هل الإرهاب نتاج نصوص دينية أم ضحية تفسيرات فقهية سلطوية؟ وكيف تحول “الجهاد” من قيمة تحررية إلى عقيدة للغزو والقتل؟ وهل يمكن لفك الارتباط بين “الشهادة” والموت، وبين “الردة” والعقوبة، أن يكون طوق نجاة لمجتمعاتنا؟ رحلة لتفكيك الموروث وإعادة بناء العقل النقدي مع كتاب “تجفيف منابع الإرهاب” للمفكر الراحل محمد شحرور، يقدمها الباحث حسين سعدون في #بودكاست_كتاب، على #منصة_مجتمع.
مقدمة
طابت أوقات الجميع بخير. استكمالًا لما بدأنا به في الحلقات السابقة من برنامج “كتاب” على منصة مجتمع لتسليط الأضواء على أهم المؤلفات أو الكتب التي نرى أنها جديرة بالقراءة. هدفنا دومًا تقديم الأفكار المهمة والتي لها علاقة مباشرة بواقع مجتمعاتنا وحياتنا الآنية. ننقل الكتب من أرفف المكتبات ونزيح عنها الغبار لنوصلها لكم في صورة ومختصر مفيد. على أن هذه الكتب تعمل على تحريك عقولنا وتفتح الباب للأسئلة التي تراودنا في كل وقت من حياتنا. لعلنا نصل معكم لحلول حقيقية لمشكلاتنا جميعًا.
بين يدي اليوم كتاب “تجفيف منابع الإرهاب”. هذا هو الكتاب للراحل الدكتور محمد شحرور، والكتاب معي هو طبعة مزيدة ومنقحة في عام 2018، والكتاب يحتوي على أربعمائة صفحة. لكن هنا لابد أن أدخل إلى مجموعة من الملاحظات الهامة قبل الدخول في زوايا وخبايا الكتاب.
الملاحظة الأولى: الكتاب طبعة مزيدة ومنقحة عام 2018، الدكتور الراحل محمد شحرور رحل عام 2019. هذا يعطيك تصورًا أن الراحل كان في آخر أيام حياته وهو تشغله قضايا التنوير وقبول الآخر والتسامح والإرهاب وتفسير عصري للقرآن والمشاكل. حتى هو قال في حديث متلفز شهير: “أنا حزين على الأمة العربية والإسلامية”. فبالتالي الرجل يكتب إلى آخر يوم من حياته؛ أنت تسمع وزيرًا سابقًا رئيسًا سابقًا لكن لا تسمع مفكرًا سابقًا، المفكر لا يتقاعد عن التفكير. هو يفكر في كل آن وقد تأتيه فكرة في مكان ما. فوجود كلمة طبعة مزيدة ومنقحة والكتاب صادر قبل وفاته بأشهر يدل على أن الكاتب كان مهمومًا بقضايا الفكر العربي والإسلامي. هذه الملاحظة الأولى.
الملاحظة الثانية: شخصية تخصني أنا بالذات: عندما بدأت مع منصة مجتمع كان أول كتاب عرضنا له هو كتاب “الدولة والمجتمع”. هو كتاب هام جدًا ثم استمررنا في الكتاب والقرآن وكتب الدكتور محمد شحرور عن أصول الفقه وأم الكتاب. كانت تردني رسائل كثيرة على امتداد الوطن العربي والإسلامي والعالم في مواقع التواصل. ويأتي أصدقاء لي في المكتبة في شارع المتنبي في بغداد يطرحون علي السؤال لكن تختلف الصيغة. جوهر السؤال: لماذا محمد شحرور؟ أنت كنت تتكلم عن المعرفة الإنسانية بصورة عامة. لماذا ذهبت إلى هذا الاتجاه وهذا الاتجاه فيه مخاطر وكذا وكذا وتدخل موضوع القرآن وشحرور وغيره. أقول ليس دفاعًا وليس تبريرًا؛ أولًا هذه الكتب تنتمي إلى مجال المعرفة الإنسانية والقرآن الكريم خطاب إنساني للجميع. وعلينا أن نلج هذه الأمور، لماذا تترك الغير لكي يفتي ويفسر؟
ثانيًا الراحل محمد شحرور لم يقدم -من وجهة نظري- هو الرجل بذل شيئًا كبيرًا في خلال لقاءاته المتلفزة، لكن لم تقدم، لا يوجد هناك وسيط معرفي –أسميه- حاول تبسيط أفكاره للمتلقين؛ المتلقون فيهم البروفيسور، فيهم الأمي، فيهم الذي لا يقرأ ولا يكتب، فيهم الذي عنده تعليم متوسط، عنده ثقافة عامة. هذه الكتب… بالمناسبة دار مثلا طبعت كتب شحرور، يعني تطبع ألف نسخة، أنت عندك امتدادات الوطن العربي والإسلامي تصل للمليار. فكيف للألف نسخة أن تغطي المليار؟ إذن لا بد من وجود وسيط معرفي لشرح أفكار الرجل. وأفضل ما تقدمه لكل إنسان هو أن تعرض هذه الأفكار.
هدفنا أقولها دائمًا أن تقرأوا هذه الكتب؛ يعني هذا كتاب “تجفيف منابع الإرهاب”، كتاب هائل جدًا ومهم جدًا. وفيه أفكار لليوم، يعالج أمراضًا حقيقية اجتماعية نعاني منها اليوم على مستوى الأفراد والدول والجماعات. هذه دعوة لحضراتكم. تخصصون ولو كل يوم ساعة لقراءة هذه الكتب. ثم نخضع هذه الكتب لنقاش لأنها كتب عصرية تعالج مشاكلنا. هذه هي الملاحظات التي وددت إبداءها لحضراتكم قبل الدخول في كتاب “تجفيف منابع الإرهاب”.
الإرهاب كإشكالية فكرية: هل الإسلام مسؤول أم التفسير الفقهي؟
في البداية لماذا اخترنا هذا الكتاب لتقديمه “تجفيف منابع الإرهاب” للدكتور محمد شحرور؟ لأن المؤلف جاء بأفكار مهمة جدًا للواقع العربي، منها ما يطرح الكتاب، إشكالية الإرهاب؛ هذا موضوع العصر. الكل يتكلم عن الإرهاب، ما التقى اثنان إلا كان الإرهاب ثالثهما. هو يناقش جذور الإرهاب الفكرية والثقافية. ويتساءل هل الإسلام نفسه مسؤول عن الإرهاب؟ أم أن التفسيرات الفقهية التقليدية التي استُخدمت على مدى قرون هي ما أسهم في تجذر العنف؟ وهل يكفي مواجهة الإرهاب عسكريًا وأمنيًا فقط؟
يركز الراحل محمد شحرور في كتابه “تجفيف منابع الإرهاب” على فكرة مركزية بالكتاب. وهي أن الإرهاب -وهي عبارة جدًا مهمة- ليست قضية أمنية خالصة، بل هي نتاج تحولات فكرية في فهم نصوص الدين. خصوصًا في تفسير بعض المصطلحات القرآنية والفقهية، مما ساهم -بتعبير الراحل- في استغلال هذه المفاهيم لتبرير العنف. لاسيما من قبل الجماعات المتشددة. ولذلك الحل لا يبدأ بالقوة فحسب، ليست حلولًا أمنية، بل بفهم جديد للنص الديني وقيمه.
ويتساءل الكاتب هل الإسلام دين عنف؟ أم أن الفقه الإسلامي التاريخي الذي تبلور عبر قرون هو ما أعطى البعض مفاهيم مغلوطة عن الجهاد والعنف؟
صدمة المقدمة: تجريف جذور “الفقه السلطاني” الأموي والعباسي
كتاب “تجفيف منابع الإرهاب” للدكتور الراحل محمد شحرور يتكون من خمسة فصول وثلاثة ملاحق وخاتمة. ودائمًا أحب أن أبدأ من مقدمة الكتاب. يمهد الدكتور محمد شحرور في مقدمة كتابه التي استغرقت 47 صفحة كاملة. انتبه، أغلب الكتب تأتي بمقدمات بسيطة صفحتين، ثلاثة، خمسة، عشرة، هو يستغرق في المقدمة 47 صفحة لفكرة مركزية صادمة تقول: “إن الإرهاب الذي يعصف بالعالم اليوم ليس ظاهرة معزولة، ولا يمكن التعامل معه بمعزل عن الجذور التاريخية للفكر الديني الذي تشكل عبر القرون، وبشكل خاص في العصرين الأموي والعباسي”.
يشير مؤلف الكتاب الدكتور محمد شحرور إلى أن فقهاء تلك العصور اجتهدوا بما يحقق مصالح عصرهم، لكن الخطأ الكبير هو تقديس اجتهاداتهم وتجميدها عند زمن ما، واعتبارها دينًا مطلقًا وثابتًا. فيما الواقع يقول إن كثيرًا مما ورثناه اليوم عن الفقه الإسلامي ليس من صميم القرآن الكريم بل نتاج اجتهادات بشرية، غالبًا ما خدمت السلطة السياسية والصراع على الحكم.
ويؤكد الراحل الدكتور محمد شحرور في كتابه أن الإسلام الذي يدافع عنه دعاة الوسطية اليوم لا يمكن تبرئته بالكامل طالما تمسكنا بالموروث كما هو؛ فالأفكار التي تروج للشهادة والجهاد والقتل والتكفير والرجم وقتل المرتد ليست من التنزيل الحكيم بل من صناعة الحديث والفقه السلطاني، الذي جاء لاحقًا لخدمة السلطة وحماية مصالح الحكام. والنتيجة -بتعبير شحرور- فكر ديني بعيد كل البعد عن رسالة الرحمة والعدل التي جاء بها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم).
ويشرح المؤلف ببراعة كيف انتقل مركز الإسلام تدريجيًا من النص الإلهي -القرآن الكريم- إلى النبي والصحابة والتابعين ثم الفقهاء، إلى أن أصبح الحديث بعد الشافعي -الفقيه الشهير- وحيًا موازيًا للقرآن، بل مُقدمًا عليه في كثير من الحالات. وهكذا صار الدين دين رجال عاشوا بعد النبي بقرنين كاملين، بينما النص الإلهي والرسالة الأصيلة والأصلية ظلت في الخلفية مختبئة وراء طبقات من الروايات والمرويات والتفسيرات.
ويستمر الراحل الدكتور محمد شحرور في تفكيك المفاهيم الصادمة التي تربط الدين بالعنف، فيحلل مصطلحات الإرهاب، الكفر، الشرك، الجهاد من جذورها اللغوية في القرآن؛ فيكتشف أن الاستخدام التاريخي لهذه الكلمات انحرف كليًا عن النصوص الإلهية. فالكفر ليس مجرد إنكار الله بل غالبًا معاداة فكرية وسياسية، والشرك ليس عبادة أصنام بل إضفاء صفة الثبات والألوهية على أي شيء غير الله. والإرهاب الذي أصبح اليوم أداة قتالية لم يكن معناه في القرآن القتل والقتال بل الرهبة والتخويف في سياق معين لحفظ الأمن والمجتمع.
يتوقف الدكتور محمد شحرور عند الفقه بكل تفاصيله: الإرث، الحجاب، الطلاق، العقوبات، ملك اليمين؛ ويكشف أن هذه الأحكام لا علاقة لها بالتنزيل الحكيم بل جاءت لتناسب ظروف عصرها. كما ينتقد تحويل القرآن الكريم من كتاب تشريع ومعرفة إلى مجرد تجويد وترتيل، لتصبح القراءة، قراءة التنزيل الحكيم على حساب فهم النصوص وروحها.
ويؤكد الدكتور محمد شحرور أن الشباب الذين ينخرطون في الإرهاب اليوم ليسوا مجرمين بالمعنى التقليدي بل ضحايا فكر مشوه، تربوا على تمجيد الموت والقتل والنظر إلى الآخر المختلف ككافر يجب القضاء عليه. هذا الفكر الإرهابي -كما يقول الراحل محمد شحرور- ليس نتاج النصوص -وهي عبارة جدًا مهمة- بل نتاج تراكمات فقهية مشوهة عبر التاريخ استخدمت لتبرير السلطة والقمع.
وفي نهاية مقدمة الكتاب يقدم الدكتور محمد شحرور دعوة جذرية صادمة فكرية للجميع: “لا يمكن محاربة الإرهاب بالقضاء على الإرهابيين فقط”. الحل الحقيقي -بتعبير شحرور- يبدأ بإعادة مركزية الإسلام إلى القرآن الكريم وفهم الرسالة المحمدية كما أرادها الله. وعلينا الاعتراف -والكلام لشحرور- بأن البخاري ومسلمًا والشافعي وابن تيمية جميعهم اجتهدوا بعقل زمانهم، وإننا نحن اليوم يجب أن نجتهد لعصرنا وفق ظروفه، وإلا سنظل محاصرين بتراكمات التاريخ وعاجزين عن فهم رسالة الإسلام الحقيقية.
في هذه الحلقة وفي قراءة هذا الكتاب سنحاول الغوص في عمق هذه الرؤى وفك شفرة الفكر الديني المتراكم عبر القرون، لنفهم كيف يمكن لإعادة قراءة النصوص بحذر ووعي أن تكون خط الدفاع الأول ضد الإرهاب، وكيف يمكن للإسلام أن يعود رسالة للرحمة والعدل لا أداة للعنف والتطرف.
وكما قلنا سابقًا ونكرر إننا لن نستطيع في حلقة واحدة أن نقدم كامل فصول الكتاب بالتفصيل، بل نركز على أهم الفصول التي تمس واقعنا الحالي.
المرجعية القرآنية: نقد القراءة الجامدة والدعوة للفهم المعاصر
عزيزي القارئ المشاهد، الفصلان الأول والثاني جاء المؤلف ليؤكد أن كل ما طرحه من أفكار في كتبه السابقة -كانت… في كتبه السابقة المقصود “الكتاب والقرآن” و”أم الكتاب” وغيرها- أن القرآن هو المرجع الأساسي، وأن التراث الفقهي اجتهاد بشري تاريخي غير مقدس. ويرى الراحل محمد شحرور أن القراءة الجامدة للنص هي سبب رئيسي في نشوء التطرف، ويدعو إلى فهم معاصر للنص يراعي العقل والواقع.
أما في الفصل الثاني يناقش سوء فهم المصطلحات القرآنية، ويبين أن الخلط بينها وبين مفاهيم تراثية لاحقة أدى إلى تبرير العنف. ويؤكد أن تصحيح المصطلح القرآني خطوة أساسية لتجفيف منابع الإرهاب.
إشكالية الجهاد والقتال: تصحيح المسار المعرفي من القرن الثالث
الآن نأتي إلى الفصل الثالث لنركز على أهم ما طرحه شحرور فيه من أفكار، وجاء تحت عنوان “الجهاد والقتال”. في هذا الفصل يركز المؤلف على موضوع شديد الحساسية، موضوع أشعل الجدل منذ القرن الثالث الهجري وحتى اليوم وهو الجهاد والقتال؛ هل هو قتال بالسيوف فقط أم هو -بتعبير شحرور- مفهوم أعمق يشمل كل مجالات الحياة من مواجهة الظلم إلى الدفاع عن الحرية والعدالة؟ سيكشف المؤلف كيف شوّه التاريخ والفكر التقليدي هذا المفهوم النقي، وسنعيد للجهاد معناه الحقيقي ونحدد مكان القتال وأهدافه بعيدًا عن الخلط بين العنف والغزو والدفاع المشروع.
الجهاد، البحث في هذا الموضوع هو بحث خطير وحساس في ضوء ما نعيشه من أحداث يختلط فيها السياسي بالعقائدي، والتوسعي بالاستعماري، والإبداعي بالابتداعي، ويضيع الفرق -بتعبير الكاتب- بين الجهاد والقتل والقتال، وبين التخريب والمقاومة، والغزو والاستبداد. ويلفت مؤلف الكتاب إلى مفارقة مهمة جدًا؛ أن الباحث لا يجد كتابًا في الفقه الإسلامي منذ نشأته في القرن الثاني الهجري إلى اليوم إلا وفيه ذكر للجهاد، سواء كان هذا الذكر مطولًا أو مختصرًا، مفصلًا أو موجزًا. لكنها جميعًا خلطت -أي هذه المؤلفات- بين الجهاد والقتل والقتال والحروب والغزو.
وهذا الخلط -بتعبير الكاتب- جاء بسبب الجهل، وبسبب التقليد الأعمى، وأحيانًا إرضاءً للسلاطين -سلاطين الاستبداد- وخدمة للسياسة الإقصائية التي صارت من سمات الفقه السياسي الإسلامي منذ السقيفة، واستُحدثت جملة من علوم فرعية كالناسخ والمنسوخ وأسباب النزول والقراءات، زعموا أنها أهم من علوم اللسان والبلاغة والفصاحة والبيان. وانطلقت -بتعبير الراحل محمد شحرور- من القول بالترادف، فضاع الفرق بين الشاهد والشهيد، والشاهدين والشهداء، والأب والوالد، والعباد والعبيد، والإسراف والتبذير.
في الجانب الأول تم تبني هذا الفهم المغلوط والمشوه للجهاد أدى لإنشاء جميع التنظيمات والأحزاب الدينية والمجموعات المسلحة التي تسعى تحت عناوين براقة ومتعددة للوصول للحكم والاستيلاء عليه؛ وذلك على امتداد القرون الماضية، بدءًا من أحداث الفتنة الكبرى التي انتهت باغتيال الخليفة الثالث في القرن الأول الهجري وانتهاءً بالحركات المسلحة في مصر وإيران وأفغانستان.
وفي الجانب الثاني استغل أصحاب الهجمات الشرسة على الإسلام والمسلمين هذا الفهم المغلوط والمشوه للجهاد والقتال، الذي ساد في كتب الفقه التراثية واستندت إليه جميع عمليات الغزو التوسعية تحت ستار نشر الدعوة وما سمي بالفتوحات، للتشهير بالدين الإسلامي واتهامه بأنه دين السيف والعنف والإرهاب ودين القهر والتسلط والانتقام.
وقد ساعد على هذا الاستغلال طروحات الإسلام السياسي وسلوكيات ما يسمى الحركات الجهادية التي قدمت -بتعبير المؤلف- طروحات الأعداء على طبق من ذهب.
إن هدفنا الأول في هذا الكتاب هو تعريف الجهاد وتعريف القتال عامة، وتحديد مفهوم الجهاد في سبيل الله ومفهوم القتال في سبيل الله خاصة، وتعيين الفعل الذي إن أديناه كان جهادًا في سبيل الله سواء ترافق معه عنف أو لا. وهل كل قتال في سبيل الله هو جهاد؟ وهل كل جهاد في سبيل الله هو قتال؟
وهدفنا الآخر -بتعبير الكاتب والمؤلف- إزالة الالتباس الكبير في الفكر العربي والإسلامي في مفهوم الشهادة والشهيد والناسخ والمنسوخ.
الفرق الجوهري بين “الجهد” الثلاثي و”الجهاد” الرباعي
نأتي الآن إلى مفهوم الجهاد، فبتعبير الكاتب هو مصدر الفعل الرباعي “جاهَدَ” على وزن “فاعَلَ” كالجدال والقتال والخصام. والجهاد فعل إنساني واعٍ لا يقوم إلا بطرفين، ويكون الطرف فيه فردًا أو يكون جماعة، إذ يبذل كل طرف وسعه في مغالبة صاحبه.
وقد توهم بعض أصحاب المعاجم وتابعهم في ذلك العديد من أنصاف المثقفين، فظنوا أن ألف المشاركة في الجهاد زائدة، وأن الأصل في الجهاد ثلاثي هو “الجهد”، وراحوا في معاجمهم يعرفون الجهد تحت عنوان الجهاد؛ وهذا خلط فاحش لأن الألف أصلية في الفعل الرباعي، وإسقاطها يحول المصطلح إلى “جهد” والجدال إلى “جدل” والقتال إلى “قتل”.
إننا لن نجد أبلغ من تعريف النبي (صلى الله عليه وسلم) للجهاد إذ قال لأصحابه: “قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”، قالوا: “وما الجهاد الأكبر؟”، قال: “مجاهدة العبد هواه”. وإذ كنا نعجب من تحول الجهاد إلى جهد عند أهل اللغة وأصحاب المعاجم، فقد ذهب الفقهاء إلى أبعد من ذلك حين تحول عندهم الجهاد اصطلاحًا إلى “قتال في سبيل الله” وحصروه في ذلك. فيقول ابن كثير على سبيل المثال لا الحصر في تاريخه (البداية والنهاية) الجزء الثاني صفحة خمسة، والإمام الشافعي في كتاب (الأم) الجزء الرابع صفحة 168: “الجهاد فريضة يجب القيام به سواء حصل من الكفار اعتداء أم لم يحصل”. وهذا تحول عجيب كأن أصحابه -أصحاب هذا الرأي- لم يقرأوا قوله تعالى في سورة العنكبوت الآية الثامنة: “وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۚ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” [العنكبوت: 8].
ولا أعجب من ذلك أن الفقهاء وأصحاب التراث لم يكتفوا بتحويل الجهاد إلى قتال، بل حولوا الجهاد إلى غزو والقتال إلى قتل. فيقول الإمام الشوكاني في كتابه (السيل الجرار) ما نصه: “وأما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر لحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية، وأدلة الكتاب والسنة في هذا لا يتسع لها المقام”. -والكلام للشوكاني-: “ولا لبعضها. وما ورد في موادعتهم وفي تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ باتفاق المسلمين بما ورد من إيجاب مقاتلتهم على كل حال وقصدهم في ديارهم في حال القدرة عليهم والتمكن من حربهم”.
والمتأمل في هذه الفقرة -بتعبير الدكتور محمد شحرور- لا يحتاج إلى جهد أو إلى عبقرية ليفهم أن القول بالنسخ هو الوسيلة المغلوطة المشوهة لترسيخ المعاني الفقهية الجديدة للجهاد والقتال، ولقد تم توظيف واستعمال موضوع الناسخ والمنسوخ عند الفقهاء لتبرير هذه المفاهيم.
وهنا نرجع إلى الشيخ محمد الغزالي في كتابه (كيف نتعامل مع القرآن) -يقصد الغزالي المعاصر- لننقل عنه ما نصه: “الزعم بأن 120 آية من آيات التنزيل الحكيم نسخت بآية السيف فهذا حماقة غريبة، دلت على أن الجماهير المسلمة في أيام التخلف العقلي والعلمي من حضارتنا جهلت القرآن، ونسوا بأنهم بهذا النسخ كيف يدعون إلى الله؛ ولعل من أسباب فشل الدعوة الإسلامية في أداء رسالتها الظن بأن السيف هو الذي يؤدي واجب التبليغ، وهذا باطل باتفاق العقلاء. والقول بالنسخ والحكم بتحنيط بعض الآيات قول باطل، فليس في القرآن أبدًا آية يمكن أن يقال عنها عُطلت عن العمل وحكم عليها بالموت، كل آية يمكن أن تعمل، لكن الحكيم هو الذي يعرف الظروف والمجالات التي تعمل فيها”.
هذا هو القتال في القرآن
نأتي إلى مفردة أخرى مهمة هي مفردة “القتال”. والقتال مصدر الفعل الرباعي “قاتل” على وزن “فاعل” ومثله جادل وخاصم وشارك وبايع؛ الألف فيه ليست من أحرف الزيادة. والقتال مفردة قرآنية وردت مشتقاتها وتصريفاتها في واحد وسبعين موضعًا في التنزيل الحكيم، أولها قوله تعالى في سورة البقرة: “وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” [البقرة: 190]، وآخرها في قوله تعالى: “إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ” [المزمل: 20].
وبتعبير الراحل محمد شحرور فالقتال موقف صدامي يتميز بالعنف بين طرفين، بين فرد وآخر أو بين مجموعة وأخرى. فإن هو كان من طرف واحد -القتال يبدأ من طرف واحد والطرف الآخر لم يبادر للرد أبدًا- فهو لم يعد قتالًا بل صار قتلًا، كما ورد في قول ابن آدم لأخيه في سورة المائدة آية 28: “لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ” [المائدة: 28]. وإذ نفهم أنه يرفض أن يكون طرفًا -أي ابن آدم- في قتال أخيه، فتحول الموقف التصادمي في عبارته إلى قتل وليس قتالًا لأنه من طرف واحد.
وهذه الحالة نراها في أعمال انتحارية كثيرة تنفذها المجموعات الانتحارية، حيث يبدأ طرف الهجوم والعنف الذي يؤدي إلى الإصابات والموت، والطرف الآخر هو أعزل ولا يريد القتال ولا يريد أن يقتل. فهذه عمليات -بتعبير الراحل محمد شحرور- قتل جماعي مع سبق الإصرار والترصد.
ولعل أبلغ وصف للقتال ورد في التنزيل الحكيم في سورة البقرة في الآية 216.
“كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” [البقرة: 216].)
في تفسير هذه الآية 216 من سورة البقرة يقول الرازي، فخر الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب): “هذه الآية، الكُره بضم الكاف هو الكراهية، بدليل قوله تعالى: (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ). وبفتح الكاف هو الإكراه على سبيل المجاز كما في قوله في سورة الأحقاف في الآية 15: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا)”. أما عندنا في القتال فهي تكليف من أشد التكاليف ثقلًا على النفس البشرية، فهو كُره بضم الكاف لما فيه من مشقة وقتل، وهو كَره بفتحها لأنه آخر الحلول في تسوية النزاعات، ولا يلجأ إليه إلا اضطرارًا كما تقول العرب: “آخر الطب الكي” حين تخفق جميع العلاجات الأخرى.
وأما قوله للقتال للتكليف فهناك قوله تعالى “كُتب”، والذي يذكرنا بقوله “كُتب عليكم الصيام”، “كُتب عليكم القصاص”. والتكليف لا يكون إلا للقادرين من العقلاء. أما جميع التكاليف الأخرى مع وجود خيار آخر. “كُتب” عندما تأتي بتعبير رحمة الله تختلف عن “فُرض”، فتأتي تعطي اختيارات أخرى؛ والخيار الآخر هو الحل السلمي، لذلك هو كتاب وليس فرضًا. لكن المفسرين الفقهاء اختلفوا كعادتهم في فهمه تطبيقيًا، واختلف العلماء في هذه الآية فقال قوم إنها تقتضي وجوب القتال على الكل، كما جاء مثلًا في التفسير الكبير للرازي، وكما جاء عند الطبرسي في قوله “كُتب عليكم القتال” أي فرض عليكم الجهاد في سبيل الله، انظر في ذلك (مجمع البيان للطبرسي).
وهذا خلط كبير -بتعبير الراحل محمد شحرور- بين القتال والغزو، ويبين أن القتال والجهاد هناك فرق بينهما؛ وهو أن الجهاد الأكبر يشمل -بتعبير الراحل محمد شحرور- مجالات الحياة كالسعي في طلب الرزق وتحصيل العلم والوقوف في وجه المغريات والصمود أمام التهديدات. وفي هذه المجالات جميعها يخرج جهاد من العنف والصدام المسلح بأشكاله المختلفة والمتعددة، من الاشتباك بالأيدي والتراشق بالحجارة وصولًا إلى استخدام الأسلحة على اختلاف أنواعها. أما القتال فلا يكون إلا بين طرفين متقاتلين لتسوية نزاع لم تنفع في تسويته كل الوسائل الأخرى.
أما على الصعيد الفردي وخير مثال على ذلك ما جاء في قصة موسى في سورة القصص، خبر موسى آية 15: “وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ” [القصص: 15]، إلى نهاية الآية.
أو على صعيد جماعي مثاله معارك بدر وأحد وخيبر والطائف والأحزاب؛ وهذه كلها أحداث تاريخية تدخل ضمن آيات القصص القرآني -وهذا الكلام مهم جدا- التي لا تتضمن آيات الرسالة.
أسطورة الإجماع: “الغول والعنقاء والخل الوفي” في الفكر الأصولي
ويرى مؤلف الكتاب الدكتور محمد شحرور علينا أن نقف طويلًا عند أمر مهم وخطير ورد في تفسير سورة البقرة الآية 216 “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ”، إلى نهاية الآية، هو الحديث عن الإجماع؛ والإجماع عندنا وهم -بتعبير الكاتب- وهو لا محل له في الواقع المعاش، كالغول والعنقاء والخل الوفي. والإجماع حلم رومانسي جعله علماء الأصول مصدرًا من مصادر التشريع، الذي يكفي عندهم أن تجمع الأمة أو علماء الأمة على أمر أو حكم أو تفسير آية، ليصبح هذا الإجماع مصدرًا تشريعيًا يلزم العباد اتباعه إلى يوم القيامة. وهذا ما وجدناه عند الرازي وهو يضع الإجماع في مرتبة التنزيل الحكيم، وما وجدناه عند الإمام الطبرسي أحد كبار علماء الإمامية في القرن السادس الهجري.
ويفعل ذلك والقول بالمجاز أو إنكاره شأنه شأن الترادف، وهو يشطر الأمة إلى شطرين يتحول معه الإجماع إلى كذبة كبرى. واشتهر ذلك الخلاف في تفسير قوله تعالى: “يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ” كما جاء في سورة الفتح آية 10: “إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ…” [الفتح: 10].
أما الطائفية والمذهبية التي قطعت الأمة إلى عشرات الأجزاء ليصبح معها الحديث عن الإجماع مجرد مهزلة كبيرة، وأمثلة ذلك أكثر من أن تعد وتحصى؛ منها الخلاف حول غسل الرجلين أو مسحهما في الوضوء، أو الجهر بالبسملة أو الإخفاء، عند عقد اليدين أو إسبالهما في الصلاة، أو تفسير الشجرة الملعونة في سورة الإسراء آية 60: “وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ…” [الإسراء: 60]. كما يرى الطبرسي أنها شجرة بني أمية.
والواقع أن لفظ الإجماع هنا يرد لدى العلماء الأفاضل لا يعني الإجماع المطلق عند الأمة بقدر ما يعني إجماع جماعة بعينها من طائفة أو من مذهب بعينه. فإن علماء وفقهاء إقليم أجمعوا على أمر معين، واعتبار هذه الجماعات الأخرى في الطوائف والمذاهب الأخرى المخالفة قولًا شاذًا على الإجماع، تمامًا مثل ما وصف الإمام الطبرسي تفسير سورة البقرة الآية مئتين وستة عشر.
وقد يصل إلى وصفه بالخطأ وحد الإخراج عن الملة. التكليف بعنوان “كُتب” لم يأتِ بعنوان “فُرض” وليس فرضًا. أما الكُره بضم الكاف يعني النفور والكراهية الفطرية، فكراهية القتال داخلة في تكوين الإنسان وتتساوى مع غريزة حب البقاء. وأما الكَره بفتح الكاف فيعني الجبر والقسر كما في قوله تعالى في سورة النساء الآية 19: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا…” [النساء: 19].
وهذا المعنى لا يجوز استبعاده حين تفسر آية البقرة “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ” لأن الكَره بفتح الكاف إحدى القراءات الموروثة التي اعتمدت عند أحد أئمة القراءات كما جاء في تفسير الرازي. ولا ندري لماذا استبعدها الطبرسي في (مجمع البيان). أما “كُتب” فهو اختيار كالصيام، وسبق أوضحنا ذلك في أحد الكتب.
ضمن هذا التعريف للقتال بمعنى “كُتب” يسقط قول ابن عمر وعطاء في أن الآية توجب القتال على النبي وأصحابه في وقتهم، بدلالة أن الكُره هو الكراهية الفطرية للقتال.
ما هي أهداف القتال؟
نأتي الآن لأهداف القتال كما فهمها الدكتور الراحل محمد شحرور في كتابه (تجفيف منابع الإرهاب). الهدف الأول للقتال يكون إعلاء كلمة الله كما جاء في قوله تعالى في سورة التوبة الآية 40: “إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” [التوبة: 40].
إن تفسير هذه الآية في الكتب التراثية نموذج يمثل تأثير الطائفية والمذهبية في فكر الإنسان وسلوكه وفهمه للنصوص. فالآية تدور حول ثلاثة محاور: هجرة النبي (صلى الله عليه وسلم) مع صاحبه أبي بكر الصديق، وثانيهما معركة بدر، والثالث الهدف الإلهي الذي تحقق وهو هجرة النبي إلى المدينة وتحقيق الانتصار.
ولقد شغل المحور الأول العديد من المفسرين فأفردوا له عشرات الصفحات والأدلة والشواهد؛ من هؤلاء فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير، فيما اجتنب عدد آخر الخوض في هذه التفاصيل.
إن جعل كلمة الله هي العليا هدفًا للقتال هي مجموعة ميزات أعطاها الله للإنسان العاقل، ومجموعة قوانين الوجود الموضوعي الحقيقي الصادق الذي لا يغش أحدًا ولا يكذب على أحد، والتي شرحها الله وبها تتنفذ كلمة الله العليا التي أعطاها الله للإنس والجن وهي الحرية؛ وعلى رأسها حرية الاختيار للعقيدة والدين، وحرية الكلمة، وحرية العمل، والحرية في السعي نحو حياة أفضل. والأحرار طبيعيًا يقيمون العدالة والمساواة. كما أن ثالوث الحرية والعدالة والمساواة لا يستقيم دون الحرية، فلا توجد عدالة ومساواة دون حرية وأحرار.
وتفهم العدالة وهي العدالة في الأحكام التي ينتج عنها المساواة: “وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ” [النساء: 58]. وهي المساواة في الحقوق والواجبات بين كل الناس أمام الدولة والسلطة، ولا يفهم منها المساواة في الدخل فهذا مفهوم مثالي؛ وهي من شأنها أن تزيد كل حوافز الإنسان للعمل وتلغي التدافع بين الناس داخل المجتمع الذي يطرح هذا الطرح. وقد طرح الحزب الشيوعي مبدأ المساواة على أساس طبقي بإلغاء الحوافز والملكية، فتوقف المجتمع عن النمو والازدهار.
إن المستبد العادل -برأي محمد شحرور- هو شعار وهمي. ولذلك بحث… لذلك حدد القتال في سبيل الله لمحاربة الطغيان كما جاء في سورة النساء الآية 76: “الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ…” [النساء: 76].
فالقتال في سبيل الله يكون ضد الطغيان. وكلمة الله العليا هي حرية الاختيار لأي فرد، والدين لا يملك أداة الإكراه؛ أما غير ذلك فهو ليس في سبيل الله. وفي قوله تعالى كما جاء في سورة البقرة 256: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ…” [البقرة: 256]، إلى نهاية الآية. نرى أن (لا إكراه) يقابله الإيمان بالله، والإكراه يقابله الإيمان بالطاغوت. والطاغوت جاءت على وزن “فاعول” كقولنا “حاسوب” و”ساطور”؛ فالحاسوب هو الذي يحسب ويكرر العملية الحسابية، والساطور يقطع ولكن ليس بلمسة واحدة. إذن الطغيان عملية مستمرة ومتنوعة.
ونفهم أيضًا هدف الخالق وهو العبادية وليس العبودية، بقوله تعالى: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” [الذاريات: 56]، إلى نهاية الآية. أي ليكونوا عبادًا لي وليسوا عبيدًا، يطيعونني بملء إرادتهم ويعصونني بملء إرادتهم.
ونواجه هنا مشكلة المفسرين والفقهاء تشبه كثيرًا ما واجهناه لديهم في فهم الجهاد حين تحول حصرًا إلى غزو، وفي فهم الدفع والتدافع حين تحول تحديدًا إلى قتال. هي المشكلة -برأي الراحل- كما جاء في آية الذاريات ستة وخمسين تكمن في أمرين دارت حولهما تفاصيل المفسرين وفقه الفقهاء؛ أولهما تعريف العبادة أنها أداء للشعائر من صلاة وزكاة وصيام وحج ولا شيء غير ذلك، وثانيها الخلط بين العباد والعبيد وبين العبادية والعبودية، وتعريفهم العبد بأنه الرق المملوك ولا شيء غير ذلك. وفي كتابنا (الإسلام والإيمان) يقول الدكتور الراحل محمد شحرور تم تفصيل ذلك.
التدافع الفطري: لولا تدافع المصالح لفسد النظام العالمي
أما الهدف الثاني للقتال هو صون الأرض من الفساد في قوله تعالى في سورة البقرة الآية مائتين وواحدة وخمسين (251): “وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ” [البقرة: 251].
وفيها ثلاثة أقوال: أحدها لولا دفع الله بجنود المسلمين الكفار لغُلبوا وخربوا البلاد كما جاء عن طريق ابن عباس ومجاهد. والثاني معناه يدفع الله بالبَرِّ عن الفاجر كما جاء عن علي وقتادة. والثالث أن قوله (يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن). وهذا كله جاء في تفسير الطبري والإمام الرازي.
إن المتأمل في هذه الآية يجد نفسه أمام محورين؛ الأول يجسده قوله تعالى: “دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ”، والثاني قوله تعالى: “لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ”. تربط بينهما علاقة امتناع الوجود يجسدها حرف (لولا)، وتقرر أن وجود الدفع يمنع وجود الفساد.
أما المحور الأول فيصف فيه قوله تعالى التدافع بين الناس في المجموعات الإنسانية بأنه تدافع فطري أوجده الله سبحانه في طبيعة الإنسان كمخلوق اجتماعي، بدلالة أنه نسبه في الآية لنفسه بقوله: “دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ”، والناس اسم جنس. فالقتال موقف تصادمي مشخص على وجه الحقيقة، يحكمه العنف، ويحتكم فيه الطرفان إلى السلاح، ولا يكون إلا في ساحات المعارك، وقد يقع في الأغلب ضحايا من قتلى وجرحى.
أما التدافع -بتعبير المؤلف- شيء آخر لا علاقة له بالقتال تمامًا؛ تجده في المستشفيات والمستوصفات وعيادات الأطباء بين الصحة والمرض، وبين غريزة البقاء وعوامل الفناء. ونجده في الأسواق والمتاجر بين البائع والمشتري متمثلًا في المساومة على الأسعار. ونجده في الملاعب الرياضية في المتنافسين على الكؤوس والجوائز. ونجده في قاعات المحاكم في مجالس القضاء بين المتخاصمين المتنازعين، حيث السلاح هناك أدلة وبراهين وليس سيوفًا ومسدسات. ونجد التدافع في معاهد البحث العلمي والجامعات بالتنافس، وبين شركات الإنتاج لمختلف السلع والتنافس والدعاية. ونجده -أي التدافع- على أعلى مستوى في السياسات الداخلية في التدافع بين الأحزاب، وفي المستوى الدولي في التدافع بين الدول على الأسواق.
نعم، قد يتحول التدافع إلى قتال بين طرفين في حالات وظروف خاصة سنفصلها لاحقًا. ومعظم الحروب بين الدول وقعت من أجل هذا التدافع وهو تناقض المصالح الذي لم يمكن حله سلميًا، وما الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلا لتنظيم هذا التدافع الذي قد لا يصل إلى مرحلة الحرب. لكن القتال إن وقع بعد اكتمال شروطه يؤدي إلى دمار الأرض وخرابها وليس إلى فسادها فقط وفق منطوق آية البقرة (251).
الأمر الذي يؤكد -بتعبير المؤلف- أن الله يتحدث في الآية عن التدافع وليس عن القتال كما توهم المفسرون. من هنا -بتعبير المؤلف- نفهم أن قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا…” [الحج: 38] لا يعني مطلقًا أن الله يقف في وجه أعداء الذين آمنوا ويحمل السيف في المعارك دفاعًا عن المؤمنين، بل يعني أنه معهم مجازًا دون تشخيص ولا تجسيد لهذا التدافع ضمن حيز مكان بعينه في خندق واحد.
أما المحور الثاني في قوله تعالى: “لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ”، فيصف ما كانت ستؤول إليه الحال لولا التدافع بين الناس في مختلف مجالات الحياة المادية ومصالحها الدنيوية. والعبارة في هذا المحور مجازية؛ إذ الأرض بذاتها على الحقيقة لا تفسد، فقد تتفسخ التربة وقد تنحسر وقد تجف أو قد تباع أو قد تثور براكينها، لكنها لا تفسد.
والمقصود بالأرض الكون بوجوده المادي كله والعالم بأكمله، بدلالة قوله تعالى: “وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ” [البقرة: 251].
في ضوء هذا كله يصير معنى آية البقرة 251: لولا تدافع الناس في مجالات الحياة لفسدت المصالح المادية لأهل الأرض في الكون، واختلت وجوه التعارف والتعايش والتنافس بين المجموعات الإنسانية. ونرى هذا بوضوح في فساد المجتمع والاقتصاد في الاتحاد السوفيتي سابقًا عندما أُلغي التدافع على المنافع المادية بإلغاء الملكية الخاصة والتنافس. وهكذا نفهم أن التدافع عندما يصل إلى مرحلة القتال فهو لا يكون إلا بين الدول؛ لذا إن الحروب التي تحدث نتيجة التدافع هي بين دول، بين حكومات وشعوب، لا بين أفراد أو أمم أو قوميات.
دور العبادة: التعددية المِليّة باعتبارها نتيجة طبيعية للحرية البشرية
عودة إلى كتاب (تجفيف منابع الإرهاب) للدكتور محمد شحرور. توقفنا عند الهدف الثالث للقتال وهو حفظ بيوت الله التي تقام فيها الشعائر بكل أنواعها، كما جاء في سورة الحج الآية 40: “الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا…” [الحج: 40].
وتتحدث هذه الآية عن أهمية الدور في الحفاظ على بيوت ذكر الله بمختلف أنواعها من الهدم، وفي النتيجة الحفاظ على المصالح الأخروية الروحية من أن تتعرض للأذى. وفي قوله تعالى في سورة يونس آية 99: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” [يونس: 99]. هي دعوة الناس -بتعبير الراحل محمد شحرور- إلى الإيمان واعتناق الرسالة المحمدية، لا يمكن أن يكون بالإكراه ولا يجوز أن يكون كذلك. وإنما سنة الله في أن يكون هناك مؤمنون أتباع محمد ونصارى ويهود ومجوس وبوذيون وهندوس. أما الإسلام فيقوم على الإيمان بالله واليوم الآخر ورأسه التوحيد فقط. وتعددية الملل هي من سنن الله في العباد، في حين أن غياب ملة بعينها أكثرية في الكرة الأرضية هي حماية وفضل من الله على الناس جميعًا.
ما هي شروط القتال في القرآن؟
وعودة إلى شروط القتال وأسبابه: وقوع الظلم هو شرط من شروط القتال كما جاء في قوله تعالى في سورة الحج آية 39: “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ” [الحج: 39].
وأن وقوع الإخراج من الديار في الآية التالية لها: “الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ…” [الحج: 40]، إلى نهاية الآية.
ووقوع اعتداء خارجي أو داخلي على الأنفس أو الأموال، هذه كلها مسببات للقتال، أو الأعراض أو الحريات بكل أنواعها: حرية العمل والكسب والتجارة والتنقل والتعبير والعقيدة وحرية الشعائر الدينية.
المتأمل في هذه الأسباب الثلاثة يجد أن الظلم هو السبب الرئيسي للقتال. فما هو الظلم؟ الظلم بمعناه اللغوي العام هو وضع الشيء في غير محله مع الإصرار عليه، فهو بهذا خلاف العدل والإنصاف كما في قوله تعالى: “وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ” [آل عمران: 108].
والظلم: الغبن وإنقاص الحق. ويأتي الظلم بمعنى العدوان على حدود الله كما جاء في سورة البقرة: “وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” [البقرة: 229]، أي تعدٍ على الحدود مع الإصرار على ذلك.
والظلم يأتي بمعنى العصيان والخروج على أوامر الله مع الإصرار بدلالة قوله تعالى في سورة الأعراف الآية 165: “فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنـجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ” [الأعراف: 165].
نقد “معالم في الطريق” لسيد قطب
هنا يذكر الكاتب وبسرد مفصل أنه لابد من وقفة مع كتاب أثار جدلًا كبيرًا في عالمنا العربي والإسلامي؛ وقفة مع سيد قطب الذي يقول في كتابه (معالم في الطريق). وهذا الكتاب يعتبر (مانيفستو) للحركات المتطرفة. عنوان في هذا الكتاب (الجهاد في سبيل الله)، بعد أن يتحدث عن المهزومين روحيًا وعقليًا الذين يدعون أن الإسلام لا يجاهد إلا للدفاع، ويحسبون أنهم يسدون جميلًا إلى هذا الدين بتفريغه من منهجه في إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعًا كما جاء في صفحة 71: “لم يكن من قصد الإسلام قط أن يُكره الناس على اعتناق عقيدته، ولكن الإسلام ليس مجرد عقيدة. إن الإسلام هو إعلان -كما جاء في الكتاب- عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد، فهو يهدف إلى إزالة الأنظمة والحكومات التي تقوم على حاكمية البشر للبشر والإنسان للإنسان، ثم يطلق الأفراد بعد ذلك أحرارًا بالفعل في اختيار العقيدة التي يريدونها”.
الدكتور محمد شحرور يرد على هذا الكلام لسيد قطب في كتابه (معالم في الطريق) بأن الأشياء تسمى بغير أسمائها.
وإن هذا الكلام نجده أيضًا عند شيخ الأزهر محمود شلتوت في (تفسير القرآن الكريم) صفحة 540 من التفسير (الأجزاء العشرة الأولى). فيقول محمود شلتوت: إن القتال ينحصر في رد العدوان وحماية الدعوة وحرية الدين وتطهير الأرض من الطغيان والمظالم. والشيخ شلتوت عينه جمال عبد الناصر شيخًا للأزهر عام 58 واستمر في منصبه إلى وفاته عام 63. ومن أهم مؤلفاته: (فقه القرآن)، و(المقارنة بين المذاهب)، و(القتال في الإسلام).
ويرى مؤلف الكتاب أن طريقة التفكير واحدة ما بين الاثنين لأنهما ينطلقان من القول بالترادف الذي يصبح معه الكذب افتراءً والافتراء يصير هو الإفك، ويتحول معه الجهاد إلى قتال والقتال إلى غزو. إذا كان هذا الكلام مقبولًا في خطاب العواطف فهو لا يجوز في خطاب العقول.
سعدون: إذ ننشد إلى هذه النقطة المهمة التي يقول بها الراحل محمد شحرور: إن الانطلاق من الترادف في تسمية الأشياء بغير أسمائها ماذا تعني؟ تعني عبارة “الإسلام ليس مجرد عقيدة” التي وردت عند سيد قطب بينما يربطها بمسلمة أخرى تتعلق بالطواغيت والجهاد ومحاربة الآخر المختلف والألوهية وفكرة الحاكمية السياسية؛ فيكون في هذه العلاقة اعتقاد ثم تصدقه الجوارح وينعكس سلوكًا واعيًا في القيم والشعائر. وإذا كان ذلك، لماذا تعمد الكاتب صياغة عبارته على هذا النحو؟ ولماذا قرر أن الإسلام نظام إلهي وليس مجرد عقيدة؟ لأنه يريد أن يخلص بعد عبارته إلى أمرين؛ الأول حاكمية الله كما يراها ويفهمها، والثاني أن الإسلام يهدف ابتداءً إلى إزالة الأنظمة والحكومات التي تقوم على حاكمية البشر للبشر، والإزالة تكون بالقوة بحسب تعبيره.
هذه العبارة هي من أخطر وأهم العبارات التي وردت في الفقرات التي قرأناها من الكتاب -كتاب (معالم في الطريق)- وتؤسس ربما لأول مرة في تاريخ الإسلام السياسي لمشروعية الخروج على الحاكم ووجوبها من جهة، لأسباب لا علاقة لها بالحرية والعدالة والمساواة. وأنا وضّحت -والتعبير للراحل محمد شحرور في كتبي- أن حاكمية الله -هذا كلام مهم جدًا- تظهر في المحرمات فقط وعددها أربعة عشر محرمًا.
ويرد الدكتور محمد شحرور على سيد قطب بقوله إن الإسلام نظام إلهي متكامل بتطبيق وفهم إنساني نسبي تاريخي، ينظم أنشطة معتنقيه في مختلف مجالات الحياة ومن بينها القتال؛ وقوله تعالى في سورة البقرة الآية 194: “الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ…” [البقرة: 194]، وسورة فاطر آية 18: “وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ…” [فاطر: 18].
هنا بندان من هذا النظام المتكامل. فلماذا الكاتبان قطب وشلتوت يتجاهلان نظريًا في هذه الأمور ويدعوان إلى اغتيال رجال الأمن وتدمير المؤسسات العامة وتفجير الأسواق بمن فيها، خاصة عندما يجرى القتال من طرف واحد على أنه قتال؟ وسبق أن شرحنا الفرق بين القتل والقتال.
والسؤال المهم -بتعبير الكاتب- ماذا نعني بالإسلام إن كان يعني تلك العروة الوثقى التي أوحاها سبحانه لرسوله الكريم أن استمسك بها فقد فاز ونجا؟ وإنه لا إكراه في الدين، بل إن العمود الفقري الذي تبنى عليه كل الأوامر والنواهي هو عدم وجود إكراه، وإن الطواعية هي الأساس في قبول هذا الأمر، ومع الإكراه لا تصح ديانة ولا يستقيم ثواب ولا عقاب؛ والدين لا يملك أداة الإكراه وهذا ما يميزه عن الدولة.
كيف أسس فقهاء السلطان والجماعات الثورية للعنف؟
فقهاء السلطان في القرن الأول الهجري أسسوا لعقيدة قتالية تقوم على التوسع تحت اسم نشر الدعوة، وعلى الغزو طلبًا للغنائم تحت عنوان الجهاد، وعلى الأهداف السلطوية والسياسية تحت شعار القتال في سبيل الله. وإن الجماعات المسلحة الثورية كحركات الجهاد والقاعدة وحتى الإخوان المسلمون أسسوا لعقيدة قتالية جديدة، فيها كل مساوئ العقيدة القتالية الأولى القديمة، مضافًا إليها مساوئ ما ينتج عن السعي إلى قلب أنظمة الحكم في الداخل والاستيلاء عليه عبر تجويزهم العنف قتلًا وتدميرًا وتخريبًا؛ وذلك من أجل أهداف تفوح منها رائحة الاستبداد والإقصاء.
أما شعار حاكمية الله الذي ما زال يطرح حتى الآن فهو شعار ضبابي، المقصود منه عندما يطرح هو السلطة، هدفه الوصول للسلطة. وإن الدين -أي دين- عندما يصل إلى السلطة لا يقبل الآخر لأنه يملك الحقيقة ويتحدث باسم الله. والمفتي هو الموقع عن الله كما جاء في كتاب ابن القيم الجوزية الشهير (إعلام الموقعين عن رب العالمين)، أو هو قائم مقام الرسول وفق قول الشاطبي، وهو الولي الفقيه قائم مقام المهدي؛ ففي النتيجة لا يمكن أن يكون إلا استبداديًا متسلطًا.
وفي هذا الطرح يتساوى طرح الإسلام السياسي في الشمولية مع ما طرحته الماركسية السياسية في الشمولية.
سيادة القانون: “فعال لما يريد” ونفي الألوهية عن الحكام
ويأتي الدكتور محمد شحرور عند قوله تعالى: “فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ” [البروج: 16]، إن الله وحده مطلق اليد والصلاحية ويفعل ما يشاء، فكل من رأى نفسه مطلق اليد والصلاحية فقد تعدى على الله في حاكميته؛ ولا يوجد مبدأ “افعل ما تشاء” أي سيادة القانون. وقوله تعالى: “مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي” [القصص: 38]، أي كل من يعتدي على الألوهية وهو طالب الطاعة غير المشروطة فقد تعدى على الله في ألوهيته.
فنحن مسلمون مؤمنون علينا أن لا نسمح لأي سلطة أن تتعدى على حاكمية الله من هذا المنطلق، أي لا تتخذ صفات هي لله فقط. وكثير من دول العالم لا تتعدى على حاكمية الله، ومعظم سكان هذه الدول ليسوا من أتباع الرسالة المحمدية.
وحاكميته لا تتجلى إلا في أنه لا يحق لأحد التحريم مهما كان موقعه والتحريم لله فقط. أما مهمة الدولة والسلطة هي الحياة الدنيا حصرًا، وليست مهمة الدولة أخذ الناس إلى الجنة بالعصا أو منعهم عن النار بالقوة. وبما أن مهمتها الحياة الدنيا فقط فيجب أن تكون مهمة الدولة -بتعبير الراحل محمد شحرور- بالصحة والتعليم وتوفير البنى التحتية على اختلافها والاقتصاد ورفاهية الناس والقضاء والأمن والدفاع؛ وهذه الأمور تحتاج إلى برامج واقعية عملية معتمدة على العلم ونجاحه، أو فشلها غير قائم على شعار حاكمية الله.
والسبب التاريخي -بتعبير المؤلف- لظهور هذه الحركات الإسلامية السياسية ثم السياسية المسلحة أن السلطة الدينية منذ الأمويين عمومًا ومنذ المتوكل خاصة خضعت للسلطة السياسية. وبما أن السلطة على مدى قرون مستبدة فلم يطرح الفقهاء شعار الحرية إطلاقًا، وفي مفهومهم أن الحر هو ضد الرق فقط، وتم الاستهانة بحياة الناس حتى لم تعد الحياة والحرية من القيم العليا والقيم المقدسة في وعينا الجمعي.
مفسدات القتال: السيطرة، التشرذم، والإسراف في رد العدوان
عودة إلى كتاب (تجفيف منابع الإرهاب) للدكتور محمد شحرور، مفسدات القتال كما ذكرها الدكتور محمد شحرور أو كما جاءت في القرآن. كما أن للصدقات مفسدات تبطل ثوابها كما جاء في سورة البقرة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ…” [البقرة: 264] إلى نهاية الآية؛ كذلك للقتال مفسدات تمنعه من تحقق أهدافه، سواء كان هذا القتال في سبيل الله أم جراء التدافع للدفاع عن النفس والوطن والمصالح على اختلافها.
ومن مفسدات القتال -بتعبير الراحل محمد شحرور- السيطرة على بلاد أخرى، الفرار من المعركة، التشرذم والتفرق، قتال من عرض السلام واعتزال القتال، والإسراف في رد العدوان، واعتبار الكفر بوحدانية الله السبب الموجب للقتال.
نذهب أولًا إلى الفرار من المعركة كما جاء في قوله تعالى في سورة الأنفال في الآية 15 والآية 16: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ” [الأنفال: 15-16].
والآيتان من القصص المحمدي الذي نأخذ منه العبر. كما تشيران إلى نهي الله تعالى عباده المؤمنين عن الفرار من القتال إذا التقوا مع الكفار الزاحفين لقتالهم. وسُمي الفرار تورية للإدبار كناية من باب المجاز لأن الفرار قد يكون تراجعًا باتجاه الأعداء.
ويلاحظ المتأمل في النص أن لفظ الكفار في الآية جاء على العموم؛ فالكافر -وهذا كلام مهم جدا- قد يكون مؤمنًا بوحدانية الله لكنه يكون قد بدأ القتال، ففي الحروب الطرف المعتدي هو الكافر حتى لو كان مؤمنًا مسلمًا، والمعتدى عليه من غير ملة ومن غير بلد. وفيما يتعلق بالقتال في سبيل الله فإن أي مساس بكلمة الله العليا في الحرية لكل الناس يليها العدل والمساواة هو مفسد للقتال إن كان فرديًا أو جماعيًا، وأي هدف غير هذا هو ليس في سبيل الله حتى لو كان هدفًا نبيلًا.
ونلاحظ هنا أن القتال في سبيل الله جزاؤه الجنة كما جاء في سورة التوبة الآية 111: “إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ…” [التوبة: 111]. نلاحظ أيضًا غياب ذكر الشهادة والشهيد وهذا ما تم شرحه في أحد كتب الراحل الدكتور محمد شحرور.
ومن مفسدات القتال أيضًا التفرق والتشرذم كما جاء في قوله تعالى في سورة الصف آية 4: “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ” [الصف: 4]، وسورة الأنفال آية 46: “وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ…” [الأنفال: 46].
هاتان الآيتان تبينان موضوعًا مهمًا هو التكاتف والتعاضد ليس في مواضع القتال وحسب بل في كل أمر آخر من أمور الحياة. فالآية الأولى تجعل من اصطفاف المقاتلين كاللبنات المتراصة في الجدران سببًا من أسباب محبة الله لهم، نتذكر مع هذه الآية صفوف المسلمين في صلاة الجماعة.
ثالثًا قتال من عرض السلام واعتزل القتال، وهذا من مفسدات القتال كما في قوله تعالى في سورة النساء الآية 90: “إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا” [النساء: 90].
لقد أشرنا ونكرر إلى أن القتال اسم فعله رباعي هو “قاتل” ولا يكون إلا بين طرفين بدلالة ألف المشاركة الأصلية في الفعل. فإن اعتزل أحد الطرفين القتال عارضًا الصلح ودعا إلى السلام سقطت ألف المشاركة ومن ثم لا يعد القتال قتالًا إلا بين طرفين. فإذا تحول أحد الأطراف، تنازل، تحول إلى قتل من طرف واحد؛ وهذا ما نهت عنه الآية في سورة النساء الآية 90، وما أشارت إليه آيات سورة المائدة من الآية 27 إلى الآية 31 في نبأ ما حدث بين ابني آدم. يبقى من المفيد أن نفرق بين اعتزال القتال والتخلف عنه، فالأول موقف إيجابي مقبول والثاني موقف سلبي مرفوض.
النقطة الرابعة من مفسدات القتال كما جاء في الكتاب الإسراف في رد العدوان، كما جاء في قوله تعالى في سورة البقرة الآية 190: “وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” [البقرة: 190].
والآية واضحة، فهي تأمر أتباع النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أن يقاتلوا من يقاتلهم ضمن المنهج والطريق الذي رسمه الله لهم، ولا يخرجوا عن حدود هذا الطريق الإلهي لأن الله لا يحب من يخرج عليها ويتعداها.
النقطة الخامسة من مفسدات القتال هو اختيار الكفر بوحدانية الله سببًا يوجب القتال كما جاء في قوله تعالى في سورة النساء الآية 94: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا” [النساء: 94].
هذه الآية تنهى الذين آمنوا عن اعتبار الكفر الديني سببًا للقتال. إن نحن فهمنا الضرب في سبيل الله قتالًا وأساسًا في العلاقات مع الآخرين، ونحن فهمناه سعيًا إلى الرزق وطلبًا للعلم ودعوة إلى الهدى؛ وقوله تعالى في سورة الممتحنة الذي يأمر بالتعامل بالحسنة بكل لباقة وأدب مع جميع الناس –أيًّا كان مذهبهم وطوائفهم ومللهم وعقائدهم-: “لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” [الممتحنة: 8].
هذه هي المفسدات الخمسة للقتال كما شرحناها.
القصص المحمدي: آيات القتال كعبرة تاريخية لا كأحكام تشريعية
في نهاية هذا الفصل هناك ملخص مكثف: لا يوجد في التنزيل الحكيم ناسخ ومنسوخ في كل آيات القتال التي وردت لتغطية أحداث غزوة بدر وأحد والخندق وتبوك وفتح مكة وخيبر قصص محمدي لا تدخل في النبوة ولا في الرسالة ولا نأخذ منها أحكامًا، وإنما هي عبر شأنها شأن قصص موسى وعيسى ويوسف وبقية الأنبياء؛ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب.
ونرى أيضًا في بداية عرض معركة بدر قوله تعالى في سورة آل عمران آية 13: “قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا…” [آل عمران: 13] إلى نهاية الآية. مما يعني أن هذه الأحداث والحروب التي دخل بها الرسول تدخل كلها في القصص لا في الأحكام، وفي استنتاج العبر فقط. إن آيات القتال في سورة التوبة وغيرها من السور جاءت للعبرة وليس للأحكام وتدخل ضمن القصص المحمدي.
ثانيًا: الشهادة والشهيد لا علاقة لهما بالقتل والقتال والموت؛ والشهيد لا يمكن أن يسمى شهيدًا إلا وهو على قيد الحياة وأن يقدم شهادة علنية. والشهداء مع الأنبياء والصديقين والصالحين وهم من لديهم شهادة علنية ضد الظلم أو تزوير مثل سجناء الرأي، أو لتجربة اكتشاف علمي أو لنقل الحدث إلى الناس. وتسمية قتلى الحروب شهداء ليست أكثر من مصطلح سلطوي بحت.
وهناك السلطة -أو ما يسميها الراحل مؤسسة الموت- عندما ترسل الناس إلى حتفهم، فتعرف أنها لن تدفع لهم شيئًا، وفي حال موتهم لا يستطيعون مطالبتها بشيء، فالأموات لا يطالبون بشيء ولا يحاسبون أحدًا على قراراته ولمن أرسلهم للموت؛ وهذا من اختصاص الله وليس من اختصاصها. لذلك اخترعت هذه المؤسسات -بتعبير شحرور- مصطلح الشهادة والشهيد في القتل والقتال، وتم الاستهتار بحياة الناس. ونجد أنفسنا في وعينا الجماعي لا نتأثر بعدد القتلى ولو كان كبيرًا، ولو كان نتيجة خطأ في السياسات أو القيادة أو الحكم. أما في الجانب الآخر في الجيوش الأجنبية نرى أن مسؤولي هذه الدول سيخضعون للمساءلة لدى شعوبهم؛ لأن الشعوب تقدس وتحترم الحياة التي وهبها الله لها، وتعتقد أن حياة الإنسان تطول وتقصر وأن مهمة الناس هي الحفاظ عليها وتأجيلها. أما نحن نقيم عرس الشهيد لقتلانا ونطلق الهتافات، وهذا هراء ووهم لأنه ليس أكثر من خدعة؛ فصاحب الجنة والنار هو الله ونحن لا نملك شيئًا، ولا يوجد خدعة أكبر من إيهام الناس بأنهم إذا قتلوا سوف يذهبون إلى الجنة. لذا إن الحياة في وعينا الجمعي لا قيمة لها كالحرية تمامًا. وإن كنا سنطلق على قتيل المعركة صفة الشهيد فذلك اصطلاح لا أكثر كونه حضر المعركة وقتل فيها.
وأيضًا إن الخطوة الأولى في القضاء على الإرهاب والاستبداد هو الفصل الكامل بين الشهادة والشهيد وبين القتل والقتال والموت، وإيضاح معنى الشرك والكفر. وعلى واضعي مناهج التعليم في العالم الإسلامي والعربي وخطباء المساجد وكليات الدعوة والشريعة أن ينتبهوا إلى هذه الناحية؛ إن في إصلاح مناهج التعليم ضربة قاصمة للإرهاب، وسوف تستمر تغذية الإرهاب بالشباب ما لم تتخذ هذه الخطوة بتعبير المؤلف.
إن القتال في سبيل الله الذي ارتضاه له هو أحد أنواع الجهاد في سبيل الله، وهناك أمور أخرى في التنزيل الحكيم تعتبر جهادًا في سبيل الله، وهي الإنفاق في سبيل الله، الضرب في سبيل الله. والقتال هو أحد صور الجهاد.
وأيضًا الحرية، جعل الحرية لكل الناس، وعلى رأسها حرية العقيدة وحرية الضمير والشعائر وحرية التعبير؛ لأن الأحرار هم الذين يقيمون العدالة والمساواة.
ويمكن أن يكون القتال مشروعًا وليس في سبيل الله، وذلك عندما يكون أحد صور التدافع بين المصالح؛ ومعظم حروب العالم كانت جراء هذا التدافع حتى اليوم وغدًا وبعد غد، هو قتال جماعي بين جيوش وليس في سبيل الله.
ويمكن أن يكون القتال مشروعًا وحلالًا في حال الاحتلال الخارجي، ولا يحتاج إلى إذن من أحد لحال الدفاع عن الوطن والنفس، ولكنه أيضًا ليس في سبيل الله.
إن الدفاع عن المصالح العامة للشعوب في أي دولة، والدفاع عن أراضي الوطن من العدوان الخارجي هو العقيدة القتالية للجيوش؛ أي إن حروب الجيوش بكاملها ليست في سبيل الله إلا إذا انطلقت لتحرير أناس تحت العبودية لينالوا حرية الاختيار.
إن الجهاد في سبيل الله يتبعه القتال في سبيل الله إذا لزم الأمر، وهو الجهاد والقتال في سبيل حرية الاختيار للناس جميعًا، وعلى رأسها حرية العقيدة، حرية الضمير والتعبير، وإقامة الشعائر الدينية لكل الملل والطوائف والأديان والعدالة والمساواة.
إن الحل الأمني لظاهرة العنف حل مؤقت كأنه أقراص مسكنات، ومرض العنف يحتاج إلى عملية جراحية، ولا يمكن استئصال هذا المرض إلا بإعادة نظر كاملة في الأسس التي بني عليها الفقه الإسلامي والتي وضعها الفقهاء في القرنين الثاني والثالث الهجريين؛ مع الإشارة المهمة جدًا أن احترام حرية الناس والحياة لم تكن ضمن هذه الأسس.
ولا يمكن أن يتم هذا العمل إلا بتبني نظم معرفية جديدة حيث المعرفة أسيرة أدواتها. وما نفعله منذ أربعين عامًا -والتعبير للراحل محمد شحرور- هو وضع هذه الأسس الجديدة والدعوة لتطبيقها. أما التخريجات مثل “الإسلام الوسطي” و”التقريب بين المذاهب” وغيرها فليست أكثر من مضيعة للوقت، كونها تبقي على أسس الفقه الذي وجد آنذاك.
إن من أهم الأسس التي يجب إعادة النظر فيها هي الصيغة التي فيها القتل والقتال والجهاد سابقًا على أساس أممي بين أمة كافرة وأمة الإسلام؛ أي قسموا العالم على أساس العقائد نظريًا، أي دار كفر ودار إسلام ومرات ترد دار حرب. وتحت هذا التقسيم الأممي الظاهري جرت الحروب التي هي حروب مصالح وغنائم وسيطرة.
وقامت النظرية الشيوعية بعملية مماثلة إذ قسمت العالم بورجوازيين وكادحين، ورأت كل منهما أمة؛ وشكلت الأممية الأولى والثانية إذ أخطأت تمامًا باعتبار الأغنياء أمة كما فعل الشيوعيون والفقراء أمة، فهم طبقات وليسوا أممًا، وقد كلفهم هذا التقسيم ملايين الضحايا والأموال.
وإن أي حرب -بتعبير الراحل- يخوضها الناس على أساس أممي وخاصة في عصرنا الحاضر لا يوجد فيها غالب ولا مغلوب، فالجميع خاسر. وإن خوض الحرب على أنها بين مؤمنين وكافرين، أو مؤمنين ومسيحيين، أو بوذيين ومؤمنين هي حروب مدمرة، وكل من يظن من المؤمنين أن هذه الحروب هي جهاد في سبيل الله فهو واهم وضحاياهم أضحيات بشرية مجانية.
إن شعار حاكمية الله -بتعبير المؤلف- شعار ضبابي عاطفي لا يصلح لبناء دولة الآن؛ لأن مهمة الدول في الحياة الدنيا بما فيها هي بنية تحتية، صحة، تعليم، والعمل على تطويرها وتوفير الأمن. والحياة الآخرة هي من اختصاص كل شخص بذاته، فيعمل بنفسه لآخرته.
من الاستحالة -بتعبير الراحل- فصل الدين عن المجتمع وإنما يمكن فصل الدين عن السياسة، وعندما يدخل الدين -أي دين أو مذهب- في السياسة تظهر ثقافة إقصاء الآخر. وأن المبررات الدينية والفقهية لإقصاء الآخر كثيرة ومتنوعة.
وكذلك فإن القرارات السياسية تقوم كليًا على عالم الحضور والشهادة، فيما يوجد في الدين دائمًا جانب غيبي.
إن الديمقراطية -بتعبير الراحل- التي توصل إليها الإنسان هي مبدأ حرية الاختيار، وصندوق الاقتراع، وحرية التعبير والضمير، والعمل ضمن عقد اجتماعي ونظام سياسي بين الحاكم والمحكوم؛ هي أقل الآليات سوءًا التي توصل إليها الجنس الإنساني لممارسة الشورى حتى الآن. لأن الشورى وردت في التنزيل الحكيم كمبدأ دون شرح الآلية المتبعة على تطبيق هذا المبدأ. وإن كانت هناك أخطاء في التطبيق الديمقراطي للوصول إلى شرح ذلك التطبيق فذلك لا يبرر رفضها. والعرب المسلمون لم يبتدعوا أي آلية محترمة لتطبيق هذا المبدأ. ويمكن أن تكون الديمقراطية ضمن نمط تاريخي في وجود ملكية أو جمهورية أو سلطنة، وهي تختلف تمامًا عن ديكتاتورية الأكثرية.
وإن ما يسمى بـ”الصحوة الإسلامية” -بتعبير الراحل محمد شحرور- ليس أكثر من خدعة؛ مع زيادة عدد المصلين والمحجبات والحجاج، ازداد بالتوازي الفساد المالي والكذب والغش والإخلال بالمواعيد والمواصفات وغياب إتقان العمل، واعتبار الحجاب الشرعي من عنوان الصحوة الإسلامية. وهذا يدل على أننا أمة مهزومة ومأزومة.
وإن تطبيق الشريعة الإسلامية على أساس كتب الفقه التراثية -مثل كتاب (الأم) للشافعي أو (حاشية ابن عابدين) وغيرها- لا يمكن تنفيذه إلا في ظل حاكم مستبد ديكتاتور؛ لأنه كلما طبقنا على المجتمع بَعُد المجتمع عن الفطرة الإنسانية. وأكثر المجتمعات التي تعيش بما يتعارض مع الفطرة الإنسانية هي المجتمعات التي يطبق عليها ما يسمى أحكام الشريعة المدونة في كتب الفقه أو ما يسمى بكتب الحديث.
ثقافة القطيع: غسل الأدمغة وغياب العقل النقدي
إن الإسلام بأركانه الثلاثة موجود عند كل أهل الأرض، فالقيم العليا موجودة في وصايا سورة الأنعام؛ قيم إنسانية عامة لكل أهل الأرض. وكان الإسلام مع تحريم الربا ومحارم النكاح. ولا يمكن لأي إنسان يقف ضد هذه القيم سواء كان علمانيًا أو ليبراليًا. وهذه القيم مطلوبة من كل الناس وخاصة من السياسيين والقادة وأصحاب المناصب وغيرهم.
فإن القتال أمر بغيض، وصدق الله العظيم عندما وصفه بأنه كُره فهو عمل كريه واستفزازي. وكل أنواع القتال ما عدا الدفاع عن النفس يجب أن يكون لها ما يبررها؛ لأن التاريخ يكتبه المنتصرون سواء كانوا على حق أو على باطل، وأي طرف يبدأ بحرب من أجل حق عليه أن ينتصر وإلا فعليه اللجوء إلى حلول أخرى غير القتال.
لقد نشر رجال الدين ثقافة القطيع بين الناس؛ هم يتحدثون والناس تسمعهم دون سؤال ودون مناقشة مع إسقاط التدبر وغياب تفعيل العقل، فيبدأون بعملية غسل أدمغة الناس ليقبلوا أي شيء على أنه دين. وعندما يخرج أحدهم على هذا القطيع ينتقل إلى قطيع آخر ليقتل نفسه هو والآخرين على أساس أنه دين دون سؤال ودون مناقشة.
المعروف والمنكر: تفكيك الثنائيات الناظمة للسلوك الإنساني
ننتقل الآن إلى فصل مهم من فصول الكتاب وهو تحت عنوان (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). يبتدئ الفصل بقوله تعالى في سورة آل عمران آية 104: “وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” [آل عمران: 104]. وآية 110: “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ” [آل عمران: 110]، إلى نهاية الآية. وآية أخرى: “يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ” [آل عمران: 114].
ويستعرض مجموعة من الآيات في سورة آل عمران وسورة التوبة. وفي هذه الفقرة يذكر مؤلف الكتاب عددًا من الآيات القرآنية التي ورد فيها الأمر بالمعروف تحديدًا والنهي عن المنكر مقترن أحدهما بالآخر.
نقول هذا لأن الأمر بالمعروف منفردًا ورد عددًا من المرات، منها قوله تعالى في سورة البقرة الآية 241: “وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ” [البقرة: 241]. والنهي عن المنكر أيضًا ورد منفردًا في عدد من المرات، منها سورة العنكبوت الآية 45: “إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ…” [العنكبوت: 45]. والأمر والنهي ثنائية تتألف من ضدين نجد مثلها كثيرًا في التنزيل الحكيم، ونذكر منها: الليل والنهار، السماء والأرض، الأعمى والبصير، الشفع والوتر، البعيد والقريب، الدنيا والآخرة، الجنة والنار، العلم والجهل، الأول والآخر، الموت والخلود، الثواب والعقاب، الأمر والنهي.
هي ثنائية من بين أربع ثنائيات تشكل المعيار القرآني الناظم للسلوك الإنساني وهي: الحلال والحرام، والأمر والنهي، والمسموح والممنوع، والحسن والقبيح.
ولعل من أخطر الأمور أن علماءنا الأفاضل خلطوا خلطًا عجيبًا بين هذه الأمور الأربعة؛ فالحلال عندهم هو المستحسن والمسموح والمأمور به، والحرام عندهم هو المستقبح وهو الممنوع والمنهي عنه. ويخلطون خلطًا عجيبًا بين هذه الأمور، بين المعروف والمنكر من جانب ثانٍ؛ فالمعروف عندهم هو الحلال والمسموح وهو المأمور به، والمنكر عندهم هو الحرام والممنوع والمنهي عنه.
وكان يجب علينا أن نوضح الآتي؛ أن نعرف الأمر والنهي والمعروف والمنكر. الأمر هو أصل صحيح في اللسان له عدد من المعاني. بفتح الهمزة وسكون الميم أولها، هو جاء من فعل أو قول يصدر من متكلم إلى مخاطب الطالب فيه آمر يتمتع بفوقية أو بخصوصية، والمطلوب منه مأمور؛ كما في قوله تعالى في سورة هود الآية سبعة وثمانين: “قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ…” [هود: 87] إلى نهاية الآية، وقوله تعالى في سورة النساء آية ثمانية وخمسين: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا…” [النساء: 58].
وسمي الآمر أميرًا على وزن “فعيل” لتغلبه وكثرة إصدار الأوامر. ويأتي بمعنى الحال والشأن كما في قوله تعالى في سورة آل عمران آية مائة وثمانية وعشرين: “لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ…” [آل عمران: 128]، وقوله تعالى في آل عمران الآية مائة وأربعة وخمسين: “ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ…” [آل عمران: 154].
أما بكسر الهمزة وسكون الميم (الإِمْر) فهو القول أو الفعل الشنيع المنكر، كما في قوله تعالى في سورة الكهف واحد وسبعين: “فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا” [الكهف: 71].
والإمارة هي العلامة، وقد تأتي بمعنى المكان والزمان ومنها الكثرة، كما في قوله تعالى في سورة الإسراء الآية ستة عشر: “وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا…” [الإسراء: 16] إلى نهاية الآية.
أما النهي (النون والهاء والياء) فهي أصل صحيح في اللسان يدل على غاية وبلوغ، ومنه قولنا “أنهيت إليه الخبر” أي أبلغته إياه، ونهاية كل شيء غايته ومنتهاه وآخره. والنُّهَى العقل لأنه ينهى عن قبيح القول والفعل. والنَّهْيُ طلب الامتناع عن قول أو فعل وردت مشتقاته في ستة وخمسين موضعًا في التنزيل الحكيم.
وإن آدم يعتبر أول إنسان عاقل من البشر، وإن اللغة بدأت بين متكلم ومخاطب، وإن أول صيغة كلامية في اللغة بدأت بالأمر والنهي كما في قوله تعالى في سورة البقرة الآية خمسة وثلاثين: “وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ…” [البقرة: 35].
من هنا نقول إن آدم عرّفه ربه بالمعصية لا بالطاعة، وعبر عن حرية اختياره بالرفض لا بالقبول، وتجلت إرادته الإنسانية ووعيه بعصيان نهي ربه له عن الاقتراب من الشجرة عصيانًا طوعيًا اختاره آدم لنفسه دون إكراه.
ويطرح مؤلف الكتاب عدة أسئلة في هذا الفصل المهم: كيف تجسدت معصية آدم لربه؟ ولماذا جاء طلب السجود إلى الملائكة بالقول فيما جاء هذا الطلب نفسه إلى إبليس بالأمر كما قال تعالى في سورة الكهف الآية خمسين: “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ…” [الكهف: 50].
وهل هناك فرق بين القول والأمر، وفرق بين الملائكة والجن؟ وهناك تفصيلات كثيرة تجدونها في هذا الفصل. وفي هذا الموضوع عن الأمر والنهي.
الكبائر في الميزان: الكفر موقف عدائي والفسق مخالفة للأوامر
حديثنا الآن عن الكبائر في المستوى القرآني. تنقسم الرسالات السماوية عمومًا والرسالة المحمدية خصوصًا إلى قسمين: أوامر ونواهٍ؛ أوامر تنظم وتحكم الجانب الإيجابي من السلوك الإنساني في مجال “افعل”، ونواهٍ تنظم وتحكم الجانب السلبي من السلوك الإنساني في مجال “لا تفعل”.
وكما تنقسم النواهي في التنزيل الحكيم إلى كبائر وصغائر (لمم) يأتي الشرك بالله على رأسها جميعًا؛ كذلك تنقسم الأوامر إلى كبائر وصغائر تبدأ بالإيمان بالله واحدًا أحدًا، وتنتهي بإماطة الأذى عن الطريق مرورًا بالإيمان باليوم الآخر.
وكان من فضل الله على المؤمنين به المطيعين لأوامره أن حبب إليهم الإيمان وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان كما جاء في سورة الحجرات الآية 7: “وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ…” [الحجرات: 7].
أما الكفر فمعروف هو اتخاذ موقف عدائي علني ضد أمر ما أو شخص ما، كمعاداة الرسالة المحمدية واتخاذ موقف عدائي منها هو كفر بها. أما الفسوق فهو مخالفة الأوامر والخروج عنها كما في قوله تعالى عن إبليس: “فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ” كما جاء في سورة الكهف. وأما العصيان فهو عدم ترك الإنسان العاقل المكلف لما نهي عنه، كما في قوله تعالى: “وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ” [طه: 121].
إذن الكفر موقف علني عدائي من أمر ما فهو كافر به؛ فالبخيل كافر بالنعمة كما في قوله تعالى في سورة النساء الآية 37: “الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا” [النساء: 37]. والفسوق هو مخالفة أوامر رب العالمين. والعصيان بالنسبة للإنسان هو فعل نواهٍ نهى عنها رب العالمين كما جاء في سورة طه الآية 121.
كبائر المجتمع النبوي: تحصين العلاقات وتغييب ذكر الاستبداد
ونواهي التنزيل الحكيم تنقسم إلى قسمين: الكبائر الثابتة على مر الزمان وهي المحرمات، والصغائر وهي اللمم. وإن كان إحصاء النواهي والمحرمات في التنزيل الحكيم ممكنًا، فإن إحصاء الكبائر مستحيل لسبب بسيط، هو أن هذه الكبائر قد تكون من المحرمات وقد لا تكون، بل للسائد الاجتماعي -بتعبير المؤلف- دور أساس في جعل ذلك. فالشرك بالله وأكل الربا ومعاقرة الخمر كانت على رأس الكبائر السائدة في المجتمع القرشي على مدى الثلاث عشرة سنة الأولى من البعثة المحمدية، ثم انضم إليها الفرار من الزحف في المجتمع المدني بعد نزول الإذن بالقتال ولم يكن قبلها من الكبائر.
الكبائر على المستوى النبوي: لا شك في أن فهم النبي الكريم لمسألة الكبائر -شأنه في ذلك كجميع المسائل الأخرى- يخرج أبدًا عن المقصد الإلهي في التنزيل الحكيم. من هنا نراه في الحديث النبوي يعد قول الزور وقذف المحصنات من الكبائر، وهذا أمر طبيعي في مجتمع المدينة المنورة الهدف منه تحصين العلاقات الاقتصادية والتجارية والقضائية، وتمتين العلاقات الأسرية والعشائرية على أسس نظيفة. وأمر طبيعي أن لا يتعرض فيه لذكر الظلم رغم أن الظلم أفدح خطرًا على المجتمع من قول الزور وقذف المحصنات؛ والسبب أن مجتمع المدينة المنورة في العصر النبوي لم يكن فيه حكام ظالمون ولا سلاطين مستبدون.
كيف نفهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اليوم؟
بعد هذا الإسهاب في الشرح نصل إلى سؤال مهم جدا: كيف نفهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اليوم؟ كيف نمارسه ونطبقه عمليًا في وقتنا الحاضر؟ والاستفاضة في تعريف الأمر والنهي والمعروف والمنكر لأن التعاريف ترسم من أين تبدأ حدود الأشياء وأين تنتهي. وكان لابد أن نعرف النهي لنقف عند الدرجات الأربعة: الحلال والحرام، والأمر والنهي، والسماح والمنع، والحسن والقبيح.
ثم لنعرف كيف اختار تعالى أن يُسمي بعض النواهي كبائر، ثم اختار أن يجعل هذه الكبائر محرمات بقوله تعالى في سورة القمر الآية 43: “أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ” [القمر: 43]، وقوله في سورة يس الآية 12: “إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ”. وهاتان الآيتان تضعاننا على الطريق الصحيح في قراءة هذا الكون قراءة صحيحة تبين لنا مقادير الأشياء ونهاياتها.
وكذلك في سلوك الإنسان الواعي توجد نهايات، هذه النهايات التي سماها التنزيل الحكيم حدودًا لا يجوز تعديها كما جاء في سورة البقرة الآية 229: “تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا…” [البقرة: 229].
الولاء والبراء: صراع الانتماء بين القومية والأمة والعقيدة
نصل الآن إلى الفصل الخامس في فصول الكتاب هو فصل مهم جدًا وهو (الولاء والبراء). في العالم الإسلامي اليوم ترتفع شعارات ومقولات ومفردات ومصطلحات يختلط فيها القومي بالعرقي، والسياسي بالعقائدي، والفكري بالسلوكي؛ وتتداخل فيها حدود الانتماء الديني والمذهبي والقومي مع الانتماء السياسي سواء كان انتماءً ملكيًا أو جمهوريًا أو دستوريًا. وتضيع في كل هذا التداخل الفوارق بين القوم والأمة والقبيلة والشعب والوطن.
ولعل أبرز صورتين معاصرتين لهذا الضياع هي عبارة سعد زغلول في مصر “الدين لله والوطن للجميع”، وشعار زكي الأرسوزي منظّر القومية “أمة عربية واحدة”. ففي الأولى وضع المواطنة قبل الدين بالنسبة للحياة العامة، والثانية تخلط بين الأمة والقوم؛ فهناك قومية عربية وتركية وفارسية، وهناك أمة محمدية أو أتاتوركية أو ماركسية. فالقومية لسان والأمة سلوك وعقيدة. هذه الشعارات والمقولات ليست جديدة، فمعظمها تجده في كتب التراث وبعضها نجد لها أصلًا في التنزيل الحكيم.
أما الذين كتبوا في الفكر الإسلامي ونقدوا العقل العربي والإسلامي قليل منهم من تعرض لتلك الشعارات والمقولات بالدراسة والتحليل.
الولاء العقائدي: اختيار حر يتجاوز العرق واللون والحدود
نأتي إلى شرح مفردتي الولاء والبراء. الولاء مفردة قرآنية من الأضداد لها معنيان: الإقبال والاتباع، والترك والإعراض. وقلنا إن الولاء هو سلوك إنسان اجتماعي وموقف فكري يختاره صاحبه. والرسالات السماوية وخاتمتها الإسلام جاءت تضيف ولاءً جديدًا يتجاوز الولاء الأسري والعشائري والقبلي هو الولاء العقائدي.
وبتعبير الراحل أنا أفهم من ذلك أن الولاءات اختيارية لا إكراه فيها ولا قهر، وتختلف أولوياتها من إنسان إلى آخر. وأن النبي الكريم عشيرته الصغرى بنو عبد المطلب، وعشيرته الكبرى بنو هاشم، وقبيلته قريش، وقومه العرب، وشعبهم أهل المدينة المنورة من المؤمنين واليهود عندما هاجر إليها وأسس دولته، وأمتهم كل من آمن بنبوته وصدق برسالته.
وقوله تعالى في سورة الشعراء الآية 214: “وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ” [الشعراء: 214] نزل في مكة إيذانًا ببدء منطقي للدعوة التي ستتسع فيما بعد لتشمل القوم، ثم تتسع مرة أخرى لتشمل الإنسان بغض النظر عن لونه وعرقه ولسانه وموقعه الجغرافي والاجتماعي، مصداقًا لقوله تعالى في الأنبياء 107: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ” [الأنبياء: 107]. وهذه الآية تبين ما قلناه أنه يتجاوز كل الولاءات السابقة دون أن يتضارب معها.
من أجل هذا الولاء الجديد جاء قوله تعالى في سورة التوبة الآية 86: “وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ” [التوبة: 86].
من بعد كل ما طرحناه، هذه الأسئلة التي طرحها مؤلف الكتاب: متى يبدأ الولاء ومتى يتحول إلى مصطلح؟ متى نقول عن السلاطين والأمراء أنهم ولاة للأمر طاعتهم واجبة بطاعة الله والرسول؟ كل هذا يكون تفصيله في الكتاب.
البراء: الباء والراء والهمزة أصل صحيح في اللسان العربي، ومفردة قرآنية وردت مشتقاتها في 31 موضعًا من التنزيل الحكيم، كما جاء بالكتاب في قوله تعالى في البقرة الآية 166: “إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ” [البقرة: 166]، وآخرها في قوله تعالى في سورة الحديد: “مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا…” [الحديد: 22].
مفردة البراء تدور حول معنيين: الأول برأ برءًا وبروءًا، أي خلق على غير مثال سابق، ومنه جاء أحد الأسماء (البارئ) ضمن الأسماء الحسنى. والثاني أي من خلا من العيوب وصفا من الشوائب والتهم. من هذين المعنيين نأخذ فرعين: الأول إبراؤه من المرض أي شفاؤه وتخليصه منه كما في قوله تعالى في سورة آل عمران: “وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ…” [آل عمران: 49].
والثاني تبرأ من الأمر أي أعلن تركه كما في قوله تعالى في سورة الزخرف في الآية 26: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ” [الزخرف: 26].
وتبرأ من الشخص أي أنكر علاقته به واستنكر صلته معه كما في قوله تعالى التوبة 114: “فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ…” [التوبة: 114].
هذا المعنى الأخير كما ورد في آية التوبة 114 هو المحور الذي يدور حوله بحثنا هذا لكونه المحور الذي تدور حوله دلالة لفظ البراء بعد أن تحول إلى مصطلح واقترن بمصطلح آخر هو الولاء فشكلا ثنائية يحكمها التضاد، وجاءت في كتب كثيرة ومؤلفات كثيرة. البراء كالولاء تمامًا.
والبراء والولاء هي علاقة ثنائية اجتماعية اختيارية تبدأ عند الفرد فكريًا ونظريًا بقرار يقرر فيه الفرد التبرؤ من أمر يتعارض مع ثوابته السلوكية، أو من شخص ارتكب ما يوجب التبرؤ منه، ثم يتحول هذا القرار إلى سلوك عملي.
وإذا كان للولاء لغة وجهان متضادان هما الإقبال بالاتباع والترك بالإعراض، فإن البراء ليس له سوى وجه واحد هو الترك والنبذ والإعراض.
وإن الحدود الناظمة للبراء في التنزيل الحكيم جاءت في قوله تعالى في سورة لقمان الآية 15: “وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا…” [لقمان: 15]. والتوبة 114: “فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ…” [التوبة: 114].
إن آية لقمان تتحدث عن خلاف واختلاف عقائدي بين ابن موحد ووالدين مشركين يحاولان جاهدين حمل الابن على أن يكون مثلهما؛ في هذه الحالة يأتي التوجيه الإلهي ليسمح للابن أن يعصي الأبوين ضمن تكليف آخر يتجلى: “وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا…”، وهنا لا وجود لبراء وتبرؤ بل أمر بالصحبة بالمعروف.
أما آية التوبة 114 تتحدث عن فتى هو إبراهيم وعن موقفه من مربيه وراعيه آزر بعدما اتضحت عداوة الأخير لله. في هذه الحالة بالذات ترد مشروعية التبرؤ ضمن الشرطين اللذين نجدهما في الآية؛ الأول ظهور عداوتهم لله ظهورًا مؤكدًا “فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ”، والثاني جاء في استخدام استعمال فعل “تبين” بدلًا من فعل “بان”. وهذا هو معنى “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ”، إنه جاءت بصيغة براء بصيغة مفردة.
إن البراء مفردة قرآنية وردت في 31 موضعًا من القرآن الكريم لا تخرج عن إحدى معنيين؛ الأول هو الخلق على غير مثال، والثاني هو الخلو من العيب والشوائب والتهم.
فرية حد الردة: سلوك وعمل لا تشرع له عقوبة دنيوية
عودة إلى كتاب (تجفيف منابع الإرهاب) للدكتور محمد شحرور. نتوقف عند فصل مهم بمسألة الردة. ماذا يقصد بهذا المفهوم؟ الراء والدال المضاعفة، أصل صحيح في اللسان، فهي مفردة قرآنية وردت مشتقاتها في 59 موضعًا في التنزيل الحكيم. أورد الزمخشري في (أساس البلاغة) أكثر من 20 وجهًا من معانيها.
ويرى الراحل التالي بموضوع الردة: تأتي بمعنى الإرجاع والإعادة كما في قوله تعالى في سورة القصص آية 13: “فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ…” [القصص: 13]، وفي سورة البقرة الآية 109: “وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا…” [البقرة: 109]، وفي سورة يوسف الآية 65: “وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ…” [يوسف: 65].
ثانيًا تأتي مفردة الردة بمعنى الرد بمعنى المنع والصد والإحجام، كما في قوله تعالى في عدة آيات هي الأنبياء 40: “بَلۡ تَأۡتِيهِم بَغۡتَةٗ فَتَبۡهَتُهُمۡ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ”، ويونس 107: “فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ…” [يونس: 107]، والرعد 11: “… إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ”، والمائدة 21: “… يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ”.
ونقف عند آيتين تحديدًا من التنزيل الحكيم في البقرة 217: “يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” [البقرة: 217].
وقوله في سورة المائدة الآية 54: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ…” [المائدة: 54].
وتعريفنا للردة كما ورد في الآيتين بأنهما سلوك وعمل، تمامًا كما عرفنا الإيمان بأنه سلوك وعمل، وكما عرفنا الكفر والشرك بأنه موقف وسلوك وعمل.
ننتقل الآن إلى تعريف موضوع الردة إذ لابد للردة والارتداد بالموضوع، ومحل جوابنا عن السؤال هو الارتداد عن ماذا؟ الردة عن ماذا؟ الجواب في كلتا الآيتين هو الدين، والدين بتعبير الراحل محمد شحرور هو المنهج السلوكي العام، بدءًا من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والعمل الصالح. والحد الأدنى هو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، إذ يكفي هذا الحد الأدنى للدخول في الإسلام. تلك هي الردة عن الدين كما ترسمها آيات البقرة 217 والمائدة 54.
والسؤال الآن: ما هي العقوبة التي يقررها التنزيل الحكيم لمرتكب الردة؟ هل هي عقوبة أخروية أم عقوبة دنيوية؟ عقوبة المرتد في آية البقرة 217 إحباط عمله وبطلانه في الدنيا والآخرة، وعقوبة المرتد في آية المائدة 54 أن الله سيستبدلهم بقوم يحبهم ويحبونه.
بعبارة أخرى ليس في الكتاب -في التنزيل الحكيم- حد شرعي للمرتد، وليس في هذا ما يثير العجب والاستنكار؛ لأن الإيمان موقف فكري واعٍ اختاره الإنسان العاقل دون إكراه، ولهذا يحاسب الله عليه يوم الحساب، وقل مثال ذلك في الكفر والشرك والردة.
السؤال الآن يطرحه مؤلف الكتاب: من أين جاء تفسير المفسرين والفقهاء عن أن المرتد يقتل أو يقام عليه الحد؟ من كتب التراث والمفسرين؛ ننظر مثالًا في التفسير الكبير للرازي الجزء السادس، صفحة 33. من أين جاؤوا بقولهم إن أهل الردة كانوا إحدى عشرة فرقة؛ ثلاثة في عهد الرسول وسبعة في عهد أبي بكر؟ ولتفصيل ذلك بالتفصيل انظر في تفسير (الكشاف) للزمخشري الجزء الأول صفحة 620.
الجواب حسب ما يرد للراحل محمد شحرور: تلك حكايات أهل الأخبار ورواة قصص الأحداث والسيرة، وتم أسلمتها تحت عنوان قدسية التراث فتحولت إلى تشريع لا أصل له في أحكام التنزيل الحكيم. وكان من خطر ذلك أن أصبح لدينا إسلام تاريخي بدلًا من تاريخ إسلامي، وبات للنصوص التراثية من السلطة والسلطان ما لا يستطيع معه رجل مصلح أن يأخذ بها دون تفكر ولا تدبر ودون تحليل ولا تمحيص ودون زيادة أو نقصان.
مقاصد الشريعة: نقد الحفاظ على الدين والنفس والأرزاق
في ختام الكتاب قبل الخاتمة كلام مهم عن مقاصد الشريعة. يرى الراحل خلال القرون الطويلة لتطور الفقه الإسلامي وضع الفقهاء مصطلحًا هو مقاصد الشريعة، وقالوا إن هذه المقاصد هي خمسة: الحفاظ على النفس، الحفاظ على الدين، الحفاظ على العقل، الحفاظ على المال، الحفاظ على النسب؛ ومنهم من أضاف نقطة سادسة الحفاظ على العرض. ونحن نريد -بتعبير الراحل- أن نناقش ما المقصود بمقاصد الشريعة، وأن نحدد المسؤول المكلف عن هذا الحفاظ؛ هو الفرد أم الجماعة أم الوجدان والضمير الإنساني أم الدولة أم السلطة؟ وهل مهمة السلطة هي الحفاظ على الدين؟ وعلى أي دين نريدها أن تحافظ؟ أليس جعل الحفاظ على دين بعينه من مهمات السلطة أمرًا لا يتناسب مع قوله تعالى “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”؟
نذهب إلى المقصد الأول: الحفاظ على النفس (الحياة). لقد وضع فقهاء وعلماء العقيدة -طبعًا هذا حسب فهمهم- أن عمر الإنسان محتوم -هذا في الجانب القدري- ورزقه مقسوم وعمله مكتوب، وهو مكتوب عليه وهو في بطن أمه هل هو شقي أو سعيد، وأنه لو اجتمعت الإنس والجن على أن يزيدوا في عمر زيد دقيقة واحدة أو ينقصوا من عمر أحمد دقيقة واحدة ما استطاعوا. وطبقًا لهذه الأطروحة ينتج لدينا أن جميع من قضى نحبه في هيروشيما وناجازاكي من أطفال ونساء وشيوخ -الذين يزيد عددهم على 200 ألف إنسان- بسبب القصف الذري من الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، إنما ماتوا لأن أجلهم انتهى. وهذا لا يقبله عاقل ولا يتناسب مع ما جاء في التنزيل الحكيم: “وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنَ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا” [آل عمران: 145]. هذه الآية من القرآن وجاءت في كتاب علوم النبوة الذي يضم نواميس الكون وقوانين الوجود، وإنما سمّىاه سبحانه “كتابًا مؤجلًا” لأن كتاب الموت فيه شروط موضوعية التي يتأجل حدوث الموت حتى اكتمالها.
وكما أن للموت كتابًا كذلك لكل شيء في الكون كتاب؛ فللمطر كتاب، وللزلازل كتاب، وللبراكين كتاب. وهذا معنى قوله تعالى: “لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ” [الرعد: 38]، وقوله تعالى: “وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا” [النبأ: 29]، أي أن الوقوع الحتمي لأي حدث طبيعي أو إنساني لابد أن يسبقه اكتمال الشروط الموضوعية التي يضمها كتابه.
هذا عن الأعمار، أما عن الأرزاق فالله تعالى يقول كما جاء في سورة الزخرف آية 32: “أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا…” [الزخرف: 32].
هذه الآية تبين لنا قواعد التنظيم الاجتماعي المتحضر وتوضح لنا أن الإنسان يمارس عملًا واحدًا في معاشه؛ فيعمل في الزراعة وغيره يعمل في الصناعة ومن يعمل في التجارة أو الخدمات، ثم تشير إلى مفهوم التسخير في قوله “لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا”. هذا المفهوم الذي يعني التكافل والتكامل بين أفراد الجماعة؛ فالمزارع مسخر لإطعام العامل في المصانع، والطبيب مسخر لعلاج هذا وذاك، والمعلم مسخر لتعليم أبناء هؤلاء جميعًا. والآية لا علاقة لها بالتحديد المسبق لأرزاق الأفراد كل على حدة.
وفي قوله تعالى: “وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ” [الذاريات: 22]، ظن السادة الفقهاء أن أرزاق الناس جماعات وأفرادًا محددة سلفًا، وهذا صحيح على صعيد الجماعات الإنسانية لكنه غير صحيح على صعيد الأفراد. لأن الآية تتحدث عن الجماعات الإنسانية بمعنى الجمع، وتبين أن أرزاق الناس لها مصدران تأتي منهما؛ الأول خيرات الطبيعة من نبات وحيوان ومعادن، والثاني العمل. أما خيرات الطبيعة من الطعام والشراب والأنعام فأساسها الماء؛ لهذا سمى سبحانه المطر في هذه الآية رزقًا وهو يأتي من السحاب في السماء الدنيا كما في قوله تعالى في سورة الجاثية آية خمسة: “وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا…” [الجاثية: 5].
أما عن الأعمال -بتعبير الراحل الدكتور محمد شحرور- والسادة الفقهاء فهم ظنوا فهي مرسومة لا مناص للإنسان إلا أن يفعلها. وقول ذلك -بتعبير الدكتور محمد شحرور- يجرح العدل الإلهي حين يعاقب رجلًا عن ارتكاب إثم مكتوب عليه بالأصل، ولا يبقى معه إلى يوم الحساب بما فيه من ثواب وعقاب، ولا يتناسب هذا الكلام مع عشرات الآيات في التنزيل التي تربط مصير الإنسان في الآخرة بأعماله في الدنيا. وهذا لا يكون إذا كان “المكتوب على الجبين” -كما يقول المثل الشعبي- “تشوفه العين”. فكيف يحاسب الذي ترسخ -بتعبير الراحل محمد شحرور- في عقول الناس وعلى ألسنتهم؟ يقول تعالى -طبعًا هذا الكلام السابق هو ترسخ وهو ما يسمى الآن بمصطلحات علم الاجتماع “الدين الشعبي” أو “التدين الشعبوي” فإن الإنسان مكتوب كل شيء: عمله وأجله ورزقه- يقول تعالى: “كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ” [الطور: 21]، و”وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ” كما جاء في سورة الإسراء 13، وقوله في سورة فصلت 46: “مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ” [فصلت: 46]، وأيضًا آية الكسب في الآية 21 من سورة الطور: “كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ” [الطور: 21].
خلط الفطرة بالتكليف: هل يحتاج الإنسان تشريعاً ليحب المال؟
نرجع إلى ما ذُكر في كتب الشريعة عن مقاصد الشريعة الخمس أو الست ونقد الراحل الدكتور محمد شحرور لها. ثانيًا: الحفاظ على المال. مع هذا البند الثاني من بنود مقاصد الشريعة نحن أمام خلط عجيب -بتعبير الراحل- بين الفطرة التكوينية والتكليف التشريعي، وهو خلط يثير الدهشة ويستدعي السخرية في آن معًا. فالمال يدخل تحت بند الأرزاق والممتلكات من جانب، وله علاقة وثيقة ببند الحياة من جانب آخر لأنه عصب الحياة، ولا يستطيع الإنسان دونه تأمين مستلزمات حياته من مأكل ومشرب وملبس ومسكن؛ والحفاظ على الحياة لا يكتمل إلا بالحفاظ على المال. وحب المال فرع من غريزة التملك الفطرية لدى الإنسان، وأشار إليه تعالى بقوله: “وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا” [الفجر: 20]، وبقوله عن الإنسان: “وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ” [العاديات: 8]. والمعلوم أن من يحب شيئًا يحافظ عليه.
ومن هنا: إن من المضحك أن نكلف الإنسان -بتعبير الراحل محمد شحرور- الحفاظ على أمر كالحياة والمال في حين أنه أصلاً يحافظ عليه بحكم فطرته؛ فإن فعلنا كنا كمن يسن تشريعًا للبقر يكلفها فيه بأكل العشب.
فحين يقتل الإنسان نفسه (أي ينتحر) أو يقتل غيره بغير حق هو لا يخرج عن مقاصد الشريعة، بل يخرج -بتعبير الراحل- عن الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها. والمنتحر وهو بكامل القوة العقلية ليس مجرمًا يستحق العقاب لأنه خالف ما وضعه له الفقهاء، بل يستحقه لأنه فرط وأهدر أغلى نعمة أنعم الله بها عليه وهي نعمة الحياة.
وحين يخرج الإنسان عن فطرته في الحفاظ على المال سيكون سفيهًا فاقدًا التوازن العقلي يجب علاجه استنادًا إلى قوله تعالى: “وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ…” [النساء: 5].
واستنتاجًا لما قلناه، إن السعي نحو حياة أفضل من ناحية، والحفاظ على المال العام ومكافحة الفساد من ناحية أخرى يجب أن يكون من مقاصد الشريعة والدولة والمجتمع والأفراد.
الطاغوت والإكراه: الدين لله والجنة ليست من اختصاص الدولة
نأتي إلى المقصد الثالث من مقاصد الشريعة كما ورد في كتب التراث: الحفاظ على الدين. يتساءل مؤلف الكتاب: ما المقصود بالدين؟ وما المقصود بالحفاظ عليه؟ ومن هو المسؤول المكلف بهذا الحفظ؟ وهل قتل المرتد يدخل ضمن بند الحفاظ على الدين؟ إن كان المقصود بالدين ذلك المنهج التشريعي الراسم للسلوك الإنساني الذي أنزله الله تعالى وحيًا على قلب نبيه المصطفى، فالله تعالى يقول في سورة الإسراء الآية 15: “مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا…” [الإسراء: 15]، وأيضًا سورة آل عمران الآية 44: “ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ…” [آل عمران: 44]، وسورة النمل الآية 40: “قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ…” [النمل: 40].
ويستعرض هنا مجموعة من الآيات في هذا المجال. ولقد اشترط تعالى الرضا تطوعًا واختيارًا مع الإيمان ونهى عن الإكراه كما جاء في قوله تعالى في سورة البقرة 256: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ…” [البقرة: 256].
ونلاحظ أن مقابل الإكراه في الدين ذكر الطاغوت، والطاغوت على وزن “فاعول” كقولنا “حاسوب” وهي الآلة التي تكرر العملية الحسابية مرات؛ والطاغوت هو الذي يمارس الإكراه، فالذي يؤمن بالله لا يمكن أن يكون طاغوتًا يكره الناس على الإيمان بالله كرهًا وعلى الصلاة والصوم. وكل من يمارس الإكراه بغير وجه حق فهو طاغوت. وهذا يختلف عن العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن الذي يقبل المواطن التقيد بالقانون ويقبل مبدأ تطبيق العقوبة. وأشد أنواع الكراهة والإكراه في الدين هو إكراه الإنسان على تبني عقيدة أو أيديولوجيا لا يريدها.
في نهاية استعراضنا لكتاب (تجفيف منابع الإرهاب) للدكتور الراحل محمد شحرور، نقف أمام زمنين مختلفين. يذكر في الكتاب -مهمة هذه العبارة- الكتاب صدر الطبعة الأولى عام 2008؛ 2008 احتلال العراق، تفجر العنف والانفجارات. الطبعة الثانية عام 2018 موضوع داعش وسقوط بعض الدول وخاصة بلده سوريا عانى من هذا الموضوع. فالكتاب في هذا الحيز الزمني من عام 2008 إلى عام 2018 كان الراحل يعطي مجموعة من الجرعات الفكرية والنقدية لكتب التراث؛ فهو يرى -وأنا معه في ذلك- أن كتب التراث حملت لنا كل هذه المشاكل التي نعاني منها إلى اليوم، وأن المفاهيم التي جاءت في هذه الكتب انتقلت إلى الواقع.
فتفكيك مفاهيم الجهاد والقتال والقتل والدولة والولاء والبراء والردة التي نعاني منها إلى اليوم، هذه ساهمت في تدهور الأوضاع في العالم العربي. فمشكلتنا هي ثقافية، هي فكرية بالدرجة الأولى، وأن الحلول لا يمكن أن تكون أمنية أبدًا بل بتفكيك المصطلحات وإعادة النظر في هذه المصطلحات التي وردت في الفقه.
في ختام الكتاب يرى المشاهد الكريم أننا حرصنا على احترام عقله أكثر من عواطفه، وأننا بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في الثقافة الموروثة. وبما أن الفقه الإسلامي كما صاغه لنا الفقهاء في القرن الثاني والثالث الهجري، فكانت علوم القرآن بحاجة ملحة إلى إعادة نظر وخاصة فيما يسمى بالثوابت أو الأصول. نحن بحاجة ماسة إلى إعادة كتابة الأصول وإعادة كتابة فقه جديد يتناسب مع العصر، وإعادة النظر في كل المسلمات والأحكام الشرعية وأدلتها، والتفكير في صياغة شرعية جديدة بدل ما يسميه بـ”شرعية الخلافة” إذ مازال التخبط في نظرية الدولة والسلطة والشرعية السياسية قائمًا.
وهذه دعوة لإعمال العقل النقدي وقراءة الموروث قراءة نقدية، وهذا بحاجة ماسة إلى إيجاد فقه قرآني جديد وبديل. هكذا انتهى استعراضنا للكتاب المهم (تجفيف منابع الإرهاب) للدكتور محمد شحرور.