التحقيب الزمني وبداية الانتشار البشري
باسم الجمل:
(00:26) أهلاً بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم، ونلتقي كالعادة بالدكتور يوسف أبو عواد. تحياتي لك دكتور.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(00:34) أهلاً وسهلاً دكتور.
باسم الجمل:
(00:37) في الحلقات السابقة كنا طبعاً قد تتبعنا التحقيب الزمني الذي أوحتْ به الآيات القرآنية المتعددة، وأعدت قراءة الزمن التاريخي للنشوء الديني والنشوء البشري.
فدعنا نكملْ في التحقيب نفسه الذي ثبت أن التحقيب الزمني الموجود في الذهنية العامة حالياً إنما هو تحقيب مضروب، فيه خلل كثير؛ لأنه اعتمد على مصدر واحد، وهذا المصدر لم يكن ذا قيمة في إعادة قراءة التحقيب الزمني الديني.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(01:14) أجل، أهلاً بك دكتور وبالسادة والسيدات المشاهدين والمشاهدات.
في الحقيقة، خلاصة ما قلناه: إن الانتشار البشري الذي بدأ بعد إبراهيم ولوط من ذرية إبراهيم وإسرائيل كما قال القرآن الكريم، إذا أردنا مطابقته اليوم مع علم الأنثروبولوجيا فهو يقارب 60,000 سنة، أي قبل 60,000 سنة.
طبعاً هذا رقم قابل للتغير، لماذا؟
لأنه خاضع للمكتشفات وما تكشف عنه الأحافير وغيرها في علم الأنثروبولوجيا.
لكن التحقيب المتعارف عليه أنه 10,000 أو 6,000 أو 40,000 كل هذا خطأ.
لماذا نقول 50 أو 60 ألف سنة عهد إبراهيم ولوط؟
لأنه بداية تحرك البشر نحو ما يمكن أن نسميه قارات الأرض، وهي بداية تدريجية طبعاً، حيث انتقل البشر -فيما يقول العلم اليوم- من إفريقيا إلى آسيا، ثم بعد ذلك بدأ الانتشار إلى أوروبا، ثم حصل الانتقال بعد ذلك إلى أستراليا، ثم أمريكا الشمالية والجنوبية تدريجياً طبعاً وفي فترات متلاحقة.
ونحن قلنا أيضاً إنه في عهد موسى حصل انتشار بشري لم يكن موجوداً في العهود السابقة، ثم بعد عهد موسى حصل الانفجار في الانتشار إن صح التعبير.
هيمنة تحقيب الأسفار اليهودية على الذهن الجمعي
باسم الجمل:
(02:30) لاحظت ملاحظة أثناء متابعة ردود أو تعليقات المشاهدين على الحلقات السابقة؛ وجدت أنه ما زالت المعيارية التي يحكم بها الناس على ما جاء بالحلقة هي معيارية التحقيب الزمني المأخوذ نصاً تقريباً من الأسفار اليهودية، التي اعتبرت أن التاريخ ابتدأ قبل 6,000 عام وسينتهي بانتهاء 6,000 عام.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(02:57) نعم.
باسم الجمل:
(02:59) ويبدو أن هناك صعوبة في الذهن الجمعي أن يستوعب أن التاريخ ابتدأ قبل هذا التحقيب، وأن الحدث الديني إن جاز لنا التعبير قد بدأ من بداية الخلق.
وعندما نتحدث عن نشوء المرحلة الثانية من البشر، نتحدث عن نشوء مرحلي في بقعة جغرافية محددة ولم تكن البشرية قد انتشرت في كل أصقاع الكرة الأرضية.
فيبدو أن هناك لبساً في الذهن العام باعتبار أن ما جاء بالأسفار اليهودية هو المعيار الصحيح للتحقيب الزمني، دون الأخذ بعين الاعتبار متابعة التحقيب الزمني الذي توحي به الآيات القرآنية.
نريد أن نلقي المزيد من الضوء على أن نطلب ممن يتابع هذه الحلقة أن يعي أن التحقيب الزمني الذي في ذهننا هو تحقيب زمني اعتباطي، وغير دقيق وغير صحيح.
التحقيب الزمني الذي توحي به الآيات القرآنية هو تحقيب منطقي فعلاً، ويُري أن بداية الخلق ابتدأت بما تنص عليه الآيات.
الروايات الإسرائيلية في كتب التفسير، وطوفان نوح وذوبان الجليد
الدكتور يوسف أبو عواد:
(04:03) صحيح دكتور، وما زال كثير من المشاهدين يسألون أسئلة تتعلق بهذا التحقيب المبني على الروايات الإسرائيلية؛ لأنها دخلت كتب التفسير، أي عندما ترى مفسراً مثل الطبري والبغوي وابن كثير وغيرهم من المفسرين ينقلون هذا الكلام وأيضاً ينسبونه إلى الصحابة مثل ابن عباس وابن مسعود، فبالتالي يصبح في الذهنية الجمعية أن هذا هو الصحيح.
لكن المشكلة اليوم لا علم الأنثروبولوجيا ولا البحث الأحفوري أثبت صحة هذا، بالعكس نفاه! أي فيما يُذكر من مواقع جغرافية ومن فترات تاريخية لم يُعثر على أي أثر لأي نبي من الأنبياء.
إذن المشكلة أين؟ المشكلة في أن فهمنا لهذا التحقيب المنقول عن الروايات الإسرائيلية أثبت العلم قطعاً أنه خطأ، إذن علينا أن نلتفت إلى الأمام اليوم، ولا نتمسك بما قاله الأولون؛ لأنه ليس مقدساً في نهاية المطاف.
علماً أن النص لا يحدد تاريخاً ولا جغرافيا، هو يعطينا صفات كما قلنا كثيراً.
حتى إن بعض المشاهدين علقوا على موضوع نوح؛ لأننا قلنا إنه في نهاية عصور الجليد، بداية ذوبان الجليد، قالوا: توجد آية تقول: «فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ» [القمر: 11-12]، فكيف يكون الطوفان ذا علاقة بذوبان الجليد؟
والحقيقة أيضاً هي الوقوف لسانًا مع الآية، أي: «وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا»، لم يقل فجرنا عيوناً من الأرض، بل «وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا».
المشكلة أن معظم التفاسير حين نفتحها يقولون: وفجرنا الأرض عيوناً تقديره: أي فجرنا عيون الأرض، فيقلبون الجملة! ولو أراد الله أن يقول فجرنا عيون الأرض لقال ذلك، ولكنه قال: «وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا».
لا يمكن أن تتفجر الأرض عيوناً إلا إذا كنا فعلاً في العصر الجليدي حيث يبدأ ذوبان الجليد تحت السطح شيئاً فشيئاً، ثم يتشقق الجليد في السطح فتتحول الأرض كلها في تلك المنطقة -طبعاً التي يعيش فيها البشر- إلى عيون، ويترافق ذلك أيضاً مع نزول مطر نتيجة التبخر الكثير لأجزاء من هذا الجليد.
فهذا توصيف حقيقي فعلاً يتطابق مع ما نعرفه اليوم عن الطوفان.
باسم الجمل:
(06:09) أي يُفهم أن الطوفان جاء نتيجة تفاعلات طبيعية طبعاً وفق السنن الكونية؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
(06:17) نعم، كل شيء وفق السنن الكونية.
وكما قلنا دكتور في حلقات سابقة: كل ما في القرآن مفاهيم، وكل ما في القرآن سنن كونية، بما في ذلك الخوارق التي حصلت على أيدي الأنبياء هي مؤشر إلى وجود قانون.
صحيح أن البشر في ذلك الوقت لم يهتدوا له، واهتدى له النبي بعون الله طبعاً، ولكنه قانون، في نهاية المطاف هو قانون، وسنثبت هذا في مرحلة -بالمناسبة- داود وسليمان، وهي مرحلة صعبة ومتقدمة، لكنه قانون.
باسم الجمل:
(06:48) صحيح، حتى إن الكثير من المؤرخين، خاصة الذين بدؤوا يؤرخون للتاريخ الديني إن جاز لنا التعبير، اعتبروا أن لا وجود لأثر للشخصيات الدينية كأنبياء؛ لكونه لم يوجد أثر لهم في الجغرافيا أو فيما تبقى من الآثار.
الدكتور يوسف أبو عواد:
نعم.
باسم الجمل:
(07:09) بدليل أن البحث؛ لأن البحث الآثاري كان يبتدئ ذهنياً من أن هناك نقطة محددة قبل 6,000 عام، ومن ثم بدأ يبحث فيما بعد 6,000 عام.
دلالة “الجودي” والأرض المباركة
الدكتور يوسف أبو عواد:
(07:19) بالضبط، هذا الذي حصل، وفي جغرافيا محددة طبعاً، هم يبحثون حسب التوصيف الذي جاء في تلك الروايات، والبحث لم ينتج عنه أي شيء.
تمام؟
حتى دكتور، لفتة في قصة نوح، لاحظ: «وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ» [هود: 44].
انظر كيف يبدأ النظر: أين الجودي؟ قائل يقول: جبل في تركيا، وآخر يقول لك: في العراق، وآخر يقول لك: في اليمن. وكلمة الجودي هي كلمة توصيفية، فأنت لو رجعت إلى أصلها اللساني لعرفت أنه الجود معناه: منطقة ستجود بالخير على من سيسكنها.
ولذلك ستجد في آية أخرى حتى في نهاية الكلام على قصة نوح وقوم نوح: «قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ» [هود: 48].
إذن المكان الذي نزل فيه نوح مكان تحل فيه البركات، والبركات هي أن يكون المكان يكتنز الصلاحية والقدرة على ماذا؟ على أن يتوافق مع حياة البشر الجديدة.
باسم الجمل:
(08:24) أي بيئة ملائمة لحياة البشر.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(08:28) ولذلك قلنا بدأت الزراعة بعد هذه المرحلة، أي نوح كان يدعو قومه إلى الإصلاح لتتهيأ لهم الظروف المناسبة لظهور النباتات والجنات والعيون، لكنهم لم يستجيبوا.
فلما هبطت السفينة على الجودي، هبطت في مكان أحل الله فيه السلام والبركات، والذي سيوصف لاحقاً بالأرض التي باركنا فيها، وهي نفسها التي هاجر إليها من؟ لوط وإبراهيم.
وأيضاً المشاهدون يقولون لي: فما بال سارة وهاجر و… [ضحك]، هذا كله طبعاً…
باسم الجمل:
(08:56) نقلاً عن الأسفار اليهودية كلها، نعم.
إدريس بعد موسى، ومنهج الدراسة الداخلية للنص
الدكتور يوسف أبو عواد:
(09:00) نعم، وحتى إدريس، لاحظ دكتور، ما زال معظم المشاهدين يقولون إن إدريس وشيثاً كانا بين آدم ونوح، ومن أين جاء هذا؟!
إدريس إذا حللته لسانياً إذن جذره “درس”، على وزن “إفعيل”، تمام؟
الآن دراسة، كلمة دراسة ارتبطت بماذا في القرآن الكريم؟ بالكتاب.
والكتاب أول مرة نزل على من؟ نزل على موسى، تمام؟
«وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ» [آل عمران: 79]، إذن ينبغي منطقياً أن يكون نبي الله إدريس بعد نبي الله موسى وليس قبله.
لِمَ؟ حتى يكون هناك كتاب أستطيع أن أستعمل فيه المعنى المفهومي لاسم إدريس، فأقول إذن: إن إدريس لا بد أن يكون بعد النبي موسى وليس قبله.
انظر، الموضوع كله يختلف رأساً على عقب.
وأيضاً تفصيل الذرية أن العرب من إسماعيل واليهود من إسحاق، وهذا كله لا أساس له في القرآن إذا دُرس دراسة داخلية.
وعلى كل حال دكتور، هذا طرح ينبغي أن يُحترم، لا نقدمه كعقيدة إجبارية، بل ينبغي أن يُحترم؛ لِمَ؟ لأن عندي نصاً.
باسم الجمل:
(10:08) هو خاضع للدراسة والبحث والنقد و…
الدكتور يوسف أبو عواد:
(10:11) والمنهج أنني أدرس النص دراسة داخلية؛ ماذا يقول النص بمعزل عن أي شيء آخر؟
هكذا يقول النص بتحليله اللساني وجمع الآيات واستخدام تقنيات اللسانيات من نحو النص والتناص وغيرها.
أردت أن تأخذ بها فأنت حر إذا رأيته مقنعاً، لم ترد، فهذا أيضاً يرجع إلى…
دلالة لفظ “أمم” في قصة نوح
باسم الجمل:
(10:29) لفت انتباهي دكتور لو سمحت في الآية التي ذكرت: «وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ» [هود: 48].
الدكتور يوسف أبو عواد:
(10:37) نعم.
باسم الجمل:
(10:38) طبعاً قد يتبادر لذهن السامع أو المشاهد أن الأمة تعني مجموعة من البشرية تفوق الملايين، مليوناً أو نحو ذلك، أي أمة فعلاً.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(10:46) نعم.
باسم الجمل:
(10:47) هل المقصود حسب هذا الفهم أنه كان ملايين مع نوح؟ أي مجموعة من الأمم؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
(10:55) جميل…
باسم الجمل:
(10:55) أو ماذا يُقصد هنا باستخدام لفظة أمم: «وَأُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ» [هود: 48]؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
(10:59) جميل جداً، هذا دكتور فيه إشارة إلى ما سيأتي لاحقاً. من نجا مع نوح عدد قليل جداً: «وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ» [هود: 40]، القرآن الكريم واضح وشرحنا هذا. وأيضاً هو حمل في السفينة من؟ من كل زوجين اثنين وأهله إلا من سبق عليه القول ومن آمن، ومن سبق عليه القول هو ابنه الذي ذكره النص.
والذي تكاثر هو ذريته كما قلنا: «وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ» [الصافات: 77]، فهذه الآية فيها إشارة إلى المستقبل بأنه سيتكون من هذه الذرية أمم، ولا تتحدث عن اللحظة الآنية.
باسم الجمل:
(11:35) نعم، أي هي إشارة مستقبلية لما سيأتي فيما بعد.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(11:37) نعم، وهذه المشكلة بالمناسبة تحديداً استشكلها كثير من المشاهدين في آيات كثيرة؛ فإبراهيم عليه السلام لما قال: «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ» [إبراهيم: 37] ولما قال: «أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ» [إبراهيم: 37]، قالوا: إذن يوجد ناس! هو يتحدث عما سيحصل لاحقاً؛ بأنه سيكون هذا البيت مستقراً ونموذجاً للأمن العالمي ثم هو يدعو أن يصبح هذا مهوى لأفئدة الناس لاحقاً طبعاً. وكذلك: «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ» [الحج: 27]، قالوا: كيف يؤذن إبراهيم؟ وقلنا: لا، هذه الآية المخاطب فيها النبي محمد عليه الصلاة والسلام وليس النبي إبراهيم. فإذن أحياناً الآيات تشير إلى ما سيأتي لاحقاً، وهذا معنى «وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ» [هود: 48].
باسم الجمل:
(12:21) إذن المطلوب من المشاهدين والمهتمين بالأمر في رأيي أن يحذفوا وينزعوا ما في أذهانهم من بقايا التحقيب الزمني الذي نعتبره تحقيباً زمنياً خاطئاً، أُخذ عن الأسفار اليهودية بشكل خاص، ومن ثم تبعه علم الآثار وعلم الأنثروبولوجيا، وساروا جميعاً ضمن الخطوات التي أسست لها القراءة الاستشراقية اليهودية للأسفار. وبالتالي فالمطلوب من الناس أن يضعوا ذلك جانباً وينظروا بنظرة نقدية علمية واعية ويصغوا لما يقال، ولما تنطق به الآيات القرآنية.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(12:59) نعم، ثم ينظروا: «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ» [الرعد: 17]، هذه هي القاعدة، وفي النهاية النافع هو الذي سيبقى؛ فالطبيعة التي خلقها الله كفيلة بأن تميز النافع من الضار، وتُبقي النافع وتذهب بالضار.
العهد الداوودي والسليماني وتأسيس الدولة والقضاء
باسم الجمل:
(13:16) نحن في الحلقة السابقة طبعاً تحدثنا عن مرحلة النبي لوط والنبي إبراهيم وموسى، والآن من سيأتي…؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
(13:24) الآن طبعاً كنا قد بدأنا أيضاً بـ داود وسليمان، وهي مرحلة لاحقة. والذي جعلنا نقول إنها لاحقة للنبي موسى أن الآيات في سورة البقرة قالت: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» [البقرة: 246]، فقلنا: هنا تكرس نظام الملك الذي كان أصلاً قد ظهر أين؟ في عهد نبي الله يوسف وشرحنا هذا، وظهر العرش باعتباره كرسياً للملك طبعاً وإن كانت دلالته رمزية، ثم بعد ذلك ظهر داود في ذلك السياق: «وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ» [البقرة: 251].
فهنا قلنا: إن ما يمكن أن نسميه وزارة الدفاع في تشكل الدولة ظهر في عهد نبي الله داود، وكنا قد قلنا دكتور: إن الجيش ظهر ولكن عند فرعون: «إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ» [القصص: 8].
فدولة فرعون كان فيها جيش وكان فيها نظام مالية وكان فيها مدائن كثيرة، وكانت المدينات موجودة والقرى موجودة؛ أي إن وجود شيء أحدث لا يلغي الشيء الأقدم، بل يبقى موجوداً دائماً؛ حتى في عهد يوسف البدو: «وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ» [يوسف: 100]، ويذكر القرية: «وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا» [يوسف: 82]، مع أنه قال أيضاً: «نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ» [يوسف: 30]، أليس كذلك؟ إذن وجود المدينة بقي معه وجود القرية، وبقي معه أيضاً البدو، وكذلك في عهد موسى.
والآن نبي الله داود كان ملكاً، أي كان نبياً رسولاً وأصبح في الوقت نفسه ملكاً، ولذلك قالت الآيات: «وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ» [البقرة: 251]، وهكذا كان نبي الله سليمان.
وعلى كل حال دكتور، كل اسم من أسماء الأنبياء له تحليل، أي معناه مفهومي أيضاً.
فنبي الله داود بالمناسبة حرف الدال بما هو حرف يشير إلى الدفع، والذي تكرر مرتين في اسم نبي الله داود، ظهر معه أول ما ظهر سنة التدافع: «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ» [البقرة: 251].
فكان مطلوباً من نبي الله داود أن يدافع عن المجموعة المؤمنة التي صنعت نظام أمن شامل؛ فمن أراد أن يدخل فليدخل، ومن حارب هذا واعتدى فلا بد أن تدافع عن مصالحك وتهيئ ما تدافع به عن مصالحك، انظر كيف هو النظام! ولذلك قال: «وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ».
وهنا أيضاً ربطناه بالزبور، ألم يقل: «وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا» [النساء: 163، الإسراء: 55]؟ «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا» [الأنبياء: 105]، انظر كيف؟ فهذا محتوى الزبور الذي هو الحديث عن سنة التدافع. وهو نفسه نبي الله داود الذي علمه الله صنعة الدروع: «وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ» [الأنبياء: 80]. إذن هذه القضايا كلها توافقت بعضها مع بعض في نبي الله داود ليكون ملكاً يؤسس لوزارة دفاع هدفها أن تدافع عن المجموعة المؤمنة.
المستوى الحضاري في عهد داود: إلانة الحديد وصنعة الدروع
باسم الجمل:
(16:23) نلاحظ عفواً أن هذه الأوصاف تشير إلى وجود تمدن حضاري وقيمي ومستوى من المعارف، وما زلنا نعيش التقسيمات المجتمعية نفسها؛ عندنا مدينة وعندنا قرية وعندنا وزارات، وبالتالي الفارق الحضاري ما بين ما توحي به الآيات وما بين ما نعيش فيه اليوم لا يبدو شيئاً كبيراً!
الدكتور يوسف أبو عواد:
(16:48) سأقول لك دكتور: إن فترة داود وسليمان ظهر فيها تقريباً كل ما نعرفه اليوم باستثناء -ربما- التكنولوجيا الرقمية!
سيظهر هذا من خلال التتبع؛ إذ كانت أصول هذه الأشياء موجودة؛ فحين تقول لك الآية: «وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ» [سبأ: 10-11]، إذن فكرة صهر الحديد وإعادة تشكيله متى ظهرت؟ ظهرت في حقبة داود؛ فكان يُصهر الحديد ويُعاد تشكيله بكل سهولة، وهذا يحتاج إلى معدات ليست بالهينة طبعاً.
باسم الجمل:
(17:19) وهي تقنية وصلت إليها البشرية الحالية بعد كم؟ أي تقنية حتى أصبحت تقنية ذات بال.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(17:27) تم توارثها بالتأكيد، ولكن أحياناً تُتوارث بعض الأشياء على نطاق ضيق، لكنها قُطعاً تم توارثها. الصناعة الدقيقة جداً: «وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا» [سبأ: 11]، لاحظ: التقدير في السرد، والسرد معناه تتابع الأشياء تتابعاً فيه تماسك، تمام؟
هذا هو السرد الذي عكسه الدَّرس، ومعناه تفكيك الأشياء بحيث يصبح كل شيء مفصولاً عن الآخر فيتضح، ولذلك يقال: دَرَسَ القمحَ.
باسم الجمل:
(17:56) فككه.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(17:56) فككه من السنابل حبة حبة وأجرى بعد ذلك عملية الدَّرْس عليه.
والآن حين تقول سرد فإنك تنظم الأشياء بعضها ببعض لتخلق نظاماً متسقاً، ولذلك كثير ممن نظر في هذه الآية قال: إن سرد داود للسابغات أو للدروع التي كان يصنعها كان من غير استخدام مسامير أو أدوات لاصقة إنما بالتعشيق؛ أي إدخال الأجزاء بعضها في بعض بحيث يمسك بعضها بعضاً. وبالمناسبة هذه تقنية هندسية تُستخدم الآن في الجسور التي تُبنى فوق الأنهار؛ قضية التعشيق بأن يُسند كل جزء من الجسر الجزء الآخر. إذن هذه فكرة ظهرت مع صهر الحديد في عهد نبي الله داود، وكل ذلك لماذا؟ لِمَ ظهرت؟ لخدمة فكرة الدفاع، الدفاع ضد من يعادي فكرة الأمن الشامل فقط.
هذا هو التسلسل، والتسلسل في كل مرة يظهر شيئاً لم يكن…
باسم الجمل:
(18:53) ظاهراً في السابق.
نشأة النظام القضائي: قضية النعاج والخلطاء
الدكتور يوسف أبو عواد:
(18:54) في السابق، وهذا يدل على إحكام هذا التسلسل. وقلنا أيضاً: إن النظام القضائي ظهر في عهد نبي الله داود؛ كان له محراب فكان الناس يدخلون إليه فيعرضون خصوماتهم: «وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ» [ص: 21-22]، وهنا أيضاً ألمحنا إلى أن القضية كانت: «إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ» [ص: 23]، معناها أنك لا تتحدث عن أنعام فقط.
نحن دكتور تحدثنا عن قضية الأنعام في قوم ثمود أولاً، ثم قلنا إن الموضوع ارتقى فأصبح في عهد يوسف أيضاً؛ إذ ظهرت قضية الأبقار، وهنا تتحدث عن رعاية الأنعام بطريقة تجارية وشركات ترعى هذا الموضوع؛ لذلك قال له: «إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ» [ص: 23-24]، والخلطاء مفردها خليط أي شريك، يخلط ماله بمال شريكه. فالفكرة: كنا قد قلنا إنه توجد هنا شركات عملاقة وشركات صغيرة أو متوسطة، وصاحب الشركة العملاقة أراد أن يستحوذ على صاحب النعجة الواحدة.
باسم الجمل:
(20:11) كما يحدث الآن.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(20:11) نعم.
باسم الجمل:
(20:12) الشركات الكبيرة تقرض أو تبتلع الشركات الصغيرة التي تتماثل معها في موضوع العمل أو التصنيع نفسه.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(20:17) طبعاً، وماذا كان أثر ذلك على المجتمعات؟
باسم الجمل:
(20:19) احتكار.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(20:20) حين يُفتح على مصراعيه بحيث تستحوذ هذه الشركات العابرة للقارات مثلاً على بيع المنتجات الغذائية أو الملابس، فإن الشركات والمحال الصغيرة التي تعيل أسراً كثيرة يتحول أصحابها من صاحب عمل حر مستقل إلى موظف لدى صاحب الشركة الكبيرة، وتتنامى ثروة صاحب الشركة الكبيرة بشكل مهول وتتكرس الطبقية، أجل.
لذلك داود عليه السلام لما سمع هذا قال: «قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ» [ص: 24]، وهذا وضعٌ لقانون قضائي مهم جداً بأنه لا ينبغي أن يُسمح للشركات العملاقة بأن تستحوذ على الشركات الصغيرة، بل ينبغي أن تُضبط الأمور وتُوضع الحدود التي تحافظ على استقرار المجتمع.
مفهوم المحراب بين الدلالة اللسانية والموروث
باسم الجمل:
(21:08) جميل جداً، قبل أن نتجاوز هنا وندخل في موضوع المحراب، خشية أن يفهم السامع أو المشاهد أن المحراب المقصود به هو الفجوة التي في الحائط.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(21:23) هذا هو الشكل، دائماً مشكلتنا الوقوف عند الشكل.
باسم الجمل:
(21:27) مفهوم محراب داود،
الدكتور يوسف أبو عواد:
(21:30) نعم.
باسم الجمل:
(21:31) هل هو مثلاً مجلس القضاء؟ هل هو مجلس الاستشارة القانونية؟ هل هو مجلس الحكم؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
(21:38) صيغة “مِفْعَال” في اللسان العربي بشكل عام تدل على تموضع يُستخدم بطريقة متكررة؛ فعلماء الصرف يقولون: اسم آلة، ويقولون أحياناً: صيغة مبالغة، ولكنه في الحقيقة يجمع الأمرين معاً. فأنت حين تقول محراب، أصلها اللساني حرب.
والحرب مفهومها معروف: «فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ» [البقرة: 279]، الحرب معروف أنها صراع بين طرفين. والحرب أصلها الثنائي “حرّ”، والباء حرف انبثاق؛ إذن ما الحرب؟ هي انبثاق يحدث نتيجة عملية حارة، تصفي الصالح الأقوى والأنفع، وتذهب بما لا ينفع.
هكذا يحصل في الحروب، طبعاً لا أريد أن أدخل في كونها ظالمة أو غير ظالمة، لكني أتكلم كنتيجة نهائية؛ الحرب تُحدث صراعاً بين طرفين يظهر أحدهما ويذهب الآخر.
فما المحراب إذن؟ هو عبارة عن مكان يحدث فيه بشكل متكرر صراع نحو انبثاق نحو الإصلاح، هكذا يُفترض. فمحراب داود كان مجلس قضاء. ولماذا سمي محراباً؟ لأنه يأتي إليه الخصوم، وبين الخصوم ما يشبه الحرب؛ فكل طرف يُظهر حجته والقاضي ينظر في هذه الحجج فيحكم لمن يستحق ضد من لا يستحق، أو يحكم للمظلوم ضد الظالم.
باسم الجمل:
(23:04) أردت هذه الإضاءة على هذا المفهوم ليعلم المشاهدون والسامعون ذلك، وحتى لا يتخيل الفرد أن هناك رجلاً يجلس في محراب داخل فجوة بالحائط ويحكم بين مجموعة من الناس حوله.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(23:22) هو دكتور…
باسم الجمل:
(23:23) إنما هو عبارة عن مجلس قضاء فعلاً، يتم فيه تناول ومناقشة هموم وشؤون الناس في المجتمع.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(23:30) وقد جاء المحراب في قصة زكريا وفي قصة مريم في سياق الدعاء، وسنأتي إليه؛ لأنه سيقال: كيف ذلك؟ سأشرح بوضوح تام لماذا سمي المحراب الذي قام فيه زكريا يدعو ربه محراباً، ولماذا سمي محراب مريم أيضاً محراباً؛ أي أين المعنى اللساني في هذا الموضوع، وهذا متعلق طبعاً بفهمنا لحقيقة الدعاء والصلاة وغير ذلك.
باسم الجمل:
(23:56) الراسخ في ذهن الناس هو الفجوة التي في الحائط،
الدكتور يوسف أبو عواد:
(24:01) نعم.
باسم الجمل:
(24:01) التي يقف فيها الإمام ويصلي خلفه الناس.
التدين الشكلي وتفريغ المفاهيم من جوهرها
الدكتور يوسف أبو عواد:
(24:03) وهذا للأسف هو تجريد المعاني العميقة من مفهومها وتحويلها إلى رسوم وأشكال فقط؛ مجرد رسوم وأشكال وكلمات.
وهذه مشكلتنا الكبرى مع التدين التقليدي؛ فماذا أخذت من التسبيح؟ كلمة “سبحان الله” مع تفريغها من معناها، وماذا أخذت من الحمد؟ كلمة “الحمد لله”، وماذا أخذت من الصلاة؟ القيام والقراءة والركوع والسجود.
باسم الجمل:
(24:23) وماذا أخذ الشكر؟ «اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا» [سبأ: 13].
الدكتور يوسف أبو عواد:
(24:27) أي نعم، أخذوا الشكل وتركوا الجوهر.
فأي شركة في الدنيا تضع لها شعاراً ورمزاً، أليس كذلك؟ وهذا الشعار والرمز أ مقصود لذاته؟ لا، بل ليوصلك إلى جوهر ما تصنعه وتقدمه. تخيل لو أن ما تقدمه الشركة من منتجات نافعة قد ذهب، وتمسكت أنت بالشكل فقط وصرت تضعه في كل مكان دون إنتاج وراءه! هذا هو التدين الشكلي المقتصر على كلمات وأشكال فقط.
وعلى فكرة، هذا الشكل ليس مقصوداً لذاته كما قلنا؛ فلو قلت “سبحان الله” أو “أسبح الله”، فإن تغيير الصيغة ما دام يؤدي إلى الجوهر نفسه ليس هو المشكلة، فالمشكلة دائماً في الجوهر: ما الذي ستنتجه؟ وماذا ستعطي لنفسك وللمجتمع؟ نعم.
باسم الجمل:
(25:16) ولهذا يوجه كثير من المفكرين أو حتى من العلماء -ما يسمى بعلماء الدين- انتقادات بأن الأثر الفعلي أو السلوكي للقرآن في المجتمعات العربية والإسلامية يصل تقريباً إلى الصفر؛ فالناس تذهب جماعات وفرادى إلى المساجد، ولكن الأثر القرآني في السلوك المجتمعي يصل إلى مستوى الصفر في علاقات الناس فيما بينها.
قضية الحرث والغنم ومظاهر التطور المدني في مملكة داود
الدكتور يوسف أبو عواد:
(25:47) أي نعم، هذه مشكلة عويصة طبعاً تحتاج إلى النظر في الأسباب، أنا وجهة نظري أهم الأسباب هو تضخيم موضوع الشكل، وبالتالي هذا كان ضرورة أن يؤثر على الجوهر أو المعنى، أنت كلما ضخمت الشكل سيأكل ويبتلع المعنى والجوهر المقصود.
طيب، النظام القضائي أيضاً تجلى في قوله تعالى: “وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ” [الأنبياء: 78]، فلاحظ دكتور أن الحرث والغنم أيضاً أصبح موجوداً بطريقة شركات، بحيث إنه أصبح هناك قضية بين قوم لديهم حرث -يعني لديهم مساحات شاسعة من الزرع- وقوم لديهم غنم أيضاً، والغنم دخلت إلى نفشت في هذا الحرث، فصار في قضية: أن الغنم دخلت إلى الحرث فأكلت بعض المزروعات قبل أن تنضج، هذه قضية: من الظالم ومن المظلوم؟ وكذا، عُرضت هذه القضية على داود وسليمان. الشاهد: طبعاً أنا مرة أخرى أقول: كيف يذهب معظم من يفسر هذه الآية؟ يذهب إلى التفاصيل الدقيقة ومن كان مع داود وسليمان، القضية ما تريده هذه الآيات أن تشرح لنا التحقيب والتطور البشري، يعني نريد أن نتلمح كيف تطور البشر عندما حصلت حالة الاستقرار، عندما أقيمت فعلاً البيئة الآمنة التي أقامها نبي الله داود، ووفر لها وسائل الدفاع عنها حتى لا تصبح عرضة للظالمين؛ لأنه توقفت عقوبات السماء، انتهى.
ما الذي حصل؟ حصل رغد، وتوسع تجاري، وتوسع زراعي، وسيكون أكثر من ذلك فيما سنقرؤه في آيات لاحقة.
باسم الجمل:
(27:29) يعني الآية تشير أن الحضارة التي عاش فيها الملك داود، أو النبي داود، كان فيها تطور صناعي، وكان فيها تطور زراعي، يسيرا جنباً إلى جنب،
الدكتور يوسف أبو عواد: (27:39) أي نعم.
باسم الجمل:
(27:40) بالإضافة إلى التطور القانوني والقضائي.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(27:43) أي نعم ، تطور مدني مهول جداً ومملكة، أنت تتحدث عن مملكة يعني أوسع من فكرة المدائن التي كانت في عهد فرعون. وسناتي أيضاً إلى أشياء مذهلة إن شاء الله، لا أريد أن أحرق خطوات الشرح، لكن مما كان في عهد نبي الله داود تسخير الجبال والطير، وهذه…
تسخير الجبال والطير ومفهوم الطيران
باسم الجمل:
(28:02) نعم، هذه أثارت الأشكال عند الناس.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(28:05) أي نعم، يعني: “وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ” [سبأ: 10]، وأيضاً: “اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ” [ص: 17-19]، تمام؟ إذن عندي التسبيح، عندي حشر الطير، وعندي التأويب.
ماذا يعني تأويب الجبال والطير؟ وأيضاً داود نفسه كان أواباً، طيب.
هم طبعاً ماذا قالوا؟ بعض المشاهدين يقول لي: لا تقل ماذا قالوا، يا أخي لا يظهر الحق إلا…
باسم الجمل:
(28:47) إلا بمقابله.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(28:48) طبعاً، لا بد، بضدها تتميز الأشياء. هم قالوا: تأويب الجبال أي أنه كان يسمعها وهي تسبح، أو ترجع، يعني تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ لأن الأوب معناه الرجوع، يعني كلمة “آب” معناها رجع، أجل. فلذلك هكذا قالوا، قالوا: إنه كان يسمع صوت تسبيح الطيور، وصوت تسبيح الجبال.
باسم الجمل:
(29:11) وكان يتحدث مع الطيور؟ يفهم عليه وهي تفهم عليه
الدكتور يوسف أبو عواد:
(29:13) أي نعم، هكذا قالوا. طيب، الآن دكتور كلمة “طير” هي اسم جنس، معناها كل ما يستخدم الأجواء.
أولاً، موضوع الطير في القرآن الكريم والإشارة، بعض الناس يقولون: القرآن أشار إلى وسائل النقل البرية، ووسائل النقل البحرية، لكن لم يشر إلى وسائل النقل الجوية، وهذا خطأ، هو أشار إلى قانون الطيران، تمام؟ كيف أشار؟ الآيات التي أشارت إلى موضوع الطير: “أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ” [الملك: 19]، تمام؟ إذن، وأيضاً: “مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ” [النحل: 79] تحدث عن الطير، معناها القرآن الكريم
قانون الطيران والأثير في عهد داود عليه السلام
الدكتور يوسف أبو عواد:
(30:00) يشير لك أن الطيران قانون، وهذا القانون إذا أنت فهمته ستستطيع أن تكون قادراً على تطبيقه في أجسام أخرى.
باسم الجمل:
(30:11) هل يُفهم أن هذا هو عبارة إشارة لقانون في الطيران، أم أنه كان في عهد الملك داود طيران؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
(30:22) والله دكتور لن أقول إنه كان هناك طيران ما دامت البحوث لا تقول إن هذا الشيء موجود، يعني أنا أعرف أنه يوجد من يقول هذا عبر الإنترنت وكذا، لكن علمياً وأكاديمياً لا توجد أدلة على هذا، إنما أقول: إن داود عليه السلام فهم قانون الأثير، هذا مختصر، المختصر المفيد لقضية الجبال وقضية الطير. دكتور، قانون الأثير الذي هو ممكن أن نقول الموجات الكهرومغناطيسية، يحتاج قطعاً إلى توظيف الأبراج كما نعرف اليوم، لأن الأبراج هي نقاط استقبال ونقاط إرسال، ويحتاج أيضاً إلى فهم موضوع ما فوق الأرض، يعني كل شيء يطير فوق الأرض، فتسخير الطير وتسخير الجبال، أوبي معه والطير، ويسبحن، على فكرة كلمة يسبح معناها يحرك شيئاً في سبحه، يعني في فلكه، ألم تقل لك الآية: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ} ماذا؟ {يَسْبَحُونَ}، {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ
النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40]، حسناً، إذا يسبح معناها يتحرك في
نظام، حسناً يُسبّح؟ يحرك الشيء في نظامه، يعني سائق القطار عندما يقود القطار على سكته فما الذي يفعله؟
باسم الجمل: (31:36) هو يسبح.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(31:37) هو يسبح أي نعم،
أنت عندما تذهب إلى الـ…
باسم الجمل: (31:40) يسبح بدون مسبحة؟ [ضحك]
الدكتور يوسف أبو عواد:
(31:42) نعم، هذه القضية، على فكرة المسبحة يعني حتى كشكل ليس لها دخل في القرآن، فكل عمل تقوم به وفق قانون الله دون أن تخرج عن السكك التي رسمها الله فأنت تسبح، هذا المعنى العميق للتسبيح، فلما يقول لك أن الجبال والطير يسبحن مع نبي الله داود، ويؤبن مع نبي الله داود، إذاً أنا أرى في هذا أن داود عليه السلام فهم قانون الأثير، وفهم قانون الطيران، فأصبح بإمكانه أنْ يستخدم هذا القانون، لكن القرآن لم يذكر في ماذا استخدمه.
باسم الجمل: (32:20) يعني كذلك بمعنى بتوضيح آخر، أن النبي داود فهم القوانين الفيزيائية التي تمكنه الإفلات من قوة الجاذبية؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
(32:32) مئة بالمئة، واستخدام الأثير أيضاً، يعني الإفلات من قوة الجذب لأجل الطيران، فهم هذه القوانين، وأيضاً فهم كيف يمكن أن يُستخدم الأثير، وسنأتي بعد ذلك في عهد نبي الله سليمان إلى استخدام فعلي للأثير، يعني نبي الله داود فهم، أدرك حركة الأثير، وأدرك قانون الطيران، وأدرك أثر الجبال في هذا الموضوع، والجبال على فكرة حتى في الريح لها أثر مهم جداً، يعني…
المفهوم اللساني للجبال والأبراج
باسم الجمل: (33:00) يعني هنا الجبال ليست الجبال القائمة هي الجبال إنما هي؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
(33:03) هنا نفهم المعنى المفهومي إذن، يعني هو لا يلغي الجبال القائمة، لكنه يشير إلى كل ما تجبَّل، معناها تجبَّل يعني تراكم مرتفعاً بحيث يكون له أصل في الأرض، انظر، هذه كلمة دقيقة جداً: إذا تراكم الشيء متصلاً ومرتفعاً وملتئماً بعضه إلى بعض وله أصل في الأرض فهذا يسمى جبلًا، لماذا؟ لأنه أول حرفين (الجب)، الجب معناه أول شيء النزول إلى الأسفل، لكن حرف اللام يلم هذا النازل فيرتقي به إلى الأعلى فيتكون الجبل، وهذا كما قلت فيه إشارة ممكن أن تأخذها إشارة إلى الأهرامات أيضاً، ممكن أن تأخذها إشارة إلى الأبراج، ولذلك ارتباط الجبال بالطير هو موجود اليوم، نحن نـ…
باسم الجمل:
(33:45) يعني يمكن، نطلق اسم جبل على أنتين مثلاً الواي فاي الـ…؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
(33:53) على الأبراج هي، طبعاً الأبراج هي أولاً لا بد أن…
باسم الجمل:(33:57) على الجي فايف، الجي سيكس، يعني هذه الأبراج مثلاً أو هذه جبال؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
(34:00) أي نعم، لا بد أن يُعمَّق لها في الأرض ثم بعد ذلك تُعلّى، لِمَ؟
لتلتقط هذا الأثير ثم تعيد نشره، تمام؟ (يحذف من الفيديو)
داود عليه السلام فهم تأويب الجبال وفهم تسبيح الطير وتسبيح الجبال، فكان يدرك هذا القانون ويفهمه، لكن أين التطبيقات التي حصلت لهذا؟
لم نجدها في ذكر القرآن الكريم لنبي الله داود، لكن سنجد أين؟
في عهد سليمان، هذا هو الترتيب المنطقي، على فكرة سنجد في عهد عيسى الطيران الحقيقي لجسم، ولكن سأؤخره إلى وقته يعني، هذا التدرج الطبيعي على كل حال، طيب…
هل هو إسقاط معاصر على الآيات؟ التحليل اللساني للطير والجبال
باسم الجمل:
(34:44) عفواً، يعني قد، قد يتساءل سائل هنا ويقول أن القول بهذا الفهم للآيات، واستنطاق الآيات بهذا الفهم، نتيجة المستوى المعرفي الذي وصل إليه الناس، بوجود الأبراج، أبراج البث، وبوجود الطيران، فبالتالي تم إسقاط هذا الفهم على، على معنى الآيات الذي نحن أخذناه بهذا الشكل؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
(35:12) يعني استخدمنا الآلية المعكوسة تقصد؟
باسم الجمل:(35:14) نعم.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(35:15) والله أنا أعود فأقول مرة أخرى: أنا أستخدم التحليل اللساني، كلمة طير في الأصل على ماذا تدل؟ على كل ما علا الأرض، كل ما استخدم الأجواء، كل ما استخدم الأجواء فإنه طير، {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ} أين؟
{فِي جَوِّ السَّمَاءِ} [النحل: 79]، طيب، الآن الجبال أيضاً معناها اللساني شرحته بعمق، يعني هو لا يلغي دلالته على الجبل ولكنه يوسع مفهوم الدلالة، هل كان معناها أبراج اتصالات في عهد نبي الله داود؟ أنا لا أقول ذلك، أنا أقول إن داود عليه السلام فهم أثر الجبال في الأثير وفي حركة الريح، وفهم أيضاً حركة الطير وكيف أنها مسخرة، وبالتالي يمكن استخدام هذا القانون، لكن هل في القرآن تطبيق لاستخدام داود لهذا القانون؟
باسم الجمل:
(36:20) وربما هكذا، ربما هي إيحاء رباني، أو ربما استلهام من قوانين، من سنن الكون، وأنا أميل لهذا الاستنتاج، أنه هو استلهم، أو فهم الإيحاء الكوني لهذه القوانين، يعني قوانين موجودة في الكون.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(36:37) نعم موجودة، نعم، موجودة،
يعني الكهرباء ألم تكن موجودة أصلاً قبل أربعة آلاف خمسة آلاف سنة؟
باسم الجمل: (36:42) نعم، نعم موجودة
الدكتور يوسف أبو عواد:
(36:44) كقانون موجودة، أي نعم، فهو، فهو نبي الله…
الحضارات القديمة وتراكم المعارف: بين الافتراض ودلالة النص
باسم الجمل: (36:46) لكن يمكن استنتاج أيضاً أنه من بقايا الحضارات العظيمة القديمة التي ما زالت ماثلة أمامنا، والتي تعود إلى 12 أو 14 أو 20 ألف عام سابقة، يتم الاستنتاج أن هذه الحضارات التي تركت لنا هذه المعالم التي فعلاً تحتار في كيفية نشوئها، دليل أن هناك فعلاً كان فيه مستوى متراكم من المعارف، سواء بالفيزياء أو بهندسة الأشياء؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
(37:16) أي نعم، هذا سؤال جميل جداً في الحقيقة، وتعرف دكتور حوله لغط كبير، يعني فعلاً وجود المظاهر الحضارية التي لا نعرف تفسيرها إلى الآن، لا بد أنه هناك علم مقترن به لا نعرفه، تمام؟ لكن نحن لن ندخل في التكهنات، نحن نطرح، نفرق بين ما هو افتراض وما نطرحه على أنه واضح جداً في النص القرآني، يعني يرقى إلى أن يكون نظرية، فأنا أقول: إن ما أقرؤه في قصة داود أنه فهم قانون الطير وفهم أثر الجبال وعلاقتها أيضاً بالطيران، فصار يدرك كيف تسبح الطير، وكيف تسبح الجبال، وكيف تذهب وتعود في حركتها وفي الأثير وعلى الوجود، هذا الذي أقرؤه في كلام الله عن نبي الله داود. سليمان سيأتي أنه استخدم هذا، الآن كيف؟
وأين الدليل على هذا وكذا؟
النص يطرح هذا، لكن أين الدليل؟
هذا سيُبحث عنه بعد ذلك، إنما هل عندي حضارات عظيمة؟ نعم، عندي مظاهر لا يمكن تفسيرها في الحضارات القديمة؟ نعم، عندي.
بنو إسرائيل والتحريف الاستشراقي للتاريخ
الدكتور يوسف أبو عواد:
(38:22) طيب، قبل أن نذهب إلى سليمان، هناك آية تقول: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [المائدة: 78]، طبعاً قالوا: كيف وأنت قلت بني إسرائيل…هو يقول لك: {كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ}؟ ونقول مرة أخرى: حسناً هو قال: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ} ماذا؟
{مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106]، يعني حصول الخلل بعد الاستجابة، كما أنه موجود في بني إسرائيل فهو أيضاً موجود في مسمى {الَّذِينَ آمَنُوا} الذي استخدمه القرآن بعد نزوله، بعد نزول الكتاب يعني بنزوله الأخير، فإذاً الأمر طبيعي، لكن لماذا على لسان داوود وعيسى ابن مريم؟
باسم الجمل:
(39:04) وعيسى هناك فرق، وهناك فترة زمنية طويلة بين النبيين.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(39:07) أي نعم،
لأن عيسى هو آخر الأنبياء وخاتمهم قبل النبي محمد، أليس كذلك؟
الآن داود هو أول نبي ثبت الملك بعد الصراع الذي حصل بين موسى ومن؟
وفرعون، موسى قال لقومه ادخلوا الأرض المقدسة، لكن القرآن لم يذكر ماذا حصل بعد ذلك، من الذي ثبت المملكة وأقامها؟ وهي مملكة بشرية وليست لجزء من البشر، لا، هي مملكة بشرية لكل من أسرى إلى الله، الذي ثبت هذه الأركان…
مملكة داود والأميون: الانتماء سلوكي لا عرقي
باسم الجمل:
(39:39) يعني هل يمكن القول إن مملكة النبي داود شملت كل المجموعة البشرية التي انتشرت من بعد موسى؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
(39:47) شملت كل المجموعة البشرية نعم، ودكتور قد يبقى في بعض الأطراف من يسميهم القرآن الأميين، تمام؟
يعني يغلب عليهم أنهم استقروا وعاشوا على الفطرة الأولى، لا أستطيع أن أسميهم بني إسرائيل، لماذا؟ لأنهم لم يقوموا بالحركة هذه، هناك حركة تتبع الإيمان بالرسالة، هذه الحركة انتشار وقوة وتطور وإلى آخره، فإذاً الأميون الذين بقوا على عهد الأمة الأولى وعلى الفطرة، يمكن أن تجدهم في بعض النواحي، لكن هل لو واحد منهم أراد أن يدخل هل يُمنع؟ يعني فكرة أن تدخل أو لا تدخل هي فكرة سلوكية بناءً على سلوك معين تختاره، وليست عرقية، هذه أهم نقطة.
التحول من كونك أمياً مثلاً، هل ممنوع عليك أن تذهب لتصبح من بني إسرائيل فتنضم مثلاً إلى هذا الانتشار والحركة التي تجري وفق منهج الرسل لأجل الله؟
لا، فقط هذه الفكرة باختصار شديد، فلذلك ربطهم من داود إلى عيسى، قال لهم: يعني كونكم كنتم تحت حكم الأنبياء لا صك لكم، بالعكس {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [المائدة: 78].
باسم الجمل:
(40:56) هو المشكلة في العقل الجمعي العربي ، بالذات العقل الجمعي العربي، لأنه هو الذي خضع أكثر لتأثير القراءة الاستشراقية لليهودية، أسفار اليهود، وفق هذه القراءة أنه تم تقسيم ما ذُكر عن القبائل السابقة، التي تم التقسيم التي قُسمت إليها بنو إسرائيل، على أنهم شعوب، بجغرافيات مستقلة، بهويات مستقلة، وبلغات مستقلة، وبتواريخ مستقلة، وبالتالي العقل الجمعي العربي الحالي يتعامل مع هذه القراءة المزيفة لأسفار اليهود على أنها وقائع تاريخية كانت سابقة وكانت موجودة، وهو عبارة عن انعكاس لتلك الهويات السابقة، وانعكس أيضاً على التوزع الجغرافي، السياسي دعنا نقل، وفق هذه الهويات المزيفة التي صنعتها هذه القراءة الاستشراقية.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(46:46) بالضبط، يعني هم طرحوا قراءة عنصرية لفهم الدين، ونحن أخذناها مسلَّمة، فكرسنا فكرة القتال…
باسم الجمل: (41:52) للأسف وصرنا نحاكم الأشياء السابقة وفق هذه القراءة المزيفة.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(41:56) نعم، وأصبحت الحروب كأنها حروب بين أتباع الأنبياء، أتباع النبي فلان يحاربون أتباع غيره، هذه مشكلة كبيرة وولدت أكبر صراع في التاريخ.
دلالات الأسماء في القرآن والقصدية اللسانية
الدكتور يوسف أبو عواد:
(42:05) على كل حال، نبي الله سليمان دكتور أيضاً اسمه مفهومي، والألف والنون زائدتان، يعني أصل الكلمة؟
باسم الجمل: (42:14) سلم.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(42:15) جميل جداً، الآن ستلاحظ في عهد نبي الله سليمان تكريس فكرة السِّلم، معناها التوسع الذي كان يسعى له سليمان هدفه ماذا؟ بسط السِّلم فقط، وسأشرح هذا لما أتحدث عن ملكة سبأ.
باسم الجمل:(42:30) هذه فكرة مهمة جدًا، و استنتاج جميل.
صيغة “فُعَيْل”: تصغير أم تضامّ؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
(42:33) وسُلَيم يقول لك الصرفيون أن هذا تصغير، انظر، هي كلمة تصغير، هم سموا الكلمة تصغيرًا لأنهم رأوا قَلَم وقُلَيم، وكتاب وكُتَيّب، لما تعنون هذا الباب من الصرف بأنه باب التصغير أنت تُحدث إشكالاً كبيراً، لِمَ؟
لأنك لما تقول لابنك يا بُنَيّ أنت لا تقصد التصغير، أنت تقصد التحبب، لكن لو أخذتها لسانياً وبشكل عميق، فإن وجود حركة الضمة في بداية الكلمة تدل على تضامّ الشيء بعضه إلى بعض، فأنا لما أقول سُلَيم يعني تضامّ السلم بعضه إلى بعض، ستقول لي: هذا يشبه حالة التصغير.
هو حالة تضامّ، أنا مشكلتي مع مسمى تصغير، لا يجوز أن يطلق على كل اسم على وزن فُعَيْل أو فُعَيِّل كما يقول الصرفيون أنه اسم مصغر، لا، هو اسم يمكن أن يسمى التضامّ، يدل على تضامّ المعنى بعضه على بعض.
باسم الجمل:
(43:26) لأنه مدلول لفظ التصغير مصغر أو تصغير يعطي مدلولاً سلبيًّا.
الاعتباطية وقطع العلاقة بين الدال والمدلول
الدكتور يوسف أبو عواد:
(43:30) أي نعم، وهذه الاعتباطية، أرأيت؟
هذا الفرق بين القصدية التي طرحها عالم سبيط النيلي البارع في موضوع التأسيس للسان، ولكن لباقي الكتب طبعاً المتعلقة بالعقيدة لا، أنا أنبه يعني أنه لا علاقة لها بما طرحه في موضوع اللسان واللغة الموحدة، يعني كان طرحه ممتازاً، لكن في الأمور الأخرى لأنه في الأخير هو بشر على كل حال، إنما هو لما طرح هذا الموضوع كان يحاكم النحاة وعلماء الأصول، يقول لهم: مثل هذا، يقول لهم: أنتم تسمون هذا مثلاً تصغير، حسناً هو في معظم الحالات لا يدل على شيء صغير، تمام؟
هم نظروا قالوا: لا، هو تصغير للكلمة، حسناً، أنت إذاً أخذت الشكل وتركت الجوهر، وهذا ما قلناه في الفعل المضارع مثلاً دكتور، يعني أنت
لما تسمي…
باسم الجمل:
(44:15) قطعت العلاقة بين الدال والمدلول.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(44:18) نعم، فهذا يُحدث انفصاماً بين الإنسان والطبيعة، هذه مشكلة الاعتباطية، أنت لما تسمي الفعل الذي يدل على الآن والمستقبل فعلًا مضارعًا، مضارع يعني مشابه، كلمة مضارع معناها مشابه، ضارع الشيءُ الشيءَ لأنه مأخوذ من الضرعين يعني الثديين، تمام؟
فقالوا ضارع يعني شابه شيئاً ما، حسناً، أنت قطعت العلاقة بين الدال والمدلول، لماذا لم تسمّه الفعل الآني؟ هذا الذي نطرحه وندعو علماء اللغة ومن ورائهم علماء الأصول وغيرها من العلوم في كليات الشريعة أن يعاد النظر بهذه الطريقة، أن قطع العلاقة فعلاً بين الدال والمدلول يُحدث انفصاماً دماغياً بين الأمرين.
باسم الجمل:(45:04) وهو أعاق، أعاق العقل، العقل العربي من أنه يستنبط المعارف الموجودة، التي تكتنزها آيات القرآن.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(45:16) أي نعم، والله دكتور نحن قلنا إن اللغة…، لأن اللغة هي لغة معظم ما هو موجود في العالم اليوم لغة، أو اللسان إذا تم تصحيحه يعني، هو مفتاح وبوصلة لتصحيح طريقة التفكير، ولذلك هو ميزة آدم، يعني أنا إذا أعدت للسان قصديته فأنا أعدت للعقل فطريته، تلقائياً من يفهم اللسان العربي المبين سيصبح عقله ناقداً، ويحاول فهم جوهر أي شيء، لا يمكن أن يبقى إنساناً سطحياً، مستحيل، طريقة تفكيره يعني العقلية تغيرت عنده تماماً.
باسم الجمل:
(45:52) لأن الاعتباطية تولد السطحية في التفكير.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(45:56) أي نعم، تفقدك فهم العلاقات بين الأشياء، وبالتالي تتعامل مع الكون بأنه اعتباطي، خلاص، كل شيء اعتباطي، فيسهل الوقوع في أي خطأ تراه، ويسهل انهيار أي مجتمع، يعني الموضوع كبير لمن تأمل فعلاً هذا الكلام، ولذلك كان القرآن مفاهيمياً، نحن لماذا نقول لهم: يعني هل القرآن سمى سليمان هكذا اعتباطاً سماه سليمان؟
وداود سماه داود اعتباطاً؟
سيقول لي: لا، أبوه سماه، أنا أقول: كل أسماء الأنبياء ألقاب، ألقاب جاء بها القرآن الكريم…
أسماء الأنبياء ألقاب وظيفية: دلالة اسم لوط
باسم الجمل: (46:26) ألقاب وظيفية.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(46:27) تختزل قصة حياة النبي، كل أسماء الأنبياء، شرحنا هذا في نوح وشرحناه، حتى لوط يعني الناس يتجنبون اسم لوط، وهو ما معنى لوط؟ أنت لما تقوم بإصلاح شيء تم تفككه يقال: لاط الحوضَ لَوْطاً، إذا كان عندي مجموعة من الطوب تحيط بالحوض وهذه الطوب غير متماسكة، فتأتي أنت بالإسمنت مثلاً فتقوم بتلويط الحوض.
باسم الجمل:(56:53) الله!
الدكتور يوسف أبو عواد: (56:55) هذه عملية التلويط، لوط عليه السلام جاء…
باسم الجمل: (46:57) لأن هذه لُفظت في العامية لَصَّصَ أو لَيَّصَ.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(47:01) أي نعم، حُوّل إلى صاد، وحتى هم حتى يقولون ليّط الشيء يعني على فكرة موجود في العاميات العربية.
باسم الجمل: (47:05) صحيح.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(47:08) فقالوا يعني أين علاقة لوط بالـ… وصاروا يسمون المثلية يسمونها لوطية، انظر الشناعة!
باسم الجمل: (47:13) لأنه أسقط نعم، لأنه أسقط المعنى، المعنى الاعتباطي في المثلية، مارس المثلية على النبي لوط
الدكتور يوسف أبو عواد:
(47:19) على النبي لوط، وإنما لوط جاء إلى مجتمع يتفكك وينهار فأراد أن يصلحه، فسماه القرآن لوطًا، انظر كيف! فلذلك هنا القرآن، هذا التدرج في فهم كلمات القرآن مرة بعد مرة، ولا تجد كتاباً في العالم بهذه الطريقة، تعرف أنه فعلاً هذا الكتاب غير عادي يعني، كتاب غير عادي، طيب…
الترادف والاعتباطية ودلالة أسماء الأقوام
باسم الجمل:
(47:41) الغريب جداً أن الكثير ممن تصدى لقراءة النص، ومن حتى يعني قراءة التراث الفقهي الإسلامي، يؤمن كثيراً بالترادفية وتماثل المعاني ما بين ألفاظ
مختلفة.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(47:58) هذه واحدة، ويؤمن أكثر بالاعتباطية، أنه عادي، سليمان
لماذا سليمان؟ خلاص لأنه سليمان.
باسم الجمل:
(48:03) التماثل ما بين لفظين مختلفين هو اعتباط.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(48:06) أي نعم،
ووضع مسمى في كتاب عالمي يوجه لكل البشرية بدون أن تكون له دلالة أيضاً هذا اعتباط، يعني لماذا القرآن وصف ثمود بأنهم ثمود؟
أهكذا كان اسم ثمود، ومدين وعاد، ولذلك نحن كنا نقف مع كل اسم من هذه المسميات ونقول السبب في تسميته.
هم قالوا: من أين لك أن لوطاً وإبراهيم بداية البشر الأولى؟
حسناً نحن شرحنا منظومة كاملة، شرحنا كلمة خلفاء، وأن
الله عندما ينجي المؤمنين يقول لهم أنه ماذا؟ وجعلهم خلفاء، يعني فيه منظومة متكاملة شرحناها ثم يقول لك بعد ذلك: من أين أتيت بالأدلة؟
حسناً، أنت لما تفهم أنه لم يبق إلا إبراهيم ولوط، وإبراهيم له أولاد ولوط له بنات، وأنهم هم الذين جعلهم الله خلفاء الأرض، لا داعي أن يقول لك القرآن أن التزاوج حصل بين أبناء إبراهيم وبنات لوط، لأنه…
باسم الجمل: (48:56) يصبح ذلك تفصيلًا، لأن النتيجة كانت واضحة.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(48:57) أي نعم،
بالضبط، القرآن لا يذكر كلاماً واضحاً، إذا الكلام فُهم بحيث لا يمكن أن يُفهم غيره لا يذكره أصلاً، خلاص.
المنظومة القضائية بين داود وسليمان عليهما السلام
الدكتور يوسف أبو عواد:
(49:08) طيب، داود عليه السلام ورث الملك كما قلنا لما قالت ملكة سبأ: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} [النمل: 34]، لما جاءتها رسالة سليمان ماذا قالت؟
{إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا}، فإذاً هذا إثبات، لأن نبي الله سليمان ورث أيضاً الملك. طيب، هل ورث القضاء؟
طبعاً، يعني النظام القضائي الذي كان في عهد داود عليه السلام، الذي هو والد سليمان، {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 30]، نعم، و{وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} [الأنبياء: 78] نفس الآية، حتى الآية قالت: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79]، يعني هذه القضية المشكلة، وهي أصعب من القضية التي حكم فيها داود عليه السلام، داود حكم في قضية الرجل الذي له تسع وتسعون نعجة والنعجة الواحدة، قضية اعتداء أو دخول غنم القوم على حرث قوم آخرين مشكلة، يعني تقديرها، وماذا سنفعل؟
وكيف سنعوض؟
ومن المتسبب في الضرر؟
وكذا، فلذلك تحتاج إلى مستوى قضائي أرقى، فكان سليمان عليه السلام قد أخذ خبرة كل ما حصل مع داود فأصبح قادراً على أن يقضي في هذا النوع من المسائل، فقال القرآن الكريم: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}.
باسم الجمل:
(50:21) يعني فهم سليمان المنظومة القضائية يعني المحدثة، المحدثة مثلاً؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
(50:28) هو يتحدث عن قضية دكتور، {إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} [الأنبياء: 78]، يعني عندي حرث، نفش فيه الغنم، انتشر، فأكل معناها النتيجة، انظر القرآن، لم يقل لك القرآن فأكل جزءاً من هذا الحرث لأنك ستفهم
تلقائياً.
باسم الجمل: (50:44) بالتأكيد.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(50:45) لأنه لو لم يفعل شيئاً أين المشكلة؟
يعني ما فيه قضية، إذاً الغنم أفسد جزءاً من ماذا؟
أفسد جزءاً من الحرث، من الذي استطاع أن يحكم في هذه القضية حكماً دقيقاً؟ سليمان، وليس داود.
باسم الجمل:
(51:00) دليل أنه صار فيه تطوير للمنظومة القضائية.
الدكتور يوسف أبو عواد:
(51:03) أي نعم، بالضبط، وهذا التسلسل، هذا التحقيب، انظر كيف، هذا
التحقيب الذي له معنى، ويعطيك فعلاً شيئاً جوهرياً، ولم ينفِ، طبعاً قال: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79]. طيب، وتحدثنا عن قضية الملك، الآن قبل أن أدخل فيما يتعلق بتفاصيل سليمان عليه السلام، هناك قضية لا بد أن نعرج عليها، لِمَ؟
لأنه ما سيأتي بعد ذلك مما يتعلق بنبي الله سليمان ينبني على فهمنا لموضوع الجن والشياطين.
ختام الحلقة والتمهيد لموضوع الجن والشياطين
باسم الجمل:
(51:37) طيب، إذن خلِّنا ننهي، ونبدأ بحلقة جديدة عن هذا الموضوع، لأنه يحتاج فعلاً إلى نوع من الدقة والصبر والأناة، لأنه موضوع شائك، حتى المفهوم حوله شائك.
الدكتور يوسف أبو عواد:(51:52) أي نعم، خلاص.
باسم الجمل:
(51:53) يعني معظم شعوب الأرض داخت في هذا الموضوع.
الدكتور يوسف أبو عواد: (51:55) أي نعم، صحيح.
باسم الجمل:
(51:58) فخلِّنا نؤجلها لحلقة أخرى.
الدكتور يوسف أبو عواد:(52:00) تمام إن شاء الله.
باسم الجمل: (52:01) نناقش موضوع الجن باستقلالية و بهدوء تام
الدكتور يوسف أبو عواد: (52:03) تمام.
باسم الجمل:(52:04) شكراً لكم وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم الى القاء.