موضوعات الحلقة:
- أول نبي أسرى لله؟
- اجتماع إبراهيم ولوط في الأرض المباركة
- زواج ابني إبراهيم بابنتي لوط
- بداية تشكّل بني إسرائيل
- متى وُلدِ النبيّ يعقوب
- اختلاط أبناء إسماعيل وأبناء إسحق
مقدمة الحلقة
باسم الجمل:
1:00
أهلاً بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم. نلتقي في حلقة اليوم مع الدكتور يوسف أبو عواد، في حوار حول أن النبي لوط هو أول من أُسري به. تحياتي، دكتور. أهلا وسهلا
هل كان النبي لوط أول من أُسري به؟
باسم الجمل:
1:16
هل حقيقة أن النبي لوط هو أول من أسري به؟
هذه الفكرة تُعتبر ثورية في فهم النص، وتعارض كلياً، أو تعاكس كلياً، ما هو سائد في الذهن العربي الإسلامي من أن النبي محمد ﷺ هو الذي أُسري به.
وهناك من قال إن النبي موسى هو أول من أُسري به. اعتماداً على الآية رقم (2) من سورة النساء. كيف يمكن فهم ذلك؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
1:45
نعم، أهلاً وسهلاً بك، دكتور، وبالسادة المشاهدين.
في الحقيقة، الفكرة بسيطة كل البساطة، ولكن المشكلة في كمية الضوضاء الكبيرة التي أثيرت من المؤثرات الخارجية.
لأنه كان يُفترض، إذا تعاملت لسانياً مع القرآن، عندما تقرأ كلمة «إسرائيل»، أن تبحث عن كلمة «أسرى» ومشتقاتها في النص القرآني.
ولو بحثت عنها، ستجد الأمر ميسراً وسهلاً، مثلاً، قالوا: ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾.
الآن، حسب التحقيب الذي أشرنا إليه في الحلقة السابقة، لا نجد كلمة «أسرِ»، أو «أسرى»، أو «يسري» في النص القرآني كله قبل مَن؟
باسم الجمل:
قبل النبي لوط.
الدكتور يوسف أبو عواد:
2:28
قبل النبي لوط. ونحن قلنا إن حقبة لوط وإبراهيم هي حقبة بشرية تلت حقبة قوم ثمود، صحيح؟
فإذاً، كان يُفترض بقارئ النص القرآني أن ينتبه بكل بساطة إلى أن أول فعل اشتُق من هذه المادة اللغوية هو ما ورد في عهد لوط:﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. إذن، يُفترض أن ينطبق وصف «إسرائيل» أول ما ينطبق هنا. وهذا لا ينفي انطباقه على من بعده، لكن أول ما ينطبق، على مَن؟ على لوط. فالموضوع بسيط بكل هذه البساطة.
أنا أعرف أن هذا كلام جديد كلياً. وعلى كل حال، قبل أن نذكره في هذه الحلقة، كنت قد ضمنته في كتاب رحلة نزول الكتاب، وذكرت هذا الكلام فيه. أما الآن فنحن نعلنه في هذه الحلقات. وهو، كما نراه، واضح في النص القرآني وضوحاً لا التباس فيه. في هذه الآية: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾.
دلالة قوله تعالى: «فأسر بأهلك»
3:20
باسم الجمل:
3:25 الآن سؤالي هنا: طبعاً، واضح كما ذكرت أن النبي لوط هو أول من تم استخدام لفظ: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ في حقه. طيب، الآية رقم (1) في سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، لنريه من آياتنا إنه هو السميع العليم. هل هذه أيضاً قصد بها النبي لوط؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
والله لا أعتقد، لأن هذه الآية حددت الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. أما النبي لوط، فسيأتي ما يدل على أن الإسراء كان إلى الأرض التي باركنا فيها.
لاحظ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. هناك فرق بين: «باركنا فيها»، و«باركنا حوله». ففي سورة الإسراء ورد: ﴿بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. أما في الكلام على نبي الله لوط: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. فأنا أقول إن الإسراء حدث يتكرر، ولكنه بدأ أول ما بدأ مع نبي الله لوط.
باسم الجمل:
4:32
يعني حدث لم يكن مقصوراً على النبي لوط؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
لا، لا، لا، وهذا لا يمنع أن يكون قد حصل للنبي موسى، ولا يمنع أن يكون قد حصل للنبي محمد. لا يوجد إشكال في فهم النص وفق هذا المعنى. لكننا سنعرف المعنى المفهومي لكلمة الإسراء، وبالتالي بداية الاتصاف بكلمة «إسرائيل»، وظهور من يسميهم النص بعد ذلك «بني إسرائيل»، وهي حقبة بشرية.
العلاقة بين لوط وبني إسرائيل
باسم الجمل:
4:58
يعني هنا أيضاً أنت تربط ظهور مفهوم بني إسرائيل، أو ما يسمى بني إسرائيل، بالنبي لوط، وليس كما هو شائع بالنبي يعقوب؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
5:11
لا، لا، لا، والله يا دكتور طبعاً هو ليس يعقوب، ونحن جزمنا بهذا في حلقات سابقة. ولكنني أعطيت نفسي مهلة أطول بكثير مما كان ينبغي قبل إعلان هذا بشكل صريح. إسرائيل بصريح العبارة، هو نبي الله لوط.
5:28
إسرائيل كشخص هو نبي الله لوط. وكل من سار على وصفه بعد ذلك، ومن نسله، يسمى بني إسرائيل. من النسل أيضاً، لكن سنشرح الفرق بين الوصف المعنوي والوصف العرقي.
ذرية من حملنا مع نوح
باسم الجمل:
5:40
طيب، في الآية رقم (2) من سورة الإسراء: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. هل المقصود هنا أن ذرية بني إسرائيل هم ذرية لوط؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
طبعاً، كلمة «ذرية» أوسع، على كل حال، كما قلنا. لكن بني إسرائيل لأنهم ذرية من حملنا مع نوح. نحن قلنا، دكتور، إن ذرية نوح ماذا حصل فيها؟ حصل أن الله أهلك قوم نوح، ما عدا ذريته الذين أبقاهم، صحيح؟ عاد البشر في قوم عاد، وبُعث إليهم هود، أليس كذلك؟
ثم أُهلك عاد، يعني أُهلك البشر في هذه المرحلة، وأنجى الله المؤمنين مع نبيه هود.
فعاد تكاثر البشر، فتكون البشر في مرحلة يسميها القرآن مرحلة ثمود، وهي بقية البشر بعد عاد. ممتاز إلى الآن؟ وأصحاب الرس لحقوهم مباشرة، في الفترة نفسها.
التسلسل البشري من نوح إلى لوط وإبراهيم
الدكتور يوسف أبو عواد:
6:43
الآن، بعد هلاك ثمود، ظهر البشر الذين يسميهم القرآن قوم إبراهيم وقوم لوط، صحيح؟
باسم الجمل:
صحيح.
الدكتور يوسف أبو عواد:
صحيح، إذن أصبح الموضوع واضحاً. هل قوم إبراهيم وقوم لوط هم من بقي من ذرية من حُمل مع نوح أم لا؟
باسم الجمل:
6:58
نعم، صحيح، هم كذلك.
الدكتور يوسف أبو عواد:
لماذا سماها ذرية ولم يقل: «بني»، ولا «آل»؛ لأنه، كما قلنا، حصل انتشار. وهو أيضاً بعيد عن نوح، يعني ليس متصلاً بنوح اتصالاً مباشراً.
7:11
فإذن، بنو إسرائيل هم من ذرية نوح التي بقيت. في كل مرة كان يُعذَّب فيها البشر ويُهلكون، ويبقى النسل البشري، هذا الخط البشري، من بقي من هذا الخط البشري كوّن بني إسرائيل. لذلك نحن قلنا في حلقتين سابقتين إن هذه الآية نص صريح على أن بني إسرائيل يشمل كل البشر؛ لأنه إذا وصفهم القرآن بأنهم ذرية من حمل مع نوح، فما ذرية من حمل مع نوح إلا من بقي من البشر بعد إهلاك الباقين، صحيح؟
باسم الجمل:
تمام
الدكتور يوسف أبو عواد:
وهذا، على كل حال، لا خلاف فيه تقريباً بين العلماء، في أن نوحاً هو أب للبشر، وأن من بقي من البشر جاءوا من ذرية نوح.
7:53
لكن المشكلة الآن، والخلاف الذي حصل وعمل في الدنيا تفرقات هائلة جداً، وصراعات عرقية وملية وتدينية، هو مشكلة بني إسرائيل. مع أن القرآن واضح، ويقول إن بني إسرائيل أيضاً هم كل من بقي من البشر بعد إبراهيم ولوط. باختصار، يا دكتور
بداية انتشار الذرية بعد إبراهيم ولوط
باسم الجمل:
8:14
إذا كان بعد إبراهيم ولوط قد حصل التزاوج، أين؟ أو متى بدأت الكثرة؟ أو متى بدأ الانتشار؟ اتفقنا أنه حدث في عهد النبي موسى، لكن بداية ظهور الذرية، أو تكاثر الذرية، بدأت من علاقة بين مَن ومَن؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
8:30
تمام. الآن لو سرنا مع الآيات، ماذا قالت الآية؟ أمر الله لوطًا ماذا قال؟ ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾، صحيح؟
باسم الجمل:
نعم.
الربط بين الإسراء وبني إسرائيل
الدكتور يوسف أبو عواد:
8:38
انظر: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾. وفي بداية سورة الإسراء: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ … ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾. انظر ما أوضح الكلام.
طيب، لاحظ:﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. إذن هو طبق فكرة الإسراء.
باسم الجمل:
أكيد.
الدكتور يوسف أبو عواد:
طبقها، طبقها أين؟ ما ذكرته الآية. ثم قال: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾. وفهمنا هذا، وشرحناه سابقاً. وفي آية أخرى، يؤكد ذلك في سورة الحجر: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. ثم يقول للوط: ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾.
إلى أين أُسري بلوط وأهله؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
9:15
طيب، هؤلاء الذين أسرى بهم لوط، حتى نحدد بدقة، ودون أن نقول رأياً من عندنا. أنا لماذا أتتبع الآيات؟ حتى لا يكون الكلام الذي أقوله كلامي أنا، وإنما أجعل من الآية ضوءاً واضحاً، ووسيلةً حتى لفتح نقاش مع من يريد أن يناقش. قالت الآية: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
الذي هو بيت مَن؟ بيت لوط، شمل أهله، إلا امرأته. من بقي إذن؟ لوط وبناته فقط.
اجتماع إبراهيم ولوط في الأرض المباركة
الدكتور يوسف أبو عواد:
9:56
أين ذهبوا؟ لاحظ الآية التالية مباشرة: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾.
باسم الجمل:
المقصود: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا﴾. نجّى مَن؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
نجّى إبراهيم. هذا الضمير في سورة الأنبياء جاء بعد ذكر قصة إبراهيم، صحيح؟ ألم يقل:﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا﴾.
باسم الجمل:
يعني النجاة المقصود بها النبي إبراهيم.
الدكتور يوسف أبو عواد:
إبراهيم، ولوطاً. إلى أين؟ ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. إذن، اتجه إبراهيم، لما ترك قومه وهجرهم، إلى أين؟ إلى الأرض التي باركنا فيها، صحيح؟
باسم الجمل:
صحيح.
الدكتور يوسف أبو عواد:
واضح
باسم الجمل:
﴿لِلْعَالَمِينَ﴾.
الدكتور يوسف أبو عواد:
10:35
هذه الآية نص في اجتماع لوط وإبراهيم في أرض واحدة.
من بقي من بيت لوط؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
10:40
هل ذهب لوط وحده؟ أم مع بناته؟
باسم الجمل:
10:45
مع أهل بيته، إلا زوجته، فهي لم تكن معهم.
الدكتور يوسف أبو عواد:
فهو قال: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾. واستثنى امرأته. من بقي من البيت؟ بناته. لماذا ليس أولاداً؟ لأن القرآن لا يذكر أولاداً للوط. بل إن لوطاً كان يقول لقومه:
باسم الجمل:
11:00
﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾.
الدكتور يوسف أبو عواد:
بناتي، جميل. فالقرآن الكريم لا يذكر أن للوط أولاداً.
لوط وإبراهيم في أرض واحدة
الدكتور يوسف أبو عواد:
11:07
إذاً، لوط أسرى إلى الأرض المباركة. وإبراهيم أيضاً هاجر إلى الأرض التي باركنا فيها، وهي نفسها. وهذا في النحو العربي يسمى مفعولاً معه. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا﴾. المعية حصلت للوط مع إبراهيم. فاجتمعا معاً، أين؟
باسم الجمل:
11:27
في الأرض المباركة.
الدكتور يوسف أبو عواد:
في الأرض التي باركنا فيها.
تمهيد للحديث عن الذرية
الدكتور يوسف أبو عواد:
طيب، إبراهيم عندما ذهب إلى هذه الأرض المباركة، ألم يكن معه إسماعيل؟ كان معه إسماعيل، أم لا؟
باسم الجمل:
صح.
الدكتور يوسف أبو عواد:
الآن فهمنا أول شيء، وحتى يفهم السادة المشاهدون: هل موضوع لوط أصبح واضحاً جداً؟ قوم لوط أُهلكوا، وأنجي بيت واحد. وهذا البيت مكون من لوط
باسم الجمل:
وبناته.
الدكتور يوسف أبو عواد:
إلى أين نُجُّوا؟
باسم الجمل:
إلى الأرض التي باركنا فيها.
الدكتور يوسف أبو عواد:
حيث مَن أيضاً أُنجي معه.
إبراهيم وإسماعيل والهجرة إلى الأرض المباركة
الدكتور يوسف أبو عواد:
11:57
تمام، لنذهب إلى إبراهيم الآن، بالتسلسل، حتى يفهم السادة المشاهدون بوضوح شديد. إبراهيم له أبناء. يقول في سورة إبراهيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. لأن بعض الناس يقولون إن إسماعيل ليس ابناً لنبي الله إبراهيم، مع أن الآية واضحة في قرن إسماعيل بإسحاق. وبعد، في سياق سورة الصافات، دكتور، قبل أن نذهب إلى سياق البقرة: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
12:29
هو لأن بعض الناس قالوا إن كلمة «هب» هنا لا تعني أن الله وهب له ولداً. طيب، أكمل: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾. فإذن واضح أنه إسماعيل. بعض الناس يقول لك إن هذه الآيات ليست في إسماعيل، بل في إسحاق. هكذا قالوا. وهذا تأثر بالروايات التلمودية.
باسم الجمل:
صحيح.
الدكتور يوسف أبو عواد:
لأنه بعد هذا السياق، لو أكملنا في سورة الصافات، سنجد: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. إذن إسحاق جاء بعد قصة الذبح، التي شرحناها طبعاً، ولا نريد إعادة الكلام فيها. لكن الشاهد: هل تثبت هذه الآية بوضوح أن إسماعيل ابن لإبراهيم أم لا؟
باسم الجمل:
أكيد، واضح. صحيح.
انتقال إبراهيم إلى الأرض المباركة
الدكتور يوسف أبو عواد:
13:21
طيب، الآن، هل كان إسماعيل مع إبراهيم لما هاجر إلى الأرض، إبراهيم هاجر، ولما هاجر بوّأه الله مكان البيت. يعني في هذه الأرض المباركة، بوّأه الله مكان البيت، من دون أن يحدد القرآن الطبيعة الجغرافية. أنا أقول إن تحديد الطبيعة الجغرافية ليس شأناً قرآنياً، في الحقيقة. فالقرآن لم يحددها، وإنما أعطاك وصفاً. قال إن إبراهيم هاجر إلى الأرض المباركة.
ثم قال: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾. ثم قال: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾. صحيح؟
باسم الجمل:
14:00
يعني اختصر مسافة زمنية، وهي مسافة الهجرة.
الدكتور يوسف أبو عواد:
أي نعم.
باسم الجمل:
وفجأة انتقل.
الدكتور يوسف أبو عواد:
دكتور، هذا بعد الهجرة على فكرة.
بناء البيت بعد هجرة إبراهيم
الدكتور يوسف أبو عواد:
14:08
لماذا يختلف رسم كلمة «إبراهيم» في سورة البقرة؟ لأن سورة البقرة تتحدث عن أحداثٍ وقعت بعد هجرة إبراهيم، فلذلك يختلف رسمها عن باقي القرآن.
14:17
يعني هذا أحد المؤشرات، على كل حال. لكن الفكرة أن الكلام هنا، في سورة البقرة، يتحدث عن أحداث بعد أن هاجر إبراهيم وترك قومه. متى رفع القواعد من البيت؟ لنلتزم بلفظ القرآن.
باسم الجمل:
بعد أن انتقل إلى الأرض التي باركنا فيها، والتي تمت مباركتها.
الدكتور يوسف أبو عواد:
خلص، ناقش أباه، ثم قومه، ثم ناقش عبادة الكواكب. ثم بعد ذلك بدأت الآية في سورة البقرة:﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾. فلما اكتمل إتمام الكلمات، وانتهى إبراهيم من هذه الابتلاءات كلها، هاجر.
ثم قال:﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾. ثم بعد ذلك: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾. وبدأ بناء البيت.
تأسيس مجتمع بشري جديد
الدكتور يوسف أبو عواد:
14:54
وكان يريد أن يؤسس الآن لمجتمع. لماذا؟ لأن البشر أُهلكوا. قوم إبراهيم أُهلكوا، كما جاء في سورة الحج وشرحنا. وقوم لوط أُهلكوا. من بقي الآن؟
باسم الجمل:
15:07
لوط وبناته، وإبراهيم وأولاده.
الدكتور يوسف أبو عواد:
خلص، واضح؟ أرأيت كيف؟ فأراد
باسم الجمل:
15:13
يعني قد يتبادر إلى الذهن: هل يُعقل أن هذه المجموعة البشرية بقيت وحدها على الأرض؟
تأثير الروايات السابقة على الفهم
الدكتور يوسف أبو عواد:
15:20
دكتور، هذا السؤال يتبادر بسبب تأثرنا بالروايات الإسرائيلية، أو التلمودية بين قوسين. لماذا؟ لأننا نقرأ هذا من منظور أن هناك أماكن، وأقواماً، وأحداثاً متفرقة كما هو شائع. أما لو صفّيت ذهني من كل الكلام السابق، واعتبرت أننا لا نزال نتحدث عن المرحلة التي ما زال البشر فيها في الأرض المباركة، وأن الأرض الأخرى غير صالحة للحياة، فسيتغير الفهم.
باسم الجمل:
15:44
يعني هذا يستدعي، أو يتطلب منا، أو من السامعين، أو الذين يسمعون هذا الكلام، أن يعملوا على شطب كل ما علق في الذهن من تحقيب زمني قصصي أو حكائي، فيما يتعلق بقصة النبي إبراهيم وقصة النبي لوط، كما جاءت في الأسفار اليهودية.
والتي نُقلت، ولسوء الحظ، وأُلبست ثوب المساعدات على تفسير وفهم النص القرآني. يعني تم تفسير النص القرآني اعتماداً على روايات من خارج النص القرآني.
فهذا يستدعي منا أن ننسى هذا التحقيب الزمني في ذهنيتنا، وأن نصفّي الذهن لاستيعاب هذا الفهم القرآني، الذي قد يشير إلى أن هذا التحقيب الزمني يمتد إلى زمن أبعد بكثير من الزمن المتعارف عليه.
القرآن بوصفه المرجعية الأساسية
الدكتور يوسف أبو عواد:
16:34
مئة بالمئة، دكتور.
وأيضاً، ما معنى سلطان القرآن على غيره؟ يعني أنا عندما أقرأ القرآن الآن بمناظير سابقة، كيف أكون قد قرأته فعلاً، وجعلته سلطاناً على غيره؟ إذا كنت أريد أن أجعله سلطاناً على غيره، فسأمسح كل شيء حرفياً، وأؤسس فهمي من القرآن، باللسان العربي المبين، ترتيلاً وتدبراً.
النواة الأولى للعهد البشري الجديد
باسم الجمل:
16:58
يعني، في اللحظة التي اجتمع فيها النبي إبراهيم وولداه، والنبي لوط مع بناته، في بقعة بارك الله فيها من الأرض، كانت هذه النواة الأولى لتشكل العهد البشري الجديد؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
نعم، بالضبط. ولم يكن ثمَّ بلد.
باسم الجمل:
لم يكن هناك أي شيء.
الدكتور يوسف أبو عواد:
ولذلك، لما قالت الآية: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾.
يعني جاءه وحي وإرشاد سماوي أن هذا هو المكان الذي ستبدأ منه إعادة تأسيس المجتمع البشري.
بداية جديدة بعيداً عن آثار الأمم السابقة
الدكتور يوسف أبو عواد:
17:32
حيث ينسى، ويبتعد عن الآثار التي كانت موجودة، والتي تمثل انحرافات البشر والأمم السابقة. ولذلك قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾. لاحظ، يعني ترك كل المنجزات التي قلنا عنها في الحقب البشرية السابقة، وبدأ من جديد. لماذا؟
حتى يبدأ بنقاء، وألا تكون هناك ذكريات مرتبطة بانحرافات عن أحدية الله، وعن اجتماع البشر وعدم التفريق بينهم.
الإيمان والأمن في مشروع إبراهيم
باسم الجمل:
18:00
وهنا قد يَرِد سؤال أيضاً: هل إبراهيم لم يعلق في ذهنه أي تجربة من تجارب الأمم السابقة التي أُهلكت؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
أكيد. هو يريد أن يؤسس من جديد بلداً آمناً. ولذلك، دكتور، هنا ربطنا مفهوم الإيمان أيضاً. لأن إبراهيم، عندما بدأ، ما الذي أراده من البلد؟ أن يكون آمناً. ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾. ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾.
الإيمان والأمن في التجربة البشرية
الدكتور يوسف أبو عواد:
18:25
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾. فهو يريد إعادة إنشاء أمة بشرية، وبلد آمن، يحقق مفهوم الإيمان. ولذلك قلنا إن الإيمان ليس فقط ـ من جهة الجذر اللساني ـ يدل على الأمن، بل حتى التاريخ القرآني للبشر يشرح لك، بوضوح ليس بعده وضوح، أن الإيمان كمفهوم لم يظهر إلا مرتبطاً بتحقيق الأمن.
وأن الأقوام السابقة التي أُهلكت كان السبب أن الأمن كان فيهم عنصرياً. كان فيهم عنصريا؛ بمعنى أن الملأ لهم أمن مطلق، وأما من دونهم فبحسب مزاج الملأ. هذا الذي أفسد المجتمعات. وهذا هو الشرك.
باسم الجمل:
19:03
ولهذا أُهلكت البشرية.
الدكتور يوسف أبو عواد:
بالضبط. ولهذا أُهلكت؛ لأنه عندما تُقدَّم المصالح الفردية على المصلحة الجماعية، ينهار أي مجتمع، وتحت أي كارثة طبيعية يحصل الانهيار مباشرة.
ضرورة التحرر من التحقيب الزمني الموروث
باسم الجمل:
19:16
حقيقةً، لفهم هذه الفكرة فهماً نقياً، يجب أن ننسى كلياً ما علق في أذهاننا من تحقيب زمني مصطنع، أضفته أو تسببت فيه قراءة الأسفار اليهودية. ويجب العودة إلى زمن أقدم وأعمق في التاريخ من هذا التحقيب. وقد نتحدث عن نصف مليون سنة، أو مليون سنة.
الدكتور يوسف أبو عواد:
19:48
صحيح. يعني علم الأنثروبولوجيا، وفق ما نعرفه اليوم، يقول ـ كما ذكرت في الحلقة السابقة ـ من مئة وسبعين ألف سنة إلى ثلاثمئة ألف سنة. والله أعلم، فقد تظهر أدلة جديدة تغيّر هذا التقدير؛ لأن هذا العلم ما يزال نسبياً. أما القرآن، فحتى لو تغير العلم، لا يهمني ما الذي يغيره العلم. القرآن يعطيك أوصافاً، ويعطيك صفات وملامح فقط. هذا هو.
لماذا وصف القرآن إبراهيم بأنه أمة؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
لذلك، دكتور، هنا نفهم بصورة أعمق أيضاً قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾. لماذا؟ قلنا إن البشر كانوا أمة واحدة، ثم جاء قوم نوح فتفرقوا؟ لأن إبراهيم أعاد تأسيس الأمة البشرية الواحدة. أسس لها نواة جديدة، هو ولوط، فأعادا تأسيس الأمة البشرية. لذلك سماه القرآن أمة.
اختيار الأرض المباركة لإعادة التأسيس
باسم الجمل:
20:30
سؤال استفساري آخر: كون الأمم التي سبقت النبي إبراهيم ولوطًا قد أُبيدت أو أُهلكت، وكون الله طلب من لوط ومن إبراهيم أن يذهبا إلى الأرض التي بارك الله فيها، فكأن السماء اختارت، أو كأن رب العالمين اختار للنبي إبراهيم والنبي لوط أرضاً مختلفة في توصيفها أو في تهيئتها عن الأرض التي أُبيدت وأُهلكت فيها الأمم السابقة.
الدكتور يوسف أبو عواد:
أي نعم، صحيح.
21:02
ولعله لهذا نجد كثيرا اليوم من ملامح الحضارات غير المسكونة؛ لأنه حصل تحول وانتقال إلى المكان الذي أُعيد تأسيس المجتمع البشري فيه في عهد إبراهيم ولوط. فتركت المساكن السابقة، وأُعيد التأسيس في منطقة أخرى.
باسم الجمل:
21:18
بالنسبة إلي واضحة. وأتمنى تكون واضحة للمشاهدين.
الدكتور يوسف أبو عواد:
إن شاء الله. وعلى كل حال، نحن سنتابع، وإذا استجد أي شيء فسنشرحه.
دعاء إبراهيم وبداية الأمة المسلمة
الدكتور يوسف أبو عواد:
فهنا، دكتور، لما بدأ رفع القواعد: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾. ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾. هنا ظهر مفهوم الإسلام، صحيح؟ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾. أنا هنا سألت سؤالاً، وأعيد هذا السؤال مرة أخرى: إذا لم يكن إبراهيم أباً للبشر، فما معنى أن يقول: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾، إلا أن تكون عنصرية؟
لا يمكن أن يكون يخص ذريته بالدعاء لها أن تكون مسلمة، إلا إذا كان هو أباً لكل من سيأتي بعد ذلك.
وإلا فسيكون إبراهيم -وحاشاه من هذا- قد اهتم بذريته، ودعا لها أن تكون مسلمة.
باسم الجمل:
22:08
وترك ذرية الآخرين.
الدكتور يوسف أبو عواد:
22:11
فهذا فهم عنصري جداً، ولذلك بقي مقزماً. ولذلك، دكتور، لم نفلح حتى الآن في تقديم القرآن للعالم حقيقةً. صحيح أنه وصل إلى العالم، لكنه لم يصل إلى قلوب العالم. لماذا؟ لأنه عندما يقرأ التفاسير الموجودة، لا يشعر بأنه يخاطبه كما يُخاطَب من في المنطقة العربية، مثلاً، بين قوسين. أما إذا قلت له إن إبراهيم أبٌ للبشر، فلما يقول: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾، فالمقصود: من البشر القادمين.
باسم الجمل:
يعني بداية نشوء مرحلة بشرية جديدة.
الدكتور يوسف أبو عواد:
أي نعم. فهذا الدعاء المذكور في هذا السياق من سورة البقرة، لو لم يكن لباقي البشر، فهذا قطعاً سيعني أن هناك اهتماماً بجزء من البشر، وترك باقي البشر.
دعاء إبراهيم وإسماعيل
باسم الجمل:
22:57
هو لما قال:﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، بقصد أنه هو وإسماعيل.
الدكتور يوسف أبو عواد:
بالضبط.
باسم الجمل:
23:05
طيب، ولوط أين ذهب؟
ذرية إبراهيم وإسماعيل
الدكتور يوسف أبو عواد:
23:07
لوط سيأتي الآن لاحقاً؛ لأنه لم يحصل التزاوج حتى الآن. هو إسماعيل الآن؟ قلنا: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. قلنا إن هذا في بداية اشتداد عوده. حصل بناء البيت، ثم حصل التزاوج.
سأتكلم الآن عن هذه المراحل، واحدة بعد الأخرى. لكن الشاهد هنا، الدعاء أرجو أن يكون واضحاً، أنه أحد الأدلة على أبوة إبراهيم للبشر. وبعد، دكتور، كلمة: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾. لم يقل: «ومن ذريتينا». وهذه نقطة في غاية الأهمية. هذا دليل على أن ذرية إبراهيم وإسماعيل واحدة، لو كان إسماعيل ليس من ولد إبراهيم، فماذا كان يجب أن يقول؟
باسم الجمل:
ومن ذريتينا.
الدكتور يوسف أبو عواد:
ومن ذريتينا.
وحدة ذرية إسماعيل وإسحاق
الدكتور يوسف أبو عواد:
23:55
طيب، في سورة الصافات، كما قلنا وشرحنا هذا السياق على كل حال. في سورة الصافات، وهو سياق الرؤيا التي أُريها إبراهيم: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾. أيضاً هذا يدل على أن ذرية إسماعيل وإسحاق ذرية واحدة. طيب، كيف؟ إذن أبو إسماعيل وإسحاق واحد، وهو مَن؟ إبراهيم. فهذا دليل آخر.
هل يعقوب ابن مباشر لإسحاق؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
24:29
ثم قال بعد ذلك: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾. في آية أخرى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. هنا نقطة مهمة. بعض الناس يظن أن يعقوب ابن مباشر لإسحاق. فيقول لك: طيب، الطرح الذي طرحته، وهذا سؤال كتبه بعض المشاهدين. قالوا: لو كان هذا الطرح صحيحاً، فإننا عندما نقرأ سورة يوسف، نجد أن يعقوب يوجد حوله بشر منتشرون، ويذهبون إلى مصر، وهناك نوع من الانتشار البشري. فكيف حصل هذا الانتشار بسرعة في الجيل الثاني؟ هكذا يقولون.
إذا كان إبراهيم أباً للبشر، وإسحاق ابنه، ويعقوب ابن الابن، فمن أين حصل كل هذا الانتشار الذي تشير إليه سورة يوسف؟
دلالة عبارة «ومن وراء إسحاق يعقوب»
الدكتور يوسف أبو عواد:
25:12
مَن قال لك إن يعقوب ابن مباشر لإسحاق؟ الرواية التلمودية هي التي قالت ذلك، وليس القرآن. القرآن قال: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. صح؟ وكلمة «من وراء»، يا دكتور، ليست بالضرورة أن تشير إلى المباشر.
يعني، مثلاً، أجد في القرآن الكريم: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾. ولا يغني عنهم ما اتخذوا من دون الله. ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾. فهو يحدث الكافرين ويقول لهم: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ﴾. هل جهنم الآن مباشرة؟ أم أن هناك مسافات زمنية طويلة حتى يحصل هذا الأمر؟
الفاصل الزمني بين إسحاق ويعقوب
باسم الجمل:
على فكرة، هذه لفتة مهمة جداً للفصل، على الأقل زمنياً، ما بين يعقوب والنبي إبراهيم.
الدكتور يوسف أبو عواد:
مئة بالمئة. فليس عندي دليل في القرآن أن يعقوب ابن مباشر لإسحاق. هو من نسل إسحاق، نعم. لكن هل هو ابن مباشر لإسحاق؟
26:00
القرآن لم يقل هذا. قال: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. وهذا يعني أن هناك مدة زمنية. فتعبير «من وراء»، لو بحثت عنه في النص القرآني، واكتفيت بكتابة «من وراء» في البحث، وشاهدت الآيات، فسترى أنها قد تشير إلى مدد زمنية طويلة جداً حتى يحصل ما هو «من وراء».
القرآن و الروايات التلمودية
باسم الجمل:
26:16
هذا ربما يدفع البعض إلى أن يسأل: إن فهم الناس أن يعقوب ابن مباشر لإسحاق، وأن يعقوب حفيد مباشر لإبراهيم، أُخذ من التوراة، بين قوسين، أو من الأسفار اليهودية. فإذا كان القرآن يتحدث عكس ذلك، كما تشير الآيات، فمعنى هذا أن أحدهما أدق من الآخر. فإذا أردنا الدقة، فمَن نقدم؟ هل نقدم ما جاء في الأسفار اليهودية من روايات، أم ما توحي به وتوضحه الآيات القرآنية؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
27:50
طبعاً. هو، دكتور، الروايات التلمودية كلها تشخيص، وتحديد أماكن، وتحديد تواريخ، بما يثبت اليوم في العلوم المختلفة أنه غير دقيق. أبداً، لا يمكن. يعني عمر البشرية لا يمكن أن يكون ستة آلاف سنة. وبعد، ما معنى أن أقول إن القرآن هو كتابي، وهو المقدم على كل شيء، وأنا أنظر إليه بمناظير أخرى؟ هذه الإشكالية. ثم يقال لك: «هو، اتفق العلماء». من قال إنه اتفق العلماء؟ هذه الدعاوى المهولة على الإجماعات والاتفاقات هي التي حرمت الناس من إعادة النظر مرة بعد أخرى، وعملت حاجزاً من التخويف أمام إعادة النظر في النص.
باسم الجمل:
28:30
وهذا يعني أيضاً إشارة أخرى إلى أن الأسفار اليهودية ليست مصدراً دقيقاً للتأريخ وتحقيب الزمن الديني. -إن جاز التعبير- ولا حتى لتحديد الأرض الجغرافية، الأرض التي بارك الله فيها للنبي إبراهيم والنبي لوط.
الدكتور يوسف أبو عواد:
28:48
نعم. على كل حال، من كان يعتبر ما في الأسفار حقائق مطلقة، فإن معظمهم اليوم في العالم قد هجروها؛ لأنهم يرون التعارض الصارخ بين ما يثبته العلم اليوم وبين ما في الأسفار. طبعاً
باسم الجمل:
صحيح. حتى الآثاريين اليهود، من أمثال البروفيسور زئيف هرتسوغ، له مقولة مشهورة حول صدقية الحدث التاريخي المذكور في الأسفار اليهودية. قال إن هذا الكتاب لا يصح أن نعمل عليه، بمعنى «شكشوكة»، حتى أن نحرقه لنطبخ عليه. بالتالي، انظر إلى درجة عدم أهلية هذا الكتاب ـ كما يقول هرتسوغ ـ لأن يكون مصدراً للتاريخ.
إسكان الرسل في الأرض بعد هلاك الظالمين
الدكتور يوسف أبو عواد:
28:38
طيب، هناك شاهد، دكتور، أيضاً على أن إبراهيم ولوطاً أسكنهم الله في الأرض بعد إهلاك الأقوام، في سورة إبراهيم: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾، يعني للرسل. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾. تمام.
هذا شاهد آخر على أن البشرية فنيت، ولم يبق إلا إبراهيم ولوط. وإشكال يعقوب أجبنا عليه، بأنه قد تكون هناك مدة طويلة، بل من المؤكد أن هناك مدة طويلة بين إسحاق ويعقوب.
دلالة ذكر إسماعيل مع إبراهيم وإسحاق
الدكتور يوسف أبو عواد:
30:17
هناك شاهد آخر أيضاً على ذلك. لاحظ سورة البقرة: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ۖ قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. تمام الآن.
﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾. ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾. هذه أثبتنا فيها أن كلمة «من وراء»، في قوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾، تدل على..
باسم الجمل:
زمن بعيد
الدكتور يوسف أبو عواد:
30:51
أي نعم، هناك مدة زمنية مهولة.
طيب. يعقوب، لما حضره الموت، قال لبنيه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾. فقالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وإِسماعيل وإسحق﴾. إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق هنا الشاهد لماذا قالوا: «إسماعيل» عندما ردوا؟
باسم الجمل:
لماذا لم يقولوا: آبائك مثلاً إسحاق.
الدكتور يوسف أبو عواد:
لماذا لم يقولوا إبراهيم وإسحاق مثلاً؟ لماذا لم يقولوا: «وإله آبائك إبراهيم وإسحاق»؟ كما جاء في سورة يوسف نجد مثلاً، أن ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، أن نبي الله يوسف يذكر يعقوب وإسحاق، ولا يذكر إسماعيل. لكن هنا، ما دلالة ذكر إسماعيل في هذا السياق؟
أن يعقوب هنا يتحدث عن أبناء يدخل فيهم أيضاً نسل إسماعيل. وهذا يدل على أن يعقوب كان في فترة انتشر فيها البشر. هناك إشارات، دكتور، إلى أن أحد ولدي إبراهيم بقي في المكان الأصلي، الذي هو عند البيت، وأن الولد الآخر بدأ ينتقل. ولماذا؟ لطبيعة البشر؛ لأن البشر ينتشرون بطبيعتهم.
32:00
فإذا كان إسماعيل وإسحاق قد بقيا في المنطقة الأساسية الأولى التي رفع فيها إبراهيم القواعد من البيت، فلن يحصل انتشار. فأحد الولدين بقي في تلك المنطقة، والولد الآخر تحرك. وهذا التحرك بدأ ينشر الذرية.
اختلاط أبناء إسماعيل وإسحاق
الدكتور يوسف أبو عواد:
الآن، هذه الذرية بعد انتشارها، لما حضر يعقوب الموت، قال لبنيه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾. قالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾. فالأبناء اختلطوا. يعني أبناء إسحاق وأبناء إسماعيل حصل بينهم اختلاط، بحيث لا يمكن التمييز، لقسم المجتمع البشري، فيأتي من يقول: هؤلاء أبناء إسماعيل، وهؤلاء أبناء إسحاق. شاهد كيف. فجمعهم يعقوب في خطاب واحد.
باسم الجمل:
32:45
يعني أنت هكذا تقوم بعملية صدمة للعقل الجمعي الشعبي عند العرب والمسلمين. بأن يعقوب ليس ابناً مباشراً لإسحاق.
الدكتور يوسف أبو عواد:
كيف يقولون: آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق يعني هناك مدة زمنية. هم ما قالوا هذا إلا لأن إسماعيل أب أول بعيد.
باسم الجمل:
وبهذه المعلومة توجد صدمتان: أن يعقوب ليس هو إسرائيل، كما هو متعارف عليه في العقل.
الدكتور يوسف أبو عواد:
لا، هذا قطعاً، لا كلام فيه.
باسم الجمل:
والصدمة الثانية أن يعقوب ليس ابناً مباشراً لإسحاق، وأن هناك فترة زمنية بين يعقوب وإسحاق.
الدكتور يوسف أبو عواد:
33:24
أي نعم. ولذلك قال:﴿وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾. لأنه يتحدث عن الآباء الأوُل. ولذلك جاء بهذه العبارة.
دلالة كلمة «نافلة»
الدكتور يوسف أبو عواد:
طيب. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾. لاحظ حتى كلمة «نافلة». ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾. ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾. تمام. يعني معناها أنه ليس من الأولاد الأساسيين؛ لأن كلمة «نافلة» تشير إلى أن الشيء جاء مضافاً. فهذا أيضاً إشارة أخرى إلى أن الأمر أخذ مدة زمنية.
باسم الجمل:
34:00
والله، دكتور، هذه إعادة صياغة للمنظومة الفكرية والعقلية، وربطها بالتحقيب الزمني الذي كان سائداً.
الدكتور يوسف أبو عواد:
أي نعم. لكن النصوص واضحة، دكتور.
طيب، الآن واضح أن إسماعيل وإسحاق هما من الأبناء المباشرين. ويعقوب ابن غير مباشر.
وصحيح أن يوسف ابن ليعقوب، ولكن يعقوب ليس ابناً مباشراً لإسحاق.
باسم الجمل:
لإسحاق.
الدكتور يوسف أبو عواد:
طيب.
اجتماع إبراهيم ولوط وبداية التزاوج
الدكتور يوسف أبو عواد:
﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ۚ قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. هذا دليل على أن نسل لوط كان بنات.
الآن نعود إلى التزاوج، الأدلة عليه: أولاً، الآية التي ذكرناها: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. تثبت اجتماع إبراهيم ولوط، صح؟
باسم الجمل:
34:51
خلِّنا، عفواً، في الآية: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. من هم العالمون؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
35:00
يفترض أن «العالمين» على الأقل تدل على الإنس والجن، وأنا أرى أنها تدل على العوالم الأخرى أيضاً. وأقل ما تدل عليه البشرية.
باسم الجمل:
يعني في تلك الفترة كان الموجود من البشرية فقط: لوط وبناته، وإبراهيم وأولاده.
الدكتور يوسف أبو عواد:
ولأجل هذا يقول لك: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾. كيف يقول: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ إذا لم يكن هذا كلاماً بشرياً عمومياً يشمل جميع البشر؟
هذا أيضاً أحد الأدلة على أننا نتكلم عن بداية جديدة وثالثة للبشر.
باسم الجمل:
35:33
هل يقصد كل العالمين، وما سيقع في المستقبل من وجود بشري متسع؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
والله، دكتور، إذا لم يقصد هذا، فعلى من يدعي عدم قصده أن يأتي بالدليل. لأن الكلمة تشير إلى جمع «عالَم». وجمع «عالَم» يجب أن يشمل كل العوالم البشرية، على الأقل.
طيب، الآن في آية أخرى:﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾. الآن يقول لك: «من ذرية آدم». طبعاً، أنا أستغرب جداً، ليس فقط أنهم قالوا إن آدم نبي، بل قالوا إن إدريس أيضاً نبي وكان بعد آدم. من أين جاءوا بهذا؟ في القرآن لا يوجد هذا.
من ذرية آدم ومن حمل مع نوح
الدكتور يوسف أبو عواد:
36:10
يقول لك: لا، هو القرآن قال: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾. وإدريس من ذرية آدم، وكان نبياً. نحن قلنا إن الذرية تعني الانتشار. هو لم يقل: «من آل آدم»، ولا قال: «من بني آدم». قال: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾. يعني بعد أن حصل انتشار البشر من آدم، كان النبي الذي من ذرية آدم هو نوح، وكل الأنبياء الآخرين هم من ذرية آدم، صح؟
باسم الجمل:
صحيح.
الدكتور يوسف أبو عواد:
إذن، هل في هذا التركيب مشكلة؟ لا
ولا ننسى أن كلمة «النبيين» تدل على الجميع. طيب، نكمل. لأن بعض الناس يقول إن «النبيين» هنا تعني من بعض البشر، وبعض البشر ليس منهم نبيين. وهذا تقسيم عرقي للبشر. طيب. ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾. فهمنا الآن لماذا النبيون ممن حملنا مع نوح، أم لا؟
باسم الجمل:
36:50
لأنه من ذرية إبراهيم، صح
الدكتور يوسف أبو عواد:
لأن كل البشر الباقين أُهلكوا، وبقي من حمل مع مَن؟
باسم الجمل:
مع نوح.
الدكتور يوسف أبو عواد:
فكل من جاء من الأنبياء، هل هو ممن حمل مع نوح أم لا؟
باسم الجمل:
نعم، صحيح.
ذرية إبراهيم وإسرائيل
الدكتور يوسف أبو عواد:
الثالثة: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾. لماذا جمع الكلمتين الآن؟ انظر كيف. طيب، اجمع الآن: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا﴾. طيب، ذرية أم ذريتان؟
باسم الجمل:
﴿ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾.
الدكتور يوسف أبو عواد:
ماذا يعني ذلك؟
باسم الجمل:
يعني تزاوجاً بين الطرفين.
الدكتور يوسف أبو عواد:
أي أنها ذرية واحدة، أن ذرية إبراهيم هي نفسها ذرية إسرائيل، طيب كيف؟ سيكون الأمر كذلك إذا كان إسرائيل هو لوط، كما فسرناه. وتزاوج أبناء إبراهيم مع ابنتي لوط.
فستصبح الذرية واحدة، أم لا؟ ولم يقل: «من آل إبراهيم وآل إسرائيل». ولا تجد في القرآن أصلاً «آل إسرائيل» لماذا لا تجد «آل إسرائيل»؟ لأننا قلنا إن الآل هو النسل المتصل. فهم ليسوا آل إسرائيل، هم يتبعون إسرائيل؛ لكونهم أولاد بنات إسرائيل. يعني البشر أولاد بنات إسرائيل، وأولاد ذكور إبراهيم. أي نعم ولذلك تجد في الآيات «آل إبراهيم»، ولكن لا تجد «آل إسرائيل» صحيح؟
لماذا سُمُّوا بني إسرائيل؟
باسم الجمل:
38:03
سؤال: لماذا سمى القرآن الناتج البشري من تزاوج بنات لوط مع أولاد إبراهيم «بني إسرائيل»، على اعتبار أن لوطاً هو الذي أسرى؟ لماذا لم يسموا بني إبراهيم، أو أبناء إبراهيم؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
سؤال جميل جداً. لأنه، دكتور، نحن قلنا إن البعد المفهومي في القرآن مهم هنا. فالقرآن لا ينادي على البشر بـ«بني إسرائيل» إذا لم يتمثلوا فكرة لوط في الإسراء. يعني إذا لم يحصل إسراء، ومحافظة على الفكرة، ونزول للكتاب. مع أنهم من النسل نفسه. وهذا يجب أن يُضبط جداً، فالنسل البشري كله يرجع إلى إبراهيم ولوط. ولوط هو إسرائيل. لكن القرآن لا ينادي: «يا بني إسرائيل» إذا لم يكن هناك إسراء إلى الله من الأبناء.
فهنا البنوة معنوية، إضافة إلى كونها عرقيًا واحدة. وهذا الكلام مهم جداً.
بني إسرائيل وصفٌ لا عِرق
الدكتور يوسف أبو عواد:
38:58
فإذن، عندما يميز القرآن بين بني إسرائيل وغير بني إسرائيل، فليس التمييز عرقياً. بل هو وصفٌ. كلام وصفي. وهذا يتفق مع ما قلناه في حلقتين سابقتين عن الموضوع.
الفرق بين هجرة إبراهيم وإسراء لوط
باسم الجمل:
39:07
طيب، إذا وُصف النبي لوط بأنه هو الذي أسرى إلى الله، فهل يعني ذلك أن النبي إبراهيم لم يُسرِ إلى الله؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
النبي إبراهيم لم يذكر القرآن أنه أُسرى. أما إبراهيم، فقد ذكر القرآن أنه هاجر.
الدكتور يوسف أبو عواد:
ذكر القرآن أن إبراهيم هاجر، أما الذي أسرى هو لوط. لماذا، دكتور؟ لأن فكرة الإسراء، عندما أجدها أجدها في موضعين: في نبي الله موسى، وفي نبي الله لوط. تمام
مفهوم الإسراء في القرآن
الدكتور يوسف أبو عواد:
يكون الإسراء عندما تنزل عقوبة تصيب الجميع، فيُسري النبي هرباً من العقوبة التي ستحل بمن استحقها. هذا هو الإسراء في القرآن، بمعناه الدقيق جداً. فإبراهيم، لما هاجر، يبدو أن العقوبة لم تكن مباشرة، وكانت هناك مدة زمنية حتى هلك قوم إبراهيم. تمام.
ولذلك لم يذكر القرآن طريقة عقوبة قوم إبراهيم، مع أننا قلنا إنه ذكر أنهم أُهلكوا، لكنه لم يذكر طريقة العقوبة. أما قوم لوط فذكر العقوبة: ﴿فَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ صح أم لا؟ إذن الإسراء، بدقة، هو أن يخرج النبي ومن آمن معه هروباً من عقوبة ستحل بمن كذّب. من الذي طبق هذا الوصف؟ لوط ثم موسى هذا معناه
طبعا سيقولون لي: أصبح عندي إشكال في تفسير الآية الأولى.
باسم الجمل:
40:26
طيب، النبي موسى إلى أين هرب؟ قال: ﴿أَسْرِ بأهلك لَيْلًا﴾ صح؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
أي نعم. موسى أسرى بقومه، وليس فقط بأهله. كان الموضوع أوسع؛ عندما مروا من البحر وغرق فرعون. والموضوع واضح، وسنأتي إليه على كل حال.
شمول مفهوم النبيين
الدكتور يوسف أبو عواد:
طيب، دكتور، مرة أخرى، هنا بعض الناس يقول لي: هذه الآية تتحدث عن النبيين فقط. وأنا أقول مرة أخرى: يا جماعة، كيف «النبيين فقط»؟ يعني جزء من البشر لهم نبيون، هكذا قرر الله، وجزء ليس لهم نبيون؟ عجيب أن تكرسوا التقسيم العرقي مرة أخرى، مع أن القرآن بريء منه أصلاً. فهو عندما يقول: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ﴾، فهو يتحدث عن جميع البشر؛ لأن «النبيين» هنا تشمل كل نبي بُعث إلى كل البشر.
باسم الجمل:
41:13
هذا يبدو لي من الآثار العميقة التي تركتها قراءة الأسفار اليهودية، واعتماد التحقيب الزمني الذي جاءت به، وحتى التفاصيل التي ذكرتها وتم إسقاطها على أنها هي ما تعنيه أو ما توحيه الآيات القرآنية.
الدكتور يوسف أبو عواد:
نعم. هو، دكتور، ادعاء بنوّة أو أبوة بعض الأنبياء لمجموعة بشرية واحدة هو بداية السلوك اليهودي الذي كانت نهايته ماذا؟ «نحن أبناء الله». في النهاية يصل إلى هذا «نحن أبناء الله» يعني استباحة باقي البشر، هذه هي الكارثة. استباحة باقي البشر والتمييز العرقي، وفكرة الفرقة الناجية، وغيرها.
ملاحظة حول الأرقام في القرآن
الدكتور يوسف أبو عواد:
41:58
طيب، إذا سمحت لي، دكتور، سأعود إلى آية سورة الحج التي جمعت قوم إبراهيم وقوم لوط. وأرجو أن تسمح لي بلفتة.
باسم الجمل:
تفضل.
الدكتور يوسف أبو عواد:
42:10
وهذه اللفتة ليست لسانية، ولذلك طلبت السماح منك ومن السادة المشاهدين. نحن قلنا إن كلمة «نوح» وردت في القرآن الكريم ثلاثاً وأربعين مرة، جميل؟ وكلمة «إسرائيل» وردت في القرآن الكريم ثلاثاً وأربعين مرة. أي نعم.
الدكتور يوسف أبو عواد:
واستشهدنا مستأنسين بأن في هذا إشارة إلى أن بني إسرائيل هم كل البشر إذا اتصفوا بالفكرة. طيب، الآن هذه الآية: ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمِ لُوطٍ﴾
في سورة الحج، لم تجمع إبراهيم ولوطًا، بل جمعت قوم إبراهيم وقوم لوط، رقمها (43).
42:53
طبعاً، قوم إبراهيم بقي منهم أبناؤه، وقوم لوط بقي منهم بناته. فكأن رقم (43) يشير إلى كل بداية يذكرها النص القرآني للبشر: نوح (43)، وإسرائيل (43)، وقوم إبراهيم وقوم لوط أيضاً في الآية (43). وسأذكر إشارة أخرى أصعب قليلاً.
لو بحثت عن اسم إبراهيم في القرآن الكريم كم مرة ورد؟ فيما أذكر 67، ثم بحثت عن اسم لوط كم مرّة ورد؟ ثم إسماعيل، ثم إسحاق، ثم آل لوط، التي هي البداية الثالثة للبشر: إبراهيم ولوط وإسحق وإسماعيل وآل لوط (مكونات البداية الثالثة للبشر)؛ المجموع سيكون ـ (129)، وهو (43 × 3). وكأنها البداية الثالثة للبشر.
نعم، يمكن التأكد من هذا بكل سهولة في أي باحث قرآني فهذه إشارة أرجو المسامحة فيها.
باسم الجمل:
43:57
هل يمكن الاستدلال من هذه الإشارة على أن ما تقوله حول ما توحي به هذه الآيات صحيح ودقيق، ويعاكس المفهوم السائد مثلاً؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
والله، دكتور، قصة الأعداد، إذا لم يُتكلَّف فيها، فهناك ظاهرة موجودة في النص القرآني. يعني ليس عبثاً أن كلمة «يوم» غير مضافة، أو غير متصلة بكلمة أخرى، تأتي في القرآن (365) مرة، و«شهر» (12) مرة، و«سنين» (12) مرة، و«سنة» (7) مرات. ومثلاً: آدم وعيسى. ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾. كلاهما تكرر (25) مرة. هذه تدل على أن أعداد الكلمات في القرآن فيها إشارات تؤنس. أنا أقول: لا يؤسس عليها، لكن
باسم الجمل:
44:40
تؤنس الباحث في النص القرآني.
الدكتور يوسف أبو عواد:
بالضبط.
آل إبراهيم والكتاب والحكمة
الدكتور يوسف أبو عواد:
الآن، في سورة النساء، نجد قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
انظر كيف سماهم «آل إبراهيم».
من هم من آل إبراهيم؟ كل البشر. كل البشر الذين أوتوا الكتاب والحكمة. فلما يقول: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾. إذن هم أيضا كل البشر الذين أسروا، هذه الفكرة. الذين أسروا، فكانوا إذا نزلت العقوبة لا يستحقونها، فيفرون منها. كلما نزلت عقوبة بقوم، يفرون منها. هذه فكرة إسرائيل. فهناك نوع من الحركة في الأرض.
أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة
الدكتور يوسف أبو عواد:
45:22
طيب. ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾. في سورة الأنعام، هذا السياق حتى نثبت أن آل إبراهيم أيضاً هم كل البشر. لو أنا قرأت سورة الأنعام، السياق الذي فيها هو الذي ناقش فيه إبراهيم الذين كانوا يعبدون الكوكب والقمر والشمس، تمام نجد قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾.
انظر كيف. ثم قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
باسم الجمل:
من ذرية نوح؟
الدكتور يوسف أبو عواد:
46:04
من ذرية نوح، نعم.
﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾.
فلما قال لك: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾، إذن هو يتكلم عن كل البشر بعد إبراهيم. وليس نصف البشر أوتوا الكتاب والحكم، والنصف الآخر لم يؤتَ.
ذرية إبراهيم وبنو إسرائيل
الدكتور يوسف أبو عواد:
46:45
طيب، هناك شاهد آخر. لاحظ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾. سيقول لي قائل: طيب، لماذا قال: «آل إبراهيم»، وهنا «ذرية إبراهيم»، وهنا اختفى إسرائيل أو لوط من الذكر؟ نحن قلنا إن إبراهيم هو الأب من جهة الذكور، ولوط هو الأب من جهة البنات.
ثم إن لوطاً يُذكر دائماً بصفته، وهي صفة إسرائيل. بعد أن أسرى أصبح وصفه إسرائيل. فلما يقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا﴾، فإن ذرية إبراهيم فعلاً هي كل البشر. وهم نفسهم بنو إسرائيل. تمام؟ واضح
لكن تعبير «بني إسرائيل» يستخدمه مقترناً دائماً بالتطبيق الوصفي لفكرة الإسراء.
بني إسرائيل بين الوصف والنسب
الدكتور يوسف أبو عواد:
47:28
هذا الذي يجعل أحيانا بعض الناس يلتبس عليهم الأمر. فيقول بعض الآيات: أشعر أن هناك من البشر بني إسرائيل، وهناك جزء ليس من بني إسرائيل.
ليست مسألة نسب. فالنسب كله يرجع إلى إبراهيم ولوط، وكله يرجع إلى نوح. لكن الفكرة أين؟ إنه إذا كان أسرى، ففر.
باسم الجمل:
يعني عندما تمّ تحويل اسم «بني إسرائيل» من اسم علم إلى اسم مفهوم.
الدكتور يوسف أبو عواد:
بالضبط. ومن تبنى هذا الفكر، وسار على هذا الوصف، يدعوه القرآن بني إسرائيل. طبعاً، هنا أيضاً يقول بعضهم: هو القرآن يذكر عنهم أشياء سيئة كثيرة جداً. ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾.
لكن القرآن يذكر أحياناً عن المؤمنين أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. ويقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾. فهم تبنوا الفكرة، لكنهم أحياناً خرجوا عن الالتزام بما تعهدوا به. وهذا يحصل، وليس فيه أي إشكال.
ترابط مفاهيم بني إسرائيل وآل إبراهيم
الدكتور يوسف أبو عواد:
48:25
إذن، هكذا فهمنا لماذا يربط القرآن الكتاب والحكم والنبوة ببني إسرائيل. ولماذا فضل بني إسرائيل على العالمين. ولماذا قال: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. ولماذا هم أنفسهم ذرية نوح وإبراهيم. كل هذا ترابط معنا الآن، وأصبح المفهوم واضحاً جداً.
أن كل البشر من ذرية نوح، وكلهم من آل إبراهيم، وكلهم من ذرية إبراهيم وإسرائيل. وكل من سار بفكرة الإسراء من هذه الذرية نفسها يسمى بني إسرائيل.
الدكتور يوسف أبو عواد:
يعني، لو فرضنا أن فرعون تخلى عن ملئه، فدخل مع موسى في دعوته، وفر معه بالإسراء، وأسرى مع موسى، لصار يستحق مسمى بني إسرائيل.
باسم الجمل:
49:12
إذن، أنت بهذا الطرح حكمت على الكثير من المجلدات والكتب الموجودة في المكتبات، والتي استهلكت الكثير من الورق والحبر، في التأصيل لفكرة أن النبي يعقوب هو إسرائيل نفسه.
الدكتور يوسف أبو عواد:
والله، دكتور، هذا ليس حكماً شخصياً. أنا أتعامل مع النص كما هو. وبالتالي، فضخامة النتيجة ليست مانعاً من أن تبحث.
باسم الجمل:
49:40
النتيجة ليست فقط ضخمة. النتيجة صادمة؛ لأنها تقوم بعملية هزٍّ لكل الأسس التي تم إنشاء تاريخ فقهي حولها، أو تاريخ ديني حولها.
أثر الفهم الجديد على التاريخ الديني والبشري
الدكتور يوسف أبو عواد:
لكن هذا التاريخ، دكتور، تولدت عنه أكبر صراعات البشر عبر التاريخ، صح؟ نُسبت إلى هذه التدينات العرقية، وليس إلى التدين الحقيقي الذي يجمع البشر، الذي هو الدين. فهي أفسدت ولم تصلح. وما يزال كل من يفرق الدين بطريقة الفرقة الناجية، أو بطريقة عرقية، أو أفضلية على البشر، أو علاقة بالله ليست للآخرين، يقع في الفكرة نفسها. يعني الفكرة نفسها تؤدي إلى أقسى أنواع الحروب على وجه الأرض.
باسم الجمل:
هذه فكرة فعلاً صادمة. هذه فكرة ثورية. هذه فكرة يجب متابعتها، ويتم بناءً عليها إعادة صياغة كل كتب التاريخ التي أرخت للتاريخ الديني للبشر، أو حتى لتاريخ الدين، إن جاز التعبير، وإعادة تحقيب الأزمان.
الدكتور يوسف أبو عواد:
نعم. والمناهج، وتعليم الأطفال، هذه قضايا مهمة جداً. نحن، إذا حصل هذا فعلاً، نتخلص من كل المشاكل التي تحصل في العالم، وحصلت بسبب هذا التفريق العرقي للدين، إن صح التعبير.
باسم الجمل:
51:00
حقيقةً هي تستبع من الكل أن يبدأ يفكر بجدية في كيفية التفاعل مع هذه المعلومات، أو هذا الفهم الجديد للآيات والإيحاءات، أو حتى لما كشفته هذه الآيات نتيجة الترتيل واستخدام آلية اللسان العربي المبين في كشف مضامينها المعرفية وحتى التاريخية. إن العالم كله تقريباً، أو الثقافة البشرية بشكل عام، بُنيت على أساس خاطئ، كما تشير الآيات. وأن ما ثُقِّفنا عليه، وما عُلِّمناه، هو أيضاً خاطئ. وبالتالي، نحتاج إلى إعادة صياغة تاريخ البشرية، وتاريخ العرب بالذات، والمسلمين بالذات، وتاريخ التدين.
الدكتور يوسف أبو عواد:
51:43
وعند ذلك، أعتقد أنه في هذه الحالة سيمكن تقديم القرآن للعالم تقديمًا يلقى قبولاً لم يسبق له مثيل، ويؤدي فعلاً إلى تحسين الحياة البشرية.
إشكال آية: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾
الدكتور يوسف أبو عواد:
طيب، لو تسمح لي بفكرة واحدة فقط. الآن، لما في الآية: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾. لأنه هنا بعض الاستشكالات إذا أحببت نؤخرها إلى حلقة أخرى، ما عندي مشكلة حقيقةً. لكنها إشكالات ملتصقة بالموضوع.
طيب. ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. قالوا: إذا كان إبراهيم أباً للبشر، فكيف يقول: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾؟ أولاً: من قال إن هذا في اللحظة نفسها؟ إبراهيم لا يدعو للحظة نفسها. هو قال:﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾. فهو يتكلم عما سيأتي.
باسم الجمل:
52:45
يعني وكأنها عبارة عن أمنية يتمناها إبراهيم.
الدكتور يوسف أبو عواد:
أي نعم، مئة بالمئة. للمستقبل يتمنى أن يصبح هذا البيت بؤرةً لنشر الأمن في العالم. وهذه الفكرة الكبيرة للحج، على كل حال، كما سيأتي في حلقات قادمة.
دلالة النداء بالحج
الدكتور يوسف أبو عواد:
52:58
ولذلك، دكتور: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾. هذه في سورة الحج أيضاً. آية يستشكلونها. يقولون: هو ربنا قال لإبراهيم: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾. لا، هذه ليست لإبراهيم. لا يوجد دليل في سياق الآيات يقول إن هذه الآية أُمر بها إبراهيم.
المخاطب في آية: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾
الدكتور يوسف أبو عواد:
هذه الآية، المخاطب بها في الآية المباشرة هو النبي محمد ﷺ ومن بعده. هذا ما فيه إشكال. ﴿وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ﴾. فلو ربطتُ هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾، فأنا أفهم أن الخطاب هنا للنبي الخاتم. لكنهم ربطوها بأن الآيات كانت تتكلم عن إبراهيم:
باسم الجمل:
عن إبراهيم.
الدكتور يوسف أبو عواد:
53:40
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
الأميون وأهل الكتاب
باسم الجمل:
53:43
وهذه فكرة جديده يبدو لي فعلاً أنها موجهة للنبي محمد ﷺ.
الدكتور يوسف أبو عواد:
نعم. هو ربط، هنا أنبه، دكتور، إلى أن البشر بعد هذه المرحلة أصبحوا أهل كتاب وأميين. يعني الذين عرفوا الكتاب الذي نزل على موسى يسميهم القرآن أهل الكتاب. أما الذين لم يحتاجوا ـ وليس تمييزاً عرقياً ـ لأنهم ما زالوا أمة واحدة، فيسميهم القرآن أميين.
فلما عادوا فاختلفوا، بُعث النبي الخاتم في الأميين، ولأهل الكتاب أيضاً؛ ليصحح ما تم تحريفه، كما شرحنا ذلك في حلقة سابقة.
دلالة قوله تعالى: ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾
الدكتور يوسف أبو عواد:
وهنا أيضاً: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. لم يقل: «ذريتي».
باسم الجمل:
قال: ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾.
الدكتور يوسف أبو عواد:
54:23
فكما قلت، أحد ابني إبراهيم أُسكن في البيت؛ ليبقى محافظاً على ما أنجزه إبراهيم عليه السلام، وليكون بؤرة للبشر. والابن الآخر تحرك؛ لتنتشر البشرية في الأرض، ويحصل التكاثر. هذا الذي حصل. لذلك يستخدم القرآن عبارة بني إسرائيل
إبراهيم وإسحاق ويعقوب
الدكتور يوسف أبو عواد:
54:42
﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. وعلى كل حال، هذه لا نريد أن نخوض فيها الآن. لكنني أجبت عن الآيات التي فيها إشكال، ونؤخر الباقي.
ختام الحلقة
باسم الجمل:
54:57
دكتور يوسف، شكراً لك. يعني الحوار ممتع، وبالتالي أتوقع الكثير من المتابعات، وأيضاً الكثير من النقاش حول الفكرة. لأنها فكرة جديدة، وفكرة صادمة، وفكرة تؤسس لنا تقريباً لإعادة قراءة التاريخ، وبالذات تاريخ الأديان، أو الدين، والتحقيب الزمني الذي تتابعت الرسل وفقه. شكراً لك، وإن شاء الله نلتقي في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم.
مشاهدينا شكراً لكم. وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم، الى اللقاء.