة لتفسير أصل الوجود. ومن ثم فإن كتابه يجمع بين التاريخ وعلم الكلام وفلسفة الدين، ويقدم نموذجاً مبكراً لما يمكن تسميته بالتاريخ الحضاري المقارن أو تاريخ الأفكار الكونية والدينية، حيث يصبح التأريخ للإنسانية جزءاً من البحث في معنى الخلق ومصدر المعرفة وحقيقة الوجود.
أما إن انتقلنا للحديث عن ابن الأثير ورؤيته للتاريخ فنقول: إن ابن الأثير في مقدمة كتابه أراد أن يبين لنا الغرض من هذا العمل العلمي الذي اسما بالكامل في التاريخ وما معنى هذه السمة فإنه قد رأى فيمن سبقه عناية بالأعراض من الأخبار دون جواهرها ثم إنهم كذلك إن كان أحدهم من أهل المشرق أولى عناية خاصة بناحية المشرق وأهمل ذكر أحوال المغرب. أما هو فيريد أن يتجاوز هذه النقائص في السرد التاريخي للأخبار ويكمل هذا النقص الذي اعترى كتب من سبقه على ما لهم من فضل عليه
قائلاً: “فإني لم أزل محبًّا لمطالعة كتب التواريخ ومعرفة ما فيها، للاطلاع على الجلي من حوادثها وخافيها، مائلاً إلى المعارف والآداب والتجارب المودعة في مطاويها. فلما تأملتها رأيتها متباينة في تحصيل الغرض، يكاد جوهر المعرفة بها يستحيل إلى العرض؛ فمن بين مطوَّل قد استقصى الطرق والروايات، ومختصر قد أخلَّ بكثير مما هو آتٍ، ومع ذلك فقد ترك كلهم العظيم من الحوادث، والمشهور من الكائنات. وسوَّد كثير منهم الأوراق بصغائر الأمور التي الإعراض عنها أولى، وترك تسطيرها أحرى، كقولهم: خلع فلان الذي صاحب العيار، وزاد رطلاً في الأسعار، وأكرم فلان، وأهان فلان، وقد أرَّخ كلٌّ منهم إلى زمانه، وجاء بعده من ذيَّل عليه، وأضاف المتجدِّدات بعد تاريخه إليه. والشرقي منهم قد أخلَّ بذكر أخبار الغرب، والغربي قد أهمل أحوال الشرق؛ فكان الطالب إذا أراد أن يطالع تاريخاً متصلاً إلى وقته يحتاج إلى مجلدات كثيرة وكتب متعددة، مع ما فيها من الإخلال” (ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 1ص 2) وهذا النقل المطول عنه يبين لنا المعنى الذي قصده بالكمال فهو ليس كمالاً مطلقاً، ولكنه إكمال لجهود من سبقه في المرويات التاريخية فهو جمع فيه استقصاء واختيار للمرويات التاريخية التي وصلت إليه ومن ثم ترتيبها حتى تعطي صورة اشمل وأكثر إحاطة بأخبار المشرق والمغرب.
ثم شرع ابن الأثير يبين لنا منهجه في الكتابة التاريخية قائلاً:
” فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنفه الإمام أبو جعفر الطبري، إذ هو الكتاب المعوَّل عند الكافة عليه، والمرجوع عند الاختلاف إليه، فأخذت ما فيه من جميع تراجمه، لم أُخِلَّ بترجمة واحدة منها، وقد ذكر هو في أكثر الحوادث روايات ذوات عدد، كلُّ روايةٍ منها مثل التي قبلها أو أقلُّ منها، وربما زاد الشيء اليسير أو نقصه، فاقتصرتُ من الروايات على أوضحها، وأضافتُ إليها من غيرها ما ليس فيها، وأودعت كلَّ شيءٍ مكانه، فجاء جميع ما في تلك الحادثة، على اختلاف طرقها، سياقاً واحداً على ما تراه” (المرجع السابق ج 1 ص 3). إذاً فنحن أمام ناقل أمين لميراث الطبري في المرويات ولم ينجز أكثر من جمع تلك المرويات وإعادة ترتيبها على ما استجد من مرويات أخرى. ويبين لنا ذلك المعنى في منهجه في الرواية عن الطبري ثم ما ألحق بها من مرويات “لما فرغت منه أخذت غيره من التواريخ المشهورة فطالعتها، وأضافت منها إلى ما نقلته من تاريخ الطبري ما ليس فيه، ووضعت كلَّ شيءٍ منها موضعه، إلا ما يتعلق بما جرى بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني لم أضف إلى ما نقله أبو جعفر شيئاً، إلا ما فيه زيادة بيان، أو اسم إنسان، أو ما لا يُطعن على أحدٍ منهم في نقله. وإنما اعتمدت عليه من بين المؤرخين إذ هو الإمام المتقن حقًّا، الجامع علماً، وصحةً، واعتقاداً، وصدقاً” (المرجع السابق ج1 ص 3).
ويشدد ابن الأثير على أن تجميعه للمرويات لم يكن على غير دليل، بل كان ديدنه توخي الصدق واختيار الأصوب من الأقوال ” على أني لم أنقل إلا من التواريخ المذكورة، والكتب المشهورة، ممن يُعلم بصدقهم فيما نقلوه، وصحة ما دوَّنوه، ولم أكن كالحاطب في ظلماء الليالي ولا كمن يجمع الحصباء واللآلي” (المرجع السابق ج1 ص3-4). ثم يدخل في بيان تفاصيل تدوينه للأحداث وترتيبها. ثم يبين لنا الفوائد السياسية والأخلاقية والدينية من الكتابة التاريخية. ويمكننا تلخيص رؤية ابن الأثير للتاريخ بأنه سجل جامع لتجارب الأمم، يُقصد به حفظ أخبار الماضين واستخراج العبرة السياسية والأخلاقية والعقلية منها. ولذلك سمّى كتابه الكامل في التاريخ لأنه أراد أن يكون: أكمل كتاب تاريخي جامع في عصره، يجمع أخبار الشرق والغرب، ويضم ما تفرق في الكتب السابقة، ويرتب الحوادث ترتيباً يجعل القارئ يرى التاريخ الإنساني في صورة متصلة متكاملة.
إن ابن كثير مثله مثل ابن الأثير بنى كتابه على المادة العلمية التي جمعها الطبري، ولكنه أرد أن يحرر تلك المادة العلمية من المرويات الإسرائيلية على نهج علمي يقبل ما وافق منها القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية ورد ما يتعارض مع القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة ومالم يتعارض معها، ولكن يقع في دائرة ماسكتا عنه يقوم بروايتها ما دام ذلك جزء من تكملة الفراغات التاريخية وفي مقدمة كتابه يشرع ابن كثير في بيان منهجه في ترتيب كتابه قائلاً:
” فهذا كتاب أذكر فيه بعون الله وحسن توفيقه، وما يسره الله تعالى بحوله وقوته، من ذكر مبدأ المخلوقات: من خلق العرش والكرسي والسماوات، والأرضين، وما فيهن وما بينهن من الملائكة والجان والشياطين، وكيفية خلق آدم عليه السلام، وقصص النبيين، وما جرى بعد ذلك إلى أيام بني إسرائيل، وأيام الجاهلية حتى تنتهي النبوة إلى أيام نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، فتهدأ بذلك النفوس، وتشفى الصدور، وتزيح الداء عن العليل”(ابن كثير، البداية والنهاية، ج 1 ص 6). فهذه هي رؤيته للتاريخ الديني للبشرية منذ الخلق إلى ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم يستمر في بيان ما سيقوم برصده من حوادث تاريخية إلى زمانه وينقل لنا عما ورد في الخبر عن الفتن والملاحم، ثم أشراط الساعة ،ثم العث ثم يوم القيامة فهو بحق بيان للبداية ونهاية تاريخ الإنسانية فهو تاريخ قبلي ميتافيزيقي ثم تاريخ للإنسان في الأرض بعد هبوط آدم وزوجه إلى زمان ابن كثير ثم هو قول في شأن الفتن والملاحم وأشراط الساعة ونهاية التاريخ الإنساني وما يعقبه من قول ميتافيزيقي في شأن يوم القيامة والحساب والعقاب.
يقول ابن كثير ” ثم نذكر ما بعد ذلك إلى زماننا، ونذكر كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة، ثم البعث والنشور وأهوال القيامة، ثم صفة ذلك اليوم، وما يقع فيه من الأمور الهائلة، ثم النار، ثم صفة الجنان، وما فيها من الخيرات الحسان، وغير ذلك وما يتعلق به، وما ورد في ذلك من الكتاب والسنة والآثار والأخبار المنقولة المقبولة عند العلماء ورثة الأنبياء، الآخذين من مشكاة النبوة المصطفوية المحمدية، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام” (المرجع السابق ج1 ص6).
من بعد ذكره للتسلسل التاريخي الذي سيتبعه في بناء المادة العلمية ينتقل إلى قضية منهجية خالف فيها الطبري قائلاً:
” ولسنا نذكر من الإسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله مما لا يخالف كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهو القسم الذي لا يصدق ولا يكذب، مما فيه بسط لمختصر عندنا، أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا، مما لا فائدة في تعيينه لنا، فنذكره على سبيل التحلي لا على سبيل الاحتجاج إليه والاعتماد عليه، وإنما الاعتماد والاستناد على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما صح نقله أو حسن، وما كان فيه ضعف نبينه” (المرجع السابق ج1 ص 6). ثم يبين نهجه في أهمية الاكتفاء ببيان القرآن الكريم وعدم الاسترسال والتوسع فيما اكتفى القرآن الكريم منه بقدر يفي بالمطلوب وأورد قوله تعالى في سورة طه:
كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ وعلق ابن كثير على ذلك بقوله ” وقد قص الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خبر ما مضى من خلق المخلوقات، وذكر الأمم الماضين، وكيف فعل بأوليائه، وماذا أحل بأعدائه، وبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته بياناً شافياً، سنورد عند كل فصل ما وصل إلينا عنه” المرجع السابق ج1 ص 6).
فالتاريخ عند ابن كثير هو تاريخ كوني مقدس ولذلك لا بد من التدقيق في مصادره ومن ثم أهم هذه المصادر القرآن الكريم ثم السنة النبوية الصحيحة ثم اتخذ لنفسه موقفاً عقدياً من الإسرائيليات فهي عنده ليست مصدراً مستقلاً للمعرفة التاريخية فما وافق القرآن والسنة النبوية يقبل وما خالفهما يرد وما سكتا عنه فلا يصدق ولا يكذب، ولكن أخذ ابن كثير للإسرائيليات يكون على سبيل الاستئناس والعظة وربما قدر قليل من التوسع القصصي ولا تبنى عليها عقيدة ولا تؤخذ منها أحكام شرعية. ولكن على الرغم من موقف ابن كثير الناقد للإسرائيليات إلا أنه قد أخذ ببعضها في خلق آدم وقصص الأنبياء، ولكن بالطبع وفقاً لمنهجه وربما بسبب دخول هذه الإسرائيليات في المرويات الإسلامية بصورة يصعب التخلص منها نهائياً، ولكن الذي يذكر في حق ابن كثير هو تنبيهنا على ضرورة التعامل معها بحذر ووفق موقف نقدي وعقدي. وعليه يمكننا القول: إن ابن كثير لم يكن مجرد ناقل للإسرائيليات ولا مجرد ناقد لها، بل كان واعياً بإشكاليتها المعرفية، وسعى إلى إخضاعها لسلطة القرآن والسنة، غير أن حضورها داخل التراث التفسيري الموروث جعله يحتفظ بجزء معتبر منها في بناء السردية التاريخية لبداية الخليقة وفي قصص الأنبياء وكل ذلك يجعل من ابن كثير شاهداً على التحول من التاريخ الميثولوجي الموروث إلى التاريخ النقدي المقيد بالنص القرآني، وإن لم يكتمل هذا التحول بصورة نهائية في مشروعه العلمي.
ونختم تصفحنا للمؤرخين المسلمين بابن خلدون ونقول حينما كتب مقدمة كتاب العبر واستعرض فيها أخطاء جهابذة المؤرخين من أمثال الطبري والمسعودي وذلك بسبب ذهولهم عن قوانين طبائع العمران البشري أحدث أمراً مبتكر في الكتابة التاريخية. لذلك يمكننا القول: في معية ابن خلدون ينتقل الدرس التاريخي من المرويات والأخبار إلى السبيل إلى تمحيص هذه المادة التاريخية باستخدام قوانين تنفذ إلى باطن الخبر إذ أن لأي خبر ظاهر وباطن فمجرد رواية الخبر لا تقتضي صحته، بل لا بد من تمحيصه وذلك بعرضه على قوانين طبائع العمران ولا بد من مراعاة أسباب الوقائع والاحوال. فلئن كانت الرواية هي عصب السردية التاريخية فإن ابن خلدون، فإن ابن خلدون قد أنشأ علماً جديداً يعنى بتمحيص هذه الرواية التاريخية وبيان صحة وقوعها من عدمه وذلك بعرضها على قوانين العمران البشري التي ابتكرها وبين كيفية استخدامها. فهو يبين لنا أن فحول المؤرخين من أمثال ابن إسحاق والطبري وابن الكلبي ومحمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الأسدي وغيرهم من المتميزين عن الجماهير من أرباب صناعة فن التاريخ قد لقيت مروياتهم حظاً وافراً من القبول ثم يبين أن كتب الواقدي والمسعودي قد وقع فيهما الطعن. ومن بعد ذلك يبين لنا الأدوار التي دخل فيها هذا الفن ودخل فيه من هو بليد الطبع والعقل وغافل عن أحوال العمران. (ابن خلدون، المقدمة، ص 81-84 وكذلك 91-123).
وكثير ممن لم يحسن قراءة مقدمة ابن خلدون مع تاريخه قراءة صحيحة يعتقد أن ابن خلدون برع في التنظير والبيان لعلمه المبتكر لكنه حال انبرى لكتابة تاريخه في كتاب العبر لم يبين لنا كيفية استفادته في تمحيص الأخبار، بل نقل الأخبار مثلما فعل فحول المؤرخين من قبله. ولكن الحق يقال إن افتتاح كتاب العبر بالحديث عن الأنساب يدلنا على أن قسمة العمران إلى عمران بدوي وحضري في اطار علم العمران وأن العصبية هي التي عليها المعول في قيام العمران البدوي وأن عصبيات العمران البدوي تتشوف بطبعها إلى الملك والذي لا يقع إلا في العمران الحضري وحينما تناجز عصبيات العمران البدوي الدولة القائمة على العمران الحضري في آخر أيامها ينتقل أصحاب عصبية العمران البدوي لبناء دولتهم والتي لا تستقيم إلا بالتخلص من عصبية العمران البدوي لأن الملك ملذوذ ولا يحتمل عصبية العمران البدوي ولا يقوم إلا بالفرد دون عصبيته ويبدأ بالتخلص منهم ويستعيض عنهم بالجند وبالأسوار التي تتحصن بها المدن وحينما يبلغ الجيل الرابع مرحلة الترف تناجزهم عصبية بدوية أخرى لتبدأ دولة جديدة وملك جديد. ولعلنا نلحظ الدور المهم الذي تقوم به العصبية في قيام الدول وسقوطها وفي إنشاء العمران البدوي والتحول عنه.
ولذلك يسهب ابن خلدون القول في شأن الأنساب التي هي أصل العصبية ” اعلم أن الله سبحانه وتعالى أعمر هذا العالم بخلقه، وكرم بني آدم باستخلافهم في أرضه، وبثهم في نواحيها لتمام حكمته، وخالف بين أممهم وأجيالهم إظهارًا لآياته، فيتعارفون بالأنساب، ويختلفون باللغات والألوان، ويمتازون بالسير والمذاهب والأخلاق، ويفترقون بالنحل، والأديان، والأقاليم، والجهات. فمنهم العرب والفرس والروم وبنو إسرائيل والبربر، ومنهم الصقالبة والحبش والزنج، ومنهم أهل الهند وأهل بابل وأهل الصين وأهل اليمن وأهل مصر وأهل المغرب.” (ابن خلدون، العبر، ج 2 ص 3-4). ثم يحدثنا عن أوضاع النسب في زمانه لتلك الأمم التي ذكرها “اعلم أن الامتياز بالنسب أضعف المميزات لهذه الأجيال والأمم، لخَفائه واندراسه بدروس الزمان وذهابه. ولهذا كان الاختلاف كثيرًا ما يقع في نسب الجيل الواحد أو الأمة الواحدة، إذا اتصلت مع الأيام، وتشعبت بطونها على الأحقاب، كما وقع في نسب كثير من أهل العالم، مثل اليونانيين والفرس والبربر وقحطان من العرب.” (المرجع السابق ج 2 ص 4). ثم يذهب ابن خلدون في كلام وبحث مستفيض عن قضية النسب ومنها يخلص للقول بخلق آدم وارتباط ذلك بأنساب جميع الأمم ” ولنأخذ الآن في الكلام في أنساب العالم على الجملة، ونترك تفصيل كل واحد منها إلى مكانه، فنقول: إن النسابين كلهم اتفقوا على أن الأب الأول للخليقة هو آدم عليه السلام، كما وقع في التنزيل، إلا ما يذكره ضعفاء الإخباريين من أن الجن والطم كانوا فيما زعموا من قبل آدم، وهو ضعيف متروك، وليس لدينا من أخبار آدم وذريته إلا ما وقع في الصحف الكريم، وهو معروف بين الأمة.” (المرجع السابق ج2 ص 8). وبذلك فقد ارتبطت قصة الخلق عنده بالمعطي القرآني المرتبط برجوع أنساب الأمم كلها لآدم وزوجه.
يبدو واضحاً أنه حينما انتقل ابن خلدون لتدوين كتاب العبر بعد أن فرغ من المقدمة وبين معالم العلم الجديد الذي ابتكره لم يقصد إلغاء الروايات السابقة، وإنما أراد أن يجعل علم العمران أداة لفحصها ولبيان هل هذا الخبر ممكن الوقوع أم مستحيل. ومن يتصفح كتاب العبر يلاحظ أن ابن خلدون يورد أخباراً كثيرة نقلها عن الطبري، والمسعودي، وابن الأثير، وغيرهم. والسبب في ذلك هو يرى أن المؤرخ لا يستطيع كتابة التاريخ دون المادة التاريخية المتمثلة في الروايات التي خلفها السابقون. ولهذا بقي ملتزماً بأمرين: جمع الروايات وعرضها على علم العمران ونقدها، فعلم العمران ليس مصدراً للوقائع وإنما هو معيار لفهمها. وحال نقده لهذه المرويات يبين لنا موقفه منها بعبارات مثل زعموا وروي وقيل وذكروا وهي صيغ تدل على مسافة نقدية بينه وبين الخبر المذكور.
ومن هنا فإن كتاب العبر يمثل المادة التاريخية، أما المقدمةفتمثل المنهج الذي ينبغي أن تُقرأ به تلك المادة. ولهذا لا يجوز الفصل بينهما؛ فالمقدمة هي المفتاح النظري، والعبر هو التطبيق التاريخي، وإن كان التطبيق لم يأت دائماً بالصورة الصارمة التي توقعها بعض الباحثين المعاصرين، ولكن ذلك لا يقدح في انجاز ابن خلدون لمدونة تاريخية هي أفضل ما عليه النقد التاريخي للمرويات التي خلفها من سبقه من فحول المؤرخين.
خاتمة
يحق لنا القول: إن قصة خلق آدم والخلق عموماً الواردة في القرآن في السور السبع التي قمنا بتحليلها في ضوء بيان السنة الصحيحة كونت مادة غيبية ميتافزيقية مهدت لهبوط آدم وزوجه على الأرض لممارسة فعل الاستخلاف وعمران الأرض واتباع الهدى ومن ثم صنع التاريخ البشري. وبصورة لا مرية فيها تجردت تلك السردية من أي مناحي كلامية أو ثيولوجية أو مثيولوجية أسطورية. لكن الاحق من مدوناتنا التاريخية ابتداء من الطبري وطريقته الفذة في التدوين التاريخي علقت بها بعض المناحي الثولوجية والمرويات الإسرائيلية. أما المسعودي فقد ابعد النجعة في ادخال المثولوجيا والأساطير الرائجة في زمانه إلى مروياته التاريخية ثم إن القدسي رأى في علم الكلام والثيولوجيا مقدمة لازمة لعلم التاريخ. وطالما إن ابن الأثير قد اكتفى بالجمع لمرويات من سبقه من المؤرخين وفي مقدمتهم الطبري فلم تتحرر المرويات التاريخية مما علق منها إلا قليلاً. ثم يأتي جهد ابن كثير ومحاولته الجادة في التخلص من الإسرائيليات وما نجزه من عمل في هذا الصدد. وأخيراً ابن خلدون وجهده في ابتكار علم العمران وتطبيقه على تاريخه.
إن خلاصة القول من كل ذلك هو أن المادة العلمية التي وصلت إلينا لها قيمة علمية عظيمة سواء كان الثيلوجي منها أو المثيلوجي كذلك فالجهد الذي بذله ابن خلدون يجب أن يستكمل على أساس أن المادة التاريخية والتي مصدرها المرويات هي عمدة العمل التاريخي. فمحاولة تحرير السردية من الثيولوجيا والمثولوجيا هي عمل تدريجي يقتدى فيه بما فعله ابن خلدون من إعمال لتلك المادة التاريخية لتحقيق فهم أوفر حظاً من العقل والنظر السليم من الآفات.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم
ابن الأثير، علي بن ابي الكرم الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت:2008
ابن خلدون، عبد الرحمن، كتاب العبر، دار الكتاب اللبناني، بيروت:1999
ابن خلدون، عبد الرحمن، مقدمة ابن خلدون، دار يعرب، دمشق: 2004
ابن عاشور، محمد الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، دار ابن حزم، بيروت:2023
ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، دار صادر، بيروت:2005
الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف ن القاهرة:1990
المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب ومعادن الجوهر، دهر صادر، بيروت: د.ت
المقدسي، المطهر بن طاهر، كتاب البدء والتاريخ، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة د.ت
