Skip to content Skip to footer

نحو قراءةٍ نقديّة لتاريخِ الأفكار (2): الآليات الإبستمولوجية للسردية الاحتكارية | مصطفى إنشاء الله

ليست تدور رحى الصراع الحضاريّ في الميدان السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والعسكري، فحسب، وإنما أيضًا هو صراعُ أفكار؛ صراعٌ بها وعليها. وقد هيمنت، منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم، سرديّةٌ لتاريخ الفكر معياريّةٌ احتكاريّةٌ، مدفوعةٌ بهيمنةٍ اقتصاديةٍ وتفوّقٍ عسكريٍّ وسياسيٍّ على العالم، ومركزيةٍ غربيةٍ اختزلت –أو تكاد– تاريخ الإنسانية في ما يزيد بقليلٍ عن ألفي سنةٍ، هي عمر الحضارة الغربية. أضافت هذه الرواية الاحتكارية الكثير من “البهارات والتوابل” السرديّةِ، إلى حبكةٍ للتاريخ تفضي إلى انتصارِ أفكار الغرب وتجاربه، وحَجْبِ الجزء الأوسع من تاريخ الإنسانية، فقط لأنه خارج المدار الأوروبّي. نواصل، في هذه المقالة، القراءة النقدية لتاريخ الأفكار، بكشف أهمّ “المناورات الإبستمولوجية” التي تُفصِّلُ بها السردية الاحتكارية تاريخ الأفكار الإنسانية على مقاس الأفكار الغربيّة، وذلك وفق مستويات أربعة: التعريف والتأريخ والتقويم و، أخيرًا، السرد. ولا تعمل هذه الاستراتيجيات الإبستمولوجية في استقلالٍ عن بعضها وإنما تتعاضدٍ وتتكاملٍ؛ ففي التعريف، مثلًا، يتقاطع التأريخ والانتقاء والتضخيم والتبخيس والصمت والتقويم وغيرها من العمليَّات التي تُخرج، في نهاية المطاف، سرديةً تحتفلُ بفكرةٍ بعينِها وبأنموذجيّتها، بعد عمليات شفطٍ وتجميلٍ تحجب الشطر الأهمَّ –أحيانًا– والأكبر من تاريخها.

يُتيح الوعي بهذه الآليات الإبستمولوجية تطويرَ أدواتٍ منهجيةٍ تكون بمثابة شبكات كشفٍ وتصنيف لهذه الاستراتيجيات، بما يرفع من حاسّة النقد تجاه استهلاك الجاهز من تاريخ الأفكار؛ ويساهم هذا الفحص النقدي، أيضًا، في تنظيف مدوّنات تاريخ الفكر ممّا علقَ بها من حشوٍ واختلاقٍ؛ كما يفيد في ردّ الاعتبار لجزء مغفولٍ من الأفكار والتجارب هو الأوسع من تاريخ الإنسانيّة. ولا تزعُم هذه المقالة أن هذه أهدافها، وإنما هي آفاقٌ تتجاوزُها، بكثير، وتتجاوزُ قدرة كاتِبها، بل هو ورشٌ قد تنوء بحمله مؤسّسةٌ بحثيةٌ واحدةٌ. يمكن عرض أسبابٍ لا حصر لها تُفسِّر كم هي شائكةٌ مغامرة نَقدِ تاريخٍ عريضٍ من التلفيق. هي أشبه بسباحةٍ ضدّ تيارٍ جارفٍ، في عصر ما عادت تُحتَكر فيه روايات التاريخ وسرديات الأفكار، فحسب، بل حتى أدوات إنتاجها ووسائط نقلها، وقنوات تصريفها. لقد باتت مهمّة النقد هذه في حُكمِ الاستحالة، اليوم، بعد أن أضحى الذكاء الاصطناعي أشبه بإله يُسأل فيجيب بالحقِّ؛ الحقّ كما حفِظَته قواعد البيانات الجبارة، وأعاد الذكاء الاصطناعي المُذهل إنتاجه، إلى ما لا نهاية، قبل أن تستهلكه عقولٌ على نحوٍ من الغباء، أحيانًا، شديدٍ.

  1. سلطة التعريف

يحتازُ التعريف سلطةًًً واسعةً نصّبته على رأس الأدوات التي توسَّلتها الرواية الاحتكاريّة (=الغربيّة) في حبكتها لتاريخ الأفكار. يشمل التعريف استراتيجيات إبستمولوجية من قبيل المَعْيَرَة والتحديد والتنميط والاختزال والاستبعاد والتصنيف… إلخ. وكلّ هذه العمليات ترسمُ حدودًا بدقّة لكي لا تُلائمَ إلّا تضاعيف الفكرة المُحتفل بها، وتُفضي، في نهاية الأمر، إلى تنميط الفكرة ورفعها إلى مرتبة المرجع. بذلك، تُتيح سلطة التعريف هذه غربلةَ كل الأفكار المنافسة أو المجاورة للفكرة المحتفل بها، بما يرسمه التعريف من حدودٍ على المقاس، تُقصي كلّ المفاهيم والأفكار التي في وُسعها مضاهاة الفكرة المحتفى بها أو التشويش على “تفرّدها أو سبقها”. هكذا، وبتوسُّل استراتيجيات التعريف، تُقلِّم السردية الاحتكارية الأفكار والتجارب وتقصُّ تاريخًا عريضًا لكي يناسب مقاسَ السارد ومآربه الأنانيّة.

وكلّ تعريف –حتى مع افتراض براءته من التحيُّز– إنّما يُضمِر –حُكمًا– معايير وخصائص لا تتوفر إلّا في المفهومِ المُعرَّف، وهذا من طبيعة التعريف ذاته؛ فأن تعرِّفَ فكرةً يعني أن ترسم حدودًا لها، وفي سيرورة الرسم هذه تُستبعد مفاهيم وأفكار يُقَدِّرُ المُعرِّف أنها خارج الحدود تلك. أمّا إذا كان التعريف يُضمرُ تحيزًا مسبقًا فإن هندَسَةَ المعايير تتمُّ على نحوٍ يُقصي كلّ المفاهيم والأفكار المنافسة. وبهذا تُختلقُ للفكرة صورةٌ واحدةٌ “نقيّةٌ لا نظير لها” مطلقًا يُزاحمها الأهمية وينازعها السبق. خُذِ الفلسفةَ، مثلًا، ففي تعريفاتها لا تكاد تنزاح عن تقديمها على أنّها “ضربٌ من التفكير العقلانيّ البرهانيّ ينهض على الحُجّة والبحث عن تفسير كلّي للوجود المستقلّ عن الأسطورة والدين، نقلنا من الميثوس إلى اللوغوس”. وقد صار مألوفًا أن تعثر على عبارات، كتلك التي صاغها تشالز كان، “أن الفلسفة، بالمعنى الدقيق، اختراع يوناني واضح” (Kahn, 1991, p. 1)، بما يقطع، تمامًا، مع أي نقاشٍ حول المِلْكية الفكريَّة الحصريَّة الغربية للفلسفة؛ فليس فلسفةً كلُّ نمطٍ من التفكير مشابهٍ لها، إن كان خارج حدود التاريخ والجغرافيا الأوروبيين.

والتصنيفُ من الاستراتيجيات التي لا تنفصل عن التعريف؛ إذ حين تُرسى المعايير الموضوعة لتعريف الفكرة المحتفل بها تقع، بالتلقاء، الأفكار النظيرة لها خارج فئة التصنيف. ولو بقينا في الفلسفة، مِثالًا، فلا يُنتظر من كاتب تاريخها المعياري أن يعترف بوجود هذا الضرب من التفكير العقلاني قبل اليونان القديمة؛ فكلّ ما سبق الفلسفة، في حلَّتها اليونانية، لا يعدو أن يكون غير حكمةٍ شرقيةٍ، أو تأملاتٍ دينيةٍ، أو أساطيرٍ قديمةٍ، أو علومٍ بدائيةٍ. هكذا من يملك سلطة التعريف يملك معها سلطة التصنيف والانتقاء وحقّ اعتماد الفكرة أو استبعادها. على ذلك، يكنس هذا التعريف تاريخًا عريضًا من التفكير العقلانيّ سابقًا كان للإغريق أو لاحقًا عليهم.

  • التأريخ الخطي وتهافت أطروحة الأصل الخالص

في سياق تأريخ الأفكار، تبرز استراتيجيتا التأصيل والخطية. ويُقصد بالتأصيل تعيين مهدٍ لفكرة أو تجربة في التاريخ، والزعم بأنه مهدها الأول والخالص؛ بحيث لا يكون للفكرة سابق ولا جذور لها تمتدُّ خارج تربتها الأم؛ كأنها نزلت، جملةً على نحو معجزٍ، من السماء.  تفترض هذه الاستراتيجية أن الأفكار، كما الكائنات، تُولد دفعةً واحدةً، ذات يومٍ أو ليلةٍ، فتُكتَبُ شهادة ميلادها بتاريخ الولادة ومكانها الحصريّ. وإذا عُدنا إلى التاريخ المعياريّ فسنجد –في الرواية الغربويّة تحديدًا– أن أثينا ولَّادةٌ أكثر من غيرها –بل، قل، دون غيرها– لكلّ الأفكار “الرائعة” التي اهتجست بها الحياة الحديثة والمعاصرة، من حرّيةٍ ومساواةٍ وعدالةٍ ومواطنةٍ وديمقراطيةٍ وفكرٍ نقديٍّ وتفلسفٍ… إلخ. هذه، جميعها، بنات أثينا وحدها لا شريك لها في خلقها من عدم. وإذا حصل أن ظهرت الأفكارُ هذه، هنا أو هناك، بعيدًا عن السياق الأوربيّ، فإن آليات التقويم تشتغل، كما سيتبين لاحقًا، فضلًا عن المعيَرَة الانتقائيّة، لكي تُحصِّن الرواية الاحتكارية للتاريخ سيادتها على الفكر. غير أن اللافت –إذا سلّمنا بصحّة المماثلة بين ميلاد الفكرة وولادة الكائن الحي– أن استراتيجيّة التأصيل تذهلُ عن أن الولادة؛ كل ولادة، تسبقها شروطٌ تجعلها مُمكِنَةً، تُحَدِّدُ للمولود نسبًا وأسلافًا له سابقين؛ وتتجاهل الحمل الطويل والمخاض العسير اللذين يتقدّمان لحظة الإنجاب، وتَشْرُدُ، مدفوعةً بمركزيةٍ غربيةٍ، عن قاعدة بارمنيدس نفسه القائلة بأن “لا شيء يأتي من لا شيء” (بوعزة، 2012، ص. 135).

بعد تعيين مَهْدِ الفكرة، ترسم السردية الغربوية لها مسارًا خطيًّا يصلُ أمسَ الإغريقِ والرومان بيوم الحضارة الغربية الحديثة. لا تعترض هذه الخطية تأثيراتٍ برانيةٍ أو انتكاساتٍ داخليةٍ، تُزعزع مسيرة تطوّر الفكرة. خذ، مثلًا، الاحتفاليّة التي تُسرد بها قصة الديمقراطيّة، كمعجزة أثينية قديمةٍ، فقد تخال أنّ ما نشهد عليه اليوم من نظم سياسية تمثيلية وممارسات حقوقية هي عين الممارسات الديمقراطية التي سادت في أثينا، قبل أزيد من ألفيتين. هكذا تتضافرُ النزعة الخطية لسرد تاريخ الأفكار الغربية مع استراتيجية نزع السياق؛ حيث تتقصَّد الروايّة الاحتكاريّة الدوسَ على سياق تبلور الفكرةِ الحاسمِ، بالضرورة، في نشأتها وتطوُّرها وملمحها، بغرض تنميطها ونمذجتها ومنحها جوازَ سفرٍ عابرٍ للتاريخ. بهذا تصيرُ معيارًا، أو أنموذجًا مثالًا –بلغة ماكس فيبر– به تُقاس أفكار الأمم الأخرى وتجاربها. وإذا قرأنا ما يكتب عن أصول المواطنة وحديث أرسطو عن المواطن، نظن أننا إزاء المواطنة عينها والمواطن نفسه الذي تُعرِّفه الفلسفة السياسيّة المُعاصِرة. يتغذى هذا الانطباع من عملية إسقاطٍ تخترقُ شروط التاريخ والزمن وتقتات من تطْويحٍ السارد بالسياق ومعه الفروق الوسيعة جدًا بين أفكار الماضي ومفاهيم الحاضر: بين ديمقراطية القدامى وديمقراطية المحدثين، ومواطنة الأمس ومواطنة اليوم، والساحات العامّة والفضاء العامّ… إلخ. هي، إذن، عمليّة إضفاءٍ لطابع الاستثنائية، بل العجائبيّة والإعجاز، على ممارسات وتجارب فقط لأنها إغريقية نُسِبَت إلى الحضارة الغربية، بصرف النظر عن استحقاقها، وبغضّ الطرف عن جوانب العتمة في تاريخها. هي نزعة احتفائية بالتراث الإغريقي –روماني، تعثر على جيناتها الأصل في نزعةٍ كلاسيكيّة اجتاحت الأدب والفنون في أوربا –في فرنسا تحديدًا– في القرن السابع عشر.

  • سلطة التقويم

ما من حضارة إنسانية إلّا ولها أسهمها في التاريخ ونصيبها من تطوير المعرفة والعلوم والتقنيات. لذلك، ما كان في مُكْنة الرواية الرسمية لتاريخ الفكر أن تحجب هذه الإسهامات جميعها بتوسّل استراتيجيّة الصّمت والتجاهل فقط. لا بد، إذن، لـ”الساردِ الاختزالي”، وهو يعرض تاريخ الأفكار، من توسُّل “مناورات” إبستمولوجية إضافية لتعزيز سرديته الاحتكارية، وهنا تبرز سلطة التقويم. تنزعُ الاستراتيجيّات التقويميّة، في السرد الاحتكاري للتاريخ، إلى ازدواجية معيارية، يتناوبُ فيها التبجيل والتبخيس. تُتيح استراتيجية التبجيل الاحتفال بفكرة بعينها والنفخ فيها ورفعِها إلى مرتبة الإعجاز. في المقابل، تعمل استراتيجية التبخيس على الحطّ من تجارب الأمم الأخرى وتبخيس أفكارها وتحقير دورها في التاريخ. على هذا المنوال، تُظَهَّرُ مفاهيم وتجارب ويُحتفل بمكانتها في التاريخ الإنسانيّ، في مقابل استبعاد أخرى لا تخدم الميول الاحتكارية. وهنا، يُمَثّلُ المهدُ –الفعلي أو المُختلق– للتجربة أو الفكرةِ معيارًا مِهمَازًا في تصنيفها، فإذا كان ينتمي إلى جغرافيا الساردِ تحظى الفكرة، تلقاءً، بدرجة عاليةٍ من القيمة التاريخية وتمثل –في تقديره– إرثاً للإنسانيّة عظيمًا، أما إذا لم تستوفِ هذا المعيار المكانيّ، فعلى الأرجح ستظلّ على هامش التاريخ.

لو عدنا إلى مثال الفلسفة، نلاحظ أن ضروبَ التفكير الشرقيّة، السابقة على الحضارة الإغريقية أو المزامنة لها، ليست ترقى، في الخطاب الاحتكاري، إلى مرتبة الفلسفة. قد نجد أوصافًا لها عديدةً حاشا الفلسفة. وسرعان ما تنفضحُ هذه الازدواجية حين تظهر أفكارٌ، في السياق الغربيّ، مماثلةٌ لما يوصف بـ”حكمة الشرق” كالرواقيّة والأفلاطونية المُحدثة والفكر المسيحيّ. فجأة، تصيرُ هذه الضُّروب من النظرِ فلسفةً، فقط لأنها نبتت في تربة أوروبية. وازدواجية التبجيل والتبخيس عينها تتجلّى فاقعةً في سرد تاريخ الديمقراطيّة؛ فحين يتّصل الأمر بديمقراطية أثينا، فهذه اختراع مُعجز، عَلّمَ البشريّة فنّ السياسة والتداول المساواتي للشأن العامّ، كما قرر موزس فينلي (Finley, 1973). أما إذا جُوبِه الادعاء هذا بأمثلة مضادَّةٍ أوضحَ لشعوب وأممٍ، سابقة لأثينا بمئات السنين، مارست سياسة تشاركيّة مساواتيّة، وانتهجت التداول والاقتراع والتصويتَ في اختيار حكامها واتخاذ قراراتها وسَنِّ شرائعها، وتفوقت في عددٍ من أمثلتها على ديمقراطية أثينا المستبعِدة للنساء والعبيد والأجانب والشباب من حسبانها، فإن هذه الأمثلة المضادة تُحقَّرُ أهمّيتها وتُحَطُّ منزلتها. هذه الأنماط من الممارسة السياسية، وإن كانت ديمقراطيةً جِدًا، بميزان التعريف المعياري نفسه، تُوسَم على الأرجح، في مدونات التاريخ الرسمية بـ”الديمقراطيّة البدائيّة” التي لا ترقى إلى “الديمقراطيَّة المدنيَّة” الأثينيّة. وفي أحاديث أخرى  –أكثر تطرفًا– نفيٌ مُطلقٌ لوجود نظائرَ للديمقراطية، بعد أن “رحلتِ” الديمقراطية من التاريخ برحيل الإغريق، قبل أن تستعيدها الحضارة الغربية الحديثة (Dunn, 1992 ; Dahl, 1998).

  • السَّرد بين الصمت والاختلاق

ويأتي السّرد، في نهاية الأمر، ليمنح رواية الفكرة المحتفل بها حُلتها، وقد خضعت لكل العمليات الجراحية الإبستمولوجية “التجميليّة”، ويعرضها في حَبكة رفيعة تنهضُ فيها الفكرة هذه على جثّث كلّ الأفكار المضارعة لها. ومن أفتك استراتيجيات السرد: الصمت؛ فتكاد لا تسمع عن إسهام أي حضارة أو ثقافة خارج الزمن الغربي والجغرافيا الأوروبيّة، في تطوير فكرة أو اكتشاف ضرب من المعرفة أو علم من العلوم أو تجربة من التجارب. ولا يطال الصمت الأفكار والتجارب المُبعدة فحسب، بل يشمل، أيضًا، الجوانب المكفهرة في الأفكار والتجارب المحتفل بها.  خُذْ الديمقراطية مثلًا، حين تُقدمها مدوّنات تاريخ الفكر السياسي على أنّها واحدةٌ من أهمّ اختراعاتِ الإنسانيّة ، التي تشهد على العبقريّة اليونانيّة؛ فقد يُخالجك الاعتقاد بأن “الشَّعب” الإغريقيّ قد حكم نفسه بنفسه، فعلًا، وعاش الحرّيّة والمساواة في أفضل صوَرها. لكن الرواية هذه تُطْبِقُ الصمت عن واقع العبوديّة الفاحشِ الفاشِي لدى الإغريق، والذي يعثرُ على من يسوغ له حتى من بين كبار فلاسفة “مدينة الحكمة” (أفلاطون وأرسطو). هكذا تُصوّر الديمقراطيّة، التي نعمَ بها مواطنو أثينا –الذين لم يتجاوزوا، في أفضل التقديرات، عُشْرَ سكان المدينة– وكأنها النظام السويسري المعاصر وقد سبقنا بما يزيد على ألفي سنة. وتُعضِّدُ استراتيجيةُ الانتقاءِ الصمتَ بترشيحِ ما يُسمح بإبرازه والممنوع من العرض في مشهدية تاريخ الفكر، يُقرِّر السرد الانتقائي ما الذي يمكن أن يسلَّطَ عليه الضوء ويُنفثَ عنه غبار التاريخ، وما ينبغي إقباره في غياهب النسيان.

ولكي لا تبدو الأفكار المحتفل بها شبيهة بنظائر منافسة لها، من بيئاتٍ حضاريةٍ أخرى، يُصار إلى اختلاقِ تاريخ، لا أساس له، وتضخيمِه وتكرارِه حتى يتقرَّر وكأنّه الحقيقة. كمن يكذب كذبة ويصدِّقها من فرط تكرارها. هكذا تغلب الحبكة الرومانسية على السرد الاحتكاري؛ فتصمت عن تاريخٍ وتختلق آخرَ، فيمتزج التاريخ بالفنتازيا والخيال وتضيع الحقيقة. بهذه الصناعة القيصرية لتاريخ الفكر، تكون روايات التاريخ –الاختزالية منها تحديدًا– قد شطبت الجزء الأعظم والأهم من تاريخ الإنسانية، واختصرت –مدفوعةً بزخم الأنانية الغربية– تاريخ الإنسانية في تاريخ الغرب. وهذا الإهدار للقسم الأعظم من تاريخ الإنسانية لأشدُّ فداحةً من مجرَّد الاحتفال بالفكرة أو التجربة هنا أو هناك. فمن شِدّة تجاهل إسهام الحضارات الأخرى في تاريخ الفكر، وندرة محاولات الحفر في هذا التاريخ خارج التربة الأوروبية، بات من باب المسَلَّم به أن القسط الأهمّ والأعظم من تاريخ العلم والفلسفة والحرية والديمقراطية والمساواة… إلخ، صناعةٌ غربية خالصةٌ، لا تُضاهى بما قدمته كل الثقافات غير الأوربية. لا، بل أخذت هذه الإبادة الممنهجة للتواريخ غير الأوربية مشروعيةً لمّا أضحت دراسات أكاديمية تُعيد إنتاج الرواية المعيارية الاختزالية وتكرّرها كمعطًى –بل كمقدَّمةً– تُدبّج البحوث “العلمية” وترتِّبُ النتائج والخلاصات.

ختامًا، يتبين أن السيطرة على العالم ليست تقتصر على الجوانب المادِّية وحدها –كما علّمنا غرامشي– وإنّما من دون هيمنةٍ على السرديّات والأفكار لا تصمد. لذلك جَسَّدَ تاريخ الفكر جبهةً متقدِّمة للمركزية الأوروبية، في سياق صراع السرديات؛ حيثُ عُرضَت في مدوَّناته روايةً للتاريخ مبثورةً شوهاءَ لا ترى غير شطرِه الأوروبيّ. ولكي تحظى بالمشروعية المعرفيّة، تضافرت في السردية الاحتكارية، كما شهدنا على ذلك أعلاه، جملةٌ من “المناورات الإبستمولوجية” تمثلت في سُلطة التعريف والتأريخ الانتقائي والتأصيل الإغريقي-الروماني والتقويم المزدوج المعيار، قبل عَرْضِ “قصص” الفكر في حبْكاتٍ لا يؤول النصر فيها إلّا إلى الأفكار المصنَّفةِ غربية.

المراجع

بوعزة، الطيب. (2012). في دلالة الفلسفة وسؤال النشأة: نقد التمركز الأوربي. مركز نماء للبحوث والدراسات.

Dahl, R. A. (1998). On democracy. Yale University Press.

Dunn, J. (Ed.). (1992). Democracy: The unfinished journey, 508 BC to AD 1993. Oxford University Press.

Finley, M. I. (1973). Democracy ancient and modern. Rutgers University Press.

Kahn, C. H. (1991). Some remarks on the origins of Greek science and philosophy. In A. C. Bowen (Ed.), Science and philosophy in classical Greece (pp. 1–10). Garland Publishing.

Leave a comment