Skip to content Skip to footer

الكتاب العربي المخطوط.. تاريخ من الشغف والنهب بين الشرق والغرب مع د. أحمد شوقي بنبين

هل كان اهتمام المستشرقين بالكتاب المخطوط العربي كشفًا علميًّا أم سطوًا استعماريًّا؟ وكيف أصّلت الكوديكولوجيا لمصطلحاتنا التراثية؟ وما أسباب ترويج أساطير كحرق مكتبة الإسكندرية وتجاهل نهب الخزائن الإسلامية؟ أسئلة مهمة يجيب عنها العالم الدكتور أحمد شوقي بنبين، محافظ الخزانة الملكية بالرباط، في لقائه مع الإعلامي ياسين عدنان، في #بودكاست_في_الاستشراق، على #منصة_مجتمع

 

ما الفرق بين المخطوط والكتاب المخطوط؟

عدنان: أعزائي عزيزاتي، أهلًا وسهلًا ومرحبًا. في رحلة المعرفة الإنسانية لم يكن المخطوط العربي مجرد وعاء للنصوص، بل شاهدًا حيًا على حوار الحضارات وصراعها. وإذا كان الاستشراق قد انشغل بالمخطوط واشتغل عليه جمعًا وتحقيقًا وفهرسةً، فهل كان اشتغاله ذاك خالصًا لوجه المعرفة أم جزءًا من مشروع ثقافي بخلفيات سياسية؟ هذا السؤال نطرحه اليوم على أحد أبرز الأسماء التي أسست لعلم المخطوط الكوديكولوجيا في عالمنا العربي، الدكتور أحمد شوقي بنبين، محافظ الخزانة الملكية بالرباط، صاحب “تاريخ المكتبات في المغرب”، وأول من ألف في الكوديكولوجيا بلغة الضاد. فعبر مسيرة علمية امتدت لنصف قرن من السوربون إلى الخزانة الحسنية، راكم الدكتور بنبين خبرة استثنائية في فهم العلاقة المعقدة بين المستشرقين والمخطوط العربي الإسلامي. ويسعدنا أن يكون لنا نصيب من خبرته في هذا البودكاست.

دكتور بنبين، أهلًا وسهلًا ومرحبًا بك. دكتور أحمد شوقي، بحديثنا عن الكتاب العربي المخطوط، هل نتحدث فقط عن نص قديم مكتوب بخط اليد ينتظر من يحققه وينشره أم أننا أمام وثيقة تاريخية وحضارية متعددة الطبقات تحمل في ذاتها وفي طريقة صناعتها وفي حواشيها شهادات على عصور وأمكنة ودول؟ أولًا، كيف غيّر علم المخطوط الكوديكولوجيا طريقة نظرنا إلى هذا الموضوع؟

بنبين: بسم الله الرحمن الرحيم، شكرًا جزيلًا الأستاذ الفاضل عدنان. إذا سمحت بمدخل بسيط يسير عن التراث العربي المخطوط والكتاب العربي المخطوط، قبل أن أجيبك عن السؤال. التراث العربي المخطوط تراث غزير ضخم، أغزر تراث عرفته الإنسانية، ولم يصلنا منه إلا النزر اليسير القليل. فمن منا من المشتغلين بهذا التراث، قارئي كتب التراث العربي، يتساءل عن الرحلة الغريبة وعن المراحل الصعبة التي قطعها هذا التراث، وعن أنواع الإبادة التي عاناها عبر تاريخه الطويل؟ أنا أعبر بكلمة يونانية “الملحمة”، أسميها ملحمة، التراث العربي شهد ملحمة، ملحمة تحكي قصة هذا التراث. نحن المحدثين علينا أن نقف وقفة إجلال وإكبار لهذه البقية الباقية من هذا التراث التي صمدت في وجه أنواع الإبادة منذ قرون. هذا باختصار كبير حال تراثنا.

عدنان: وسنعود إليه بالتفصيل على كل حال.

بنبين: بالنسبة إلى الكتاب العربي المخطوط، أنا أشكرك على عبارة مهمة، قلت الكتاب المخطوط. فأنا منذ 35 سنة وأنا أتردد إلى القاهرة وإلى غيرها وحينها أصلح هذا الخطأ. فأنا كتب بحثًا عن كلمة مخطوط في مجلة تراثيات التي تصدر في مصر عن دار الكتب، عن كلمة مخطوط، هي كلمة حديثة لها مئتا سنة. من يتصفح المعجم التاريخي الحديث يجد أن الكلمة ظهرت في أواخر الثامن عشر، يعني ظهرت كلمة مطبوع، فاضُطر العرب إلى إحداث كلمة مخطوط، ولكنها اسم مفعول. فالفيلولوجيون في الغرب، من الفيلولوجيا يقولون لا بد من أن نقرن كلمة مخطوط بكتاب، فنقول الكتاب المخطوط، لماذا؟ لأنه ليس كل شيء، كل ما كتب باليد فهو كتاب. فهناك شواهد القبور، هناك ما يكتب في الجبال وفي الكهوف، هي مخطوطات ولكن ليست كتبًا. فلهذا نحن ملزمون وهذا حسب الفيلولوجيين الكبار أن نقول الكتاب المخطوط لا المخطوط. لهذا أنا أشكرك على هذه.

هذا الكتاب العربي المخطوط الذي يشتغل به عشرات الآلاف من العلماء في الشرق والغرب. المستشرقون، وسنعود إلى هذا بالتفصيل، يشتغلون بالكتاب منذ السادس عشر. الآن يشتغل به آلاف، ماذا نعرف عنه؟ هذا سؤال كبير. سأفاجئك، وأنا بحكم خمسين سنة من التجربة، لا نعرف عنه إلا القليل، لا نعرف عنه شيئًا. فمعرفتنا عنه قليلة جدًا، والأشياء أو الجهات المظلمة من هذا المخطوط هي أضعاف أضعاف الجهات المضيئة.

كيف استقل علم المخطوط عن الدراسات الفيلولوجية؟

عدنان: صحيح. نحن على كل حال سنحاول أن نتابع لا على مستوى التاريخ ولا على مستوى تحولات هذا الكتاب وترحله بين القارات وما إليه، ولكن وددت أن نتوقف مع المصطلح، مع الكوديكولوجيا.

بنبين: معلوماتنا عن الكتاب المخطوط هي تلك المعلومات المتناثرة في مختلف الكتب التراثية. عندما نكتبها وعند تدوينها ونحن المحدثين نرددها في كتاباتنا دون أي محاولة لفهم وفك رموز الكلمات والمصطلحات، وهذه مشكلة كبرى، ولو فتح الباب لرددناها دون أي محاولة لفك رموز هذه المصطلحات، هذا باختصار.

عدنان: وماذا عن الكوديكولوجيا؟ نعرف بأن قاسم السامرائي أسماها علم الاكتناه.

بنبين: سأعود إلى هذه القضية، إلى بداية القرن العشرين، ونحن نتتبع ما كتبه الغربيون عن الكوديكولوجيا أو علم المخطوط بمفهومه الحديث. إلى القرن العشرين كان العلماء في الشرق وفي الغرب يهتمون بالمحتوى، محتوى الكتاب المخطوط، لا الحاوي للكتاب. ولكن بدءًا من بداية القرن العشرين، أصبح العلماء يهتمون بالحاوي، أصبح الكتاب، لم يعد عبارة عن وعاء أو وسيلة لنقل النصوص والأفكار، أو مجرد مصدر للتاريخ الثقافي. بالعكس، أصبح الكتاب المخطوط موضوع الدراسة، يُدرس كقطعة مادية. سنرى أن مفهوم الكوديكولوجيا ودراسة الكتاب المخطوط باعتباره قطعة مادية. هذا الكتاب الذي أصبح موضوع الدراسة، في هذه الحالة يصبح التاريخ الثقافي إحدى الوسائل للبحث في المخطوط، من حيث صناعته، من حيث نسخه، من حيث تداوله، من حيث تجارته، هذا هو محتوى علم المخطوط.

فلم يعد الكتاب المخطوط مصدرًا للثقافة، بل أصبح شاهدًا، شاهدًا ماديًا على العصر الذي وُجد فيه، ووسيلة للنشاط الثقافي الذي كان في بقعة معينة. باختصار، الكتاب المخطوط أصبح مرآة يعكس الحياة الثقافية للزمان والمكان الذي ولد فيه.

هل يصح إطلاق “علم الاكتناه” ترجمةً للكوديكولوجيا؟

عدنان: صحيح، صحيح. وهو في الواقع أشرتم قبل قليل إلى المستشرقين، ونحن سنعود إليهم، نعرف بأن الاستشراق مثلًا قام على المنهجية التاريخية وعلى المنهج الفيلولوجي أيضًا. وكل الاتجاهات الفيلولوجية في دراسة اللغات الشرقية قادت المستشرقين إلى جمع المخطوطات الشرقية وتحقيقها. ولكن إذا كان الفيلولوجيون يُعدون علم المخطوطات أحد العلوم المساعدة التي استفادوا منها في دراستهم للنصوص القديمة، فالكوديكولوجيون يعتبرون تخصصهم مادة تُدرس لذاتها وفي ذاتها، وليس مجرد وسيلة تساعد الفيلولوجي في عمله، أريد أن توضح لنا ذلك.

بنبين: لا بد أن نعرف وأن يعرف الناس أن الكوديكولوجيا أو الكوديكولوجيين خرجت من عباءة الفيلولوجيا. فأنا أحضر دروس الكبار في الثمانينات والسبعينات في باريس هم الكوديكولوجيون وهم فيلولوجيون قبل كل شيء. ومهمة الفيلولوجي أن بعضهم يلح على أنه لا بد من البحث في كيف وصل هذا المخطوط، ما عانه ما قطعه إلى آخره. ولكن مع ذلك تبقى، وأكد هذا الفيلولوجيون والكوديكولوجيون المحدثون، أن الكوديكولوجيا تبقى علمًا مساعدًا للفيلولوجيا. مهمة الكوديكولوجي وضع الفهارس، أنواع الفهارس، المخطوطات المؤرخة إلى آخره، ثم البحث عن النسخ الخطية للمخطوط الواحد.

عدنان: ومقارنتها.

بنبين: الكوديكولوجي يعبّد الطريق للمحقق، ولكن هو في الوقت نفسه هو رجل واحد، كما قلت الكوديكولوجيا خرجت من عباءة الفيلولوجيا.

عدنان: ولكنها تحررت من ربقتها أو على الأقل خلقت مسافة مع…

بنبين: نسبيًا، نسبيًا طبعًا، ولكن ألفونس دان، أنا عرفته منذ 1964 هو فيلولوجي قبل أن يكون كوديكولوجيًا، وهو الذي اقترح كلمة كوديكولوجيا 1944، ترجمة الكلمة الألمانية (Handschriftenkunde). الألمان كانوا يقولون الباليوغرافيا التطبيقية أو التاريخية للتعبير عن علم المخطوط، وكان علم المخطوط جزءًا من الباليوغرافيا. ولكن ما أن أنشأوا كلمة هانشريفتين كوندي للتعبير عن علم المخطوط تركوا الباليوغرافيا، كلمة يونانية للتعبير عن الخطوط القديمة. فألفونس دان عنده كتاب من أول كتب نشرها في 1949 اسمه المانوسكري، هذا الكتاب الذي كنت أحفظه عن المخطوطات، وإن كان يقول لا بد أن أقول لك المانوسكري، ولكن اسم الكتاب هو المانوسكري المخطوطات. فيقول في 1944 وضع هذا المصطلح كوديكولوجي في مقابل (Handschriftenkunde) الألماني.

وكوديكولوجي مركبة من كلمة لاتينية: كودكس، وكلمة يونانية: لوغوس. كودكس، ولو سمحت لي أن تكون محاضرة عن كلمة كودكس، والله لا أقصد محاضرة سأشير إليها بعد طبعًا، كلمة لاتينية أصلها الخشبة، وأصبحت من مظاهر الرق أصبحت تطلق على أي كودكس، كلمة لاتينية معناها الخشبة، أصبحت تعني الكتاب، ولوغوس كلمة يونانية، علم الكتاب، هذه كلمة كوديكولوجي.

نرجع إلى صديقنا الكبير السامرائي الذي هو اقترح علم الاكتناه. نحن التقينا منذ عقود، منذ الثمانينات نجتمع مع الأستاذ قاسم السامرائي، في تسعينات القرن الماضي بين هولندا والدار البيضاء. عنده هوس المصطلح، وأنا كذلك عندي هذه المشكلة، أنهم يقولون علم المخطوط. لا يوجد لدينا مصطلح، ليس لدينا مصطلح يقابل الكوديكولوجي، نقول علم المخطوط. هنا وقع الإشكال، فكان هناك من الناس من يدخلون في علم المخطوط كل ما يتعلق بالكتاب المخطوط، مع أن الغربيين حددوا الكوديكولوجي بدراسة الكتاب باعتباره قطعة مادية، الجلد والورق وإلى آخره، ثم ما يحيط بالنص من وقفيات وحواشٍ وتملكات وتعقيبة وإلى آخره. فكوديكولوجيا هي هذه باختصار.

كيف نؤصل لمصطلحات التعقيبة والقرطاس تاريخيًّا؟

عدنان: وأنا في الحقيقة أعجبتني هذه المراوحة التي تقوم بها الآن ما بين جهاز مفاهيمي غربي يوناني ألماني وآخر عربي. وأعتقد أن معجم مصطلحات المخطوط العربي الذي أصدرته مع الدكتور مصطفى الطوبي وضعنا أمام ثروة من المصطلحات التقنية الدقيقة، وأشرت الآن إلى بعضها، التسفير، التذهيب، الاستدراك، التعقيب، وذكرت الآن السمعات، والإجازات. ألا يكشف هذا الثراء عن أن الثقافة العربية الإسلامية كانت تملك وعيًا متقدمًا بماهية الكتاب كصناعة وكممارسة اجتماعية؟ وإلى أي حد كانت المصطلحات الغربية التي جاءت مع الكوديكولوجيا الأوروبية قاصرة عن الإحاطة بهذه الخصوصية؟

بنبين: قبل أن أدخل إلى الحديث عن المصطلح، أكمل ما بدأته عن علم الاكتناه. فالأستاذ السامرائي لم يجد مصطلحًا فقال علم الاكتناه. أحد الأصدقاء وهو فيصل الحفيان نشر بحثًا قبل عشرين سنة، كتاب السامرائي ظهر في عام 2001 في الرياض، ونشر بحثًا في التراثيات واستشارني، واستشارني فيصل الحفيان في ما يخص المصطلح. قلت لست متفقًا، لم يقنعني، الأستاذ السامرائي قال علم الاكتناه هو الباليوغرافيا والكوديكولوجيا. هذان لا يجتمعان، الباليوغرافيا علم الخطوط القديمة والفيلولوجيا، والكوديكولوجيا دراسة المخطوط باعتباره قطعًا مادية. فالأستاذ السامرائي جمع هذا العمل في كلمة علم الاكتناه، وقال الخبير بهذا العلم ينبغي.. نشر وحده 40 مقالًا، منها ما كان دروسًا في الرياض، منها ما كان بحوثًا في الندوات إلى آخره، وأدخل حتى الشريعة. الخبير في علم المخطوط ينبغي أن نعطيه الشريعة الحسبة، إلى آخره، باحترامي الكبير أنا أعرف الرجل وأعرف مكانته اللغوية ومكانته في ليدن، يعني خلط كبير. والحفيان ختم عرضه، بحثه عن هذه المشكلة، بأن هناك قولة قديمة مفادها أن العربية لا يحيط بها إلا نبي، وقال هو علم الاكتناه للسامرائي يحتاج أيضًا إلى أنبياء.

عدنان: تمامًا، هي الكلمة فعلًا فيها غموض، اكتناه، وفيها شاعرية وليس…

بنبين: الكنه، ما هو الكنه؟ الكنه هو الحقيقة، هو الجوهر.

عدنان: الجوهر الخفي للأشياء، الكنه يُسبر ولا تصله ببساطة. نعود إلى مسألة المصطلحات ما بين الشرق والغرب.

بنبين: مسألة المصطلحات. ننفرد بهذا المعجم، الطبعة السادسة بثلاث لغات فرنسي إنجليزي عربي، هذه هي المشكلة، المشكلة الكبرى ليست فقط، ليست بالنسبة للعربي فقط، حتى بالنسبة للغربيين. 1953، 1953، نشأ في أوروبا في باريس المجلس الدولي للباليوغرافيا (Comité International de Paléographie)، وكان أول مشروع اتفقوا عليه هو وضع معجم متعدد اللغات لمصطلحات المخطوط في الغرب. فشلوا في هذه القضية، ولكن بعد عشر سنوات، يعني في 1975 كُلف، أنيطت مهمة هذا المعجم باللغة الفرنسية، المصطلحات الفرنسية، لأحد كبار العلماء دُوني مُوزْرال، أعرفه توفي في الكوفيد، رحمه الله، وضع المعجم بعد عشر سنوات 1985، اسماه (Vocabulaire codicologique)، المعجم الكوديكولوجي، هو الوحيد منذ أربعين سنة، ونُقل إلى اللغة الإسبانية وإلى الإيطالية في آخر التسعينات، ولكن بقي الوحيد.

نحن سرنا على غرار هذا الرجل في وضع المعجم من عشرين سنة، الآن في طبعته السادسة، ولكن أضفنا أشياء كثيرة سواء بالنسبة إلى المصطلحات أو بالنسبة إلى التفسير. سبقنا أحد المستشرقين الذي هو غاسيك، كندي وأصوله بولندية، بالإنجليزية، ولكن استفدنا منه في 2001، ولكن يبقى بالنسبة إلينا.. ما أضفنا إلى هذا المعجم الكثير من الأشياء.

نحن لدينا مصطلحات مثلًا: التعقيبة، التعقيبة (مصطلح فرنسي)، ويطلق عليها بالإنجليزية (Catchword). وإذا كانت التعقيبة سطرًا نقول (Catchline).

على أي، هذه التقنية التي لجأ إليها في ترتيب سلفنا الصالح في ترتيب ملازم الكتاب المخطوط، كان نشر بحث واحد في التراث العربي، وهو بحثي أنا، نشرته قبل 35 سنة، ولم يكتب بحث ثانٍ إلا هذا البحث، وهو منشور في مجلة “عالم الكتب” في السعودية، وفي أحد كتبي.

التعقيبة معروفة، هي هذه الكلمة التي قد تكون في الصفحة الموالية نضعها في أسفل الصفحة السابقة للترتيب. ولكن اكتشفت شيئًا جديدًا من قراءتي لكتب الغربيين (Vocabulaire codicologique) وهو التعقيبة المعكوسة (La contre-réclame). أعطيت بحثًا قبل خمس سنوات عن تاريخ عن بعد.. وكان الحفيان، الأستاذ الحلوجي وكثيرون كبار في المشرق. فالأستاذ الحلوجي وهو أستاذ صديقي كبير وعنده الكثير من المخطوط العربي قال لنا لم أعلم، لا أعرف هذه التعقيبة المعكوسة (La contre-réclame). ما هي التعقيبة المعكوسة؟ تكون إما كلمة أو عبارة أو جملة أو سطرًا. يعني عندنا الصفحة والصفحة الثانية تبدأ بكلمة أو سطر، هذه الكلمة نكتبها في الصفحة السابقة، إما كلمة أو سطر كله يعاد. أنا لما بحثت في هذه التعقيبة عند الغربيين وجدت أنها كانت في اللغات السامية، كانت في البابلية وفي الآشورية ومتفرعتان عن الأكادية، وفي الأوغاريتية، وكلها لغات سامية عندهم التعقيبة. عندما نرى السطر الأخير في الصفحة السابقة يعاد في الصفحة اللاحقة.

فقلت لهم كيف نحن ليس عندنا في العربية؟ بحكم وجودي في الخزانة الملكية، بحثت في المخطوطات فوجدتها، مجموعة من المخطوطات فيها التعقيبة المعكوسة (La contre-réclame)، فوجدتها موجودة، بحثت فوجدت، هذا كان جديدًا بالنسبة إلى العرب والمشارقة.

22:43

مكتبة أم بيبليوغرافيا؟

بنبين: عندي ملاحظة أخرى، في المصطلحات، وأنا أريد أن أذيع هذا حتى يسمع زملائي في المشرق هذه الأشياء التي هي.. كلمة غريبة (بيبليوتيك – Bibliothèque). أنا لما اتشغلت في تاريخ الكتب من 40 سنة من 50 سنة، كلمة يونانية ظهرت في القرن الثاني، كلمة يونانية فيها قسمان، (بيبليو) تصغير (بيبلو) الذي هو كتاب، و(تيكي) صندوق، صندوق الكتب، هذه واحدة.

عندنا كلمة يونانية التي هي (بيبليوغرافيا)، الببلوغرافيا في العصر القديم عند اليونان تعني نساخة الكتب، ولكنها لم تعد إلى الظهور في العصر الوسيط. الغرب استعملوا مصطلحات أخرى، قالوا عوض البيبليوغرافيا قالوا أنا أعلق على المصطلحات، قالوا منها ما هو يوناني ومنها ما هو لاتيني (ريبيرتريون، افونتاريون، كاتولوجوس، اندكس، بيبيلوتيكا) بيبيلوتيكا. لماذا أقول هذا الكلام؟ لأنه بدءًا من السادس عشر أصبحت تدور جملة في الكتب من بعض الكتب في الغرب وفي الشرق يسمونها بيبليوتيكا.

أول كتاب في هذا الإطار هو للطبيب السويسري كونراد غيسنر في السادس عشر، سمى كتابه (بيبليوتيكا أونيفرساليس). مستشرقون آخرون في التاسع عشر، واللبنانيون (بيبليوتيكا أرابيكا)، ما هو بيبليوتيكا أرابيكا؟ (زنكر بيبليوتيكا أورينتاليس)، عشرات الكتب. لماذا أقول هذا؟ لأحدد الغلط، الخطأ، كل المشارقة وكل الأوروبيين يترجمون هذه الكلمة إلى العربية يقولون المكتبة.

عدنان: صحيح.

بنبين: فكونراد غيسنر أول كتاب سماه (بيبليوتيكا أونيفرساليس) كلهم يقولون (المكتبة الكونية) ولكنها ليست مكتبة، هي (بيبليوغرافيا)، (البيبليوغرافيا الكونية). شنورر ألماني (بيبليوتيكا أرابيكا)، (البيبليوغرافيا العربية). سنكر ألماني (بيبليوتيكا أونيفرساليس) البيبليوغرافيا. ليست مكتبة.

لهذا انا أردت أن أقصد إلى إصلاح هذا الخطأ بالنسبة..

26:50

كيف أسهم الكاغد والرق في هندسة أشكال المخطوطات؟

عدنان: هذه كلها أشياء تحتاج حقيقة إلى أن تُذاع وتشيع بين الناس. المعجم هذا أنتم طبعتوه…

بنبين: الطبعة السادسة، مجلدان…

عدنان: أين طبعتوه؟ أين طبعتوه؟

بنبين: هنا في الرباط. لكن لا نبيعه، نحن لا نبيع الكتب، هذا توزيع.

عدنان: أنتم طبعتوه في الخزانة الملكية.

بنبين: في الخزانة الملكية طبعًا. هيرودوت جاء بمصطلحات أخرى وهي غريبة جدًا (دفتر) (دفتر)، جميع الغربيين الآن تقرأ (دفتر) كلمة يونانية، دفتر دفتيريا، دفتيريا كلمة يونانية معناها (لبو) يعني الجلد. فهيرودوت رحمه الله برحمة اليونانيين، قال إن (دفتر) كلمة فينيقية دخلت للغة اليونانية، إذن دفتر ليست ليست…

عدنان: ليست يونانية، ولك أن تقول فينيقية تقول عربية.

بنبين: العربية والفارسية. هذه واحدة. بقي عندي…

عدنان: تفضل تفضل.

بنبين: مثلًا عندنا عندما يهتمون بتحقيق كتاب مخطوط يجمعون النسخ، نسخ النص الواحد، نسخ الكتاب الواحد.

عدنان: طبعًا.

بنبين: يسميها الفرنسيون (La tradition manuscrite)، ما عندنا المصطلح بالعربية، نحن اقترحناها في المعجم “النسخية”، “النسخية”، يعني النسخ المتعددة للنص الواحد، هذا من المسائل التي اقترحتها.

“التحرف”، ما هو التحرف؟ هو كتابة لغة…

عدنان: بحرف آخر.

بنبين: الله يعطيك الصحة.

عدنان: مثل ما فعل اليهود في الأندلس.

بنبين: مثلًا ميمونيد، موسى بن ميمون في القرن السادس من الهجرة، عنده كل كتبه، كل كتبه تقريبًا بالعربية بالحرف العبري.

عدنان: تمامًا.

بنبين: إلا واحد هذا شيء معروف اسمه فرانسوا (لا ترانسليتيراسيون)، ولكن عنده شيء جديد لا يعرفه المشارقة وهو “التحرف المعكوس”. ما هو التحرف المعكوس؟ هو كتابة كتاب في محاولة لتمويه القارئ بأنه قديم في ورق قديم، كتابة قديمة، فيموهون.

عدنان: يوهمون بأن الكتاب قديم.

بنبين: هذا اسمه “التحرف المعكوس” (لا ترانسليتيراسيون إنفرس).

عدنان: التحرف المعكوس.

بنبين: مثلًا كلمة “الكاغد”، كلمة “كاغد”، معظم الكتابات العربية بالخصوص تقول الكلمة فارسية، هي كلمة صينية “كاغد”، لأن الصين هم المكتشفون لهذه المادة “كاغد”، في القرن الثاني قبل الميلاد. والكاغد هذا كان أدى دورًا كبيرًا في الحضارة الغربية، بحيث الغرب يقولون الحضارة الغربية ثلاث: الكتابة، الكاغد، الطباعة. فبفضل العرب “الكاغد” وصل إلى الغرب. الصينيون كانوا يصنعونه من الخرق البالية، العرب طوروه أصبحوا يصنعونه من القطن، من الحرير، من لُب الخشب، فأعطوه صبغة وشكلًا نادرًا. فظهر في أوروبا واستغله العرب سبعة قرون. ولولا “الكاغد” لم يصل العرب إلى هذا الحجم. وقال أحد الرياضيين الإيطاليين في القرن التاسع عشر اسمه ليبري، قال: امحوا، لو محوتم العرب من التاريخ لتأخرت الحضارة، النهضة الغربية عدة قرون. اسمح لي أقولها بالفرنسية: (إعادة الجملة بالفرنسية)، لو محوتم العرب من التاريخ لتأخرت الحضارة، النهضة الغربية عدة قرون. هذا بفضل الكاغد.

عندنا مثلًا الرق، الرق، (Le parchemin) لماذا Le parchemin ؟ لأن مدينة برغام، برغامة كانت في آسيا الصغرى، اليوم في تركيا، لما مات الإسكندر المقدوني في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، 323، لم يترك أولادًا، اختُضر، هذا من غريب اللغة، مات في خضرته، مات صغير السن، 33 سنة، واستولى على الشرق، انتقم انتقم لصراع قديم بين الشرق والغرب. فسيطر على آسيا الصغرى، سيطر على الفرس، سيطر على الشام والبطالسة. فهناك ثلاثة ضباط: الأول أطالوس كان في برغامة في آسيا الصغرى وأنشأ دولة اسمها الأطالية أو البراغمة، ثم السلوقيون في الشام والعراق، ثم البطالسة في مصر. فالبطالسة كانوا يصدرون ورق البردي، وفي تنافس مع البراغمة في تركيا في آسيا الصغرى لم يريدوا أن يصدروه لهم. فاضطر البراغمة إلى التفكير في إحداث مادة للكتابة، فصنعوا الرق، وأخذ اسمه من المدينة برغام، برغامة التي صنع فيها.

وكل اللغات في العالم هذا الرق، Pargment، Parchment بالإنجليزية، (Le parchemin) بالفرنسية. ماذا وقع؟ هذا الاكتشاف وهذا الإحداث وهذا الإنشاء أحدث ثورة كبيرة في الحضارة الإنسانية. الرق ليس هو الورق البردي، الورق البردي يكتبونه على جهة واحدة، الرق يكتبونه من الجهتين، فسهل مأمورية الكتابة.

هذا من جهة، من جهة أخرى شيء لم يفطن إليه العرب، وهناك قولة لأبي بكر الصديق رحمه الله يقول… تقول كتب التراث إن أول من جمع القرآن بين لوحين أبو بكر الصديق، بين لوحين، لأن كلمة الرق ظهر في ذلك الوقت واستعمله العرب. وهذا يؤكد لنا الشكل العمودي للكتاب الذي ظهر، وأول كتاب عرفه العرب هو القرآن.

عدنان: صحيح.

بنبين: في النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، ظهر شكل يُسمى هكذا (يشير إلى الشكل الأفقي)، شكل عمودي…

عدنان: أفقي.

بنبين: مستطيل، ويسمى عند العرب الشكل السفيني. والغربيون يقولون (Le format oblong)، والمحدثون يقولون الشكل الإيطالي (Le format Italia). هكذا، لأن الإيطاليين كانوا يستعملون هذا الشكل. ما هو السبب؟ لا أحد يعرف.

هذه أسئلة مطروحة على العرب، هذا وقلت أنت قبل لحظات لا نعرف شيئًا عن الكتاب العالم المخطوط. هناك عشرات مئات أسئلة تحتاج إلى جواب، لجأوا لنا .

مثلًا هذه ظهر الشكل السفيني لماذا ترجع إلى العرب؟ يقال… هناك خمس نظريات، يقال إن العرب لجؤوا إلى هذا الشكل السفيني (Le format oblong) لتمييز القرآن، كتاب القرآن عن…

عدنان: الكتب الأخرى.

بنبين: السماوية والكتب العادية. قيل لمواصلة الكتابات على المساجد، تكون على العرض، قيل لمسايرة الصفوف. المستشرقون الألمان قالوا نظريات أخرى، قالو لا، الشكل السفيني حدث لأن رق الغزال كان عريضًا يفرض هذا…

عدنان: هذه الفورمة هذا الشكل.

بنبين: ثم هناك نظرية أخرى أن الخط الكوفي كبير عريض، وهو الذي فرض هذا..

أكانت دوافع الاستشراق لاهوتية أم علمية أم استعمارية؟

عدنان: هذه كلها مشكلات بديعة وأنا سعيد بأن نتطارحها هنا وننفتح عليها وربما تغري بالمزيد من الحوار معك، إلا أنني أُفضل أن نعود إلى البيبليوتيكا، ولكن بالمعنى، بالتأويل الخاص بها الذي يعتبر البيبليوتيكا هي المكتبة.

بنبين: خطأ شائع.

عدنان: أنا أبقى في الخطأ الشائع وأعود إلى كتابك “تاريخ المكتبات في المغرب”. وهو كتاب مرجعي نجد فيه توثيقًا دقيقًا لرحلة تراث المخطوط من الشرق والمغرب إلى أوروبا، من صقلية إلى الأندلس، مدرسة المترجمين في طليطلة، الحروب الصليبية التي شهدت إحراق مكتبة طرابلس، نهب مكتبة الشام. ثم دور مهم وأساسي لعبه المستشرقون والقناصل والتجار والمبشرون في القرون اللاحقة. كيف تحوّلت حركة انتقال المعرفة من تبادل طبيعي بين الحضارات إلى عملية نهب منظم؟ وما رأيك في أن عملية جمع المخطوطات تحوّلت من فعل معرفي إلى صنيع استعماري؟

بنبين: أنا دائمًا تصنيفي الخاص بالنسبة للاستشراق والمستشرقين، بدأ لاهوتيًا، وأصبح علميًا وانتهى سياسيًا استعماريًا.

عدنان: بدأ لاهوتيًا في القرن السادس عشر.

بنبين: بدءًا من السادس عشر.

عدنان: علميًا في القرن التاسع عشر.

بنبين: ولكن الغرب منذ القديم، دائمًا كانت رغبته في الاطلاع على حضارة الشرق. لماذا؟ لأن الشرق مهد الديانات، مصدر الحضارات، وأصل الأبجديات. هناك طبعًا كلام كبير حول الأصل الفراعنة أم هناك الخط المسند الذي هو في اليمن كما يقول أحد المستشرقين أو الفينيقي الذي طبعًا تبناه اليونان اليوم. فرغبة الغرب للاطلاع على حضارة الشرق، قديمة جدًا.

طوال العصر الوسيط ومنذ القرن الرابع للهجرة جاء أحد المستشرقين، الذي هو سيلفستر الثاني، الذي سيصبح ينتخب بابا في آخر القرن الرابع، الذي هو القرن العاشر للميلاد. جاء إلى إسبانيا إلى برشلونة ودرس العربية ودرس الرياضيات وإلى آخره، ودعا إلى نشر، إلى ترجمة الفكر العربي إلى اللغة اللاتينية إلى آخره. بيير (Le Vénérable – المبجّل) هذا في القرن الثاني عشر، بطرس المعظم…

عدنان: بطرس المبجل.

بنبين: أنا وقفت على قبره في كلوني في وسط فرنسا، ذهبت إلى دير كلوني…

عدنان: الذي فيه كتب، ترجم القرآن.

بنبين: إلى طليطلة، أجمل، هي عاصمة الثقافة في القرن السادس، وعاصمة الثقافات الثلاث…

عدنان: المترجمون جاؤوا من طليطلة، وكان بينهم عربي مسلم.

بنبين: واحد فقط.

عدنان: عربي مسلم.

بنبين: هم ثلاثة أو أربعة جاؤوا بهم، ولكن في طليطلة يقول بالحرف: نقلنا القرآن من العربية لنقول إنه ليس على شيء. هذا شيء مكتوب، معروف، أي شخص يقرأ لا يجدها، لذلك قلت إنه بدأ لاهوتيًا، يعني متعصبًا للدين.

في القرن السادس عشر والسابع عشر بدأ العلم، البحث عن الكتب العربية، إرسال البعثات الأوروبية إلى الشرق، البحث عن المخطوطات العربية، الترجمة إلى الفرنسية، مثل ألف ليلة وليلة، في آخر السابع ترجمها أحد المستشرقين الكبار أنطوان غالان، وضع أحد كبار المستشرقين الفرنسيين الذي هو ديربولو ألف كتابًا بعنوان “لا بيبليوتيك أورينتال”.

عدنان: البيبليوغرافيا الشرقية.

بنبين: لا، ولكن المستشرقين قالوا “المكتبة الشرقية”، وآخرون قالوا “القاموس الشرقي”، لأن به أكثر من 8 آلاف مادة. هذا الكتاب. وكان كولبير أحد الوزراء الكبار للويس الرابع عشر، كان أوصاه بأن يُكتب بالعربية، ولم يكتب بالعربية، ولكن لما توفي ترجمه إلى الفرنسية. في هذه الأثناء كان المصدر الأساسي لديربولو في “البيبليوغرافيا الشرقية” هو “كشف الظنون” لحاجي خليفة. هناك بعثة فرنسية ذهبت إلى إسطنبول وأتت بكتب منها “كشف الظنون” لحاجي خليفة. وكان “كشف الظنون” هذه البيبليوغرافيا الدولية العامة، لو كان عندنا الوقت لتحدثنا عنها بالتفصيل، ولكن مع الأسف الوقت لا يسمح، فكان المصدر لـ… ونقل إلى اللغة الفرنسية في ذلك الوقت آخر السابع عشر على لويس الرابع عشر، ونقله أحد التراجمة في القص وهو بيتريس دولاروا، معروف هذا، وأنا رأيت الكتاب في المكتبة الوطنية الفرنسية، نقل إلى الفرنسية. وطبعًا حاجي خليفة هو أول رجل… أنا لما أذهب إلى إسطنبول أقف على قبره وأقرأ الفاتحة، لأنه قام بعمل لم يقم به العرب وهو أعجمي، هذا “كشف الظنون” وهو نوع من البيبليوغرافيا، ويسمى عند علماء الكتابات البيبليوغرافيا الدولية العامة.

سُبق من قبل رجل واحد هو كونراد غيسنر، نحن نعلمه كطبيب في القرن السادس عشر، سويسري، لديه كتاب البيبليوغرافيا الكونية، هي البيبليوغرافيا الدولية. هي البيبلوغرافيا، سأشرح الكلمة بإيجاز. البيبليوغرافيا هي عندما تضع عِلمًا وتضع بجانبه الكتب التي كُتبت فيه، هذه البيبليوغرافيا، يعني تعريف بسيط، وجيز. لا نقول بسيط لأن كلمة بسيط تستعمل عند العرب، بسيط معناه موسع، تقول شيء بسيط خطأ في القنوات الفضائية في الدنيا كلها تقول بسيط، وهذا خطأ، يقولون يسير، موجز، أما بسيط موسع. تقرأ كتب التراث عندهم تفسير بسيط يعني موسع، وتفسير وسيط وتفسير وجيز. لا تقرأ الناس هذه المسألة، هذا خطأ قاتل، ليس شائعًا قاتل.

على كل كونراد غيسنر، هذه البيبليوغرافيا الدولية تحتوي على الكتب في ثلاث لغات، في اليونانية اللاتينية العبرية، هذه الدولية العامة التي تحتوي على جميع المعارف.

حاجي خليفة يحتوي في كتابه على ثلاث لغات، العربية التركية والفارسية. فأول كتاب بيبليوغرافي بهذا الفهم هو لحاجي خليفة. هذا كان المصدر الأساس عند الغربيين في وضع.. في هذا الإطار ظهرت مجموعة من ترجمات لألف ليلة وليلة فتحت عقول الغرب على الشرق والصين وإلى آخره.

كيف نقيم جهود المستشرقين في التحقيق بعيدًا عن التعميم؟

عدنان: نحن في الحقيقة توقفنا في حلقات سابقة مع أهمية ترجمة غالان لألف ليلة وليلة، وأهمية ترجمة بطرس المبجل في دير كلوني للقرآن الكريم. أنا في الحقيقة أريد أن أعود بك إلى المكتبات، ما زلت مصرًا على كيف هذه الرحلة من صقلية، كي أرجع معك إلى الأندلس، إلى الحروب الصليبية، إلى… هذا الانتقال للكتاب من الشرق إلى الغرب، كيف أنه تحول من حركة ثقافية وتبادل ثقافي إلى نوع من الهيمنة الاستعمارية.

بنبين: لا نعمم هذا، أنا في رأيي لا نعمم. انتقال، طرق الانتقال، البوابات الصقلية، الأندلس، التي تدفق عبرها هذا التراث العربي إلى الغرب، وسائل أخرى: القناصل، السفراء، المستشرقون. مثل أحد المستشرقين الإنجليز إدوارد بوكوك في السابع عشر كان في حلب وأحضر معه 420 مخطوطة، منها… وحقق بعضها منها مثلًا مجمع الأمثال، حققه وترجمه إلى اللغة اللاتينية ونشره، يعني من السادس عشر إلى الثامن عشر ينقلون إلى اللغة اللاتينية، كانت هي اللغة السائدة في العصر الوسيط. ولكن بعد، 61 أو 70% من الكتب المحققة المترجمة تنتقل إلى اللغات الوطنية: الفرنسية إلى آخره.

فمثلًا إربينيوس هذا من أكبر المستشرقين عاش أربعين سنة فقط في ليدن. وهو الذي أنشأ كرسي اللغة العربية في جامعة ليدن 1613 ومات في 1624، عاش أربعين سنة، هذا الرجل حقق، أعاد تحقيق الآجرومية. وهذه من مصادر النحو العربي التي اهتم بها في أوروبا منذ السادس عشر، 1593، كانت هي الأساس المصدر الأساسي للنحو العربي عند المستشرقين. فإربينيوس أعاد تحقيق هذا الكتاب وترجمه إلى اللغة اللاتينية ونشره، وبالاعتماد عليه أصدر كتابه في النحو العربي باللغة اللاتينية، كان هو المصدر الأساس لكل المستشرقين منذ السابع عشر إلى التاسع عشر، مدة قرنين من الزمن حتى حل محله كتاب شيخ المستشرقين سيلفستر دي ساسي الفرنسي 1838 كتب كتابًا في النحو، بالفرنسية والذي حلّ محل كتاب…

المستشرقون، أنا قلت لا نعمم، لأنهم حققوا ونشروا وترجموا، هذا الجانب من ناحية أخرى، تعرف أنه لا شك أن إدوارد سعيد 1978 أخرج كتابه “الاستشراق”، أنا لما خرج أخذته، بكل آسف بعض المتشتتين، حتى لا أقول بعض الظلاميين استغلوا هذا الكتاب للضرب لا في الاستشراق فقط بل في الغرب كله، مع أن للغرب وجهين في الحضارة الغربية فيها وجه مشرق ووجه استعماري صحيح. ولكن حتى إدوارد سعيد، قال انتقادي لأعمال المستشرقين لا يتنافى والاعتراف بالجهود لهؤلاء الناس، خدموا التراث العربي، صححوا معظم الكتب التراثية.

الآن هناك دعوة كبيرة في المشرق منذ القرن العشرين، أحمد أمين، كبار المستشرقين كوركيس عواد في العراق، عبد السلام هارون في مصر، كبار، يدعون إلى إعادة طبع هذه الكتب. مثلًا دي خويه أحد كبار المستشرقين في هولندا تلميذ دوزي مع مجموعة من المستشرقين أخرجوا كتاب “تاريخ الطبري”.

عدنان: تمامًا.

بنبين: 22 سنة، ولم يختمه.

عدنان: دوزي هو الذي بدأ، بعدما حقق “نفح الطيب”، وحقق.. دوزي هو الذي بدأ، بدأ بـ”نفح الطيب” و”المعجب”. وبدأ بكذا.. ثم استُئنف العمل من طرف دي خويه.

بنبين: دي خويه مع نولدكه مع مجموعة من المستشرقين اشتغلوا فيه 22 سنة، إلى اليوم يبقى هذا الكتاب لا ثاني له.

 

كيف استقرت خزانة السلطان زيدان في أقبية الإسكوريال؟

عدنان: تمامًا، لكي نكونوا متفاهمين سيدي بنبنين، نحن بالنسبة لنا، هذا ما فيه شك، هذا البرنامج وظيفته بالضبط هو الخروج من هذه الأحادية، ممن يرفض الاستشراق جملة وتفصيلًا ويعتبره مجرد تآمر على العرب وعلى المسلمين وثقافتهم وحضارتهم، وبين من أيضًا يأخذه بدون تمحيص. فنحن نمارس نوعًا من النقد المزدوج، ولهذا نفكر في إنتاجاتهم وفي أعمالهم وفي تاريخ العلاقة معهم.

ولهذا وددت أن أرجع معك لمسألة انتقال الكتاب الإيجابي طبعًا عبر التحقيق وما إليه، ولكن كان أيضًا نوع من النهب تعرض له الكتاب العربي الإسلامي، ويهمني أن أرجع معك مثلًا إلى مثال بسيط أنت تعرفه وكتبت عنه وهو مكتبة الإسكوريال في إسبانيا، التي تحمل قصة بالغة الطرافة. هذه المكتبة تضم اليوم آلاف المخطوطات العربية، جزء كبير منها جاء من مكتبة السلطان زيدان السعدي التي نُهبت بكاملها من المغرب. يعني سؤال كيف مثلًا ينتهي تراث مغربي وإسلامي ثمين في قلعة فيليب الثاني؟

بنبين: تعرف أن ما أوقعه المسيحيون في إسبانيا غيض كبير، استعملوا كلمة (Autodafé). هذه كلمة برتغالية فرنسية من أصل لاتيني تُطلق في الطقوس المسيحية على إحراق أصحاب البدع، وأصبحت تطلق على إحراق الكتب. المسيحيون الإسبان..

عدنان: الكاثوليك تحديدًا.

بنبين: الكاثوليك أحرقوا عشرات الآلاف، هناك من يقول مليون، آخر السادس عشر خروج العرب 1492، آخر القرن بدأوا هذا الإحراق. ماذا حدث؟ 1612 بالضبط، 1612 بداية القرن السابع عشر، مات السلطان الذهبي (السلطان أحمد المنصور الذهبي توفي بوباء الطاعون عام 1012 هـ/ 1603 م) وأبناؤه يتصارعون على الحكم، فبدأ الطامعون. أبو محلي جاء من درعة واستولى على مراكش. فزيدان السعدي وكان عالمًا، ومحبًا للكتب، إنه سيعاني الكثير من أجل إنشاء هذه الخزانة. يقال إن له تفسيرين في القرآن اعتمد فيهما تفسير ابن عطية والزمخشري، يقال هذا، كان عالمًا، وهناك مجموعة كبيرة من الكتب عليها خطه في الاسكوريال. أراد أن يفر خوفًا منه ففر إلى سفينة. استأجر سفينتين إحداهما كانت فرنسية دو كاستيلان وهذا في الوقت نفسه كان قنصلًا، ووضع فيها المكتبة والصولجان، وسفينة أخرى هولندية له ولخدمه ولحشمه. فراحوا إلى أغادير لمحاولة تقوية، واتفق مع دو كاستيلان على 3000 مثقال ذهبي. فراح إلى أغادير، دو كاستيلان بالسفينة الفرنسية، بقي 6 أيام لم يتوصل لشيء فهرب، جاء لفرنسا لمرسيليا، فاعترضته سفن إسبانية، 4 سفن قراصنة إسبان يظنون أن هذه الصناديق فيها الذهب، فأخذوها إلى البرتغال. وفي ذاك الوقت بداية السابع عشر كانت البرتغال تحت النفوذ الإسباني، ففهرست للمرة الأولى في البرتغال ثم رجعت، حملوها إلى مدريد ووضعوها في دير الإسكوريال.

فهنا بدأت عودة المغاربة، زيدان السعدي التجأ إلى جميع الوسائل، العلويون، المولى إسماعيل. كانت مشكلة الإسكوريال موضوع السفارات الغزال لمحمد عبد الله، لم يفلح أحد فيها إلى اليوم.

كنت أعطيت محاضرة في إسبانيا في غرناطة قبل 30 سنة على هذه القضية، وقلت في الأخير لعل العلاقة التي تربط بين المغرب وإسبانيا ونظرًا للقوانين الدولية لليونسكو في استرجاعها لعلنا نسترجعها، هذه المشكلة، يعني تدخلت 6 دول، المغرب أصحاب الحق، فرنسا صاحبة السفينة، البرتغال فهرست فيها، إسبانيا التي سرقت، وهولندا تدخلت لإصلاح ذات البين لم تفلح، وكذلك الباب العالي في تركيا، 6 دول ولم تنجح في استرجاع هذه الخزانة. وجاء أمر من البابا لا يخرج منها ولا كتاب واحد، وقالوا إنهم سيحرقونها، كما أحرقوا… ولكن تدخلات وكذا…

 

التراث العربي المخطوط في خزائن الغرب.. عناية أم جناية؟

عدنان: لم يتم إحراقها. وحينما نزور اليوم الإسكوريال، دكتور بنبين، ونرى مخطوطاتنا محفوظة هناك بعناية فائقة، يقول الشخص لا يعرف هل يمتن لحفظها أم يشعر بالمرارة لفقدانها؟

بنبين: أنا أعطيت محاضرة في الأسبوع الماضي في الجامعة في فاس، وقلت… كان عنوان المحاضرة “التراث العربي المخطوط في الغرب.. عناية أم جناية؟ حضرت قبل 20 سنة تقريبًا، كان في جدة شخص ثري اسمه عبد المقصود خوجة، عنده الإثنينية يكرم العلماء، وكرمني قبل 20 سنة. ولما صعدنا إلى المنصة قال لي أستاذ بنبين ما رأيك في التراث المخطوط في الغرب.. عناية أم جناية؟ قلت له عناية رضي الله عنك. لأنهم عقموه، فهرسوه، رمموه، رتبوه، حققوه، نشروه. كان هناك بعض المغترضين، لا شك في ذلك. أقول المغترض لا المغرض، هذا من الأخطاء الشائعة في اللغة العربية، تقول هذا مغرض، أغرض، غرض البعير عليه السرج، أما المقصود المغترض، بعض المغترضين الذين كانت غايتهم بث الروح الإسلامية، هذا لا نقاش فيه، ولكن كبير كانوا علماء، علماء خدموا التراث.

وهناك إضاءات وفتوحات وكشوفات يسكت عنها الناس، في هذه المدرسة. أنا لا أدافع عنها ولكن فك رموز الخط من قام بحله؟ شامبليون. المسماري، الإنجليزي… أقول شيئًا، تسمع هذه الأيام أن شبانًا في الجامعة المغربية يدرسون الاستشراق، لم يعرفوا مستشرقين، لم يقرأوا كتبهم، لم يعرفوا مناهجهم، ولكن يقرأون بعض الدراسات لبعض المشارقة، الذين يحملون عليهم، يربطون الاستشراق بالتبشير وبالتنصير وكذا، هذا خطأ. نحن حضرنا الرعيل الأخير من المستشرقين، الذي لم يحضر دروس هؤلاء…

عدنان: بلاشير كان في الرباط.

بنبين: ولكن هذا الجيل لم يعد موجودًا. وشارل بيلا هذا من الرعيل الأخير مات سنة 1992، سنين كان يقول لي، رحمة الله عليه يقول لي الطالب الخالد، والله كان يقول لي، قال لي فائدة، أنا أريد أن أذيعها الآن في العالم العربي، لا تعرفونها، قال لي: اهتم بالتراجم، تراجم المسلمين، وصلت لأربعين ألف ترجمة. فوقفت، اهتدى إلى نظرية علمية رصينة لم يعرفها المشارقة ولا العرب، وهي أن كل رجل مات في بداية القرن يُحسب من أهل القرن الماضي، هو أمد العام 25، مثلًا السيوطي مات سنة 911 نقول في القرن التاسع، وليس العاشر، لماذا؟ بنى هذه النظرية على علم أن معظم العلماء، معظم الكتاب، إما يُكف بصرهم وإما يصيبهم الفالج، أن الناس التي تظل تشتغل..

عدنان: منتجين.

بنبين: فقال حتى الـ 25 نعدهم… مع الأسف عندما بنوا عسكر، دوحة ناشر، علماء القرن العاشر، دوحة الناشر في علماء القرن العاشر، عدوا ناس ماتت في 901، 902 محسوب من القرن العاشر. هذا خطأ وقس على هذا هذا مجموعة من الكتب، وكتب التراجم.

 

هل تعيد الرقمنة الحديثة ما سلبته صراعات الماضي؟

عدنان: أنا أريد أن أرجع بك إلى المسألة الخاصة مثلًا بالكتب والمخطوطات المتوفرة في الإسكوريال وفي غيره، نحس مع ذلك، المغترضون -كما تفضلت- يتحدثون عن أرشفة استعمارية لثقافتنا وتراثنا من أجل السيطرة وكذا، ولكن أيضًا يجب الاعتراف بأن المكتبات الغربية كلها تتيح اليوم إمكانية الولوج الرقمي إلى مخطوطاتنا العربية. ألا تحس بأنه نحن اليوم صار بإمكاننا استعادة هذا التراث عبر الولوج الرقمي؟

بنبين: طلبت من الدوائر العليا للاقتناء من الإسبان، للإسكوريال، يبيعونها الآن، كانت تباع هذه الواحدة من 15 عامًا بـ 40 ألف دولار. وكانت وقعت صاعقة في القرن السابع عشر

وبعد قليل من الزمان نادى الإسبان على أحد الموارنة اللبنانيين، يعيش في القرن الثامن عشر، يعيش في روما لفهرسة هذه الخزانة. فكان ميشيل غزيري اللبناني الذي يعيش في روما أوّل واحد فهرس هذه باللغة اللاتينية في مجلدين. نحن عندنا…

عدنان: في الخزانة الملكية.

بنبين: في الخزانة الملكية… فعندما وقعت هذه الصاعقة مشى فيها النصف، هو كان أخذ وثيقة، هنري دو كاستري المستشرق الكبير الذي عنده المسار الدفين للتاريخ المغربي () في عدة، في عشر مجلدات، في الوثيقة الوحيدة التي تعطينا عدد المخطوطات التي سُرقت…

عدنان: من مكتبة زيدان.

بنبين: من مكتبة زيدان السعدي، 4200، من تحت الصاعقة في السابع عشر بقي النص فقط تقريبًا، () مشت لمرسيليا، فقرر أن يهدي إلينا نسخة، وجاء في سيارة رسمية واستقبله جلالة الملك وأنا كنت حاضرًا، وأمدنا بنسخة، وأخرجتها أنا على الورق 1800 مجلد، وسفرناها، وهي الآن في الخزانة الملكية…

عدنان: وهذا ممتاز.

بنبين: 1800 مجلد.

عدنان: هذا ممتاز، هذا ممتاز.

بنبين: استرجعناها ولكن عن طريق (CD) وليس الأصول.

 

هل حجبت الصرامة المنهجية الرؤية الثقافية للمحققين الغربيين؟

عدنان: الأصول نعم. ولكن المعرفة هي متوفرة ومتاحة. وأريد أن أعود لتحقيقات المستشرقين، لأننا الآن في هذا الوضع نناقش إنتاجهم ودورهم في التحقيق وما إليه، ولكن أيضًا نحاول أن نفكر فيه بشكل نقدي. مثلًا من الذين قرؤوا تحقيقات نولدكه وبروكلمان وبلاشير وغيرهم، سنجد دقة علمية عالية في مقابلة النسخ، في ضبط الاختلافات، إثبات الفروق. ولكن أحيانًا نجد فهمًا ناقصًا أو مشوهًا للسياق الثقافي والديني والاجتماعي الذي أنتج هذه النصوص. وهناك من يطرح هذا السؤال هذه المفارقة ما بين دقة تقنية ونوع من العمى الثقافي إذا شئت، إلى أي حد يمكن للمحقق خصوصًا المحقق المستشرق تأمين الحياد التام وتجاوز هذا العمى الثقافي؟

بنبين: ما قلته الأستاذ عدنان صحيح، ولكن في رأيي وأكرر هذا، مثلًا فوستنفيلد الألماني في عام 1890 حقق ما يقارب مئتي مخطوط، كتاب مخطوط، عيون التراث العربي. ولكن هناك آخرين منهم لا يتقنون العربية، صحيح، ومنهم هناك نوع من الاغتراض، مغترض، يمس روح النص في الكتاب. ولكن مع ذلك يبقى في رأيي المتواضع وحسب اطلاعي على هذه الأعمال، ثم حسب ما قاله روادنا في المشرق، الكبار، أمين، طه حسين، كوركيس عواد، مصطفى جواد في العراق إلى آخره، طالبوا، لو كان هذا صحيحًا مئة بالمئة فيه اغتراض، لما طالبوا بإعادة طبع هذه الكتب.

بنبين: كنت دائمًا، دائرة المعارف الإسلامية التي أدارها الأوروبيون من 1913 إلى 1933، عشرون سنة، عدة مجلدات، الأولى بثلاث لغات: الفرنسية الإنجليزية والألمانية، ولكن في الوقت نفسه في الثلاثينات بدأ العرب ينقلونها إلى العربية في مصر، فتوقفوا. عمري لم أجد الجواب أبدًا، لم أجد أحدًا يجيبني، كنت أقرأ أخيرًا مذكرات شارل بيلا، مات في 92، 1992، وظهرت مذكراته في عام 2007 واقتنيتها من باريس، وهنا قال الجواب إن إخواننا المشارقة –سامحهم الله- كانوا يترجمون هذه فوجدوا بعض الخلل وبعض المس في بعض المقالات تمس العقيدة الإسلامية. صحيح فوقفوا، لماذا؟

عدنان: تمام.

بنبين: كانوا كملوا وعاجلوا المشكلة بالانتقاد وبكذا. فوقفوا لأنهم وجدوا مقالًا أو بحثًا في دائرة المعارف الإسلامية يمس روح الإسلام. وكان في هذا الوقت في السوربون واطلع على المسائل فكتب هذا في (المذكرات). فهناك الجواب.

عدنان: تمامًا، وكان هناك مصادرة لأعمال كثيرة، وليس فقط نصوص تحقيقات، حتى مجموعة من المؤلفات الكبرى والدراسات، ما يتعلق لا بعلوم القرآن ولا بالحديث التي أنتجها مستشرقون، والتي نحتاج اليوم إلى ترجمتها، ولم يتصدَ إلى ترجمتها أحد.

بنبين: انظر، مجمع اللغة العربية، 1932، 1933، 1934 قرروا أن يعملوا مجمع اللغة العربية، (صدر مرسوم تأسيس مجمع اللغة العربية في مصر في ديسمبر عام 1932، وضم التشكيل الأول خمسة مستشرقين). أحضروا خمسة مستشرقين من مختلف الدول، هي كانت عندها الزعامة: من فرنسا أحضروا لويس ماسينيون، هذا شيخ المستشرقين، من إيطاليا أحضروا كارلو نَلّينو…

عدنان: طبعًا، أستاذ طه حسين.

بنبين: 1932، أحضروا من ألمانيا فيشر، هذا فيشر في 1940 أول من دعا لمعجم تاريخي للغة العربية، وبدأ بعض المحاولات وعلى إثر ذلك، وأحضروا فنسنك، فنسنك هذا هولندي، هو الذي أخرج الكتب والمصادر الخاصة بالحديث (أشرف آرنت يانفنسنك على إخراج “المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي”). ماذا حدث؟ نشرت بعض الصحف أن الرجل لم يكن صادقًا في هذا الفهرس ومس الحديث وكذا، فنزعوه، يعني أزالوه ووضعوا ألمانيًا آخر هو إينو ليتمان، هذا الذي ترجم إلى اللغة الألمانية، وكان عميدًا للجامعة المصرية في عام 1910، كلية الآداب، أحضروه في المجمع (عمل ليتمان أستاذًا للغات السامية بالجامعة المصرية الأهلية عام 1910، وعُرف في الأوساط الأكاديمية بلقب “عميد المستشرقين الألمان”).

عدنان: الحقيقة حوارنا يراوح ما بين الاهتمام المعرفي ولكن أيضًا التوجس من الأيديولوجي والانتباه لها.

من المستفيد من ترويج أسطورة إحراق المسلمين لمكتبة الإسكندرية؟

عدنان: وأنا أستأذنك في أن أعود بك دكتور بنبين إلى سؤال الغرب والذاكرة التاريخية. مثلًا لماذا كل هذا الإصرار الغربي على ربط إحراق مكتبة الإسكندرية بالعرب المسلمين؟ مع أن معظم الدراسات التاريخية الجادة تؤكد أن هذه المكتبة أُحرقت قبل مجيء الإسلام بقرون. بل إن الروايات المختلفة تتحدث إما عن حريق وقع في زمن يوليوس قيصر أو تدمير تم في عهد الإمبراطور المسيحي ثيودوسيوس. لماذا إذن هذا الإلحاح على رواية مشكوك في صحتها؟

بنبين: هو بالحقيقة هي ليست إلحاحًا. هذه القصة من أثارها أول مرة؟ علماء القرن السابع، عبد اللطيف البغدادي هذا كان طبيبًا وكان لغويًّا كبيرًا، مات 628 بداية القرن السابع، تبعه القفطي في إخبار العلماء بأخبار الحكماء مات 646. ثم ابن العبري توفي القرن السابع 685، كتب المختصر في تاريخ البشر. هؤلاء الناس… لماذا سكت العرب والغرب سبعة قرون؟ بعد الإسلام عادت، كيف وصلت إلى الغرب؟ قبل لحظات تحدثنا عن أحد كبار المستشرقين وهو إدوارد بوكوك مات في 1691، آخر القرن السابع عشر الميلادي، وبقي خمس سنوات في حلب. من غرائب الصدف هذه الفترة التي كان فيها حاجي خليفة يجمع مادة كتابه كشف الظنون، في السابع عشر، يعني من قبيل المصادفة حاجي خليفة. فإدوارد بوكوك عاد إلى أكسفورد وهو الذي أنشأ الدرس العربي في أكسفورد، أول من درس العربية في جامعة أكسفورد في القرن السابع عشر. وأتى بهذه المجموعة فيها 420 كتابًا، 420 كتابًا مخطوطًا. هذا الرجل أتى بـ 420 كتابًا، طبعًا كان غير مخطوط.

عدنان: المخطوط سيستعمل بعدما ظهرت الطباعة.

بنبين: نعم الله يرضى عليك. فمنها الإفادة والاعتبار الذي تحدثنا عنه لعبد اللطيف البغدادي الطبيب إلى آخره (…)، وابن العبري هذا مسيحي قيل إنه كان مسيحيًا وكان عنده كتاب مختصر تاريخ البشر، كتبه باللغة السريانية ونقله إلى اللغة العربية. هذه الكتب كانت ضمن المجموعة التي أتى بها إدوارد بوكوك إلى أكسفورد في القرن السابع عشر وحققها وترجمها إلى اللغة اللاتينية. وهنا وصلت إلى الغرب في القرن السابع عشر، آخر السابع عشر، علم الغرب بأن هناك أسطورة كما قلت بصدق (يقصد حرق العرب المسلمين لمكتبة الإسكندرية)، وبدأوا يلحقونها للمس بالإسلام والمسلمين. مع أن الإسلام، الدين الإسلامي يدعو إلى العلم بين قوسين لما جاء الإسلام كان هناك خمسون مدرسة تحيط بالمجتمع في الشرق. خمسون مدرسة، حران، نصيبين، الرها، كلها تدرس الفكر اليوناني بالسرياني كلها، ونعلم جميعًا أثر هذا الفكر في الفكر العربي الإسلامي. لماذا يحرقونها؟ خمسون مدرسة، يعني نفس الوظيفة التي كانت عند مكتبة الإسكندرية، نفس الكتب، الفكر، الحضارة الهلينستية، لماذا يحرقونها؟

فهناك بعض المستشرقين… ولكن مع ذلك هناك مواقف ثلاثة. هناك من استغلها وعارض ضرب الإسلام مثل إرنست رينان، أنا أعرف هذا الرجل قرأت كتبه ووقفت على قبره في باريس، مات في 1892، آخر التاسع عشر، عنده موقف، هاجم الإسلام. وهناك موقف ارتياب وهو شيخ المستشرقين سيلفستر دي ساسي مات في عام 1838، وهناك من دافع عن الإسلام وأن هذه الفكرة باطلة وهو جوستاف لوبان صاحب حضارة العرب في التاسع عشر، وباتلر الإنجليزي والذي أتى بالحجج القاطعة بأن حرق المكتبة لا علاقة له بالإسلام نهائيًا وأحرقت منذ القرن الرابع للميلاد.

 

كيف نصون ذاكرة المكتبات بين فواجع النهب وجهود الحفظ؟

عدنان: تمامًا، هذا وفي الوقت عندما تجد من يذكّر بهذه الأسطورة، يعني أسطورة إحراق مكتبة الإسكندرية من طرف المسلمين يسكت عن إحراق مكتبات أخرى إسلامية، مكتبة طرابلس أحرقت في الحروب الصليبية، مكتبة قرطبة تبددت بعد سقوط الأندلس، مكتبة بغداد دمرت في أيام الغزو المغولي، وطبعًا كان الصليبيون متحالفين معهم، مكتبة الجزائر نهبت، تم نهبها بشكل منظم خلال الاحتلال الفرنسي. هل هناك علاقة بين التذكير الدائم بالإسكندرية والنسيان الممنهج لجرائم أوروبا ضد المكتبات الإسلامية؟

بنبين: أظن ذلك، الحروب الصليبية ومكتبة بنو عمّار في طرابلس التي هي الآن في لبنان كانت فيها ثلاثة ملايين…

عدنان: من العناوين.

بنبين: من العناوين عدد كبير من المصادر. مكتبة القسطنطينية لما دخل الاستعمار. ولكن أنا في نظري نشر هذا الخبر الخاص بالإسكندرية، ما وقع من أنواع الإبادة التي وقعت في كتب العرب. كان هولاكو في بغداد حرق الآلاف. المسيحيون في… لما كانوا يحرقون، الكتب العربية، ما كانت مكتبة الإسكندرية ما عندهم خبر، لا خبر لهم بها، فأنا ربما أستبعد المقاربة بين الإسكندرية. فكانت توافق رغبة بعض المغترضين، الخبر الخاص بالإسكندرية وإحراقها من قبل المسلمين توافق رغبة بعض المغترضين من المستشرقين.

عدنان: نحن نجلو كل هذه الأشياء التي يمكن أن يستغلها المغترضون. دكتور أحمد شوقي بنبين، منذ 1994 وأنت محافظ الخزانة الملكية الحسنية بالرباط، واحدة من أهم خزائن المخطوطات في العالم العربي والإسلامي. خلال هذه العقود ما هي التحديات التي واجهتها في مهمة الحفاظ على هذا التراث الثمين وإتاحته للباحثين؟

بنبين: الحمد لله الحمد لله، اشتغلنا بجد وأكرمنا الله بمجموعة من الباحثين، فهرسناها، صورناها، رقمناها، وما رددت واحدًا من العالم، عندنا مراسلات من أمريكا، مراسلات من أوروبا، مراسلات من الشرق. والآن التكنولوجيا سهلت المأمورية. يأتينا طلب في العاشرة، في العاشرة والنصف يكون الكتاب عند صاحبه. والله العظيم، هذا فضل من الله، والثناء الحمد لله نلناه من العالم بأسره.

جاءتني واحدة أمريكية تبحث في الحركة الوطنية قبل عشرين سنة، مرت على باريس والتقت مجموعة من الإخوان الذين يعرفونني في المكتبة الوطنية، قالوا لها إذا وصلتِ المغرب أول واحد تزورينه شوقي بنبين، والله، فتحت لها الأبواب، مرحبًا.

عدنان: هناك من يقول بأنه ما دامت المكتبة في قلب القصر الملكي، الناس عندها صعوبة في الولوج لها.

بنبين: قبل أن أكون أنا كانت هذه الأشياء، ولكن لما أتيت الحمد لله. ثم حققنا كتبًا نادرة في العالم. كان هناك كتاب بن أنجب الساعي في القرن السابع اسمه كتاب لابن أنجب الساعي في القرن السابع، (اسم الكتاب “الدر الثمين في أسماء المصنفين” من تأليف المؤرخ البغدادي تاج الدين علي بن أنجب الساعي، الذي عاش في القرن السابع الهجري، توفي عام 674 هـ، وعمل خازنًا للكتب في المدرسة المستنصرية.). وكانت نسخة وحيدة كانت عند عبد الحميد الثاني رحمه الله، اقتناها من تونس 1921.

المشارقة كانوا دائمًا يبحثون عنها ويسألون عنها لأنها في التراجم، والوحيد الذي عايش وشهد هجوم هولاكو على بغداد، مات في 674، يعني عشر سنوات بعد هجوم هولاكو، حضرها شهدها.

المهم هذا الكتاب هذا وجدناه وأخرجناه. اشتغلنا، آخر كتاب أخرجنا عددًا من المؤلفات من الخزانة الملكية، كتب الخيل، أنا أرأس هذه اللجنة العلمية لجامعة الفرس التي يرأسها جلالة الملك من 15 سنة، كل سنتين نحقق كتابين من كتاب الخيل، عندنا الآن 15 عملًا كلها عن الخيل معظمها في الخزانة الملكية.

وآخر عمل نشرناه على حساب الفرقان وهو “مفتاح السعادة ومصباح السيادة” لطاشكبري زاده، أكبر كتاب يتحدث عن الحياة العقلية في العصور القديمة في الدولة العثمانية. وضبطناه وحققناه تحقيقًا نادرًا بحيث علماء الفرقان هنؤونا، ووصلتنا تهنئات من مختلف البلاد العربية أن المغاربة أخرجوا أول كتاب يتحدث عن الحياة العقلية في تركيا.

عدنان: ربما مشكلتكم سيدي بنبين هو أن كتبكم لا تُباع.

بنبين: نوزعها، نخرج 1000 أو 1200 نسخة نوزعها، ولكن المشكلة أستاذ عدنان بلغني في مصر أنهم يتاجرون بها يأخذونها ويصورونها ويبيعونها، مثل هذا المعجم لطاشكبري زاده، يصورونه ويبيعونه.

عدنان: على كل حال هي صدقة جارية.

بنبين: نحن نوزع لا نبيع، عندما يطالبون بالمقابل ادعوا لنا وللملك بالصحة والعافية، هذا هو المقابل.

عدنان: الأكيد أن دعوات كل الذين استفادوا من فيض هذه المكتبة وإصداراتها تصلكم. شكرًا جزيلًا دكتور أحمد شوقي بنبين على تشريفك لنا في الاستشراق، وأنتم أعزائي عزيزاتي إلى اللقاء.

Leave a comment