كيف تتحول الأسئلة الفطرية العفوية في عقول أطفالنا إلى قوالب نمطيّة جامدةً داخل أسوار المدارس؟ وما الذي يسلب الفرد حريته الأخلاقية ويجعله أسيرًا لسلطة التلقين والخوف؟ وهل يمكننا بناء مجتمع حر سياسيًّا دون تحرير إرادته الأخلاقية من قيود العسف والقهر؟ وكيف نستعيد إنسانيتنا المفقودة بالعودة إلى بوصلة العقل الداخلي؟ أسئلة مهمة يجيب عنها د. شفيق محمد جريجر أستاذ الفلسفة ومناهج التدريس المغربي، في #بودكاست_مجتمع، على #منصة_مجتمع
مقدمة
باسم: أهلا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي الدكتور شفيق محمد جريجر.
شفيق: نعم.
باسم: أستاذ الفلسفة في جامعة مولاي إسماعيل في مكناس. أهلا بك. اسم جريجر من أين جاء؟
شفيق: جريجر في الدارجة المغربية يعني هو اسم للحمام البري أو اليمام. فلا أدري علاقة أجدادي بهذا الطائر.
باسم: ممكن كانوا يصطادون حمامًا.
شفيق: أو صيادون ربما، ولكن يصعب تدجين اليمام، يحب الحرية.
باسم: صعب، نعم.
شفيق: يحب الحرية على الدوام
باسم: يعني اليمام يختلف عن الحمام الداجن الموجود في البيئة.
شفيق: نعم نعم، الحمام الداجن هذا نوع، أما اليمام هو الحمام البري لا يرتاح إلا في البرية.
باسم: لا علاقة للحمام بالفلسفة؟
شفيق: كيف؟ لا أعرف، ربما انتقاله من شجرة إلى أخرى كونه يحلق ربما.
باسم: ولكن ليس لهذا السبب أنت اخترت الفلسفة للدراسة؟
شفيق: لا لا، الذي جذبني إلى الفلسفة هو أستاذ اللغة العربية وليس أستاذ الفلسفة.
باسم: يا سلام!
شفيق: نعم، لأن أستاذ الفلسفة، أستاذة بالأحرى، أستاذة الفلسفة كانت تدرسنا بطريقة تقليدية، يعني دروس جافة، إملاء، حفظ. بينما أستاذ العربية كان يتعامل مع اللغة العربية بحب وأناقة، فمثلًا لكي يدرسنا قصيدة لأبي نواس لابد أن يحدثنا أولًا عن التحليل النفسي وعن فرويد قبل أن نلج إلى أبي نواس. مثلًا لكي يحدثنا مثلًا عن العقاد “عبقرية الصديق” لابد أن يحدثنا أيضًا عن أنماط الشخصية كما حلّلها علماء النفس قبل أن ندرس…
باسم: آه شيء جميل.
شفيق: نعم، لكي يدرسنا مثلًا شعرًا جاهليًا لابد أن يحدثنا عن الأنثروبولوجيا وعن كلود ليفي ستروس. نعم، من هنا بدأ شغفي بهذه الأسماء وطريقة حديثه هو عنها، فنقل إلينا هذا الشغف.
باسم: الشغف تجاه الفلسفة.
شفيق: نعم.
مَن يملك القدرة الأكبر على طرح الأسئلة الفلسفية المعقدة؟
باسم: حسنًا، الفلسفة هي تجيب على كل الأسئلة الموجودة في الذهن كانت في ذلك الوقت مثلًا؟
شفيق: عندما كنت أنا تلميذًا لا، في الحقيقة كانت تطرح من الأسئلة أكثر مما كانت تقدم لنا من الأجوبة.
باسم: حقيقة الفلسفة هي تطرح أسئلة أم تجيب عنها؟
شفيق: على الأقل كما تعلمتها وكما أغرمت بها فبسبب أسئلتها أكثر من سبب أجوبتها، لأن الأجوبة يمكنك أن تجدها في أي مكان، هناك فائض، هناك فائض إنتاج من الأجوبة، يعني كلما التفت حولك هناك أجوبة.
باسم: أجوبة، صح.
شفيق: فالعملة النادرة هي الأسئلة خصوصًا تلك الأسئلة التي لا يمكنك أن تهتدي فيها إلى جواب واحد، فتظل دائمًا تحرك فيك شغف البحث والتساؤل والمقارنة بحيث تخرجك من منطقة الراحة. فهذا أكثر ما جذبني إلى الفلسفة.
باسم: من أكثر تأهيلًا لطرح الأسئلة من الناس بشكل عام؟ يعني الشخص الذي يكون عنده مقدرة على طرح الأسئلة من هو؟
شفيق: بين بني البشر؟
باسم: بشكل عام يعني هل أكون أنا مثلًا مؤهلًا أكثر من شخص آخر لطرح سؤال؟ هل مثلًا ساكن الريف عنده مقدرة يطرح أسئلة أكثر من ساكن المدينة؟ أو ساكن البداوة عنده؟ هل المتعلم أكثر؟ هل الجاهل أكثر؟ هل الأمي أكثر؟ مَن مِن هذه التقسيمات؟
شفيق: أي نعم. أولًا من حيث أعمار بني البشر، الأطفال هم الأقدر على طرح الأسئلة.
باسم: الطفل.
شفيق: بكل تأكيد إذا أخذنا عمر الواحد منا فهو فيلسوف وهو طفل أكثر منه فيلسوفا وهو راشد، لأنه بالنسبة إلى الأطفال كل شيء جديد، كل شيء غريب، كل شيء مدهش، وكل شيء يستدعي أن يُفسر وأن يُفهم. ولكن بمقدار ما نتقدم في السن يصبح العالم أكثر ألفة، نعتاد العالم، نعتاد الظواهر الطبيعية ونعتاد أيضًا حتى الظواهر الاجتماعية والقوانين والأعراف، فتخفت أسئلتنا بالتدريج.
باسم: نتوقف عن الأسئلة.
شفيق: بالنسبة إلى سؤالك عن ساكن الريف أو المدينة، أهل الحضر المدن أكثر طرحًا للأسئلة من أهل البدو لسبب بسيط، وهو أن أهل الريف يعيشون في بنية اجتماعية منسجمة.
باسم: قرية.
شفيق: نعم، قرية. نعم، هناك وحدة، هناك تماسك، وحتى الأفكار والاتجاهات تقريبًا منسجمة فيما بينها، لكن في المدينة هناك خليط، المدينة بالتعريف هي هذا الخليط.
باسم: هي التنوع الموجود فيها.
شفيق: هي هذا التنوع.
باسم: فأهل المدينة أقدر مثلًا على طرح الأسئلة؟
شفيق: نعم، وهذا بالضبط ما حدث أيضًا للمسلمين عبر تاريخهم، لأن الأسئلة الكبرى طُرحت في بغداد، طُرحت في دمشق، طُرحت في طليطلة، طُرحت في فاس.
باسم: في المدن وليس في الريف، صح.
شفيق: نعم، أكثر مما طرحت في البواية.
هل تقتل المدرسة المنهجية قدرة أطفالنا الفطرية على التساؤل؟
باسم: هنا عودة لموضوع الطفل.
شفيق: نعم.
باسم: يعني نحن لما نضع الطفل في مدرسة، معناه تكون تفعل مثل عملية (Conditioning)، يعني نقوم بعمل تأطير للطفل.
شفيق: نعم.
باسم: فتأطير الطفل معناه أنك تقتل فيه تدريجيًا قدرته طرح السؤال في هذه الحالة؟
شفيق: نعم، صحيح.
باسم: يعني خاصة نظام التعليم المتبع حاليًا في العالم.
شفيق: أي نعم نعم.
باسم: هو يقوم على عملية تأطير للعقل الطفولي.
شفيق: نعم، وتنميطه أيضًا.
باسم: وتنميطه.
شفيق: وتنميطه أيضًا.
باسم: لكي يلائم ما يراه الكبير أو المجتمع الأكبر منه.
شفيق: صحيح، نعم نعم.
باسم: وكأننا نحن نقتل القدرة على السؤال.
شفيق: نعم، ولهذا السبب هناك كتاب، نسيت مؤلفه، ولكن اسمه هو “The Schooled Mind” العقل الممدرس.
باسم: الممدرس أو العقل الممنهج، ليس الممنهج، المؤطر.
شفيق: نعم، العقل الذي نمطته المدرسة.
باسم: بالضبط.
شفيق: فالمدرسة يتعلم فيها الطفل الصغير أن يقوم بمهنة نسميها مهنة التلميذ، مهنة أي نعم اسمها مهنة، لها قواعد، لها واجبات. فالتلميذ لكي يرضي الكبار، لكي يرضي المعلم، لكي يرضي الوالدين، يتقمص تلك المهنة، هذه المهنة تتطلب منه أولًا أن يجيب عن أسئلة حتى لو لم يكن يفهمها، يعني إذا طرح المدرس سؤالًا فينبغي أن يجيب، هذا من مقومات مهنة التلميذ. مهنة بكل ما لها من قواعد وأصول، ويترقى فيها أيضًا، هذه المهنة يترقى فيها. عليه أيضًا أن ينجز الواجبات المدرسية، ويدرس مواضيع حتى لو لم يفهم معناها عليه أن ينجزها؛ رياضيات، فيزياء، علوم طبيعية، تربية دينية، هذا أيضًا يدخل في مهنته. مهنته أيضًا أن يتظاهر بأنه يهتم بتلك الموضوعات حتى لو لم تكن تهمه في قرارة نفسه، ولهذا أول شيء يفعله التلاميذ عندما تنتهي الدراسة غالبًا يمزقون الدفاتر.
باسم: صحيح، فعلًا.
شفيق: لأنهم يريدون أن يلقوا عن أنفسهم جلباب تلك المهنة التي مارسوها طوال السنة الدراسية. وكأن المدرسة عندما تدخلها تضع بين قوسين حياتك، هي تعليق للحياة بلغة الفينومينولوجيين.
باسم: هي لا تؤهلك للحياة بالشكل الطبيعي، إنما هي تؤطرك لأن تكون جزءًا من آلة اقتصاد أو فهم مجتمعي محدد.
شفيق: نعم، طبعًا لا ينبغي أن نبالغ أيضًا في نقد المدرسة، وظيفتها في تأهيل الأفراد لإكسابهم المهن والكفاءات الضرورية مسألة لا مفر منها، مسألة إيجابية.
باسم: لا، مقصود من المدرسة أن تؤهل الطفل أن يكون أداة، أن يكون مؤهلًا، أن يكون جزءًا من المجتمع.
شفيق: نعم.
باسم: ولكن هذا النظام هو الذي يسبب عملية تأطير للعقل الطفولي لأن يظل هذا الطفل جزءًا من الآلة التي ستخدم النظام الاقتصادي القائم.
شفيق: نعم، ومن هنا تأتي أهمية تدريس الفلسفة سواء للأطفال أو لليافعين، لأن هذا دورها هو أن تحافظ على جذوة التساؤل متقدة بداخل الطفل. مثلًا هو يدرس مثلًا في الفيزياء أن للطبيعة قوانين مثلًا، قوانين لا تتغير، قانون الجاذبية، قانون سقوط الأجسام، لكن في الفلسفة مثلًا يمكن أن يتساءل يعني هذه القوانين من أين جاءت هذه الضرورة؟ يعني هذه الحتمية…
باسم: حتمية وجود هذا القانون.
شفيق: نعم، حتمية وجود هذا القانون. أيضًا يدرس مثلًا في الجغرافيا أن العوامل الجغرافية تؤثر على الناس، تؤثر على معيشة الناس، على حياة الناس. في الفلسفة يمكن أن يتساءل إلى أي حد يمكن للإنسان أن ينفلت من حتمية العوامل الجغرافية أيضًا؟
قد يدرس مثلًا في التربية الإسلامية أو التربية الدينية مثلًا في درس الأخلاق أن هناك أوامر أخلاقية ينبغي الالتزام بها، وأن الله تعالى هو الذي شرّعها وأمر بها. في الفلسفة أيضًا يمكن أن يتساءل كما فعل المتكلمون المسلمون مثلًا ما مصدر الحسن والقبح؟ لماذا الواجبات الأخلاقية هي واجبات؟ من أين تأتيها صفة الواجبية؟ هل فقط لأنها مأمور بها أم لأن لها سندًا في العقل الإنساني وفي الطبيعة الإنسانية؟ هل يمكن أن أتصور مثلًا خيرًا وشرًا مستقلين عن الأوامر والملل الدينية؟ أم أن كل خير وكل شر وكل حسن وكل قبيح لا معنى له إلا داخل ملة من الملل؟ إذن تلاحظ مثلًا أني الآن طرحت من الأسئلة أكثر مما أجبت، ولكن هذا هو دور الفلسفة نظام…
كيف نوازن بين التأهيل المهني لسوق العمل وتربية العقل المتسائل؟
باسم: أنت أدخلتني في موضوع الفلسفة مباشرة وأنا كنت أحب أن أتحدث عن تعلم الطفل في الصغر، ودور التعليم الذي يُقدّم في المدارس في تأطير عقلية الطفل وإبعاده عن أن يكون عنصرًا سائلًا أو متسائلًا في المجتمع. كيف يمكن أن تخرّج الطفل لأن يكون إنسانًا أكثر تساؤلًا في الحياة من أن يكون إنسانًا طيعًا مثلًا لقوانين الشغل في المجتمعات؟
شفيق: نعم، نعم. حسنًا، هذا السؤال تواجهه كل الأنظمة التعليمية في العالم.
باسم: بلا شك، مثلًا في كل مجتمعاتنا قديمًا، قبل مئة عام، كان ما يُسمى نظام الكتاتيب حتى ما قبل مئة عام وأكثر، نظام الكتاتيب لم يتعرض الطفل لإملاء الفكرة أو المعرفة التي يتعرض لها الطفل حاليًا في المدارس. كان يكمل مجموعة ما من المعارف، وبالتالي ينطلق في الحياة دون أن تكون هناك عملية تأطير مقصودة لأن يكون هذا الطفل يدرس كذا، وهذا الطفل يدرس كذا لكي يكون مفيدًا، لكي يشتغل ويجلب المال، فهناك آلية تفرض على عقل الطفل وتضع له نموذجًا، نريدك أن تكون بهذا الشكل، وأنت نريدك أن تكون بهذا الشكل، وبالتالي كلما تقدمت قتلت قدرته على التساؤل، للطفل.
شفيق: لذلك أيضًا أسباب موضوعية، لأن ما ذكرته صحيح، هو صورة جميلة، ولكن يصعب أن نستعيدها بالشكل الذي صورته بها. لماذا؟ أولًا المجتمعات الحديثة هي مجتمعات بلغت من التعقيد الشديد ومن تقسيم الشغل درجة لم تعهدها المجتمعات الماضية. تقسيم الشغل الآن صار تقسيمًا ميكروسكوبيًا. يعني هذا التقسيم فرض على المدرسة وظيفة جديدة هي وظيفة التأهيل المهني بالدرجة الأولى، لدرجة أنه توصف الآن بعض الأنظمة التعليمية بأنها أنظمة غير متلائمة إذا لم تكن تؤهل متعلميها بشكل جيد لسوق الشغل.
إذن هذا تحدٍ مفروض على المدرسة أن تزود متعلميها بالمهارات العقلية والوجدانية أيضًا التي تؤهلهم لممارسة مهن معينة، ولكن من جهة أخرى هذه أيضًا لها وظيفة التربية وليس فقط التأهيل المهني.
باسم: أيضًا التربية لها أهمية.
شفيق: نعم، التربية. التربية هي ماذا؟ هي أن تظهر الإنسان الكامل بداخل الطفل، هي تنمية الإنسان الذي بداخل الطفل. قد تنجح المدرسة في التحدي الأول الذي قلناه وهو التأهيل المهني لأنه كما قلت هي مسألة إجرائية محسوبة، ولكن المهمة الأصعب هي مهمة التربية كما قلت، مهمة تنمية وإخراج ذلك الإنسان الموجود بالقوة في الطفل، إخراجه إلى الفعل مع المحافظة أيضًا على كل تلك الممكنات التي بداخل الطفل، لأن الطفل هو ماذا؟ هو مجموعة من الممكنات.
باسم: صحيح.
شفيق: ممكنات لا حد لها، لا حد لها. إذن عليك أن تساعد على إخراج تلك الممكنات من دون أن تفرض عليه نوعًا من التنميط. المشكلة الآن أين تكمن؟ تكمن في البيداغوجيا، لأن هناك بيداغوجيا مثلًا تلقينية، بيداغوجيا التلقين والحفظ، جزء من مدارسنا التقليدية أيضًا كانت مدارس تلقين وحفظ، لا يمكن أن ينكر ذلك. البيداغوجيات الحديثة تحث على الاكتشاف، على التساؤل…
باسم: البحث.
شفيق: نعم، البحث، العمل الجماعي أيضًا، أن يكون للمتعلم مشروعه الشخصي الذي يعمل عليه بالإضافة إلى المشروع المدرسي. بمعنى آخر، ألا تكون -كما قلت- المدرسة هي تعليق للحياة، كأننا نضعها بين قوسين عندما نلج المدرسة، بل أن تكون استمرارية للحياة بطرق أخرى.
مسألة أخرى أيضًا وهي أن المدرسة كما قال أوليفييه ريبول وهو متخصص في فلسفة التربية، فرنسي، يقول: ما هو امتياز المدرسة؟ امتياز المدرسة أسوارها. لديها أسوار، تلك الأسوار إلى حد ما تعزلها عن ضجيج الحياة الاجتماعية، عن صخب الحياة الاجتماعية، عن رهانات الحياة الاجتماعية، عن التلاعبات التي تتم بين الفاعلين الاجتماعيين. إذن لدينا شبه قلعة محمية لكي نربي الطفل في نوع من الهدوء لكي يفكر ولكي يتساءل. هذه ميزة المدرسة، هي قلاع لأنسنة، الإنسان بمعزل، ليس بمعزل ولكن وهو محمي عن صخب الحياة وعن ضغوطها.
لماذا تعجز منظومتنا التعليمية عن تلبية احتياجات مجتمعاتنا المتغيرة؟
باسم: لو أردنا أن نسحب هذا التوصيف على نظام التعليم مثلًا في المجتمعات العربية دون تخصيص مجتمع من المجتمعات، يمكن أن نفترض أي مجتمع في ذهننا ونسحب هذا التوصيف عليه. هل حقًا أن التعليم أو المدارس التعليمية في المجتمعات العربية تقود أو تنتج طفلًا متسائلًا عنده هدوء ومقدرة على التساؤل في الحياة؟ أم تضع طفلًا وتلقنه، تضخ فيه كمًا هائلًا من المعلومات وتخرجه إنسانًا حافظًا أكثر ما يمكن؟ بدليل أن الكثير الكثير من الطلاب بعد ما يتخرج من الجامعة مثلًا نادرًا ما يعمل بالشغل الذي هو درسه، ربما يشتغل بشغل مختلف، دليل أنه كان يعمل وظيفة لا علاقة لها بالحياة إلا ما رحم ربي، زمان كما يقال.
شفيق: أعتقد لا يمكن لكل من أحب مجالًا أن يعمل فيه. فمثلًا ممكن تجد طبيبًا ولكنه شاعر، صحيح؟ لم يعمل في الشعر.
باسم: هذه قدرات، لا أختلف معك أنه قد تتعدد قدرات عند فرد واحد.
شفيق: نعم.
باسم: ولكن نتكلم بالشكل العام، بعض العموميات أن الكثير من الطلاب يتخرج من الجامعة يترك شهادته على جانبه ويبدأ في شغل آخر، أو حتى المجال الذي تعلمه لا مثيل له في الواقع إلا القليل.
شفيق: نعم، هذه ليست مشكلة المدرسة. المشكلة هي أن سوق الشغل، سوق الشغل يعني أن المجتمع ليس هناك ما يكفي من عروض الشغل لتناسب تعدد المواهب الإنسانية التي تنميها المدرسة. وكأن العرض الذي تقدمه المدرسة من المواهب، أقل من الطلب الاجتماعي على تلك المواهب.
باسم: يعني صار الخلل في نظام التعليم.
شفيق: نعم، نعم صحيح، نعم ولهذا الآن ما الذي ينبغي أن يتوافق؟ حسنًا المرحوم محمد عابد الجابري مثلًا متحدثًا عن المدرسة المغربية قال: أنا أنتقد أولئك الذين يقولون إن الخلل في النظام التعليمي، وأن المدرسة ليست متوافقة مع سوق الشغل. فكرته هي ماذا؟ هي أن المجتمع هو الذي يعاني التخلف الاقتصادي وهو الذي ليست فيه دينامية اقتصادية بما يكفي لكي يوفر فرصًا كما قلت تتناسب مع هذه المواهب التي توفرها المدرسة. بدليل أنه مثلًا في المغرب على الأقل، بعد الاستقلال كان المجتمع بحاجة إلى أطر في الإدارات، فقامت المدرسة على أحسن وجه…
باسم: بتوفير هذه الأطر.
شفيق: بتوفير أطر كُفأة بأعلى طراز، ولكن المشكلة هي أنه بعد أن اكتفى المجتمع من هذه الأطر عجز كما قلت عن أن يخلق طلبًا على وظائف اجتماعية جديدة. ولهذا أعتقد أنه صحيح المدرسة مطالبة ولكن لا يمكن للمدرسة أن تسبق المجتمعات.
باسم: العلاقة هنا من هو المؤهل لتحديد متطلبات المجتمع؟ المدرسة أم المجتمع نفسه؟ طبعًا المجتمع نفسه بالعموم لا يستطيع، إنما يمكن تحديد متطلبات المجتمع عن طريق الحاجيات التي يشعر الإنسان مثلًا في لحظة ما، انتشرت ظاهرة فلان يجب أن يكون طبيبًا والأب يريد أن يكون طبيبًا، فكثر عدد الأطباء. وبعد ذلك صار أنه يريد أن يكون مهندسًا، كثر عدد المهندسين. الآن مبرمجون.
شفيق: نعم.
باسم: والآن صار هناك تعليم “تيك توك”.
شفيق: نعم.
باسم: من يوجه هذا؟ البيت أم المجتمع بعمومه؟ أم المدرسة؟
شفيق: المدرسة لها شقان لأن هناك المدرسة التي تؤهل النشء، هناك أيضًا المدرسة بوصفها جامعة، بوصفها بحثًا علميًا.
باسم: الجامعات تخصص.
شفيق: نعم.
باسم: أيضًا دور الجامعات هنا كل الفروع مفتوحة، لكن الفروع محددة.
شفيق: نعم.
باسم: تؤهل الطالب أن يتخرج متخصصًا في فرع ما.
شفيق: نعم.
باسم: هنا الإشكالية مثلًا، كم المجتمعات كم بحاجة إلى فيلسوف؟ أو كم بحاجة إلى طبيب؟ أو إلى مهندس؟ من يحدد الحاجة؟
شفيق: أعتقد تتحدد ليست بشكل إرادوي بل بشكل موضوعي. يعني درجة التقدم الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع هي التي تحدد هذه الحاجيات. دولة متقدمة مثلًا تحتاج إلى ذكاء اصطناعي، إذن ستكون هناك عدة مهن للذكاء الاصطناعي. لماذا؟ لأن درجة النمو الاقتصادي بلغت حدًا، استوجبت تطوير تقنيات جديدة غير التقنيات السابقة التي نسميها الآن ذكاءً اصطناعيًا. فما على المدرسة… الخريجون سيجدون، المؤهلون طبعًا، سيجدون مجالات شاسعة لإبراز مواهبهم وعبقريتهم في هذا المجال. إذن درجة التقدم الاقتصادي للمجتمع هي التي تحدد. لا أعتقد أن المدرسة أو أن المفكرين يمكنهم أن يفتوا على المجتمع ما ينبغي أن يحتاجه، لأن الحاجة لا تملى، الحاجة تولد.
باسم: الحاجة تخلق أو تخلقها صيرورة المجتمع.
شفيق: نعم.
مَن يحدد متطلبات المجتمع وكيف تؤثر الحرية في الإنتاج الفكري؟
باسم: أنت في دولة، هذه الدولة لها هرمية خاصة محددة، والدولة ككيان أو كبنية معنوية أو حتى مادية لها متطلبات.
شفيق: نعم.
باسم: حتى من يقدم هذه المتطلبات هو المجتمع، يعني ناس من المجتمع.
شفيق: نعم.
باسم: الدولة ستطلب من المجتمع نريد أناسًا مؤهلين ليسدوا الفراغات واحد، اثنان، ثلاثة. نريد أحدًا جنديًا، نريد أحدًا ضابطًا، نريد أحدًا طيارًا، نريد أحدًا يسوق دبابة، أيضًا الدولة لها متطلباتها من المجتمع.
شفيق: نعم.
باسم: فدور التأهيل المجتمعي ليلبي متطلبات الدولة أو متطلبات المجتمع نفسه من مسؤول عنها؟ هل هي الدولة كإدارة أم أنه السوق التجاري نفسه، سوق الشغل هو الذي يحدد؟
شفيق: نعم نعم، فهمت حسنًا. في الواقع، في الواقع الدولة طبعًا لها وظيفة توجيه إستراتيجي، يعني تحدد وتضع الإستراتيجيات الكبرى، ولكن يبقى أن المجتمع وقدرته الإنتاجية ومؤسساته الاقتصادية هي التي تحدد هذا الطلب، يعني وليس… الدولة فقط يمكنها أن ترسم كما قلت السياسة على المدى البعيد، ولكنها لا يمكن أن تفرض شيئًا آنيًا على المجتمع لا يتناسب مع مستوى تطوره الاقتصادي، لا أعتقد.
باسم: لا تستطيع؟ لماذا تفرض الدولة مثلًا نريد جنودًا في الجيش؟
شفيق: طلب على الجنود.
باسم: يعني ليس بالضرورة جندي يقتل، جندي يعني ذو فائدة في أحد أدوات الدولة أو أدوات المجتمع.
شفيق: الدينامية الاقتصادية لا تخلقها الدول اللهم إلا إذا أردنا أن نعود إلى نظام اشتراكي توجيهي، ونحن نعرف مآلات مثل هذا النوع من الأنظمة التوجيهية التي تملي على الاقتصاد…
باسم: ماذا يعمل.
شفيق: ماذا يعمل.
باسم: هذه نهايتها الفشل.
شفيق: نعم، هذه تسمى السياسة الإرادوية، يعني أنه بإرادة خارج المجال الاقتصادي نريد أن نوجه الاقتصاد، يعني هذا الأمر أعتقد لا ينجح، وهذه إحدى أسباب ربما نجاح الرأسمالية هي أنها فهمت منطق الاقتصاد.
باسم: فهمت منطق الاقتصاد عن طريق تخريج طفل مؤطر ليكون موظفًا ليكون جزءًا من آلة الاقتصاد، يعني لم تخلق، لم تقد إلى إنتاج عقل يكثر من التساؤل.
شفيق: نعم.
باسم: هذه الإشكالية، إحدى الانتقادات التي توجه إلى النظام الرأسمالي أيضًا. أيضًا النظام الرأسمالي قام بعمل تأهيل لموظفين مؤهلين ليكونوا جزءًا من آلة الاقتصاد الخاصة به.
شفيق: نعم.
باسم: لم ينتج مفكرين كثرًا، صحيح هناك مفكرون، لكن لم ينتج متسائلين كثرًا.
شفيق: من الصعب أن نجزم بأنه مثلًا، أنا لا أدافع هنا عن…
باسم: لا لا لا حقك..
شفيق: نعم، ولكن فقط نعطي لقيصر ما لقيصر. إذا قسنا مثلًا، إذا أردنا أن نقيس درجة أو نسبة المفكرين بالإصدارات العلمية مثلًا، فأنا أعتقد أن الغرب الرأسمالي الليبرالي يعني أكثر إنتاجًا في مجال البحث العلمي، سواء في الإنسانيات، ثم النظريات الكبرى المتداولة الآن، حداثة، ما بعد حداثة، يعني هذا كله أنتجه مفكرون في الغرب.
باسم: يعني أليس هناك مثلًا مفكرون بالصين أنتجوا؟ ولكن لأننا تعودنا على تلقي هذا النوع من الثقافة…
شفيق: نعم.
باسم: نسينا الثقافات الأخرى. يعني ألا يوجد مثلًا في الهند مفكرون بهذا الاتجاه؟
شفيق: بلى.
في الصين؟
شفيق: لا، بلى بلى، ولكن نحن…
باسم: يبدو نحن كمجتمعات عربية تعودنا على تلقي الثقافة الأوروبية، بحكم أن إتقاننا لبعض اللغات الأوروبية، أو بحكم أن هذه الأوروبيات الغربية استعمرتنا وبالتالي صار عندنا قبول، أو الانتشار للغة. ممكن اللغة مثلًا اللغة الصينية غير منتشرة عند العرب وبالتالي لا أحد يستطيع أن يقرأ ما يكتبه الصينيون مثلًا.
شفيق: طبعًا هناك العائق اللغوي، ولكن أنا أعتقد أن ظهور المفكرين يحتاج إلى جو من الحرية، أعتقد هذا هو الفارق.
باسم: لا شك، هذا جزء أساسي. نعم.
شفيق: وهذه هي مشكلتنا، ليست مشكلة نقص في الذكاء، ولكنها مشكلة مناخ الحرية. ومناخ الحرية هذا كما يؤثر على نتاج المفكرين يؤثر أيضًا حتى على الإنتاج الاقتصادي، نعم. لأن الفعالية الاقتصادية تكون أكثر ما تكون في جو من الحرية والشفافية.
ما جذور أزمة الحرية والتبعية الفكرية في مجتمعاتنا العربية؟
باسم: هل هناك حجب للحرية في المجتمعات العربية؟ هل هناك حجب مقصود؟ أم حجب فرضه الواقع؟ بحكم الخوف على الدولة، على المجتمع وإلى آخره، أو حتى على بقاء الفرد في الحكم؟ هناك مجموعة مخاوف موجودة قادت، سواء عسفًا أو بلا إرادة، إلى الحد من حرية التفكير عند الفرد العربي.
شفيق: نعم، صحيح. قيود الحرية بالتأكيد لها عوامل سياسية، النظام السياسي هو أصلًا يسمى توصيفه تبعًا لمقدار الحرية. فهناك مثلًا مجتمع ديمقراطي، مجتمع مثلًا ليبرالي، نظام سياسي استبدادي، نظام سياسي أوتوقراطي، نظام سياسي شبه ديمقراطي. نحن نتحدث عن تصنيفات لمنظمات الدولة للأنظمة السياسية. هذه التصنيفات هي فقط درجات من درجات الحرية. إذن الحرية… الأنظمة السياسية تصنف تبعًا لمقدار الحرية التي تتركها..
باسم: في المجتمع، صحيح.
شفيق: إذن بالتأكيد الحرية، العامل الأول هو العامل السياسي، ولكن أيضًا هناك عامل ثقافي، لأن بعض الثقافات لا تؤهل الفرد لكي يكون قوّامًا على نفسه. والأنظمة السياسية أيضًا تنتفع بهذه الخصيصة الثقافية التي يكون فيها الفرد، دائمًا ينتظر تشريعًا أو أمرًا من خارجه، قد تكون القبيلة، قد تكون الأسرة، قد تكون الدولة، قد يكون القائد الديني، دائمًا لا يستطيع هو أن يكون حكمًا وأن يشرّع لنفسه أين هو الصواب وأين هو الخطأ. يعني دائمًا تحديد الصواب والخطأ ينبغي أن يأتي من سُلطٍ خارجية.
كيف ترتبط حريتنا السياسية بقدرتنا الفردية على التشريع الأخلاقي؟
باسم: عودة على ما ذكرت، علاقة الفلسفة مع الأخلاق، وهنا يبدو لي هذه الزاوية ذات تخصص في مجالك، أو هذا جزء من تخصصك.
شفيق: نعم صحيح نعم صحيح. أولًا، ما لم يكن الفرد حرًا من الناحية الأخلاقية، وسأبين معنى هذا الكلام، هذا الفرد لا يمكنه أن يكون فردًا في أمة حرة سياسيًا.
باسم: كيف؟
شفيق: الحرية الأخلاقية للفرد هي شرط الحرية السياسية للأمة التي هو الفرد جزء منها. لأنه ما معنى أن أمة واقعة تحت العسف مثًلا أو واقعة تحت الاستبداد؟ معناها أنها ليست هي التي تحكم نفسها بنفسها، وما معنى أنها لا تحكم نفسها بنفسها؟ أنها ليست هي التي تشرع القوانين التي هي خاضعة لها، هذه تسمى الأتونوميا السياسية، الأتونوميا يعنى الاستقلال، الأتونوميا السياسية، إذن هذا فيما يخص الأمة في علاقتها بالحرية السياسية، إذن أمة ليست هي التي تشرع لنفسها القوانين التي ستخضع لها هي، هذه أمة ليست حرة بالتأكيد.
باسم: يعني كقاعدة نظرية عامة أتفق معك فيها، لكن تطبيق ذلك على المجتمعات العربية، المجتمعات العربية هي تفتي لنفسها.
شفيق: ماذا أقصد؟ طبعًا هناك آليات سياسية، عن طريق الانتخاب مثلًا، عن طريق الديمقراطية التمثيلية، لأن اسم البرلمان؟ السلطة التشريعية، يعني أن الأمة من خلال مجموعة من النواب تشرّع لنفسها القوانين التي ستخضع لها. في هذه الحالة يكون خضوع الأمة لتلك القوانين خضوعًا إراديًا كما قال روسو، يعني لأول مرة تكون هناك مصالحة بين الخضوع والحرية، وهذه معادلة دقيقة.
باسم: حسنًا، هذه نتيجة من نتائج العقد الاجتماعي اللازم أن يكون موجودًا بين الفرد والدولة أو المجتمع، صحيح.
شفيق: دعني أكمل فقط الشق الثاني. الآن هذا الفرد، الذي هو جزء من هذه الأمة المثالية التي نتوق إليها، هذا الفرد ينبغي أولًا أن يكون أيضًا يتمتع بالحرية الأخلاقية. ماذا نقصد؟ نقصد أن يكون هو نفسه هو الذي يشرّع لنفسه القواعد الأخلاقية التي يلتزم بها، لأن كل شيء يمكن أن تؤمر به، كل شيء يمكن أن يكون موضوع تشريع خارجي، إلا السلوك الأخلاقي إذا كنت مأمورًا، حتى لو كان السلوك سلوكًا فاضلًا، تخيل أنت أكثر السلوكات فضيلة، إذا كنت مأمورًا بها فأنت لست فاضلًا. بمعنى آخر، ينبغي أن يكون الفرد، عندما أقول يشرّع لنفسه، لا أقصد أن كل واحد يشرع على هواه، أقصد أن يحس أن ذلك القانون الأخلاقي الذي يخضع له هو القانون الذي يجده بداخله أولًا، يجده في عقله، يجده في شعوره بكرامته، يجده في شعوره بإنسانيته، لأنه ما هي الأخلاق في النهاية؟
باسم: أتفق معك.
شفيق: فهمت قصدي؟
باسم: نعم فهمت قصدك، وكأنك تطالب بإنسان طوباوي يعيش في جنة، أو تأهّل أن يعيش في جنة.
شفيق: لا أبدًا.
باسم: أنا أتفق معك أن السلوك يجب أن يكون ذاتيًا، منطلقًا ذاتيًا، وأن الفرد عندما يتصرف تصرفًا ما، أن يدرك أن هذا التصرف إذا كان خطأ فهو يرتد عليه، وإذا كان سليمًا فهو يرتد عليه أولًا قبل المجتمع. أنا أتفق معك وفق هذه القاعدة، لكن حتى نحصل على إنسان بهذا الميزان الدقيق في سلوكه، كيف؟
شفيق: وهنا سنعود مجددًا إلى المدرسة والتربية، الطريقة التي نلقن بها الأخلاق للطفل، طبعًا في المدرسة وأيضًا حتى في الأسرة، هناك شيء ركز عليه مسكويه في تهذيب الأخلاق، الذي هو الحياء. قال الحياء هو انقباض النفس عند إتيان القبيح. أعتقد أن إنسانًا يستحيي، يعني أنه نفسه تنقبض عندما يأتي السلوك القبيح. لا نقول إنه لا يأتي السلوك القبيح، لكن تنقبض نفسه كشعور داخلي. فالمفروض في المدرسة وأيضًا في الأسرة أن تنمي لدى الطفل الصغير هذا الشعور بالحياء.
باسم: وإذا الأسرة لم تستطع أن تنمي هذا الشعور اللطيف أو الدقيق في نفس الطفل، ماذا نفعل؟
شفيق: قبل ذلك كنت أتساءل، ماذا الذي يمنع تنمية هذا الشعور؟
باسم: هذا سؤالي نفسه.
شفيق: ماذا يمنع تنمية هذا الشعور؟ يمنع تنمية هذا الشعور هو أن الأخلاق إذا تركناها فقط ذات مصدر اجتماعي أو ذات مصدر ديني فلن ينشأ لدينا أبدًا فرد ذو حس أخلاقي. سيتصرف دائمًا إما امتثالًا للعرف الاجتماعي.
باسم: يعني خوفًا من العرف.
شفيق: أو خوفًا من عواقب الدين. تخيل أن محدثًا حنبليًا، أكثر من ذلك، هو ابن أبي الدنيا توفي في أوائل القرن الرابع للهجرة، تصور ماذا قال؟ قال: ما أكرم الناس أنفسهم بشيء مثل طاعة الله، وما أهانوها بشيء أكثر من معصية الله. هذا المحدث، وهو استثنائي في الحقيقة، جعل حتى الطاعة، طاعة الله هي إكرام لنفسك…
باسم: لا شك.
شفيق: والمعصية هي قبل أن تكون تحديًا للآمر الذي أمرك، هي إهانة لذاتك.
باسم: هي إهانة للذات. يمكن التعبير بهذا القول، الفطرة السليمة التي في الإنسان هي إذا تصرفت سلوكًا سيئًا ستقول لك أنت تصرفت تصرفًا سيئًا، وإذا تصرفت تصرفًا حسنًا فالفطرة أيضًا ستقيّم ذلك السلوك. فهنا نرجع إلى الفطرة.
شفيق: وهذا هو مذهب روسو كما تعرف، لأن التربية عند روسو ما هي؟ هي أن نقلل تدخلنا إلى أدنى حد ممكن لنترك الفطرة، فطرة الطفل، في كتابه إيميل، نترك فطرة الطفل تنمو. لأنه كان مؤمنًا بأن الفطرة الإنسانية خيّرة، وأنا أيضًا أعتقد أن الفطرة الإنسانية خيرة.
كيف يرى المعتزلة قدرة العقل على إدراك الحُسن والقبح ذاتيًّا؟
باسم: هي الفطرة الإنسانية خيرة، الإنسان جبل على هذه الفطرة، وهذه الفطرة التي زرعها الله في الخلق، في الناس. فبالتالي هذه الفطرة سليمة. الآن لما يتم تشويه الفطرة كيف نقوّمها؟ فلسفيًا.
شفيق: أي نعم، فلسفيًا، طبعًا حسنًا، فلسفيًا تقويم هذه الفطرة يبدأ أولًا، وهنا قد تستغرب، بالعودة إلى مقولة قالها المعتزلة منذ زمن بعيد وهي الحُسن والقبح العقليان. هذه الفكرة على بساطتها ولكنها هي أصل الحل. أصل الحل كيف؟ ما معنى أن الحسن والقبح عقلي؟ العقل يمكن أن يعني حتى أيضًا الفطرة، يعني ما يحكم الإنسان هو كإنسان، ما يحكم بقبحه ويستبشعه، وأيضًا ما يحكم بحسنه ويستحسنه. هذا هو العقل باعتباره فطرة كما يقول المعتزلة، أكمل الله، بها أنفسنا.
كيف يفسد القهر السياسي فطرة الإنسان وإنسانيته النقيّة؟
باسم: أنا لن أختلف معك بأن الفطرة السليمة ستقود إلى هذه المقاييس. أن الفطرة هي ستحكم على السلوك، ستحدد لك أنه إذا كان سلوكك سيئًا، بالتأكيد فطرتك الذاتية ستقول لك إن هذا السلوك سيئ، لأنه سيرتد سوؤه عليك، وإذا كان سلوكك سليمًا سترتد نتيجة سلوكك هذا الطيب عليك. نتفق. الآن في حال اختلت موازين الفطرة السليمة عند الفرد وانعكست على المجتمع، كيف نقومها؟ تاريخيًا، حتى في القرآن الكريم يقول: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً» (البقرة: 213)، الناس كانوا أمة واحدة، متى اختلفوا؟ «وَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ» (الجاثية: 17)، وصار وجود أنبياء ورسل وكتب لإعادة الفطرة السليمة إلى طبيعتها، لإعادة تقويمها. الآن الكتب موجودة والرسل وجدوا والكل يعرف ما هو السيئ وما هو الحسن، ولكن صار فيه انحرافات في الفطرة سلوكيًا، كيف أنت كمجتمع، رغم كل الأدوات التي تؤهلك لتقويم الذات أو لتقويم الفطرة موجودة أمامك، لكن كثيرًا المجتمعات تشذ عن النمط السلوكي العام المتعارف عليه.
شفيق: سيدي، كيف للمجتمع أن يستعيد هذه الفطرة التي الآن انحرفت وتقريبًا تشوهت؟ صار الإنسان فقط شبح إنسان.
باسم: لا شك.
شفيق: رغم، أن هذه المسألة التي نبحثها الآن هي تبدو مسألة نظرية فكرية…
باسم: هي ليست نظرية، هي واقع.
شفيق: ولكن حلها وحتى أيضًا سببها هو سبب واقعي. وعندما أقول واقعي أعني سببه أيضًا سياسي، كيف ذلك؟ ماذا يقول ابن خلدون؟ ابن خلدون لاحظ أن كل أمة عاشت طويلًا تحت ما يسميه هو العسف والقهر، ويستخدم كلمة القهر. القهر يعني هو إجبار الإنسان على التظاهر بغير ما هو في ضميره، هذا تعريف ابن خلدون للقهر. لاحظ ابن خلدون أن أهل الحضر، المدن، لكثرة سكنهم قرب السلطان وداخل أسوار، اعتادوا نوعًا من العسف والقهر. ابن خلدون يرى أن ما من أمة عاشت طويلًا تحت القهر، وهذا كلام ابن خلدون يقول، إلا تقهقرت إنسانيتها، هذا مصطلحه: تقهقرت إنسانيتها.
باسم: واضح الكلام.
شفيق: كأنها عادت إلى ما قبل…
باسم: الفطرة السليمة.
شفيق: ما قبل الفطرة السليمة، لأن العسف والقهر يجبر الناس باستمرار على أن يتظاهروا بغير ما في ضميرهم، وهذا على المدى الطويل يفسد إنسانية الإنسان، وطبعًا يطمس فطرته.
باسم: وهذا موجود ليس فقط في المجتمعات العربية، موجود أيضًا في المجتمعات الأوروبية، موجود في مجتمعات كثيرة. فيه تدخلات في إعادة هرم الأخلاق، أو السلوك الأخلاقي في المجتمعات.
شفيق: صحيح.
باسم: حاليًا نلاحظ…
شفيق: نعم، نعم نعم، فهمت.
باسم: بالذات في المجتمعات الأوروبية، هناك تدخلات من فوق.
شفيق: نعم.
باسم: تجبر الفرد على إعادة قلب هرم السلوك الأخلاقي.
شفيق: فهمت ما تقصد، حتى في الغرب الآن هناك دعاوى لكي نفرض على الناس معايير أخلاقية جديدة.
باسم: لا علاقة لها بالأخلاق أصلًا.
شفيق: أو بالفطرة، أو لا علاقة لها بالفطرة، نعم. ولكن المشكلة أن هذا سيف ذو حدين، من جهة أنت لا يمكنك أن تمنع التدافع الاجتماعي، التدافع بين الناس داخل المجتمع الواحد. يعني هناك تدافع، هذا التدافع هو تدافع بين كيانات سياسية، تدافع بين اتجاهات أيديولوجية، طبعًا وكل فرقة تحاول أن تفرض برنامجها السياسي أو الثقافي أو الأخلاقي أو الأيديولوجي على البقية. هذا هو قانون الاجتماع الإنساني.
باسم: هو قانون الاجتماع الإنساني. ولكن ما نلاحظه الآن، وبالذات في الغرب، ليس تدافعًا طبيعيًا ما بين تجمعات سياسية أو أفكار سياسية، هناك محاولة لفرض، للتدخل في حرف الفطرة قصدًا.
شفيق: نعم نعم.
باسم: يعني دون أن أسمي الجهات.
شفيق: لا لا، أعرف، أعرف، معروف.
باسم: لكن هناك واضح جدًا تدخل عسفي في مجموعة محددة أو نظام محدد للإخلال ببنية الفطرة الطبيعية للإنسان. أنت لما تجبر فردًا أن يكون ذكرًا، تجبره أن يكون، أو أن يختار، أو أن يكون أنثى أو العكس…
شفيق: نعم نعم.
باسم: لا أريد الدخول في التفاصيل، هناك تفاصيل كثيرة فيها تدخل عسفي، ويعني مصر على حرف الفطرة الإنسانية.
شفيق: سأجيبك بإكمال فكرتي، فذلك التدافع القائم، في هذه المرحلة التي نعيشها الآن صحيح أن هناك غلبة، غلبة إعلامية، أيديولوجية ربما حتى اقتصادية، وفي شبكات التواصل الاجتماعي إلى آخره، تُستخدم عدة خوارزميات ووسائل من أجل بث اتجاهات معينة.
باسم: نعم صح كلامك صح.
شفيق: حتى يقبلوها باعتبارها هي السواء، يعني حتى مفهوم السوي وغير السوي مفهوم أخلاقي أيضًا.
باسم: نعم صحيح.
شفيق: أنا أتفق معك. ولكن التدافع كما قلت لا يمكن أن… ينبغي فقط أن نحافظ على ما سماه كارل بوبر بالمجتمع المفتوح. بمعنى إذا بقيت أصوات تقاوم ولم نقمعها ولم نحرمها من حقها في أن ترفع صوتها لتقول إن هذا منكر أخلاقيًا مثلًا، فأعتقد هذا سير طبيعي للأمور، شريطة أيضًا ألا تكون السلطة، أعلى السلطة في يد… التي هي السلطة السياسية، ألا تكون طرفًا، لأنك في نهاية المطاف هذه حركية مجتمعية. ما الحل؟ أن تتدخل السلطة من علٍ، من أعلى لكي تفرض تصورًا معينًا للسواء؟ أنا أريد فقط أن أشرح المفارقة التي توجد في المجتمعات الغربية. رغم أنا نحن لدينا مفارقتنا الخاصة التي يجب أن نعتني بها أكثر من المفارقة التي يعيشها الغرب، ولكن على كل حال الغرب هو (بروفا) لما يمكن أن يقع عندنا، في طريقة التدافع. هناك غلبة يبدو، هناك غلبة لاتجاه آخر، ولكن هناك أصوات تقاوم.
باسم: أنا لا أختلف معك، أقول لك بالعكس، وكلما كان هناك تدخل في إجبار، في إصرار على حرف السلوك أو على حرف الفطرة أو على تحريفها، أيضًا ستكون هناك مقاومة. وأيضًا نلاحظ حتى في المجتمعات العربية فيها هذا السلوك، تنفيه السلوكيات، تتفيه الأهداف للناس، حتى على مستوى الفن، لأنه كان عندك فن ذو قيمة كما كان سابقًا. والكثير من السلوكيات حتى في المجتمعات العربية أصبحت سلوكيات فردية، يقول لك: أنا حر أتصرف كما أشاء، وأنت ما علاقتك بي؟ موجود أيضًا ليس فقط في أوروبا، لكن في أوروبا أصبحت أكثر وضوحًا، لأن التدخل العسفي والإصرار على حرف فطرة الإنسان عن مسارها الطبيعي الفطري موجود هناك بوضوح أكثر مما موجود عندنا. بعد ما زال هناك بعض التوازن في الأخلاقيات السلوكية العامة عند المجتمعات العربية، لكن هناك بدأت تخرج عن إطارها الطبيعي.
شفيق: كما قلت يجب أن يكون هناك أيضًا تحليل موضوعي، لا ينبغي يعتقد أحد أن هناك جهات معينة تخطط وتدبر. أنا لا أميل إلى هذا التحليل الذي ينسب التيارات الاجتماعية والتيارات الثقافية إلى تدخل أيادٍ خفية، طبعًا…
باسم: لا تدخل، هذا موجود.
شفيق: لا أستبعده، ولكن أيضًا…
باسم: لا، هو موجود.
شفيق: نعم نعم، ولكن ليس هو المحدد في التحليل الأخير. أنا كما قلت لك، بشرط ألا يكون هناك تدخل مثبت من السلطة السياسية، لأنه من الذي يملك سلطة الإكراه؟ من الذي يحتكر استعمال العنف؟ إذن إذا قمنا بتحييد هذا الطرف، الذي يحتكر العنف، إذا كان محايدًا تجاه الصراعات الاجتماعية، فينبغي أن يُتاح للمجتمع، وهذا أيضًا نراه في صالح دعاة الفطرة الإنسانية، يعني ينبغي أن يتاح للمجتمع بشكل طبيعي…
باسم: مجرد أن يوجد طرح يسعى إلى حرف السلوك البشري، هذا بالضرورة أن يكون من يقف خلفه يقصد ذلك. هو ليس عفويًا، هو شطط في السلوك البشري، هو سلوك مقصود لذاته لأن أدواته واضحة، أدواته في الإعلام، في المال، في الجيش، في السلطة موجودة هذه الأدوات، وأن يضع ذلك حتى في كتب التعليم للأطفال في المدارس الصغيرة، وفي المراحل الدنيا من التعليم. فبالتأكيد أن هناك جهة تقف خلفه وتوجه وتسهر على تنفيذ هذه الأدوات، وأن السلطة السياسية تقوم… أعطيك مثلًا: قبل أيام الإدارة الأمريكية نفسها أنا تحدثت في هذا الوضع، الإدارة الأمريكية نفسها، هرمية النظام الغذائي أعادوا قراءته، لأن الشركات في البداية قالوا إن الشحوم سيئة، إن الزيوت الطبيعية سيئة، يجب أن تأخذ السكر الصبح، قلبوا، بدليل أن هناك تدخلًا، فالسلطة السياسية تدخلت لصالح صحة البشر. فهناك تدخل سياسي.
شفيق: نعم، الصحة تدخل في السياسات العمومية.
باسم: أنا أعطيك مثلًا.
هل تشرّع الفلسفة أخلاقنا أم تكتفي بتفسير دوافعها العميقة؟
باسم: عودة إلى موضوع الأخلاق والفلسفة.
شفيق: نعم.
باسم: هل هناك ميزان ستستطيع الفلسفة من فرضه على الأخلاق أو على السلوكيات الأخلاقية؟ ونحن دخلنا موضوع الأخلاق دون أن نعرّفه.
شفيق: الفلسفة هي لا يمكنها أو ليس من وظائفها أن تشرّع، هي ليست مشرعًا أخلاقيًا أولًا، يعني الفيلسوف ليس مشرعًا أخلاقيًا. غاية ما تطمح إليه الفلسفة هي أن نفهم السلوك الأخلاقي الإنساني، دوافع السلوك الأخلاقي، وأن نفهم أيضًا ماهية القيم الأخلاقية. عندما نقول مثلًا هذا خير، إلى ماذا ترجع خيريته؟ هل ترجع خيريته مثلًا إلى معيار المنفعة والعاقبة؟ لأن هناك تفسيرات كثيرة لما هو خير. هل هو خير لأنه يحقق شيئًا نسميه الحياة الطيبة ويسمح بازدهار الشخص الفرد الإنساني؟ هذا معيار لما هو خير. هل الخير خير لأنه يستجيب لقانون أخلاقي كما يقول مثلًا كانط؟ فغاية ما يمكن أن تساعدنا به الفلسفة هي ليس أن تأمرنا بفعل باعتباره هو الصواب، ولكن فقط أن تساعدنا لكي نفهم أين تكمن أو من أين يمكن أن يستمد الفعل الصائب صوابه، ومن أين يمكن أن يستمد الخير خيريته. وهذا لكي أعود إلى الموضوع مجددًا، هذا هو الذي يحتاجه الفرد.
هل تصلح المنفعة الفردية معيارًا أخلاقيًّا حاكمًا لسلوكيات المجتمع؟
باسم: على فرض أن الفرد أو كما فهمت أنا مما تقول أنه هو معيار ذاته للسلوك.
شفيق: ليس بالمعنى السفسطائي، لأن الإنسان يفصل كل شيء
باسم: لا، ليس السفسطائي. لأنه فيه ناس ممكن يبرر لنفسه السرقة، ويحس أنه إذا سرق هو استفاد، إذا المنفعة هي المعيار، فالذي يسرق منفعته أنه يسرق. فهو لا يوجد عنده مثلًا وخز ضمير أنه يسرق أو يأخذ مال الآخرين أو يطفف ميزانًا أو يخسر هذا أو يربح هذا، طالما هو بالنسبة إليه منفعة ذاتية. فالفرد لا يصلح أن يكون معيارًا لمصداقية سلوكه في المجتمع، يجب أن تكون هناك قواعد سلوكية محددة تضبط الجميع، وإلا كيف ممكن أن أضبط شخصًا يقول لك أنا مصلحتي ترتئي ذلك فأنا تصرفت بما فيه مصلحتي؟
شفيق: يمكن أن نقنعه على أن سلوكه، وهذا هو في النهاية، في الحساب الأخير، هو ضد مصلحته لأنه حتى…
باسم: ما المقصود بالحساب الأخير؟
شفيق: يعني إذا حسبها جيدًا، لأنه ما معنى المنفعة؟ المنفعة هي نوع من التفكير الحسابي، ما ينفعني ما يضرني. إذا حسبها جيدًا سيجد أن تصرفه الأناني في نهاية المطاف هو سيضر به.
باسم: نهاية المطاف أين؟ أنا من أسرق وعندي فيلا وعندي سيارة وعندي كذا، وأعيش وأموت وأنا سارق، أين نهاية المطاف كانت؟ هل في الممات؟
شفيق: نعم، كيف؟
باسم: نهاية المطاف أين؟
شفيق: أي نعم، هذا الإنسان ينبغي أيضًا أن لا يحزن إذا سطا أحدهم أيضًا على ملكيته، لا يمكن أن يحزن، حتى يكون منسجمًا مع نفسه. ثم هذا المجتمع الذي تصوّره صاحبُنا، والذي يبيح لكل واحد منا أن يسرق إذا كانت السرقة في مصلحته، أصلًا مثل هذا المجتمع لن تقوم فيه ملكية لكي يسرقها. هذا المجتمع الذي يتخيله هو، والذي تباح فيه السرقة فقط لأنها في مصلحته…
باسم: لا يوجد مجتمع يبيح السرقة، ولكن…
شفيق: أقصد الفرد الفرد. وهذه المسألة أيضًا ينبغي أن تُناقش مع الأطفال، هذا الذي ينبغي أن يناقش مع الأطفال. الأخلاق ينبغي أن تُناقش نقاشًا عقليًا أولًا، قبل أن تستدعى، مبررات أو دعائم أخرى خارجية، ينبغي أن تناقش نقاشًا عقليًا.
كيف ننتقل بالأخلاق من مرحلة الخوف الخارجي إلى الاقتناع العقلي؟
باسم: ألا ترتئي أنه يجب أن تكون هناك قواعد سلوكية محددة؟ مثلًا ندخل إلى النصوص الدينية مثلًا، هناك قواعد سلوكية محددة في النص الديني، وبالذات دعنا نقول في القرآن. هذه السلوكيات هل نتركها للفرد نفسه أم أن نقيس سلوك المجتمع وفق هذه الأنماط السلوكية؟ يعني فيه نمط سلوكي محدد واضح في النصوص القرآنية تحكم المجتمع وتحكم الفرد.
شفيق: نعم.
باسم: أنت تقول إن أي سلوك إذا لم يكن نابعًا من الفرد ذاته…
شفيق: من الاقتناع.
باسم: أنا مقتنع، حسنًا…
شفيق: أنا فقط، لأنه كما قلت قبل قليل الأطفال الصغار يمكن، وهذا أيضًا يقوم به ما يسمى الفلسفة للأطفال، هناك الآن حركة واسعة اسمها فلسفة الأطفال. مثلًا الأطفال الصغار يمكن مثلًا أن ندفعهم إلى أن يناقشوا: ماذا لو أن أحدنا مثلًا أراد أن يسرق ما بحوزة الطفل الآخر، لأن ذلك يحقق مصلحة لي ومنفعة؟ كيف يمكن أن أعترض على مثل هذا السلوك، يعني ما ينفعني، والإنسان بطبعه يحرص على منفعته؟ كما قلت الأطفال الصغار إذا ذهبنا بهم بالنقاش وبالتأمل والتدبر العقلي -كما قلت لك- مثل هذا السلوك إذا ما جعلناه قانونًا عامًا سيلغي أصلًا قيام المجتمع ووجود ملكية لكي نسرقها.
يعني أنا أقصد نعم، القرآن الكريم أو أي نص ديني هو ينهى عن السرقة، ولكن لا ينبغي أن يظل النهي عن السرقة مجرد أمر خارجي يُطاع خوفًا من عقاب ويُمتثل له طمعًا في ثواب. مثل هذه الطريقة في التعامل مع القيم الأخلاقية لن تُربي أبدًا حِسًا أخلاقيًا لدى الطفل، وبالتالي لدى الإنسان، سيكون متخلقًا ما دام متأكدًا من أن العقاب سيناله فقط. فإذا أمن… هناك مثل يقول: من أمن العقوبة أساء الأدب. إذن أي أدب هذا الذي ألتزمه فقط ما دمت لا آمن العقوبة للسوء، في مأمن منها؟
إذن فكرتي هذه هي أن من المؤكد أن الأديان وفي مقدمتها الدين الإسلامي تحث على مكارم الأخلاق، والأديان تاريخيًا ساهمت في الارتقاء…
باسم: لا شك، الدين يحث على مكارم الأخلاق بلا شك.
شفيق: بكل تأكيد، بل الأديان تاريخيًا كانت من أهم عوامل الرقي الحضاري والأخلاقي للبشر لكي يرتقوا قليلًا فوق أنانيتهم وفوق شهواتهم ويأخذوا بعين الاعتبار مصالح إخوانهم، على الأقل إخوانهم في الدين على الأقل، رغم أن المأمول هو أن يأخذوا مصالح إخوانهم في الإنسانية. ولكن الأديان على الأقل ساعدت البشر وخصوصًا عامة الناس في وقت لم يكن فيه التعليم العمومي منتشرًا كما هو اليوم، التعليم العمومي إجباري، ولم تكن هناك المطابع لكي تطبع، فالأديان ساهمت في تهذيب نفوس الناس.
كيف تشكل أفعالنا ماهية نفوسنا وتحدد مصيرها ومآلاتها النهائية؟
باسم: لا شك، دعنا نعود إلى قصة أنه يجب أن يكون الفرد مقتنعًا اقتناعًا ذاتيًا داخليًا أن سلوكه السيئ سترتد نتيجته عليه، وأن سلوكه الطيب سترتد نتيجته الطيبة. وهذا سيتعمم على المجتمع. الإشكالية، سؤالي ببساطة قبل أن ننهي، كيف نقنع الطفل أو الفرد في المجتمع أنه يجب عليك أن يكون هذا السلوك نابعًا رضائيًا برضا ذاتي؟ بمعنى إذا توفرت لك الفرصة أن تسرق دون أن يراك أحد، لا تسرق.
شفيق: سمعتك مرتين أو ثلاثة تقول: السلوك السيئ ينعكس علينا والسلوك الخيّر ينبغي أن نفهم بأنه أيضًا ينعكس علينا. دعني فقط أذكر رأيًا طريفًا منسوبًا إلى الجاحظ، من أغرب ما يمكن أن تتصور في هذا المعنى. قال الجاحظ أو أحد المعتزلة، أعتقد لعله الجاحظ، قال: ما معنى أن الله سيدخل العصاة يوم القيامة النار؟ يعني أن نفوسهم من شدة رذائلها أصبحت قابلة لأن تحترق.
باسم: وهذا تعبير دقيق.
شفيق: إلى أي حد ذهب به…
باسم: إلى أن يرى…
شفيق: أن ما تفعله يصنع كيانك وينحت نفسيتك.
باسم: وأنا أرى ذلك.
شفيق: لا يعني أن الله يكبهم على وجوههم فيها، بل إنها نتيجة طبيعية لأعمالهم، نتيجة طبيعية. بمعنى طبيعي يعني كأن ماهيتهم وتركيبتهم الجسمانية والنفسانية تغيرت ومُسخت فأصبحت قابلة لأن تحترق.
باسم: «مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ» (النساء: 123) ومن يعمل حسنًا أيضًا يُجزَ به.
شفيق: فأنا أرى أنه جوابًا على سؤالك، ينبغي أن ندعم مثل هذا الفكر الذي يتصور أن الأخلاق في المقام الأول…
باسم: هي ذاتية السلوك.
شفيق: هي ذاتية السلوك، وأن الإنسان يفعل الحسنة احترامًا لكرامته هو، وأنه إذا يقترف السوء يهين كرامته. يعني ينبغي أن نشجع لدى الناس إحساسهم بكرامتهم، ولهذا ابن خلدون قال العسف يلغي إحساس الإنسان بكرامته. فإذا ألغى إحساسه بكرامته لا يمكن أن يكون متخلقًا أبدًا، سيلجأ فقط إلى النفاق إلى المداراة…
باسم: وبالتالي يخسر نفسه وذاته، ويخسر مجتمعه أيضًا.
شفيق: وسيخسر نفسه.
باسم: دكتور شكرًا كثيرًا لك، أنا استمتعت بالحوار معك.
شفيق: شكرًا لك.
إن شاء الله نلتقي بفرصة ثانية في “مجتمع”.
شفيق: إن شاء الله، وشكرًا لك أستاذ باسم، وأتمنى التوفيق لكم في “مجتمع”.
باسم: شكرًا دكتور شفيق. شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”، إلى اللقاء.