هل تحول تراثنا من منبع للمعرفة إلى ساحة للإعدام الفكري؟ وكيف استطاعت الأيديولوجيات المعاصرة تشويه التاريخ لخدمة معارك الحاضر؟ وهل نحن غارقون في سوء فهم ذبح الهوية باسم الانتماء؟ تساؤلات صادمة يجيب عنها الباحث حسين سعدون من خلال قراءته لكتاب “مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة” للمفكر جورج طرابيشي في #بودكاست_كتاب، على #منصة_مجتمع
مقدمة
طابت أوقات الجميع بخير. لقاء متجدد مع منصة مجتمع، استكمالًا لما بدأنا به في الحلقات السابقة من برنامج كتاب على منصة مجتمع، لتسليط الأضواء على أهم المؤلفات أو الكتب التي نرى أنها جديرة بالقراءة. هدفنا دومًا تقديم الأفكار المهمة، أو التي لها علاقة مباشرة على واقع مجتمعاتنا وحياتنا الآنية. ننقل الكتب من أرفف المكتبات، ونزيح عنها الغبار، لنوصلها لكم في صورة مختصرة ومفيدة، على شرط أن هذه الكتب تحرك عقولنا وتفتح الباب للأسئلة التي تراودنا في كل وقت من حياتنا، لعلنا نصل لحلول حقيقية لمشكلاتنا جميعًا.
لماذا اختار طرابيشي وصف التعامل مع التراث بـ “المذبحة”؟
فاخترنا لكم كتاب “مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة” للمفكر جورج طرابيشي، لأن سؤال التراث لم يعد سؤالًا ثقافيًّا فقط، بل أصبح سؤالًا مصيريًّا في مجتمعاتنا العربية. نحن نختلف باسم التراث، ونتصارع باسمه، وأحيانًا نبرر العنف أو الإقصاء باسمه. الكتاب يطرح فكرة صادمة، وهي أن التراث لا يقتل بالتجاهل، بل يذبح بسوء الفهم. تيارات فكرية متعددة تعاملت مع التراث بشكل انتقائي، أخذت منه ما يخدمها وحذفت ما لا يناسبها، فحوّلته من مصدر معرفة إلى أداة صراع.
تأتي أهمية كتاب “مذبحة التراث” أنه يضع إصبعه على جرح مفتوح في واقعنا العربي؛ حين نسيء قراءة التراث، نربك الحاضر ونغلق باب المستقبل. والسؤال الذي نطرحه في هذه الحلقة: هل مشكلتنا في تراثنا أم في الطريقة التي نتعامل بها مع هذا التراث؟ فاصل ونواصل تكملة الكتاب.
كيف تشكلت المحاور الأساسية لنقد العودة المؤدلجة إلى الجذور؟
عودة إلى كتاب “مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة” للمؤلف جورج طرابيشي. في الحقيقة الكتاب هو ليس مقسمًا إلى فصول تقليدية مرقمة كما في الكتب الأكاديمية، بل يتكون من أقسام ودراسات نقدية مترابطة، تُشكّل في مجموعها مشروعًا واحدًا لنقد التعامل المعاصر مع التراث.
وأثناء قراءتي لكتاب “مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة” لجورج طرابيشي، وجدت من وجهة نظري أن أفكاره يمكن تلخيصها في ثلاثة محاور أساسية: المحور الأول هو ما يسميه المؤلف مذبحة التراث، أو تشويه التراث عندما يُقرأ بانتقائية، أو يستخدم لخدمة أفكار مسبقة بدلًا من فهمه. المحور الثاني هو من يمارس هذا التشويه وكيف؟ حيث يبين الكتاب أن تيارات فكرية مختلفة تعاملت مع التراث كأداة صراع، فأخذت منه ما يناسبها، وأقصت ما لا يخدمها. أما المحور الثالث فهو انعكاس ذلك على واقع مجتمعاتنا العربية، إذ أدى سوء التعامل مع التراث إلى انقسام فكري وثقافي، وأحيانًا إلى تطرف وجمود بدل التجديد.
في مقدمة الكتاب يعترف مؤلف الكتاب جورج طرابيشي أن عنوان هذا الكتاب هو استفزازي “مذبحة”، أو يكون بعيدًا عن الرصانة العلمية، ولكنه يقر أنه كان مضطرًّا لاستخدام هذا العنوان “مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة”.
ويرى مؤلف الكتاب أننا نتحدث عن مذبحة للتراث في ثقافة تنتمي في مكوناتها وهوياتها إلى التراث نفسه، بل هي أغنى ثقافات العالم بذخيرتها من التراث، وأيضًا هي أكثر ثقافات العالم انشغالًا بشاغل التراث. ويقر مؤلف الكتاب الأستاذ جورج طرابيشي أن العودة إلى الجذور والتراث هي سمة بارزة في ثقافات العالم المعاصر، خاصة تلك الأمم التي تعاني من أزمة هوية. ولكن يعتقد مؤلف الكتاب أن هذه الظاهرة في الثقافة العربية المعاصرة، أي العودة إلى التراث، استفحلت استفحالًا مضاعفًا بعد هزيمة حزيران عام 1967، إذ نُقِل الصراع الأيديولوجي إلى ساحة التراث، وأن التراث المؤدلج هو تراث بلا حقيقة تاريخية.
وبتعبير المؤلف أننا محاصرون بين تيارين: تيار يرغب في تبرئة التراث مما نحن فيه، وتيار لديه رغبة مسبقة في تجريم هذا التراث. وبين كلتا الرغبتين والتيارين ضاعت الحقيقة التاريخية بما هي كذلك. هذه الحقيقة برأي طرابيشي ستظل ضائعة ما دامت لا تُحترم في موضوعيتها، بعيدًا عن موضوع التثمين أو التبخيس. والحل برأي مؤلف الكتاب هو اتخاذ التراث موضوعًا للتحليل العلمي، لا للإسقاطات الأيديولوجية. هكذا هي كانت فكرة مقدمة كتاب مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة.
هل حوّل التيار الماركسي التراث العربي إلى أداة للصراع الطبقي؟
بعد أن عرضنا بشكل مكثف فكرة “مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة”، يوجه مؤلف الكتاب الأستاذ جورج طرابيشي نقده إلى عدد من التيارات الفكرية الحديثة التي يرى أنها أسهمت كل بطريقتها في ذبح التراث، عبر تشويهه أو عبر التعامل معه انتقائيًّا. المذبحة الأولى هي المذبحة النظرية (هلالين كبيرين) التيار الماركسي. في البداية يقف مؤلف الكتاب مع المذبحة النظرية للتيار الماركسي، فهو بحسب تعبير المؤلف أن التيار الماركسي يريد إخضاع التراث لعملية جراحية يستأصل منه ما يعتقد أنه ورم خبيث، وقد يكون هذا الاستئصال لا للجزء المريض أو الورم الخبيث، بل قد يكون لأعضائه الأكثر حيوية، أي هناك انتقائية في هذا الاستئصال.
ويرى مؤلف الكتاب أن لينين هو أول من دعا إلى التعاطي مع التراث بمنهجية البضع والبتر من خلال مناقشاته في مطلع القرن العشرين مع الشعبويين الروس، وهذا ما أدى بالماركسيين العرب إلى اتباع نفس المنهج البضعي أو الانتقائي أو البتري في التراث العربي والإسلامي. وإذا كان لينين له مشروعية في ذلك لأنه لم يكن باحثًا، بل كان مناضلًا وقائدًا نضاليًّا، ولم يكن يهمه من التراث حقيقته التاريخية بل قابليته للتوظيف في الصراع الأيديولوجي، لكن الماركسيين العرب الذين رموا خصومهم بالعدمية التراثية، ردوا أيضًا بإحياء الموقف من التراث بالتأكيد على أن التراث ليس شيئًا واحدًا متجانسًا ليُؤخذ كله أو يُرمى كله، بل التراث حقل للصراع، وبالتالي لا بد من التوظيف. هذا الصراع يأخذ شيئًا ويترك شيئًا آخر، أي أن الماركسيين بتعبير المؤلف تعاملوا بانتقائية مع التراث العربي الإسلامي.
ويرى مؤلف الكتاب أن الكاتب سمير أمين -هذا نموذج- لتلك عملية الانتقاء من التراث، فهو يرى أن ابن رشد وابن خلدون يمثلان دور المتقدم والمتنور في التراث، وأن أبا حامد الغزالي يمثل دور التراجع، فيجب الأخذ من هؤلاء دون ذلك.
ويذهب إلى مثال آخر هو توفيق سلوم. وفي الحقيقة في هذا الفصل الممتع يذهب طرابيشي إلى القول: إن مجموعة الماركسيين العرب الذين يوظفون التراث وفق رؤية لينين بالأخذ والترك والانتقائية والأحكام المسبقة، وهذا التوظيف النضالي للتراث يتعارض مع الوظيفة المعرفية. والوظيفة المعرفية تعني فصل العلم عن الأيديولوجيا، أن ندرس التراث دراسة في إطاره التاريخي، أي أخذ النصوص التراثية وفق ظروفها المكانية والزمانية. وبتعبير الكاتب ألا نجعل التراث يجيب على أسئلة الحاضر، بل أن تكون دراسة للمراجعة والنقد والتجاوز. فهناك فرق بين الحقيقة التاريخية والحقيقة الأيديولوجية أو الدعائية التي تتملك الجماهير.
ومن الواضح أننا أمام التيار الماركسي، أمام برنامج كامل ومتكامل لتحويل التراث إلى سلاح من أسلحة أيديولوجيا الكفاح، على حساب العلم وحقوقه في التعاطي الوجداني مع التراث بدل التعاطي المعرفي والتاريخي.
إذن باختصار يرى جورج طرابيشي أن الماركسيين تعاملوا بمنطق الانتقائية والتجزئة، ولم ينظروا إلى التراث نظرة شاملة وكلية.
ملخص هذه الفكرة، القول هنا يقف جورج طرابيشي مع المذبحة النظرية للتيار الماركسي الذي ينظر إلى التراث العربي والإسلامي كأداة صراع أيديولوجي وليس كمصدر معرفي. التيار الماركسي يتعامل مع التراث بانتقائية صارمة، يأخذ ما يخدم أهدافه الفكرية والسياسية ويهمل ما يخالفها، حتى لو كانت هذه الأجزاء المستبعدة هي الأكثر حيوية.
هنا مؤلف الكتاب يوضح أن هذا المنهج مستوحى من لينين، الذي كان يهمه استخدام التراث في الصراع لا حقيقته التاريخية، وتبعه الماركسيون العرب مثل سمير أمين وتوفيق سلوم، الذين اختاروا من التراث ما يرونه تقدمًا وتنويرًا وتجاهلوا ما اعتبروه رجعيًّا. وهذا التوظيف كان له أثر مباشر على مجتمعاتنا العربية، فقد حوّل التراث من مصدر معرفة وفهم إلى أداة صراع وصدام فكري، مما أدّى إلى تشويه الوعي الثقافي وتعميق الانقسامات، ومنع المجتمعات من الاستفادة الحقيقية من تراثها في البناء الفكري والاجتماعي.
إذن حين يستغل التراث سياسيًّا وأيديولوجيًّا، يخسر المجتمع فرصة التجديد والفهم الموضوعي، ويصبح الصراع هوية وفكرًا بدل أن يكون صراع المعرفة والتقدم.
كيف وظف الفكر القومي مفهوم “النقاء” في قراءة التاريخ الإسلامي؟
أهلًا بكم، عودة إلى كتاب مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة. وهنا لابد أن أشير إلى ملاحظة مهمة جدًّا، التراث هو كل ما ورثناه من نظريات وأفكار ومفاهيم. وهناك تيارات عربية معاصرة اختلف تعاملها مع التراث، وهذه التيارات أشار إليها الراحل جورج طرابيشي: التيار الماركسي، والتيار القومي، والتيار الإسلامي، والتيار البراغماتي. أبرز التيارات هذه، كان لكل تيار ممثلوه من الرموز الفكرية، لكن بتعبير الكاتب كان هناك تعامل أيديولوجي وانتقائي ولم يكن تعاملًا علميًّا. فالماركسيون والقوميون والإسلاميون ساهموا بهذه المذبحة، وهذا ما سيقوم به الكتاب في تعرية هؤلاء والكشف عن مواطن خللهم.
ثانيًا، بعد التيار الماركسي، المذبحة النظرية، التيار القومي العروبي أو العربي. بحسب مؤلف الكتاب جورج طرابيشي فإن التيار القومي يتفق ويختلف مع التيار الماركسي؛ يتفق ويختلف في ماذا؟ يتفق في تقسيم التراث إلى ثنائية التقدم والتخلف، ويختلف معه في تقسيمه إلى طبقات كالطبقة العاملة وغيره.
وإذا كان التيار الماركسي يبحث عن النقاء الطبقي، فإن التيار القومي يبحث عن النقاء القومي. فالقومي يريد مثله مثل الماركسي أن يُخضع جسد التراث لعملية جراحية، والأورام التي يريد استئصالها تكون تحت عنوان الانحطاط. والتيار القومي في العالم الإسلامي ينقسم إلى تيار قومي علماني وتيار قومي إسلامي، ومن أبرز ممثليه بالفرع العلماني زكي الأرسوزي والفرع الإسلامي محمد عمارة.
نذهب إلى النموذج القومي العلماني عند زكي الأرسوزي ونأخذ هذا النص الذي كتبه: “ما إن نفد دم العربي في الفتوحات، وفي الاختلاف على مشروعية الحكم، حتى تجرأ هجين وهو المأمون على انتهاك حرمة بلاد العرب، واحتلال عاصمة بلادهم بغداد بجيش من صعاليك إيران. وقام هجين آخر وهو المعتصم بنقل العاصمة من بغداد إلى سامراء. وعندئذ أخذ العرب يتقلصون عن المدن إلى الأرياف، وعندئذ أخذ الدخلاء والهجناء والرعاع يطغون على سطح الحياة”.
هنا يرى أن الانحراف عند فكر زكي الأرسوزي هذا الكاتب القومي، يرى أن عملية النقل وعملية اختلاط الدم العربي، وتحول العرب ولقاءهم بالقوميات والقبائل الأخرى، فهو يقول لفظة هجين، أي ليس عربيًّا خالصًا. وهنا جاءت فكرة النقاء القومي، لتحول العرب من الجاهلية للإسلام، من العروبة إلى العجمة، لا بالمعنى العرقي بالكلمة فقط، بل بالمعنى اللغوي. فخروج العربي إلى العالم حاملًا رسالة الإسلام قد اضطر هذا العربي إلى مخالطة هذه الشعوب، فاتحًا أمامها باب الاستعراب والاستعجام. ومن هنا كانت الخسارة مضاعفة حسب تعبيره، أي تعبير زكي. ولا يتوقف عند ذلك، بل يرى أن أمثال ابن المقفع والفارابي وابن سينا والغزالي قد أفسدوا اللسان العربي، وأن الخروج من هذا المأزق والانحطاط والانحلال والانحراف -بتعبيره- لا يتم إلا بتطهر من كل هذه السموم التي دخلت في الجسم العربي، والعودة إلى الجاهلية باعتبارها عصر العرب البطولي الذهبي.
أما نموذج القومي الإسلامي مع محمد عمارة الذي كان في طور أول من تطوره الفكري ماركسيًّا يتخذ من التراث موقف أنصار المادية التاريخية وموقف لينين كما ذكرنا في البداية، فإنه بعد ذلك بعد تحوله للتيار الإسلامي أنكر كل ذلك. وهذا ذهب إلى استعادة صورة مثالية طوباوية للعصر الذهبي للإسلام ليس لها وجود أصلًا. بل ذهب محمد عمارة في أحد كتبه في سحب صفة العقلانية التنويرية على الحضارة العربية الإسلامية، فيقول محمد عمارة: “إن طابع حضارتنا المميز حيال العقل والنقل، فالذين وقفوا عند ظاهر النصوص دون إعطاء العقل مجالًا بالتأويل هم قلة في الحضارة والتراث، والذين رفضوا النقل كليًّا لا نلحظ لهم مكانًا في حضارتنا، فإن وجد لهم أثر فهو بلا شك أثر يوناني لا عربي، على حين أنا نجد أن التيار الغالب والطابع المميز في هذه الحضارة هو ذلك الذي ما زال يدور ما بين العقل والنقل والحكمة والشريعة.
هنا والكلام لطرابيشي نقف أمام الحذف، والحذف رفيق دائم لكل رؤية أيديولوجية للتاريخ.
خلاصة ما ذكرناه سابقًا أنه في كتاب مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة يوضح المؤلف جورج طرابيشي كيف أن التيار القومي تعامل مع التراث بأسلوب مشابه للماركسي، لكنه بمقاييس القومية. الهدف كان هو النقاء القومي لا الطبقي، وأن التيار القومي يرى التراث جسدًا ليخضعه لعملية جراحية، باستئصال الانحطاط بحسب رؤية هذا التيار، سواء في التراث العربي الكلاسيكي أو الإسلامي.
التيار القومي في العالم الإسلامي كما ذكرنا ينقسم إلى قومي علماني وإلى قومي إسلامي، والذين اعتبروا أن العرب تأثروا بالفتوحات واختلاطهم بالشعوب الأخرى، وأساءوا للغة والتراث عبر شخصيات مثل ابن المقفع والغزالي، ولذلك دعوا إلى العودة إلى الجاهلية كعصر ذهبي عربي بطولي، أي تطهير التراث من كل ما يرونه سمومًا دخيلةً.
أما التيار القومي الإسلامي مثل محمد عمارة فقد مر بمراحل تحولات كبيرة من الماركسية فأنكر المنهج المادي، وخلق صورة مثالية طوباوية عن العصر الذهبي الإسلامي، وحذف أي أثر للعقلانية والأنوار في حضارتنا.
نذهب الآن إلى خلاصة طرابيشي الصادمة. يقول مؤلف الكتاب إن كل الرؤى الأيديولوجية للتاريخ تميل إلى الحذف الانتقائي، وتحويل التراث من مادة للمعرفة إلى سلاح لصراع الهوية والقومية، مما يعرقل فهمنا الواقعي لتاريخنا وحضارتنا ويشوه وعينا الثقافي.
هل استطاع التيار العلمي النجاة من فخ الانحيازات الأيديولوجية المسبقة؟
عودة إلى كتاب “مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة” مع المذبحة النظرية التيار العلمي. بخلاف التيار الماركسي والقومي بتعبير المؤلف، يسعى التيار العلمي لأن يكون أكثر منهجية، وأيضًا يطمح إلى قدر أكبر من الموضوعية والمصداقية، والوصول إلى درجة أعلى في مقاربة الحقيقة التاريخية. ولكن المعروف أن المنهجيات العلمية قد تنقلب على نفسها إلى نوع من الأيديولوجيا عندما تغرق في الدوغمائية. ويرى طرابيشي هذه العبارة الهائلة أن “البراءة الأيديولوجية في حقلي الإنسان والتاريخ في الدراسات العلمية مستحيلة”. وأرى باعتقادي كقارئ لهذا الكتاب أن هذه العبارة عظيمة جدًّا، أن البراءة الأيديولوجية في حقلي الإنسان والتاريخ مستحيلة، فلا يمكن أن تضع أيها القارئ مسافة بينك وبين ما تقرأه وتنتقده، لا بد أن تكون هناك درجة من الانحياز والتماهي. ولكن السؤال هل هذا الانحياز واعٍ به أم لا؟
ونعود إلى جورج طرابيشي فهو يرى التعذر التام أن يكون الباحث بصحبة الدراسات التراثية منزهًا، ولا ينحاز إلى جهة ما أو تيار ما، وأن يدخل التراث بروح حيادية علمية. ويرى المؤلف أن الباحث في الغالب يكون مسكونًا بهاجس أيديولوجي، أو طغيان لاشعوري والتحكم في اللاوعي. وهذا ما يؤثر على تقديم النتائج التي يتم الوصول إليها.
ويقدم مثلًا بارزًا على ذلك هو دراسة الراحل حسين مروة عن النزعات المادية في الفلسفة العربية والإسلامية. فهو يرى -أي مؤلف الكتاب- أن هذه الدراسة تمثل نموذجًا متميزًا ومميزًا عن الدراسات المنهجية المسكونة بهاجس أيديولوجي متضخم. وفي هذا الفصل هناك نقد للتيار العلمي، يقف المؤلف أمام اسمين كبيرين هما زكي نجيب محمود ومحمد عابد الجابري.
يرى مؤلف الكتاب أن المفكر المصري الشهير أستاذ الفلسفة زكي نجيب محمود، في كتابه تجديد الفكر العربي، صوّر نفسه في صورة الابن الضال الذي عاد بعد قطيعة أهدر فيها وقته وجهده وماله المعرفي في الفكر الغربي، عاد إلى بيت أبيه الكبير التراث معلنًا توبته وندمه، وطالبًا منه الصفح والمغفرة. وبالفعل كان زكي نجيب محمود هو نفسه تحدث في الكتاب عن توبته المزعومة وعن قلقه بعد أن قطع من العمر شوطًا كبيرًا في صحبة الفكر الأوروبي. إنه لم يكن -بتعبير طرابيشي- إلا ابنًا ضالًا، فمشكلة زكي نجيب محمود الذي ساح كثيرًا في الفكر الغربي وفي نظرية الوضعية المنطقية، أنه حاول أن يزاوج برأيه بين الأصالة والمعاصرة، وأن يذهب إلى الماضي ليجد أجوبة عن أسئلة عصره. وهذا ما حدث في كتابه “المعقول واللامعقول”، فبدأ بالتنقيب في مؤلفات الغزالي وابن رشد وأبي حيان التوحيدي وغيرهم، ليزعم أنه قد يجد في هذه المؤلفات والكتب أجوبة في عصره. وما ذكرناه في أكثر من مرة أن أسئلة الأحفاد، والكلام لطرابيشي، لا يجيب عليها الأجداد.
وزكي نجيب محمود حاول أن يجد في كتب التراث أجوبة لأسئلة عصره، وهذا ما حدث في كتبه ومؤلفاته الأخيرة وفي الأيام الأخيرة في حياته أي زكي نجيب محمود.
أما ناقد العقل العربي محمد عابد الجابري الذي نقدناه في مشروعنا “نقد نقد العقل العربي” كما يذكر المؤلف، فإن العقل الأيديولوجي قد اخترق مؤلفاته -أي الجابري- تقريبًا كل هذه المؤلفات. ونعرف أن طرابيشي قام بعمل كتاب ضخم في نقد نقد العقل العربي كان ردًّا على الجابري، وهذا الحوار استمر فترة طويلة، حتى قال عنه طرابيشي إنه حوار بلا حوار.
فمثلًا من مواضيع الاختراق الأيديولوجي لمشروع الجابري، يرى طرابيشي أن الجابري كان غريبًا في أنه وصف ابن سينا ظلاميًّا، ويرى أن ابن حزم الأندلسي وغيره تنويريًّا، لأنه أراد، أي الجابري، أن يحدث فصلًا وهميًّا ما بين عقلانية مغربية وظلامية وخرافة مشرقية. أي إن الجابري تصور أن هناك صراعًا مغربيًّا ومشرقيًّا، فقام بإدراج بعض المفكرين التنويريين في جانب الظلامية كابن سينا، وإدراج بعض المفكرين الذين لا نستشف في كتاباتهم تنويريًّا مثل ابن حزم الأندلسي.
وفي كتابه الشهير، أي كتاب الجابري “تكوين العقل العربي” الصادر عام 1984، يبين طرابيشي العقل، تعامل مع هذا العقل الفقهي الكلامي والعقل الصوفي والعقل الفلسفي، ثم قام بتقسيم العقل العربي إلى هذا التقسيم الثلاثي تحت أنظمة معرفية هي البيان والبرهان والعرفان. ولكنه، أي عن الجابري، عندما انتقل إلى طور لاحق إلى نقد العقل السياسي العربي عام 1990، تخلّى عن هذه القسمة الثلاثية، واعتمد للعقل السياسي تفسيرًا معرفيًّا آخر رده إلى ثلاثية القبيلة والغنيمة والعقيدة.
وواضح لو كان البيان أو العرفان أو البرهان نظامًا معرفيًّا ثابتًا للعقل العربي، لكان العقل السياسي العربي خضع للتحديد نفسه. أما الانتقال من مستوى البيان والعرفان والبرهان في تفسير بنية العقل العربي إلى مستوى القبيلة والغنيمة والعقيدة في تفسير بنية العقل السياسي، فيعني أننا -والكلام لطرابيشي- لسنا أمام تحليل نقدي وعلمي قادر على الوصول إلى الحقيقة، وإنما أمام بنى ثابتة لعقل عربي كلي تتكرر في جميع العقول.
وأيضًا وصفه لإخوان الصفا -أي وصف الجابري- بالعقل المستقيل، ومن يطالع كتاباتهم ومؤلفاتهم يرى أن إخوان الصفا كانوا في أعلى مراحل النضج والعقلانية، وأنهم لم يكونوا عقلًا مستقيلًا.
ومن أخطاء الجابري الشهيرة، إصراره أن يرى الفكر الشيعي كله في سلة واحدة وشجرة واحدة وأنه فكر لامعقول، وهذا مما أدى إلى استبعاد إخوان الصفا والإسماعيلية وغيرهم من التيارات الإشراقية.
وأن تاريخ الفلسفة في الإسلام في رأي الجابري هو تاريخ استقالة العقل، وخاصة تاريخ الفلسفة في المشرق. فأين نذهب بالكندي والفارابي وابن سينا؟ وأيضًا وصفه لجابر بن حيان، الذي نعده أول فيلسوف مسلم بالمقارنة مع الكندي الذي كان أول فيلسوف عربي، وهو صاحب الرسائل المشهورة في الكيمياء وأول مؤسس للعلم العربي، فإن الجابري يضعه في خانة العقل المستقيل في الثقافة العربية الإسلامية.
أما إذا جئنا إلى إخوان الصفا فنراهم في محكمة الجابري متهمين بأنهم يمثلون العقل المستقيل، بالرغم من أن رسائلهم ونصوصهم فيها تمجيد هائل للعقل والفلسفة، وأيضًا اتهامه لابن سينا في ذلك. بينما يضع في خانة العقلانية كلًّا من فلاسفة المغرب من ابن طفيل وابن باجة إلى ابن حزم وابن رشد، متصورًا نزاعًا وهميًّا ما بين مغرب عقلاني ومشرق ظلامي.
وهو يرى، وهو غير محق في ذلك، أن تحديات العقل العربي هو أن ينجز قطيعة تامة ونهائية مع الروح السيناوية المشرقية -أي ابن سينا حسب تعبيره-.
وإذا كانت الطائفية اخترقت مشروع الجابري، فإن هناك أسوأ من الطائفية بتعبير طرابيشي، هي كراهية الآخر. والحال إنما الكراهية هي أسوأ من الطائفية، لأنها تعني عدم الاعتراف بوجوده أو بحقه بالوجود. ومثال ذلك وصفه للشيعة بالآخر، فالشيعة ما كانوا بالآخر، بل كانوا هم جزءًا مساقًا للحضارة العربية والإسلامية، بل هي الحضارة مثلها مثل السنة، وهي لهذه مع الأخيرة أي الشيعة والسنة دور كبير في بناء تلك الحضارة بل كانت شريكًا.
كيف أثرت التصنيفات الحدية للجابري على وحدة العقل العربي؟
خلاصة لما قلناه سابقًا في هذا الفصل الخاص بالتيار العلمي، يقف جورج طرابيشي عند حدود الموضوعية في الدراسات التراثية، مشيرًا إلى أن الباحث العلمي لا يمكن أن يكون بريئًا تمامًا من الانحياز، فحتى المنهجية العلمية قد تتحول إلى أيديولوجيا خفية عند غرقها في الدوغمائية أو الهوس بالتأكيد على نظريات مسبقة.
يطالب طرابيشي أن التيار العلمي، خلاف التيار الماركسي والقومي، بالموضوعية والمصداقية والبحث عن الحقيقة التاريخية، هذا المطلوب منه. لكن هذا التيار غالبًا يقع في فخ الهواجس الأيديولوجية التي تؤثر على تقييم النتائج.
فهنا طرابيشي يقدم أمثلة بارزة عن زكي نجيب محمود الذي حاول إيجاد إجابات لمشكلات عصره في كتب التراث، فحوّلها إلى أدوات لمواجهة أسئلة الحاضر، وهو ما أدّى بتعبير طرابيشي إلى خلط بين الماضي والحاضر.
أما محمد عابد الجابري فقسّم العقل العربي والفلسفة الإسلامية إلى تصنيفات صارت لاحقًا متناقضة عند تفسيره للعقل السياسي، فاستبعد تيارات كإخوان الصفا والإسماعيليين وقلل من مساهمة الفلسفة الإشراقية، مما حول التراث إلى أداة لتأكيد تصوره المسبق بدل فهمه العلمي.
الخلاصة الصادمة، حتى التيار العلمي بتعبير طرابيشي المعلن عنه كتيار موضوعي لا ينجو من المذبحة الفكرية، فهو قام بتوظيف التراث للتأكيد على التصورات وعلى المذبحة. فالمذبحة كان مسؤولًا عنها التيارات القومية والإسلامية والماركسية والعلمية، وهذا أدّى إلى تشويه وعينا الثقافي وأيضًا حدَّ من قدرتنا على فهم الحضارة العربية والإسلامية بصدق.
ما هو المخرج الحقيقي من أزمة القراءة الانتقائية لتراثنا المعاصر؟
عودة إلى كتاب مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة للمؤلف جورج طرابيشي. ولابد من الإشارة لشيء مهم، هذا الكتاب بين أيديكم 136 صفحة، كتاب صغير الحجم عظيم المحتوى، أو كما يقول المثل الشهير: كتاب صغير ومكير. لا يعني أن الكتاب لا يمتلك عدد صفحات هائلة أن لا نقوم بقراءته، فأهمية محتوى الكتب لا تأتي من عدد الصفحات بل من قيمة ما هو مكتوب.
في التراث -بتعبير طرابيشي- قامت مذبحة مسؤولة عنها هذه التيارات الأيديولوجية لأن هذه التيارات لم تتعامل مع التراث بعلمية، فقامت بتحريف التراث حسب رؤيتها. مثلًا محمد عمارة مرة قرأ التراث بعين ماركسية ومرة قرأه بعين قومية. وأما مفكرون آخرون كحسين مروة وتوفيق سلوم وسمير أمين وغيرهم، أسماء كثيرة ذكرت في الكتاب، نحن نتناول على وجه الإجمال، قامت بتعّسف قراءة التراث وفق رؤية ماركسية. فنحن نقرأ التراث بعيون الموتى لا بعيوننا العلمية نحن.
في خاتمة الكتاب، كتاب “مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة”، وهو كتاب صغير الحجم عظيم الفائدة. هذه المذبحة -بتعبير طرابيشي- لم تكن على المستوى المادي، بل كانت على المستوى المعنوي والمعرفي، في أن التيارات الماركسية والقومية والإسلامية والبراغماتية، وخاصة بعد جردة الحساب بعد هزيمة حزيران عام سبعة وستين، ألف وتسعمائة وسبعة وستين، قامت بإجراء عمليات مراجعة لهذا التراث لمعرفة أسباب الهزيمة والانكسار والانحدار. وبدل أن تكون هذه التيارات وأن تقوم بمراجعة علمية نقدية تخضع لظروف الزمان والمكان، فإنها كانت هذه القراءات والمراجعات أيديولوجية بامتياز. فمنها ما كان مغتربًا زمانيًّا ومنها ما كان مغتربًا مكانيًّا، وإنها حاولت زرع بذور مستوردة في جسد الثقافة العربية بالنظر إلى مناهج ماركسية وليبرالية وقومية حاولت تطبيقها على الواقع العربي دون النظر إلى خصائص هذا الواقع.
وأن الثقافة العربية المعاصرة -بتعبير طرابيشي- في لقاء، حوار مهم قال قبل رحيله، قال: إن الثقافة العربية المعاصرة ترضع من ثديين: الثدي السلفي والثدي الماركسي. وحتى التيارات التي دعت للمراجعة العلمية اخترقتها الأيديولوجية من أوسع أبوابها، لأنها وقعت في فخ الطائفية والكراهية والشمولية، ولم تقم بمراجعات نقدية علمية حقيقية. والحل -برأي مؤلف الكتاب- هو أن نضع التراث في سياق عصره، ولا نبحث فيه عن أجوبة لعصرنا، وأن نقوم بغربلة هذا التراث غربلة علمية نقدية حقيقية بدون تحيزات طائفية أو أيديولوجية. وأن لا نبحث -بتعبير طرابيشي الشهير- في تراث الأجداد عن أجوبة لأسئلة الأحفاد، فلكل عصر تحدياته وأجوبته.
وبالتالي فإن هذا الكتاب برأيي يعتبر مقدمة لكي نقرأ التراث قراءة نقدية علمية بعيدًا عن التحيزات الأيديولوجية والطائفية. كنا معكم مع كتاب “مذبحة التراث والثقافة العربية المعاصرة” للمفكر جورج طرابيشي.