قدمت هذه الدراسة ضمن أعمال الندوة الدورية الثانية للعام 2026م التي نظمها مركز مجتمع للدراسات الثقافية والتاريخية بالتعاون مع معهد الشرق الأوسط في جامعة سكاريا-تركيا

استجمع التاريخُ السردي مادّته من أخبار الأوّلين، وأساطير الأمم، وتجربة النبوّة، ومغازي الرسول، وأخبار الفتوح، فتلك هي موارده الأساسية التي انصهرت في مرويات الإخباريين ومؤلفات المؤرخين، وأول من اقترح له إطارًا مرنًا هو ابن إسحاق، الذي جمع بين السردي والإخباري في تدوين سيرة النّبي، بما هيّأته له مرويّات القرن الهجري الأول، فاعْتُرِف به رائدًا لنمط من التأليف انقسم على ذاته بين السرد والتاريخ. وقد انتهت إليه المرويات عبر طبقات متعاقبة من الإخباريين الذين حملوها إلى أن تولّى هو جمعها وتدوينها، ومن بينها مدونات تُنسب إلى عروة بن الزبير، وهو من الإخباريين المتقدّمين، وكان يُلقي مرويّاته في المسجد النبوي. ويُعدّ، على ما استقرّ عليه الباحثون، من المصادر الأساسية التي يُرجع إليها كلّما تعلّق الأمر بالقضايا الدينية والتاريخية في الإسلام المبكّر، ولا سيّما ما اتّصل بحياة الرسول[1] .
ويضارع عروةَ بن الزبير في إداء تلك المهمة خَلَفُه محمد بن شهاب الزهري، فإليه يُنسب بناء الهيكل العام للسيرة النبوية؛ وتمثّلت أعمال الذين أعقبوه في استكمال تفاصيل أحداث حياة النّبي محمد، وزيادة تنسيقها، والتوسّع في عصور ما قبل الإسلام اعتمادًا الإسرائيليات، وأخبار جاهلية العرب[2]. وشكّلت المغازي الأساس المتين لتوثيق تجربة الرسول؛ إذ ارتبطت ببناء مجتمع المدينة، وتأمين موارد عيشه. ولم يكن الاهتمام بها نابعًا من كونها أعمالًا للرسول، فحسب، بل لأنها غدت النموذج الذي اقتدت به أعمال فتوح البلدان. فلمّا اقتضت الحاجة بناء الحدث الإسلامي، وكان الرسول محوره المركزي، عُدّت المغازي لُبَّ سيرته. وقد انصبّ التركيز على حياته بعد المبعث، ولم تَرِد سوى إشارات عابرة إلى ما قبله، وهي مدة استغرقت نحو ثلثي عمره؛ فتكون سيرته نبيًّا قد تقدّمت على سيرته إنسانًا، حتى بدت أخباره قبل البعثة باهتة بالمقارنة مع أعماله بعد النبوّة.
شاع أنّ الأخبار التي كان النّبي محمد محورها بقيت تتداولها الألسن طوال القرن الأول، ولكن بدأت تتوارد الأنباء عن وجود مدوّنات كتابية للسيرة النبوية إلى جوار المرويّات الشفوية خلال تلك المدة، ومن بينها خبر مبكّر على غاية من الأهمية، حول اكتمال تدوينها بعد حوالي سبعين سنة من وفاة الرسول، خبر يرويه الزبير بن بكار في كتابه “الأخبار الموفّقيات” جاء فيه: عن عبد الرحمن بن يزيد، قال “قدم علينا سليمان بن عبد الملك حاجا سنة اثنتين وثمانين(=للهجرة)، وهو ولي عهد، فمرّ بالمدينة، فدخل عليه الناسُ، فسلّموا عليه، وركب إلى مَشاهِد النّبي التي صلّى فيها، وحيث أصيبَ بأحُد، ومعه أبانُ بن عثمان (=كان واليا على المدينة)، وعمرو بن عثمان (=شقيق الوالي)، وأبو بكر بن عبد الله بن أبي أحمد(=الأرجح أن يكون أحد وجوه المدينة)، فأتوا به مسجد قباء، ومسجد الفضيخ، ومشربة أم إبراهيم(=موضع سَكَن مارية القبطية)، وأُحُدا(=مكان غزوة أُحُد)، وكل ذلك يسألهم، ويخبرونه عمّا كان. ثم أمرّ أبانّ بن عثمان أن يكتبَ له سيرَ النّبي ومغازيه، فقال أبان: هي عندي، قد أخذتُها مصحّحة ممّن أثقّ به، فأمرَ بنسخها، وألقى فيها إلى عشرة من الكتّاب، فكتبوها في رقّ. فلما صارت إليه نظرَ فيها، فإذا فيها ذِكْرُ الأنصار في العقبتين(=أي الأنصار الذين شهدوا بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية)، وذِكْرُ الأنصار في بدر، فقال: ما كنتُ أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل. فإمّا أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم(=عابوهم)، وإمّا أن يكونوا ليس هكذا. فقال أبان بن عثمان: أيها الأميرُ، لا يمنعنا ما صنعوا بالشهيد المظلوم من خذلانه (=قصدَ عدم مناصرتهم الخليفة عثمان حين وقع قتله)، إنّ القول بالحقّ، هُمْ على ما وصفنا لك في كتابنا هذا. قال: ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتى أذكره لأمير المؤمنين، لعلّه يخالفه، فأمرَ بذلك الكتاب فحُرِق. وقال: أسألُ أمير المؤمنين إذا رجعتُ، فإنْ يوافقه فما أيسر نسخهُ. فرجع سليمان بن عبد الملك، فأخبر أباه بالذي كان من قولِ أبان، فقال عبد الملك: وما حاجتكَ أن تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضلٌ، تعرّفُ أهلَ الشام أمورا لا نريد أن يعرفوها. قال سليمان: فلذلك يا أمير المؤمنين أمرتُ بتحريق ما كنتُ نسخته حتى أستطلع رأي أمير المؤمنين. فصوّب رأيه، وكان عبد الملك يثقلُ عليه ذلك”[3] .
يكتسب خبر الزبير بن بكار قيمته التوثيقية من كونه شاهدًا مبكرًا على الانتقال من الذاكرة الشفوية إلى التدوين المنظّم لسيرة النّبي ومغازيه؛ فلا يكتفي بذكر مادة مكتوبة على الرقوق لدى ابن الخليفة الثالث عثمان بن عفان، بل يكشف، أيضًا، عن جمعها من أفواه الرواة الثقات، وتصحيحها، ثم نسخها على الرقوق بأيدي عشرة من الكتبة بأمر سليمان بن عبد الملك، ولي عهد عبد الملك بن مروان، وقد أصبح خليفة المسلمين بعد أبيه. لم تنل نسخة أبان بن عثمان الموافقة؛ لأنها جاءت دون ما توقّعه منها ولي العهد تجاه سلالته، فقد أثنت على الأنصار قبل الهجرة وبعدها، ولم تثن على الفرع الأموي من قريش الذين كانوا مشركين آنذاك، وفي حرب ضد الرسول وجماعته الأولى في مكة والمدينة، فأصدر أمرا بإحراق النسخة التي أُعدّت له على عجل، لا نسخة أبان الأصلية. وحين أخبر سليمان أباه، بعد عودته إلى دمشق، أيّد الخليفة قرار ولي عهده بإتلاف تلك النسخة من السيرة النبوية، وإن أبدى عدم الرضا لأنه طمس حقيقة من حقائق تاريخ الإسلام، ولكنها حقيقة لا يحبّ الخليفة شيوعها بين أهل الشام. حدث ذلك قبل أكثر من نصف قرن من بدء ابن إسحاق في تدوين سيرة النّبي ومغازيه بأمر الخليفة العباسي المنصور، وتذكر بعض الأخبار أنه تولّى جمع موادها الأولى حينما كان في المدينة منذ مطلع القرن الثاني.
وبصرف النظر عمّا يشير إليه الخبر من تحاملٍ على الأنصار، وممالأةٍ للأمويين، فإن قيمته لا تكمن في مضمونه، إنما في كونه شاهدًا مبكرًا على الانتقال بالسيرة النبوية من حيّز التداول الشفهي إلى مجال التدوين المنظّم، الأمر الذي يجعله من أقدم الشواهد على نشأة التأليف في مجال السيرة. وبمرور العقود تنامت أخبارها، لكنها لم تبلغ صورة المغازي المكتملة حتى زمن ابن إسحاق، الذي جمع طائفة منها في كتابه “المبتدأ، والمبعث، والمغازي”، فابتدأ بذكر مبتدأ الخلق، ثم بعثة النّبي، وأخيرًا المغازي. وجاء ابن هشام، فهذّب كتاب سلفه، وصار يُعرف بالسيرة النبوية. غير أن مادة السيرة في كلا الكتابين لا تمثّل سوى أقل من ربع حجم المرويات، فيما استحوذت المغازي على ما يقارب ثلاثة أرباعها، ما يؤكّد أن الأولوية كانت موجّهة إلى المغازي قبل السيرة. وفي القرون اللاحقة، ومع المؤلفين المتأخّرين، اتّسع نطاق السيرة بإضافة الكرامات والشمائل والمعجزات إلى شخصية الرسول، وهي عناصر تكاد تكون غائبة عن الصيغ المبكّرة؛ فارتفعت حصة السيرة تدريجيًا حتى صارت شخصية الرسول هي المركز بعدما كان التركيز منصبًّا على أعماله. هيمن الطابع الإخباري في البدايات، ثم أخذ الطابع السردي يغلب عليه مع مرور الزمن.
لم تستوعب كتب السيرة، في مجملها، حياة النّبي محمد، ونشأة الإسلام؛ فقد كُتبت بغاية تثبيت قواعد النبوّة، فوقع انتقاء ما يحقّق مفعول تلك الغاية من الأحداث، وأُهمل ما سواه. وبذلك لم تُعامل حياته على أنّها مسار خاض فيه تحوّلات دينية واجتماعية ونفسية متعدّدة، بل على أنّها شواهد إيمانية تؤكّد صدق الرسالة المقدّرة له. ونتج عن ذلك إقصاء تجارب لا تنسجم مع السردية الغائية التي شُيّدت حول النبوّة، رغم كونها جزءًا أصيلًا من حياة النّبي قبل الدعوة وفي أثنائها؛ فالتجارب العديدة التي خاضها، وأتى القرآن على ذكر شيء منها، لم تجد لها مكانًا مشهودًا له في مؤلّفات السيرة. وبذلك قُدّمت نشأة الإسلام بوصفها حدثًا شبه منقطع عن السياق التاريخي لعصره، لا باعتبارها حصيلة تجارب شاقّة خاضها النّبي قبل البعثة وبعدها. ويستوجب تراكم المعارف التاريخية والدينية حول الإسلام بناء سيرة تحيط بالتحوّلات الكبرى في تجربة الرسول، وفي تاريخية الحدث الإسلامي، وعدم الاكتفاء بسيرة تنتقي ما يوافق أغراض الدين. إنّ الكتابة الوظيفية التي تنطلق من مبدأ تحقيق غاية مسبقة لن يكون من واردها الاهتمام بالمعاني والمقاصد والأحداث التي وقعت في الحقبة التي تغطيها. وذلك منوال ثابت في التاريخ السردي حيث الغائية تسبق الوثائقية.
وباعتبار أن السيرة النبوية مهّدت الدرب للتاريخ السردي، فقد استأثرت المغازي فيها بالمكانة الأولى؛ لأنّها قدّمت تمثيلا سرديا للأفعال التي شكّلت الجزء الأهم من تاريخ الإسلام في المدينة. وتمثّلت في مواجهة الأخصام الثلاثة للجماعة الإسلامية: قريش المُشركة التي أخرجتها من ديارها، واليهود الذين لم يعترفوا بنبيّها، والقبائل المتمرّدة التي كانت خطرًا عليها. وتوزّعت المغازي على أولئك الأخصام، وانتهت إلى القضاء عليهم. وجاءت مروياتها أقرب ما تكون إلى المادة التاريخية السردية؛ فهي تُعنى بالحياة الدنيوية للنّبي في المدينة، وبيان دوره في بناء الجماعة الإسلامية، بخلاف مرويات السيرة في حقبة مكة التي اهتمّت بحياته الدينية. كانت حقبة مكة من حياته تأسيسًا للدين، وأصبحت في المدينة إنفاذًا لذلك الدين في الدنيا. وتبيّن تلك المرويات أنّ إسلام مكة كان إسلام جماعة ضعيفة تستجلب الشفقة، بخلاف إسلام المدينة الذي فيه جماعة قوية مثار افتخار، وكانت المغازي الوسيلة المثلى لتمثيل ذلك الانتقال من مستوى الأقوال الدينية إلى مستوى الأفعال الدنيوية. وجارتها مرويات السيرة بالانتقال من ذكر المواعظ والعِبر إلى السرد والخبر.
وفي ضوء إحاطة مدوّنة ابن إسحاق بالحدث الإسلامي، فقد تبوّأت مكانتها الأولى بين عموم المسلمين، واكتسبت موثوقية تاريخية لما فيها من تمثيل لمعالم ذلك الحدث، وبمقابل ذلك جرى التغافل عن السمة السردية لما توحي به من تخييل قد يبعث الشكّ فيه. ونتيجة لاندثار المرويات الموازية لها، من جهة، ووقوعها بين أيدي كبار المنقّحين، من جهة أخرى، فقد نالت صيغتها المهذّبة اعترافا جعلها من صلب المأثور الإسلامي إلى جوار القرآن والحديث. وبات من شبه المُحال إغفالها في كلّ كتابة عن الإسلام الأول، فهي مرجعه الأول، وطبقا، للشافعي، فـ”مَنْ أراد أن يتبحّر في المغازي، فهو عيال على محمّد بن إسحاق”[4]، لأن صاحبها، حسب إقرار الخطيب البغدادي “كان عالما بالسير، والمغازي، وأيام الناس، وأخبار المبتدأ، وقصص الأنبياء”[5]. والعناصر التي ذكرها الخطيب هي المقومات الأساسية للتاريخ السردي.
شيّد ابن إسحاق البناء السردي للسيرة النبوية، ولذلك “ينبغي اعتباره العالِم الأول الذي ارتقى بتراث السيرة والمغازي من المدوّنات إلى نوع أدبي من الكتابة التاريخية التي تجاوزت تصوير قصة حياة محمد من خلال سلسلة من الروايات القصصية المنسوبة إلى الماضي. فقد ذهب إلى أبعد من ذلك بعدّة خطوات، إذ رسم نبوّة محمد ومجتمعه في وصف كثيف للماضي العربي، وأشركهم في نسيج تاريخي من التفاعلات المصيرية مع مجموعة من اللاعبين الإمبراطوريين، ومجموعة من الباحثين الروحانيّين، سواء كانوا من العرب أو الرّومان أو المصريين أو الأحباش أو السوريين أو الفرس أو الوثنيين أو اليهود أو المسيحيين. فكان الطموح الموحد للعمل هو وضع محمد وأمته في طليعة خطّة الله للشؤون الإنسانية، وفي ذروة الحضارة الإنسانية. وللقيام بذلك ابتكر ابن إسحاق رؤية بعيدة المدى لماضي الإنسان شهدت مسار التاريخ البشري، وليس بأمر من العناية الإلهية، فحسب، ولكن أيضا مضيئة بانقطاع النبوّة الموحاة، والذي تُوِّج برسالة الله الخاتمة التي نزلت بلسان محمد آخر الأنبياء، وأفضلهم”[6]. جعلت الغائية الكثيفة في بناء السيرة النبوية من الحدث الإسلامي حدثا مقدّرا من الله، وليس مستحدثا من محمد بن عبد الله.
ومع ما كانت عليه من ريادة في اقتراح طريقة جديدة في كتابة سيرة نبيّ الإسلام، فإن مدوّنة ابن إسحاق أوقدت جذوةَ خلاف لم ينطفئ بين المحدّثين والمؤرّخين، لأنها غدت ميدانا لاختبار مناهجهم في التأليف، فقد أجمع كبار المحدّثين على تضعيف رواية ابن إسحاق، في حين ارتفعت منزلته عند المؤرّخين كونه بنى سياقا سرديا للأحداث المروية؛ فالنزاع حوله منشؤه اختلاف المناهج، وجُعل هو موضوعه، مع أنّ منزلته تتوسّط الطرفين. فلا يصحّ النيل منه لاعتبار، كما لا تُحمد المبالغة في الإطراء عليه لاعتبار آخر؛ فقد شقّ مسارا في التأليف يتعذّر إخضاعه لحكمٍ قاطع من قبل المحدّثين والمؤرّخين على السواء. وإذا كان الاهتمام بالأحاديث في السيرة قد تراجع، فقد تعاظم الاهتمام بالأخبار والأشعار. وكون تلك الموادّ مسندةً لا يؤكّد بالضرورة وقوعها؛ إذ إنّ ما تحمله لا ينسجم دائما مع طبيعة الأخبار والأشعار وأعرافها. فهي أمينة على الانتساب إلى نوعها الذي جعلها تندرج في نطاق المرويّات السردية، وكون النبيّ محورَها لا يكفل لها الدقّة الكاملة في نقل الأخبار، وإنّما يتيح لها استيعاب التجربة النبوية، لذلك لا تلزمها القداسة، فهي صياغةٌ لأخبار متفرّقة في إطار سردي.
طُعنت سمعة ابن إسحاق من قبل المحدّثين[7] الذين وصموه بعدم الأمانة، لخروجه على سننهم في رواية الحديث؛ فهو ليس من صلبهم، بل من فئة أخرى انشغلت بأخبار الرسول، وهي غير محيطة بها في نظرهم، ورأوا وجوب سحب الثقة منها لما أحدثته من مساس بمقام النبيّ. فأسانيدها تفتقر إلى الدقّة التي تعلّقوا بها، وشدّدوا في اشتراطها. ولم يكونوا مخطئين في أصل حكمهم، وإنّما بان الخطأ حين مدّوا شروطهم في الرواية إلى ما لا يُنتظر أن تمتدّ إليه؛ إذ لا صلة مباشرة لكتاب ابن إسحاق بالدين إلا من حيث كونه جامعا لأخبار النّبي، وهو لا يحلّل حراما ولا يحرّم حلالاً. وأوّل ما تعرّض له كتاب ابن إسحاق من تعديل كان على يد ابن هشام بعد نحو نصف قرن من وفاته؛ إذ أدخل عليه تغييرا جذريا. فالسيرة تبدأ برسالته وأفعاله رسولاً في قومه، ولذلك فإنّ تهذيبه لكتاب سلفه أقحمَ فيه حكما لم يكن من أصله، تمثّل في الإبقاء على ما يوافق تصوّرات المجتمع الديني واستبعاد ما عدا ذلك، ولا سيّما ما اتّصل بمرحلة ما قبل النبوّة.
وسواء أكان كتاب ابن إسحاق أوّلَ المدوّنات، أم كان استئنافًا لما وقع تدوينه في القرن الأوّل، فقد أعلن عن ظهور التاريخ السردي؛ فتلقّف الإخباريون مروياته فهي على مقربةٍ من زمن وقوع الحدث الإسلامي، فتداولوها بما تحتمله من تلطيفٍ وغائيّة، ولكن من غير تحريفٍ مقصود؛ إذ كان الموروث النبوي حيًّا في الذاكرة. والأظهر أن تكون طبقات تداول أخبار النّبي، منذ ميلاده حتى وفاته، مرورًا بنبوّته، وتهجيره، ومغازيه، شائعةَ الذكر بينهم، من غير موجباتٍ اعتقاديّة تدفع إلى تبديلها أو إغفالها. وكانت صورته، حتى زمن ابن إسحاق، منشبكةً بأحوال الدنيا والدين معًا، ثم راحت تفترق بعد ذلك، فغلب شأنُ الدين على شأن الدنيا، وظلّ الأمر على حالٍ من التنامي حتى كاد ينتهي إلى فصل النّبي عن أفعال الدنيا، باعتبار أنّ النبوّة قدّرت له قبل خلقه، ولازمته طوال حياته، والتصقت به بعد وفاته، وحملها منذ المبتدأ إلى المنتهى؛ وذلك من أهواء الخيال الديني الذي يتمادى في إلباس الأنبياء غيرَ ما لبسوه في أفعالهم الدنيوية الشاقّة لتبديل معتقدات أممهم.
دفع ما تراكم حول شخصية النّبي من شمائل، ومناقب، ومعجزات، وخوارق، إلى الخلف الفعلَ الذي خاضه لتثبيت أقدام الإسلام في منطقة تموج بالعقائد الموروثة. وأكثر ما جرى إغفالُه مدة الثلثين الأوّلين من حياته، وإطلاقُ العنان للأخبار عن الثلث الأخير منها. ولا تخفى الغاية من ذلك؛ فباستقامة شأن المؤسسة الدينية لم يكن إمامها له إلا أن تجعله رجلا مصطفًى من الله، بل هو أسمى من آلاف الأنبياء السابقين عليه؛ إنه زبدة سلالة ممتدة في الزمان. وعددهم في القرآن زهاء خمسة وعشرين نبيًّا ورسولًا، لكنّه في المأثور الديني زاد على مئة ألف: عن أبي ذرّ الغفاري “قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَمْ وَفَّى عِدَّةُ الْأَنْبِيَاءِ”؟ قَالَ “مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ. جَمًّا غَفِيرًا”[8]. ثم وقع تقليل عدد الرسل بإنقاص اثنين، فقد سأل رجلٌ النّبيَّ “كَمْ كَانَتِ الرُّسُلُ؟” قَالَ: “ثَلَاثُ مِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ”[9]. ويُفهم الاستثناء المحمّدي ضمن ذلك الجمع الغفير من الأنبياء؛ فمحمد خاتمهم، ومن اللائق أن يكون، عند المسلمين، تاجهم، فنبوّته سارية عبر الزمان، ولا يجوز تلويثها بصروف الدهر، فهي طاهرة الذيل، وقد خُلقت له وخُلق لها، ولا يجوز النظر إليه إلا بشروطها. ولمّا كان قد عاش ثلثي عمره قبل أن يوسّمه الله بها، فالأفضل الإعراض عن تلك الحقبة، وعدم الوقوف عليها إلا نادرًا، ما دام قومه قد نُعتوا بالشرك. وتتوافر أدلّة على محوها بالتدريج حتى اختفت، وصار ذكرها كفرًا صراحًا.
استبان تداخلُ التاريخي بالسردي بأوضح صوره في النصّ الواصف لتجربة النبوّة، الأمر الذي حمل ابن هشام على استخلاص ما رآه لائقا برسول الله، وإبعاد ما يضرّ بمقامه، وعبّر عن امتعاض ممّا أورده سلفه من أمور لا موضع لها في سيرة نبيّ الله: وأنا “تاركٌ بعضَ ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب، ممّا ليس لرسول الله فيه ذكرٌ، ولا نزلَ فيه من القرآن شيءٌ، وليس سببًا لشيء من هذا الكتاب، ولا تفسيرًا له، ولا شاهدًا عليه..وأشعارًا ذكرها لم أرَ أحدًا من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعضٌ يسوء بعضَ الناس ذكرُه..ومستقصٍ ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له، والعلم به”[10]. جعل ابن إسحاق لكتابه عنوان “المبتدأ، والمبعث، والمغازي”، فأبعد ابنُ هشام “المبتدأ” منه، وجعل من معظم “المبعث” و”المغازي” متن “السيرة النبوية”؛ فقلّل من حصة السردي، وزاد من حصة الخبري، وأكثر ما يلفت الاهتمام إبعاده ما “يَشْنُعُ الحَديثُ بِهِ”، لأنّ مسار النبوّة لم يعدْ يحتمله، فلعلّه قصد حالَ محمد بين قومه قبل مبعثه، فذكرهُ من قبيح القول، ومستنكر عند المسلمين. وتغافل، أيضا، عمّا “يَسُوءُ بَعْضَ النّاسِ ذِكْرُهُ”، وقصد به ورثة كبار المشركين الذين أصبحوا من أعمدة دولة الإسلام؛ فلا يُقبل التذكير بماضي أسلافهم لما فيه من إساءة تخدش فيهم أبدا؛ لاعتلائهم سدّة الدين والدنيا في دار الإسلام. أزال ابن هشام معظم ما أحاط بالإسلام من صعاب دينية ودنيوية، وانتهى بمحمد إلى ما اعتقد أنّه اليقين الثابت بالله[11]. وبعبارةٍ كاشفة تستخلص معنى التنقيح الذي وقع للسيرة النبوية: لم يكتف ابن هشام بإزالة ما عدَّه كاذبًا لأنه من السرد، بل أزال ما لم يعد مقبولًا ذكرُه من الأخبار.
وعلى منوالٍ شبه ثابت، ومن رغبةٍ في فهم صورةٍ معيّنةٍ للماضي، يتولّى المؤلّفون تنقيح الأخبار؛ إمّا بإزالة ما يرونه مخالفًا لما استقرّ في عصورهم، وإمّا بتوسيع ما يحسبونه موافقًا لأزمنتهم؛ فأحداث الماضي تتشكّل بحسب موقف المؤرّخين ومنظورهم، ويصعب عليهم مخالفة تلك الأعراف الجارية عليهم وعلى سواهم. وفي تلك المنطقة الرجراجة، المتقلقلة، وغير الثابتة، يجد التاريخ السردي ضالّته؛ فينمو وينتعش، حتى لو اتّصل الأمر بأنبياء الله. وكان ذلك التاريخ في بداية أمره متحفّظًا، لكنه سرعان ما تحلّل من تحفّظه؛ إذ تولّى الغرف من التجارب الدينية، وهي الأشدّ تأثيرًا في النفوس من الأحداث الدنيوية، ومنها بدأ المسلمون تمهيد الخطوة الأولى في الأخذ بذلك التاريخ. معلوم بأن الكتابة التاريخية تفترض وقوع أحداث تتولّى تدوينها صونًا لها من الاندثار، وحفظًا لها من النسيان، ولا يتوفّر شيءٌ كثير من ذلك في التاريخ السردي؛ إذ لا سبيل إلى معرفة محققة لِما وقع قبل تدوينه، لكونه مستخلصًا من تجارب الأمم القديمة لا من الأحداث المقيَّد وقوعها بزمانٍ ومكانٍ معلومين. ولا يراد من ذلك إنكار وقوع الأحداث كلّها؛ فتجارب الأمم هي خلاصة مجموعها، غير أنّ توثيقها يتعذّر، لارتباطها بتجارب عامّة، ولأنّ أحداثها تعرّضت لإعادة تأويل بما يوافق سياق ذلك التاريخ.
ليس من الخطأ القول بأنّ التاريخ السردي يتعالى على الأحداث بدرجة ملحوظة؛ لأنه يختزلها في تجارب اعتبارية، ويبتكر لها أسبابًا سردية، ويصرف عنها، في الغالب، إمكان التحقّق، وميثاقه التصديق بما ذُكر فيه لا الإتيان بأدلّة إثبات على وقوع أحداثه. حتى ليصّح الذهاب إلى أنه لا وساطة ظاهرة بين الحامل والمحمول فيه؛ فمعظم أحداثه مستخلصة من سياقه السردي أكثر من كونها مستجلبة من بطون الماضي، فلا عجب أن يكون عابرًا للزمان، ومتجاوزًا للمكان؛ ودأبهُ الخلط بين اختلاق الأحداث وإعادة تأويلها، والإعراض عن بيان أسبابها، وليس من شأنه الوقوف على نتائجها. تخطّى الإسلام بالتاريخ السّردي عتبات التّاريخيْن: الدّيني والدّنيوي؛ ففيهما ارتسمت معالم التّجارب الدّينيّة والدّنيويّة، وكثير منها لا يوافق رؤية الإسلام، إمّا بعرض أحوال المجتمعات الوثنيّة، وإمّا بالأساطير الحاملة لأخبارها، وإمّا بالوقائع المعبّرة عن قيم وعادات وأحداث لم يرَ الإسلام فيها حكمة. وبتكييف المقبول من ذلك، أو إبعاد ما يتعارض معه، اقترح الإسلام تاريخًا استقى موادّه من الخليط الدّيني والأسطوري والإخباري القديم، وبه جرى استيعاب ما نفذ إليه من أحداث محتملة الوقوع أكثر من كونها مؤكّدة الحدوث. وتدخّل السرد في حبك أحداثه واقتراح الروابط بينها، والسرد كفيل بابتكار الأسباب واقتراح النتائج التي توافق غاياته. ومن الصعب ردّ فضول السرد في انتزاع تلك الوظيفة التكميلية التي قد تصبح استهلالية لأحداث متخيّلة في حال غياب الأدلة.
وتقتضي حيثيات ظهور التاريخ السردي زيادةَ بيانٍ؛ إذ لم يُتَح، بموجب التاريخ الديني، للأمم الغابرة أن تتبادل تجاربها الدينية؛ إذ كانت تتلاشى بفناء أهلها الضالّين. فهي تجارب عصيان ظهرت في مواطن مختلفة، ولا يكاد يربط بينها رابط وثيق يفضي بها إلى حصيلة تستوعب حاجتها إلى الدين الصحيح. ولذلك لا ينفذ معنى الدين من طور إلى طور آخر من حياة الأمم، بل يتلاشى جرّاء العادات التي تمحوه، فلا يبقى منه غير مرويّات تُذكِّر به، غير أنّها لا تستعيد إلا تجاربه. وتتوارى الأمم بهلاكها من الله، فلا يبقى لها وجود في ديارها غير ما يُروى عنها. ووحدهم الأنبياء، والقلّة من الأتباع، ينجون من التّهلكة؛ لأنّهم استمسكوا بعبادة الرحمن، وعرفوا طريق الحق إليه، أمّا سواهم من عامة القوم، فينتهون نسيًا منسيًّا بعد هلاكهم. فلا اطّراد يجعل دين الله قائمًا، وإنّما هو أمواج من الهداية يأتي بها الأنبياء على التعاقب في عصور غير معلومة، فتقترن عقائدهم بتجاربهم، ومعظمها غير محمول في كتب تدلّ عليهم، ويغلب أن يكونوا هم أنفسهم من نتاج ذلك التاريخ.
ولكن بعد طولِ تكرار أثمرت التجارب الدينية المتقطّعة عن العقيدة السليمة، عقيدةَ الإسلام، فهي المستقرّ الأخير لها كلّها. وإذ تفتقر التجارب الوثنية إلى السيرورة التي تنقلها من حال إلى حال، لكونها من نتاج العادات، فهي تختلف عن التجارب التوحيدية التي يخلع عليها تعاقب الأنبياء سيرورةً تعيد ربطها بالله من جهة أولى، وتهذّبها بين طور وطور من جهة ثانية، إلى أن اكتملت تلك التجارب بعقيدة الإسلام، الذي هو مآلها. خُتمتْ بالإسلام تجارب أديان الله التي بدأت منذ أول الزمان، وبالرّسول محمّد خُتمتْ سلالة الأنبياء كلهم، وبه انحلّ مضمون التاريخ الديني، وبذلك انسدّ باب التجارب الدينية بعد اكتمالها بآخر كتاب ونبّي هما الغاية المرجوّة لمسارها منذ نوح، ولكنّ فعل الإسلام لم يتوقّف، وتاريخه لم ينته، لحضور القرآن في قلب ذلك التاريخ “إنّ وحدة التعبّد المتمركزة حول القرآن تعني حصريّة المجتمع الديني نفسه: فإذا كان التسامحُ مع أشكال العبادة المختلفة داخل الإسلام غيرَ ممكن مهما كانت توحيدية، فإنّ من الأصعب الاعتراف بشرعية أيّ مجتمع ديني منافس للمجتمع الذي يُحافظ على الديانة القرآنية. إن مبدأ الإله الواحد يستلزم وجود وسط واحد للعبادة، ومجتمع واحد للعُبّاد”[12].
بُني منطق التّاريخ الدّيني على المبدأ الآتي: حدوث أمر يعقبه حدوث آخر، لا بمعنى أنّه سببٌ له، وإنّما لأنّه يأتي بعده؛ فالاستمرار لازم، ولكنّه متقطّع، بصرف النّظر عن أسبابه. وتجسّد ذلك التّاريخ في أطوار، إذ جُعلت بداية كلّ طور بَعثًا، ونهايته هلاكًا، فلا مفرّ من الاستمرار في تقليب صفحات انبعاث نبيّ، وهلاك أمّة. وفي إطاره تنقرض عبادة الأوثان بهلاك الأمّة، فيما تطّرد عبادة الله من نبيّ سابق إلى آخر لاحق، فلا استمراريّة لعبادة الأوثان؛ وإنّما تصطنع كلّ أمّة أوثانها، وتأفل بأفولها، كأنّها تجارب عقيمة. ووحده التّوحيد يمضي في مسار الزّمان قُدُمًا من دون روابط بين حلقاته؛ لأنّه يجري في قلوب الأنبياء، نَسْغٌ حيٌّ لا تنقطع روافدُه، ولكنّه لا يثمر عن شيء في الأرض. لا يُذعن التاريخ الديني لسلطان الشواهد، ولا يستجيب لها؛ لأنّه يعرض مسارًا اعتباريًّا للخَلْق منذ أقدم الأزمنة، فينوب خطابه عن مرجعيّاته، وورود الأحداث الخطابيّة فيه كفيل بإقرار وقوعها على وجه الحقيقة.
افترض التاريخ الدّيني أنّ التّوحيد الإلهي كان أصلًا من أصول الخلق البشري منذ البداية، ثمّ غلبت العادات على الإيمان بالله في قلوب النّاس، فحلّت عبادة الأوثان محلّ عبادته. وبذلك فسّخت العاداتُ جوهرَ الاعتقاد بالإله الواحد، فظهرت عبادة الآلهة المتعددة عند كثير من الأمم، حتى غدت الدّنيا عدوًّا لدين الله، إذ انطفأ الإيمان في قلوب النّاس، وحلّت الأوثان محلّه. وكلّما وقع بعثُ رسالةٍ تعيد النّاس إلى التّوحيد، انتهت بغلبة العادات عليها، وتحريفها عن نهج الحقّ؛ وإنما العودة إلى الأصل هي الكفيلة بتحقيق الغاية المنشودة. فالمضمون الدّيني للتّاريخ هو تعاقب حالات من اليقين بعبادة الله، لا تلبث أن تتحلّل بعوارض الدّنيا؛ لذلك تعلّقَ بالماضي المجيد، فمنه ينهل الحقائق الصّادقة، وغايته نجاة النّفوس الطّاهرة من الأذى. وما دامت الدّنيا موطنًا للشّرور، فلا إصلاح لها إلّا بالأنبياء، وعملهم تطهير الدّنيا من الشرور، والارتفاع بأخلاق النّاس ليكونوا مؤهّلين لجنان الخلد.
وبإزاء ذلك، بُني منطقُ التاريخ الدنيوي على مبدأٍ يرى أنّ الأحداث الواقعة في الدنيا هي الأصل المعتمد في التاريخ، وأنّها تسير في صيرورةٍ متطوّرة، وأنّها، مهما واجهت من صعاب، ماضيةٌ إلى اكتشاف أمر العالم بالعقل والتجربة. وليس في واردِه جعلُ الخيال ركنًا أصيلًا من أركانه إلا على سبيل التلطيف في عرض الأحداث وحبكها. وحتى الدين، في منظوره، نتاجُ التباسٍ في فهم أحداث الدنيا، أو إبهامٍ في إدراكها على غير ما يقتضيه العقل، وتؤكده التجربة؛ فقد بدأ الدين يتلمّس طريقه بخشوع الناس لما تقع عليه أبصارهم، وما تدركه حواسهم، ثم لما يتوهّمه خيالهم، وانتهى بعبادة الله بعد تعثّرٍ طويل في عبادة الأوثان. كان التوحيدُ خاتمةَ مسارٍ طويل من العثرات البشرية، وليس بدايةً كاملةً حلّت بأمرٍ من الله فجأة. ولا يعترف التاريخ الدنيوي بالزمن الدوري الذي تكون النهاية فيه نسخةً مطابقةً للبداية، ولا يقرّ بجعل الماضي أفضل من الحاضر؛ لأنّ أحداثه مطّردةٌ في التغيّر، فلا يُخضع الأحداث له، بل يَخضع هو لها، وغايته الوقوف على التجارب الفعلية للأمم في الدنيا، وتوثيق أحداثها. ولا تحظى الأحداث لديه بأهمية من دون الإحاطة بأسبابها، والإمعان في بيان نتائجها، وهو ماضٍ في استخلاص مغزاها من التجربة الإنسانية.
وتتمثّل صورة العالم، في منظور التاريخ الدنيوي، في تعاقب الأحداث، وترابطها، وتفاعلها؛ فالعالم في تطوّرٍ نحو الأفضل باكتساب المعارف الجديدة، والوعد كامنٌ في المستقبل لا قابعٌ في الماضي. وعلى النقيض من ذلك، فإنّ صورة العالم في منظور التاريخ الديني هي صورةُ تدهورٍ وانحطاطٍ متواصلين؛ فما مضى من الزمان أسمى ممّا ستأتي به الأيام، والصلاح فيما انقضى من العِبر لا فيما سيأتي منها. وعلى الرغم من قيام التاريخ الدنيوي على المعاينة والتجربة، والتعليل والتحليل، فقد غزاه تبسيطٌ مُخِلّ في غير موضعٍ من وظائفه، وأضعف ثقة الناس به جرّاء عجزه عن الإحاطة بما تقتضيه وظيفته من توثيقٍ وتحقيقٍ، وشمولٍ وموضوعية، حتى جعلهم يجهلون معظم ما حدث في ماضيهم، فانهارت ثقتهم به إلى حدٍّ كبير؛ إذ عجز عن أن يسبك من أخبار أسلافهم صورًا تلبث في الذاكرة العامة.
انبثق التاريخ السردي ليردم الهوّة بين الرؤيتين الدينية والدنيوية. فأمام غزارة التاريخ الديني، وقوة دعائمه من كتبٍ مقدسةٍ وأنبياء مرسلين، لم يحز التاريخ الدنيوي ما يناظر ذلك؛ إذ كان عملًا فرديًا تولّاه مؤرخون جمعوا موارده من غير إحاطةٍ شاملةٍ بأحداثه، حتى إنّ معاينته تكشف ضآلة الوقائع التي حفظها؛ فنشأ التاريخ السردي في التخوم الفاصلة/الواصلة بين التاريخين المذكورين التاريخين، واستملك معظم ما قاما عليه، وانتهيا إليه. فقد جارى التاريخَ الديني في فرضيته الأساس؛ لوجود تلازمٍ وثيقٍ بين الدين والسرد. غير أنّه لم يضفِ القداسة التامّة لا على الأحداث المروية التي ادّعى نقلها، ولا على رؤيته المتخيَّلة لأحداث الماضي. فوارب في الأمرين، وشقّ لنفسه طريقًا ثالثا بين التاريخين الديني والدنيوي؛ فحاكى الأول بالإعراض عن معظم الأدلّة واستبدال الإيمان بها، وحاكى الثاني بإضفاء سمةٍ شبه دنيويةٍ على أحداثه، كيلا يقطع صلته لا بالدين ولا بالدنيا. وفي تلك المنطقة المفتوحة ضرب جذره، وراح يلتهم من هذا ومن ذاك، فاتّسع نطاقه، وامتد أثره، حتى كاد يخمل تأثير التاريخين المذكورين، إن لم يكن قد صهرهما في بوتقته؛ فقد تخفّف من وطأة القداسة المطلقة من جهة، وقلّل من دعوى التوثيق من جهة أخرى، وأطلق لنفسه العنان ليغدو التاريخ شبه الرسمي للإسلام.
ومع كلّ ذلك، فيتعيّن الإقرار بأنّ التاريخ السردي كان أميل، في مساره العام، إلى رؤية التاريخ الديني منه إلى رؤية التاريخ الدنيوي؛ ولذلك اقترض من الأول بإسرافٍ أخبار مبتدأ الخلق، والأمم البائدة. وحين تعقّب مسار التجارب والأحداث في ظل الإسلام، بقي ينظر إلى الحكّام والسلاطين على أنهم خلفاءُ رسول الله، كما كان النّبي خليفةَ الأنبياء السابقين؛ فبقي حكمه على الأشياء مرتبطا برؤيةٍ دينية أكثر منها دنيوية. ومن ذلك استحواذه على أساطير الأولين، وخلع الحلّة الإسلامية عليها، بوصفها وقائع حدثت فعلًا في الماضي، مع أنّها ليست إلا تخييلًا لما احتُمل وقوعه، فرآها من الغيب الذي هو حقيقة عنده، وإنما التصديق بالغيب لبّ كلّ دين. وتخييل المُغيّب غاية كلّ سرد.
ويصلح أن يكون “تاريخ” الطبري المثال المُدشِّن للتاريخ السردي في الثقافة الإسلامية، وقد أبان أبو جعفر جانبا من ذلك بذكر كيفية تجميعه من موارد عدّة لا سبيل إلى التحقّق من معظمها أو اختبارها “وأنا ذاكر في كتابي هذا من ملوك كلّ زمان، من لدن ابتدأ ربّنا جلّ جلاله خلقَ خلقه إلى حالِ فنائهم، مَنْ انتهى إلينا خبره ممن ابتدأه الله تعالى بآلائه ونعمه، من رسول له مرسل، أو ملك مسلّط، أو خليفة مُستخلف، فزاده إلى ما ابتدأه به من نعمه في العاجل نعما، وإلى ما تفضّل به عليه فضلا، ومَن أخر ذلك له منهم، وجعله له عنده ذخرا، ومَن كفر منهم نعمه، فسلبهُ ما ابتدأه به من نعمهِ، وعجّل له نقمه، ومَن كفر منهم نعمه، فمتّعه بما أنعم به عليه إلى حين وفاته وهلاكه، مقرونا ذكر كلّ مَن أنا ذاكره منهم في كتابي هذا بذكر زمانه، وجُمل ما كان من حوادث الأمور في عصره وأيامه، إذ كان الاستقصاء في ذلك يقصر عنه العمر، وتطول به الكتب، مع ذكري مع ذلك مبلغ مدة أكله، وحين أجله، بعد تقديمي أمام ذلك ما تقديمه بنا أولى، والابتداء به قبله أحجى، من البيان عن الزمان: ما هو؟ وكم قدر جميعه، وابتداء أوله، وانتهاء آخره؟ وهل كان قبل خلق الله تعالى إيّاه شيء غيره؟ وهل هو فان؟ وهل بعد فنائه شيء غير وجه المسبّح الخلاق، تعالى ذكره؟ وما الذي كان قبل خلق الله إياه؟ وما هو كائن بعد فنائه وانقضائه؟”.
أثبتَ الطبري رؤيته للتاريخ بوصفه مسارا كونيا يبدأ بالخلق، وينتهي بالفناء، لا سجلا لأفعال البشر وأحوال الدول؛ فالتاريخ، عنده، تدبير إلهي للعالم، تتعاقب فيه الأمم والرسل، والملوك والخلفاء ضمن نظام تحكمه الإرادة الإلهية السامية، والسنن الأخلاقية الجارية في الدنيا. ومن ثمّ تُفهم الأحداث بوصفها تجلّيات لعلاقة الإنسان بالله؛ فالنعمة، والمُلك، والسلطان هبات إلهية. وأخذ بمبدأ التعاقب الزمني للأمم والأحداث، وحاول ربط الشخصيات بعصورها، والحوادث بأزمنتها، غير أنّ ذلك التنظيم لا ينفصل عن غائية تتجاوز الوصف إلى إظهار العبرة الإلهية في مصائر الأفراد والجماعات. فلا يبدأ التاريخ بالإنسان، ولا ينتهي إليه، بل بمبتدأ الخلق ويمتدّ إلى ما بعد فنائه. التاريخ سرد مطّرد لحركة الخلق في إطار زمن قدّره الله، وهو تصوّر يجعل الله مبدأ الأحداث ومنتهاها، ويجعل الدين المصدر الذي يخلع المعنى على الحياة.
ولكنّ ما لبث أن تفطّن الطبري إلى أنّ ذلك التصوّر لا يستقيم وحده في تفسير جميع الوقائع الواردة في كتابه الكبير، فهو يصدر عن الرؤية ذاتها التي صدر عنها التاريخ الديني، وهو يرغب في تمييز تاريخه، ولكن من دون أن يعلن انقطاعه عن ذلك النبع، فبادر إلى الاستدراك “وليعلم الناظر في كتابنا هذا أنّ اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره فيه ممّا شرطت أني راسمه فيه، إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مُسندها إلى رواتها فيه، دون ما أدرك بحجج العقول، واستنبط بفكر النفوس إلا اليسير القليل منه، إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين، وما هو كائن من أنباء الحادثين، غير واصل إلى مَنْ لم يشاهدهم، ولم يدرك زمانهم، إلا بأخبار المُخبرين، ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، والاستنباط بفكر النفوس، فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحّة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلمْ إنه لم يؤت في ذلك من قِبلنا، وإنما أتى من قِبل بعض ناقليه إلينا، وإنّا إنّما أدّينا ذلك على نحو ما أدّي إلينا”[13].
استهلال بليغ جمع فيه الطبري بين المحالات والممكنات، واستوعب ما يخطر على الأذهان وما لا يخطر لها، وتحاشى بيان العلل، وتمييز الأسباب؛ فحملةُ الأخبار هم الكفلاء عمّا ورد فيه؛ فوقائع التاريخ معلّقة على روايات يصعب التثبّت من كثير منها. بل إنّ غاية الخلق نفسها لا تبدو، في هذا التصوّر، متوقّفة على الخلق أنفسهم، فكأنّ حركة التاريخ لا تضيف إلى الذات الإلهية غاية أو كمالا، بل تبقى دائرة في إطار المشيئة الإلهية. ولم يغفل أبو جعفر ذلك، فهو من لوازم القول الديني “إنّ الله جلّ جلاله، وتقدّست أسماؤه، خلقَ خَلقه من غير ضرورة كانت به إلى خلقهم، وأنشأهم من غير حاجة كانت به إلى إنشائهم، بل خلق مَن خصّه منهم بأمره ونهيه، وامتحنه بعبادته، ليعبدوه، فيجود عليهم بنعمه، وليحمدوه على نعمه، فيزيدهم من فضله ومننه، ويسبغ عليهم فضله وطوله، كما قال [وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ، وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ]. فلم يزده خلقه إياهم -إذ خَلقهم- في سلطانه على ما لم يزل قبل خلقه إياهم مثقال ذرّة، ولا هو إن أفناهم وأعدمهم ينقصه إفناؤه إيّاهم ميزان شَعره، لأنه لا تغيّره الأحوال، ولا يدخله الملال، ولا ينقص سلطانه الأيام والليال؛ لأنه خالق الدهور والأزمان، فعمّ جميعَهم في العاجل فضلهُ وجودهُ، وشملَهم كرمهُ وطولهُ، فجعل لهم أسماعا وأبصارا وأفئدة، وخصّهم بعقول يصلون بها إلى التمييز بين الحقّ والباطل، ويعرفون بها المنافع والمضار، وجعل لهم الأرض بساطا ليسلكوا منها سبلا فجاجا، والسماء سقفا محفوظا، وبناء مسموكا، وأنزل لهم منها الغيث بالإدرار، والأرزاق بالمقدار، وأجرى لهم فيها قمر الليل وشمس النهار، يتعاقبان بمصالحهم دائبين، فجعل لهم الليل لباسا، والنهار معاشا، وخالف- منًّا منه عليهم وتطوّلا- بين قمر الليل وشمس النهار، فمحا آيةَ الليل وجعل آيةَ النهار مبصرة”[14].
بيان مسترسل أراد به الطبري أن يستوعب تاريخه ما مضى من الأحداث من غير أن يكون مسؤولا عنها؛ فكثير منها يشقّ عليه، ويفوق طاقته، ويعجز عن الإتيان بقرائن تؤيّده، لكنّه، ما دام قد رُوي أو دُوّن، يلتزم بإيراده في كتابه، لأنه نَدب نفسه لتدوين “تاريخ الرُّسل والملوك”، أو “تاريخ الأمم والملوك”. وفي ذلك مزج بين ما للرُّسل من أنباء دينية، وما للملوك من أخبار دنيوية، ضمن تصوّر لتاريخ شامل يبدأ بالخلق، مرورا بالأنبياء، ثم الأمم، وصولا إلى عصره في أواخر القرن الثالث الهجري. وغالبا ما وُصف منهج الطبري بالموضوعية؛ لأنه لم يقتصر على ذكر رواية واحدة للحادثة في تاريخه، وكان يتحاشى تغليب رأي على آخر، تاركا للمتلقّي أن يختار ما يراه في ضوء رصيده الثقافي. وربما نهج ذلك النهج تجنّبا للتحيّز الذي يلازم المؤرّخين “يمكن النظر إلى منهج الطبري التاريخي، للوهلة الأولى، على أنه منهج يستبعد أيّ قصد تأويلي؛ إذ يتألّف الكتاب من مجموعة من المعلومات، والروايات التاريخية الجافة. نادرا ما يتحدّث الطبري بصوته الخاص، فيما عدا بعض التأطيرات البسيطة في الفقرات الانتقالية، فكلّ ما يريد قوله يُقال من خلال الاختيارات الحصيفة، والترتيب، وتوثيق الأخبار حرفيّا كما وردت إليه. لا يستطيع الطبري أن يصرّح، ويوضّح خلاصاته، فهو مثل المحقّق الذي يقدّم كل الأدلّة التفصيلية التي يراها على صلة بخلاصته الشخصية من المسألة، ولكنّه، في النهاية، يفشل في صياغة روايته لها، تاركا للقارئ أن يرسم خلاصته من الأدلّة التي جمعها له”[15].
ولأنّ الطبري مزج التاريخ بالسرد، ونأى بنفسه عن تبنّي موقف المؤرّخ الساعي إلى تعليل الأحداث، إمّا لتعذّر ذلك في غالب أخبار الأوّلين، وإمّا تحرّزًا من الانحياز إلى أخبار بعض المتأخرين، أو عدم إنصاف أخبار غيرهم، وما قد يترتّب على ذلك من تبعات تؤثر في موقعه، وتنال من مقامه، فقد أورد الأخبار شبه مجرّدة من عللها المباشرة، وردَّ وقوعها إلى تدبير ربّ العالمين؛ فهو مصرّفها، والحاكم في أمرها، لذلك حظي بثناء أقرانه من الإخباريّين والمؤرّخين. فقد “جعل همّهُ أن يجمع أكبر قدر ممكن من كتابات السابقين، ويحرّرها في مؤلَّف تاريخي كبير واحد، كما أنه حاول، بقدر كبير من النجاح، أن ينظّمها، وقد اتخذ إطارا حوليّا تمّ فيه تسجيل كلّ سنة حسب توالي السنين. ولم يكن أوّل كاتب عربي يستخدم هذا المنهج، الذي يمكن أن ننسبهُ إلى التراث اليوناني في كتابة المؤرّخات وفق الترتيب الزمني، بيد أنّه لا يوجد أحد سواه كان قد استخدمه لكي يقدّم مثل ذلك الكمّ الهائل من المعلومات. وبطرق عديدة، فإنّ كتابه جعل المصنّفات الفردية التي ألّفها أسلافه عديمة الجدوى. والحقيقة أنّ الروايات التاريخية اللاحقة عن العالم الإسلامي المبكّر عامة، وتاريخ الفتوح الإسلامية على وجه خاص، كانت قائمة على أساس كتابه العظيم”[16].
ولكن ذلك ليس بكافٍ، فنمطُ التأليف المبكّر يغري بالتاريخ السردي لا بغيره. وإذا ما وجب الإتيان بمثالٍ على مفهوم “التأليف” في الكتابة التاريخية العربية، فالأنسب هو كتاب الطبري نفسه؛ لأنه يقوم عليه؛ فالتأليف، في اللغة العربية، هو الجمع، والضمّ، والتنسيق، والتصنيف، أي الجمع بين الأخبار في نظامٍ واحدٍ بعد تفرّقها. وذلك هو محتوى “تاريخ الرُّسل والملوك” الذي يتنزّل في التخوم الفاصلة بين طور الأخبار الشفوية المتناثرة على الألسن، وطور الأخبار وقد انجمعت بين دفّتي كتاب. ويُلاحَظ ذلك من حرص المؤلّف على إيراد جملةٍ منها عن الحدث الواحد، ما جعل كتابه إخباريًّا من هذه الناحية، ولكنّ انجماعها في نسقٍ واحدٍ تتتابع فيه الأخبار وتتوازى، بما يستوفي الحدث الواحد من جوانبه كافة، جعله كتابًا تاريخيًّا قاعدته السرد، فهو مثال “لختام عصرٍ من عصور التاريخ، وبداية تطوّرٍ في تأريخ التأريخ”[17]. فإن وقع النظر في طبيعة أخباره فهو كتابٌ في الأخبار، وإن جرى النظر فيه بمجموعه فهو كتاب تاريخ. وما يدعم ذلك أنّ صاحبه يُصرّح على طول كتابه بأنه يُدرج فيه أخبارًا مرويّة وأخبارًا مدوّنة؛ فهو يروي في موضع، ويُثبت ما وصل إليه مدوّنًا في موضعٍ آخر. فللكتاب رِجلٌ في منطقة الشفوية ورِجلٌ في مدار الكتابية. وقد دفعه ذلك إلى الإحجام عن إبداء رأيه في الأخبار التي تولّى جمعها مشافهةً أو التي قام بنقلها عن مدوّناتٍ سابقةٍ عليه.
ويُلاحظ أنّ الموارد الشفوية والكتابية غزيرةٌ جدًّا في تاريخ الطبري، وأغلبها يحقّق المصداقية بدعمٍ من الإطار السردي الذي أدرجت فيه. ولو وقع اختيار القسم الخاص بالمغازي، وحروب الرّدة، على سبيل المثال، لأصيب المتلقّي بالعَجَب من إحاطة الأخبار فيه بالتفاصيل الوافية عن الأشخاص، والأحداث، والأوقات، والأماكن، والغنائم، والمبارزات، وأعداد المحاربين، وتحديد مواقع الأودية، والجبال، والطرق، والقرى، حتى ليشعر القارئ كأنه يرى الأحداث التي وقعت قبل تجميعها بثلاثة قرون، فالمشاهد السردية أبلغ من المادة الإخبارية. وما يؤكّد أنّ الطبري -الذي ألّف تاريخه في بغداد في العقدين الأخيرين من القرن الثالث الهجري- قد اعتمد على مصادر أخبارية قديمة، وقد حافظ كتابه على تماسك الأخبار وزخمها على الرغم من كثرتها وتنوّعها، وهو أمرٌ لا يتأتّى إلا لمصنِّفٍ جمع بين يديه كلّ ما رأى أنّه يحتاج إليه، ثم شرع في تنظيمه وتنسيقه من غير أن يتدخّل في تفاصيله إلا في أدنى أشكال التدخّل، وكأنه ترك الأخبار تفصح عمّا فيها بعد أن بنى لها إطارا سرديا.
خصّ جواد علي موارد تاريخ الطبري ببحثٍ وافٍ، فاستقصاها، وتتبعها، وبيّن أصولها، إذ اعتمد “في كل فصل من فصول كتابه على مراجع منها شفهية أخذها سماعا من مشايخه، ومنها مؤلّفات أُجيز بروايتها فأخذ منها، فجمع كتابه من مصادر كثيرة، وأظهر مقدرة فائقة في الجمع بين المصادر، والاطلاع على الكتب التي أُلّفت قبله”[18]. ما جعل كتابه في التاريخ “مجموعة مصادر تاريخية قيّمة، ونتف من كتب قديمة ذهب الدهر بأكثر أصولها، نُقلتْ على ما كُتبتْ، ووُضِعت في المحلّات المناسبة، ولذلك أصبح خزانة روايات ونصوص جمعها المؤلّف بعناية وتدقيق متوخّيا في ذلك الحياد التام، والأمانة في النقل، والإحاطة بالشيء على قدر الإمكان. وبذلك اكتسبت تلك الشهرة الفائقة بين كتب التاريخ”[19]. وعلى الرغم من ذلك التوثيق الذي ربط الفصول بالأصول، والنتائج بالمبادئ، فقد أعلن الطبري براءته من صدق ما فيه أو كذبه كيلا تُنسب إليه أو يكون مسؤولًا عنها، فلا يقع التقوّل عليه. ولذلك، فالكتاب بمقدار ما يؤكّد على أحوال الكتابة التاريخية في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، فهو يكشف أحوالها في القرنين السابقين حينما كانت تنتقل ببطءٍ من طورها الشفوي إلى طورها الكتابي.
ويتضح الرابط بين الطورين المذكورين في نوع الوساطة السردية التي أخذ بها الكتاب، ويمكن التمثيل عليه بوساطة السّرّي بن يحيى – الذي هو شيخ الطبري- بين الإخباري سيف بن عمر والمؤرّخ أبي جعفر الطبري في معظم أخبار الردّة وفتوح البلدان، فأكثر من ترديد القول “كتب إليّ السرّي”. وبذلك يُعدّ السّري إحدى حلقات انتقال المادة من طورها الإخباري المتفرّق إلى طورها التاريخي المنتظم. فقد جمع السّرّي مرويات سيف بن عمر -الذي دوّن أخبار الرّدّة والفتوح- وأرسلها إلى الطبري، فتلك الصيغة تشير إلى اعتماده ما كان يصله من أخبار شبه موثّقة. فيكون السري قد صار وسيطًا بين سيف الممثّل لمرحلة الأخبار المبكّرة، والطبري الذي أعاد تنظيمها بمنهج الإسناد، والفارق بين عصريهما يزيد على قرن من الزمان. على أن الصيغة المهيمنة في عموم أجزاء الكتاب هي “حدّثنا” و “حدّثني”، وهي ركيزة أساسية من ركائز عصر المشافهة، وبقيت مهيمنة حتى في عصر التدوين.
وتتمثّل في تاريخ الطبري السمة السردية في بناء الأخبار؛ فلا يكتفي الخبر بحملِ معلومة بعينها، بل ينشئ لها سياقًا تتفاعل فيه الشخصيات، وتتحاور في اتفاقٍ أو اختلافٍ، وتتضح معالم الزمان والمكان التي تدور فيها الوقائع؛ فالمباني السردية للأخبار تتقدّم على المعلومات الخبرية في الكتاب، والصيغ الحوارية غالبةٌ فيه، وهو يعجّ بالحركة، ولا ركود فيه. وبناءً على تعدّد روايات الأحداث، واختلاف زوايا النظر إليها، وعلاقة شهود العيان بها، تتعدّد المباني السردية للأخبار، وقد أضفى ذلك على الكتاب حيويةً جعلت منه كتابًا وافيًا وجذّابًا. وهو يمتثل لمفهوم البنية السردية الإطارية؛ فالطبري يقترح إطارًا ثم يُدرج فيه أخبارًا بعد تجميعها، فالتجميع المتّسق للأخبار داخل تلك البنية يجعل منها أحداثًا سرديةً في إطار حكايةٍ كبرى. وبمنوالٍ متعاقبٍ لتلك الحكايات، أحاط الكتاب بأحداثٍ تتداخل فيها النزعة الإخبارية بالنزعة السردية.
إذن، فالتّاريخ السّردي ضربٌ من التأليف ذي الأصول الشفوية، استُجلب إليه خليطٌ من الأحداث المتخيّلة والواقعية، ولم يكن يمتنع عن ابتكار المحالات، كالأساطير والخوارق والمعجزات، ويتلوّن بألوان السّياق الّذي يُروى فيه؛ فيتّخذ سمةً دينيّةً في محافل الأديان، وقوميّةً في محافل الأعراق، وقبليّةً في محافل الانتساب. واستُقبل بحفاوةٍ من عموم المسلمين، فما تؤمن به الجماعة المؤمنة لا حاجة إلى دليل عليه، لأنّ الإيمان كفيلٌ بإثباته. وبالغ ذلك التاريخ في تخييل تجارب الأمم القديمة حتّى بدا وكأنّه يأتي بها من زمانها ليغرسها في خيال الناس غرسًا أبديًّا. وما دامت القلوب عامرةً بالإيمان، فليس من واردات الحواسّ الارتيابُ في شيءٍ من أحداثه؛ ذلك أنّ الأحداث المذكورة في المرويّات الدّينية “توجد لأنّها محلّ اعتقاد”[20]. وحيثما يقع النظر في حوامل التّاريخ السّردي ينتهِ إلى تعذّر استدعاء أحداثه؛ فالماضي لا يُستدعى، بل يقع تأويله بوجهٍ من الوجوه؛ فالأنسب النّظر إلى أحداثه على أنّها مجموعٌ محتملٌ من الوقائع السردية، يصعب قصرها على معنىً يؤكّد يقينًا ثابتًا؛ فذلك أبعد ما يكون عن الصّواب.
وبالحديث عن الماضي البعيد، يُستحسن تقييد عبارة “صدق الأحداث” ولجمُ عنانها، فقد تذهب بالمشتغلين مذهبًا لا تُحمَد عقباه، فيتوهّمون ما لم يقع، ويحكمون على ما لم يحدث. فحذارِ من الجزم بأحداث التاريخ وبناءِ حكمٍ نهائيّ عليها؛ فقد تقاطعت بها الدّروب، وما وصلت إلّا أصداؤها. ولا تنبغي الاستهانة بتلك الأصداء؛ فبتنسيقها وغربلتها وبناء سياقٍ منها، يمكن استكناه التجارب الماضية، ويغري الاستكناه بتخيّل أحداثٍ مرتبطةٍ بالسّياق ذاته، ويتقوّى ذلك بمعرفة الأطوار التّاريخية للأمم؛ فقد ترجّح حصيلتُها مما وقع فيها من أحداث. وعليه، فالطّريق إلى الماضي ما برح وعرًا، والأخذ بما يدّعي وصلًا به قد لا يسعفه في بلوغه فعلًا؛ فلا الإتيان به متاح، ولا الذّهاب إليه ممكن، ولا بدّ من توسّطٍ. ويُشترط لذلك رؤيةٌ مبرّأةٌ من محاباة الماضي أو الاختصام معه. قال دلتاي “كلّما بعُدتْ روايات الأحداث في الزمان، انتقصتْ مصداقيّتها، اللّهمّ إلا إذا ما كانت قيمة العناصر المقوّمة لمثل هذه الرواية قابلةً للإثبات، وذلك بواسطة الردّ إلى أخبارٍ أقدمَ معاصرةٍ للأحداث نفسها”[21].
وحيثما يطرق البحثُ أبوابَ الماضي، يمتنع الإقرار بإمكانية استجلاب أحداثه بكاملها إلى الوقت الحاضر، بل يصحّ القول بإمكانية بناء صُوَرٍ لها في المخيال العام. وتقترب تلك الصُّوَر من تأدية غايتها كلّما استوعبت سياق تلك الأحداث، واستوفت ما دفع بها إلى الوقوع، وما نتج عنها من آثار؛ فذلك غاية ما ينتهي إليه التاريخ. وبناءً عليه، فهو فالمؤرّخ مُجبر على تأويل الأحداث بما يتأتّى له من قرائن تُرجّح فهمًا على آخر؛ فالتأويل، على مستوى القرائن الدالّة على الأحداث أو على المدارك العقلية لفهمها، هو الذي يُغلِّب أمرًا على أمر، وإليه تُوكَلُ مهمّة بناء صور الماضي بأقرب ما تكون إليه من إحالة مجازية أو عقلية. ولكنه تأويل مقيّد بشروط إنتاج الخطاب بمقدار ما هو مقيّد بأعراف إنتاج الأفكار. ويساعد ذلك في إقامة فهم مشترك بين أهل الحاضر وأهل الماضي، فيصل بينهم على قاعدة التفاعل، لا على قاعدة التنازل، فلا يكون الماضي عبئًا تنوء بحمله الأمم، وإنما يغدو نبعًا تنهل منه. أمّا عزل الأمم عن ماضيها وتخليده في صور جامدة، فيجعله أثرًا من آثارها، لا مأثرةً من مآثرها.
وما دام الأمر على تلك الدرجة من الأهمية، فيتعيّن الاقتراب إليه من زاوية أخرى لا تقلّ أثرًا عمّا وقفنا عليه من قبل، قصدتُ بها “فهم الماضي”؛ ذلك أنّ بناء فهم للماضي له اعتبار يفوق اعتبار السيرورة التاريخية لأحداثه. فما جدوى معرفة أحداث متعاقبة لا تُدرَك معانيها، ولا تُعرَف سياقاتها، ولا يُتفاعل معها؟ لا نفع من الزعم بإحكام بناء صور الماضي، وإنما الأحرى بذل جهد للإحاطة بما يُسعِف في إدراك أبعاده. ولا يتحقّق شيء من ذلك إلا بالارتياب فيه؛ حمايةً له من ادّعاء اليقين بما كان عليه. فاليقين من نتاج ركود الفهم، وخمول الإدراك، ولأنّه متعذّر التحقيق، فالأولى هو تغليب الظنّ بقرائن، وهو المتاح بين أيدي الباحثين في شأن الماضي. ولكن لا مناص من الإقرار بأنّ الماضي لا يمكث مأسورًا ليقع اكتشافه بتمامه؛ فهو ليس كتلةً من هُلام خامد؛ إنه جملة من الأحداث التي يُعاد تقليب وجوهها، شاءت الأمم أم أبت، فلا ينفصل عن مداركها، وإن حسبت أنّها تنفصل عنه. ومعاودة النظر فيه تُقوّي الصلة به من دون استبعاده. وأكثر ما يزعج الأمم سوءُ الظنّ بماضيها؛ فإن حدث ذلك، كانت هي موضوع الازدراء، ولا يحدث ذلك إلا بإحلال معتقد يزعم الأفضلية محلّ معتقد يُوصَم بالدونية. وعندئذٍ، فحسب، تضطرب أحوال الأمم، ويختلّ فهمها، وتتشوّش هوياتها، فلا تكاد تعرف ما هي عليه، وإنما تُساق إلى ادّعاء معرفة مضطربة؛ فدعوى التطهّر من ماضٍ ملوّث ضربٌ من الخداع الذي يُقلقل أحوال الأمم، فتتوهم خيرًا فيما هو شرّ.
ويعود ذلك التشويش، من بين ما يعود إليه، إلى وظيفة الألفاظ التي يستعين بها المؤرخون في الكتابة عن الماضي؛ إذ يحسب كثير منهم أنّ الألفاظ التي تنطق بها ألسنة الناس أمينة على حمل معانٍ غير قابلة للتبديل، كالمودعة في بطون المعاجم. فما دامت قد عبّرت عن معانٍ احتاجها المستخدم في حياته، فهي ذاتها المحفوظة في السجلات القديمة. والحال غير ذلك؛ فالألفاظ، بوصفها وسيلة تواصل وتفاعل، تتبدّل بحسب سياقات الإرسال، ومقتضيات التلقّي، وتمتثل لمواقف المتداولين. وما وقع تثبيته من معنى في المعجم لا يُشترط أن يكون هو ذاته ما يُراد منه أثناء تبادل الأخبار، ولا عند إعادة تأويل القديم منها. ومن المستبعد أن تكون الألفاظ قاطعة الدلالات إلا في المعاجم المغلقة، وحتى هناك فثمّة اشتباه تقرره جذورها واشتقاقاتها. ويعود ذلك إلى أنّ الألفاظ، في حال استخدامها الشفوي والكتابي، يُراد منها التعبير عن أفعال قيد التكوين؛ فغايتها التعبير عنها في تحوّلاتها، لا الجزم بمقاصد ثابتة فيها. وبخلاف ما كان عليه الفكر اللغوي العتيق من تصوّر قائم على الترابط الثلاثي بين الكلمة التي تحيل على شيء، والشيء الذي يحيل على معنى، فقد انعطف الفكر اللغوي الحديث إلى مسار افترض أنّ العلامة يتأدّى عنها مدلول يفضي إلى تشكيل صور متخيّلة تؤلّف قوام المرجع في سياق متفق عليه. وفي ذلك السياق لا تحيل الألفاظ على أشياء تتأدّى عنها معانٍ مقيّدة بها، بل هي علامات تتولّى تمثيل المرجع أو تخييله بحسب مقتضياته.
ومثلما يقع إرسال الألفاظ من متحدّثين أو كتّاب بغايات معيّنة، يقع استقبالها من متلقّين بشروط غاياتهم؛ فالمشاركة على حدّ المطابقة بين الأفهام غير متحقّقة، أو في الأقلّ يوجد فيها اختلاف في الإرسال والتلقّي. وإلى ذلك، فإنّ الألفاظ تعبّر عن وعي المتلفّظ وقت حاجته إلى التلفّظ بها، وليس قبل ذلك، ويختار لفظه، أو يُغرى به، في حال من أحواله النفسيّة والتواصليّة، وليس من غاياته أن يكون أمينًا للخزين اللغوي المطمور في المعجمات؛ فتلك مَذاخِر للألفاظ في منأى عنه وقت تدفّقها على لسانه أو قلمه. ثمّ إنّ الألفاظ تتباين تبعًا لأحوال مستخدميها بين عصر وعصر، وبين إقليم وآخر، وبين موضوع وموضوع، وهي قطعًا تختلف في مقامات التخاطب وغاياته وسياقاته. والقول بأنّها مصمتة المعاني، بما يجعل اللاحقين يأخذونها على أنّها قاطعة الدلالة كما أُريد لها أن تكون في المعجمات، أمر لا تقبله الوظائف التواصليّة للّغات. وحيثما يدور الحديث عن نقل أحداث الماضي إلى الحاضر بالأخبار المرويّة عنه، يصبح من الضروري الأخذ بعين الاعتبار استخدام الألفاظ فيما كانت تدلّ عليه وقت التلفّظ بها؛ لذا من الواجب نفي الحياد المتخيّل في التعبير اللغوي عند الاستخدام، لأنّه غير متحقّق. كما أنّ تكاثر السياقات الاجتماعيّة والتاريخيّة والدينيّة لاستعمال الألفاظ يرغمها على تنويع دلالاتها استجابةً لتلك المقتضيات؛ فسياقات التداول هي التي تنتقي من خزين الألفاظ ما يحتاج إليه المستخدم، وليست الألفاظ هي التي تحدّد تلك السياقات. ومرونة المعاني تحقّق شيئًا من تلك الغايات، ولا تصحّ الثقة بسياقات غابرة لم تعد عليها شواهد سياقيّة دقيقة، ما عدا الألفاظ التي إمّا أن تكون قد تداولتها الألسن لعشرات، وربّما لمئات السنين، بصيغ متكاثرة قبل تدوينها، وإمّا أنّه جرى تخيّلها والتعبير عنها بعد وقت طويل من وقوع أحداثها.
إنّ التصديق بالمرويّات اعتمادًا على المعاني الواردة في ألفاظها المنطوقة، والانتهاء إلى أحكام قاطعة بشأنها، يُبعِد المرءَ كثيرًا عمّا يريد الاقتراب إليه، ويجعله يضرب في غير المرمى الذي يقصده. والحصيلة من ذلك هي أنّ ما يُراد من الألفاظ هو صوغ جملة من المعاني المعبّرة عن موقف ما في لحظة ما، أو بناء تصوّر عن قضيّة مخصوصة، ولتلك المعاني أو التصوّرات غايات إبّان حدوثها، كالإيمان أو الإقناع أو التعبير عن خلجات النفس، وتتراوح بين الصدق والكذب، والسرور والحزن، وغير ذلك. وأخلصُ من ذلك إلى أنّ الألفاظ تعبّر عن معانٍ حيّة وقت استخدامها، ومن المستبعد أن تكون صالحة بتمامها لاستخدامات أخرى في عصور أو أماكن أخرى، بالغاية نفسها، والدقّة ذاتها؛ فالوعي الذي استلزم لفظًا هو غيره بعد انقضاء أمره. وكذلك الغايات الطارئة وغير المحسوبة؛ فقد تكون جيّدة أو سيّئة، صادقة أو كاذبة، مفرحة أو محزنة، تقرّ الأمور القائمة أو تنكرها، تؤيّدها أو تنفيها، فهي لصيقة بأحوال التخاطب والمتخاطبين، وتعبّر عن زخم تفاعلهم. وفي كلّ الأحوال، هي ليست حقائق قاطعة، وإنّما مقاصد آنيّة، ولا يصحّ اتّخاذها دليلًا على أحوال ثابتة صالحة لكلّ زمان ومكان. والمسلّم به أنّ غالبيّة المتخاطبين لا يرسلون ولا يستقبلون إلّا ما يعرفون من الكلمات، ولا يتبادلون إلّا ما يأنسون إليه من الألفاظ، فأحوالهم تحدّد ما هم بحاجة إليه. ويحدث ذلك في الميادين العامّة للاستخدام اللغوي، حيث نوازع التفكير وغايات المواقف هي المتحكّمة في اختيار الألفاظ، وندر أن يتحقّق ما يخالف ذلك إلّا في المحافل المتخصّصة جدا، كالمجامع اللغويّة.
إنّ ما يُزعم من صدق الكتابة التاريخية في حمل الوقائع الحادثة في سالف الأزمان أمرٌ بعيد المنال، والأَوْلى الاكتفاء باستيعاب سياقاتها، واستشفاف روحها، ومنح الحرية للألفاظ المعبِّرة عنها؛ لترسم صورها، لا ادعاء الأمانة المطلقة في إيرادها؛ فالأثر اللغوي أشبه ما يكون بالأثر العمراني الذي فعلت فيه عوارض الطبيعة ما فعلت، فلا يحمل إلا شيئًا يسيرًا مما كان قائمًا قبل مئات أو آلاف السنين. وقد دفع عدم الإقرار بضآلة معرفة أهل الأزمنة الحديثة بأحوال أهل الأزمنة القديمة -في نوع من التعويض المغالط- إلى المبالغة في ادعاء المعرفة؛ وتلك مغالطة لا يجوز التستّر عليها؛ إذ ما دام العصر الحديث مقرونًا باتساع المعارف، فلا بدّ، في هذا التصوّر، من أن يُشمل الماضي بها. وذلك من نتاج الرغبة في معرفة كل شيء من دون التوفّر على معظمه، وكأنّه ضربٌ من خداع النفس. ومن غير الواضح أنّ معرفةً أوثق بالماضي قد حلّت محلّ معرفة زائفة عنه؛ وإنّما بُولغ في التأويل غير القائم على قرائن ترجّح شيئًا مؤكّدًا فيه. ولا يشيع التأويل غير المنضبط إلا في ظلال الإبهام، والالتباس، والتحيّز، ولا تنشأ عنه معرفة متماسكة، بل معرفة مرتبكة؛ فالكتابة التاريخية محفل للتأويلات، وليست سجلًّا للحقائق.
نتج كمٌّ غزير من الكتابة التاريخية عن أمر ما برح شبه مجهول؛ والإكثار من التأليف في موضوع ما من بين أدلّة عدم الوثوق به، وربما على انعدام اليقين بكثير مما وقع فيه. وكان شوبنهاور قد ارتاب بمحمولات الكتابة التاريخية لسبب يتصل بالمؤرّخ الذي تعذّر عليه الإحاطة بما ينبغي الإحاطة به؛ إذ يتعيّن عليه أن “يتتبّع بدقة الحدث الفردي كما يجيء في الحياة، ومن حيث إنّ ذلك الحدث يتطوّر في الزمان من خلال حشد الحلقات المتشابكة من العلل أو الأسباب، والنتائج المترتبة عليها، ولكن من المستحيل أن ينال كل المعطيات الخاصة به بذلك، فليس بمقدوره أن يكتشف كل ما هنالك، وأن يعرف كل شيء، وهو كإنسان يكون في كل لحظة بمنأى عن صورته الحقيقية، أو يتم إحلال صورة مزيفة محل تلك الصورة الحقيقية. وهذا أمر يتكرّر حدوثه كثيرًا لدرجة إنني أعتقد أنه يمكنني الزعم بأنّ الزائف يربو على الحقيقي في كل تاريخ”[22].
لا يُراد بتكرار الإشارة إلى التوجّس من أحداث التاريخ السردي إبطالُها في الخيال العام؛ فقد يتضاعف نفوذها بغياب الدليل عليها، وهو مقتضى ذلك التاريخ. وإنّما الاعترافُ بقصور الأخبار عن الإحاطة بأحداثٍ محمولةٍ على ذاكرةٍ غير مؤتمنة، وكثيرةِ التمويه، وذلك أمرٌ لا سبيل إلى إنكاره في زمنٍ لم تكن الموثوقيةُ فيه شرطًا من شروط الكتابة التاريخية. فالأَوْلى الحديثُ عن التجارب المحمولة بها، فالتجارب محكومةٌ بسياقاتٍ سردية تجعلها مفهومة، أمّا الأحداث فلا سبيل إلى الإلمام بها على الوجه الذي وقعت عليه، ولا يُحمَد ادّعاءُ درايةٍ بها، وإنّما يُغلَّب الظنُّ ببعضها بناءً على كيفية استنطاقها. وما دامت عوالم ذلك التاريخ لا تُفهم إلا في سياقٍ يخلع عليها المعنى، فهي تصلح وسيلةً لتعميق فهم الناس لماضيهم، لكنها ليست خريطةً يجب ترسُّم معالمها؛ إذ لا معالم واضحة لها، ولا تُدرَك إلا بتنشيط ضربٍ من التأويل يستخلص منها وجهًا من وجوه الماضي، ويكفيها أنّها منغمسة فيه، وقد اختمرت في طيّاته، وذلك هو مضمون التاريخ السردي، ولم يعد من المتاح إنكار حضور الخيال في قلب الكتابة التاريخية.
في مؤلَّفه “كيف نكتب التاريخ” عقد “بول فين” فصلًا بعنوان “التاريخ ليس إلا سردًا حقيقيًّا”، قال فيه “التاريخ سجلٌّ لأحداث حقيقية قام بها الإنسان، لكن كلمة “إنسان” ينبغي ألّا ترهبنا؛ فلا جوهر التاريخ يتعلّق بوجود هذا الشخص ولا بأهدافه، وإنما يتعلّق بوجهة النظر التي يختارها، فالتاريخ هو ما هو عليه، لا بسبب أيّ كائن كان، بل لأنه انحاز إلى طريقةٍ ما في المعرفة؛ فالحقائق تُعَدّ إمّا فردية، وإمّا ظواهر نحاول أن نجد وراءها ثابتًا خفيًّا”[23]. في ذلك القول إقرارٌ بوقوع أحداث، غير أنّ التاريخ لا يحيط بها كلها، وإنما يحيط بوجهة نظر تسعى إلى معرفة ما حدث أكثر من سعيها إلى تقرير ما وقع فعلًا؛ فهو يقوم على الأخذ برواية عنها، أو حتى على بناء رواية حولها، فيكون أقرب إلى السرد منه إلى أيّ شيء آخر. وكانت غاية المؤرّخين بيان حقيقة الحدث الإسلامي، لاستصفاء الأحداث التي وقعت من خليط الأخبار الواردة حوله، وهو رهان صعب جدًّا، إن لم يكن مستحيلًا. أمّا مقصد السرديّين فالوقوف على ما رُوي عنه بوصفه سردًا؛ فالصورة السردية للإسلام غير الصورة التاريخية له، ولعلّها أوفى بمطلبه الديني، بل أوفى بمطلب أيّ دين؛ لأنها استوعبت تجربةً، وصهرت منها حدثًا، ومنحته مغزى، فبَنَتْه في الخيال الجماعي.
ولا يُعاب على الإسلام الشكُّ في خبرٍ مفردٍ من أخباره إذا لم تكن روايته موثوقًا بها، ولكنّ تخريب صورته نقضٌ لهويته؛ فبناء صورة الإسلام في الأذهان نتاج فعل السرد الحامل للتاريخ، من حيث ارتباط النتائج بالأسباب، ومن حيث إنّ منطق السرد بنى الحدث مرحلةً بعد أخرى في زخمٍ متواتر متلاحم، ومن حيث نموّ الجماعة حتى انتهت إلى أمّة، ومن حيث إنّ محوره تجربة محمد بن عبد الله، طفلًا وفتًى وكهلًا، ثم نبيًّا ورسولًا وقائدًا وحاكمًا، ومن حيث اطّراد توسّع ذلك المجتمع بدخول جموع المؤمنين فيه، وقد اهتدوا إلى الحقّ بأنفسهم أو حُمِلوا عليه لجهلهم به. ثم ظهر، بعد ذلك كلّه، الانقسام الدلالي بين المسلمين والمشركين حول الحقّ والباطل، وذلك هو مدار السرد الذي تولّى حمل تلك التجربة تمثيلًا وتخييلًا. وليست تلك الصورة من نتاج التاريخ الموثَّق لجملةٍ من الأحداث؛ إذ إنّ التاريخ لا يَحبِك منها حدثًا قابلًا للتمثّل في المخيال العام، بل هي من نتاج السرد. فصورة الإسلام غير تاريخه؛ وهي أشمل منه وأوفى، وفيها لا تبقى الموادّ المرويّة شذراتٍ منفردة، بل تنسبك في رسم التجربة التي آمن المسلمون بها.
وللدين حضورٌ في التاريخ السردي، وحيثما يتطرّق الحديث إلى الدين، يتقدّم الإيمان به على التنقيب في مدى صواب أحداثه؛ فالإيمان كفيلٌ باستحداث أعظم أشكال التصديق، ولا يتأتّى ذلك لغير ما بناه السرد من صورة للحدث الإسلامي. ويفعل المخيال فعله في إنشاء عالم يستوعب الأحداث والشخصيات، وغالبًا ما ينهل مادته من تجارب الماضي، فيعيد بناءها على أنّها جزءٌ من الذاكرة الجماعية. وموارد المخيال مزيجٌ من الرغبات، والعواطف، والخبرات، والمعتقدات، والمرويّات، فتنصهر في تجارب تُشكّل قوام المأثور الديني للأمم، الذي يتمثّل في أحداث كبرى قابلة للتصديق. وإلى شيء من ذلك أشار “هيوم” بقوله “لا شيء أشدّ انعتاقًا من مخيّلة الإنسان، ورغم كونها لا تستطيع الخروج عن ذلك المخزون الأصلي من الأفكار التي يعطيها الحسّ الداخلي والخارجي، فإنّ لها مقدرةً لا حدّ لها على مزج الأفكار وتشكيلها وتركيبها وفصلها وتقسيمها، في كلّ ضروب الخيال والرؤى، ويمكنها أن تحاكي سلسلةً من الأحداث التي لها مظاهر الواقع، فتعيّن لها وقتًا مخصوصًا ومكانًا معلومًا، وتتوهمها كما لو أنّها كانت موجودة، ثم تُخرجها بكلّ الحيثيات التي لحدثٍ تاريخيٍّ يُوقَن به أقصى اليقين”[24].
ولا يصيب القول هدفه إذا قُطع بأنّ الذاكرة لا تُعنى إلا بالأحداث المتخيَّلة التي يبتكرها السرد؛ فتاريخ الذاكرة هو مجموعُ أحداثٍ انفكّت عن سياقها، واصطنع لها سياقٌ آخر لا سبيل إلى التحقّق من صواب وقوع الأحداث فيه. وإذ تتولّى الذاكرة نسيان بعض الأحداث الأصلية، فإنّها تواظب على ابتكار أحداث نظيرة لها، وبمضيّ الأزمان تحلّ المخيّلة محلّ الذاكرة، أو تشاطرها اصطناع الأفعال، حتى تكاد الأحداث تنقطع عن سياقاتها الأولى. وإذ تشرع المخيّلة في استحداث صورٍ غير محمولة على دليل، واختلاق أحداثٍ لا يكاد يكون لها أصل، تتفاعل الصور والأحداث لبناء عالم لا وجود مادّيًا له، وهو العالم المتخيّل الموازي للعالم الواقعي. وليس هذا العالم صورةً لذلك العالم، وإنّما ينشأ الوهم بأنّه نظيرٌ له ما دام قد انمحى واختفى، ومن المحال استعادته، فيُكتفى بصورته السردية مكافئًا متخيّلًا لما يُفترض أنّه كان موجودًا في يوم من الأيام. وكلّما تكاثرت مرويّات الماضي تجدّدت صور الأحداث المتخيّلة عنه، فيتكوّن سياق يخلع عليها مصداقيةً سرديةً لا مصداقيةً تاريخية. ولا تكتفي المخيّلة بذلك، بل قد تمارس كبتًا لمحتوى الذاكرة، ذلك المحتوى الذي اتّخذ صيغة مأثورات دينية أو أسطورية؛ فلا تقبل به بتمامه، فإمّا أن تستبعده، وإمّا أن تهذّبه، وفي الحالتين تمارس إكراهًا عليه، استبعادًا أو استئثارًا. والمقصود من ذلك أنّها تبتكر ما يستجيب لحاجتها من أحداثٍ بدعوى أنّها من محمولات الذاكرة. ولمّا كانت المخيّلة في تغيّرٍ دائمٍ في علاقتها بالذاكرة، فلا سبيل إلى تقييد أفعالها، وهي غالبًا ما تُبطل ما كانت قد ابتكرته من قبل، وتأتي بما يخالفه، ومن ذلك حملها المعتقدات المتناقضة، واستبدال بعضها ببعض.
ولأن الذاكرة والمخيلة من روافد التاريخ السردي، فقد انتهى الأمر بهما إلى اختلاق الأحداث في إطار التجارب الكبرى أكثر من إقرارها بالدليل القطعي. ومجموع المتخيّلات الدينية والاجتماعية نتاجٌ لذلك النشاط المتقلّب، فلا غرابة أن تكون المخيّلة، اجتماعيةً كانت أم دينيةً، في سيرورة تحوّلٍ، وتقلّبٍ، وتلوّنٍ، حتى إنّ المتخيّل الناتج عنها يصعب تقييده بالوصف. وهو ما انتهى “تايلر” إلى إثباته “على غرار أشكال المخيّلة البشرية كلّها، فإنّ المتخيّل الاجتماعي يمكن أن يكون مليئًا بأشكال التخييل والكبت التي تخدم الذات، لكنّه مكوّن أساسي من مكوّنات ما هو حقيقي، وهو غير قابل للخفض إلى مرتبة حلم لا قيمة له”[25]. ذلك هو وجه التعاضد بين الذاكرة والمخيّلة في إعادة ابتكار الأفعال التي تجد في السرد خير حامل لها. وقد أشار “لوغوف” إلى علاقة الذاكرة بالتاريخ بقوله “إنّ الذاكرة هي مادة التاريخ الأولية، وهي تتمثّل بأشكالها الذهنية أو الشفوية أو الكتابية. إنها الينبوع الذي ينهل منه المؤرخون؛ ولأنّ عملها هو، في الأغلب، غير واعٍ، فإنها تتعرّض أكثر من غيرها لخطر الخضوع لتلاعبات الزمن والمجتمعات التي تفكّر في الاختصاص التاريخي ذاته[26]“.
تتوزّع مادة التاريخ السردي بين ما هو حادث فعلاً، وما هو محفّز لوقوع الأحداث، وما هو مكمّل لما ينتج عنها. وبحسب ما انتهى لوغوف إليه، فقد “أدّى نقد فكرة الفعل التاريخي إلى الاعتراف بـ(وقائع تاريخية) جهلها المؤرّخون فترةً طويلة؛ فإلى جانب التاريخ السياسي والتاريخ الثقافي، وُلد تاريخ التصوّر، وتزيّا هذا التاريخ بأشكال شتّى: تاريخ المفاهيم المجتمعية الشاملة، أو تاريخ الأيديولوجيات، وتاريخ البنى الذهنية المشتركة لفئة اجتماعية معيّنة ولمجتمعٍ ما في فترةٍ معيّنة، أو تاريخ الذهنيات، أو تاريخ إنتاجات العقل، مرتبطةً أو غير مرتبطة بنصّ أو قول أو إشارة، لكنها مرتبطة بصورة، أو تاريخ المتخيّل الذي يمكن معالجته في الوثيقة الأدبية والوثيقة الفنية بوصفهما وثيقتين تاريخيتين مستقلّتين تمامًا، بشرط احترام خصوصيتهما، ومرتبطًا، أيضًا، بتاريخ التصرّفات والممارسات والشعائر، ممّا يحيل إلى واقع خفيّ متلطّف، أو إلى تاريخ رموز ربّما يؤدّي ذات يوم إلى تاريخٍ للتحليل النفسي لا يبدو أنّ معالمه التعليمية قد اجتمعت حتى الآن”[27].
كيف، إذن، استجمع التاريخ السردي مواده، وبنى هويته؟ لا غبار على أنّ الظواهر الدينية، بادّعاء الشمولية العابرة للأزمنة والأمكنة، وضعت نفسها في تعارض مع الظواهر الدنيوية المقيّدة للحوادث في الزمان والمكان؛ إذ تمادى التاريخ الديني في انتهاك حدود التاريخ الدنيوي، فعدّ الأفعال الدنيوية انحطاطًا يسعى إلى تمريغ حقائق السماء في الأرض، لذا يجب إعادة الهيبة إليها بإرجاعها إلى عليائها يوم القيامة. فيما أراد التاريخ الدنيوي اقتصار التاريخ الديني على فهم التجارب الروحية وعدم التورّط في غيرها. وقد حدث ذلك التعارض لأنّ الدين مجموعٌ من الأوامر الإلهية الداعية إلى تقويم الجنس البشري من خطأ اقترفه منذ بدء الخليقة، وإن تنزّلت نسخها بين حقبة وأخرى، ومع نبي وآخر، فذلك لا يطعن في صمديتها، نزولًا من الله وعودةً إليه. وجاوز ذلك بأن حكم على حوادث الدنيا بأنها مجموع تخبّطات أبناء آدم، وهي تفضي إلى انحطاط متدرّج ينتهي، لا محالة، بالفناء يوم القيامة؛ فالتقدّم فيه لا يطهّره من الآثام، وإنما يغذّيه بالذنوب التي تتضاعف عصرًا بعد عصر، كلما بَعُد الزمن عن الأصل النقي للحقائق السماوية. ولمّا كانت فرضية الدين تقول بأنّ أهل الدنيا ماضون في غيّهم، ومكثرون في جورهم، فإنّ مجموع أعمالهم السيئة سينتهي بهم إلى سوء عاقبة محتوم، وسوف يضع الله حدًّا لمهازل البشر في نهاية المطاف، فيعيد ترتيب مصائر خلقه بين الجنّة والنار خالدين فيهما، وآنذاك فحسب يعلن التاريخ الديني انتصاره النهائي على التاريخ الدنيوي.
لا تتمثّل غايةُ التاريخ الديني في استقصاء أحوال المؤمنين في العصور المنقضية، بل في استكناهٍ مجازيّ لأُممٍ أعرضت عن سبيل الحقّ ونبذت رسائل الأنبياء. وهو، في جوهره، أقربُ إلى ابتداع تجارب متخيَّلة يُستأنس بها في تمثيل الصراع بين الخير والشرّ[28] منه إلى توثيق وقائع حدثت فعلًا في مجرى الزمان. وإزاء افتقار التاريخ الدنيوي إلى الأدلّة القاطعة التي تُثبت طبيعة أحداث الماضي البعيد، حيث يغلب عليها التناثر لا الانسجام، ينغلق التاريخ بنوعيه في دائرة من الشكّ، ويغدو التثبّت من وقائع الأمس عرضةً للارتياب من كلّ جانب؛ فلا التخييل يسعفه، ولا التمثيل يُحكم سياجه. وفي حالٍ من انحراف التاريخ الديني عن غايته، وقصور التاريخ الدنيوي عن مطلوبه، نشأ التاريخ السردي من مجموع الإشارات التي اندسّت في طيّات هذا أو ذاك، فجعلها بذورًا لمرويّات زعمت حمل تواريخ الأمم القديمة. ويُشهد لذلك التاريخ جسارته في سدّ الثغرات، وربط المتفرّقات، وترميم الانهيارات، باقتراح أُطُرٍ سردية سبكت المؤتلف والمختلف من غير تثبّت من أصولهما وفصولهما.
أحاط التاريخ السردي بكثير من أحداث الماضي؛ لصدوره عن الفرضية الآتية: أن فهم الماضي لا يتمّ إلا بسرد يشيّد أحداثه؛ فالتجارب القديمة لم تكن قابلةً للتوثيق، وأدلّتها شحيحة أو منعدمة، والمتاح هو إنشاؤها واصطناع حبكة لها؛ فذلك هو السبيل إلى استيعابها. والصيغ السردية ليست فقط وسائط لحملها، بل هي، أيضا، أدوات لاستحداثها، وما يحقّقه البناء السردي للأحداث يكافئ وجودها في خيال عامّة الناس، ولا سبيل إلى اختبار الفكرة القائلة بإمكانية إعادة بناء الماضي كما كان عليه. وحيثما دار الحديث عن الوظيفة التأكيدية لذلك التاريخ، فلا معنى يُتحصّل منه؛ لأنّه يستجمع أحداثه، وهو أقرب إلى نظيره الديني من حيث إعراضه عن الأدلّة، ولكنّه غير منبتّ الصلة عن الدنيوي، الذي يولي الوسائط دورًا في حمل الأحداث. ووقع ذلك لأن التاريخ الديني، وهو تاريخ استعاري، يدّعي المطابقة بين الأقوال والأفعال، فيكفي التلفّظ بقولٍ حتى يكون الحدث قد وقع، والمرويّات الدينية عن الأقوام السالفة دليلٌ دامغ على وجودها؛ إذ إن الأحداث فيها لا تُفهم على أنّها وقائع مستقلّة عن ملفوظاتها، فحدوثها قرين التلفّظ بها في الكتب المقدّسة. وتكرار مرويّات الأنبياء إعادةٌ للأحداث بصرف النظر عن وقوعها؛ فالوقائع تنبجس من تضاعيفها، وليست تلك المرويّات تعبيرًا عنها. فلا طائل من البحث عن زمان وقوعها ومكانه، لكونها حادثةً بتأييد من الله. وحيثما ذُكر التاريخ السردي، فلا عِبرة بالنبش عن وقوع أحداثه من عدمه؛ لأن القصص المرويّة تنوب عن الأحداث الواقعية. فقصّة الخلق البشري، على سبيل المثال، لم يتولَّ شاهدُ عيانٍ توثيقها، ولا يوجد أثرٌ على كيفية حدوثها، لكنها ثابتة الحدوث ما دام التاريخ الديني قد أقرّها؛ فهي برمّتها من مبتكراته، ولا بدّ من التصديق بحدوثها. أمّا التاريخ الدنيوي فمداره الأثر المرئي؛ إذ يتقصّد إثبات وقوع الأحداث، ولذلك فهو محفوفٌ بالشكوك الناشئة عن عدم قدرته على استيفاء نقلها من الماضي إلى الحاضر إذا لم تتوافر له الأدلّة الكاملة، ولم يُؤخذ بالموضوعية والحياد في ترتيبها ووصفها وتحليلها.
ومن حيث معاينةُ التاريخ السردي، فمن غير النافع ردُّ الأحداث إلى أصول مؤكدة، والبحثُ في جذورها؛ فهو مجموعٌ سرديّ يدّعي الإتيان بالتجارب السالفة، وليس من شأنه إثباتها. وهو يرمّم ذاكرةً تتعرّض للامتحان بفعل تغيّر نُظُم القيم الدارجة، فلا ينشأ عن فراغ، بل عن حاجة ذاكرةٍ تتعرّض للتفكّك والانحلال التدريجي، فتحتمي بالتجارب الباهرة لكي تصون هويتها. فلا غرابة أن تتناهبه المفاخرُ والمآثرُ، وذكرُ الأحداث العظام، حتّى وإن اختصّ بالأنبياء والملائكة، فينتقل من رتبة التاريخ السردي إلى رتبة التاريخ الديني. وتغزو التاريخين العجائبُ والغرائبُ والمُحالات، وتجمعهما المباني الأسطورية التي ترتفع بالأحداث من حوافزها الأرضية إلى الحوافز السماوية؛ فالأفعال التي تتجاوز نطاق الطبيعة وتفوق قدرة البشر مهيمنةٌ فيهما. وغالبًا ما يكون للآلهة والملائكة والأنبياء والجبابرة مكانٌ في هذين التاريخين، وليس من دأبهما الاهتمام بصدق الأحداث، فالإيمان هو الضامن لها.
وتلزم ملاحظة الفوارق بين وظائف التاريخ الدنيوي ووظائف التاريخ السردي لكي يتحدد موقع الأخير، وتتضح غايته ومنهجه العام؛ ففي الأول يجعل المؤرخ من المرجع ركيزةً يقوم عليها مجمل عمله، ويحقّ له ملء الثغرات بين الأحداث بما تقتضيه رؤيته للماضي، وتأويلُها على الوجه الذي يراه موافقًا للقرائن بين يديه. وتتأكّد أمانته بمقدار استقصائه الأحداثَ واستيعابَه لها وسبكَه إياها، والانتهاءِ بها إلى بناء صورة ترتبط بسياق حدوثها؛ فذلك مطلب المؤرخ، ومقتضى التاريخ. ومن الصعب أن يتحقّق ذلك بتمامه، لأنّ كلًّا من زوايا النظر إلى الأحداث، وطرق ترتيبها، وفهم دواعيها، ثم اقتراح تفسيرٍ لها، يرتبط بالمؤرخ أكثر من ارتباطه بالتاريخ؛ فالموضوعية فيه مطلبٌ شاقّ المنال. أمّا الثاني، فيجعل من الخيال السردي مداره، وتنتظم أحداثه وفق مقتضياته، ولا تحيل الحقائق السردية فيه إلى حقائق مرجعية، وإنما تنبثق من السياق الخالق لها، وهي تمثّل لبّ ذلك التاريخ وجوهر هويته، وهو غير مطالب باستثبات وقائع العالم المرجعي. على أنّ الأمم القديمة لم تكن تتلقّى الآثار السردية بالطريقة التي تتلقّاها الأمم الحديثة؛ فأمر المصداقية غير مطروح فيها، والمساءلة غير واردة، وما يُروى أو يُدوَّن يُفهم على أنّه حقيقةٌ يلزم الوثوق بها، للاعتقاد الشائع بين الناس بأنّ كلّ ما يُقال أو يُكتب في الدين وحوله صحيحٌ، ومن المحال أن يطرق بابه مَنْ لا يتحلّى بالصدق التام.
قام التاريخ السردي على ادّعاء الوقائع بهَدْيٍ من التجارب المروية وبتحفيزٍ منها، لا بقصد الإساءة إليها، وإنما بقصد الاحتفاء بها. وفي الوقت الذي يحقّ فيه للمؤرخ أن يلوّن المرجع بما يراه مفيدًا من التخيّل المقيّد بهدف استيعاب وقائعه المنفرطة، يحقّ لمن يصوغ التاريخ السردي أن يخلع على متخيّلاته الطليقة ما يوهم بأنّ فيها نكهةً مرجعية، وإن كان عمله ينتمي إلى المنطقة السردية. وفي كلّ الأحوال، فالمادة السردية غير قابلة للدحض، وإن أُسبغت عليها دلالةٌ دينية فلا يطالها الارتياب؛ فالذاكرة الإنسانية لا تُملأ بالوقائع، فحسب، وإنما بأشباه الوقائع. وما تحمله الذاكرة من وقائع يُفهم على أنّه تجارب وقعت بحذافيرها، ذلك أنّ المرويات، ومعظمها يندرج في التاريخ السردي، تُعدّ، بحسب أعراف الأديان السماوية “هِبةً أو أعطيةً إلهية”؛ فالآلهة، عبر الوحي، هي التي “تُملي الكتب أو تكتبها”[29].
وفي الختام يتعيّن إثارة السؤال الآتي: أليس يجوزُ القول بأفول التاريخ الديني مع ظهور الإسلام، وبزوغ التاريخ السردي بديلا عنه؟ لقد خُتمتْ الأديان بالإسلام، وتوقّفت أفعال الله بآخر رسالة وآخر نبيّ. لم تعد ثمة حاجة لعقائد دينية وأنبياء مرسلين، فيكون التاريخ الدنيوي قد حلّ محلّ التاريخ الديني، وبذلك غدا الجنس البشري مطالبًا بالتعامل مع الدنيا بعد أن كفّ الله يده عنها، وكلّ ما ينشأ عن أحوال البشر، بما في ذلك الإيمان والكفر، يُعالج ضمن مجراها ووفق رؤية الإسلام الختامية للأديان. فلا هلاكَ ينزل بالأمم كما حدث ذلك في الأزمنة السابقة، ولا جماعة ناجية تحمل وحدها راية الحقّ، إنما ظهر تصوّر أوسع يتمثّل في انتهاء العالم كلّه نهايةً كبرى، وذلك هو يوم القيامة. وعندئذٍ لا يبقى أيّ تاريخ بعد تلك النهاية. ويبدو ذلك الإحلال، على المستوى النظري، شديد الأهمية على مستوى تاريخ الأديان؛ فما دامت موجات الوحي قد انقطعت بآخر ما تلفّظ به الله في القرآن، فقد وجبَ أن ينصرف الجهد إلى تأويله، وتكييفه مع أحوال الدنيا من أجل إدامة صلتها بالدين، فلا تنقطع عنه، وتضلّ الأمم من جديد، وتلك ممارسة تأويلية ترمي إلى سبر الأديان التي انصهرت كلها في آخر دين، وتعميق فهم الناس له.
وترتّب على ذلك، فيما يتعلّق بالإسلام، أمر على قدر عظيم من الأهمية، وهو إعادة النظر في مرويّات الأنبياء؛ فبعد أن كانت تُفهم على أنّها وثائق صادقة تمثّل أحوال الأمم منذ الخلق إلى ما قبل الإسلام، أصبح من الأجدر تأويلها بوصفها ضربًا من التاريخ السردي الحامل لتجارب الأنبياء السابقين. غير أنّ الإسلام، على المستوى الواقعي، لم يتخلّ عن رغبته في احتواء الظواهر الدينية والدنيوية وإضفاء رؤيته عليها، حتى وإن تعذّر عليه إنشاء تاريخ شامل لها. وقد جعل ذلك الإصرار تلك الظواهر أسيرة منظوره؛ فالسردية الإسلامية المتوارية في قلب الممارسات الدينية والدنيوية، أشدّ تأثيرًا من السجلات التاريخية المدوّنة. ومن ثمّ فإنّ الإحلال النظري بين التاريخين لم يتحقّق كامل التحقّق في الواقع؛ إذ قيّد الإسلام التاريخ الدنيوي، وأفسح المجال لتاريخ سردي يستظلّ برؤيته للعالم. وفي ذلك التاريخ السردي يتراجع دور الإدراك العقلي؛ لأنّ أحداثه تنقاد إلى محفّزات سردية تتجاوز المدارك العقلية، وتستمدّ قوّتها من العواطف الدينية، وبذلك تسهم في تكوين الأمّة الدينية.
المصادر والمراجع
ابن إسحاق، محمد، سيرة ابن إسحاق المسمّاة بكتاب المبتدأ والمبعث والمغازي، تحقيق محمد حميد الله، معهد الدراسات والأبحاث، فاس، 1976
أنتوني، ويليام، محمد وإمبراطوريات الإيمان، ترجمة عبد الكريم الوظاف، دار أبكالو، بغداد، 2023
ابن حنبل، أبو عبد الله أحمد، مسند الإمام أحمد، تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرون، مؤسسة الرّسالة، 2001
الخطيب البغدادي، أبو بكر، تاريخ بغداد، تحقيق مصطفى عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، 2004
ديلتاي، فيلهلم، إقامة العالم التاريخي في علوم الروح، ترجمة فتحي انقزّو، المركز الوطني للترجمة، تونس، 2015
الزبير بن بكار، أبو عبد الله، الأخبار الموفّقيات، تحقيق: سامي مكي العاني، بيروت، عالم الكتب، 1996
ابن شهاب الزهري، محمد بن مسلم، المغازي النبوية، تحقيق سهيل زكّار، دار الفكر، دمشق، 1981
شوبنهاور، آرتور، العالم إرادةً وتمثّلا، ترجمة سعيد توفيق، دار الكتاب الجديد، بيروت، 2025
شولر، غريغو، الكتابة والشفوية في بدايات الإسلام، ترجمة رشيد بازي، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، 2016
الطّبري، محمد بن جرير، تاريخ الرّسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف بمصر، 1967
علي، جواد، موارد تاريخ الطبري، مجلة المجمع العلمي العراقي، العدد1، بغداد، 1950
كينيدي، هيو، الفتوح العربية الكبرى، ترجمة قاسم عبده قاسم، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2008
لوغوف، جاك، التاريخ والذاكرة، ترجمة جمال شحيد، المركز العربي للأبحاث، الدوحة، 2018
مانغويل، البرتو، مدينة الكلمات، ترجمة يزن الحاج، دار الساقي، بيروت، 2016
موس، مارسيل، وهنري هوبير، كتاب القربان، ترجمة محمد الحاج سالم، دار معنى، الرياض،2021
ابن هشام، عبد الملك، السّيرة النّبويّة، تحقيق مصطفى السّقّا وآخرون مطبعة البابي الحلبي، القاهرة، 1955
هودجسون، مارشال، مغامرة الإسلام، الشبكة العربية للأبحاث، بيروت، 2021
هيوم، ديفيد، التاريخ الطبيعي للدين، ترجمة حسام الدين خصور، دمشق، دار الفرقد، 2014
[1] . غريغور شولر، الكتابة والشفوية في بدايات الإسلام، ترجمة رشيد بازي، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، 2016، ص83
[2] . محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، المغازي النبوية، تحقيق سهيل زكّار، دار الفكر، دمشق، 1981، ص31. انظر مقدمة المحقّق.
[3] . صالح أحمد العلي، مقدّمة كتاب “الأخبار الموفّقيّات، تحقيق سامي مكّي العاني، عالم الكتب، بيروت، 1996ص 124-125
1. أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، 2004، ج1، ص235
[5] . م. ن. ج1، ص231. وقد شككّ الخطيب البغدادي في أن يكون كتاب السيرة النبوية قد كتب في عهد المهدي، إنما في عهد أبيه المنصور، وهو مختصر لكتاب أوسع أودع في خزانة أمير المؤمنين، وحسب طلب الخليفة، فلا ترد إشارة إلى أنه سيرة للنبي، بل تاريخ للخلق منذ بدايته حتى عصر كتابته “دخل محمّد بن إسحاق على المهديّ، وبين يديه ابنه، فقال له: أتعرف هذا يا ابن إسحاق؟ قال: نعم، هذا ابن أمير المؤمنين، قال: اذهبْ، فصنّفْ له كتابا منذ خلق الله تعالى آدم إلى يومك هذا. فذهب، فصنّف له هذا الكتاب، فقال له: لقد طوّلته يا ابن إسحاق. اذهبْ، فاختصره. فذهب، فاختصره، فهو هذا الكتاب المختصر، وألقى الكتاب الكبير في خزانة أمير المؤمنين”. وارتاب الخطيب بالخبر “هكذا قال هذا الراوي: دخل ابن إسحاق على المهديّ وبين يديه ابنه، وفي ذلك عندي نظر، ولعله أراد أن يقول: دخل على المنصور وبين يديه المهديّ ابنه؛ لأنه ذلك أشبه بالصواب” انظر: تاريخ بغداد، ج1، ص 237
[6] . محمد وإمبراطوريات الإيمان، ص 257
[7].. [حاشية: نال ابن إسحاق تهما شخصية وأخلاقية ودينية كثيرة حينما كان في المدينة المنوّرة في مقتبل عمره، وطُرد منها بإغراء من مالك بن أنس “عميد المدرسة المدنيّة المبجّل”، حينما كشف زيف ادّعاء مالك بأنه عربيّ النّسب، وكان من الموالي، وفضلا عن ذلك، فقد اتّهم بالقدريّة شبه المحظورة في المدينة في نهاية العصر الأموي، غير أن كلّ التهم تلاشت، بعد ذلك، أمام تأثيره الهائل في صياغة الهيكل العام للسيرة النبوية. انظر: محمد وإمبراطوريات الإيمان، ص 232 وما بعدها]
[8] . مسند الإمام أحمد، ج36، ص619
[9] . سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الكبير، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، 1994، ج8، ص 118
[10] . السيرة النبوية، تحقيق السقا، ج1، ص4
[11] . [حاشية: أشار حميد الله إلى ما قام به ابن هشام في تهذيبه للسيرة التي كتبها ابن إسحاق بقوله “إنّ ابن هشام، مع سعة علمه، ودقة نظره، أهمل أشياء من كتاب ابن إسحاق وحذفها، مع أنّ لها أهمية لا تقل عن أهمية ما أثبت. ومن ذلك ما جاء في كتاب ابن إسحاق من قوله “إذا نزل القرآن على رسول الله قرأه على الرجال ثم على النساء” (انظر: محمد بن إسحاق بن يسار، سيرة ابن إسحاق المسمّاة بكتاب المبتدأ والمبعث والمغازي، تحقيق وتعليق محمد حميد الله، معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، فاس، 1976، ص أ) فقد حذف ذلك كأنه لا يجوز أن يُقرأ كتاب الله على النساء. وبذلك لم يقتصر فعل ابن هشام على الاختصار الذي رآه ضروريا، ومنها الأشعار الكثيرة المصنوعة في نسخة ابن إسحاق، بل على إعادة توجيه دلالي لسيرة النّبي. فحذفُ خبر قراءة القرآن على النساء لا يبدو إجراءً تقنيًا، بقدر ما كان اختيارًا ثقافيًا عكس تصورًا ضمنيًا لدور المرأة في تلقي القرآن. وبذلك يغدو استدراك حميد الله محاولة لإعادة فتح ما أُغلق، واستعادة طبقة من المعنى كادت تُمحى بفعل التهذيب الديني الذي نشأ بعد ابن إسحاق]
[12] . مغامرة الإسلام، ج1، ص607
[13] . تاريخ الرسل والملوك، تحقيق أبو الفضل إبراهيم، ج1، ص6-8
[14] . م. ن. ج1، ص4
[15] . مغامرة الإسلام، ج1، ص 584
[16] . هيو كينيدي، الفتوح العربية الكبرى، ترجمة قاسم عبده قاسم، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2008، ص 34– 35
[17] . موارد تاريخ الطبري، ص 169
[18] . م. ن. ص159
[19] . م. ن. ص179.
[20]. مارسيل موس، وهنري هوبير، كتاب القربان: مقالة في طبيعة القربان ووظيفته، ترجمة محمد الحاج سالم، دار معنى، الرياض،2021، ص 169
[21] . فيلهلم ديلتاي، إقامة العالم التاريخي في علوم الروح، ترجمة فتحي انقزّو، المركز الوطني للترجمة، تونس، 2015، ص 151
[22] . العالم إرادة وتمثّلا، ج1، ص417
[23]. بول فين، كيف نكتب التاريخ، ترجمة سعود المولى ويوسف عاصي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2020، ص 13
[24]. دايفد هيوم، تحقيق في الذهن البشري، ترجمة محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2008، 76-77.
[25]. تشارلز تايلر، المتخيلات الاجتماعية الحديثة، ترجمة الحارث النبهان، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2015، ص 208. وعرف تايلر المتخيل الاجتماعي بقوله “أعني بالمتخيّل الاجتماعي شيئا أوسع وأعمق من الصيغة الفكرية التي قد يعتمدها الناس عندما يفكرون في الواقع الاجتماعي من دون الانخراط فيه، أي الطرق التي يتخيّل من خلالها الناس وجودهم الاجتماعي، وكيفية توافقهم فيما بينهم، وكيف تجري الأمور بينهم وبين أتباعهم، وكذلك في التوقّعات التي تجري تلبيتها عادة، إضافة إلى الأفكار والصور المعيارية الأعمق الكامنة خلف هذه التوقّعات” انظر: تشارلز تايلور، عصر علماني، ترجمة نوفل الحاج لطيف، دار جداول، بيروت، 2019، ص 260
[26]. جاك لوغوف، التاريخ والذاكرة، ترجمة جمال شحيّد، المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسات، الدوحة، 2018، ص 10
[27]. م. ن. ص 19 – 20
[28]. [حاشية: عرّف سبينوزا الخير بأنه “ما نعلمُ علمًا يقينًا أنه ينفعنا”. وعرّف الشرّ بأنه “ما نعلم علمًا يقينًا أنه يحولُ دون فوزنا بخير ما” انظر: باروخ سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، المنظّمة العربية للترجمة، بيروت،2009، ص 223]
[29]. ألبرتو مانغويل، مدينة الكلمات، ترجمة يزن الحاج، دار الساقي، بيروت،2016، ص90
