Skip to content Skip to footer

الوصايا الكبرى: كيف حفظ القرآن جوهر الرسالات السماوية وأسقط الأحزاب الدينية؟

ما هي الوصايا التي أنزلها الله على أنبيائه؟ وهل ضاعت وصايا الأنبياء السابقين أم أنها محفوظة في القرآن؟ وكيف يقدم القرآن نفسه “مهيمنًا” على الكتب السابقة، بمعنى الحافظ لا المسيطر؟ وهل “تقوى الله” مجرد شعار ديني أم أنها منهج عملي لحماية المجتمعات من الفساد؟ نقاش ثري وإجابات متعمقة من د. يوسف أبو عواد في لقائه مع د. باسم الجمل في #بودكاست_مفاهيم، على #منصة_مجتمع

 

ما هي الوصايا التي ذكرت في صحف إبراهيم وموسى؟

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”، وكالعادة نلتقي الدكتور يوسف أبو عواد في توضيحاتٍ جديدة لسانية حول بعض المفاهيم القرآنية. دكتور، أهلًا وسهلًا بك.

يوسف: أهلًا بك وبالسيدات والسادة المشاهدات والمشاهدين.

باسم: في الحلقات السابقة، أو في حلقتين سابقتين تقريبًا، تحدثنا عن الكتاب ومفهوم الكتاب، والنزول الأول والنزول الثاني للكتاب. وتم التطرق إلى التدرج في التنزيل من الوصايا إلى الكتاب إلى الألواح إلى التوراة إلى الإنجيل. دائمًا يلفت الانتباه إلى لفظة “الوصايا”، التي لإبراهيم أو لكل الأنبياء تقريبًا. هل الوصايا تم ذكرها في القرآن؟ أو هل هناك آياتٌ توضح ما هي هذه الوصايا التي أُعطيت للأنبياء مثلًا؟ وخاصةً الوصايا التي ذُكرت في صحف إبراهيم وموسى.

يوسف: جميل جدًا.

باسم: وهل الصحف هي أيضًا جزءٌ من الوصايا أم هي جزءٌ من الكتاب؟ أو هل الكتاب تشكل أيضًا من الصحف أو من مجموع كل ما تم ذكره؟

يوسف: حسنًا، أهلًا بك دكتور وبالسادة المشاهدين مرةً أخرى. حقيقةً، نحن نسير كالعادة أولًا في تتبع الآيات، ترتيل الآيات التي تتحدث عن الموضوع. يعني، كنتيجةٍ أو كجوابٍ مباشر مسبق، أنا أرى فيما رأيته في تتبع الآيات القرآنية أن ما وصى الله به نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء مذكورٌ في نص القرآن الكريم. يعني، في آيات القرآن الكريم، وحتى مضامين التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وصحف موسى موجودةٌ في القرآن الكريم بالتتبع. يعني، القرآن لم يركن إلى أن يترك للناس عبء البحث التاريخي في ظل وجود ضوضاء واختلاط، هذا من الكتب أم ليس من الكتب، من التوراة أم ليس من التوراة، وإنما ضمّن هذه الموضوعات في القرآن الكريم على طريقة القرآن طبعًا وبلسانه العربي المبين، هذا هو الفرق.

باسم: يعني، القرآن حوى أو شمل في ذكره الوصايا، ويمكن تتبع الوصايا لأي متدبرٍ للقرآن، يمكن أن يجد هذه الوصايا ويمكن أن يستنبط ما كان شكل هذه الوصايا.

يوسف: وهذا الذي سنفعله الآن. نحن سنرتل الآيات التي تضمنت هذا لنثبت أن هذه النتيجة، كما قلت، فحتى لا يكون الموضوع مجرد رأيٍ شخصي، سنعزز هذا بالآيات القرآنية التي تتحدث عن هذا. ولذلك نحن قلنا: “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ…” (المائدة: 48). كنا قد قلنا دكتور في الحلقات السابقة إن الهيمنة هنا معناها الحفظ وليس السيطرة؛ لأنه لا يوجد صراعٌ أصلًا، الكتاب الأول هو الثاني.

باسم: ليس شيئًا أحسن من شيء.

يوسف: نعم، لأنها تُعرَض دائمًا -للأسف الشديد- تُعرَض في مجتمعاتنا اليوم وكأنها صراعٌ بين الكتاب القرآن الكريم، الذي هو الكتاب الخاتم..

باسم: مع الكتب الأخرى.

يوسف: مع الكتب السابقة. فهذه تزرع بذرة صراعٍ بين أبناء المجتمع البشري بطريقةٍ – صراحةً- مبتذلة وليست حقيقية، يعني استغلالية.

 

كيف فهمنا “هيمنة” القرآن على الكتب السابقة بشكل خاطئ؟

باسم: هي نتيجة إيمان البعض بأن هناك مجموعةً من الأديان وليس دينًا واحدًا، وبالتالي تم الاستنباط أن هذا الكتاب للدين هذا، وهذا الكتاب للدين هذا، وهذا الدين يعارض هذا الدين، ومجموعة أتباع هذا الدين ضد مجموعة أتباع هذا الدين، فظهرت هذه الفكرة أن الوصايا تختلف من مكانٍ إلى آخر.

يوسف: نعم، هذا التوصيف دقيقٌ جدًا. وكما قلت، استغلوا كلمة “هيمنة” باستخدامٍ ليس معناها، المعنى المباشر اللساني العربي المبين لـ”هيمن” ليس معناها سيطر، هذا استخدامٌ حديث، يعني يقول لك: الهيمنة على كذا معناها السيطرة. وإلا، “الهيمنة”، نحن لو رجعنا إلى المعاجم العربية التي كتبها أفذاذ اللغة، سنرى أن “الهيمنة” معناها الحفظ. إذن، يُقصد بهذا الكتاب من أهم أهدافه لما نزل: “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ”، يعني حافظًا، حافظًا عليه. هذا هو، يعني محافظًا على ما كان موجودًا في هذه الكتب. وهو اختير لأن يكون محفوظًا بعدما تعرض لما ذكرناه من التحريف عن مواضعه.

 

ما هو المعنى اللساني لكلمتي “شرع” و “وصّى”؟

يوسف: الآن، كما قلنا وكما ذكر الدكتور في المقدمة، أن التنزل بدأ بالوصايا، لذلك نوح لا نجد أنه أُنزل عليه كتاب كما شرحنا، أُنزلت عليه وصايا. طيب، في آية سورة الشورى المفتاحية في هذا الموضوع: “شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا…” (الشورى: 13). أولًا كلمة “شرع”، على طريقة محمد عنبر -رحمه الله- هي عكس “عرش”.

باسم: صح.

يوسف: نعم. العرش هو معناه بث القوانين الكلية النظرية لشيءٍ ما ليصبح تطبيقها العملي في الداخل. يعني، العرش يكون على الشيء من خارجه، يُشكل له نظامًا خارجيًا، شبكة، مثل شبكة، ثم هذا النظام إذا عكسته سيكون الانعكاس ما هو؟ التطبيق العملي الداخلي في داخل منظومة العرش هذه.

باسم: التشريع.

يوسف: بالضبط، فهذا معنى “شرع”. الآن، الدين، نحن كنا قد شرحنا أن الدين هو الجزاء، وهذه نقطة يجب تذكرها. ليس كل ما يظنه الناس اليوم دينًا، تجميع فتاوى، تجميع أقوال مذاهب، أقوال أحزاب..

باسم: ممارسة طقوس.

يوسف: نعم. ضموه كله تحت مسمى الدين وأخضعوه لسلطة التخويف التي تُمارس على الأطفال منذ الصغر في الصفوف الدنيا وإلى ما بعد ذلك. والحقيقة أن الدين هو ما ستشرحه هذه الآيات، وهو الدين الواحد كما تفضلت أيضًا دكتور، هو واحد، يعني لا يحتاج أصلًا إلى حوارات الأديان لأنه واحدٌ من الأصل ولا يُختلف فيه، وهذا ما سنتطرق له الآن.

طيب، “مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا…”. أيضًا نوضّح كلمة “وَصّى” توضيحًا لسانيًا عميقًا حتى يفهم الناس بعد ذلك ما سيأتي من الكلام. إذا بحثنا أيضًا في هذا الأصل اللساني، ونحن دائمًا نستخدم آلية الإرجاع إلى الثنائي ثم الانطلاق منه إلى الثلاثي، وهذه على فكرة آليةٌ تقترب الآن من أن تصبح مُحكمةً علميًا ومقبولةً في المجتمع الأكاديمي، وفيها كتبٌ مؤلفةٌ كاملة في الأصل الثنائي، يعني المعاني، الأصوات الأحادية. نعم، نحن نقول إنه ما زالت في مرحلة البحث والتدقيق، لكن الأصل الثنائي، يعني هناك كتبٌ مؤلفة تختص بهذا الموضوع، مثل الأب الدومينيكي وغيره ممن ألّف في هذا المجال. فأنت لو أخذت حرفي الواو والصاد مثلًا، “وَصَلَ”، و”وَصَى”، في كثيرٍ من المعاجم لو تبحث في لسان العرب وفي معجم ابن سيده وغيره من المعاجم، ابن فارس، تجدهم يقولون إن “وصى” قريية جدًا من “وصل” في المعنى، ولذلك قالوا سُميت وصية الأب لابنه لأنها كنوعٍ من التواصل بين الأجيال.

باسم: ونقل الملكية من شخصٍ إلى آخر.

يوسف: نعم، وأيضًا “وَصْيُ النبات” اتصال بعضه ببعض، يعني أنه يخرج من النبتة الأولى بذورٌ فتنتشر في الأرض، فينبت نباتٌ آخر حتى يمتد النبات وينتشر في الأرض، هذا هو “وَصْي النبات”.

باسم: هو حقيقةً عندما تفهم عندما تدقق في مفعول الوصية بين الناس، أن فلانًا يوصي فلانًا، وفلانًا يوصي فلانًا، وكأنه فيه عملية توصيل لمعارف، ضرورة الحفاظ عليها وضرورة استمراريتها في الأجيال القادمة، يعني في وصل.

يوسف: مئة بالمئة. وهذه الميزة هي ما ميزت البشر عن كل من سبقهم من الكائنات، وهذا الذي أتاح للبشر أصلًا خلافة الأرض وإعمارها. يعني، لو لم يكن هناك حفاظ على منجز الجيل الأول فرضًا ونقله للثاني، والثاني للثالث، كان كل جيل سيعيد صناعة العجلة. لكن ما يحصل هو أن الله مكن الإنسان من هذه القضية.

 

لماذا بدأت “الوصية” من عهد نوح تحديدًا؟

يوسف: وهنا لفتةٌ مهمةٌ جدًا، لماذا قال: “شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا…” (الشورى: 13)؟ لأن الوصية التي أُعطيت إلى نوح كأنها تواصلٌ بين الجيل السابق لنوح وقوم نوح ومن بعدهم ممن في عصره ومن بعدهم من الأقوام. لذلك نحن قلنا إن الكتاب والأنبياء لم يكونوا ضرورةً بشرية، يعني البشر بطبيعتهم التي خلقهم الله عليها ليسوا بحاجةٍ بالفطرة الأولى إلى أنبياء ولا إلى كتب. الانحراف الذي حصل، هذا الانحراف خرجت له نتائج، النتائج هذه جعلت من الضرورة الملحة أن تُنقل إلى الجيل اللاحق حتى لا يقع في مثل هذه الأخطاء، فبدأت الوصية من عهد نوح. وهنا لاحظ كيف تتكامل المعاني، نحن طرقناها من جوانب كثيرة.

باسم: وكأن الآية تقول إن الله وصى للناس من الدين كي لا يقعوا في الأخطاء التي وقع بها السابقون.

يوسف: مئة بالمئة. لأنه أيضًا هذه فكرةٌ مهمة، كثيرٌ من الناس يطرح الدين أو الكتب أو الأنبياء وكأنها جزءٌ لا يمكن أن يكون البشر عاشوا أو يعيشون بدونه، وهذا خطأ. البشر يعيشون بالفطرة السليمة، وقد عاشوا هذه الفترة من آدم إلى نوح بدون كتبٍ ولا رسل، عاشوا على الفطرة السليمة. وهذه تحل إشكالًا كبيرًا جدًا للمجتمعات البشرية اليوم التي لم يصلها الكتاب، إما على حقيقته أو لم يصلها أصلًا، لأن الناس يقولون لك: كيف سيعاملهم الله؟ يعني كيف يجري حساب هؤلاء الناس؟ عندك المعيار الأصلي والأول هو فطرة البشر الأولى. هذا هو.

 

لماذا هذه أهم جملة في كتاب الله؟

يوسف: طيب، “مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ…”. طبعًا، أنا اخترت هذه الآية لنبدأ بها لأنها تجمع الأنبياء من نوح إلى محمد عليهما السلام. ولاحظ: “مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ…”، يعني كأنه يقول من الأول إلى الآخر، ثم جاء بمن كان في الوسط: “…وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ…”، وقلنا إنه كان نقطة تحولٍ في تاريخ المجتمع البشري، “…وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ…”، باعتبار النزول الأول الذي أُنزل إلى موسى وعُلّمه عيسى.

خلاصة، هذه -أنا في وجهة نظري- أهم جملةٍ في كتاب الله، في القرآن الكريم. لماذا؟ لأنها القاسم المشترك الذي ركّز عليه النص بين كل ما أُعطيه الأنبياء من نوح إلى محمد مرورًا بإبراهيم وموسى وعيسى: “…أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ…”. انتهى.

باسم: جوهر الوصايا التي أُعطيت للأنبياء جميعًا.

يوسف: نعم.

باسم: “…أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ…”.

يوسف: وهذه تفتح بابًا كبيرًا جدًا للنظر والنقاش والمقابلة بما نحن فيه من واقع. ولذلك سنمسكها كلمةً كلمة. “أَقِيمُوا”، ما معناها؟ “أقيموا”، يعني نحن شرحنا هذا سابقًا، وهو اتخاذ الاتجاه المستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف، من “قَوْم”، “قَامَ يَقُومُ”، و”اسْتَقَامَ يَسْتَقِيمُ”، من مشتقات هذا اللسان العربي. و”الدين” معناه نظام الجزاء. يعني، بناءً على ماذا يحاسَب الناس؟ ما الذي يدين فلانًا أو لا يدينه؟

باسم: السلوك.

يوسف: يعني أهم مبدأ دستوري، بالضبط. طيب، الدين الذي ذكرناه، الدين عندما نرجع للآيات التالية هو الإسلام، طبعًا، الإسلام بمعنى كف الأذى. ثم قال: “…وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ…”. طبعًا الناس يسألون سؤالًا مهمًا جدًا، ويطرحون أيضًا طرحًا مهمًا، يقول لك: الاختلاف من طبيعة البشر، كيف تُلغي الاختلاف يعني؟ لا يصح لك أن تلغي الاختلاف وهو جزءٌ من طبيعة البشر، والتفرق أيضًا شيء سيحصل قطعًا بالنسبة للبشر. وطبعًا هناك فرقٌ دقيق بين الاختلاف والتفرق والتحزب، سنأتي إليه في النص القرآني. التفرق عادةً، دكتور، يؤدي إلى وجود فريق، معناها بالضرورة يوجد فريقٌ مقابل. هذا هو. وجود فريقٍ لا بد إذن أن يوجد فريقٌ مقابلٌ يخالفه، وبالتالي يحصل بينهما..

باسم: فُرقة.

يوسف: نوعٌ من الفُرْقة التي تؤدي في النهاية إلى صراع.

 

من هو “المشرك” في القرآن؟

يوسف: طيب، “…كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ…”. المشرك هو الذي له مصدران للاتباع، يعني لا يكتفي باتباع الله. واتباع الله، ماذا شرحنا؟ على طريقة النبي إبراهيم، هو أول من كرّسه تكريسًا عمليًا وتابعه بعد ذلك سائر الأنبياء، هو اتباع ما وضع الله من قوانين وسنن في السماوات والأرض. فإذا وضعت بينك وبين الله، لاحظ كيف التفرق يبدأ.

باسم: شريكًا أو معيارًا آخر.

يوسف: طبعًا، وأنا قبل أن ندخل إلى فكرة الشريك والشرك، أنبه مرةً أخرى، نحن إذا قلنا إن هذا شركٌ أو هذا كُفر، لا نقصد أبدًا ولا دخل لنا بمنهجيات التكفير والتشريك التي كانت موجودةً وما زالت في كثيرٍ من المجتمعات. لأنه هناك كثيرٍ من الناس يقول لك: “كفر” يعني حلال الدم، يعني حلال المال، يعني لا يُدفن في مقابر المسلمين، يعني يُستباح كل شيء. هذا أمرٌ لا نتبناه. أصلًا سياسة الحكم على الأشخاص بأن هذا كافر وهذا مشرك وهذا، هذا أصلًا لا نتبناه أبدًا. نحن نصف سلوكًا معينًا، أن هذا السلوك يصفه القرآن بأنه شركٌ أو كفر، معناها يجب أن يُعالج بما يناسبه، علاجًا اجتماعيًا تتولاه مؤسسات المجتمع، يتولّاه الجهاز القضائي وغيره من أجهزة المجتمع بالطريقة المنظمة التي سنشرحها، لأن القرآن فيه قواعد النظام الكبرى كما سنراها في الوصايا، لن نتجاوز الوصايا عندما نشرح النظام الكبير.

“…كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ…”. لماذا؟ لأن المُشرك من مصلحته أنه لا يكتفي باتباع الله، باتباع سنن الله وقوانينه والنظر إلى الشيء صافيًا. لا، هو يريد أن يسير الناس وراءه هو. شيخٌ مثلًا لفرقة، هو إمامٌ لحزب، هو مثلًا إمامٌ لمذهبٍ معين، فيريد أن يمشي الناس وراء ما يراه هو، فتصبح عقول الناس نسخةً عن عقله ويمنعهم من استخدام العقل في اتباع الله، الاتباع الحقيقي.

باسم: فيصبح شريكًا.

يوسف: فيصبح مفهوم الشرك الذي يبدأ بتفرقة المجتمع. نحن ننشد مجتمعًا موحدًا، موحدًا، أليس كذلك؟ موحدًا في ماذا؟ في النظام الاجتماعي الذي يحقق الأمن والسلم للناس.

باسم: نظام الاجتماع ونظام القضاء والجزاء.

يوسف: بالضبط. وليس في الآراء التفصيلية في مسائل أخرى. أعطِ للناس الأمن، وأعطهم السلم، ثم بعد ذلك دع لسائر العلوم أن تأخذ مسيرتها الطبيعية في التطور والنمو.

باسم: بمعنى، أنه يمكن الاستنتاج كالتالي: أن الفرق المتعددة الموجودة في المجتمعات الإسلامية، حتى المجتمعات بشكلٍ عام، والأحزاب التي تتخذ من الأصول الدينية منطلقًا للتميز عن المجتمع، أيضًا هي جزءٌ من التفريق.

يوسف: بالضبط. وهذه كارثةٌ كبيرةٌ جدًا. يعني أنت عندما تقرأ هذه الآيات، لا تفهم حقيقةً، لا تفهم كيف يخرج حزبٌ يقول للناس: “أنا حزبٌ إسلامي، وأنا أتبنى الإسلام ليكون حلًا لمشاكل المجتمع”، وهو في مجتمعاتٍ إسلامية، حتى لو كان في مجتمعاتٍ غير إسلامية وتتبنى السلم. لأن الإسلام كما قلنا، ليس نطقًا بكلمتين مثلًا، بالشهادتين..

باسم: وليس مجموعة طقوسٍ يمارسها أشخاصٌ محددون بلباسٍ محدد أو بطريقةٍ محددة.

يوسف: نعم، نحن دكتور، لا نتوانى ولا نستحي أن نقول إن الإسلام وصفٌ سلوكي قد ينطبق على عددٍ كبيرٍ جدًا من البشر في الصين والهند والسند وأوروبا وأمريكا وأستراليا.

باسم: وهذه عالمية الإسلام.

 

كيف تُعرّف “ملّة إبراهيم” من خلال مبدأ “أسلمت لرب العالمين”؟

يوسف: يعني، لاحظ في مكانٍ آخر: “وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ…” (البقرة: 130). ألم نقل إن الوصايا وصايا إبراهيم؟ من ضمن الوصايا في آية الشورى: “مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ…” (الشورى: 13). أليس كذلك؟ طيب، هل القرآن فصل في إبراهيم مثلًا، تحديدًا وحده، ما الذي وصّاه به؟ في سورة البقرة نجد: “وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ…” (البقرة: 130). “سَفِهَ نَفْسَهُ” معناها لم يعرف ما مصلحته. إذن، الآية لا تتحدث عن مسائل تحتمل الاختلاف وتختلف فيها العقول، تتحدث عن شيءٍ فيه وجودٌ أو لا وجود للإنسان. “…وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ” (البقرة: 130). طيب، ما هي الملة؟ “إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ” (البقرة: 131). أيضًا نتأنى ونقارن.

باسم: وكأن هذا الجزء من الآية أو هذه الآية تحدد ملة إبراهيم.

يوسف: وتحدد الدين الذي لا يجوز فيه التفرق. هو في الآية الأولى ماذا قال؟ “شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ…” (الشورى: 13). طيب، ما هو الدين؟ قال لك: “إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِـــ…”؟

باسم: “…لِرَبِّ الْعَالَمِينَ”.

يوسف: يعني، بذلت السلم لرب العالمين. طيب، هنا سؤال: هل المقصود “رب العالمين” بذاته؟ هو الله أصلًا هل شيءٌ يؤذيه حتى أقول: “بذلت السلم له”؟ لا.

باسم: أكيد لا.

يوسف: إنما “أسلمت”، يعني أسلمت لكل ما أوجده الله ووضعه ونظمه في الكون، فكففت أذاي وشري عنه. وهذا يشمل البشر والشجر والحجر والسماوات والأرض بكل ما فيها. هذا معنى إسلام إبراهيم لرب العالمين. ونقطةٌ أخرى أيضًا، أنه أسلم له بمعنى أنه سيأخذ كل معلوماته وفهمه لأي شيءٍ في الكون من خلال رب العالمين. كيف؟ لا يوجد تواصلٌ مباشر بين الناس وبين رب العالمين. لأنه قد يقول قائل: “بالوحي”. ما هو الوحي ليس عامًا للبشر. كيف يسير سائر الناس على الإسلام لرب العالمين، وأنت تتكلم عن زمن إبراهيم، وإبراهيم لم ينزل عليه كتاب؟ يعني، أنا أفترض أنني في زمن إبراهيم وأريد أن أقلّد أو أتبنى دعوته تبنيًا مباشرًا، وإبراهيم ليس له كتاب. ما الذي أفعله حتى أكون كما فعل إبراهيم؟ أسلم لرب العالمين؟ هو أليس قد نظر فيما يعبده قومه من الأصنام والكواكب والنجوم ثم قال: “…إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ…” (الأنعام: 79)؟ ما معنى “وَجَّهْتُ وَجْهِيَ”؟ اتجاهي هو للذي فطر السماوات والأرض. ذاتًا أم خَلْقًا؟ ذاتًا لا يمكن، لا يمكن لأحدٍ أن يتوجه لله ذاتًا، لأن الله فوق التصورات والعقول. إنما توجه لله بخلقه، بمعنى بالآثار التي أودعها الله في الكون دليلًا عليه. فمن يريد أن يسلم لرب العالمين، فعليه أولًا أن يتوجه إلى كل ما خلق الله، ثانيًا أن يسلَم هذا المخلوق، عاقلًا وغير عاقل، من شره.

ثم قال، هنا الشاهد: “وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ…” (البقرة: 132). هذه الوصية، نحن قلنا نريد أن نخرج مضمون الوصية.

باسم: صح، صح، صح.

يوسف: “وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ” (البقرة: 132).

 

ما الفرق بين “الدين” و”الإسلام”؟

باسم: يعني، حدد طريقتين. حدد أن الدين الذي اصطُفي، المبني على وصية إبراهيم وعلى السلوك الإبراهيمي السلمي في التعامل مع الموجودات، واختار طريقة الإسلام التي هي العلاقة التي هي سلمية العلاقة مع الأشياء الموجودة.

يوسف: بالضبط، مئة بالمئة. وهذه الوصية هي التي انتقلت، يعني هي التي كانت لنوح، الدين الذي لا تتفرقوا فيه. لأن السؤال: لماذا لا تتفرقوا فيه؟ نحن لا نتكلم عن أمورٍ يسع فيها الاختلاف. هل يُقبل، أنا لو أتيت بأي إنسانٍ على فطرته الطبيعية وقلت له: “هل تقبل اختلافًا في أنه يحق لأي إنسانٍ على وجه الأرض أن يفهم أي مسألة بأن ينظر بعقله دون أن يجعل عقلًا آخر حاكمًا ومسيطرًا عليه؟”. يعني، هل أنا ملزمٌ أن أبيع عقلي لأحد؟

باسم: بالتأكيد لا.

يوسف: لن يختلف اثنان في هذا.

باسم: وكأنه يمكن الاستنتاج من هذه الآية أو من الآيتين السابقتين أن الدين هو القاعدة الأصلية لملة إبراهيم، وأن السلم أو الإسلام هو طريقة التنفيذ لتثبيت الدين.

يوسف: نعم. لماذا؟ لأنه ذكر ملة.

باسم: المنهجية التي تُتخذ لتثبيت قاعدة الدين.

يوسف: صحيح. ربطًا بالحلقات السابقة، نحن عندما ذهبنا من الدين للملة، قلنا الملة هي تحول النظري إلى العملي. فلذلك ذكر كلمة “إسلام” عندما ذكر ملة من؟

باسم: إبراهيم.

يوسف: إبراهيم، لأنه بدأ يحول وينفذ.

باسم: إلى منهاجٍ عملي سلوكي.

يوسف: إلى منهاجٍ عملي.

 

هل اصطفاء “الدين” كان خاصًا ببني يعقوب؟

يوسف: طيب، وهذه الوصية تسلسلت. لذلك نقول: الدين واحدٌ مرةً أخرى. “وَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ…”. بنو إبراهيم الذين ذُكروا في القرآن هم إسحاق وإسماعيل ويعقوب، لأن يعقوب ذُكر بعده الأسباط، ولم يُذكر في القرآن الكريم نسلٌ لإسماعيل، وهذه قضيةٌ لها مكانٌ آخر في البحث.

المهم: “…يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ…” (البقرة: 132). وهذه نقطةٌ في غاية الأهمية دكتور. كثيرٌ من الناس، هنا الكلام طبعًا عن جميع المجتمع البشري. يعني، أنا أقول حتى لمن يقول إن إسرائيل هو يعقوب، بالله عليك تأمل هذه الآية: “…يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ…”. يعقوب يقول لأبنائه: “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ”. أنت لو قلت إن يعقوب هو إسرائيل، افترض أن كلامك صحيح، هل تقول إن الله خصّ بني يعقوب بالدين دون سائر البشر؟ لماذا طيب؟

باسم: بالتأكيد لا.

يوسف: أليس الله ربًا لكل البشر؟ إذن هذا الكلام الذي يقوله يعقوب، يقوله بحضرة كل المجتمع البشري الذي سينتشر بعد ذلك. ستقول لي: ما زلت في شك. أقول لك: سنكمل الآية التالية..

باسم: “…وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ…”.

يوسف: “…وَيَعْقُوبُ…”. أي يعقوب أيضًا وصّى.

باسم: ويعقوب. يعني يعقوب الذي قال “…يَا بَنِيَّ…”.

يوسف: بالضبط. لماذا يعيد؟ هو سيعيد نفس الجملة. “…وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ…”. ماذا قال؟ قال ما قال يعقوب، فاختصرت الآية كأسلوب القرآن..

باسم: اختصرت الآية صح بدلًا من أن يعيد القولين، صح.

يوسف: مئة بالمئة. فقال لهم: “…إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ…”. إذن، إبراهيم قال لإسماعيل وإسحاق: “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ”. لاحظ، ويعقوب قال لبنيه…

باسم: “…إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ…”.

يوسف: “…إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ…”.السؤال: من هم بنو يعقوب الذين تتحدث عنهم الآية؟ هل هم أبناء مثلًا إسحاق دون إسماعيل، أم كل البشر؟

باسم: قبل الدخول في هذه الفكرة، نركز على لفظة “اصطفى”. هل الاصطفاء يعني اصطفى شيئا من مجموعة أشياء، أم الاصطفاء بالكلية التامة؟

يوسف: الاصطفاء هو جاء أساسها أو جذرها اللساني “صَفَى”، ولكن وجود زيادة الهمزة والطاء تشير إلى الشدة والمبالغة في التصفية. هذا يشير إلى أن هناك اتجاهات من التديّن، وليس الدين، كانت موجودةً عند الناس، عندما انحرفوا عن الأمة الأولى، الأمة الواحدة. الآن، هذه المناهج، ما الذي يصفو منها ليصلح حياة البشر؟ هو الدين الذي هو الإسلام بما شرحنا.

باسم: يعني، تم اختيار الدين بآليته العملية التي هي الإسلام.

يوسف: نعم، كونه سيصلح حياة..

باسم: أو بمنهجيته العملية التي هي الإسلام.

يوسف:كونه سيصلح حياة الناس، وينسجم مع النفس البشرية، وينسجم مع رسالة عمارة الأرض وخلافتها. هذا هو السبب.

فقال لهم: “…فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ” (البقرة: 132). هذه الآية التي سنأتي لاحقًا وخُوطبت بها أيضًا الأمة في عهد الرسالة الخاتمة. لا يوجد فرق، نفس الكلام الذي وجهه إبراهيم لأبنائه ووجهه يعقوب لأبنائه، وجهته الرسالة الخاتمة لكل من تبعها. لاحظ الوحدة البشرية الموجودة في النص القرآني، والتي لا أدري كيف استُلبت فحولت إلى تقسيماتٍ عرقية للبشر وتفضيل. “…اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ…”، يعني أبناء يعقوب، وباقي الناس…

باسم: باقي الناس مع السلامة، ما لنا علاقةٌ بكم.

يوسف: غريبٌ حقيقةً.

 

ما إثبات أن وصية يعقوب لكل البشر؟

يوسف: طيب، “أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ…” (البقرة: 133). الآية التالية طبعًا. “أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” (البقرة: 133). الآية في غاية الخطورة. نحن قلنا يعقوب لمن يوجه كلامه: “…يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ…”. الناس يقولون: لأبناء يعقوب. صح؟ طيب، لاحظ الآية التالية: “أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ…”. جميل. “…إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي…”. طبعًا، العبادة قلنا هي ماذا؟ كلما سرنا في الحلقات دكتور، على المشاهد أن يربط المفاهيم السابقة بما نقوله، هكذا تتكامل وتنغرس المفاهيم، وفعلًا يتغير الفكر نحو النور ونحو التنوير. طيب، “…إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي…”، يعني ماذا تتبعون؟ العبادة قلنا هي الاتباع. ما الشيء الذي ستتبعه لتصل إلى الحقائق فتلتزم بها؟ هل ستتبع شيخًا، فرقة، حزبًا إسلاميًا كما يقال يعني بين قوسين، مذهبًا، طائفة، فرقة ناجية، لا أدري، سلفية، صوفية..

باسم: حركة صوفية، شيخ..

يوسف: نعم، مذهبية. “…مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ…”. هذا شاهدٌ مهم. “…إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ…”. إذن، يعقوب لا يتحدث مع أبناء يعقوب فقط من جهة إسحاق، هو يتحدث مع أبناء إسحاق وأبناء إسماعيل، الذين هم أبناء إبراهيم، الذين هم بنو إسرائيل، الذين هم بداية تشكل المجتمع البشري الذي أسرى برسالة الناس.

 

هل مفهوم “بني إسرائيل” يشير إلى عرق معين؟

باسم: نحن سبق وطرحنا مفهوم “بني إسرائيل” في حلقةٍ من الحلقات السابقة، مفهوم “بني إسرائيل”، وكان الحديث وقتها أن بني إسرائيل هم من المجموعة البشرية التي سادت من بعد إبراهيم.

يوسف: بالضبط.

باسم: وهذه المجموعة ربما بدأت عرقيًا بدايةً، لكن انتشارها أخذ انتشارًا مفهوميًا لسانيًا، أن كل شخصٍ يتطلع إلى البحث عن الله أو عبادة الله أو سار إلى عبادة الله هو أصبح ضمن هذا المفهوم السلوكي.

يوسف: صحيح. وحتى عرقيًا، النص ماذا أرجعها؟ “…ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ…” (الإسراء: 3). يعني حتى هي جميع البشر، ولكن الذين تبنوا الفكرة.

باسم: يعني ليس محددًا لمجموعةٍ محددة بالذات أو مخصصة.

يوسف: بالضبط. هو يفصل أنه “بني إسرائيل” أو ليس “بني إسرائيل” بناءً على تبني الفكرة وليس بناءً على عرقٍ…

باسم: أو انتماء قبلي أو انتماء…

يوسف: ولاحظ كيف تؤكد هذه الآية ما قلناه، مع الدمج مع الوصية، الآن تندمج المفاهيم كلها مع الإسلام، مع الدين، مع الملة. ماذا قال لهم؟ “أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ…”. مهمٌ جدًا التنبيه إلى ذكر إسماعيل في السياق وإسحاق أيضًا. إذن، يعقوب يتكلم مع كل البشر ويسميهم القرآن “بنيه”. هذا هو.

باسم: “بنيه” من تبنيهم للفكرة. يعني، يطلب منهم أن يتبنوا الفكرة التي يدعوهم إليها أو الوصية التي يدعوهم إليها.

يوسف: مئة بالمئة. ويرجعون إلى الجد الواحد الذي هو إبراهيم أيضًا. هذه الفكرة. يعني هم يرجعون إلى نفس الجد إبراهيم، فاعتبر إسماعيل أبًا لهم، مع أنه يقول لك: يتحدث مع أبناء يعقوب، يعني يعقوب هو ابن إسحاق، لأن الآية صرحت: “…فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ” (هود: 71). لكن هو عندما يتحدث أيضًا مع أبنائه يقول لهم إن إسماعيل أبٌ لكم. انظر كيف: “…قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ…”.

باسم: يعني ليس عمهم، ابن عمهم.

يوسف: وهذه الآية تلغي كل هذا التفريق العنصري بين البشر إلغاءً كاملًا وتعيد توحيدهم إلى الفكرة التي هي عبادة الله، وهي الوصية التي ذكرناها في: “…شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا…”.

لاحظ: “…فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ” (البقرة: 132). يعني هذا مبدأٌ من الحياة إلى الموت. لكن أنا أسأل مرةً أخرى كل من حشر وحصر مفهوم الإسلام والدين، أين التفاصيل الموجودة الآن عند المتعصبين المذهبيين أو الحزبيين الذين يتبعون أحزابًا تسمى إسلامية، أو الطوائف الناجية وغير الناجية، وسلفية وصوفية…

باسم: التسميات المختلفة.

يوسف: هذا الكلام، إذا كان الإسلام على مفهومهم هذا الضيق والمحصور والتفريق الذي خالف الوصية الأولى، إذا كان هذا هو، هل كان هؤلاء أبناء يعقوب، ويعقوب وإسحاق وإسماعيل وإبراهيم ونوح، كانوا علىى هذا الذي تقولونه أيضًا؟ يعني، كل هذه الأشياء التي جعلتموها مقدسة وأنها كلها في الدين وكلها في الإسلام، يجب أن يكون، إذا كان هذا هو الإسلام، أن يكون سار عليه يعقوب وأبناء يعقوب المخاطبون في الآية، وإسماعيل وإبراهيم ونوح.

باسم: بالضبط. يعني مجموعة هذه الأسماء، هذه الأسماء أو الفرق أو الأحزاب التي تتخذ من الدين منطلقاتٍ ضيقة، خالفوا الوصية الأولى.

يوسف: هذه أكبر كارثة، ليس فقط خالفوا…

باسم: قال لهم: “أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ…”. خالفوا وصية الأنبياء كلهم. قال لهم: “أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ…”. لم يقيموا الدين. وتفرقوا فيه.

يوسف: وكل واحدٍ يقول لك: “أنا صاحب الدين، وأنا صاحب الإسلام، وأنا صاحب عبادة الله وحده”. انظر كيف. هذه هي.

 

كيف يمكن تمييز “الفرقة” عن “الدين”؟

يوسف: طيب، كيف تعرف أنه فرقةٌ وليس هو الدين؟ الإضافات. هو يأتي فيضيف. مفهوم الدين كلمةٌ واحدةٌ فقط: الإسلام، أن يسلم كل من خلق الله وما خلق منك، وأن تتبع في الوصول إلى المعلومات ما وضعه الله في السماوات والأرض.

باسم: نفس مفهوم الحديث المنسوب للرسول الكريم: الإسلام من سلم الناس من يديه ولسانه.

يوسف: من لسانه ويده.

باسم: يعني بسيطٌ جدًا.

يوسف: مئة بالمئة.

باسم: هو وصفٌ سلوكي مهم.

يوسف: كل الزيادات التي تُقال بعد ذلك فتفرّق، هذه علامةٌ على أنك تنشئ الآن فرقةً أو حزبًا أو طائفة، فتخالف الوصية الأولى.

باسم: مخالفة عظيمة للدين، ومخالفة عظيمة للوصايا، ومخالفة أساسية لرب العالمين.

يوسف: مخالفة لمنهج جميع الأنبياء. وكما قلنا، التحدي أنك تحصر الإسلام في فهمك وفي فرقتك، إذن يجب أن يكون إسماعيل وإسحاق ويعقوب وأبناؤهم ساروا على ما تقول، وأنّى لهم بهذا. مستحيل.

باسم: وكأن هذه الفرق لا تقرأ القرآن أو تقرأه ولا تفهمه.

يوسف: شيءٌ عجيب، دكتور. التحزب استُخدم أحيانًا لأغراضٍ سياسية كما قلنا. يعني يقول لك: “أنا أتبنى الإسلام لحل مشاكل المجتمع”. طيب، وسائر المجتمع؟ يعني أليس مسلمًا؟ انظر كيف عمل فرقتين، فرق المجتمع فرقتين بادعاء أنه هو يمثل الإسلام وأنه هو حزبٌ إسلامي، وكأن غيره حزب كفري يعني.

باسم: نعم. ومجرد أن تقبل نفسك أن تفترق عن الآخرين، وبالتالي أنت ستضع الخطوات الأولى للعدائية تجاه الآخر.

يوسف: نعم. يعني لو أنه خرج مثلًا يقول: “والله أنا عندي فكرةٌ سياسيةٌ أو إداريةٌ معينة أتبناها”، هذا لا إشكال فيه. لكن يخرج كأنه هو الذي يمثل الدين والإسلام، معناها كأنه يقول للناس بطريقةٍ غير مباشرة: الآخرون ليسوا على الدين ولا على الإسلام.

أي دين؟ إذا كان الدين الذي أوصى الله بألا نتفرق فيه، الذي هو الإسلام، فهو جملةٌ بسيطة…

باسم: يعني هذه الآية تصلح أن تكون حكمًا يُحكم بالزيف والخلل والخطل على كل الفرق التي تدعي أنها تمثل الإسلام.

يوسف: بل يُحكم عليهم بأنهم يضعون بذرة تفريقٍ وتشتيتٍ وهدمٍ للمجتمعات.

باسم: وكيف سمحت المجتمعات لمثل هذه الفرق أن تنطق باسم الإسلام وهم مخالفون لأهم الوصايا الموجودة في النص؟

يوسف: ما هو مُهِّد لهذا بأن يُجعل بين الله وبين الناس شركاء. ألم نقل: “…كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ…”؟ هؤلاء الذين دخلوا بين الناس وبين الله وصوروا للناس أنه ليست النجاة إلا في اتباعهم وطريقهم، أو على الأقل طريقهم هو طريق النجاة والأسلم، والباقي على خطر.

باسم: أنا أستعجب أن هذه الآية موجودةٌ منذ 1450 سنة، ولحد الآن هذه الآية وكأن الناس لم تفقه ما تقرأ، وتُقرأ ليلًا نهارًا، الوصية واضحة: “شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ…”. يعني كلامٌ بسيط، لغةٌ واضحة، بينة، عربية، كاملة.

يوسف: صحيح.

باسم: ولكن الذي صار سلوكٌ معاكس كليًا.

يوسف: والله يا دكتور، الذي صادر حرية الناس في النظر في السماوات والأرض، هل سيصعب عليه أن يصادر حق الناس في النظر في الكتاب؟ لا، هو خلاص، من أقنع الإنسان أن يبيع عقله ويسلمه لغيره، لن يصعب عليه منعه أن ينظر فيتفكر في السماوات والأرض. سيقول له: حتى النص، أنا أفسره لك وفق مذهب فلان ومذهب فلان، ووفق رؤية الحزب الفلاني والطائفة الفلانية.

باسم: حتى أنهم ألفوا أحاديث عن النبي وقالوا إنه: تفترق أمتي على كذا وعلى كذا. اليهود سبعين، ونحن واحد وسبعين واثنان وسبعين… معقول! وهذا كله مضاد، وكله يتعارض نصًا وروحًا وفهمًا مع ما تقوله الآيات.

يوسف: تعرف دكتور، حتى ننبه إلى نقطةٍ مهمة، يعني أئمة المذاهب مثل الشافعي وأبي حنيفة ومالك كانوا دائمًا يقولون: “لا تأخذوا كلامنا مقدسًا”، حتى كانوا ينهون عن كتابة كلامهم. يعني كلام الشافعي ومالك، الكلام الخاص، وكلام أبي حنيفة، كُتب بعد ذلك، والناس قدسوه، وهو كان يتحدث بأحكامٍ خاصة في زمنٍ خاص لأشخاصٍ في ظروفٍ خاصة. حولوا كلامهم إلى تقديس.

باسم: ولا أظنهم كانوا يدعون إلى الفرقة أو لتشكيل أحزابٍ.

يوسف: أبدًا. يعني عندما تقرأ سيرهم، هم أنقى وأرقى من هذا. المشكلة في الأتباع الذين حولوا هذه الأشياء إلى مقدسات، ووصلنا إلى درجة أنه كان في المسجد الحرام أربعة محاريب، لكل مذهبٍ محراب. وفيه بعض الناس يحاول إحياء هذا أيضًا في هذا الزمن، وبعض الناس أحدث طريقةً جديدة للتحزب والتفرق باسم السياسة؛ أنه “التحزب لأنه نحن في السياسة سنمثل الإسلام”. هو الإسلام فكرةٌ بسيطة. ما الإسلام الذي ستمثله؟ سؤال: ما هو الإسلام؟ هل عندك إسلامٌ غير الذي عند باقي المجتمع؟ يعني، كيف تقول: “أنا حزبٌ إسلامي”؟ ما معنى كلمة “حزب إسلامي”؟

باسم: لماذا تقزِّم الإسلام على قدر مجموعةٍ من البشر؟

يوسف: أليس هذا هو التفريق المخالف؟

باسم: تفريقٌ وتقزيم.

يوسف: خالفت الوصية الأولى، وبعد ذلك تقنع الناس بأنك على صواب، ويجب أن يتبعوك. حقيقةً، أمرٌ غريب. يعني، هذه وصية إبراهيم شرحناها من سورة البقرة، الوصية العامة من سورة الشورى.

طيب، “وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ…”. ولاحظ القرآن الكريم كيف، دقيقٌ جدًا وأتاك بكل ما هو موجودٌ في الوصايا الأولى.

 

هل يختلف البشر على الوصايا العشر؟

يوسف: في سورة الأنعام، آيات الوصايا العشر المعروفة التي كنا قد مررنا عليها في حلقة الصراط المستقيم، التي هي، يعني نحن لن نحللها لسانيًا تحليلًا كاملًا، لكن نذكر: “قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا…” (الأنعام: 151). القاعدة الكبيرة: لا تجعل بينك وبين الله واسطة، الله افهمه من قوانينه. “…وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا…”. سؤالي أنا: هل يختلف البشر في هذا؟ هذا السؤال، لأنه سأعطيك الآن ما يدل على أن هذه الوصايا، إذا أردت أن تفصِّل الدين كمبادئ، لن تجد بعد هذا شيئًا. “أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا…”، هل هناك خلاف؟ المشكلة سيقول لك بعض المجتمعات البشرية تخالف في هذا. قد تكون المخالفة عبارةً عن كلامٍ نظري. هل هناك من البشر اليوم من يرى أنه يجوز مصادرة حق الإنسان في النظر والبحث عن الحقائق كما هي موجودة في السماوات والأرض؟ هذا يختلف عليه الناس؟

باسم: بالتأكيد لا.

يوسف: هذا هو التوحيد. طيب “…وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا…”، هل يختلف الناس أن الإحسان إلى الوالدين فضيلةٌ كبرى؟

“…وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ…”، النهي عن قتل الأولاد، هل يختلف فيه الناس؟

باسم: بالتأكيد لا.

يوسف: طيب، “…وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ…”. مع تذكيرٍ بالفواحش، الفواحش هي العلاقات الجنسية التي لا يوجد عليها أي تثبيت، يعني ليست مثبتة. إذا نتج عنها أي إنجابٍ مثلًا، أين نذهب بالأولاد؟ لقطاء، فيعيشون حياةً تعيسةً جدًا. هل يختلف البشر في هذا؟ ولا دولة في العالم تخالف في هذا. “…وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ…”. ووضع لك “الحق” لأنه كأنه يحيل المسؤولية على البشر، أنتم في كل زمانٍ يجب أن تكون هناك هيئات قضاء ومحلفين ليعرفوا هل هو حقٌ أم ليس حقًا. هل يختلف الناس في هذا؟

باسم: بالتأكيد لا.

يوسف: “…وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ…”. يعني اليتيم هنا يُفهم بمعناه الواسع، كل إنسانٍ ليس له القدرة على إدارة ماله. هل يختلف الناس أنه لا يجوز التعدي على مال هذا الإنسان الضعيف؟ لو سألت أي إنسانٍ في روسيا والهند وأستراليا أو أوقيانوسيا والصين والهند، هل يختلفون في هذا؟ “…وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ…” (الأنعام: 152).

باسم: نفس العملية.

يوسف: أعطني دولة في العالم تتبنى أنه يجوز التطفيف في المعايير..

باسم: والغش.

يوسف: وإلغاء مبدأ الكفاءة ومبدأ العدالة.

“…وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا…”، هل يختلف أحدٌ في هذا؟ “…وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا…”. “وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا…” (الأنعام: 153).

الآن الشاهد الذي أريده في هذه الحلقة: “ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا…” (الأنعام: 154). دكتور، في الآيات الثلاث، يوجد ملفت مهم جدًا، ماذا كان يختم كل آية؟ “…ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ…”. لماذا؟ لأنه جزءٌ من الوصية الأولى. هذا تفصيل. إذا أردت تفصيلًا للإسلام، لا بأس، من أين نأخذ هذا التفصيل أو التبيين؟ ها هو في الكتاب.

باسم: يعني الوصايا التي وُصّيَ بها نوح وإبراهيم وعيسى وموسى هي موجودةٌ في النص في القرآن، واضحةٌ أمام الناس.

يوسف: لا تحتاج إلى مذهب.

باسم: لا تحتاج لمذهبٍ ولا شيخٍ يفسرها لك، ولا تحزيب.

يوسف: ولا إنشاء حزبٍ تجمع له ملايين أو مليارات من الناس أنه: “أنا سأعيد الإسلام إلى حياة الناس”. هذا كله عبارة عن افتراء وكذب.

طيب، إذن “…ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ” (الأنعام: 151)، “…لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” (الأنعام: 152)، “…لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (الأنعام: 153). بعد ذلك قال لك: “ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ…”. ماذا تفهم؟ أن هذه الوصايا هي التي سبقت مرحلة نزول الكتاب.

باسم: صحيح.

يوسف: لذلك قال: “ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا…”. فلو تريد شرحًا للوصايا، ما هو الدين القيم الذي لا تتفرقون فيه، ما هو الإسلام، ها هو. لا تزاود على هذا، كائنًا من كنت.

باسم: يعني هذه هي الوصايا التي شكلت جوهر الكتاب الذي أُوتي لموسى.

يوسف: مئة بالمئة. العجيب يا دكتور في هذا السياق في سورة الأنعام، عندما تكمله ماذا تجد؟ “مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ” (الأنعام: 160-161). إذن، يعود لك فيربطه بالدين الذي هو قيم، “دِينًا قِيَمًا”، ما هي القيم؟ السلوكات المستقيمة التي ذكرها في هذه…

باسم: هي الوصايا.

يوسف: طيب، وبعد ذلك قال لك في نفس السياق في سورة الأنعام: “إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ” (الأنعام: 159).

لا هو ولا كل الأنبياء الذين سبقوه. وهذا تحذير شديد اللهجة لكل المستمعين الذين يسمعوننا بعقولهم طبعًا وليس بالتقليد، يا جماعة، الذي يسير وراء هذه الأحزاب والفرق والطوائف فيتعصب لها، خرج عن أن يكون متبعًا لجميع الأنبياء.

باسم: مخالفٌ للوصية الأولى أو لجوهر الوصايا.

يوسف: وتفاصيلها التي بينتها هذه الآيات. هذا بعدما نحن سألنا، لو هذا السؤال نريد أن نعمل استبيانًا فنطرحه على جميع البشر العقلاء في العالم، الوصايا عشرة هذه، هل يختلف فيها الناس كما شرحنا؟ لا.

طيب، إذا أضفت لي مبدأً الآن، ستضيف لي شيئًا جديدًا، تقول لي: “والله أنا أريد أن أعمل حزبًا، هذا الحزب إسلامي وسيفعل كذا وكذا وكذا”. أضفت على هذه الوصايا ففرقت المجتمع، صار ناسٌ مع حزبك الذي تزعم أنه إسلامي وناسٌ مع باقي المجتمع. هذا التفريق، هل منبعه حقٌ أم باطل؟ أم مخالفة للوصية الأولى؟

باسم: كونه تفريقًا، معناه أنه باطل.

يوسف: لا يحق لأحدٍ أن ينشئ حزبًا يسميه “حزبًا إسلاميًا” يتبنى أكثر من هذه الوصايا عشرة. هذا نهاية الأمر، هذه نهاية الوصايا. انتهى.

ثم “إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا…”. ثم هذا “قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ” (الأنعام: 161). يعني سياقات القرآن والله عجيبةٌ جدًا وواضحة لما تبحث.

باسم: يعني، قيم الدين هي نفسها الوصايا؟

يوسف: هذه الوصايا عشرة. هذا السياق، هذا نحو النص يا دكتور، نحو النص، أنه أنا عندي كلمة “قيم” وكلمة “قيم” لم توضح في الآية نفسها، إذن هو يحيل إلى ماذا؟ إلى ما سبق. عندما يقول لك: “إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا…” (الأنعام: 159)، في نفس سياق سورة الأنعام، فرقوا دينهم عن ماذا؟ عن هذه الأشياء، وكانوا شيعًا، فأضاف، أشياء، فيتفرق الناس. انظر كيف أضاف على ما قاله الله.

 

لماذا نهى الرسول عن كتابة أفعاله وأقواله؟

باسم: هو فعلًا الزيادات التي زيدت على هذه القيم، وعلى هذه الوصايا، فعلًا هي التي أحدثت شروخًا في المجتمعات.

يوسف: طبعًا.

باسم: جعلت من يوافق وجعلت من لا يوافق، وبالتالي صارت فروقاتٌ بين المجتمعات في المجتمع الواحد.

يوسف: بالضبط. بعد ذلك يقول لك: “لا، تفاصيل الإحسان للوالدين، تفاصيل لا تقربوا مال اليتيم…”. هو يحيلها للمسؤولية الاجتماعية الإنسانية. في كل مجتمعٍ، في كل زمن، تخرج القوانين الفرعية بما يتناسب مع ضبط هذه الأمور، وليست هناك تفاصيل مقدسة غير هذا. ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام نهى أن يُكتب ما كان يقول وما كان يفعل، لماذا؟ لأنه كان يقوله لظروفه ولأناسه الذين معه، آلية تنفيذية. قال لهم ماذا بعد كتاب الله؟ هذا الكتاب الأصل موجودٌ عندك، أنت فرِّع من القوانين ما يناسب زمنك. ويأتي جيلٌ لاحق فيرى أن هذه القوانين تحتاج إلى تجديدٍ لاختلاف الظروف وإلى غير ذلك. يعني الموضوع حقيقةً واضحٌ وضوح الشمس.

 

ما هي الوصية الخاصة التي أُعطيت لعيسى؟

يوسف: عيسى، ما الوصية التي أُعطيها عيسى؟ قال.. لاحظ: “وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا” (مريم: 31-32). لماذا ذهبنا لعيسى؟ نحن تعهدنا أن نأتي لتفسير الآية بالآيات الأخرى: “شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ…”. ذكرنا ما الذي وُصي به إبراهيم، هل اختلف شيء عن المبدأ الكبير؟ ذكرنا ما الذي وصّي به موسى. أعطاك تفاصيل قبل موسى.

طيب، عيسى الآن، ما ذكره في عيسى؟ لأن عيسى، كما قلنا، ورث كل ما كان في عهد موسى من كتاب، لكن ماذا أضاف له؟ “…وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا…”. بعد كل هذا يا دكتور، أوصاه بالصلاة. لماذا؟ لأن الصلاة هي سلوك محاسبة النفس وتهذيبها، ومراجعة الأمور بينك وبين نفسك: هل أنا خرجت عن الحيز الاجتماعي الذي تدعو له الآيات؟ هل ساهمت في التفرق؟ هل أضفت؟ هل زدت؟ هل التزمت بهذه القيم المستقيمة التي لا يختلف فيها الناس أم لا؟

باسم: وكأن النبي عيسى كان يراجع نفسه في سلوكه، أنه “هل مازلت منضبطًا ضمن هذه الوصايا التي أُعطيت للنبي عيسى والنبي موسى وإبراهيم ونوح؟”

يوسف: نقول إنه وصل المجتمع البشري في عهد عيسى إلى الحاجة إلى هذه -إن صح التعبير- الرياضة الذاتية التي يراجع فيها الإنسان أفعاله، فيكون حكمًا على نفسه. لأنه في الأول كان الإركان كله على الأنبياء وعلى المجتمع. الآن، بين موسى وعيسى نحن قلنا إنه كان هناك نبيون يسوسون البشر في هذه الفترة.

باسم: لكن نلاحظ هنا في الوصية: “…وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا…”. يعني توصيةٌ ذاتية، وكأنها ذاتيةٌ للشخص نفسه، للنبي عيسى ذاته.

يوسف: هي الوصية نُقلت إلى غيره. يعني نحن سنأتي لنذكر أن موضوع الصلاة والزكاة هو موضوعٌ أُوصي به في جميع الوصايا، لكن هذه هي الأمور التي تتعلق بالنفس، جعلها النص أو جعلها الترتيب الرباني في النهاية. الآن، تعرف طريقة شرح الإسلام أنها تجعل في البداية… الآن، في كل ما هو دارج، لو تدرجنا من الوصايا مرةً أخرى، نظرنا نظرةً شمولية، الذي بُدئ به ما هو؟ أولًا: القيمة الفكرية العقلية العليا، وهي: ماذا أتبع؟ وما الذي أسير عليه؟ ومن أين آخذ قيمي ومبادئي؟ ثم أعطاك التفاصيل القيمية الأخلاقية الاجتماعية الكبرى، عشرة. وأخيرًا قال لك: أنت بينك وبين نفسك..

باسم: أنت حكمٌ على ذاتك.

يوسف: نعم، قم بالصلاة وقم بالزكاة لتراجع هل أنت… طبعًا، الصلاة، ننبه هنا كبداية، أن الصلاة ترجع إلى الأصل اللساني “صَلَى” وليس “وَصَلَ”، “صَلَى”. و”الصَّلْيُ” هو وضع الشيء في الحرارة لإعادة إقامته إذا حصل فيه اعوجاج. فأنت تضع مثلًا عود الحديد في النار إذا حصل فيه اعوجاج..

باسم: تقوم بعملية تقويم.

يوسف: فيلين، فتقوم بتقويمه. إذن هي شيءٌ… طيب، التفاصيل التي أُضيفت ففرقت الناس، القرآن منها براء، براء من التفرقة أقصد. أنت اخترت طريقةً مثلًا في الصلاة، اخترت طريقةً معينة، ورأيت أنها تعطي نتيجةً معك، “تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ…” (العنكبوت: 45)، وتؤدي فعلًا إلى تذكيرك وتقويم سلوكك، ممتاز. لكن لا تجعلها وسيلةً للتفريق بين الناس، فتصبح تقول: “أنت صلاتك باطلة”، و”إذا بطلت صلاتك كفرت”، و”إذا كفرت طُلقت منك زوجتك”، و”إذا دُفنت لا تُدفن…”. عجيب! هذه التفاصيل الكثيرة. والزكاة هي الزكاة بمفهومها الكبير.

باسم: تزكية الذات.

يوسف: تزكية الذات بما يؤدي إلى التطوير. يعني الصلاة تقويم والزكاة تنمية.

باسم: تنمية.

يوسف: نعم، فلا يكفي أن تصلي، عليك أن تتعلم مثلًا في كل يومٍ مهارة، تكتسب في كل يومٍ شيئًا ينميك، ثم تتزكى على مجتمعك بمعنى تنقل هذه المهارات وتفيد منها..

باسم: حتى تصبح فاعلًا في المجتمع وذا قيمة.

يوسف: نعم. ولذلك جاء هذا في عهد عيسى عليه السلام، لأن تحقيق الوصايا الاجتماعية وتوصيلها وتوصيل فكرتها للمجتمع البشري كان قد تم. خلاص، انتهى الأمر. الآن بقي أمرٌ، أنه أيها الفرد، عليك أن تتحمّل من الآن فصاعدًا مسؤولية ذاتك، تحاسب نفسك وتنميها تطويرًا ذاتيًا، ولا تبقى تركن على وجود أنبياء ووجود… يعني…

باسم: هل يمكن الاستنتاج أن الوصية التي خُصصت للنبي عيسى وكأنها هي وصيةٌ لكل فردٍ بشري؟

يوسف: نعم، هي وصيةٌ لكل فردٍ بشري، وهي تحيل من تحمل المسؤولية الاجتماعية، طبعًا بدون إلغائها، لكن تجعل على الفرد الآن مسؤوليةً ذاتية لأنه بقي..؟

باسم: بعد أن فهم ما هي الوصايا.

يوسف: مئة بالمئة. ولذلك هنا تكامل الكتاب تكاملًا نهائيًا في عهد عيسى عندما نزل الإنجيل، وسنأتي إلى ذلك. فلما نزل الكتاب الخاتم، ضم كل هذا. هذا حفظ لنا كل هذه المفاهيم.

 

كيف يمكن أن يتحول “ما رُوي” إلى وسيلة للخروج عن الدين؟

يوسف: طبعًا سيكون لنا إن شاء الله حلقاتٌ مفصلة لموضوع الصلاة والزكاة نرتل فيها جميع الآيات، لكن المبدأ العام، لأن الناس يسألون عن هذا كثيرًا ويقولون لي: “طيب، هو رُوي..”. إذا جعلت من كل ما رُوي وكل ما قاله الفقهاء وسيلةً للتفريق، فقد خرجت عن الوصية الأولى وخرجت عن الدين القيم. اعتبرته اختيارًا ذاتيًا..

باسم: الآية واضحة ليست بحاجة لكثير من الجهد لتكتشف أن الوصية الأولى تم مخالفتها من كل من اتبع الإسلام، للأسف.

يوسف: للأسف الشديد، للأسف الشديد.

 

لماذا كرر القرآن وصية الإحسان للوالدين؟

يوسف: طبعًا، الوصية بالوالدين تحديدًا، نجد القرآن الكريم أكد عليها من بين الوصايا، لأنه، أنا أقول، إن هذا يعني أضعف نقطةٍ اجتماعية. الوالدان بطبيعتهما عادةً وبالفطرة يهتمان بالأبناء، لكن اهتمام الأبناء بالوالدين يحتاج فعلًا إلى وصية، لأن الابن عادةً ما ينسى إذا كبر وانشغل بأهله وأولاده وكذا. فلذلك كررها القرآن في أماكن عدة: “وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ…” (لقمان: 14). “…وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا…” (لقمان: 15). و”…حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا…” (الأحقاف: 15). إذن، هذا سبب الوصية بالوالدين.

 

كيف تلخص وصية “اتقوا الله” كل الوصايا؟

يوسف: طيب، الآن، هل هذه الوصية وصلت لكل الذين أوتوا الكتاب؟ وصايا نوح وإبراهيم ويعقوب وموسى وعيسى. يقول لنا القرآن الكريم: “وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ…” (النساء: 131). نعم، الآن “التقوى”، كلمة “تقوى” هنا غير مشروحة.

باسم: يعني غير مشروحة، وكأنه هنا..

يوسف: أحال إلى ماذا؟

باسم: الهدف الأسمى لكل هذه الوصايا هو اتقاء الله.

يوسف: تمام. الآن، “اتقى” جذرها اللساني “وَقَى”، والوقاية معروفة. الوقاية، تتخذ واقيًا يحمي من شيءٍ ما. من ماذا يحمي؟ أنا عندما أتقي الله، طبعًا دكتور، لا نريد التصور… خلاص، أعتقد أن الناس بدأت تفهم، ليست القضية قضية أنه تتخيل أن الله شغوفٌ بالرعب وترهيب الناس وتخويفهم، لا. عندما يقول لك “اتق الله”، يعني “…قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ…” (التحريم: 6). لاحظ الآية الأخرى: “قُوا أَنفُسَكُمْ…”، “قوا” فعل أمرٍ من “وقى”، نفس الفعل الموجود في كلمة “اتقوا”.

باسم: احم نفسك.

يوسف: “…نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ…”. طبعًا يذهب الفكر التقليدي فيبدأ يقول لك: “النار عمقها كذا، والنار فيها درجات كذا وكذا…”. والحقيقة أن النار التي وقودها الناس والحجارة هي أن مخالفة الإسلام بمعنى الاعتداء على الخلق، سواء كانوا عقلاء أو على حتى غير عقلاء من الجماد..

باسم: أو على الطبيعة يفسدها.

يوسف: والطبيعة، وعلى السنن والقوانين، سيدخل الناس في حالةٍ نارية، في حالة غضب، لأنه أنت صرت عكس اتجاه النهر الكوني. الآن كل شيءٍ سيكون في حالة غضبٍ وفي حالةٍ نارية ضدك. فأنت حتى تحمي نفسك من الوقوع في الكوارث والمشاكل، لا تخالف سنن الله وقوانينه في الوجود، ولا تعتدِ على أحد. هذا معنى “اتق الله”.

باسم: نلاحظ أيضًا، عفوًا يعني استطراد، أنه حتى المجتمعات عندما يكثر الظلم فيها، هي تمارس محاولة اتقاء الله برد الظلم بطريقتها خاصة.

يوسف: لأنها وصل لها نار.. نار هذا الظلم بدأ يصل إلى الناس شيئًا فشيئًا. فأنت كأنك تحمي نفسك من ماذا؟ من هذه النار، تريد أن تضع وقاية لتحميك من هذه النار التي نتجت عن مخالفة السنن والقوانين الطبيعية.

فكلمة “اتقوا الله” هنا، “وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ…”. أريد تفسيرًا لـ”اتّق الله”، ولكن لا أريد هذا التفسير بأن يكون بتحكم شيخ أو إمام مذهب أو صاحب فرقة، كيف؟ أرجع إلى الذي وصّى الله به الذين أوتوا الكتاب من قبلنا. ما شرحناه: “…أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ…”..

باسم: يعني هذه دعوةٌ دائمةٌ قائمة أفرادًا ومجتمعات، أن تظل دائمًا في صحوةٍ تامة للبحث عن الفساد والأخطاء التي تُمارَس، والمظالم التي تُمارَس في المجتمعات، قبل أن تستفحل ويصبح الظلم عامًا أو قبل ما يخرجوا عن التقوى.

يوسف: تكويها النتائج النارية للمخالفة. الأمن الوقائي الآن، أليس جزءًا أصيلًا في كل مكونات الأجهزة الأمنية في العالم؟ ما هدف الأمن الوقائي؟

باسم: صحيح.

يوسف: هدفه البحث عن الجريمة قبل حصولها أو في بواكير تشكلها الأولى، لأنه لا تُترك حتى تحصل فتفسد وتخرّب.

باسم: يعني شعار “اتقوا الله” يعني شعارٌ فاعلٌ رهيب ومذكرٌ دائمٌ للناس العاقلة، للسلوك وضبط السلوك.

يوسف: نعم. أما هو عندنا، واحدٌ يعني يراك تسمع موسيقى: “يا أخي اتقِ الله!”. “يا أخي قصرت لحيتك، اتقِ الله!”. “يا أختي لا أعرف ماذا…”. انظر، سُرق المعنى واستُغل. “اتقِ الله” معناها الوصايا، الوصايا التي ذكرناها، المفصلة، والوصية الأولى: “الدين لا تتفرقوا فيه”.

اجعل هناك جهازًا وقائيًا مجتمعيًا وفرديًا يحميك ويحمي المجتمع قبل مخالفة هذه المبادئ البشرية الكبرى. هذا هو اتقاء الله. كيف فسَّرته؟ فسَّرته مما سبق. ألم يقل لك: “وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ…”؟ ارجع إلى القرآن، ما الذي وصى به؟ ما ذكرناه في الحلقة من أولها إلى الآن. فلما اختصر الوصايا باتقاء الله، إذن أنت فهمت، مع ربطها بالأصل اللساني. أن قِ نفسك من أي مخالفةٍ لهذه الأمور لأنها ستقودك أنت والمجتمع إلى الخراب.

باسم: الآيات واضحة، لا تحتاج إلى فذلكة، لا تحتاج إلى عالمٍ متخصصٍ بكل هذه الأشياء الواضحة. النصوص واضحةٌ ومعبرة، وكل ذي عقلٍ عاديٍ بسيط يمكن أن يفهمها.

يوسف: صحيح. وتتمة الآية دكتور، لاحظ: “…وَإِن تَكْفُرُوا…”. ماذا قال بعد “…أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ…”؟ “وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدَا” (النساء: 131). بمعنى ستذهبون، سينالكم ضرر هذه المخالفات فتذهبون، ويبقى ما في السماوات والأرض لله، لأن القوانين أقوى منك. أنت إذا خالفتها، أنت من ستحترق، ويبقى القانون. فيأتي بعدك: “…إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ” (إبراهيم: 19). ويأتي من بعدك وتبقى القوانين. أنت من ستخسر، أنت ومجتمعك. هذه هي. هذا معنى “وإن تكفروا”. طبعًا جاء بـ”تكفروا”. لاحظ، هذا معنى كلمة “تكفروا”. ليس خالفت… يعني أحد الشيوخ، دون أن نسمي، يقول له بعض الناس: “لا يؤمن بأنه يجوز شرب بول البعير”، فيقول له: “هذا كافر”.

باسم: هذا كافر.

يوسف: أنكر السنة، كافر. انظر كيف الكفر حولوه؟ الكفر الذي تقوله الآيات…

باسم: يعني أن ترفض أن تشرب بول البعير تصبح كافرًا.

يوسف: عجيب.

باسم: أما إذا شربت البول ونسيت الوصايا، معناه أنك أصبحت مؤمنًا.

يوسف: وفرقت الناس.. “…وَإِن تَكۡفُرُواْ…” يعني أن تجحد هذا الوضوح التام الذي تراه واضحًا، يعني هو واضح، فأنت تجحده.

باسم: الدكتور يوسف، الحديث شيقٌ والموضوع كثيرًا مهمٌ، ولكن الوقت داهمنا. إن شاء الله نكمل في حلقةٍ ثانية.

يوسف: إن شاء الله.

باسم: شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقةٍ جديدة من برنامج “مفاهيم” مع الدكتور يوسف أبو عواد. إلى اللقاء.