Skip to content Skip to footer

لغز السياسة في الأديان الثلاثة: مَن غيّر الآخر.. النص أم الإمبراطورية؟ د. عبد الإله بلقزيز الجزء الثاني

يستمر المفكر والفيلسوف د. عبد الإله بلقزيز في الإجابة عن الأسئلة الصعبة: هل حمل المسيح مشروعًا سياسيًّا؟ كيف حول بولس الرسول المسيحية لديانةٍ عالميةٍ؟ مَن غيّر الآخر؛ الإمبراطورية أم الكنيسة؟ ولماذا غابت البابوية عن الإسلام؟ تفاصيلٌ وأسرارٌ تُكشف في الجزء الثاني من لقائه مع الإعلامي ياسين عدنان في #بودكاست_في_الاستشراق على #منصة_مجتمع.

 

هل كان للمسيح مشروعٌ سياسيٌ أم رسالةٌ روحيةٌ خالصة؟

الدكتور بلقزيز سنمر من فكرة الاندماج الكامل الديني والدنيوي عند اليهودية إلى لحظة أخرى فارقة ربما هي المسيحية التي ستطرح أكثر من سؤال على هذه العلاقة ذاتها. هل مثلًا كانت دعوة المسيح جزءًا من التقليد النبوي اليهودي أم انفصالًا عنه وتأسيسًا جديدًا لأطر اعتقادية مختلفة؟ وقبل قليل أشرت إلى يسوع ولا ننسى أن يسوع من سلالة داود ولُقب بملك اليهود، واتهم من طرف الكهنة اليهود بأنه يريد استعادة ملك داود وبذلك أوقعوا بينه وبين السلطة الرومانية. كيف شوّشت مثل هذه التهمة السياسية على دعوة المسيح ومشروعه؟

بلقزيز: أما أن المسيح ينتمي إلى تقليد النبوة اليهودي فهذا مما لا أشك فيه؛ يعني المسيح يسوع على الأقل في الرواية الرسمية جزء من هذا التقليد اليهودي الذي يقضي بوجود أنبياء يقدمون الخدمة الدينية للجماعة الاعتقادية. بعبارة أخرى لم يكن يتطلع إلى تأسيس دين جديد منفصل عن اليهودية، كان يعتبر نفسه جزءًا من هذا التقليد ولذلك حافظ على الناموس -أي على الشرائع اليهودية- وحافظ على طقس الختان وهو الذي تميزت به جماعة بني إسرائيل، وحواريوه من التلامذة حافظوا على طقس الختان. يعني الجماعة اليهو-مسيحية تسمى الجماعة اليهودية المسيحية ظلت في دائرة تعاليم السيد المسيح التي تقضي على على من يريد أن ينتمي إلى دعوته -أي إلى أن يصبح مسيحيًا- أن يختتن وأن يحترم الناموس يعني شريعة موسى. وهناك خلاف حول ما إذا كان صاحب مشروع سياسي أم ليس لديه مشروع سياسي، وأنا تناولت تفاصيل هذا الخلاف في الكتاب وأنا أميل إلى القول بأنه لم يكن صاحب مشروع سياسي واستدللت على ذلك بقرائن عديدة.

أما أن يقول كبير الكهنة لبيلاطس -الحاكم الروماني أو ممثل السلطة الرومانية- بأن هذا يدعي أنه ملك اليهود وأنه يريد أن يعيد بناء ملك داود أو مملكة داود، فالهدف كان هو الإيقاع بينه وبين السلطة الرومانية؛ لأنه أن يكون يسوع أو عيسى -بلساننا نحن- أن يكون صاحب مشروع سياسي يريد أن يقيم دولة معناه أنه يزاحم السلطة القائمة وهي الدولة الرومانية التي كانت على أرض أورشليم فلسطين كما يقولون في روايتهم الرسمية. بينما نجد في تعاليم المسيح نفسه الكثير من الشواهد التي تقول بأنه لا علاقة له. حينما يرد على تلامذته أو حينما تحداه الفريسيون مثلًا وقالوا له هل نعطي الجزية لقيصر أو لا نعطي الجزية لقيصر حتى يستدرجوه إلى أن يرتكب خطأ، فقال لهم أمسك العملة ماذا يوجد هنا؟ قالوا صورة القيصر، قال إذن: “أعطوا لقيصر ما لقيصر وأعطوا لله ما لله”. أو حينما سئل في مناسبات كثيرة وقال أنا لست هنا لأقضي بينكم، لأن الذي يقضي هو الحاكم. أو حينما قال: “مملكتي ليست من هذا العالم”، وهذا أوضح تعبير.

كان هاجس السيد المسيح هو أن يجمع هذه الجماعة على فكرة إيمانية مقتضاها أننا ينبغي أن نتطهر من الخطيئة لكي نكون جاهزين حينما يحل الملكوت الإلهي في هذا العالم. وطبعًا التطهر، التطهر لم يكن في عهد المسيح، لم يكن هو التعميد، المسيح لم يعمد أحدًا؛ الذين أتوا بعده هم الذين أصبحوا يعمدون، بل هو نفسه عُمّد من يوحنا المعمدان في نهر الأردن.

فإذن هو صاحب دعوة دينية. والذين يحاولون أن يعثروا على شبهة وليس حتى على سياسيات في النص الإنجيلي أو غيره -شبهة سياسيات فيه- هؤلاء غرضهم الأساسي التسويغ للعلاقة التي ستقوم بين المسيحية والدولة الرومانية؛ أن السياسيات موجودة في الأصول ولكنها فشلت إلى أن اعتنقت الإمبراطورية الرومانية المسيحية.

عدنان: وهو ما سنعود إليه بعد قليل.

 

كيف أسس بولس الرسول للمسيحية كديانة عالمية منفصلة؟

عدنان: إنما قبل ذلك إذا سمحت، أريد أن نتوقف مع لحظة فارقة وهي لحظة بولس الرسول، المؤسس الفعلي للمسيحية كديانة، لأنه بالنهاية إذا كان السيد المسيح يدعو إلى الناموس ويحافظ عليه وحافظ على طقس الختان، فالذي سينجز القطيعة النهائية مع اليهودية كان هو بولس الرسول الذي خرج من القمقم اليهودي ليفتح دعوة يسوع على العالمية ويجعلها ديانة تخاطب الإنسانية جمعاء وليس شعب الله المختار وحده. نتوقف مع بولس الرسول.

بلقزيز: بولس الرسول هو شخصية محورية في تاريخ المسيحية لأنه هو المؤسس الفعلي للمسيحية، كما أن عزرا هو المؤسس الفعلي لليهودية.

عدنان: صحيح.

بلقزيز: بولس الرسول هو أصلًا كان يهوديًا وكان اسمه شاول وكان مشتدًا -كما يقول في رسائله- كان مشتدًا على أتباع المسيح وكان يضطهدهم إلى آخره، إلى أن حصلت له أزمة نفسية وهو في طريقه إلى دمشق فاعتنق المسيحية وسمى نفسه رسولًا، والحال أنه ليس من الرسل؛ يعني الرسل -على فكرة- حتى نكون واضحين، الرسول في المسيحية ليس هو الرسول في الإسلام. الرسول في الإسلام هو من يبعثه الله من يرسله إلى قوم بعينهم، أما الرسل في المسيحية فهم الذين أرسلهم السيد المسيح لكي يكرزوا أي لكي يبشروا…

عدنان: من الكرازة.

بلقزيز: الكرازة، من الكرازة، لكي يبشروا بتعاليمه في الناس. فهو سمى نفسه رسولًا…

عدنان: لا يمكن أن يكون رسولًا للمسيح ولم يلتقِ المسيح ولا يعرفه.

بلقزيز: سمى نفسه رسولًا وأجيزت التسمية حتى من قبل الحواريين، لأنه حينما ذهب إلى أورشليم؛ ذهب مرتين، ذهب إلى أورشليم والتقى يعقوب وسمعان الذي أصبح اسمه بطرس وغيره من الحواريين، قضى فترة طويلة معهم. وفي المرة الثانية أقنعهم بوجوب اعترافهم بالإنجيل الذي يكرز به، هو يكرز بطريقة أخرى تختلف عنهم. جماعة الحواريين -تلامذة السيد المسيح- كانوا يكرزون انطلاقًا من فكرة أن من يعتنق المسيحية ينبغي أن يختتن وأن يتمسك بشريعة موسى، -وطبعًا هذا ماذا يعني؟ أنه لن يتمسح أو لن يتنصر إلا من هو على دين اليهودية، وستصبح المسيحية نفسها هي كاليهودية…

عدنان: الاستمرار داخلها.

بلقزيز: الاستمرار من داخلها. أما بولس الرسول فألغى طقس الختان وقال إن الذي يختتن ليس الغرلة وإنما القلب، وتعرف أن الختان هو الطهارة، طهارة القلب وليس طهارة الغرلة. لماذا قال ذلك؟ لأن الوثنيين أو الأمم هكذا كانوا يسمونه لا يختتنون، إذن إذا فرضنا الاختتان شرطًا لكي تعتنق المسيحية فمعنى ذلك أنه لن يعتنقها…

عدنان: البقاء في القمقم.

بلقزيز: لن يعتنقها إلا الذين يخضعون لشريعة موسى.

عدنان: إلا اليهود.

بلقزيز: لذلك اعتبر أن هذه الديانة ينبغي أن تنفتح على الأمم، ولكي تنفتح على الأمم ينبغي إلغاء طقس الختان والاعتياض أو الاستعاضة عنه بالتعميد، نقطة على السطر، وهكذا صار.

فهو جاء إلى أورشليم لكي يناقش الحواريين في هذا الشأن، طبعًا هم مختلفون معه لكن انتهوا إلى اتفاق يقضي بأن تكون الكرازة بطريقتين: بطريقته هو مع الأمم وبطريقتهم هم، الذين لا يريدون أن يخرجوا عن التقليد اليسوعي، وهكذا كان.

لذلك انتهت كنيسة القدس -كنيسة أورشليم- انتهت من التاريخ، واستمرت الكنائس الأخرى في أوروبا وهي التي أقامها، باستثناء بطرس الذي ذهب إلى أوروبا وأقام الكنيسة في روما لأن البابا يحكم باسم كرسي بطرس الرسول -بطرس الرسول تلميذ يسوع- أو الكنائس التي أقامها بولس في مناطق الإمبراطورية الرومانية في أنطاكية وغيرها هي التي استمرت.

فإذن الهدف كان عند بولس الرسول.. -وهو يهودي ليس شخصًا طارئًا على اليهودية حتى نقول إنه كان يكيد لها، يعرف اليهودية من الداخل ويعرف أنها محدودة الأفق لأنه يتحرك داخل نطاق القبيلة لا يبرحها، ولكي تصبح المسيحية ديانة قادرة على الاستمرار في التاريخ ينبغي أن تصبح عالمية- ولذلك هو اتخذ هذا الموقف من الختان، طقس الختان وألغاه، فأصبحت المسيحية دينًا جديدًا انفصل عن اليهودية. فهو بهذا المعنى الذي أسس المسيحية لا باعتبارها لحظة في اليهودية، ولكن باعتبارها ديانة جديدة لها منطلقاتها، لها عقائدها الخاصة.

طبعًا حينما ندخل في المسائل اللاهوتية والمسيحولوجية (Christology) سنكتشف أنه هناك جديد في المنظور المسيحي بعد بولس الرسول؛ التثليث والتجسد والصلب وغيرها، كل هذه العقائد أتت فيما بعد ولم تكن في كنيسة أورشليم، لا نجدها في التقليد اليهودي الأولي أو البدائي، ليس بالمعنى القدحي ولكن باعتباره…

عدنان: الأول.

بلقزيز: الأول، نعم.

عدنان: بمعنى الأولي.

بلقزيز: نعم.

 

هل تنصرت الإمبراطورية الرومانية أم “ترومنت” المسيحية؟

عدنان: على كل حال نحن سنترك باب العقائد ربما هناك من سيتخصص فيه ويتحدث فيه أكثر منا، وسنبقى في المنطقة التي تتحول فيها المسيحية هذا الدين الجديد إلى دين رسمي للإمبراطورية الرومانية. وهذا أيضًا توقفت عنده في كتابك وطرحت سؤالًا سأعيد طرحه عليك، تقول: مَن غيّر مَن؟ هل المسيحية أم الإمبراطورية؟ يعني هل الإمبراطورية هي التي تنصّرت أم المسيحية هي التي ترومنت؟ وأضيف على سؤالك: هل يمكننا القول إن المسيحية عاشت انفصامًا تاريخيًا بين نصها التأسيسي الذي يفصل بين الديني والسياسي وبين تجربتها التاريخية الجديدة التي ستشهد نوعًا من الاندماج العميق ما بين الكنيسة والإمبراطورية؟

بلقزيز: على الرغم من أن بولس الرسول أنجز مهمة تاريخية بالنسبة إلى المسيحية وهي إخراجها من القمقم الضيق الذي كانت فيه إلى أرحب الرحاب وأوسع الرحاب، ظلت عقيدة محدودة الأتباع والأنصار في أرجاء الإمبراطورية الرومانية. طبعًا هي كانت أوسع من اليهودية ما في ذلك شك، ولكنها ليست ديانة عالمية كما تطلع إلى ذلك بولس الرسول. تراءت فرصة للإمبراطور قسطنطين بأن يوحد الإمبراطورية من خلال توحيدها عقديًا؛ الوثنية كانت سائدة وكانت هناك ديانات لا حصر لها في الإمبراطورية، وكان لابد من توحيد هذه الإمبراطورية على معتقد واحد، فقرر أن تتنصر الإمبراطورية. دراسة أخرى تقول إن أمه كانت متأثرة بالآريوسية وأن هذا هو السبب في كونه أقدم على التنصر، هذا موضوع ثانٍ.

وعلى فكرة، الآريوسية أعيد إليها الاعتبار في الإمبراطورية الرومانية، أحد أبنائه أعاد إليها الاعتبار، والثاني حاربها. ولكن القصد هنا أنه حتى حينما تعرضت للحرم -الحرم يعني الطرد، مثل الطرد من الجماعة أو الخروج عن الملة أو غيرها- حتى حينما تعرضت للحرم بقي هناك من هو تابع لها في أرجاء الإمبراطورية، وهذا هو السبب الذي حدا بأحد أبنائه إلى أن يعيد إليها الاعتبار. ليس هذا الموضوع. الموضوع يا سيدي هو أن الإمبراطورية الرومانية أخذت قرارًا -أو أخذ قسطنطين قرارًا- بتنصيرها، لتصير المسيحية دينًا رسميًا بعد أن رفعت أولًا الموادع عنها في سنة 313 (مرسوم ميلانو) وأعيدت الأملاك إلى الكنيسة بعد أن صودرت منها وغيرها. في 325 اتخذ القرار بالتنصير، ولكن الإمبراطورية لم تصر مسيحية بالفعل إلا في ثمانينيات القرن الرابع، يعني استمرت الوثنية تفرض نفسها في الإمبراطورية إلى حدود ثمانينيات تسعينيات القرن الرابع للميلاد.

هنا طرحت أنا السؤال: هل الإمبراطورية هي التي تنصرت أم إن المسيحية ترومنت (Romanized)؟ والحق أن الذي حصل هو الاثنان معًا؛ الإمبراطورية تنصرت بدليل أن كل شعوب هذه الإمبراطورية أصبحوا مسيحيين، ولكن في المقابل المسيحية التي تلقنوها وأصبحوا على دينها هي تلك التي ترومنت، بمعنى أن المسيحية دخلت في تقاليد الإمبراطورية الرومانية. سأعطي أمثلة بسيطة على ذلك؛ في تعاليم السيد المسيح وهذا تجده في الأناجيل الأربعة -متى ومرقس ولوقا ويوحنا- في الأناجيل الأربعة تشديد على المحبة والسلام والسلم ونبذ العنف، و”من صفعك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر”. هذه عقيدة سلام ومحبة، كيف يمكن أن تنجب لاهوتيين يدافعون عن العنف وعن الحرب العادلة والحرب المقدسة، بمن في ذلك كبار اللاهوتيين من أمثال سانت أوغسطين -القديس أغسطين-؟ هذه من آثار الإمبراطورية الرومانية في المسيحية، فالرومانية -الإمبراطورية وتقاليدها- جرّعت المسيحية ما ليس فيها، ما هو حرام فيها استدخل فيها وأصبح جزءًا منها، وكل الحروب التي خاضتها المسيحية في أوروبا الوسطى هي من بقايا -من مواريث- الإمبراطورية الرومانية.

على أن هناك مواريث إيجابية أيضًا، لا نأخذ فقط هذا الوجه السلبي، مثلًا ما الذي جعل الكنيسة في غرب أوروبا – في أوروبا اللاتينية- تقوم مقام الإمبراطورية الرومانية بعد أن انهارت في القرن الخامس الميلادي؟ تعرف الإمبراطورية الرومانية، هناك إمبراطورية رومانية غربية وإمبراطورية رومانية شرقية، التي هي البيزنطية. الإمبراطورية الرومانية الغربية سقطت في 476 -في سبعينيات القرن الخامس للميلاد- تحت وطأة ضربات البرابرة الجرمان وغيرهم. طيب، كيف أديرت أوروبا بعد أن انهارت، بعد هذا الفراغ السياسي المهول -وهو فراغ مهول فعلًا بعد غياب الإمبراطورية-؟ الكنيسة هي التي أدارت أوروبا وهي التي أقامت ممالك وإمارات، وهي التي كانت تعين الملوك وتنزعهم من السلطة. لماذا؟ لأنها كنيسة منظمة ورثت كل التقاليد الرومانية في التنظيم.

عدنان: عجيب.

بلقزيز: نلاحظ كيف أن المسيحية تأثرت إيجابًا بواحدة من أجل -تعرف الإمبراطورية الرومانية هي التي أنجبت القانون الروماني والقانون هو التنظيم، لا تنظيم إذا لم يكن هناك قانون، إذا لم يكن هناك التشريع وشرائع وأنظمة وإلى آخره- هذا فعلته الكنيسة لأن الكنيسة نفسها تكيفت مع النمط التنظيمي الإمبراطوري، فكانت تعين، يعني كانت تتهيكل تبعا لنمط هيكلة الإمبراطورية. سقطت الإمبراطورية فتركت هذا الهيكل الكنسي هو الذي استطاعت به الكنيسة أن تدير كل هذه الأمور وأن تحتاز القوة. لذلك ليس فقط التنظيم، لديها القوة المالية ولديها القوة الاقتصادية عمومًا -أكبر إقطاع، أكبر مالك للمال وللأرض في أوروبا كان هو الكنيسة- فإذن هذه موارد القوة التي كانت لها، ومن مواردها كما قلت هذا التنظيم الروماني الذي أخذته عن الإمبراطورية. أعتقد هذا السؤال الذي طرحت.

 

كيف أعاد مارتن لوثر صياغة العلاقة مع العهد القديم؟

عدنان: هذا جانب أساسي منه، وأخشى أنني سأطوي المراحل طيًا بقليل من التعسف أعتذر عنه، لأنه لن ندخل في تفاصيل هذه المرحلة وسنمر مباشرة إذا سمحت إلى الإصلاح الديني البروتستانتي مع مارتن لوثر، الذي سيثور ضد هذه المؤسسة تحديدًا وضد قوتها الاقتصادية ومواردها المالية المتعددة واحتكارها لهذه الموارد وصكوك الغفران أيضًا التي كانت تتاجر بها، وكل هذا النموذج الباباوي الثيوقراطي. ما يهمني في مارتن لوثر هو أنه سينهي قطيعة بولس الرسول مع اليهودية لينفتح على علاقة جديدة معها. أريد أن أستفسر عنها.

بلقزيز: لا، هو صحيح، مارتن لوثر -إذا أردنا أن نلخص دعوة مارتن لوثر ومشروعه الذي انتهى بإنجاب ما سمي بالإصلاح الديني- مسألتان أساسيتان: هو كان كاهنًا داخل المؤسسة الكنسية الكاثوليكية في البداية ثم تمرد وقاد عملية التمرد في ألمانيا ضد الكرسي الباباوي في روما. هذه الكنيسة التي فعلت ما لا يُفعل في العصور الوسطى -وأنت تفضلت بذكر بعض ما فعلته- ينبغي تفكيكها. هذه أطروحة مارتن لوثر، كيف يمكننا تفكيكها؟ السؤال هو من أين استمدت هذه المؤسسة التي هي الكنيسة كل هذه القوة الخرافية التي لديها؟ اهتدى إلى الجواب عن السؤال: استمدت هذه القوة كلها وكل هذه الوظائف التي أوكلتها إلى نفسها من كونها تنزلت منزلة الوسيط بين المؤمنين والنص. أصبحت دعوته كالتالي -أقرب ما تكون إلى الإسلام-: لا وسيط بين المؤمن والله، لكل مؤمن أن يقرأ النص بمفرده، ولا يوجد شراح ولا إكليروس ولا كهنة يتوسطون بينه وبين الله.

عدنان: ولا صكوك للغفران.

بلقزيز: ولا صكوك للغفران، ولا وثائق حرمان ولا أي شيء؛ العلاقة أصبحت مباشرة بين المؤمنين والله من خلال النص المقدس الكتاب المقدس.

إلغاء الوساطة أو كما سميته في كتاب لي، إلغاء الكهنة، كمأسسة دينية داخل المجتمع الاعتقادي، أنهى أي مشروعية لهذا الجسم الإكليريكي الذي فرض نفسه في المسيحية. وبالتالي، حينما نقول: أنهى هذا الجسم. النص المقدس عنده ليس هو الذي أوّلته، لأن الكنيسة ما بعد البولسية -ما بعد الآباء، آباء الكنيسة وخاصة في المجامع المسكونية وخاصة مجمع خلقيدونية الشهير- حددت ما هو النص المقدس: كل ما ينتمي إلى العهد القديم، كتب الأنبياء وكتب التاريخ وهذا كله خارج النص المقدس إلا بعض رؤيا دانيال وبعض النصوص أو مزامير داود والشريعة، يعني كتب الشريعة وهي سفر التكوين سفر الخروج سفر اللاويين، سفر العدد وسفر التثنية. باستثناء هذه الأسفار لا وجود للكتاب المقدس عند المسيحيين؛ كتابهم المقدس هو الأناجيل وأعمال الرسل التي على الأرجح كتبها لوقا الذي كان طبيبًا لبولس الرسول، ورسائل بولس الرسول وباقي الرسل الآخرين يعقوب ويوحنا وغيرهم، هذا هو الكتاب المقدس المسيحي.

بالنسبة للوثر لا، الكتاب المقدس هو كله هو العهد القديم والعهد الجديد، وليس فقط العهد الجديد زائدًا بعض النصوص من العهد القديم.

فبعبارة أخرى، قام بما يشبه المصالحة بين المسيحية وإرثها اليهودي القديم. ولكن في نفس الوقت سوف تجد -وهذه مفارقة كبيرة- أن مارتن لوثر كان أشد عداوة لليهود من أي شخص آخر، كان يحتقر اليهود وكتب في حقهم كتابين؛ أقسى الكتابين كتابه (أكاذيب اليهود) هو منشور ومعروف. ولكن الذين أتوا بعده من البروتستانت هم الذين شكلوا ما سيعرف فيما بعد بالمسيحية الصهيونية التي تؤيد المشروع الصهيوني في فلسطين. هؤلاء هم الرافعة، وهي التي دعمت الفكرة، يعني لم تنشأ هذه المسيحية الصهيونية في عهد المحافظين الجدد في أمريكا، هي التي أسست لميلاد المشروع الصهيوني في القرن التاسع عشر، موجودة في البروتستانتية منذ القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، موجودة منذ ذلك الإبان، وهي التي مولت مشروع صندوق فلسطين في بريطانيا وغيرها. الذي أعاد كتابة التاريخ كله؛ زوّر التاريخ من رأسه إلى أخمص القدمين حتى يبرر المشروع الصهيوني في فلسطين. هذه لا علاقة لها بتعاليم مارتن لوثر؛ مارتن لوثر موقفه كان سيئًا للغاية من اليهود.

وطبعًا، انظر، أنت لا تستطيع أن تقول: إن أي بروتستانتي ينبغي بالضرورة أن يكون مؤيدًا لليهود؛ ألمانيا كانت بروتستانتية في العهد النازي وكانت شديدة على اليهود. هذه معادلات ينبغي أن لا تشغلنا كثيرًا. لكن مارتن لوثر صالح فعلًا بين المعتقد اليهودي والمعتقد المسيحي، وبالتالي فعل كما لو أنه نسخ ما قبله -نسخ كل ما فعله بولس الرسول.

عدنان: وبالتالي أعطى أفقًا جديدًا للمسيحية.

بلقزيز: ولذلك أنت تلاحظ اليوم في القرن العشرين، القرن الواحد والعشرين، الغرب حينما يتحدث يقول: الحضارة القائمة على اليهودية والمسيحية، حضارتنا قائمة على ركنين: اليهودية والمسيحية. فهذا التجاور العقدي بين المسيحية واليهودية من ثمرات هذا التحول الذي أحدثته البروتستانتية في القرن السادس عشر.

 

لماذا غابت السلطة “البابوية” عن تاريخ الإسلام السياسي؟

عدنان: تمامًا، وجيدة هذه الإشارة؛ لأنه فعلًا تحس بأنه صار هناك خلفية ومهاد -إذا شئنا- ديني وفكري لهذا التيار المسيحي الصهيوني الحديث الذي ما زال هناك من يصطلي بنيرانه المستعرة في بلادنا العربية.

نبقى دائمًا في هذه المقارنة المفيدة والنافعة بين الأديان الثلاثة، وأنت تنخرط فيها، ستأتي بعبارة بليغة نقلتها عن برنارد لويس يقول فيها: “الإسلام لم ينتظر قسطنطينًا يخرج من صلبه فيحمله إلى الآفاق، فلقد كان الرسول هو قسطنطين نفسه”. هذه العبارة كثيفة الدلالة وتختزل فارقًا جوهريًا في الواقع بين التجربتين المسيحية والإسلامية. وأنا أحببت أن أستوقفك معها.

بلقزيز: هي من العبارات النبيهة عند برنارد لويس، وتشير إلى حقيقة، وهي أن في تاريخ الإسلام لم يكن هناك منصب -ليس فقط الأمر يتعلق بالرسول، رسول الإسلام ولا حتى بالخلفاء، يتعلق بكل الحكام المسلمين، ما سأقوله يتعلق بهم جميعًا- في الإسلام لم يكن هناك منصب ديني يعادل منصب البابا في المسيحية.

عدنان: صحيح.

بلقزيز: لأن الدين كان ملكًا للدولة؛ الدولة هي التي تعين -في الماضي- هي التي تعين المؤسسة الفقهائية (الفقهاء)، والسلطان كان هو الخليفة -من الخليفة إلى السلطان- كان هو الذي يقوم بهذه الخطط الدينية؛ القضاء كان يتم باسمه، الصلاة تقام باسمه، الأحكام الشرعية كلها تقام باسمه، تنفذ باسمه، الجهاد يعلنه هو ويقام باسمه، يعني كل الخطط الدينية -هناك الخطط الزمنية المدنية وهناك الدينية- كل هذه الوظائف الدينية كانت تتم باسم السلطان. إذن، باعتباره هو الذي يمثل الدولة، ولماذا الدولة تحتكر الشأن الديني؟ لأن الدين الذي كان شأنًا خاصًا بصاحبه، صاحب الدعوة الذي هو الرسول، بعد وفاة الرسول عاد إلى حضنه الطبيعي. ما هو حضنه الطبيعي؟ هو الجماعة المؤمنة. هذه الجماعة المؤمنة من يعبر عنها؟ دولتها. وكان السلطان في تاريخ الإسلام حريصًا على أن تبقى الدولة محتكرة للشأن الديني، لماذا؟ لأنه يعرف أن هناك في المعارضات خوارج وإسماعيلية وغيرهم وغيرهم كانوا يستغلون الدين للتمرد على الدولة، لذلك كان يحاول دائمًا أن ينزع منهم هذه الورقة.

عدنان: يحتكرها.

بلقزيز: هو قسطنطين؛ قسطنطين نفسه، قسطنطين هذا إمبراطور، صحيح، ولكن في عهده قام نظام صار معروفًا عند مؤرخي المسيحية ومؤرخي الإمبراطورية نظام “سيزاغوبابيزم” (Caesaropapism) أو البابوية القيصرية. القيصر ليس مجرد إمبراطور حاكم مدني، هو الذي يدعو إلى انعقاد المجمع المسكوني -والمسكوني المقصود به المجمع العالمي في كل المسكونة- هو الذي كان يدعو إلى انعقاد المجمع المسكوني وكان يترأسه ويحضر المناقشات، وحين يتنازع الأساقفة كانت كلمة الفصل له هو. فإذن هو كان بمعنى ما يبسط سلطته على الشأن الديني وكانت الكنيسة مؤسسة من مؤسسات الدولة، الكنيسة ليست منفصلة عن الدولة، انفصلت عن الدولة حين انهارت الدولة في الإمبراطورية الرومانية الغربية، أما في عهد بيزنطة فكانت جزءًا من الدولة.

فإذن حينما نشأت ظاهرة البابوية في أوروبا، في غرب أوروبا، في أوروبا اللاتينية، لم يكن أولًا المسيحيون البيزنطيون لم يكونوا يسمون رأس الكنيسة بالبابا، (…) أما البابا موجود عند الرومان في روما والذي كان يعتبر نفسه هو السلطة العليا، ولم يعد يقول فقط إنه يمثل بطرس تلميذ يسوع، أصبح يعتقد أنه نصبه يسوع.

عدنان: تمامًا.

بلقزيز: نصبه يسوع. في الإسلام ليس هناك منصب بابوي وهذه الوظيفة الدينية كانت تعود إلى السلطة، لهذا في الإسلام قسطنطين موجود، ولم يحتج الإسلام إلى وجود قسطنطين حتى يجد هذا الصرح بين السياسي والدين فيه. هذا هو الذي قصده برنارد لويس.

 

كيف يتقارب الإسلام والمسيحية في غياب السياسة؟

عدنان: تمامًا. في هذه الحالات يصير مثلًا تشريع للسلطة السياسية هو أمر لا يرجع فيه إلى النص الديني لا في الإسلام ولا في المسيحية، وهذا يخلي نوعًا من التقارب بينهما. أنا أريد أن أفهم حدود هذا التقارب وأيضا المزيد من العناصر.

بلقزيز: لم أفهم ماذا تقصد بالتقارب.

عدنان: أقصد أنه مثلًا وأنت تشتغل في مدار التعاليم الدينية في الملل الثلاث، كنت ترصد نوعًا من التقارب بين الإسلام والمسيحية فيما يتعلق بعلاقتهما بالسياسة على خلاف اليهود، والإسلام يشبه المسيحية في عدم انصراف تعاليمه إلى تشريع للسلطة السياسية.

بلقزيز: الآن فهمت، انظر، إذا تركنا جانبًا اليهودية التي تحدثنا في شأنها وفي شأن ظاهرة التلازم فيها بين الدين والسياسي، الإسلام كما المسيحية خلوا من أي تشريع للمسألة السياسية. وأنا وقفت وقفة مطولة في الكتاب -لا أدري هل تذكرها جيدًا- عند كل الآيات التي تشير إلى الحكم…

عدنان: تمامًا، تمامًا.

بلقزيز: وأعدت تأويلها بما يعني أن الحكم هو القضاء في الإسلام وليس هو السلطة، وإنما السلطة هي الأمر. ورجعت إلى كتب التفسير وكيف تأولها المفسرون -كل الآيات التي تتعلق بالحكم والأمر- وعدت إلى القواميس العربية القديمة وماذا تعنيه عبارة الأمر وماذا تعنيه عبارة الحكم. فعلت هذا كله لكي أقول بأنه كل الذين يحاولون أن يعثروا على شبهة نص قرآني في المسألة السياسية هم يتأولون فقط.

عدنان: تمامًا.

بلقزيز: ولكن -ومعك حق في أن تتساءل-، ولماذا هذه الكثافة من السياسة في تاريخ الإسلام؟

عدنان: هذا هو.

بلقزيز: نفس الشيء في المسيحية. وقفنا عند المسيحية، ليس في تعاليم المسيحية أي تشريع للمسألة السياسية، لكن السياسة جزء لا يتجزأ من تاريخ المسيحية. لماذا؟ لسبب بسيط هو أن الجماعة الإسلامية -الجماعة الإسلامية كما أن الجماعة المسيحية- تدخل إلى التاريخ جماعة في التاريخ وليست في النص، موجودة في التاريخ. ولأنها موجودة في التاريخ فإنها شاءت أم أبت تصطدم بشيء اسمه السياسة لكي تنظم نفسها كجماعة. كل جماعة في التاريخ ليست في حاجة إلى الدين لكي تقيم دولة، دعك من المسلمين والمسيحيين واليهود.

 

كيف أثر الواقع الاجتماعي في تشكيل المذاهب الفقهية؟

عدنان: السؤال هو كيف يمكننا التمييز بين النص الديني والتجربة التاريخية في الإسلام؟

بلقزيز: أنت لا تستطيع أن تعثر على على كل الشرعيات في النص الديني، -لأنه دائمًا أنا أقول الدين ليس هو النص والتعاليم، الدين هو التمثلات للجماعة التي تعتنق ذلك الدين وتتمثله وتستبطنه ويصبح جزءًا منها، وخاصة في الإسلام حينما نقول إن مصادر التشريع هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس-. ما معنى الإجماع؟ هنا أدخلنا الجماعة، أدخلنا الناس، إذن هم يشرعون لأنفسهم، إذا لم ينطق النص لا قرآن ولا سنة. إذا كانوا لا يستطيعون أن يشرعوا في الدين كما يشرع النص فهم في السياسة يستطيعون أن يشرعوا، لأن هذا أدعى إلى اهتمامهم لأنه يتعلق بالمصالح. هذا ليس مجال العقائد، هذا مجال المصالح، مجال السياسة هو مجال المصالح. إذن كف عن البحث عنه في العقائد وابحث عنه فيما تقضيه المصالح، حتى إنّ الفقهاء استدخلوا المصلحة باعتبارها من المعايير التي تعتمد في كل تشريع فقهي.

فإذن ليس النص دائمًا -باستثناء اليهودية- ولكن في الإسلام وفي المسيحية هناك التاريخ، هناك دائمًا ما تقوله ديانة في مرحلة التعاليم في مرحلة النص، ولكن ما إن تدخل هذه الديانة إلى التاريخ حتى تصطبغ بالتاريخ. نحن أعطينا مثلًا، دخلت المسيحية في التاريخ فاصطبغت بالتاريخ، أصبحت الإمبراطورية الرومانية تؤثر فيها، وفي الإسلام أيضًا.

طيب، هل لنا من طريقة أخرى لكي نفهم هذا الاختلاف الكبير بين مذاهب الفقه في الإسلام، بين المالكية والحنبلية والحنفية والشافعية والجعفرية عند إخوتنا الشيعة والإباضية عند إخوتنا الخوارج والزيدية؟ جزء كبير من هذه الاختلافات عائد إلى اختلافات الأمصار التي وُجدت فيها، لأن جزءًا كبيرًا من التشريع الفقهي لا يعتمد فقط النص، يعتمد القيم والأعراف والتقاليد السائدة في المصر الذي هو فيه ويستدخلها، واستدخل الفقه القانون الروماني -الكثير من القانون الروماني موجود في الفقه الإسلامي-. طيب الخراج، الخراج نظام إسلامي؟

عدنان: لا.

بلقزيز: هذا النظام كان في بيزنطة وفارس وأدخله الفقهاء، وأصبح نظامًا فقهيًا إسلاميًا.

عدنان: منذ الأمويين بشكل مبكر.

بلقزيز: فإذن بهذا المعنى نقول إن الدين حينما يدخل في التاريخ يصبح محكومًا بقوانين التاريخ. والدين –لاحظ- الدين ليس هو النص، هو المؤمنون بالنص.

عدنان: تمامًا تمامًا.

بلقزيز: لأن الدين الذي ليست له جماعة تعتنقه ينتهي في التاريخ، يصبح مجرد ذكرى محفوظة. كم من الأديان وجدت في التاريخ وانتهت، لماذا؟ لأنه لم تجد الجماعة الاجتماعية التي تعتنقها وتفرضها في التاريخ.

 

كيف يكون النص هو التأويل؟

عدنان: هذا حتى فيما يتعلق بالتجربة الإسلامية، ربما كثافة السياسة حتى في غياب النص السياسي أو الذي يشرع للسياسة، الكثافة كانت في علاقات الاجتماع الإسلامي وفي أطواره التاريخية كافة. لهذا تحس بأنه هذه مفارقة تطرح على فكرنا الإسلامي.

بلقزيز: هي ليست مفارقة، المفارقة هي إذا كانت تستعصي على التفسير، ولكن هذه ليست مستعصية على التفسير، هي قابلة للتفسير. التفسير هو أن هذه الفجوة بين النص والتاريخ هي شأن طبيعي في كل فكر. أنا دائمًا أقول: النص هو التأويل، ليس هناك شيء اسمه النص وشيء اسمه التأويل.

عدنان: يتعدد النص بتعدد تأويلاته.

بلقزيز: طيب، ستقول لي: لدينا نص واحد، لكن لماذا نحن مختلفون؟ لأننا نحن شيعة وسنة ودروز ونصيرية وعلوية وإسماعيلية وكذا وكذا، وفي السنة نحن مالكية وشافعية وكذا وكذا، لأننا حينما نتمثل النص نجتهد في تفسيره فنختلف. وهذا ليس شيئًا خاصًا بالدين؛ كل الأفكار الكبرى -الماركسية يا أخي- هناك النص، ماركس نص، هناك اللينينية والماوية والتروتسكية و و وإلى آخره وقس على ذلك.

عدنان: تمامًا.

بلقزيز: النص هو التأويل، لا تقُل لي أنا أتمسك -حتى الذي يزعم أنه يتمسك بحرفية النص يتأول النص-.

عدنان: تمامًا ما في ذلك شك.

بلقزيز: حتى الذي يتمسك بحرفية النص هو متأول. شاء ذلك أم أبى.

 

لماذا لم يتبلور لدينا علم خاص بالسياسة في فكرنا الإسلامي؟

عدنان: أنا معك أن النص يتعدد بتعدد تأويلاته، والكتابات تأتي مختلفة، وهناك حضور كثيف في الواقع للسياسة في التأليف الإسلامي، ولكن -وهذه ربما مفارقة تحتاج إلى أن نتوقف عندها- لماذا لم يتبلور لدينا علم خاص بالسياسة في فكرنا الإسلامي على غرار مثلًا: كان عندنا علم التفسير، علم النحو، علم التاريخ، ولكن ليس عندنا علم سياسة؟

بلقزيز: ليس لدينا علم خاص بالسياسة، أشرت إلى هذا في الكتاب وتناولته بالتفصيل، ولكن السياسة هي الموضوع الحاضر في كل العلوم، كل العلوم تتناهبه. التاريخ -وإن لم أكرس له فصلًا خاصًا-، السياسة شأن من شؤون التاريخ كحرفة، كعلم. علم الكلام في كل كتب علماء الكلام باب خاص بالإمامة. هناك فرع من الفقه خاص بالسياسة عرف باسم فقه السياسة الشرعية وأكثر كتبه كُتب في القرن الخامس للهجرة؛ أبو الحسن الماوردي وأبو يعلى الحنبلي وأبو المعالي الجويني والغزالي وغيرهم. هذا علم ثالث. الرابع الآداب السلطانية، وهو كتاب دواوين منذ عبد الحميد الكاتب حتى الطرطوشي، كلهم كتبوا فيه.

عدنان: مرورًا بالماوردي نفسه.

بلقزيز: الفقهاء، كان يوجد منهم فقهاء ومنهم كتاب سلاطين. وعلم خامس هو الفلسفة السياسية، لدينا فلسفة سياسية إسلامية. والعلم السادس -أنا ذكرت خمسة فقط في الكتاب لم أتناول التاريخ- هو علم العمران الخلدوني؛ ابن خلدون بلور نظرية في الدولة والسياسة.

فإذن، السياسة موضوع تتناهبه العلوم جميعها، لكنه لم يتكرس موضوعًا لعلم بذاته كما علم النحو مثلًا أو علم التاريخ أو علوم القرآن، علم التنزيل أو علم التفسير أو غيره. هذه فعلًا مفارقة لماذا؟ لأنها تحتاج إلى تأمل وتفسير ليس ثمة ما يبررها.

عدنان: صحيح، وأكثر الفكر الإسلامي انصرافًا إلى السياسة -وهذا كلامك- لم يكن مشدودًا إلى النص الديني…

بلقزيز: وهذا حتى في الفكر الحديث يا سيدي القرن التاسع عشر، حتى يوم الناس هذا، نحن إذن نتحدث عن مئتي عام منذ كتب الطهطاوي (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) حتى اليوم، فعلًا هذا العام، مئتي سنة على ذهاب الطهطاوي إلى باريس. قرنان مجمل هذا التراث النهضوي الفكري السياسي، كل مداره على السياسة.

عدنان: بدءًا من سؤال: لماذا تأخر العرب وتقدم غيرهم؟

بلقزيز: سؤال سياسي، السياسة حاضرة، يعني مثلًا لا تجد نصًا نهضويًا واحدًا حول الاقتصاد، لم يكتب نهضوي في الاقتصاد، ولا كتب العرب في الاقتصاد إلا في نهاية الأربعينيات من القرن العشرين، بعد مائة عام ويزيد على الكتابة في أغراض السياسة. فهذه ظاهرة ليست قديمة وإنما هي ظاهرة شائعة في الفكر العربي عمومًا.

عدنان: وحينما تكتب في السياسة وتنشغل بها، المهم الآن هو أن الانشداد إلى النص الديني لم يعد بتلك القوة السابقة. وأكثر الفكر الإسلامي -وهذا كلامك- أكثر الفكر الإسلامي انصرافًا إلى السياسة لم يكن مشدودًا إلى النص الديني بل أكثر انصرافه كان إلى الواقع التاريخي وما يفرضه من أحكام.

بلقزيز: ندر أن تجد فقيهًا -الماوردي أو غيره أو أبو يعلى الحنبلي- يعودون إلى النص إلا في ما ندر؛ تجد آيتين أو تجد حديثًا نبويًا، ولكنه يتحدث في الدولة… حتى الموضوع نفسه الذي تناولوه الذي هو الإمامة، الخلافة. الخلافة كانت قد انقضت في القرن الخامس، في القرن الخامس الهجري انتهت الخلافة، ليست فقط الخلافة الرشيدة الخلافة العباسية انتهت.

عدنان: صحيح.

بلقزيز: والدول التي قامت هي الدولة السلطانية، إمارة الاستيلاء وكذا. يتحدثون في ظاهرة لم تعد موجودة في تاريخ الإسلام، لكنهم يتحدثون في وظائف واقعية موجودة في الواقع. النص القرآني لم يتحدث لا في الولايات السياسية ولا في كيف تكون الجند، ولا كيف توزع العطايا على الجنود، ولا كيف تقسم الإمارات، ولا ولا؛ هذه كلها من اجتهادات رجال الدولة والتي أتى الفقهاء وخلعوا عليها الشرعية واعتبرت هي مباني الدولة الإسلامية.

عدنان: وإذن فكرهم -كما تقول- كان عملانيًا أكثر منه نصانيًا؟

بلقزيز: كانوا في منتهى الواقعية، يمكن الأبعد واقعية منهم هم علماء الكلام. أما الفقهاء مثلهم مثل كتاب الدواوين كانوا واقعيين، مثل ابن خلدون أيضًا. الأبعد عن الواقعية فريقان هم علماء الكلام والفلاسفة، لأن الفلاسفة المسلمين أعادوا إنتاج منظور للسياسة مستقًى من اليونان القديمة، وما علاقة الدولة هناك بالدولة في العالم الإسلامي؟

عدنان: حقيقة هذه الاشتباكات بمراجعها وخلفياتها الفكرية والسياسية والتاريخية كنت أتمنى لو يمتد حبل النقاش بنا إلى المزيد من سبر أغوارها، لأن زمن هذا اللقاء ربما بلغ نهايته. شكرًا جزيلًا دكتور.

بلقزيز: شكرًا لك، شكرًا جزيلًا.

عدنان: شكرًا جزيلًا لك، أسعد دائمًا بتجديد اللقاء بك.

بلقزيز: وأنا أسعد أيضًا.

عدنان: أعزائي وعزيزاتي شكرًا على كرم المتابعة. إلى اللقاء.