Skip to content Skip to footer

أزمات الإعلام العربي: من الأبواق الموجهة إلى تحديات المستقبل | د. سامي كليب

كيف تحول بعض الإعلاميين العرب إلى أبواق تابعة للسلطة والمال؟ ولماذا تعجز جامعاتنا عن تخريج صحفيين يمتلكون وعيًا سياسيًا؟ وهل فقدت مؤسساتنا بوصلة الحقيقة في عصر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي؟ وهل يمكن أن نؤسس نقابة موحدة للصحفيين العرب؟ أسئلة شائكة وإجابات صريحة من الإعلامي والأكاديمي اللبناني د. سامي كليب، في لقائه مع د. باسم الجمل، في #بودكاست_مجتمع، على #منصة_مجتمع

 

كيف نصل للحقيقة وسط الأبواق الإعلامية؟

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي الدكتور والباحث والكاتب والصحفي وشيخ الصحفيين. أسميك شيخ الصحفيين.

سامي: شكرًا.

باسم: وأستاذ الجامعة.

سامي: شكرًا جزيلًا.

باسم: شيخ الصحفيين.

سامي: أنا أولًا سعيد وأتشرف أن أكون معك، قامة فكرية عميقة، وتبحث في جوهر الأشياء وليس في سطحها.

باسم: حبيبي تسلم، أشكرك يا دكتور. بالعكس أنا منذ زمن أفتش عليك وأخيرًا صدناك. دكتور أنا أحب أن أسمع منك حقيقةً، يقال إن مهنة الصحافة مهنة المتاعب، لكني أسميها مهنة قول الحقيقة، أو النضال لأجل قول الحقيقة. أنا أحكي عن الصحافة العربية حقيقة، وكونك أنت لك تاريخ طويل في الصحافة المكتوبة والصورة والصوت والصورة، وفي نفس الوقت التعليم، التدريس. أنت تخرج أجيالًا للصحافة.

سامي: صحيح. كانت تجربتي متعددة ومتنوعة لأنها بدأت في بيروت أثناء الحرب، ثم انتقلت إلى فرنسا وكانت تجربة طويلة في فرنسا في مؤسسات دولية كبرى، وطبعًا مع الامتداد العربي فيما بعد والعودة إلى العالم العربي. وربما كان حظي كبيرًا في هذه الحياة أنني عملت في مؤسسات سقفها عالٍ جدًا، وكنت حريصًا منذ بداية حياتي ألا أخضع لمشيئة حتى أصحاب المؤسسات التي عملت فيها، وكان هذا قرارًا في حياتي.

فرفعت لاحقًا بعد سنوات الخبرة شعار “إعلاميون لا أبواق”؛ أي أننا نحن يجب أن نعمل كإعلاميين وليس كبوق لهذا الطرف أو ذاك، بغض النظر عن قناعاتك الشخصية أو لا. البحث عن الحقيقة مضنٍ ولكنه ممتع أيضًا، أن تكون مختلفًا في بحثك عن هذه الحقيقة. ماذا يعني البحث عن الحقيقة؟ يعني حين ترى حادثًا معينًا أو حادثة معينة أو قصة تعود إليها، حاول أن تبحث عن كل جوانبها، واترك المشاهد يقرر هل معك حق أم ليس معك حق.

الأمر الثاني، يجب أن تتسلح بمعارف كبرى، يجب أن تقرأ، يجب أن توسّع ذهنك وأن توسع قلبك. لا يمكن للصحافي أن يتعلم أو أن يعمل بحقد دفين، لأن هذا الحقد سيشوه الحقيقة التي يبحث عنها، ولا يمكن أن يعمل ويكون سطحيًا في المعارف والمفاهيم والمعلومات التي بيده. فأنا حرصت في خلال تجربتي أن أقرن العمل الفعلي اليومي مع الأكاديمي بحيث بقيت أبحث، ولذلك بقيت أميل إلى الجانب العلمي الأكاديمي حتى في كتاباتي، وأن أعتمد منطقًا معينًا. وبالتالي كذلك في المقابل لك هو مقابل جيد، وأنا حين أدرس طلابي في الجامعة أقول لهم أنت تستطيع أن لا تكون بوقًا وأن تكون صحافيًا محترمًا وتعيش حياة جيدة وحياة مرفهة. لا تبحث عن المال فورًا، انتظر قليلًا، طوّر نفسك، لا تكن سلعة معروضة في السوق، بل نموذجًا مطلوبًا في المؤسسات، حينها تستطيع أن تحمي نفسك وتحمي الحقيقة. فأنا في رأيي نعم، نستطيع أن نصل إلى حقيقة، لكن هل توجد حقيقة مطلقة؟ لا توجد.

 

لماذا يتجاهل الإعلام العربي الجذور التاريخية للأحداث؟

باسم: القصد بالحقيقة، ربما أتفق معك، أن تعبير الحقيقة قد يكون أدق مما نتصور، لأن الحقيقة لا أحد يعرف ما هي الحقيقة، كل شيء له حقيقته. المقصود به عندما تنقل خبرًا أن تنقل الخبر بكليته وكذلك بخلفيته التاريخية. الملاحظ كثيرًا، هناك كثير من الأحداث التاريخية نتائجها غير معروفة للمشاهد حاليًا؛ المشاهد الحالي يعرف النتيجة لكن لا يعرف السبب. فمجرد نقل النتيجة التي سببها تاريخي صار، بدون أن تلقي ولو ضوءًا بسيطًا على السبب الأساسي، هذا تشويه للحقيقة، وبالتالي ستُبنى ثقافات وتعاد صياغة سرديات.

سامي: هذه آفة. لماذا؟ يعني اليوم حتى حين تأخذ صورة لأمر أمامك، حتى بهذا أنت متحيز. لماذا أخذت من هذا الجانب وليس من الجانب الآخر؟ لماذا ركّزت على الوجه وليس على الجسد؟ إذن لا توجد موضوعية مطلقة أو حقيقة مطلقة. ولكن ما تتفضل به أنا موافق معك تمامًا. لماذا؟ لنأخذ مثلًا أحداث السابع من أكتوبر. هل يجب أن ننطلق من هذه الأحداث لكي نفهم الذي جرى ولماذا جرى؟ أم يجب أن نعود قبله إلى أشهر قبل ذلك؟

يعني أنا يخجلني أن أرى مثلًا رئيس وزراء فرنسا دو فيلبان يشرّح ما حصل في السابع من أكتوبر أفضل من أفضل سياسي عربي، لأنه عاد إلى التاريخ. لماذا وصلنا إلى هنا؟ أنا يخجلني أن أرى كتابًا عن فلسطين لـ إيلان بابيه وتشومسكي يشرحان بالضبط ما الذي كان يحصل في غزة قبل هذا الانفجار الذي وصلنا إليه، بغض النظر إذا كان خطأً أو صحيحًا. يخجلني أن أرى مثلًا جان بيار فيليو، من أهم المتخصصين الفرنسيين بتاريخ المشرق العربي، يقول إن هذا الانفجار كان متوقعًا لأنه توجد عملية تمييز عنصري، توجد تصفية عرقية وإلى ذلك. يعني أن نصل إلى الحقائق من خلال أسسها التاريخية، هذا أمر.

الأمر الثاني، كما قلت قبل قليل، يجب ألا ننظر إلى الأمور من خلال عاطفتنا فقط. يعني أنا عاطفتي طبعًا ستميل إلى شعب يُباد عمليًا، ولكن هذا قد يعميني عن حقيقة أخرى: طيب لماذا وصلنا إلى هنا؟ دائمًا السؤال لماذا وصلنا إلى هنا لا يُطرح. يعني مثلًا اليوم ترى الحرب الكبرى الدائرة في هذا العالم، طيب علينا أن نتذكر أيضًا ما الذي حصل في الحادي عشر من سبتمبر بالهجوم الذي حصل على نيويورك، والتي كانت تبعاته على العراق الذي لم يكن له أي علاقة بهذا الهجوم نهائيًا عمليًا، ودُمّر العراق بناءً على كذبتي أسلحة الدمار الشامل وتعامل صدام حسين مع القاعدة. وبدأ المسلسل الفتنوي الذي حصل في هذه المنطقة والتي غرقت فيه المنطقة كلها. لو نظرنا إلى الحرب الآن بواقعها الحالي سوف نرى جانبًا منها، لن نرى التاريخ، ما الذي أوصلنا إلى هذه الحالة؟

هل طرح أي إعلام عربي السؤال الفعلي اليوم؟ هل نحن يجب أن نبحث عن السبب الحالي للحروب، أم عن السبب الأساسي أن إسرائيل لم تقبل يومًا بقيام دولة فلسطينية؟ إذن أُنتجت كل هذه الميليشيات والأحزاب…

باسم: كل هذه التداعيات التي حدثت.

سامي: والتداعيات الأخرى، وانحرفنا أكثر باتجاه صراع، جزء كبير منه ديني اليوم.

 

هل يقرأ نجوم الشاشات دراسات مراكز الأبحاث؟

باسم: نقطة جدلية حقيقية، وأدعو دائمًا أنه يجب العودة إلى السبب حتى تفهم تداعيات… سواء تفهم تداعيات الموقف من كيفية معالجة السبب. على المستوى الإعلامي اليومي. هل الإعلام عنده هذه البحبوحة من الزمن أنه يدخل في تفاصيل الأشياء التاريخية حتى…

سامي: نعم عنده.

باسم: موجودة؟

سامي: طبعًا. دكتور باسم أنت تعرف وأنا أعرف، نحن إذا نتحدث عن طبقة معينة من الإعلاميين، دعنا نقول الذين يوصفون بالنجوم، وأنا لا أفهم لماذا يُسمى بالنجم، هي وظيفة كغيرها من الوظائف، ولكن أنت عندك هذا الظهور أنك موجود على الشاشة. هؤلاء عندهم أصلًا رواتب عالية. واحد، أيام الخدمة عندهم ليست كل يوم، أنت ليس عندك عمل يومي، عندك على الأقل نصف الأسبوع أنت متفرغ، نهارك لديك الوقت، على الأقل اقرأ كتابًا في الأسبوع. أنا لا أطلب أن يقرأ الإنسان أكثر من كتاب واحد، طيب، حتى الكتاب لا يُقرأ، حتى الصحيفة لا تُقرأ، أو جزء كبير من الإعلاميين لا يقرأون حتى التحليل العميق في مراكز الدراسات. كم مركز دراسات عندنا؟

قس مثلًا مراكز الدراسات في الخليج اليوم، من أهم مراكز الدراسات صارت حتى على المستوى العالمي تستضيف… أنا أنظر مثلًا مراكز الدراسات في الإمارات الآن يستضيفون كبار المفكرين. هل لو أجريت استفتاءً على الإعلاميين اليوم، معظم النجوم، هل قرأوا دراسة من هذه المراكز؟ هل قرأوا كتابًا مهمًا حول هذا الأمر؟

العرب تاريخيًا، خلافًا لكل الصورة الشائعة حاليًا، هم دعاة سلام. العرب، وأنا بالتواريخ والوثائق الدامغة سوف ترى أن العرب دائمًا كانوا دعاة سلام، منذ حتى أيام عبد الناصر حتى اليوم. يوجد مؤرخ وهو إعلامي بالأصل فرنسي اسمه “شارل إندرلن” كتب كتابًا بعنوان المفاوضات العربية الإسرائيلية منذ العام 1917 حتى 1997. طيب، بكل التفاصيل هذه المفاوضات، في كل مرة العرب كانوا يتقدمون خطوة باتجاه السلام. اليوم حين تتحدث عن السلام، الصورة الشائعة أنه والله إسرائيل تريد إقامة سلام والعرب لا يريدون، هذا زيف وهذه السردية كًسرت بعد حرب غزة، لأنه صار هناك رأي عام مختلف ويرى الأمور.

باسم: وظهرت المواقف على حقيقتها من الطرف الآخر.

سامي: ولكن كيف غُسلت الأدمغة بما فيها أدمغة الكثير من الإعلاميين العرب؟ وربما نتحدث عن ذلك بعد قليل، هي بصياغة متقنة كيف ستؤثر على أدمغة الناس وتعيد صياغة الحقائق وفق ما تريد أنت؟

إذن العرب كانوا وما زالوا دعاة سلام، ويريدون سلامًا، يقولون يا أخي نحن نريد فقط سلامًا عادلًا يقيم دولة فلسطينية.

 

كيف غُسلت أدمغة الصحفيين في عصر التكنولوجيا؟

باسم: انظر، أنا أتفق معك، لا شك أن العرب رسميًا وشعبيًا، ودعني أقول رسميًا، أنهم كانوا من دعاة السلام من البدايات.

سامي: طبعًا.

باسم: أنا لا أسميه سلامًا أننا نقبل بالواقع على أمل ألا يسوء أكثر. لكن ساء -رغم هذا الموقف- الواقع ساء…

سامي: طبعًا.

باسم: والتداعيات تفاقمت، والأثر صار أوسع مما كان في البداية. هذا يعني إما -لا ندخل في التحليل التاريخي السياسي- بل دعنا ندخل في الإعلام، على مستوى الإعلاميين، لأنك تحدثت أنه صار غسيل دماغ لبعض الإعلاميين. هل غسيل الدماغ أنهم كانوا تحت تأثير هذه السردية التي سادت، دعني أسميها إسرائيليًا، أم لأنه كما تعايش العقل العربي الرسمي مع هذه السردية أنه أيضًا هو يتعايش معها؟

سامي: صحيح، انظر، يوجد جهل وتجاهل. يوجد عندك الجانب الجهلي الذي هو أن الإنسان لا يبحث. يعني عمليًا استسهل مهنة الإعلام، أنني سأظهر على الشاشة وسأقول مجموعة من المعلومات قد تكون خاطئة، وسوف أمدح وأقدح وأقدم نفسي كبطل على الشاشة دون أن أعطي البطولة للضيف عندي، وآتي بشخصين ويختلفان ويتصارعان صراع الديكة وتنتهي الحلقة وليس لدي أي معلومة من كل هذه الحلقة. ولكن حين أنظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي أراها صارت (تريند)، فأنا أفرح بنفسي والتلفزيون يفرح بي في عملية تجهيل خطيرة.

باسم: هذه نقطة مهمة على فكرة.

سامي: عندك أمر آخر، هي دواعش وسائل الإعلام العربية، يعني بمعنى أنه حين ترى بعض الوجوه الإعلامية تقدح إلى درجة لا تُحتمل أو تمدح إلى درجة من الذُّل لا تُحتمل، فأنت تقول أين هي الفكرة الأساس من الإعلام والتي تُبنى على فعل أعلم ويعلم؟ يعني في النهاية نحن علينا أن نخبر الناس بما نعرف وبما رأينا من الحقائق، ونحاول أن نربطها منطقيًا ببعضها البعض وأن نحللها على هذا المستوى. لكن أن يكون عندك (Wishful thinking) (التفكير الرغائبي) قبل أن تظهر على الشاشة، يعني أنت تقولب الخبر بما يناسبك لكي تظهره على أنه حقيقة، ضاعت الحقائق.

وذاك الصراع الآخر بوسائل الإعلام العربية في السنوات العشرين أو الخمسة وعشرين الأخيرة بين محورين، بعض وسائل الإعلام كان عندها رأي وبعض وسائل الإعلام عندها رأي آخر، ورأينا أنه انقسم الإعلام العربي مع وضد إيران، وصار الحدث الأكبر هل أنت مع إيران أو ضد إيران، هذا يدافع عن إيران وهذا يقدح في إيران. طيب، هل ذهبنا باتجاه ما يريده الشباب العربي اليوم؟ هل ذهبنا باتجاه وضع استراتيجية إعلامية عربية، على الأقل استراتيجية إعلامية عربية تقول للناس ما يجب أن يفعلوه؟

أنت تمضي وقتك بردود فعل. انظر الآن معظم الشاشات العربية معظمها ردود فعل وليس فعلًا، في كل الأحداث. يعني خذ القضايا الكبرى التي تهم العالم العربي اليوم، أنت ذاهب إلى عالم من الذكاء الاصطناعي قلب كل المعادلات، أنت ذاهب إلى عالم من الإنترنت. نحن اليوم العرب ربما حوالي 450 مليونًا، آخر الإحصاءات تتحدث عن 300 إلى 350 مليون مستخدم للإنترنت، وعندك تيك توك هو آخر مثلًا ما ظهر بين وسائل التواصل، سوف تجد أنه أكثر من 150 إلى 200 مليون عربي يستخدمون التيك توك.

إذن أنت أمام تأثير ثورة تكنولوجية إعلامية هائلة، ماذا فعلت لها؟ ماذا اخترعت لها؟ وكيف تتأقلم معها؟ اليوم أنت ذاهب إلى الذكاء الاصطناعي، ربما توجد دول الآن بدأت تعي ذلك قبل ذلك وعندها إمكانيات أن تطوره. مثلًا اليوم عندك في الإمارات ثاني أهم مجمع للذكاء الاصطناعي بعد الولايات المتحدة الأمريكية. في الخليج نفس الشيء.

عندك مسألة الأمن السيبراني. يعني أنا حين أرى أنه -وهنا يجب أن نضع الإصبع على الجرح حتى لو أطلت عليك قليلًا، اعذرني- إسرائيل ماذا تفعل؟ عندك أكبر شركات الأمن السيبراني في العالم هي مستثمرة فيها، استثمارات بالذكاء الاصطناعي، أكثر من ذلك الاستثمارات بالإنتاج العلمي، بالإنتاج العلمي الموثوق عمليًا، 4.7% من الميزانية هي للأبحاث العلمية عندهم. نحن عندنا كعرب باستثناء بعض الدول التي طورت علومها في الآخر، آخر الإحصاءات أن العرب مجتمعين لا ينتجون علميًا بقدر ما أنتجت رومانيا مثلًا…

باسم: أحبطتني.

سامي: نحن لدينا مئة مليون أمي في العالم العربي.

باسم: صح أنا أعيش معك.

سامي: عندك أكثر من 30%، من الشباب العربي عاطلون عن العمل عمليًا.

 

هل يوجه المال السياسي بوصلة المؤسسات الإعلامية؟

باسم: هل الإعلام مسؤول عن الاستثمار أم الممول مسؤول عن الاستثمار في الإعلام؟

سامي: انظر، السؤال مهم جدًا.

باسم: يعني أنا موظف، يأتي صاحب المؤسسة الإعلامية، دعنا نقول مؤسسات، يعني لا يوجد إعلامي عربي خارج مؤسسة. وإذا كان هناك إعلامي عربي يكون على “تيك توك” وبالكاد يُسيّر أموره، ويكون حتى على “تيك توك” دخل ليحصل على بعض الفلوس أو من “اليوتيوب”، بمعنى الإعلام العربي هو إعلام عربي مؤسسي ضمن مؤسسات محكومة للدولة، للسلطة، للممول إلى آخره. العلاقة بين هذا الصحفي وما بين المال، ليس الراتب لأنه حقه أن يأخذ راتبًا، لكن هل المال مسيس؟ موجه؟ هل هو مال للإعلان أم للإعلام؟ هل المال الذي يدير مؤسسة إعلامية؟ بغض النظر ما هي، هدفه نقل الواقع إلى الناس أم هدفه توجيه عقل الناس إلى اتجاه محدد؟

سامي: انظر، هو هذا السؤال هو المشكلة الكأداء اليوم، لأننا أمضينا سنوات طويلة أن أصحاب المؤسسات ليسوا إعلاميين، إما رجال أعمال أو تجار أو دول يعني تؤسس مشروعًا معينًا، وكان في الشائع وما زال أن الإعلامي في الأخير لا يستطيع أن يفعل شيئًا وخاضع لما تريده المؤسسة وينفذ ما تريده، أنا في رأيي هذا ليس صحيحًا.

باسم: ليس صحيحًا.

سامي: انظر إلى إعلاميَّيْن في مؤسسة واحدة من نفس التمويل سوف ترى واحدًا متميزًا بموضوعيته، بطرحه، بأخلاقه المهنية، وأنا أرجع إلى شرعة الإعلام وأخلاق المهنة التي توازي علم المهنة، أن يكون عندك أخلاق حين تكون على الشاشة، ويكون عندك احترام لمشاهديك بالدرجة الأولى وللضيف ولك شخصيًا؛ ألا تعتبر أن الناس أغبياء وأنا أستطيع أن أقول لهم كل ما أريد، بالعكس صار عندك اليوم الضخ الإعلامي هائل الذي يستطيع أن يقدر، لكن انظر إلى إعلاميَّيْن في مؤسسة واحدة سوف ترى واحدًا منهم أكثر احترافية وأخلاقًا واحترامًا.

إذن المسألة ليست في التمويل. أنا عملت في مؤسسات متناقضة سياسيًا جدًا، يعني ضد بعضها البعض عملت فيها؛ يعني أنا بدأت من فرنسا، ذهبت إلى “الجزيرة”، ذهبت إلى لبنان، جئت إلى القاهرة، مؤسسات لا تشبه بعضها بسياساتها.

باسم: وظللت سامي كليب.

سامي: لم أتغير يومًا، لا بموقفي ولا بأدائي ولا بضيوفي، أحترم ضيوفي وكنت أعمل في بعض المؤسسات، تذهب إلى دولة يقولون لك -وهذه كانت تصير معي-: يا أخي نحن لا نحب هذه المؤسسة ولكن أنت نحبك، أهلًا وسهلًا بك. لأنك تحترم نفسك في النهاية، ولا تصبح بوقًا، يعني أنا أرفض فكرة أن الصحافي يصير بوقًا، وإلا اذهب واعمل ناشطًا سياسيًا أو اشتغل بالتجارة.

باسم: يعني رجعنا هنا أن اللوم يقع على الصحفي؟

سامي: جزء أساسي منه يقع عليه. وجزء أكبر كذلك على المؤسسات التي لا تضع استراتيجية إعلامية. يعني أنت اليوم مثلًا أمام حريق عربي كبير من الشرق الأوسط إلى الخليج، العملية ليست سهلة، حسنًا أين الاستراتيجية الإعلامية الجديدة؟ كم مرة اجتمع وزراء الإعلام العرب ووضعوا استراتيجية؟ كم مرة اجتمع الإعلاميون الكبار ووضعوا استراتيجية؟

باسم: لو يوجد، حقيقةً لا يوجد.

سامي: كم ندوة فكرية صارت على الأقل لكي نبحث ما بعد هذه الحرب ماذا سنفعل عمليًا؟ أنت في حالة ردة فعل.

 

لماذا يغيب التخادم بين الإعلامي والسياسي العربي؟

باسم: حقيقةً لماذا لا يوجد تجمع للإعلاميين العرب؟ لماذا لا يوجد مثلًا أن الإعلاميين العرب عندهم أيضًا القدرة على صياغة توجهات للسياسة العربية؟ يعني ليس بالضرورة أن السياسي يكون… ايضَا الإعلامي عنده اطلاع، في كثير من المرات يكون أكثر من السياسي.

سامي: طبعًا.

باسم: هذه العلاقة التبادلية أو الترابط ما بين، أو يعني التخادم ما بين الإعلامي والسياسي لماذا مفقودة في العالم العربي؟

سامي: انظر، أنا درست، نحن عملنا دراسات في الجامعة أكان في بيروت أو في فرنسا حول ما هو الإعلام اليوم؟ ماذا نريد من الإعلام؟ ماذا نريد من الإعلام الجديد؟ ما هي مشاكل الإعلام؟ ووضعنا دراسات كاملة. يعني أنت مررت في ظرف عربي على أيام الشعارات الكبرى الفارغة التي لم يكن فيها شيء عمليًا، الصحفي يكتب لكي يعجب السياسي والسياسي يحتقر الصحافي ولا يقرأه عمليًا. مررنا بهذه المرحلة ثم مررنا بمرحلة ثانية التناحر العربي العربي، وصار الصحفيون، جزء منهم جبهات متقاتلة بين بعضهم البعض؛ يعني خذ حتى داخل حزب “البعث” نفسه مثلًا، كان عندك حزب بعث سوري وحزب بعث عراقي وكان فيه صحف، الاثنان ضد بعضهما. خذ التنظيمات الفلسطينية التي كانت، أليس كذلك؟ خذ المغرب والجزائر، جارتين، بلدين جارين بلحظة معينة كل واحد..

أنا لست ضد أن الإعلامي العربي يدافع عن قضايا العربية تحت سقف أمتنا العربية، وطننا العربي الكبير، لست ضد أنك أنت تدافع ولكن دافع بالعلم. يعني أنا حتى حين أريد أن أتحدث عن خصم معين لدولنا العربية، أنا بالعلم أيضًا يجب أن أشرّح ما هي… يعني مثلًا اليوم كم من خطاب على وسائل الإعلام التي سنرمي إسرائيل في البحر وسوف نُطلع إسرائيل ونُنزل إسرائيل، قل لي كم إعلامي شرح مثلًا عدد الهجرة المعاكسة في إسرائيل؟ مسألة التدين في إسرائيل، مسألة سيطرة المتدينين على المؤسسات السياسية والعسكرية، على القدرات العلمية عند إسرائيل، على الإنتاج العلمي، على الأمن السيبراني، على الذكاء الاصطناعي؟ لماذا؟ هل طرح شخص سؤالًا لماذا توجد علاقات قوية وعميقة بين إسرائيل وبين الهند مثلًا؟ بين إسرائيل وبين الصين؟ يعني ليس كل الدول مصالح.

 

كيف غيرت الخوارزميات قناعات الشباب الغربي والعربي؟

باسم: أنا أتفق معك أن كون وجود الاحتلال على مدار مئة عام يعني شكل كل النشاط العربي السياسي والإعلامي حول هذه المحورية…

سامي: صحيح.

باسم: والكثير من التحالفات تبدلت وتغيرت وتطورت كذلك حول هذه المحورية على المستوى العالمي وحتى على المستوى الإقليمي، لكن فعلاً أنت محق على مستوى الإعلامي نادر جداً ما تحس وجود وعي حقيقي لهذا الحدث التاريخي الطويل.

سامي: تمامًا.

باسم: تبدّى في الإعلام، أنت تشاهد وكأن إسرائيل ككل كامل متكامل منسجم، يتم التعامل معه عربيًا أن هذا الكل منسجم كليًا وبالتالي نحن نوقفه، لكن هو في الداخل فيه يعني طبقات متراكمة من الخلافات.

سامي: تعرف الذي تغير ما هو؟ الذي تغير الخوارزميات الآن. يعني ما الذي دفع يهود أمريكا مثلًا للغضب على إسرائيل؟ ما الذي دفع أحزابًا كبرى بما فيها الأحزاب الأمريكية، الأحزاب الأوروبية أنه يصير هناك حالة غضب بلحظة معينة بعد المجازر التي ارتُكبت؟ هي العمل على الخوارزميات، لأنه عندك شباب عربي بشكل عام تآلفوا مع شباب غربي الذين عندهم إنسانية عالية جدًا، وصار هنا يمكن أن يتحدث الإنسان كثيرًا عن المؤثرات في الجهاز والخلايا العصبية عند المتلقي اليوم، التي يُشتغل عليها كثيرًا في المؤسسات الكبرى الدولية. اليوم ما عادت فكرة الإعلام مبنية على الاختصار أيضًا، التي هي أن تنتبه وأن تشتري وأن تؤثر عليك، صار الاختصار اليوم على الجهاز العصبي للمتلقي، ما الذي يؤثر عليه بالخوارزميات؟ بمعنى أنك أنت حين تربط مثلًا الإبادة بالاستعمار، الإبادة بـ “الأبارتايد”، الإبادة بـ “الهولوكوست” حتى، فدائمًا بالمخزون وهنا يحدث شغل على الدماغ بلا وعي الإنسان، وعلى دماغه، يصير عندك حركة وعي مختلفة تمامًا دون شعارات فضفاضة التي لم تؤدِّ إلى شيء.

 

هل يخلق الذكاء الاصطناعي بلادة ذهنية للإعلاميين؟

باسم: هذا يقودنا للحديث على كيف استثمر الإعلام العربي تبدّل وسائط النقل في الإعلام؟ كنا من قبل أنها شاشة تلفزيون أو الراديو أو الجريدة، الآن لا، حتى وسائط السوشيال ميديا أوسع صارت وأكثر انتشارًا وأكثر تأثيرًا كما تفضلت. في كل محطات القنوات العربية يوجد عندهم هذا الاستخدام، لكن هذا الاستخدام فاعل كما تريد أنت أو كما أريد أنا؟ أم مجرد نقل ما موجود على الشاشة ووضعه على السوشيال ميديا بدون أي تبديل في المحتوى؟

سامي: تمامًا، في جزء الإنتاج بوسائل الإعلام، أنت كوسيلة إعلامية ماذا تنتج ويؤخذ عنك، تأخذ عنك الدول الأخرى؟ يعني مؤسف نحن على مدى 30 أو 40 سنة لم تأخذ عنا وسائل الإعلام الكبرى إلا خبرًا أنت تنفرد به، وخبرًا له علاقة بحدث معين.

باسم: رغم أن الحدث كله عندنا.

سامي: رغم أن الحدث عندنا. يعني أنت اليوم حين تريد أن تثق بشيء تقول: وقالت “نيويورك تايمز”، وقالت “الهيرالد تريبيون” وقالت كذا، ويسردون كل صباح ما الذي تقوله هذه الوسائل كأنها منزلة عمليًا، بينما عندك مئات وسائل الإعلام العربية لا يستند عليها أي مؤسسة إعلامية غربية. طيب. إذن يوجد خلل معين.

لما جاء الذكاء الاصطناعي و”شات جي بي تي” وغيره و”ديب سيك” وغيره، صار عندنا مشكلة، لكن هي قضية مثل سيف ذي حدين؛ بمعنى أنه من جهة أنت تستفيد من هذه الوسائل التكنولوجية بسرعة العمل بالحصول سريعًا على المعلومات، ولكن في حجم من الأخطاء ترتكب لأن هذه الوسائل لا تعطيك معلومة دقيقة مئة بالمئة، وجربها مثلًا مع “شات جي بي تي”. أنا يوميًا أجري تجارب مع الطلاب أقول له مثلًا اليوم كم عندنا من الذين يتعاملون بوسائل التواصل الاجتماعي؟ يقول مئتي مليون، أقول له كيف مئتي مليون؟ يعني حتى الكبار في السن؟ صار فيه استغلال لهذا الأمر لتخفيف قدرات العمل بمعنى أنه اليوم ونحن عندنا أجهزة كشف أن هذا المقال مكتوب عبر “شات جي بي تي” أم لا.

باسم: نشاهدها يوميًا عندنا.

سامي: فيوميًا أنت عندك مجموعة من المقالات المنشورة في وسائل الإعلام كلها “شات جي بي تي” مئة بالمئة، يعني حتى ما عاد هناك جهد، هذا يخلق بلادة ذهنية عند الإعلاميين، ولكن بالمقابل يخلق لك وسائل تكنولوجية هائلة لكي تطور الفكرة بطريقة أجمل.

أنا برأيي ما زلنا في بداية هذا المسار ويجب أن نلحق به. وهنا توجد مسؤولية كبرى على المؤسسات العربية الكبرى، مثل جامعة الدول العربية مثل مجالس وزراء الإعلام العرب، الجامعات العربية. يجب أن نذهب باتجاه توحيد بعض الجهود لكي نصل إلى وضع استراتيجية جديدة للتعامل مع هذه الوسائل.

 

كيف فشلت الجامعات في التثقيف السياسي للصحفيين؟

باسم: يعني قد تكون توصية من التوصيات في الحلقة حقيقةً، لكن الواقع أنه لا الجامعات تقدم مستوى معرفيًا محددًا، ولا وزارات الإعلام في المجتمعات العربية كذلك فاعلة في إعلامها، والمؤسسات الإعلامية مع الأسف تدار من شخصيات جزء منها لا علاقة له بالإعلام، أو إذا كان له علاقة بالإعلام له سطحية، وعلاقة سطحية يعني غير مثقف إعلاميًا أو يعني خلفيته الثقافية ضعيفة، فبالتالي توجد عندنا إشكالية في صياغة الحقيقة أو حتى شكل المعلومة التي تخرج من عند الشاشة أو من طريق الوسائط الاجتماعية للمجتمع، فبالتالي يوجد عندك أنت طرفان غير متوازنين في العلاقة. هل الصحفي لو فرضنا يجب أن تتوفر في الصحفي مجموعة من الشروط التي تتعلق فقط بتكوينه معرفيًا أولًا قبل أن يمسك قلمًا ويبدأ يكتب؟

سامي: صحيح. هذه مسألة أيضًا جوهرية وأساسية؛ يعني أنت يجب ألا تكون كصحافي بارودًا للمدفع ويطلقونك بهذا الاتجاه أو بالاتجاه الآخر، على الأقل كن أنت من يطلق المدفع حتى لو كنت مع مؤسسة. المشكلة وهذه نعانيها في الجامعات، يعني أنا مثلًا أُدرّس صفوفًا مختلفة، يعني من… قد أدرس العام الأول وأسير معهم ثلاث سنوات أو الماجستير وفي فرنسا الدكتوراه وكذا. تلاحظ أنه توجد مشكلة التثقيف السياسي التي تضاف إلى المشكلة الأخرى، هي تقنيات صناعة الخبر بطريقة علمية موضوعية أخلاقية بالدرجة الأولى.

بمعنى أنه قد تفاجأ أنه في ثالث سنة في الجامعة لا يعرف من هو وزير خارجية دولة مجاورة مثلًا، هو لا يعرف مثلًا قصة حدثت وهزت العالم قبل خمس سنوات أو ست سنوات، هو ليس لديه فضول أن يعرف اليوم ماذا يجري على المستوى السياسي أو الاجتماعي وغيره. لماذا؟ لأن وسائل الإعلام التقليدية لم تقدم مادة تجذبه، يعني مثلًا خذ الإنتاج بالكتب، اليوم يوجد عندك كتب مهمة باللغة العربية واللغة الأجنبية، دائمًا حين تعرض فكرة كتاب على مؤسسة يقولون لك هذا لا يجذب، لا يجذب لماذا؟ لأن الطريقة التي تقدمها بها لا تجذب الناس.

بينما حين بدأت بعض المواقع تقدم الكتاب المسموع، ترى أنه يوجد شباب كثير يتفاعلون معه، وأنا صارت معي. يعني أنت لما ترى مثلًا، تقدم كتابًا حول فكرة جديدة ترى أن الشباب العربي يتفاعل معها لأنك قدمت فكرة جديدة.

أما السردية التاريخية، لاحظ اليوم، يعني دعنا نأتي بالصحف العربية بشكل عام، 80% لا تزال تتصرف مثل الخمسينيات والستينيات، نفس طريقة العناوين، نفس طريقة التبويب، نفس الاهتمامات التي لا تهم القارئ اليوم نهائيًا. لذلك القارئ يذهب باتجاه التحقيق، باتجاه القصة. الأمر الثاني، القصة بشكل ذاتها هي جاذبة، لكن القصة حين تحورها حسب مصلحتك الشخصية ينفر منها المشاهد.

أنا لذلك هنا أقول إذا أردنا أن نحدد الأولويات، أولًا الأولوية المعرفية، وثانيًا الأخلاقية، وثالثًا الحرفية بالإعلام. المعرفية، يجب على الجامعات أن تبدأ من أول سنة ليكون هناك عملية تثقيف جدي سياسي بقضايا العالم الكبرى. كم طالب يعرف اليوم عن التحولات الكبرى في الصين وغيرها؟ لا يعرف. كم طالب يعرف ما هي الهند مثلًا، ما هي أمريكا اللاتينية؟ نحن نعرف عن خلافاتنا بين بعضنا البعض.

 

هل يمتلك أساتذة الإعلام خبرة مهنية حقيقية؟

باسم: سؤال هنا، هذا الاهتمام من أين يجب أن ينبع؟ ينبع مثلًا

سامي: من الجامعة.

باسم: من الجامعة أم من السلطة أم من…؟

سامي: انظر، الجامعة أساس، توجد جامعات عندنا…

باسم: أو المؤسسة الإعلامية ذاتها تفرض على…

سامي: قبل الوصول إلى المؤسسة يجب أن يكون هناك علم قبل أن يصل إلى المؤسسة العلمية. عندك الجامعة بالدرجة الأولى، نحن من تجربتنا في الجامعة اللبنانية بكلية الإعلام، أنا كل آخر سنة أختار الخمسة الأوائل ونوظفهم فورًا، لأنه تأهل سياسيًا وعلميًا ومهنيًا، المؤسسات تتنازعهم، يعني ترسل واحدًا يأخذه فورًا، بينما يوجد عندك آلاف الطلاب، عشرات آلاف الطلاب بالإعلام لا يتوظفون لأنهم لم يتعلموا شيئًا عمليًا أخذوا شيئًا…

باسم: معناه يكون من الطالب نفسه، اجتهاد ذاتي أم لا؟

سامي: ومن الأستاذ.

باسم: من الأستاذ؟

سامي: من الأستاذ طبعًا. انظر، نحن عندنا الكثير من الأساتذة في الجامعات العربية لم يعملوا في مهنة الإعلام ويمضون الوقت تنظيرًا عمليًا. الآن دخل الذكاء الاصطناعي، يعني الأستاذ يدخل إلى الجامعة ويقرأ مقررًا كاتبه هو، وناقله عن كتب ويعطيه للطالب على مدى ثلاث سنوات عمليًا. الطالب يُسَمِّعُ لك المقرر مئة بالمئة ولكن لا يعرف كيف يوظف ذلك بالمهنة. بينما إذا بدأت بالتطبيقي كما نفعل في الجامعة حاليًا، نحن من أول سنة نبدأ بالتطبيقي، يجلس أمام الكاميرا، نعلمه على الصوت، على الإلقاء، على أخلاق المهنة، على الصياغة، على الثقافة السياسية أيضًا.

يعني أنا كنت أُفجَع مثلًا، يصير لما صارت مثلًا حرب اليمن: من هو رئيس اليمن؟ لا أحد يعرف. اسأل اليوم…

باسم: وقت الحدث.

سامي: وقت الحدث. يوم الحدث. اسأل اليوم، أنت اعمل استفتاءً يا أخي ليس على الطلاب في الجامعة، اعمل استفتاءً بوسائل الإعلام على الصحافيين: ما هو حجم معارفهم؟ لماذا؟ لأن الناس ربما لا يعرفون أنه خلف معظم المذيعين والصحفيين يوجد ما يُسمى producer الذي يكتب له كل كلمة بما فيها السؤال، فهذا عنده بلادة ذهنية وهو أمام الناس أنه أنا نجم كبير.

 

هل تبحث السلطة عن أبواق إعلامية تابعة؟

باسم: طيب، هنا الخلل أين؟ هل الخلل في طريقة توظيف هؤلاء الناس مثلًا؟ أم أن الخلل في طريقة إعدادهم؟ أم أن المؤسسة نفسها لا تشترط، يعني لا تضع مثلًا شروطًا أولية يجب أن تتوفر في المتقدم للوظيفة ومن ثم نقرر بعد ذلك؟

سامي: انظر، توجد عندنا مشكلة بالدول، يعني الدول تريد مجموعة كبيرة من الإعلاميين أبواقًا، دعنا نكون واقعيين. وعندك المؤسسات التي تريد أن تخدم هذه الدول أيضًا تحول مجموعة من الإعلاميين لأبواق. أنا مع الدفاع إذا مؤسسة إعلامية وُلدت في دولة للدفاع عن دولة لتدافع عن دولة، ولكن خلافي مع الجسم الإعلامي، جزء أساسي منه، دافع بعلم. طيب، دعنا نأخذ مثالًا بسيطًا: أعمل في مؤسسة مثلًا بدولة مثل السعودية، هل سمعت مرة ما هو المشروع العربي في خطة 2030 عند الأمير محمد؟ هل رأيتها على التلفزيونات؟ طيب ما هو عنده بجانب الاقتصادي، غير مشروع “نيوم” وغير الاقتصاد وغير البدائل عن النفط وكذا، عنده جانب حول إطلاق مشروع عربي، طيب، ما هو هذا المشروع؟ ما أحد يتطرق إليه.

باسم: صحيح.

سامي: إذن.

أنت عندك مشكلة أيضًا بالاستراتيجية، لأنه رئيس التحرير يريد أن يرضي الأكبر منه والصحافي يريد أن يرضي رئيس التحرير، فأنت تضيع في أنه أنا بقدر ما أشتم…

باسم: يعني توجد حلقة من النفاق المتسلسلة.

سامي: طبعًا، هذه مشكلة.

باسم: وهنا الخلل أين مثلًا؟ أنت ذكرت… أنا عادة لا أحب أن أذكر أسماء دول وذكرت أنت، هل الخلل مثلًا أنه في صاحب الرؤية أو السلطة أو صاحب القرار، أنه أنا عندي سياسة أرجو التعاون مع هذه الرؤية مثلًا ضمن هذه الأسس؟

سامي: صاحب السلطة هو ماذا يريد منك؟ يريد منك أن تخرّج فكرته بأفضل طريقة ممكنة عندك. يوجد عندك نوعان من الناس: يوجد نوع يضع استراتيجية متوازنة مدروسة، يعرف أنه أنا أريد أن أوصل هذه الفكرة إلى الناس. وعندك شخص ثانٍ همه الوحيد أن يرضي صاحب السلطة وليس أن يبدع بطريقة إعلامية جديدة. لا توجد وسيلة إعلامية اليوم بالعالم حرة، يعني دعنا نكون واقعيين، أعطني اسم وسيلة إعلامية…

باسم: لا يوجد، أنا متفق معك حقيقة.

سامي: أي وسيلة في العالم…

باسم: حتى الـ “بي بي سي” التي تعتبر مؤسسة وطنية عامة للدولة البريطانية.

سامي: أصلًا كل هذه الوسائل لها هدف معين. طيب، هل سمعت ذات مرة مثلًا مؤسسة إعلامية غربية تابعة لدولة معينة أو لرجل أعمال تسيء له أو تشرح حقيقة ما حصل؟ لا. خذ من أمريكا إلى أوروبا، وسائل الإعلام كل واحدة عندها سياسة معينة خصوصًا بالنسبة لنا كعرب. إذن أنا لست ضد أن مؤسسة إعلامية تولد في دولة وتكون تدافع عن هذه الدولة، لا بأس، ولكن الطريقة التي تدافع بها، أنت هل تدافع بعلم لكي تقنع الآخر، أو تصبح بوقًا، تمدح وتقدح ولا ينفع بأي شيء لأن الآخر لن تغير قناعاته؟

عندك الأمر الثاني: المتلقي العربي عندنا لم يعد يتم التعامل معه كما كان يسمى بالإعلام حقنة تحت الجلد؛ يعني أنت تعطيه معلومات وغيرها… تغير الوضع لأنه صار بين المرسل والمتلقي والوسيلة صار الاتجاهان. كان في الأول تاريخيًا عندك مرسل، وسيلة الإعلام والصحافي، ووسيلة ومتلقي، باتجاه واحد، أنت تعطيه المعلومات. اليوم (الفيد باك) (التغذية الراجعة) سريع عليك، لذلك وسائل الإعلام حريصة أن يأتي (الفيد باك) سريعًا ويحدث ضجة. إذن أنت لم تعد أمام مجتمع سلبي، مجتمع يتفاعل معك.

اذهب باتجاه القضايا الجوهرية التي… أنا سأعطيك مثلًا آخر: أنت تعرف أننا من مشاكلنا الكبرى الكأداء الخطيرة التي سنغرق بها كوطن عربي هي المياه مثلًا بالسنوات المقبلة، يوجد عندك حجم التصحر صار خطيرًا جدًا ووسائل مكافحته. كم برنامج رأيت على التليفزيونات العربية حول التصحر في العالم العربي؟

باسم: ما فيه.

سامي: ما فيه.

باسم: حتى توجد قضايا كبرى في المجتمعات العربية تحدث، على المستوى الاجتماعي الطلاق، الزواج، فيه كثير…

سامي: مثلًا.

باسم: ما فيه.

سامي: أبدًا. نحن عندنا 100 مليون أمي في العالم العربي، طيب، هل هناك أحد استطاع أن يشرح ارتباط الأمية والبطالة بالإرهاب مثلًا الذي حل بنا في العالم العربي في دول عديدة؟ طيب أنت تكتشف أنه توجد علاقة وطيدة ليس فقط بين العاطلين عن العمل والأميين والإرهاب، لكن أيضًا بين مجموعة من المهندسين. لماذا يوجد عندك مهندس، ورأينا نحن في تنظيمات مثل “القاعدة” و”داعش” وغيرها يوجد مهندسون كبار كانوا… هل بسبب قناعات فعلًا أم كان هناك عمل عليهم بمرحلة معينة؟ أنا لم أرَ معالجة جدية لمسألة الإرهاب على التلفزيونات إلا من الناحية الفقهية: أن هؤلاء يستندون إلى أفكار مضللة وكذا، طيب شبعنا منه هذا الكلام.

باسم: وعادة المتحدث يكون جاهلًا أيضًا بالأسس.

 

لماذا يخجل المواطن العربي من لغته الثرية؟

سامي: مثلًا، خذ مثلًا على ذلك، نحن ذهبنا نحن وإياك إلى بنغازي مثلًا، أنا اكتشفت عالمًا في بنغازي نحن لا نعرف عنه شيئًا، لم نره على الشاشات.

باسم: كان صندوقًا مغلقًا.

سامي: خذ دولة مجهولة ولكنها عريقة وغنية وثرية مثل موريتانيا، موريتانيا المخطوطات الإسلامية الأساسية موجودة عندهم. حجم الثقافة عندهم التي كانت في الأول سمعية وفيما بعد كُتبت، الوثائق الموجودة عندهم، طريقة الحياة عندهم، التفكير. هم خرّجوا أفضل القضاة الذين يعملون في دول الخليج.

باسم: وشعراء وعلماء دين.

سامي: غير الشعر، علماء دين وخصوصًا القضاة مثلًا. هل رأيت برامج على فضائياتنا العربية تذهب بهذا الاتجاه؟

باسم: ما فيه، طيب، لماذا هنا؟ هل هو جهل من القائمين أو من القيمين على هذه المؤسسات أم أن الصحفيين أنفسهم أيضًا عندهم جهل، ليس عندهم هذه الرؤية الواسعة التي تتحدث عنها لقضايا ومشاكل المجتمعات العربية؟

سامي: يوجد جهل وتوجد أولويات. انظر، نحن مجموعة كتاب تقريبًا 24 كاتبًا نتغير كل مرة، ونؤلف كتابًا سنويًا، كل سنة، حول دولة عربية، عملنا… نسميها الرسائل: عملنا الرسائل المغربية، الرسائل الخليجية، الرسائل اللبنانية، الرسائل الدمشقية، الآن عملنا الرسائل المصرية. ما الهدف؟ أنك أنت لو سألت ابن المشرق مثلًا: هل تعرف ما قصة “فاس” في المغرب مثلًا؟ أو “مكناس”؟ لا يعرف شيئًا. هل تعرف ماذا تعني “العُلا” بالسعودية؟ الآن صرنا نسمع عنها. يعني حتى مناطقنا، حتى تاريخنا، حتى لغتنا. يوجد كاتب فرنسي واسمح لي أن أحكي لك قصة…

باسم: بينما يعرفون عن تايلاند، رأيتها.

سامي: اسمح لي أن أحكي لك قصة سريعة. كاتب فرنسي اسمه “بريفو” ألّف كتابًا، الفرنسيون عندهم عبارة تقول (Nos ancêtres les Gaulois)؛ أي أجدادنا أهل الغال، هكذا كانت تُسمى فرنسا، فهو ألّف كتابًا اسمه (Nos ancêtres les Arabes)، أجدادنا العرب.

باسم: أجدادنا العرب، قرأت عنه هذا الكتاب.

سامي: يقول إن الفرنسي حين يستيقظ صباحًا لا يدري أنه يتحدث باللغة العربية. كيف؟ يسأل الفرنسي حبيبته أو الشخص الذي يعيش معه أو أحدًا من أهله (Est-ce que vous voulez une tasse de café?) يقول له معناها بالعربية هل تريد فنجانًا من القهوة؟ فيقول tasse”” من “طاسة” و”café” وهي كلمة القهوة التي حورت ودخلت إلى الأندلس وذهبت إلى أوروبا.

يقول مثلًا إن العرب نقلوا إلينا ليس فقط اللغة والترجمات من الفلسفة، أيضًا أسس الحضارة الحديثة. بمعنى يقول كانت أفخر أنواع الأقمشة مثلًا في بعض القرون الفرنسية هي “الموسلين”، قماش الموسلين. فلماذا موسلين؟ لأنه جاء من الموصل. بالنسبة إلى  “La jupe” “التنورة” بالفرنسية هي من جُبة، “Le divan” “الديوان” هو جاء من العربية. ويشرح، قس على ذلك.

تذهب إلى إسبانيا جزء أساسي من اللغة هو بالعربية. نحن كعرب اليوم نخجل من لغتنا، ترى العربي يباهي أنه لا يتحدث العربية، هو يتحدث لغة أجنبية. وأنا أقول إنني أنا تربيت في مدارس فرنسية في لبنان وعشت في فرنسا كل عمري، وأتحدث الفرنسية كما العربية أو ربما أكثر بقليل، لكن لا تخرج مني كلمة فرنسية وأنا أتحدث العربية، لأن لغتنا من أغنى لغات العالم. انظر كم توجد صفة لحصان، وكم توجد صفة للأسد، وكم توجد صفة للحب، وكم توجد صفة للسيف.

يقولون لك لا، اللغة العربية طويلة اللغات الأجنبية مختصرة، ويوجد مليون شاهد يُكذب ذلك. مثلًا قل بالإنجليزية أو بالفرنسية إنني أنا طلبت منك أن ترعى غنمي، بالعربية قد تقول أرعيتك غنمي، بكلمتين، قلها بلغة أجنبية لن تجدها.

إذن نحن غرقنا بالجهل، بمجموعة من الأوهام. أنا مع الانفتاح على كل العالم، غربًا وشرقًا، وأن نتفاعل نحن وهم، ولكن لا أن نصبح عبيدًا لحضارة وننسى حضارتنا.

 

لماذا يتسابق الإعلاميون نحو النفاق في مؤسساتهم؟

باسم: أريد أن ألقي ضوءًا على بعض -ما نسميها- المفاصل الإعلامية، بعض القيادات الإعلامية العربية التي تكون في هذه المحطة وهذه المحطة، وتراه يتسابق إلى النفاق دون أن يُطلب منه أن يُنافق. هذه الظاهرة تزعجني، وتزعج كثيرًا من الناس. فعلًا شيء مزعج أنه أنت ليس مطلوبًا منك أن تنافق، وأنت موظف في المكان لتقوم بعمل مهني حقيقي وليس مجرد أن تسدي النفاق للآخرين، إذا يعني استخدمنا الإسداء. لماذا؟ يعني لماذا ينافق إعلامي؟ راتبك يأتيك، ليس مطلوبًا أنك تنافق، لماذا تنافق وتغطي الحقائق؟

سامي: وسأقول لك أكثر من هذا، قد ينافق لهذا الطرف ويأتيه عرض ينافق للطرف الذي خصم هذا الطرف.

باسم: مثل الراقصة على كل طبلة.

سامي: بنفس الطريقة ونفس الأداء ونفس الحماس. هؤلاء أنا أعتبرهم يباعون في أسواق النخاسة، يعني هذا إعلامي يباع في سوق النخاسة من يدفع له أكثر يشتريه.

باسم: لماذا يُسمح لهذه النوعية من الناس أن تتصدر المشهد الصحافي الإعلامي العربي؟

سامي: لأنه توجد بعض المؤسسات ربما تعتبر أنها بحاجة لأن تثبت لأصحابها في الدول أنه نحن انظروا كيف ندافع عنكم. وأنا في رأيي الحاكم لا يكون مسرورًا بالنتيجة، لأنه أنت قد تفرح أن الصحافي الذي معك يشتم الخصم، تفرح به أول نهار، ولكنه لم يقدم لك أي معلومة تفيدك على المدى الطويل.

لذلك أنا أعود إلى النقطة الأساس، أنه لنخرج من الجهل ونضع استراتيجية لكل مؤسسة إعلامية وتتلاقى مع المؤسسات الأخرى. يا أخي أنت اليوم خارج من حرب قد تكون الأخطر في القرن الحالي عمليًا، من غزة إلى لبنان إلى سوريا إلى الخليج إلى اليمن إلى… يعني وصولًا إلى كل هذه المنطقة. طيب، أليس حان لنا أن نعمل ثورة إعلامية جدية ونضع أسسًا جديدة لوسائل الإعلام وتوجهات جديدة كبرى معرفية تواكب العصر بتطوره التقني والتكنولوجي، ولكن أيضًا بالأفكار الجديدة.

اليوم إذا أنت تخرج على أي تلفزيون عربي وتعمل أهم خطاب عربي كخطابات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، لم يعد أحد يسمعك يعني.

يعني أنه اليوم صارت، وصلنا إلى مرحلة حين تقول عروبة الناس تهاجمك عمليًا.

باسم: للأسف.

سامي: حين تقول قبل فترة فلسطين الناس تهاجمك، وتهاجمك من أكثر الدول التي كانت متمسكة بهذه الأفكار. لماذا؟ لأنه أنت لم تضع استراتيجية أنه لا، نحن عرب ويجب أن نحافظ على عروبتنا وعلى وطننا العربي من المشرق إلى المغرب.

عندك الأمر الثاني الذي هو كارثة أيضًا، هو عدم وجود جسور إلا باتجاه واحد، أهل المشرق ماذا يعرفون عن المغرب؟ نصفنا بالمغرب. نحن نصفنا في المغرب، نحن من أهم المراكز الثقافية والفكرية والمفكرين والمثقفين في المغرب. كم إنسان يعرف عن المغرب؟ نحن ماذا أقمنا من وسائل تواصل؟

 

ما أسباب تعقيد التنقل بين دولنا العربية؟

باسم: أنا سافرت وأنت أكيد ذهبت. كنت ألاحظ أنه توجد صعوبة للفرد العربي العادي البسيط أن يصل من دولة إلى أخرى عن طريق تصعيب في الفيزا، عن طريق تصعيب… وبالتالي أيضًا صاحبة الدولة وقد تبدو معنية -أنا رأيت- معني أن الأوروبي يعرف ما يدور عندي ومعني أن الأوروبي يكتب مقالة في صحافته، لكن ليس معنيًا أن المشرقي أو المغربي يكتب عني في مكانه الجغرافي. لماذا أنا أطلب من الأوروبي أن يعرف عني لأسباب اقتصادية، بينما ابن وطني أو ابن لغتي أو ثقافتي وعاداتي وتقاليدي يجهلني وأنا أجهله؟ أنا في رأيي الخلل في الدولة، في السلطة نفسها أو تعوق الحركة. يعني أنا أعرف ناسًا كثيرين يحبون أن يسافروا إلى دولة (X) عربية يبقى شهرين أو ثلاثة أشهر ينتظر الفيزا.

سامي: صحيح.

باسم: ولا يحصل عليها.

سامي: أنا معك مئة بالمئة. واليوم بالوسائل التكنولوجية الحديثة لم يعد هناك خوف مثل الأول، يعني أنت الآن لو ذهبت إلى معظم دول الخليج، أنت منذ أن تصل إلى المطار انتهى الأمر، أنت معروف من، ومعروف صوتك، معروفة بصمة عينك، معروف إلى أين ذاهب وإلى أين ستأتي. يمكن أن تعمم المسألة.

أنا مثلًا معجب كثيرًا بمسألة المكننة التي حاصلة في الإمارات مثلًا، أنه أنت جالس في بيتك تجري كل… تعرف…

باسم: أنا أخرج من المطار وأمضي بدون أن يراني أحد.

سامي: أكثر من هذا، أنا أذهب إلى فرنسا، أليس كذلك؟ لا تزال فرنسا معقدة أكثر بكثير من دولة الإمارات مثلًا في الإجراءات اليومية، لا تزال تذهب حتى الآن توجد أشياء يجب أن أذهب إلى البلدية، ومن البلدية يجب أن أذهب إلى الضرائب، ومن الضرائب… الآن أنت في الإمارات تشتري وتبيع بيتك وأنت جالس في بيتك عمليًا.

باسم: وكل شيء مضبوط.

سامي: حسنًا، إذن أنت صار عندك وسائل تستطيع لو توجد محبة عربية عربية صادقة وحسن نوايا. يعني انتبه أيضًا أنه أنا كعربي يجب أن أتصرف من منطلق حبي لدولي العربية، أنا شخصيًا تربيت وإن شاء الله أموت هكذا، أنه لو تصيب شوكة أي دولة عربية أي دولة بغض النظر. أنا من جزر القمر إلى جيبوتي كلها زرتها، للمغرب، للمشرق، للخليج، كلها أعتبرها بيتي وأهلي وما يصيبها يصيبني.

إذا انطلقنا من حسن النوايا وأسسنا… دعنا نبدأ نفكر نحن كإعلاميين عرب بدل هذه المؤتمرات التي تصير، وأنا آسف يعني على الملاحظة، يعني نرى فيها جمالًا كثيرًا وقبحًا معرفيًا.

باسم: قبح معرفي قليل..

سامي: يعني نادرًا ما ترى… حسنًا…

باسم: يوجد صرف، بذخ.

سامي: عندك بذخ على المؤتمرات، على الجوائز على كذا، ولكن لا نؤسس منظومة إعلامية، أولًا أخلاقية وثانيًا معرفية. حسنًا يا أخي، لنتبادل خبرات التدريب…

باسم: ويُفسح للمنافقين بأنهم يكونوا هم في الظاهر.

سامي: دعنا نراجع الجوائز التي أُخذت من 30 سنة حتى اليوم، استثنِ بعض الأدب الذي يستحقه أصحابه، دعنا نرى الجوائز، من أخذ الجوائز ولماذا عمليًا؟ فأنت أيضًا تزيد الآفات آفات، تذهب إلى مؤتمرات المفترض مؤتمرات أكاديمية علمية لتطوير الإعلام فتجد أنه عندك جزء كبير مهرجان أزياء عمليًا.

 

دعوة لنقابة وبطاقة صحفية عربية موحدة

باسم: هذا كلام صحيح. أيضًا أن تسهيل حركة الصحافي أو الإعلامي العربي ما بين الدول العربية، يعني نحن كنا تحدثنا أنه لماذا لا تُغطى الكثير من الجوانب الاجتماعية في المجتمع العربي؟ السبب أن الدولة لا تسمح لك.

سامي: صحيح.

باسم: أنت تحتاج لأكثر من تصريح من ضابط أمن.

سامي: صحيح.

باسم: أنه يحدد لك حتى الإطار الذي تريد أن تصوره في المجتمع.

سامي: صحيح.

باسم: بينما أنا مررت بتجارب كثيرة أقول يا أخي أنت تشك فيّ مثلًا؟ إذا تشك فيّ لماذا تدخلني إلى البلد؟ أعطني مجالًا أنا أن أنقل لك النتيجة، أعطيك طريقة حلها، أو أكشف لك إشكالية عندك في المجتمع.

سامي: انظر، لازم أن يتغير الوضع، لازم أن يكون عندنا جرأة كإعلاميين أن نطرح هذا الموضوع، أن الإعلام العربي يصير عنده حرية التنقل بين الدول العربية بمجرد أن يكون… يا ليت أن نصل إلى بطاقة إعلامية عربية.

يعني انظر، أنا مثلًا أحمل بطاقة، أنا كنت معتمدًا في رئاسة الجمهورية الفرنسية، في وزارة الخارجية الفرنسية، أحيانًا كنت أعمل في فرنسا لأنني أعمل في مؤسسة فرنسية، لكن كان عندي بطاقة صحافة فرنسية ولكن منها أيضًا بطاقة دولية أحملها أينما ذهبت في كل العالم وتسهل لي كل حياتي.

لو نذهب باتجاه، ودعنا نضع الاقتراح أنا وإياك، يصير هناك بطاقة إعلام عربية.

باسم: يا ليت، صحيح.

سامي: ويُدرس كل إعلامي من هو وكيف، وهل عنده خبرة أم لا؟ هل يشتغل بوسائل الإعلام أم لا؟ هل هو جدير بأن يحمل هذه البطاقة أم لا؟ يعني نحن مثل ما أمضينا كل حياتنا في هذه المهنة وعندنا شهادات عليا في المهنة واشتغلنا في كبريات المؤسسات، يستفيدون منا من خلال ما نقدمه وليس مما هو مطلوب منا.

باسم: ويوجد تراكم تجربة ومعرفة صار عند الصحفي على هذا المستوى، يعني تعب وهلك، استفد منه.

سامي: استفد منه. ودعنا نؤسس لبطاقة إعلامية عربية تكون، فلتكن مبادرة وأنا سوف أطرحها أنا وإياك انطلاقًا من هذا البرنامج وسنعممه. دعنا نتفق أنه يصير هناك بطاقة إعلامية عربية شرط أن يكون فيها أخلاق يعني. مثلًا أنا عندي بطاقة الصحافة الفرنسية، أنت تعرف أنه مرفوض أن تدعوك دولة وتدفع عنك مثلًا، لأنه يعتبرون أننا نحن نرسل الصحافي ونحن ندفع عنه. لماذا؟ لأنه يعتبرون إذا دولة دفعت عنك فأنت ستحابيها في الكلام، لكن اذهب بكرامتك وهي المؤسسة تدفع عنك.

ونطرح مسألة ثانية، حماية المؤسسات للصحافي. يعني أيضًا أنا حين عملت في الغرب توجد نقابات يا أخي، أنت صاحب المؤسسة لا يستطيع أن يطردك ساعة يشاء لأنه دخل النهار صباحًا تخاصم هو وزوجته أو هو وحبيبته ولم ترد عليه، فيراك وأنت صحافي محترم وعندك تاريخ، خلاص أنا والله خلاص، اجمع أغراضك واذهب.

باسم: هذه نقطة مهمة جدًا جدًا، لأن الكثير من الصحافيين قد يضطرون إلى أن يهادن أو ينافق للحفاظ على مكانه في المهنة.

سامي: صحيح، لكن أنا أعطيك أيضًا جانبًا آخر أستاذ باسم. أنت إذا كصحافي اشتغلت على نفسك، يعني تثقفت، ثقفت نفسك بدرجة أولى دون… يعني أنا بمتعة كبرى أقرأ بين كتابين إلى ثلاثة كتب في الأسبوع، بمتعة ليس لأنه مجبر. ثقفت نفسك، احترمت نفسك، احترمت مهنتك، احترمت الناس، لم يعد يؤثر عليك الوسيلة، أنه وسيلة لم يعجبها رأسك تخرج من عندها سوف تأتيك عشرين وسيلة غيرها. أما أنت إذا كنت بوقًا للوسيلة وعبدًا بالوسيلة وتذهب أبعد بكثير مما يريده صاحب الوسيلة، فأنت حين تخرج منها تريد أن تكون بوقًا عند آخر.

باسم: دعنا ننهي ونركز على الدعوة تلك، أنه فعلًا أن يحمل الصحفي ضمن الشروط المتفق عليها ضمن المعايير المتفق عليها، هوية تحميه وتسهل عليه حركته في المجتمعات العربية ليكون فعلًا عاملًا مساعدًا سواءً في نقل المشكلة أو طريقة حلها أو في زيادة المعرفة.

سامي: انظر، لازم أن نؤسس نحن مسألتين أساسيتين: بطاقة للصحافة العربية يكون مدروسًا ومتقنًا، وله شروطه، وأيضًا نقابة، نقابة إعلامية عربية تكون مختلفة عما هو موجود، بمعنى نقابة فعلية، يعني لا تكون مسيسة ولا داخل فيها اعتبارات، عندها شروط المهنة وأخلاق المهنة وشرعة المهنة. هذه النقابة تحمي الصحافة، ولكن أيضًا نستطيع أن نطور هذه المهنة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الجديدة لكي نحول بلادنا العربية…

باسم: وتكون عابرة للدول وليست محصورة…

 سامي: ونحول بلادنا العربية إلى مركز إعلامي جدي.

دع يكون عندنا مراكز إعلامية جدية وقوية وعندها الحرية التي نتحدث عنها، لكن الحرية المقرونة بأخلاق. أنت الدولة لما تدخلك على أرضها، لا تذهب وتسيء لها بنَبش بعض الأمور قد تكون أمنية خطيرة أو غيرها.

طيب، إنه أنا أتحرك بكل أوروبا ولكن بأوروبا توجد شروط. أنت إذا قدحت…

باسم: مئة بالمئة صحيح.

سامي: إذا قدحت بشخص فأنت تعاقب…

باسم: أو هات إثبات.

سامي: طبعًا، أو أنت اليوم يعني مثلًا أوروبا فارضة عليك أنه أنت انتبه لأنه إذا تذهب باتجاه معين تصير معاديًا للسامية. طيب نحن شعوب سامية أليس كذلك؟ ولكن أنت حكمًا تلتزم. يعني بالنهاية تُحاول أن تحفظ ألفاظك بشكل معين ولكن بالمعرفة. وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، اكتب أي شيء يلغونك عن الوسائل. دع يكون عندك ذكاء أخلاقي، عبّر عن كل الأمور بالطريقة التي تريد ودافع عن وطنك العربي الكبير.

باسم: دكتور سامي حقيقةً استمتعت في الحوار معك.

سامي: وأنا أيضًا.

باسم: كنت من زمان…

سامي: والله انظر الرغبة مشتركة بيننا من زمان أن نلتقي.

باسم: الله يبارك فيك، تسلم. دكتور سامي شكرًا لك، وإن شاء الله يعني نلتقي في حلقات أخرى في “مجتمع”، نعالج مواضيع ذات علاقة بالصحافة والإعلام العربي.

سامي: أتمنى ذلك، وأنا أشدد على الشعار “إعلاميون لا أبواق”. أشكرك جزيل الشكر وأنا أعتز أن أكون معك، وشكرًا لك على الاهتمام وعلى تخصيص ساعة لي.

باسم: شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. إلى اللقاء.