قراءة لسانية تفكيكية لمفهوم ملك اليمين وعقود المنفعة الاقتصادية في القرآن
تتأسس القيمة الجوهرية للكينونة الإنسانية على مبدأ الحرية المطلقة والاستقلال الوجودي الذي يمنح الفرد أهليته الأخلاقية والمعرفية في هذا الكون، وحين يُولد الإنسان كائناً حراً ومكرماً بذاته لا يمكن لأي منظومة تشريعية تتوخى العدالة أن تحوله إلى سلعة تجارية أو ممتلكات منقولة تخضع للمشيئة الفردية لآخرين، وإن عدم وجود نص قرآني صريح يفيد بتحريم استعباد الناس أو إصدار مرسوم مباشر بتحرير العبيد لا يعود مطلقاً إلى إقرار هذه الممارسة؛ بل يرجع أصالة إلى أن الحرية هي الأصل الثابت والشرط التكويني الذي يولد الإنسان عليه، بينما الاستعباد هو مجرد أمر طارئ وعارض تاريخي ظهر من عرف الناس وتقاليدهم البيئية القديمة ولم يكن يوماً حكماً دينياً منشأً من الوحي، ولذلك فإن تحريم العبودية في الاستدلال القرآني المعمق هو تحصيل حاصل يندرج تلقائياً تحت المحكمات القاطعة التي تحرم الظلم والعدوان والبغي بين البشر، فلا داعي لذكر الحرية بنص صريح لأن الخطاب القرآني في بنيته الكلية موجه أصلاً لكائن عاقل حر يمتلك إرادته وسيادته الكاملة، والطلب بنص خاص للحرية يماثل تماماً العبث والحشو كمن يطالب بنص شرعي يوجب على الإنسان التنفس أو الأكل لكونها أساسيات وجودية سابقة على التشريع وملازمة للفطرة، وحين يتعرض هذا الحق الأصيل للانتهاك والتشريع التراثي المنظم الذي يبيح استرقاق الأسرى والسبايا وإلحاقهم بملكية الغالبين فإن المنظومة الأخلاقية برمتها تصاب بخلل بنيوي عميق يستوجب النقد والتفكيك لمعرفة الجذور التشريعية الناموسية الوافدة التي قننت هذا الاستعباد ومنحت الجريمة الإنسانية غطاء فقهياً موروثاً.
قوننة الرق والاستعباد في الفقه التشريعي اليهودي والتزام النص
عند البحث في الأصول القانونية والتاريخية التي وضعت القواعد التفصيلية لامتلاك البشر واستعبادهم من خلال الحروب أو المعاملات التجارية، نجد أن الفقه اليهودي القديم المدون في أسفار العهد القديم قد صاغ نسقاً تشريعياً صارماً يقنن الرق ويمنحه صفة الديمومة والوراثة لاسيما عند التعامل مع الشعوب والأمم الأخرى المحيطة بهم، فالناموس التاريخي جعل من تملك الغرباء والأجانب حقاً عينيًا مطلقاً لا ينتهي بمرور الزمن بل يتحول إلى تركة عائلية تنتقل من الآباء إلى الأبناء كأي عقار أو ممتلكات مادية صلدة، ويتجلى هذا التأسيس القانوني المنغلق في النص الحرفي القاطع الوارد في سفر اللاويين الإصحاح 25 الأعداد من 44 إلى 46 حيث يقول: {وَأَمَّا عَبِيدُكَ وَإِمَاؤُكَ الَّذِينَ يَكُونُونَ لَكَ، فَمِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ حَوْلَكُمْ. مِنْهُمْ تَقْتَنُونَ عَبِيداً وَإِمَاءً. وَأَيْضاً مِنْ أَبْنَاءِ الْغُرَبَاءِ النَّازِلِينَ عِنْدَكُمْ، مِنْهُمْ تَقْتَنُونَ وَمِنْ عَشَائِرِهِمِ الَّذِينَ عِنْدَكُمُ الَّذِينَ وَلَدُوهُمْ فِي أَرْضِكُمْ، فَيَكُونُونَ مُلْكاً لَكُمْ. وَتَسْتَوْرِثُونَهُمْ لأَوْلاَدِكُمْ مِنْ بَعْدِكُمْ مِيرَاثَ مُلْكٍ. تَسْتَعْبِدُونَهُمْ إِلَى الأَبَدِ} (اللاويين 25: 44-46)، إن هذا النص التشريعي يبرهن على أن عقلية الاستعباد الأبدي القائمة على التمييز القومي والقبلي واقتناء النسمة البشرية كبضاعة كانت تشكل ركيزة أساسية في الفقه اليهودي الموروث، حيث تم تجريد الإنسان الآخر من إنسانيته وحقوقه الفطرية وتحويله إلى ملكية عينية دائمة تتناقلها الأجيال بالوراثة دون أي أمل في الانعتاق،
تسرب عقلية الرق والاستعباد ومحاكاتها في مدونات الفقه التراثي
إن هذا النمط التشريعي المنغلق الوافد من الثقافة اليهودية قد وجد طريقه للتسرب والتدفق نحو المدونات الأصولية والفقهية الإسلامية خلال عصور التدوين وبناء الإمبراطوريات، حيث تأثر الفقهاء والمفسرون الأوائل بالمناخ القانوني السائد في بيئة الشرق الأدنى القديم والتي كانت محكومة كلياً بالرؤية اليهودية والرومانية التي ترى في الرق والاستعباد ركناً اقتصادياً واجتماعياً لا يمكن الاستغناء عنه في تدبير الحروب والغنائم، ونتيجة لهذا التأثر المعرفي والبيئي قام العقل الفقهي التراثي بتبني واستعارة أحكام السبي والاسترقاق وتفصيل قواعد البيع والشراء والاتجار بالبشر وإقحامها في متون التشريع الإسلامي كأحكام دائمة ومقدسة، محاكاةً وتقليداً للفقه اليهودي المنغلق دون التفات إلى المقاصد التنويرية، ولقد ساهمت السلطات السياسية المتعاقبة في تثبيت هذا الدس الفقهي لتوظيفه كأداة شرعية لإدارة الفتوحات وتوزيع الغنائم البشرية وتوسيع الثروات، مما جعل المنظومة الفقهية الموروثة تقع في تقليد حاد للنسق الناموسي وتصاغ كمنظومة تبرر الرق والاستعباد بناء على موروثات وافدة سلبت البشر حريتهم وجعلتهم سلعاً تجارية،
الغياب الجوهري لمصطلحات الرق والسبي في اللسان القرآني وتأصيل أنواع الملكية
وعند الانتقال إلى ساحة التنزيل الحكيم لإجراء قراءة لسانية نقدية متجردة، تبرز حقيقة معرفية كبرى تتمثل في الغياب التام والمطلق لمصطلحات الرق والسبي عن النص القرآني بأكمله، إذ لا توجد آية واحدة تحتوي على هذه الألفاظ الاستعبادية الوافدة من البيئات التاريخية المنغلقة، وهو غياب مقصود دلالياً يؤكد تنزيه اللسان القرآني عن تبني منظومة تملك الأجسام، ولكي نفهم كيف وقع الفقه التراثي في مغالطة الخلط بين الرق والاستعباد وبين المفاهيم القرآنية لا بد من التأسيس العلمي للتمايز الجوهري بين نوعين من الملكية في المنطق المعرفي والقانوني، فالنوع الأول هو الملكية العينية للأشياء والماديات وهي التي تمنح صاحبها حق التصرف المطلق في ذات الشيء بيعاً وشراءً وهبةً وتعديلاً لكونه جماداً لا إرادة له، والنوع الثاني هو ملكية التصرف بالجهد والمنفعة وهي الملكية القائمة على الانتفاع المؤقت بجهد الإنسان وعمله مقابل عوض مالي متفق عليه دون امتلاك الأصل البنيوي للشخص، ويشبه هذا النوع تماماً آلية استئجار المنزل في الفكر الاقتصادي المعاصر حيث يكون للمستأجر كامل الحق في التصرف في المنفعة السكنية والانتفاع بها طيلة مدة العقد المتفق عليها دون أن يملك حق بيع أصل المنزل أو إحداث أي تغيير جوهري في أساسه البنيوي، وتأسيساً على هذا التمايز القانوني يتضح أن القرآن الكريم عندما صاغ أحكامه لم يخاطب عقلاً يمتلك أملاك البشر عيناً؛ بل خاطب علاقات اقتصادية تقوم على تبادل المنافع والجهود البشرية الخاضعة للالتزام التعاقدي الطوعي،
ملك اليمين كمنظومة اقتصادية قائمة على استئجار الجهد والمنفعة
بناءً على هذا التأصيل اللساني والقانوني، يتجلى مفهوم ملك اليمين في التنزيل الحكيم بوصفه منظومة اقتصادية وعقداً مدنياً حضارياً يعنى باستئجار جهد الإنسان مقابل عوض مالي متفق عليه بين الطرفين، ولا علاقة له من قريب أو بعيد بمفهوم الرق والاستعباد التاريخي الوافد من الفقه اليهودي المنغلق، فاليمين في دلالته المعرفية يرمز إلى القسم والعهد والالتزام المتبادل مما يجعل ملك اليمين تعبيراً عن تملك حق الانتفاع بجهد الطرف الآخر وعمله بموجب هذا التعاقد الموثق، ليصبح الإنسان في هذا النسق مالكاً لمنفعته الذاتية ومؤجراً لجهده الفكري أو العضلي بمحض إرادته، وبذلك يتحول المفهوم من الملكية الجسدية المصادرة للكرامة إلى ملكية انتفاع بالجهد والعمل لصالح المالك المتعاقد دون إهدار لإنسانية العامل أو منحه حق التصرف فيه بيعاً أو هبة، إن هذا النموذج الاقتصادي المتقدم الذي وضعه القرآن الكريم جاء ليواكب تطور المجتمعات وينظم علاقات العمل والإنتاج على أسس من التراضي والعدالة المتبادلة، ولكن العقل الفقهي التراثي نتيجة لوقوعه تحت تأثير العقلية الناموسية اليهودية قام بإسقاط مفهوم العبودية العينية للأجسام على هذا اللفظ القرآني المرن، محولاً عقود المنفعة والجهد إلى صكوك استرقاق دائمة ومشرعاً تداول البشر في الأسواق بناء على قراءة حرفية سطحية شوهت المقاصد التنويرية للنص المحكم وأعادت إنتاج آليات الانغلاق والوصاية التاريخية التي تجاوزها القرآن وصهرها في بوتقة الحرية الإنسانية،
خاتمة
إن تنقية الفكر الأصولي من رواسب هذا الاختراق التشريعي تقتضي فك الارتباط الكامل بين الأحكام الناموسية الوافدة وبين النظام الاقتصادي القرآني، والاعتراف القاطع بأن تملّك الأجسام عينياً هو أمر باطل بنيوياً، فاللسان المحكم لم يعرف الرق أو السبي في نصوصه بل أسس لمفهوم ملك اليمين كعقد مدني لتبادل المنافع والانتفاع بالجهد البشري مقابل عوض معلوم، وهو ما يوجب نقض وتفكيك كل قراءة تراثية حاكت النظم الإقصائية القديمة، ليتسق التشريع تماماً مع جوهر الكرامة الإنسانية وحرية الإرادة الفطرية المنفتحة على التحرر والارتقاء الحضاري المستمر.
