هل يفرق النص القرآني بين مفهومي الحزب والفرقة لسانيًّا وقيميًّا؟ وكيف تحدد المعايير القرآنية هوية حزب الله وحزب الشيطان بعيدًا عن الأسماء والشعارات؟ وما هي النتيجة الحتمية لمن يتخذ الدين وسيلةً لتمزيق المجتمعات تحت مسمى الأحزاب الدينية التي حذرت منها الآيات؟ د. يوسف أبو عواد يحذر بشدة من خطورة التحزب الديني في لقائه مع د. باسم الجمل، في #بودكاست_مفاهيم، على #منصة_مجتمع
ما الفرق اللساني بين الحزب والفرقة في النص القرآني؟
باسم: أهلًا بكم أنا معكم باسم الجمل في حلقةٍ جديدةٍ من برنامج “مفاهيم”، وكالعادة نلتقي الدكتور يوسف أبو عواد. أهلًا بك دكتور.
يوسف: أهلًا بك دكتور.
باسم: نحن مرات لا نحب أن نعمل مقدماتٍ طويلةً.
يوسف: لا بأس.
باسم: في الحلقات السابقة يا دكتور نحن ناقشنا تقريبًا باستفاضةٍ ما يتعلق بمفهوم الوصية ووصايا الله للأنبياء بدءًا من النبي نوح إلى النبي محمد عليهم السلام جميعًا، وتطرقنا إلى المفهوم اللساني للوصية: ما هي الوصية المذكورة في القرآن ومعنى التفريق والفرقة والمقصود من الذين اتخذوا دينهم شيعًا. الآن هناك ألفاظٌ أيضًا نفس الاتجاه في النص القرآني عن الحزب، وكأن القرآن يقول لنا هناك فرقٌ ما بين لفظة حزب بمعناها اللساني، والفرق بين فرقة أو التفريق أو الشيعة أو التشيع في القرآن بالمعنى اللساني، هل هناك فرقٌ حقًّا؟ لذلك صار في استخدام للفظتين في معنيين مختلفين مثلًا في القرآن، ما المقصود بلفظة حزب؟ هل لفظة حزب مثلًا مقصودٌ بها دلالة إيجابية عكس الفرقة أو التفريق أو الفِرق؟
يوسف: تمام، أهلًا بك دكتور وبالسادة والسيدات المشاهدين والمشاهدات. في الحقيقة نحن ذكرنا في الحلقة السابقة أن كلمة فرق لا بد بالضرورة أن تؤدي إلى انقسامٍ على الأقل إلى فرقتين، لأنه في آية فلق البحر قال تعالى: {فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63].
باسم: يعني أعطاك إيحاءً بوجود مجموعتين.
يوسف: أي نعم، ولو أخذت الأصل الثنائي الذي هو الفاء والراء (فر) تشعر أن هذا الأصل يؤدي إلى إخراج طاقةٍ كامنةٍ بطريقةٍ مستمرةٍ، ثم يتبعه حرفٌ آخر يزيد في إيضاح دلالة المعنى، يعني هناك طاقةٌ كامنةٌ يعبر عنها صوت الفاء، وهناك استمرارٌ لهذه الطاقة الكامنة يعبر عنه صوت الراء، فنجده في كلمة (فر) وهذا الصوت نجده في صوت نفث الطائرات مثلًا وصوت ألعاب الأطفال.
باسم: عندما يفر الطير.
يوسف: أي نعم، الآن لو أضفت له مثلًا “فرخ” تجد أن الفرخ ينفصل عن أمه بحيث يصبح الناتج اثنين، لو أضفت مثلًا له صوت الميم تجد أنه يعطيك معنى الفرم الذي هو معروفٌ في الاستخدام الدارج.
باسم: أو الفرح..
يوسف: عند الناس، أو الفرح، ومنه أيضًا الفرق. أما لو جئنا إلى الحزب فالحزب لا يقتضي بالضرورة وجود حزبٍ آخر، يعني “الحز” الأصل الثنائي “الحز” هو يدل على التشكل، اتخاذ شكلٍ ثابتٍ ثم يضاف له صوت، لذلك مثلًا لو قلت “حزم”، لاحظ أن الحزم في الأصل هو تجميع الأشياء بعضها إلى بعض وتوثيق هذا الجمع، فلذلك يقال الإنسان الحازم يعني الذي يجمع أمره ويتجه في اتجاهٍ واحدٍ.
أما إضافة صوت الباء فصوت الباء بما هو صوت يدل على رعايةٍ يتبعها انبثاق مرحلةٍ أخرى، إذن هو يشير إلى تجمعٍ يقصد منه رعاية من في داخل هذا المجموع توجيهًا لهم إلى مرحلةٍ أخرى، وهذا طبعًا قد يكون حزبًا إيجابيًّا أو حزبًا سلبيًّا، التشكل هذا كسر صوت الحاء، لماذا الكسر؟ نحن قلنا في أكثر من حلقةٍ أن الكسر يعطيك هيئة، هيئة التشكل يعبر عنها بصوت الكسرة في كثيرٍ من الكلمات العربية.
فالآن لذلك نجد كلمة حزب في القرآن الكريم مفردة إما أن تدل على مدحٍ مطلقٍ أو ذمٍ مطلقٍ، أما الجمع أحزاب فدائمًا يأتي في سياق الذم، ولا في آيةٍ واحدةٍ جاء في سياق المدح، لماذا؟ لأنه كما قلنا إذا كان الحَزب بقصد التجميع على الحق فهذا ممدوحٌ، أما إذا كان بقصد تقسيم المجتمع مرةً أخرى فنعود إلى فكرة التفرق فهذا يصبح مذمومًا.
لذلك وجدنا آية مثل قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56]. وبالمقابل سنجد آيةً أخرى تتحدث عن حزب الشيطان.
الآن أولًا حتى نخصص الكلام (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا)، المقصود بالتولي كما قلنا كثيرًا هو التتبع، تتبع أين تجد الله في كل ما خلق وكل ما وضع من السنن والقوانين والتي عبر عنها بالكتاب الكوني والكتاب المسطور.
الرسول هو حامل رسالة الله لمن لم يفهمها أو تاه عنها أو ضاع عنها من الناس، (الذين آمنوا) هم من حولوا هذا التولي لله ومتابعة سننه وقوانينه إلى واقعٍ عمليٍ أدى إلى نشوء مجتمعٍ آمن. إذن هل هذا الحزب يتحدث عن تفريقٍ لمجتمعٍ أم تعزيزٍ لفكرة الأمن الاجتماعي الكامل؟ انظر التسلسل {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 56].
هذه إذن فكرة تجمع المجتمع، وكما قلنا ليس بالضرورة أن يكون هناك حزبٌ آخر، يمكن لكل البشر أن يجتمعوا فيصبحوا في حزبٍ واحدٍ يتولى الله ورسوله والذين آمنوا، ليس بالمعنى الضيق الذي يفهمه كثيرون.
باسم: ولهذا سماهم {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ…} [المائدة: 56] جمعًا كلهم، أصبحوا هم من حزب الله {… هُمُ الْغَالِبُونَ}.
يوسف: أي نعم، الغالب على ماذا؟ قد يقول قائل طيب الغالب يقتضي أن يكون هناك عدو، لا، هناك آياتٌ في القرآن الكريم تقول مثلًا: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} [يوسف: 21]، الغالب معناها أن تستطيع النجاح في أمرٍ تريد أن تفعله فتكون قد تغلبت على المشاق وانتقلت إلى مرحلةٍ أخرى. لذلك قلنا صوت الباء في الكلمة يشير إلى أن هذا الحزّ جرت له عملية رعايةٍ لتنقله إلى منطقةٍ أخرى، منطقة نحو الأمن والتطور والازدهار.
كيف تحدد الآيات صفات المنتمين لحزب الله وعلاقتهم بمن حاد الله؟
يوسف: طيب هؤلاء حزب الله نجد لهم وصفًا آخر في القرآن الكريم، وطبعًا هذا لا علاقة له بحزب الله الموجود، من باب التنبيه، هذا إسقاط المصطلحات الدارجة على آيات القرآن، هذا كما قلنا هو محاولةٌ لاستغلال النصوص: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ…} [المجادلة: 22]، الآن بدأ لك من النقطة التي انتهى منها في الآية السابقة، يعني تحقق المجتمع المؤمن الذي يؤمن بالله ويؤمن بأن هناك جزاءً وتبعةً للأفعال، الأفعال والأقوال لا تذهب سدى مهما كانت هذه الأفعال، هذا المجتمع {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ…} [المجادلة: 22].
باسم: {مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22].
يوسف: أي نعم، محادة الله ورسوله أي أنت ذهبت خرجت عن الحد الذي يدخلك في هذا الحيز، وهذا لا تخرج عنه إلا إذا دخلت في حيز الأذى، يعني أنت ستخرج عن حدود الله متى؟ إذا دخلت في حيز الأذى الذي شرحناه في الحلقات السابقة كثيرًا، هكذا تكون حاددت الله ورسوله.
باسم: يعني هل يقصد بها الخروج من حزب الله مثلًا؟
يوسف: أي نعم بالضبط، خرجت من حزب الله، ليس فقط خروجًا عاديًّا، وخرجت عن الحد يعني إلى النهاية القصوى، فإذن صرت متمردًا أو صار يصدر منك ضررٌ وأذىً على المجتمع المؤمن.
ما المفهوم القرآني لاستحواذ الشيطان ونسيان ذكر الله؟
باسم: استطرادًا على فكرة الفرقة مثلًا، كونه هنا أصبح عندنا حزب الله والخروج عنه، هل يُفهم كأنه الدخول في حزب الشيطان؟
يوسف: بالضبط، لأنه سنأتي إلى آيةٍ تاليةٍ لاحظ: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ} [المجادلة: 19]، يعني كيف يخرج الإنسان إلى هذه المنطقة فيكون محادًّا لله ورسوله؟ إذا استحوذ عليه الشيطان. الآن السؤال الشيطان ما هو الأصل اللساني لكلمة شيطان؟ أصلها الشيط، والشيط معناها الخروج عن الحد إلى بداية الاحتراق، يعني أنت تبالغ في الشيء حتى تخرج عن حدوده الطبيعية فيبدأ يحترق.
باسم: ولهذا نقول إن الطبخة شاطت.
يوسف: هذا هو مئة بالمئة، فالألف والنون قلنا كثيرًا زيادة الألف والنون في الكلمات تشير إلى الامتلاء بالصفة والتشبع بها، فهو تشبع بالخروج والتمرد عن الأمر بدرجةٍ أحرق فيها نفسه. وهكذا، على فكرة هكذا ينبغي أن نفهم المفهوم الكبير للشيطان، وليس تخيلاتٍ لشخصياتٍ، يعني بعض الناس يرسم أشياءً وطرائق خرافيةً…
باسم: أو قرون عنده.
يوسف: ينحو إلى الأشياء الخرافية، هي فكرة الشيطان فكرة التمرد التي تؤدي إلى حرق صاحبها، وإذا تُرك يبدأ في حرق من حوله، فلذلك قال لك {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ} [المجادلة: 19].
طبعًا ليس المقصود أبدًا أنه أنساهم التمتمة بالكلمات، لأن هذه التمتمة بالكلمات إذا لم يكن أساسها قلبيًّا لا معنى لها، إنما هو نسي فكرة الله، هذا معنى نسي ذكر الله، صارت فكرة الله منسيةً وغائبةً عنه. إذن ما معناها؟
باسم: يعني نسي مثلًا الصراط المستقيم، نسي الوصايا، نسي الفطرة السليمة، يعني نسي السير على السلوك الفطري الذي فُطر الناس عليه.
يوسف: جميلٌ جدا، يعني هو خلاص ما قلناه في الحلقات السابقة هكذا يكون نسي الله، وبالتالي هو سيتطلع إلى الكون والحياة على أنها مجموعةٌ من الأفعال والتصرفات العشوائية التي لا معنى لها، وستحكمه شريعة الغاب فقط، ما الذي سيحكم تصرفاتي في هذه الحالة؟ شريعة الغاب. هو لا يرى أن هناك قانونًا جامعًا يجمع هذا الكون وقوانين تنظمه، لا يرى أن هناك سننًا وتبعاتٍ للأفعال والأقوال، لا يرى أن هناك فطرةً فُطر عليها الإنسان، لا يرى قيمةً لمثلًا حفظ مال اليتيم وحرمة النفس والإحسان إلى الوالدين، إذن هذا هو نسيان الله الحقيقي، هذا هو {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ}.
باسم: يعني ليس نسيان أنك تذكر الله سبحانه الله والله الله الله الله.
يوسف: والله أنا أقول حث الناس على هذا الذكر اللساني لا نحتاج له، لماذا؟ لأنه هو نتيجةٌ طبيعيةٌ، أنا لما أتذكر الله بكل عقلي وجوارحي وقلبي لا أجد لساني إلا تلقائيًّا سيتحرك به، بينما لما أعكس الموضوع، هم كيف يبدؤون المشكلة دكتور، يبدؤون الموضوع بالعكس، أنه يبدأ من ماذا؟ من أن يتكلم باللسان، القلب والعقل أجوف عن الفكرة، لذلك تراهم يسبحون مئات وآلاف التسبيحات لكن في أبسط اختبارٍ عمليٍ يسقط في الغش والخداع، وترى أن الشيطان مستحوذٌ عليه، طيب لماذا لم يؤثر فيه الذكر؟ لأنه ليس هو… ناسيًا هو، هو لم يذكر الله أصلًا، هو غافلٌ عن الله، فهذا معناه {فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ} [المجادلة: 19].
النتيجة الخسارة: {أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19]، سيخسر نفسه، سيخسر مجتمعه، المجتمع نفسه سيخسر أيضًا، هذه هي النتيجة.
لذلك في الآية الأولى يجب أن نفهم لماذا قال: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22]، لأن هذه الآية استخدمت يا دكتور من رؤوس التيارات التكفيرية لتكون وسيلةً للتفرق بين الأب وابنه والشخص وعشيرته بدعوى الولاء والبراء، يقول لك طبعًا هو يوالي، يوالي ويبرأ بناءً على ماذا؟ على فرقة، على شيعة، على حزب…
باسم: هو منتمٍ لها. صح.
يوسف: أي نعم، فيقول لك هذا الولاء والبراء، فيتبرأ من أبيه وعشيرته وربما قتل الابن أباه والأب ابنه وهذا شهدناه كثيرًا للأسف في التاريخ القريب في المجتمعات العربية وغير العربية لما نشرت هذه الأفكار.
لكن حقيقة الآية ما هي؟ أنه أنت حتى لو إنسانٌ قريبٌ لك خالف في أصول الإنسانية الكبرى هذه، يعني مثلًا صار لا يرى لقتل النفس حرمةً، هل تواده بمعنى أنك تساعده في هذا أو تسكت على هذا الخطأ الذي عنده؟ تتركه مثلًا يستبيح النفوس أو يعتدي على أموال اليتامى أو يغش في الكيل والميزان، وإلا، إن كنت أصلًا تحب له الخير تحجزه عن هذا الخطأ.
باسم: تمنعه.
يوسف: بالضبط هذا هو، حتى لو كان الخطأ من الأقارب، يعني القرآن يضع سياسة العدالة التي تضعها اليوم كل محاكم العالم المحترمة، أنه لو أنه قريبك لكنه أجرم…
باسم: وهذا يبدو لي يمكن إسقاطه حتى على الدول، على مجموعة الدول التي تشن حروبًا على آخرين دون أسبابٍ وتوغل بالقتل، وبالتالي على المجتمعات البشرية فيها أن تعي وتقف بوقف هؤلاء الظلمة كما وقفوا مثلًا ضد هتلر أو كما تقف ضد ما جرى في غزة مثلًا، ممكن؟
يوسف: أي نعم، هذا الوقوف ضد كل إجرامٍ يحصل في العالم، حتى لو كان أن هؤلاء مثلًا دولةٌ بينهم روابط كثيرةٌ جدًا وإلى آخره، لكن إحدى الدول مارست الاعتداء، الآن مادام مارست الاعتداء الذي يخالف فطرة البشر الطبيعية والقوانين الكبرى الناظمة للكون يجب إيقاف هذا الاعتداء عند حده. لأن هذا لا يقف، على فكرة الذي يبدأ عنده الفكر الإجرامي فيذهب إلى حزب الشيطان لن يقف عند حد، سيتمادى شيئًا فشيئًا حتى يفسد على البشرية معيشتها…
باسم: لفت انتباهي عفوًا قبل أن ننطلق إلى النقطة الأخرى، لفت انتباهي في الآية السابقة يقول {أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22]، والآية الثانية في سورة المجادلة التي رقم 19 {أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19].
يوسف: نعم.
باسم: يعني المقارنة بين لفظي الخاسرون والمفلحون، هناك الفلاح بمعنى النجاح مثلًا في الحياة؟ عندما تتبع سبل أو وصايا الله أو الصراط المستقيم أو تتبع الفطرة السليمة فالفلاح هو النتيجة؟
يوسف: نعم، وفي الآية التي قبلها دكتور أيضًا في المائدة {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56]، إذن هو قرن بحزب الله صفتين، الغلبة والفلاح، وقرن بحزب الشيطان الخسران، طيب لو ذهبنا لسانيًّا، الغلبة قلنا هي التجاوز عن العقبات والوصول إلى النقطة التي وضعتها هدفًا، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} [يوسف: 21]، الفلاح معناه الحصول على ثمرة ما تبذره، ولذلك هو مربوطٌ بالفلاحة والفلاحين إلى آخره، هذا معنى الفلاح. طيب الخسران العكس المباشر لخسر رسخ. الرسوخ يعني الثبات، الثبات يعني بداية الإثمار، الخاسر لا يوجد عنده ثباتٌ حتى أصلًا يفلح، ولا عنده ثباتٌ حتى يغلب، لن يغلب إنسان معه أسس…
باسم: يعني هو وكأنه توكيد، لا جدال فيه أن من يتبع الصراط المستقيم أو قوانين أو أسس الصراط المستقيم أو الفطرة السليمة بالضرورة سيفلح.
يوسف: أي نعم.
باسم: ومن لا يتبعها بالضرورة سيخسر.
يوسف: مئة بالمئة، نتيجةٌ حتميةٌ هذه واضحةٌ، حتى تقيس على سلوك المجتمعات، يعني المعيارية واضحةٌ.
يوسف: واضحةٌ جدًا.
باسم: يعني إذا ترى مجتمعًا يكثر فيه النفاق يكثر فيه الغش، بالتأكيد سيخسر.
يوسف: صحيح.
باسم: ومجتمع يكثر فيه مثلًا الحفاظ على علاقات بين الناس، على عدم التطفيف في المكاييل والموازين إلى آخره، بالتأكيد سيفلح.
يوسف: حقوق الضعفاء، ذوي الهمم والحاجات الخاصة وإلى آخره، أي نعم طبعًا. هذه المجتمعات ستغلب على أمرها وستفلح، والبقية ستخسر والخسارة كما قلنا عكس الرسوخ، يعني هو لا يوجد له قاعدة ثابتة أصلًا حتى يفلح ويغلب، لا يوجد قاعدة.
هل الفلاح والنجاح نتيجةٌ حتميةٌ للالتزام بالقيم الفطرية والعدالة؟
باسم: من السهل جدًا أن ترى أنه مجتمعٌ متخلفٌ أنك تقول كالتالي: إنه أنت لا تتبع الوصايا، أنت لا تتبع مثلًا أسس القواعد السلوكية المنصوص عليها في الصراط المستقيم، أنت لا تتبع مثلًا الأسس التي تحث عليها الفطرة السليمة، وبالتالي أنت ستخسر.
يوسف: هذا هو تمامًا. وهذه الآية على فكرة آية سورة المجادلة نجد مثلها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135].
هكذا يفسر القرآن بعضه بعضًا، يعني يقول له إذا القضية تتعلق بحقٍ وعدلٍ ضد ظلمٍ، هذا الموضوع لا تقول لي والله بسبب القرابة أنا لن أقول الحق أو سأقول الباطل، لأنه صحيحٌ أن القرابة مهمةٌ جدًا وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض، وهي رابطٌ مهمٌ في الحياة، ولكن إلى حد الاعتداء، إذا دخل القريب في الاعتداء على النفوس، الاعتداء على الأموال، التطفيف في الكيل والميزان، هنا لا تجوز الموادة بمعنى المحاباة.
لذلك قال: {أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22]، مرةً أخرى الإيمان هنا هو العقد، عقد الإيمان الذي قالت عنه آية سورة المائدة: {وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [المائدة: 5]، الإيمان هو العقد الاجتماعي الذي كُتب في قلوب هؤلاء الناس فأسسوا عليه مجتمعهم، انظر هذا هو المعنى الحقيقي للآية وليس ما حُرف عنه.
{وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ} [المجادلة: 22]، ونحن قلنا كثيرًا أن الروح هي أمر الله، الأمر متى ما نُفذ وانتشر بحكم الفطرة أو بحكم الكتاب الكوني أو بحكم الكتاب المسطور، يصبح تأييدًا للإنسان على الوصول إلى النتائج التي تفيده هو.
باسم: أنت تلاحظ كلما دققنا أكثر في منطوق الآيات، كلما تم استنطاق الآيات على المستوى اللساني أو لسانيًا، تكتشف أن مجموعة الآيات كلها تشيد أو تحث على انضباطية السلوك ووضع معيارية لسلوك الفرد والمجتمع، يعني القرآن وكأنه أداةٌ لضبط سلوك المجتمعات أفرادًا والمجتمع نفسه ككل.
يوسف: صحيح مئة بالمئة. يوسف: معظم آيات القرآن الكريم هذا موضوعها حقيقةً، هذا موضوعها، وتلك مفارقةٌ، يعني هناك الذي يتتبع معنا الحلقات من البداية حتى الآن سيشعر تلقائيًّا بالمفارقة الشديدة بين ما هو مطروحٌ في شرح الدين.
باسم: وما هو موجود في نصوص الآيات.
يوسف: أي نعم.
يوسف: ثم متى ذكر الجنة؟ لاحظ {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المجادلة: 22]، هي نتيجة حتمية، إذا المجتمع بني على هذا الأساس من العدالة التي تحق الحق وتبطل الباطل وفق الفطرة، قطعًا سيدخل في جنة الدنيا قبل جنة الآخرة.
باسم: بالضبط، صح صح.
يوسف: وفي سعادة الدنيا قبل سعادة… وهذا الرضا، انظر ما معنى {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المجادلة: 22]، لاحظ دكتور، الرضا هو نتيجةٌ حتميةٌ وضعها الله في القوانين الطبيعية، متى ما تماهيت معها واحترمت الفطرة واحترمت الوسائل الطبيعية يحصل الرضا الإلهي، وليس قضية تربطها، تشخصها يعني، يجعلونها تشخيصًا -حاشا لله، وكأن الله صنمٌ من الأصنام أو إلهٌ من الآلهة الناقصة. هو الرضا قانونٌ طبيعيٌ، إنه سيسير الشيء فيما يفيدك أنت كإنسان وما يفيد المجتمع، هذا معنى (رضي الله عنهم ورضوا عنهم)، لماذا رضوا عنه؟ لأنهم أيضًا استقبلوا…
باسم: حصلوا على النتيجة التي…
يوسف: استسلموا لهذا الوجود وقوانينه وضوابطه وتماهوا معها وساروا في نهر هذا الكون بالاتجاه الصحيح فحصل لهم الرضا.
باسم: حصل لهم الرضا، حصل لهم الفلاح، حصل لهم الغلبة.
يوسف: وبالتالي أولئك حزب الله {أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22].
وطبعًا هذه أعلى درجة كما قلنا، لأن الفلاح أن تحصل على نتيجة ما بذرت وزرعت، هذا هو الفلاح.
كيف غيبت الروايات التراثية الفهم القرآني لسلوك المجتمعات؟
باسم: أريد أن أسأل سؤالًا تقليديًّا، كيف غابت هذه الأهداف عن قراء أو عن متدبري النص القرآني منذ أن نزل القرآن إلى أيامنا هذه؟ لماذا لم نلحظ أي أثرٍ لهذا الفهم في كل كتب التفسير السابقة إلا ما رحم ربي؟ ولماذا المجتمعات الإسلامية وبالذات المجتمعات العربية لم تمتثل لمثل هذه النصائح والوصايا المبثوثة في كثيرٍ من آيات النص القرآني؟
يوسف: والله حقيقة دكتور هذه أصبحت قضيةً تحتاج إلى دراسةٍ، حقيقةً هي جديرةٌ بدراسات.
باسم: الآيات واضحةٌ يعني أوضح من شمس النهار في مغزاها في مراميها، وتوضيح مفصل يعني كأنه تفصيلٌ للأطفال.
يوسف: أنا لما ألغي كل هذه الآيات بحديثٍ مرويٍ بسندٍ لا أدري أصلًا ما هو، وأخضع الآية لقصةٍ ذكرت أنه والله مثلًا لا تقيموا في أرض المشركين… بهذه الطريقة، وتُنزل على أن أرض الإسلام هي دولة كذا وكذا وكذا، وأرض الإشراك والكفر، ماذا فعلت في معنى الآية هذا؟ {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [المجادلة: 22] هي تتحدث عن المجتمع نفسه، ماذا فعلت فيها؟ ألغيت المعنى، أنت زرعت في تصور العقل الإسلامي القارئ لهذه الآيات في عقول المسلمين أنه معنى الآية هو ما يوحي به معنى الحديث أو الرواية، وبالتالي التحليل اللساني للآية كلمة كلمة وعبارة عبارة غاب، غاب تحت سلطان هذه الروايات.
باسم: يعني كل هذه المؤسسات الدينية الموجودة في المجتمعات العربية والإسلامية بشكلٍ عامٍ، ومراكز الأبحاث الدينية والجامعات ومعاهد الشريعة والتعليم، ما مروا على هذه الآيات؟ يعني لم يقرأوا هذه الآيات أن هذه الآيات تحث على الانضباط السلوكي، أنه فيه قواعد للسلوك في المجتمعات، وأنه هناك من السهل أنك أنت تحكم على مجتمعٍ أو على فردٍ في معياريةٍ قرآنيةٍ واضحةٍ؟
يوسف: أي نعم، هذا كله غُيب تحت سلطان الطقوس وروايات كثيرٌ منها مكذوبٌ للأسف الشديد.
كيف أسس إبراهيم معادلة الأمن والخوف؟
يوسف: الآن هل يوجد تفرق على حقٍ وباطلٍ بناءً على فكرة الحزب التي قلناها؟ ممكن أن يحصل الفرق لكن فقط على معيار الحق والباطل، المؤسس العظيم لهذا الفكر كاملًا وهو إبراهيم عليه السلام، تجده لما ناقش قومه قال لهم: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ…} [الأنعام: 81]، لأنه قد يقول لنا قائل ها هو إبراهيم فرّق المجتمع، إبراهيم لم يفرق المجتمع الذي قام على هذه الأسس، على أسس الفطرة التي قلناها، إبراهيم الآن يتعامل مع قومٍ عندهم وسطاء، وكل واحدٍ عنده وسيط مختلف عن الآخر، بعضهم يعبد تماثيل وبعضهم يعبد كواكب وبعضهم يعبد القمر وبعضهم يعبد الشمس والنجوم.
فماذا قال لهم هو؟ قال لهم {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنعام: 79]، أنا كل هذا الذي ادعيتموه لم تقيموا عليه دليلًا، إذن أنا سأعود في فهم الوجود إلى السماوات والأرض، ثم قال لهم كيف أخاف ما أشركتم أنتم الوسطاء؟ يعني خلق السماوات والأرض واضحٌ لا يحتاج إلى أن يقول لك قائلٌ لماذا تعود في فهم الحياة إليه؟ لأنه هو الحقيقة الموضوعية الثابتة المؤكدة، طيب الآن الوسطاء الذين دخلوا دخلاء هكذا يريدون أن يتكلموا باسم خالق السماوات والأرض أو يدعون ادعاءات، لماذا أخاف منهم وهم لا يوجد عندهم أي سلطانٍ ولا دليلٍ على أنهم فعلًا يعرفون السنن والقوانين التي ينبغي أن تنظم حياة المجتمعات والبشر؟ لماذا أخاف منهم؟ قال لهم: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ} [الأنعام: 81].
باسم: {أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ}. صح.
يوسف: الأولى أن تخاف أنت لأنك وضعت وسيطًا بدون دليلٍ، أنا لم أضع وسطاء، أنا نظرت إلى الواقع كما هو، إلى الطبيعة كما هي. لذلك هو إمام العلماء وإمام الفلاسفة وإمام التدين الحقيقي وإمام الملة الحنيفية.
باسم: لاحظ هنا الربط ما بين لفظتين، كيف أخاف وأحق بالأمن.
يوسف: بالضبط.
باسم: مع أن الأمن عكس الخوف.
يوسف: إذن التفريق الذي أراده إبراهيم، ماذا أراد؟ أراد أن يلغي الخوف الذي كان في الفرق المشركة، كل فرقةٍ تخاف من الأخرى، لأن كل فرقةٍ لها مبادئ تستبيح فيها الآخرين، أراد أن يلغي عامل الخوف هذا ويوحد الناس تحت مظلة أمنٍ معيارها النظر في الوجود كما هو دون وسطاء، هكذا، فقال لهم: {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ} [الأنعام: 81]، من الذي سينال الأمن؟ الذي سيبني منظومته المعرفية ومجتمعه بالعودة إلى الحقائق الموضوعية والطبيعية كما هي، أم الذي في كل يومٍ يخترع شريكًا وليًّا مذهبًا فرقةً إمامًا حزبًا طائفةً إلى آخره؟
ثم قال لهم: {الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنعام: 82]، يعني كما قلنا هذا أصلًا تولد من أين جئنا بمفهوم الإيمان؟ نذكر به مرةً أخرى. لماذا نحن قلنا الإيمان هو بذل الأمن، لاحظ الآية السابقة: {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ} بماذا؟ {بِالْأَمْنِ}، طيب ماذا قال بعدها؟ {الَّذِينَ آمَنُوا} يعني الذين بذلوا الأمن تحت هذا السلطان الكبير سلطان السماوات والأرض، {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]، نقطة مهمة عكس الأمن، عكس الإيمان ماذا هنا؟ الظلم، عكس الأمن الخوف، طيب عكس الإيمان، أنا أمنتك كيف أنقض عهد الإيمان بيني وبينك؟ بأن أظلمك.
باسم: وكأنه أيضًا هناك نتيجة الخوف هناك ظلم أو العكس الظلم يولد الخوف.
يوسف: الظلم يولد الخوف بالضبط، والأمن يولد الإيمان صحيح؟ أو الإيمان يولد الأمن، الإيمان يولد الأمن لأنه أنا إذا أمنتك أنت ستشعر بالأمن، وإذا ظلمتك ستشعر بالخوف.
باسم: بالضبط.
يوسف: هذا الذي حصل. فقال لهم {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]، ولاحظ كيف أطلقها إبراهيم عليه السلام، آمنوا يعني آمنوا بكل ما في السماوات والأرض ووحدة المرجع، خلاص انتهى لا تضع لي الوسطاء الذين عملوا، أنشأوا بذور الخوف التي حصلت في المجتمع البشري، إلى الآن ما الذي يخيف المجتمع البشري؟
باسم: صح رجل الدين يرعب المجتمع.
يوسف: نعم رجل الدين أو كل من يدعي زيفًا وخداعًا من أشباه، طبعًا كلهم بسلطةٍ دينيةٍ، لأن هناك مشعوذين دخلوا من خطوطٍ أخرى الآن، يعني يشعوذون، يحاولون اللعب في عقول الناس، يقول لك أنا أعرف قوانين الكون السبعة ولا أعرف ماذا، هناك مستوياتٌ كثيرةٌ من عمليات الخزعبلات هذه.
عاد فقال: {أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]، يعني هذا الصراط المستقيم اختصره أيضًا بطريقةٍ أخرى جميلةٍ جدًا.
فإذن الفريقان الذين يتحدث عنهما إبراهيم أرجو أن لا يستغل أحدٌ هذه الآية فيقول لك ها هو إبراهيم قسم إلى فرق، فنحن فرقة الحق وأنتم فرقة الباطل. إذن إبراهيم الذي قسمه تقسيم آخر مختلف كليًّا، لم يقسم الدين نفسه، الدين لا يتقسم، الفطرة لا تتقسم، هو قسم من يقبل الأمن ومن يريد الخوف والظلم، انظر التقسيم الذي قسمه إبراهيم، فأنت مع أي فرقة؟
باسم: وكأنه استجابةً للتقسيمين حزب الله وحزب الشيطان.
يوسف: أي نعم بالضبط، أي نعم. حتى لو ولدت فرقة، لكن هذا تفريق حقٍ على باطلٍ، والحق لا يجوز لأي حزبٍ أو فرقةٍ تدعي نفسها إسلاميةً أن تزيد على مفهومٍ وضعه إبراهيم عليه السلام، ما هو؟ أمن أو خوف، ظلم أو عدل، فقط خلاص. أنا أتبنى الأمن أنا أريد الأمن وأريد العدل، خلاص هذا المطلوب، إذا وضعت لي محدداتٍ أخرى حتى أصبح أنا في الفرقة التي تدعي أنها الصواب، أنت بدأت في التفريق داخل الدين، لأن هذا ضابطٌ ينبغي أن يفهم، انتهى.
لاحظ الآية التالية: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا} [الأنعام: 83]، وهذه الجملة يا دكتور في أصلها الطبيعي في اللسان العربي، وحجتنا تلك مبتدأ وخبر، لكن لماذا جعل الخبر متقدمًا على المبتدأ؟ ليحصر، يعني لا تزد على هذا، انظر كيف، إذا أردت أن تزيد على هذا في تحديد معايير الصواب والخطأ…
باسم: يعني معادلة الأمن والأمان ومعادلة الظلم والخوف أو الخوف والظلم، هذه هي الحجة.
يوسف: هذه هي حجتنا كاملة لا تحتاج إلى زيادة.
باسم: التي آتاها الله ربي سبحانه وتعالى إلى النبي إبراهيم.
يوسف: أي نعم، لا تحتاج إلى زيادة. {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ} [الأنعام: 83].
ما دلالة “أرباب متفرقون” في حديث يوسف للسجينين؟
يوسف: طيب وهذا ما قاله يوسف عليه السلام: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ} [يوسف: 39]، لاحظ {أَأَرْبَابٌ…} أي تفرق؟ يتكلم عن التفرق لكن {أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39].
طبعًا هم أسقطوا ماذا بفكرة الأرباب؟ قال لك لا نحن لا نعبد أصنامًا ولا نعبد، أنت جعلت شيخ الطائفة لما زاد على المحددات التي وضعها هؤلاء العظماء من الأنبياء، أنت جعلته، أكسبته صفة رب، لأنه صار يتحدث باسم الوجود، باسم خالق والسماوات والأرض بدون سلطانٍ من الله.
طيب، لذلك قال لهم: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ} [يوسف: 40]، لاحظ العجب في الجمل {إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} [يوسف: 40]، هل ترى أن الله أنزل سلطانًا أن فلانًا رئيس الحزب الإسلامي الفلاني ينبغي أن تطيعه؟ أو فلان فلان إمام المذهب أو إمام الفرقة إلى آخره؟ أنت وآباؤك سميتم هذه الأسماء، من أين لك سلطان وجوب اتباعهم إضافةً إلى اتباع الله وزيادة على ما قال الله؟
فيوسف عليه السلام يؤسس، والناس طبعًا تقرأ قصة يوسف للتسلية، انظر الجمل هذه ما أجملها، وهو أيضًا في السجن، كيف يؤسس لأنه يريد إنتاج مجتمعٍ يقوم على مبدأٍ صالحٍ، المبدأ الذي أقامه جده إبراهيم عليه السلام على نفس الفكرة، فقال لهم: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} [يوسف: 40]، هذا معنى الآية {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [يوسف: 40]، هذه الجملة استغلت منذ تاريخ الإسلام الأول، لاحظ التفريق الذي حصل الخوارج، لما خرج الخوارج ما حجتهم كانت؟
باسم: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [يوسف: 40].
يوسف: وخوارج العصر الحديث أيضًا ماذا يقولون؟
باسم: الحكم لله. أبو الأعلى المودودي اعتبرها جزءًا أساسيًّا من دراسته.
يوسف: وبنوا عليها منظومة الحاكمية التي أقامت الجماعات والأحزاب.
باسم: التي وضع أسسها أبو الأعلى المودودي.
يوسف: المشكلة هم الحكم الذي يريدونه كل تفاصيل المذهب، عندهم طبعًا آلاف المحرمات ومئات الواجبات ولا أعرف ماذا، وكل هذا يقول لك إذا الدولة لم تضعه في قوانينها فهي لم تحكم…
باسم: بما أنزل الله.
يوسف: بينما الحكم الذي هو لله معناه أن الدولة تجعل فهم الأمور والبحث عن حقائقها كما هي موجودةٌ في الواقع، فقط هكذا، هكذا تقام.
باسم: أن لا تكون فرقةً في المجتمع.
يوسف: وأن لا يكون فرقةً طبعًا. تبني مجتمعًا آمنًا مسلمًا ثم تدرس كل الأشياء بناءً على حقائقها الطبيعية، ويمنع الزيف والخداع والكذب، فقط، مسؤولية الدولة أن مزيفًا مخادعًا كذابًا لا يدخل بين الناس وبين فهمهم للحقائق…
كيف تطبق المجتمعات المتقدمة جوهر الحاكمية الإلهية؟
باسم: سؤالي هنا منطلق من عقد مقارنةٍ ما بين المجتمعات العربية الإسلامية والمجتمعات الأخرى التي لا يشكل التدين أو مؤسسة التدين تأثيرًا في سياسة البلد سواء سياسيًّا أو اجتماعيًّا، المجتمعات الأخرى تقيم أحزابًا وهذه الأحزاب لا تسعى إلى التفرقة، بينما في مجتمعاتنا تقيم أحزابًا والأحزاب تقيم إلى التفرقة، دور مؤسسات التدين هنا، ألم تقرأ مثلًا {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39]؟
يوسف: لا هم أخذوا {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [يوسف: 40]، بعدها قال لك ما هو حكم الله؟ كل ما قاله أرباب المذاهب الأربعة مثلًا، أو ابن تيمية أو ابن القيم أو ما قاله مثلًا أبو الأعلى المودودي كما ذكرت، أو غيرهم أو سيد قطب أو إلى آخره، قالوا هذا هو حكم الله، يعني خلاص رجح ترجيحًا معينًا، بعدها جعله هذا حكم الله وصاروا يكفرون الدول والمجتمعات بناءً على هذا، وتفريق تحول إلى اقتتالٍ كما وصفت الآيات التي ذكرناها في الحلقة السابقة.
لكن {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} معناها لا تقبلوا أن يصادر عقولكم أحد، لا تقبلوا أن لا ترجعوا إلى السماوات والأرض وفهم الوجود كما هو، هذا معنى أمر {أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [يوسف: 40]، فلا تتبع وسطاء بينك وبين الله، ثم قال: {ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [يوسف: 40]، لاحظ كيف عاد إلى الفكرة.
كيف تتحقق إدارة المجتمعات بعيدًا عن سلطة المؤسسات الدينية؟
باسم: السؤال اعتمادًا على هذا المفهوم المطروح حاليًا من هذه الآيات، وحتى الآيات التي تم مناقشتها في الحلقات السابقة، إدارات المجتمعات، إدارات الدول أو المجتمعات في الدول الإسلامية بشكلٍ عامٍ، يعني، هذا يعني أن إدارات المجتمعات في الدول الأخرى التي لا تمتلك مؤسساتٍ دينيةً يعني لم تحكم بما أنزل الله؟ هذه المجتمعات التي بنت حضاراتٍ واضحةً، وتقدمًا تكنولوجيًّا ما عندها مؤسساتٌ دينيةٌ!
يوسف: لأنه لا يلزم هذه المؤسسات الدينية التي بُنيت على هذه المنظومة الفقهية، لا لازم لها في الإدارة أصلًا لأنها كلها إضافة على الدين القيم، ها هو نبي الله يوسف قال هذه الجملة لصاحبي السجن، ماذا قال؟ {ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [يوسف: 40]، يا جماعة خلاص انتهى، أنهى الموضوع. إبراهيم ماذا قال؟ {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا} [الأنعام: 83]، خلاص. انظر ما أسهل الأمر، ولكن يأتي على لسان نبيٍ بعد نبيٍ، من عهد نوح إلى من بعده، الأمر في غاية السهولة، بالعكس أنا أقول أيضًا يا دكتور من غير مجاملةٍ، هناك كثيرٌ من المجتمعات التي تُسمى أنها مجتمعات أو دول كافرة، هي أصلًا تبنت فكرة (إن الحكم إلا لله)، تحكم بما يريد الله، لماذا؟ لأنها، أولًا تمنع التفرق، تحافظ على الأمن، تحافظ على السلم، ثم تتيح وتبني العقول أن تفكر وتفهم الأمور كما هي بدون الدخلاء، وتحارب الزيف وتحارب الخداع وتجار الدين وتجار الكذب والخداع وإلى آخره.
فبهذه الطريقة، لماذا تحضرت؟ لأنها فعّلت فكرة (إن الحكم إلا لله)، حكم الله موجودٌ في الطبيعة عليك أن تنظر فتبحث فتجده، انتهى، هذا هو باختصار. وكل أمرٍ يستجد يقيمون عليه دراساتٍ على مستوى أبسط شيء، خطوط المشاة أين توضع بحيث تفيد المشاة أو لا تفيد، يقيمون قدر المستطاع من الدراسة بحيث يفيد الناس، هذا هو الذي ينبغي أن نفعله ونُفعّله حتى نفعّل جملة {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [يوسف: 40]، ليس نحولها إلى تكفيرٍ وتقسيمٍ وتفريقٍ للمجتمعات وخروجٍ على المجتمعات وإلى آخره.
باسم: يعني وضع ضوابط معيقة لتطور المجتمعات، حتى لسلوك الأفراد… يعني رب العالمين أعطى الإنسان حريةً مطلقةً في أن يفكر في خلقه، {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا} [آل عمران: 191]. نحن نجلب مؤسسات تضع مجموعةً من القيود والأحكام تمنع حتى العقل عن مجرد التفكير، يجب عليك أن تلتزم بالشيخ الفلاني بالطريقة الفلانية بالتشيع الفلاني بالتسنن الفلاني بالفقه…
يوسف: فترى مفهوم {أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39]. لاحظ الواحد يعني الإشارة إلى الوحدة، والقهار إشارة إلى أنه قانون الله غالبٌ على كل هذا، يعني كل هذا هراء، الشيء القاهر على الوجود هو ما تراه أمامك في الكون، لا تحتاج إلى وسيطٍ يدخل بينك وبينه إلا ليقرب الرؤية فقط، يعني قد يلفتك انظر أنت لم تلتفت لا تصدق كلامه، التفت فإن رأيت ما يقوله صوابًا خذ به، لأنك فهمته واقتنعت به هذه الطريقة، لأنه طبعا كثيرًا دكتور ما يقول لنا طيب أنت تنظر وأنت تقول، لا لا أنا غاية ما نفعله لفت النظر، نحن نريد أن نلفت النظر لما لم يلتفت له الناس، فإذا التفتوا خلاص.
باسم: يعني هذه الآيات الموجودة بين أيدي الناس منذ ألف وأربعمائة وخمسين عامًا، موجودة بين يدي الناس.
يوسف: أي نعم.
باسم: اقرأها تدبرها.
يوسف: لاحظ يوسف عليه السلام في النهاية أو في نهاية الآية بعد كلام يوسف ماذا قال الله تعالى؟ {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40]، يعني يصف لك الواقع هكذا أكثر الناس لا يعلمون.
باسم: وفعلًا أكثر الناس لا يعلمون حقيقةً، ولهذا يسوقهم شيخ بلفة أو بصولجان سواء كان قسًّا أو راهبًا أو شيخًا أو حاخامًا، يسوق الناس بالعصا.
يوسف: مئة بالمئة.
ما خطورة التفريق بين الله ورسله في نشأة التحزبات؟
يوسف: الآن هناك فكرة تطرحها الآيات أيضًا جعلت عاملًا من عوامل التفريق بين المجتمعات التفريق الديني الذي ولد الخوف والظلم وهي: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ…}…
باسم: {بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} [البقرة: 285].
يوسف: وفي الآية التالية: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا * أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء: 150-151]، طيب {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ} [النساء: 152].
الفكرة أين؟ أن هناك من يولد تفريقًا بين المجتمع بسبب التفريق بين الرسل. والله أنا تابعٌ للرسول الفلاني وأنت للرسول الفلاني، فأنا على صوابٍ وأنت على خطأٍ…
باسم: كما هو واقع حاليًا.
يوسف: المعيار بسيطٌ لا تفرق بين الله ورسله، طيب سؤال كيف أضمن أنني لم أفرق بين الله ورسله؟ الكل يدعي أنه لا يفرق بين الله ورسله، المعيار هو الله أم الرسل؟ سؤال مهم جدًا.
باسم: الله.
يوسف: طبعًا، فأنا حتى أفهم أن هذا فعلًا من الرسل -وكلمة رسل تشير إلى ما يحملونه من رسالةٍ طبعًا- كلمة رسل يجب أن يخضع ما هو منسوبٌ إلى الرسالة لله، لأنه طبعًا الله هو الواحد القهار، فلو اختلف الناس أن هذه من الرسل أو ليست من الرسل فبدأ يولد تفريقًا، جاءت الآية التي في سورة الشورى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10].
أي نعم إذن نعود مرةً أخرى إلى البذرة الأولى في عهد إبراهيم عليه السلام، اختلفنا هل هذا من الرسالة؟ نحن مثلًا نحاول شرح الرسالة، اختلفنا، هل هذا مضمونٌ في رسالة القرآن أم لا؟ من الحكم؟ الله. طيب كيف أصل إلى هذا الحكم حتى ألغي هذا التفريق؟ بالعودة إلى منظومة قوانين الوجود التي يسميها القرآن منظومة السماوات والأرض، فقط. الوجود الموضوعي الطبيعي هو من يحكم ويفصل لو حصل أي تنازعٍ أو اختلافٍ في فهم أمرٍ ما، هكذا تعاد الوحدة إلى المجتمعات.
ما المعنى اللساني لمفهوم “الأجر” المرتبط بعدم التفريق بين الرسل؟
باسم: في نفس الآية التي في سورة النساء الـ 152، الآيتان: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 152]، لاحظ هنا استخدم أجورًا بدلًا من هناك…
يوسف: الفلاح والغلبة، نعم.
باسم: الفلاح والغلبة. يعني يفسر لك تفسيرًا، يعني في النهاية أنا أعطيك أجرتك إذا تسلك هذا السلوك.
يوسف: صحيح. أي نعم، هكذا يفسرون.
باسم: فأنت ستأخذ أجورك إن سلكت هذا الطريق السليم أو قواعد الصراط المستقيم.
يوسف: مئة بالمئة. مئة بالمئة دكتور، وكلمة أجر هي المعاكس لكلمة رجأ، والرجأ هو التأخير، يعني الأجر هو أن تحصل على ما كان مدخرًا ومؤخرًا لك وأنت تسعى إليه.
باسم: مباشرةً حال إنجاز الأمر.
يوسف: أي نعم عندما تصل إلى تحقيق هدفك.
لماذا جاء ذكر “الأحزاب” دائمًا في سياق الذم؟
يوسف: طبعًا يبقى أن يقال إن الأحزاب جمع لا يمكن أن تأتي في سياق المدح في القرآن خلاص، لأنه إذا كان التجمع الصحيح هو تجمع واحد. لاحظ: {وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ…}، ماذا قال؟ كما ذكر {أُولَٰئِكَ الْأَحْزَابُ} [ص: 13]، لم يقل عنهم أولئك حزب مثلًا، يصبح كل مجموعةٍ تسير في اتجاهٍ على هواها.
{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ} [غافر: 5]، لاحظ إذا مجرد ما وجد عندي أحزاب دينية أنا أريد أن أستخدم الآلية اللسانية، سأقول لهم أنتم قرآنيًّا بدون أي تفكيرٍ مذمومون لأنكم لو كنتم فعلًا دينًا لكنتم أنتم والمجتمع كله بفطرته الطبيعية حزبًا واحدًا، لا يحتاج، الموضوع لا يحتاج إلى أحزاب دينية، لا يوجد شيء اسمه أحزاب دينية أبدًا.
باسم: يعني عندما يقول {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ} [غافر: 5].
يوسف: اي نعم، يصف كل الأقوام المكذبة.
باسم: يعني هنا، هل المقصود بالأحزاب هم الأقوام التي جاءت من بعد نوح شكلت أحزابًا مثلًا؟
يوسف: أي نعم، والتي نزلت عليها عقوبات الله السماوية أكيد، لماذا وصفها بالأحزاب؟ لأنها تجمعات وكل واحدةٍ على هوىً لا تسير مع الأخرى، لم تفلح يا دكتور أن تبني مجتمعًا آمنًا وسالمًا ومسالمًا، فكانت النتيجة الطبيعية أصغر كارثةٍ طبيعيةٍ تؤدي إلى انهيار هكذا مجتمعات.
باسم: يعني إنشاء حزبٍ على هذه الأسس، التي يشترك فيها الكل وتدعي أحقيتك في تمثيلها منبوذٌ مذمومٌ.
يوسف: مصادرة لما هو إنساني رباني إلهي بشري كلي، هذا هو العجيب يعني رأيت مستوى…
باسم: الآية واضحةٌ، كيف يجيز الناس أنه أنا أعمل حزبًا أسميه حزب كذا باعتماد أنه أنا أمثل الدين وأنا أمثل الله في الأرض وأنا أمثل الإسلام وأنا الحق وأنت لا تمثل شيئًا.
يوسف: لاحظ الآية تقول: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ…} [غافر: 5]. هم يجادلون، يجادلون بما هو باطل، الباطل من أين أتوا به؟ من الزيادة على المفاهيم البسيطة التي ذكرها إبراهيم وذكرها يوسف وغيرهم من الأنبياء.
وفي سورة غافر: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ} [غافر: 30]، يصف من قبل عهد موسى، طيب بعد دعوة موسى هل وصفهم بالأحزاب، من افترقوا؟ لاحظ هذا من نوح إلى موسى، انظر القرآن يعني الدقة: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53].
هذه الآية في سورة المؤمنون جاءت بعد الكلام على نبي الله عيسى ونبي الله موسى. كان الكلام على موسى {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ…} {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ} [المؤمنون: 46]، إلى أن قال بعد ما وصف مسيرة النبي عيسى وموسى قال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 51-53].
إذن صار عندي تعدد الأحزاب، لاحظ داخل ماذا؟ داخل الأمر، الأمر الديني، فقطعوا الدين نفسه إلى أحزاب والدين كله هو حزبٌ واحدٌ لا يتحزب، فقطعوه إلى أحزاب وكل حزبٍ فرح بما لديه.
كيف يمزق التعصب المذهبي وحدة الدين إلى “زُبُرٍ” متناحرة؟
باسم: أريد أن نلقي ضوءًا على كلمة “زبرًا”.
يوسف: أي نعم.
باسم: هل المقصود هنا التقسيم؟ هل يمكن ربطه مثلًا مع زبور داود؟ {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء: 163]؟ هل الزبر هنا تعني التقسيم أو التحزب وفق منظومةٍ معرفيةٍ خاصةٍ؟
يوسف: أولًا “الزبر” هو القطع فيما هو أصلًا شديد، يعني القطع الشديد والواضح الذي يبرز كل قطعٍة عن الأخرى مختلفة، لذلك نجد في سورة الكهف على رسالة ذي القرنين {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} [الكهف: 96]، أما {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} هو واحد، يعني هو قطعة، نحن قلنا أن الموضوع تدرج من الوصايا إلى الصحف إلى… وكان هناك التوراة والإنجيل والزبور، فهو شيءٌ واحدٌ وصغيرٌ مكتوبٌ على قطعةٍ فسُمي ماذا؟ زبورًا. لكن “الزبُر” التي هي الجمع… الزبَر عفوًا {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ}، لاحظ قرنها بالحديد شدة الحدة، فهي فِرق شديدةٌ على بعضها، كل فرقةٍ شديدة السطوة واللسان…
باسم: لكن هنا {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا}، هل الزُبُر هي نفسها الزُبَر؟
يوسف: لا، زُبرًا حال، هي جاءت بوصف الحال، يعني تصف حال التقطع الذي حصل بينهم، يعني كيف تقطع أمرهم بينهم؟ زبرًا، فهو يصف الحال بأنها تقطيعٌ شديدٌ، فكل فرقةٍ، كل حزبٍ من هؤلاء شديدٌ على الآخر، فيتولد بالتالي الاقتتال بينهم.
باسم: يعني بأسهم بينهم شديد.
يوسف: بالضبط وينهار المجتمع.
باسم: وهذا ما يتبدى حاليًا ما بين هذه الفرق الموجودة عند المسلمين.
يوسف: مئة بالمئة طبعًا، هي تكفر بعضها بعضًا أصلًا، يعني هذه الفرق كلها يكفر بعضها بعضًا وكلها يستبيح بعضها بعضًا.
باسم: حتى قسموا هذا المسجد يتبع الشلة الفلانية، هذا يتبع الشلة الفلانية، هذا مع كذا وهذا مع كذا.
يوسف: أي نعم، أي نعم، بطريقةٍ أو بأخرى، كل فرقةٍ تستبيح الأخرى. ولذلك كان هناك بذرةٌ خصبةٌ لأي احتلالٍ أو استعمارٍ للأسف في المنطقة عندنا، يوجد بذرةٌ مهيأةٌ لإشعال النار، هم يقولون لك والله هم فرقونا، لا لا لا لو لم تكن بذور الفرقة موجودةً لا يمكن إشعالها. من الذي أشعل بذور الفرقة أصلًا؟ رؤوس هؤلاء الأحزاب والطوائف والفرق التي جعلت المجتمع مختلفًا، هؤلاء هم صراحةً لا يجوز أن نتوانى أن نصفهم بالإجرام حقيقةً، لأن نتائج أفعالهم أدت إلى كل الانهيار والاستباحة والخوف والرعب الذي نشهده.
باسم: وتحولت هذه الفرق أو هذه الزبر تحولت إلى مجموعةٍ من الطوائف، وهذه الطائفة صارت… وطن الطائفة هي الطائفية نفسها، فالطائفية حتى تحمي نفسها ضد آخر تلجأ إلى الخارج.
يوسف: صحيح مئة بالمئة.
باسم: الجغرافيا لا تشكل موطنًا آمنًا لهذه الطائفة، إنما المحتل أو قوى خارجية هي يعني تُستجلب أو يتم اللجوء لها لكي تحتمي الطائفة بها ضد الآخر الذي هي تتعايش معه بنفس المكان.
يوسف: أي نعم، يعني ماعت الهوية، أصبحت مائعة.
باسم: فالخطورة فعلًا، فعلًا يوجد خطر، إن التفريق فعلًا خطرٌ على المجتمعات، التحزب فعلًا فيه خطر على المجتمعات على أسس تدينية.
ما علاقة الظلم باختلاف الأحزاب من بعد الأنبياء؟
يوسف: ولذلك ذكروا -كما قلنا بعد نوح بعد موسى- الآن بعد عيسى، على لسان نبي الله عيسى في سورة مريم، بعدما ذكرت الآيات كيف خُلق عيسى، قالت على لسانه: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [مريم: 36]، هكذا قال عيسى لمن بعده وللبشر في زمنه، ماذا حصل؟ {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [مريم: 37].
وفي سورة الزخرف أيضًا في سياقٍ مشابهٍ تمامًا بعد الكلام على نبي الله عيسى: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا…}.
باسم: {مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [الزخرف: 65].
يوسف: لاحظ، حتى لا يفسر أحدٌ الكفر بطريقته قال لك في سورة مريم {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا} [مريم: 37] وقال في سورة الزخرف ماذا؟
باسم: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا}، فالكفر هو الظلم.
يوسف: الظلم أن تظلم الناس وهو درجات، كلما ازداد الظلم كلما ازداد الكفر، ليس الكفر تصورات، مرةً أخرى نقول يا جماعة، الله غنيٌ عن العالمين، هذا استغباء حصل للناس بطريقةٍ فظيعةٍ جدًا، يصورون الكفر إذا تخيلت كذا وإذا قلت كذا، هو الله ما الذي يضره؟ تخيلت أو لم تتخيل؟ إذا ظلمت فقد بدأت في الكفر صغيرًا ثم يكبر كلما ازداد الظلم، واربط هذا بآيات النبي إبراهيم {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ}.
باسم: الكفر يعني هنا هو إظهار حال، ليس مجرد…
يوسف: اي نعم، لأن الظالم يعرف أن هذا حقك وليس حقه، لما يعتدي ألا يعرف هو؟ يعرف، يغطي على ما يعرفه فيسلك سلوكًا ظالمًا، هذا هو، ولذلك الكفر هو من جهة، لماذا سماه كفرًا؟ لأنه ينكر ما يعرفه وما يعرف حقيقته وما هو معروفٌ لكل الناس.
باسم: ونتيجته، ونتيجة هذا الإنكار هي الظلم.
يوسف: بالضبط. فلما قال إبراهيم عليه السلام {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]، ورأيت هذه بعد النبي عيسى، رأيت كيف منظومة القرآن واحدة لا تتجزأ، هذا هو.
كيف واجه النص القرآني تحزبات أهل الكتاب والمشركين في عهد الرسالة؟
يوسف: وفي عهد الرسالة الخاتمة نفس الفكرة موضوع الأحزاب، استخدم للدلالة على الذم، قال تعالى: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً} [هود: 17]، كيف عرفنا أنه الآية عن الرسالة الخاتمة؟ يقول: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ}، إذن الآية تتحدث عن عصر الرسالة الخاتمة، {أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}، ثم قال: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ…} مَن؟
باسم: {الْأَحْزَابِ}.
يوسف: مجرد يا جماعة ما عملتم الدين أحزابًا أنتم بدأتم تكفرون بهذا الكتاب وتخرجون عن حيزه ونطاقه. طبعًا نحن لا نقصد التكفير الذي يقصدونه هم والذي يبيحون به الدم والمال وكذا، نقصد أن تنكرون الحقيقة، تبدؤون بتفريق المجتمع، بإحداث الاختلاف، بإحداث الظلم والاقتتال، وبالتالي انهيار المجتمع كاملًا.
ولذلك قال: {فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [هود: 17]. وكما قلنا إنه سيصطلي بحرارة ونتيجة هذا الفعل.
باسم: أفعالهم يعني.
يوسف: أي نعم.
هل يؤدي اتباع الأحزاب إلى إنكار بعض الكتاب؟
يوسف: وفي آيةٍ أخرى {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} [الرعد: 36]. عجيب يعني يقول لك كيف؟ نحن لا ننكر بعضًا من القرآن، كيف لا؟ لما تلغي شيئًا من القرآن بقول فقيه وإلا برواية.
باسم: ألغيت القرآن.
يوسف: بدأت تنكر، يعني جزء من أسباب التحزب أنك تترك آياتٍ من القرآن لحساب ماذا؟ قال فلان وقال فلان، أليس كذلك؟
لذلك قال لهم: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ} [الرعد: 36]، لا تضع… خلاص الله أعطاك الكون وأعطاك الفطرة وأعطاك الكتاب المسطور، ماذا بعد ذلك؟
باسم: الله أعطى الإنسان الكون على اتساعه، تروح تجزئه أنت وتقسمه.
يوسف: وتحصره في شيخ وإمام طريقة وإمام مذهب وقائد حزب.
{جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ} [ص: 11]، هذه أيضًا في سورة صاد تصف الأحزاب إن نتيجتها كما كانت الغلبة…
باسم: الانهزام.
يوسف، نعم، نتيجتها الانهزام. ولذلك لما حصلت المعركة في عهد الرسول الخاتم عليه السلام قال: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ…} [الأحزاب: 22]، ماذا وصفهم أولئك الذين تجمعوا يريدون أن يفسدوا مجتمع المدينة الذي يعني الرسول عليه الصلاة والسلام بناه مجتمعًا مسلمًا آمنًا، فقط هذا هو، وكان فيه مكوناتٌ كثيرةٌ، الشروط الوحيدة التي وضعها عليهم أن يعيشوا في مظلةٍ من السلم والأمن ولا يظلم أحدٌ أحدًا.
الآن الذين جاءوا من خارج المدينة وصفهم القرآن بالأحزاب، هم صحيح تجمعوا لكن بينهم تفرق، يعني لو كانوا قد انتصروا على أهل المدينة لصار يضرب بعضهم بعضًا، لأنه كل واحد له فلسفة خاصة، كل واحد كما ذكرت دكتور يعني يشكل هويته من داخل طائفته ويبدأ يستعين بمستعمر ومحتل ليعزز قوته، فالنتيجة لو انتصروا سيضرب بعضهم بعضًا في النهاية.
فقال: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا…} [الأحزاب: 22]، فوصفهم بماذا؟ وصفهم بالأحزاب، وهذا في عهد الرسالة الخاتمة.
ما الخلاصة النهائية للفارق الجوهري بين حزب الله وحزب الشيطان؟
يوسف: إذن الخلاصة حزب الله هو كل البشر الذين يقبلون السلم والأمن والسير على قوانين الله، حزب الشيطان هو كل من لا يريد القيم المثلى هذه: الحفاظ على النفس الإنسانية والحفاظ على البشر.
باسم: فيرتد عن حزب الله ويدخل حزب الشيطان.
يوسف: أما أحزاب داخل الدين فكلها من عهد نوح إلى محمد عليه السلام مذمومةٌ لم تأتِ ولا مرةً في سياق المدح، الدينية طبعًا هذه أحزاب دينية. استخدام أحزاب سياسية هذا مصطلح.
باسم: وكأن أحزابنا اليوم هذه التي تقام على أسس استئثارٍ بالدين أو بالتدين لم تقرأ هذه الآيات، يعني كيف يبرر هؤلاء الذين يدعون تمثيلًا للدين إنشاء أحزابٍ مذمومةٍ في النص القرآني؟ والآخرون، المجتمعات التي تنصت لهذا التثقيف، تهز الرؤوس والآيات واضحة وضوح الشمس.
يوسف: يبدأ الأمر بإقناع الناس بتقديس ما ليس مقدسًا، وتغلفة هذا الأمر بأغلفةٍ كثيرة…
باسم: شيء مذهل.
يوسف: الخوف.
باسم: لا يقرأون القرآن.
يوسف: أتفهم يا دكتور هذا التعجب، لكن للأسف، هذا هدفنا على كل حال من الحلقات فلعله أن يكون لها ثمرةٌ ونتيجةٌ.
باسم: يعني الآيات التي قُدمت حتى الآن وكأنها عبارةٌ عن خطةٍ كاملةٍ لعلاج المجتمعات سلوكيًّا والدفع باتجاه وضع أسسٍ لحياةٍ فعلًا حياةٍ كريمةٍ للمجتمعات، حياةٍ كلها فلاح.
يوسف: صحيح مئة بالمئة، وهذه الخطة العلاجية نجد سياقًا كاملًا في سورة آل عمران من صفحتين، يصف لنا خلاصة كاملة لكل ما ذكرنا، يخاطب الذين آمنوا فيبدأ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، طيب الآن، إذن هو يخاطب المجتمع الذي قبل فكرة ماذا؟
باسم: الإسلام.
يوسف: الأمن والإيمان، {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} فهمنا، بمعنى توقّ من كل ما يؤدي بك إلى الضرر مما أقام الله أدلته في الوجود والكون هذا هو. {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} أقلها أن تسلم غيرك من شرك.
باسم: يعني تكف شرك عن غيرك.
يوسف: أعطاك نواة المجتمع. ثم قال… هذا بناء أليس كذلك؟، ثم قال {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]. لا تنشئ لي فرقًا، لا تنشئ أحزابًا، احذر بداية إنشاء الفرق والأحزاب الدينية يخالف الآية الأولى التي بنى فيها، يهدم الآية الأولى. {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً} [آل عمران: 103]، قبل هذه الحالة أنتم كنتم أعداءً قبل مجيء الرسالة صح؟
باسم: {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ}.
يوسف: وأعادوهم أعداءً بعد موت الرسول مباشرةً، أعادوا هذا، عادوا مباشرة، تفرقوا إلى سنة وشيعة ثم فرق في السنة ألف فرقة وفي الشيعة ألف فرقة.
{فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]، هذه الأخوة ليس تقول لي أنا حزبي هم الإخوان مع بعضهم بعضًا والباقي أقل درجة، أو أصلًا ليس منا وحزبه… رأيت كيف. الأخوة هنا أخوة بشريةٌ كبرى بين كل من دخل ضمن نظام الأمن واتقاء الشرور وإسلام الآخرين من الأذى هذا معناه.
باسم: هو لما يقول لك هذا أخونا بالدين، بمعنى أنه نضمن له العدالة في الوجود معنا.
يوسف: أي نعم.
باسم: هذا المقصود بالأخوة في الدين.
يوسف: بالضبط، هذه المنظومة القيمية التي قلناها هي التي شكلت الأخوة، ولذلك كان يقول عن كل نبيٍ {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [هود: 50] {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [هود: 84]، لماذا؟ لأنه أتاهم بمبدأ الأخوة، قال لهم أريد أن نكون إخوةً يأمن بعضنا بعضًا ويسلم بعضنا من شر بعض ونقيم العدالة، نقضي على المخالفات التي ذكرناها في حلقات القصص، قصص الأنبياء، وكل يتكامل نحو نفس الفكرة نفس الجوهر.
{وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ} [آل عمران: 103]، ما معنى على شفا حفرةٍ من النار؟ لو كان المقصود فقط كما يفسرون أنه نار الآخرة، لماذا على شفا حفرة؟ طيب ما هم عاشوا بعدها عشرات السنين.
باسم: ما وقعوا فيها.
يوسف: ما وقعوا فيها ولم يموتوا، لو كانت النار المقصودة هي النار التي بعد الموت لا يمكن أن تصف الآية الوضع الذي كانوا عليه {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ}، لكن هو يقصد النار التي يبدأ يصطليها المجتمع في حياته الدنيا بسبب التفرق والتحزب القائم على الأسس الدينية.
باسم: {فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} [آل عمران: 103].
يوسف: أي نعم، وقال لهم {كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ} [آل عمران: 103]، بين يا جماعة أم ليس بينًا؟ هل أحتاج من يبين لي بعد هذا؟ {كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ}. تقول لي: لا لا ليس بينًا سآتيك، أو اذهب ابحث عن أسباب النزول وماذا قال فلان وفلان وماذا قال الطبري وماذا قال ابن كثير وماذا قال البغوي حتى نتبين معنى الآية.
{لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103] إلى الصراط المستقيم.
ما الفرق بين الأمة القائمة بالقسط وبين الحزبية الضيقة؟
يوسف: الآن طيب يقول لي قال طيب، المجتمع يحتاج إلى إدارة، تحدثت الآيات {وَلْتَكُن مِّنكُم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} [آل عمران: 104]، الآن في وصف إدارة المجتمع دكتور، هل يدار المجتمع عن طريق حزبٍ يتبنى فكرةً دينيةً مثلًا تجاه باقي المجتمع الذي هو أصلًا في هذا الاعتبار معناه لا علاقتنا له بالدين؟ أم ماذا تصف الآية الموضوع؟ {وَلْتَكُن مِّنكُم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، ثلاث كلمات عُوّل فيها على إعطاء الحرية المطلقة والمسؤولية الكلية على تقديرات البشر، التفاصيل لا تأتي من كتبٍ عمرها 1200 سنة ولا تأتي من أجنداتٍ حزبيةٍ أُلِّفت لأغراض الله أعلم ما هي، تأتي من واقع {وَلْتَكُن مِّنكُم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ}.
باسم: لاحظ هنا هو استخدم لفظًا، لم يقل ولتكن منكم مجموعة أو فرقة أو حزب، قال {وَلْتَكُن مِّنكُم أُمَّةٌ}.
يوسف: أي نعم.
باسم: فرض فيها الانسجام المتكامل ما بين هذه المجموعة التي ستقود المجتمع.
يوسف: صحيح.
باسم: {يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}.
يوسف: المفاهيم الثلاثة هذه الخير والمعروف والمنكر، لاحظ كيف أطلقها النص، لماذا؟ لأنها تتغير إسقاطاتها بحسب الزمان والمكان.
باسم: وبحسب المستوى المعرفي الذي عليه المجتمع.
يوسف: أي نعم. فالآن الناس تعارفوا على أن هذا الأمر جيد وجربوه وجربوا نتائجه، أو تعارفوا أن هذا منكر وجربوه وجربوا نتائجه المنكرة، خلاص. هل هناك مستوى أعلى من الحرية وإتاحة المجال للبشر أن يدرسوا في كل عصرٍ ما هي القوانين الناظمة لحياتهم فينظموها؟
باسم: فعلًا مذهلٌ، حقيقةً مذهلٌ.
يوسف: {وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]. هذا حزب الله لاحظت. {وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. عاد فقال لهم {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 105]. ليس بسلطان الأمة هذه التي قلت لكم معناها تقول لا أنا أنشأت فرقة أو حزبًا لكي أتولى دور الأمة هذه التي تأمر بالمعروف وتنهى، لأنه لو كانت حقًّا أمةً لن تكون حزبًا ولا فرقةً، فقال لهم {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105]، أين البينات؟ يقول لي المعروف، لا المعروف ليس بينًا، يا أخي الآية تقول لك {مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} إذا لم تكن كلمة البينات هنا عائدة على الخير والمعروف والمنكر على ماذا ستعود؟ يقول لك لا لا المعروف شرحه العلماء وأصبح مكتوبًا في الكتب، والمنكر شرحوه، طبعًا علماؤه هو علماء مذهبه فرقته طائفته وحزبه.
باسم: وينكر أن الله وضع هذه التفاصيل.
يوسف: نعم، والآية ماذا وصفت هذا؟ بالبينات، يعني واضحة، طيب يقول لي لا ليست واضحة، لا، واضحة ولكن عليك أن تسقطها بما يناسب زمنك، معروف ومنكر وخير، انتهى الموضوع. {وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105].
ما الدلالة القيمية لابيضاض الوجوه واسودادها يوم القيامة؟
يوسف: ثم قال {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106]، وهذه أيضًا فيها وقفةٌ شديدة الأهمية، لأنه دكتور البياض معناه الاتجاه نحو الصفاء المطلق الذي تزول فيه الشوائب، هذا المعنى ليس المعنى طبعًا تقسيم لوني، والوجوه كلمة تشير ليس للوجه الحسي بقدر ما تشير إلى التوجه الذي أنت تسير إليه، إذا أنت سرت على هذه المنظومة ستبيض وجوهك يعني اتجاهات المجتمع التي يسير فيها.
باسم: ستصبح واضحةً وبينةً وبالتالي…
يوسف: هو طبعًا يقول لك لا، يوم القيامة يخرج هذا وجهه أبيض هذا وجهه أسود، ولذلك بعض الناس يقولون هذه الآية عنصرية، لماذا هم يقولون عنصرية؟ لأنه فسرت خطأً، فسرت أن بعض الناس يأتي يوم القيامة وجهه أبيض، وبعض الناس وجهه أسود، طب من خلقه الله أصلًا وجهه أسود كيف ستشرح له هذه الآية بالله عليك لكل الأمم التي خلقت هكذا؟ انظر كيف أحيانًا التفسيرات هذه التراثية تخلق…
باسم: تنفر.
يوسف: يعني شرخًا عنصريًّا هائلًا في المجتمع البشري.
باسم: تنفير ضد البشر.
يوسف: أي نعم، لكن لو أخذت البياض بمعناه اللساني الكبير بما هو تخلص من الشوائب والمنغصات وصولًا إلى الصفاء والنقاء الكامل، وفهمت السواد بمعناه الذي هو زيادة الشوائب شيئًا فشيئًا حتى يصبح المجتمع في حالةٍ شديدة الظلام وشديدة العكورة، وبالتالي لا أحد يفهم على أحد ولا أحد يأمن من شر أحد، هذا معناه.
{فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} [آل عمران: 106]، لاحظ {أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} أنتم رأيتم نتيجة الإيمان والمجتمع الآمن لكن أنكرتم هذه الحقيقة، {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 106].
باسم: أيضًا يربط الخسران بعدم اتباع الصراط المستقيم.
يوسف: أي نعم. {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ} [آل عمران: 107]، تتذكر دكتور والسادة المشاهدين لما قلنا {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} [هود: 118-119]، لأنه لما ألغى الاختلاف الديني هذا وعاد إلى الوحدة دخل تحت مظلة الرحمة، هذا هو، هذا هو البياض الصفاء، النقاء في التوجه الذي تتحدث عنه الآيات الكريمة هذا معناه.
{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} [آل عمران: 108]، يعني ما بعد ذلك باطلٌ، لا يزاودنَّ أحدٌ على هذا الكلام، كيف يستبيح الناس أن يزيدوا ويزاودوا على هذا؟
باسم: يعني لا يضع أطنانًا من الكتب يفسر على هواه.
يوسف: أي نعم. وفي هذا السياق جاءت الآية… طبعًا لما قال {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [آل عمران: 109]، كأنه يشير إنه إذا استجبتم أنتم من ستكسبون، إذا لم تستجيبوا ستبقى منظومة الوجود والسماوات والأرض لله وسيذهب من يخالفها، بالضبط كما يذهب من يمشي عكس النهر.
ثم قال هنا {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، لاحظ، الآن إسقاط هذه الآية أيضًا في معظم فترات التاريخ الإسلامي وحتى في عصرنا الحالي أسقطت بطريقةٍ تشعر المسلمين الذين طبعًا يتبعون هذا التفسير بالنرجسية على باقي الأمم، لذلك خلقت حاجزًا ومنعت كثيرًا من الناس من القدرة على الاندماج مع المجتمعات الأخرى، هو يرى نفسه أنه ماذا؟ خير أمة.
باسم: حتى دفعت أحدهم أن الله خلق المسلمين أو العرب بالذات ليفكروا للمجتمعات، وخلق المجتمعات لتصنع لهم دباباتٍ وطياراتٍ ليستخدمها هو.
يوسف: تخيل. عجيب يعني، عجيب فعلًا.
فهذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس ليست تحديدًا عرقيًّا ولا جغرافيًّا ولا عنصريًّا ولا تحت أسماء مستغلة، هو وصف…
باسم: سلوكي.
يوسف: وصف لك سلوك هذه الأمة كما قرأته في الآيات السابقة، فقال هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس، عاد ليذكّر، قال لك: {وَلْتَكُن مِّنكُم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}، حتى لا تقول لم أفهم ماذا قال؟ {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، هذه هي المحددات الواضحة جدًا.
باسم: يعني كأنه يحدد السلوك الفعلي للناس.
يوسف: أي نعم. يحدد فقط الإطار العام ويحيل لهم أن يتحملوا مسؤوليتهم في تمييز المعروف من المنكر، لكن المظلة الكبرى الإيمان الذي هو الأساس الكبير الذي تقوم عليه المجتمعات، والذي لو قام عليه من أوتي الكتاب قبل ذلك لكان قد أنشأ مجتمعًا سالمًا مؤمنًا، {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم} [آل عمران: 110].
باسم: دكتور شكرًا كثيرًا لك، فعلًا تم إيضاح هذه النصوص وتم قراءتها بشكلٍ فعلًا يجعل الإنسان يذهل، لماذا تأخر المسلمون أو العرب بشكلٍ عامٍ عن فهم هذه الآيات؟ وبالتالي أصابهم الخسران نتيجة عدم قراءتها أو حتى عدم فهم مقاصد هذه الآيات.
يوسف: شكرًا لك وللسادة المشاهدين والمشاهدات.
باسم: شكرًا لك دكتور يوسف، وإن شاء الله نلتقي في حلقةٍ أخرى من برنامج “مفاهيم”، شكرًا لكم وإلى اللقاء في حلقةٍ جديدةٍ من برنامج “مفاهيم”، إلى اللقاء.