Skip to content Skip to footer

من يوحنا الدمشقي إلى الاستشراق الحديث: كيف تشكل الوعي الغربي بالإسلام؟ الجزء الأول د. عبد الإله بلقزيز

 

هل تشكل الوعي الغربي بالإسلام عبر مرآة مشوهة؟ وكيف تحول الجدل اللاهوتي الوسيط إلى استشراق حديث يدعي العلمية؟ حوار فكري جريء ومبتكر مع المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز، في لقائه مع الإعلامي ياسين عدنان في #بودكاست_في_الاستشراق، على #منصة_مجتمع

 

مقدمة

عدنان: أعزائي عزيزاتي، أهًلا وسهلًا ومرحبًا. كيف نظر الغرب المسيحي إلى الإسلام؟ وما الذي جعل مسألة العلاقة بين الدين والسلطة في الإسلام هاجسًا غربيًا ممتدًا من القرون الوسطى حتى اليوم؟ فمنذ أن كتب يوحنا الدمشقي نقده الأول للإسلام في القرن الثامن الميلادي وحتى ظهور الاستشراق كحقل معرفي في القرن التاسع عشر لم تتوقف المسيحية الغربية عن إنتاج صور وتمثلات عن الإسلام. لكن ما هي حدود المعرفي في كل هذا التراث؟ أم أن أغلب هذه الكتابات لا تعد كونها امتدادًا لسجال لاهوتي محكوم بمنطق المواجهة الدينية؟

ضيفنا اليوم المفكر المغربي المرموق الدكتور عبدالإله بلقزيز يقترح علينا في كتابيه (ما قبل الاستشراق: الإسلام في الفكر الديني المسيحي) و(السلطة في الإسلام: نظرة مقارنة باليهودية والمسيحية)، يقترح علينا مسارًا فكريًا جريئًا ومبتكرًا، مسار يدعونا فيه إلى التمييز الحاسم بين حقبتين معرفيتين في النظرة الغربية للإسلام: حقبة اللاهوت المسيحي الوسيط وحقبة الاستشراق الحديث. لكنه يحرص في الآن ذاته على أن يكشف لنا خيوط الاستمرارية الخفية التي تربط بينهما، وكذا الصور النمطية التي ظلّ إنتاجها يعاد ويستعاد عبر القرون.

والأهم من ذلك أن الدكتور بلقزيز يضع مسألة السلطة في قلب هذا السجال التاريخي، فاللاهوتيون المسيحيون الأوائل ثم المستشرقون لاحقًا لم يتلقوا الإسلام كدين فقط بل عدوه نظامًا سياسيًا دينيًا مختلطًا يختلف جذريًا عن تجربة المسيحية. هذه النظرة ليست بريئة معرفيًا بل لعلها انعكاس لأزمة المسيحية الخاصة مع السلطة ومحاولة لفهم الآخر من خلال مرآة الذات.

فكيف تشكل الوعي الغربي بالإسلام عبر جدلية الديني والسياسي؟ وما الفرق بين النظرة اللاهوتية الوسطى والنظرة الاستشراقية الحديثة؟ هذه الأسئلة وغيرها سنتطارحها اليوم للمرة الثانية في هذا البرنامج لأننا نستضيفه للمرة الثانية في هذا البرنامج، مع الدكتور عبد الإله بلقزيز.

 

ما هو مفهوم “الإبستيمي الديني” في العصور الوسطى؟

عدنان: دكتور عبد الإله بلقزيز، أهلًا وسهلًا ومرحبًا بك.

بلقزيز: أهلًا وسهلًا.

عدنان: سيد عبد الإله، في كتابك (ما قبل الاستشراق) تضع تمييزًا حاسمًا بين حقبتين معرفيتين في علاقة الغرب بالإسلام. حقبة ما قبل الاستشراق التي امتدت لأكثر من ألف عام، وحقبة الاستشراق التي بدأت مع مطلع القرن التاسع عشر. هذا التمييز ليس مجرد تقسيم زمني، بل هو تمييز إبستيمولوجي بالأساس. وأنت تقول بأن المعرفة اللاهوتية المسيحية الوسطى ظلت محكومة بالإبستيمي الديني، وأن ذلك كان السبب في طابعها الجدالي الذي حال دونها ودون أن تكون معرفة حقًا. أولًا، هل يمكنك أن توضح لنا ماذا تعنيه بالإبستيمي الديني؟ وكيف حكم هذا النظام المعرفي طبيعة ما أُنتج عن الإسلام في تلك الحقبة الطويلة؟

بلقزيز: شكرًا على الاستضافة أولًا.

عدنان: مرحبًا سيد عبد الإله.

بلقزيز: وعلى اللقاء مجددًا بك في هذا البرنامج الشيق.

عدنان: يسعدني ذلك.

بلقزيز: عنيت بالإبستيمي الديني ذلك النظام من التمثلات أو من المعرفة الذي كان سائدًا فيما قبل العصر الحديث في كل الحضارات والمجتمعات والثقافات، والذي مبناه على حاكمية المسألة الدينية في النظر إلى الأشياء. الإبستيمي الديني في الحالة التي نحن بصدد الحديث عنها، وهي حالة المسيحية الوسطى في علاقتها بالإسلام، يقصد به أن أولئك الذين كانوا يتناولون الإسلام بالنظر وبالرأي وبالأحكام كانوا يفعلون ذلك انطلاقًا من مرجعية بعينها وهي المسيحية. فالمسيحية كانت هي نقطة انطلاق هؤلاء في نظرهم إلى الإسلام؛ المعيارية الدينية المسيحية هي التي بها تقاس الأمور. يُحكم بهذه المعيارية الدينية -وهي خلفية التفكير- يُحكم بها على بطلان معتقدٍ ما أو على صحة معتقد. وهكذا كان يُحاكم الإسلام في كل معتقداته بما قالته المسيحية في نصوصها الأولى، يعني في الأناجيل الأربعة وفي رسائل الرسول بولس وغيرها.

فهذا ما عنيته بالإبستيم الديني؛ بمعنى لم تكن النظرة اللاهوتية المسيحية الوسطى إلى الإسلام محكومة بفكرة ما ثقافية كالعلم بهذا الدين أو معرفة ما هو المعتقد في هذا الدين أو ما هو نظام القيم الذي يشرع له هذا الدين، وإنما قراءة هذا الدين في مرآة المسيحية. فالمسيحية هي التي تحكم عليه. بهذا المعنى قلت إن المعرفة بالإسلام في السياق اللاهوتي المسيحي الوسيط معرفة محكومة بالإبستيمي الديني.

 

كيف مهدت التحولات التاريخية لظهور الاستشراق؟

عدنان: ولكن فيما بعد، سنحس بأن نظامًا معرفيًا جديدًا سيتخلق في الاستشراق. مع أن الكثير طبعًا من تأثيرات النظرة اللاهوتية المسيحية ظلت تتسرب إلى تفكير المستشرقين. أنا أريد أن أعرف العوامل ربما التاريخية والمعرفية التي سمحت بانبثاق هذا النظام المعرفي الجديد.

بلقزيز: دعني أولًا أشير إلى أمر؛ كل الذين يتناولون الاستشراق بالدرس يتجاهلون حقبة من ألف ومئتي عام تقريبًا، أو من ألف ومائة وعشرين عامًا من النظر المسيحي إلى الإسلام قبل أن يتبلور ميدان دراسي اسمه الاستشراق. هذا الكتاب الذي طرحت السؤال عنه وهو (ما قبل الاستشراق: شرق الغرب) الجزء الأول (ما قبل الاستشراق) هاجسه كان هو أن يلقي الضوء على هذه الحقبة المديدة من المعرفة المسيحية القديمة والوسطى بالإسلام، عسى أن يسمح لنا العلم بهذه الحقبة التاريخية من المعرفة المسيحية بما بينها والاستشراق من مشتركات أو تمايزات. نعم، الاستشراق نجح بدءًا من القرن التاسع عشر في أن يفرج عن إبستيم جديد -إبستيم معرفي أو ثقافي إلى آخره- دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه قطع نهائيًا مع الموروث الديني الثقافي اللاهوتي المسيحي الوسيط، وسنأتي إلى ذلك فيما بعد.

كيف نشأ هذا الإبستيم؟ أولًا المستشرقون الأول الذين بدؤوا هم عمليًا علمانيون خارج نطاق المؤسسة الإكليريكية أو الكهنوتية أو الدينية؛ أي ليسوا محكومين في نظرتهم إلى الأشياء بهواجس دينية، بالدفاع عن هذا المعتقد، أو كل الأديان كانت تستوي جميعًا في نظرهم. هذه واحدة.

ثانيًا ما من شك في أنه حينما -وأنا من الذين يصرون على أن الاستشراق بدأ في الهزيع الأخير من القرن الثامن عشر ومطالع القرن العشرين، مع ذلك…

عدنان: القرن التاسع عشر.

بلقزيز: مطالع القرن التاسع عشر. مع ذلك لم ينشأ هكذا عفوًا وفجأة انبثق من لا شيء، “لا شيء من لا شيء” كما يقول الإغريق. كانت له ممهدات، ولا أقصد بهذه الممهدات هذه المعرفة اللاهوتية التي تحدثنا عنها. لا. في القرن السابع عشر مثلًا لا يستطيع أي مؤرخ للاستشراق أن يتجاهل الأعمال الكبرى التي دشنت هذا المنحى الذي قاد إلى الاستشراق. الأعمال التي قام بها مثلًا توماس إربينيوس، هذا المستشرق الهولندي الذي درس اللغة العربية وأنتج كتابًا ظل مرجعيًا إلى القرن التاسع عشر في أوروبا حول النحو العربي. هذا لم يجادل الإسلام؛ عاد إلى التراث الثقافي العربي ودرسه وأنتج نصًا مرجعيًا في كل الثقافات الأوروبية إلى حدود القرن التاسع عشر.

عدنان: ربما كهولندي حينها كانت علاقتهم مع المغرب ضد الكاثوليك الإسبان.

بلقزيز: صحيح صحيح. سياق مختلف.

بلقزيز: وطبعًا كان أول من درّس اللغة العربية في جامعة ليدن.

عدنان: طبعًا.

بلقزيز: في الوقت عينه فتح الباب لآخرين. في الوقت عينه كان مثلًا إنجليزي يدرس بجامعة أكسفورد هو بوكوك -إدوارد بوكوك- الذي سافر إلى حلب وأقام فيها خمسة أعوام ودرس اللغة العربية وإلى آخره، كان يضع كتابًا حول تاريخ العرب. أيضًا هذه ليست مساجلة لاهوتية مع الإسلام. إذن نحن دخلنا مجالًا جديدًا بُشّر به منذ القرن السابع عشر ولكنه سيأخذ أبعاده كاملة مع تأسيس معهد اللغات والحضارات الشرقية الذي أسسه في باريس -قرار تأسيسه من الثورة الفرنسية من المجلس الوطني- ولكن الذي عُهد إليه أو كُلف به هو سيلفستر دو ساسي الذي يسميه عبد الرحمن بدوي شيخ المستشرقين الفرنسيين.

عدنان: صحيح.

بلقزيز: لا تنسى أيضًا بأنه في القرن الرابع عشر -وهذا كان له أثر عظيم في إنهاء ظاهرة السلطة الثيوقراطية في أوروبا- في القرن الرابع عشر بدأت تتكون الجامعات: أكسفورد والسوربون وليدن وغيرها من الجامعات. بمعنى: بدأت تتكون محاضن جديدة للمعرفة غير المحاضن الدينية التي كانت تخرج اللاهوتيين والكهان وإلى آخره. نحن أمام مطبخ معرفي جديد مدني بدأ ينشر أفكارًا جديدة ويزاحم الكنيسة في آرائها وإلى آخره.

هذا ميكانيزم، طبعًا من القرن الرابع عشر، بمعنى مئات السنين حتى نضجت الشروط نحو إبستيم جديد، ليس فقط في النظر إلى الإسلام، بل في النظر إلى كل الحضارات وكل الأديان وكل الثقافات وغيرها.

فهذه بعض من الأسباب -طبعًا هناك أسباب كثيرة لا شك فيها- لكن هذه من أظهر الأسباب التي فتحت الباب أمام انبثاق معرفة جديدة بالإسلام، وبالإسلام دينًا وتاريخًا وحضارةً. انتبه، فيما قبل كان يهجس اللاهوتي المسيحي بالإسلام دينًا، اليوم أصبح الأوروبيون يهجسون به دينًا وحضارةً وثقافةً ومجتمعات وأنظمة قيم وإلى آخره. يعني توسعت الدائرة فأصبح الإسلام ليس فقط تعاليمه وإنما أصبح تاريخه وكل منتوج الحضارة والثقافة. نعم.

 

هل تخلص الاستشراق تمامًا من رواسب اللاهوت القديم؟

عدنان: ونحن سنعود بالتفصيل إلى كل هذه العناصر، ولكن لا أريد أن أبرح معك هذه المنطقة، منطقة تحديد العوامل الرئيسة التي عشنا فيها ومعها هذا التحول أو هذا التمايز الواقعي ما بين الاستشراق وما قبله.

بلقزيز: أنا لم أتحدث هنا عن العوامل التي مهّدت لظهور الاستشراق، فقط أجبت عن السؤال كيف أمكن الانتقال من إبستيم إلى إبستيم ثانٍ.

عدنان: تمامًا. أنا أوسع معك السياق وانطلاقًا دائمًا من كتابك، لأنك أنت توقفت عند عوامل بعينها وتحدثت مثلًا عن الانقلاب الكبير في موازين القوى وتوازنها لصالح أوروبا، تحدثت عن نشأة حقل دراسي متخصص بالشرق والإسلام، هذا الحضن الجامعي الذي تفضلت الآن بالحديث عنه، تحدثت أيضًا عن ظهور ما أسميته الفضول العلمي المحترف. إذن هذه عناصر أو عوامل أساسية ستصنع تمايزًا ما بين الاستشراق وما قبله. ولكن في الآن ذاته كنت تحذر في كتابك من الوقوع في فخ الاعتقاد بوجود عازل قاطع بين النظامين المعرفيين. ما هي برأيك آليات انتقال الصور النمطية والأحكام المسبقة من الخطاب اللاهوتي الوسيط -من يوحنا الدمشقي إلى بطرس المبجل ومن معه- إلى هذا الخطاب الاستشراقي الحديث؟ وهل يمكننا الحديث هنا عن بنية معرفية عميقة ظلت تعمل بصمت تحت سطح الادعاءات العلمية للاستشراق؟

بلقزيز: أنا لست ميالًا إلى القول بالقطائع في المعرفة؛ القطيعة تكون في الأشياء في المادة الصماء. في المعارف يعسر على المرء كثيرًا أن يتحدث بلغة قاطعة أو جازمة بوجود قطائع، أن هذه قطيعة معرفية مع… وهذه قطيعة معرفية مع…. حتى في منطق جدلي، إذا عدنا إلى هيغل وماركس بالمنطق الجدلي، أن لحظة التركيب دائمًا تجمع النقيضين؛ تجمع الأطروحة ونقيضها. فإذا كان الاستشراق تركيبًا فهو يجمع بين لحظتين. لذلك أنا أميل إلى القول بأن هناك لا شعورًا معرفيًّا يستمر في الثقافات، وتكاد الثقافات أن لا تتحرر منه بسهولة؛ لأنه لا موعًى به، أو لا وعي كما نقول خطأً، لأنه لا موعًى به أنا أستبطنه وأفصح عنه في المقول وفي المكتوب من دون أن أدرك بأنه من مواريث حقبة درست وتصرمت وانتهى أمرها. هذه واحدة.

الثانية لا تنسى بأنه في مجتمع المستشرقين عدد لا حصر له من اللاهوتيين الذين تخصصوا في دراسة الإسلام ولكنهم لاهوتيون، فيعسر على هؤلاء أن يتحرروا من المعرفة الدينية الموروثة. هذه واحدة. ثانيًا في الاستشراق، وأنا أميز في الاستشراق بين اتجاهين أو مدرستين؛ بين استشراق موضوعي نزيه محمول على هواجس معرفية بدافع الفضول العلمي، وهناك استشراق أيديولوجي مرتبط بالمؤسسة. وقد يكون الاستشراق بدأ هكذا مرتبطًا بالمؤسسة قبل أن ينفض عن هذا الخيار.

طيب، هذا التيار الأيديولوجي، لأنه تيار أيديولوجي، لأنه استشراق أيديولوجي لا يتورع عن استخدام كل الوسائل للإساءة إلى موضوعه، بما في ذلك إعادة إنتاج ما كتبه السابقون عن الإسلام وبشكل قصدي.

فإذن سواء تعلق الأمر كما قلت بوجود لاهوتيين داخل المستشرقين أو بوجود مستشرقين هدفهم الأساس هو الحط من هذه العقيدة، ليس فقط لأنهم لا يرغبون في هذه العقيدة ولكن كمدخل للحط من مجتمعاتها وشعوبها وإلى آخره، لأن الاستعمار قضيته قضية سياسية هو يريد أن يهيمن على عالم يسود فيه الإسلام؛ لا يعنيه الدين، تعنيه هذه المجتمعات، ولكن لأن هذه المجتمعات تعتنق هذه الديانة ينبغي ضربها فيما تعتنقه قبل الإطباق عليها.

فإذن، لهذا السبب قلت إن قيام الاستشراق كميدان دراسي توفرت له أسباب القيام، وتخصص في دراسات الشرق بما في ذلك الإسلام، ليس يعني البتة أنه انفصل تمامًا عن تاريخه اللاهوتي السابق؛ بل إن الكثير من معطيات تلك النظرة اللاهوتية النمطية والتنميطية التي سادت لأكثر من ألف عام…

عدنان: شكل لا وعيه.

بلقزيز: يتجدد في أوعاء هؤلاء -إذا جاز لنا أن نجمع الوعي- يتجدد في وعي هؤلاء الجمعي أو على الأقل في وعي فريق منهم، يستحب أن يستخدم هذه العدة القديمة في معركته مع الإسلام أو مع مجتمعات الإسلام.

 

كيف رسم يوحنا الدمشقي والمسيحيون المشرقيون صورة الإسلام؟

عدنان: إذا شئت، أنا أريد أن نتوقف ربما مع هذه المصادر في ذاتها وليس في تأثيرها وتسربها إلى لاوعي المشتغلين.

بلقزيز: المصادر اللاهوتية تقصد؟

عدنان: أريد أن أعود معك إلى هذه المصادر اللاهوتية والتاريخية المسيحية التي توقفت عندها في كتابك (ما قبل الاستشراق). فحصتها وحللتها بعين ناقدة من يوحنا الدمشقي إلى بطرس المبجل مرورًا بالمؤرخين البيزنطيين واللاتين. عمل أركيولوجي ضخم في حفريات الخطاب المسيحي عن الإسلام. إنما أريد أن أعرف منك كيف تعاملت مع هذه النصوص؟ هل قرأتها بوصفها مجرد انعكاسات للصراع التاريخي بين المسيحية والإسلام؟ أم أنك وجدت فيها محاولات جزئية لفهم الآخر؟ وإلى أي حد تكشف لنا هذه النصوص بطريقة غير مباشرة عن أزمة المسيحية الذاتية في علاقتها بالسلطة السياسية أكثر مما تكشف عن حقيقة الإسلام.

بلقزيز: أولًا أنا تعاملت معها بتجرد، مع هذه المصادر، محاولًا أن أفهم كيف تمثل الوعي الديني المسيحي الإسلام في الحقبة التي صار له اتصال بهذا الإسلام، وهي ظهور الإسلام في القرن السابع للميلاد وما ارتبط بهذا الظهور من اصطدام بين الجماعة الإسلامية الوليدة والناشئة ومحيطها في الجزيرة العربية؛ المحيط البيزنطي حيث المسيحية منتشرة، والجماعات المسيحية التي كانت إما في جزيرة العرب -النصارى العرب وغيرهم- أو المذاهب التي عُدّت هرطوقية في نظر الكنيسة البيزنطية مثل الآريوسية، مثل النسطورية، مثل اليعاقبة السريان أو اليعاقبة الأقباط في مصر إلى آخره، ما سميته أنا بالمسيحية المشرقية. هذه الصلة التي انتسجت منذ ذلك الإبان وعبّر عنها بشكل واضح يوحنا الدمشقي في كتاباته، وكانت لكتابات يوحنا الدمشقي، كان لها الأثر الكبير في كل الوعي المسيحي على امتداد ألف عام؛ يعني رددوا أحكامه عن الإسلام إلى حدود القرن الثامن عشر وهي تتردد.

عدنان: نظروا بها في الزمن العباسي.

بلقزيز: صحيح، لا، ليس فقط المسيحيون الذين كانوا داخل الدائرة العربية، تيودور أبي قرة أو عبد المسيح الكندي، حتى الأوروبيين أنفسهم، حتى البيزنطيين ثم اللاتين فيما بعد، كلهم…

عدنان: اعتمد عليها.

بلقزيز: استمر حتى القديس الأكويني…

عدنان: توما.

بلقزيز: توما الأكويني، حتى القديس الأكويني ردد الكثير من هذه الأفكار في كتاباته. إذا عدت إلى كتابات القديس ستجد الكثير من أفكار يوحنا الدمشقي.

عدنان: أريد فقط أن أشير إلى أن هذا الرجل المؤثر كان يشتغل مع الأمويين في دواوينهم إلى أن…

بلقزيز: هو ابن أسرة سلطانية؛ جده سرجون كان يشتغل في بلاد الخليفة معاوية بن أبي سفيان وتوفي وخلفه ابنه منصور –الذي هو والد يوحنا الدمشقي- خلفه ابنه منصور أيضًا في نفس البلاط، في البلاط الأموي.

عدنان: إلى أن عزله عمر بن عبد العزيز.

بلقزيز: إلى أن عزله عمر بن عبد العزيز، ثم يوحنا الدمشقي عاد يشتغل إلى أن ذهب واختار هو أن يعتزل وأن يعتكف في دير قرب القدس اسمه دير سابا، وهناك كتب أعماله بما فيها كتابه الأهم الذي يشير فيه إلى الإسلام وهو (الهرطقات المئة). الهرطقات يعني البدع بلغتنا نحن، اعتبر الإسلام هرطقة من الهرطقات المسيحية؛ هو كان يعتقد أن الإسلام جزء من البدع المسيحية التي انتشرت والذي آلى على نفسه هو أن يدحضها وأن يفندها فكانت هي البدعة الأخيرة في بدع المسيحية: الهرطقة المئة هي الإسلام.

هذه النصوص كانت تحت تصرفي، عليّ أن أقرأها لكي أفهم كيف تمثلَ هؤلاء اللاهوتيون الإسلام. لم يكن يحركني سؤال: كيف ينعكس الصراع بين المسيحية والإسلام في هذه الكتابات؟ ولا كان يحملني أيضًا سؤال آخر على تفكيري فيها وهو هل هناك معرفة؟ قراءة النص هي التي ستخلق لديك أو سترجح لديك هذه الفكرة أو تلك.

طبعًا حينما تقرأ هذه النصوص -خاصة النصوص الأولى التي كتبت في دائرة الدولة الإسلامية التي كتبها مسيحيون عرب وبعضهم كان تابعًا للكنيسة البيزنطية مثلًا الملكانيون مثل يوحنا الدمشقي نفسه- يعني مثلًا تجد في الدولة الأموية مشايعة لليعاقبة السريان أكثر من غيرهم، ولكن، هذه قاعدة عامة قد تشذ عنها حالات مثل حالة آل الدمشقي؛ كانوا كلهم أتباعًا للكنيسة البيزنطية، لم يكونوا يعاقبة كانوا أتباعًا للكنيسة البيزنطية، ولكن كانت لهم مكانة كبيرة في البلاط الأموي. في العهد العباسي كانت القوة للنساطرة -النسطوريين- وهكذا.

المهم: هؤلاء كانوا أقرب إلى فهم الإسلام، لماذا؟ بدءًا من يوحنا الدمشقي، لأنهم عاشوا في مجتمع مسلم وتفاعلوا مع علمائه ومثقفيه وكلامييه وفقهائه وإلى آخره. فإذن كانت لديهم القدرة على فهم الإسلام أكثر من غيرهم من الذين سيأتون بعدهم من بيزنطيين أو من لاتين؛ هؤلاء يعرفون الإسلام كعدو كمحارب لكنهم لا يعرفونه من الداخل، هؤلاء عاشوا بين ظهراني المسلمين، لذلك كانت لمعرفتهم سلطة ثقافية في كل الدوائر المسيحية خارج دار الإسلام.

فإذن حينما تقرأ هذه النصوص -خاصة نصوص المسيحيين المشرقيين- ستكتشف بأنها مزيج من نصوص هاجسها القدح في الإسلام والتشنيع عليه وتفنيد معتقداته إلى آخره، على نحو ما نكتشف ذلك في قراءتنا ليوحنا الدمشقي. يوحنا الدمشقي قدّم أسوأ صورة يمكن أن يقدمها لاهوتي مسيحي عن الإسلام.

حينما نتقدم في الزمان، حينما نقرأ تيودور أبي قرة أو عبد المسيح الكندي…

عدنان: في زمن المأمون.

بلقزيز: نعم، كلما تقدمنا في الزمان نكتشف أن المعرفة بالإسلام تزيد من قبل هؤلاء المسيحيين -اللاهوتيين المسيحيين- والعنف تجاهه يخف وطأة.

نحن إذن أمام صورتين عن الإسلام في الكتابات المسيحية: صورة دين يشيطَن كما فعل يوحنا الدمشقي، وصورة دين ينظر إليه باعتباره دينًا توحيديًا، وهناك مشتركات بينه وبين المسيحية؛ طبعًا هناك خلافات في التثليث في التجسيم في الصلب إلى آخره، ولكن هناك مشتركات أخرى نجد عبد المسيح الكندي يؤكد عليها، تيودور أبي قرة يؤكد عليها، راهب…

عدنان: نشير إلى أنهما كانا يجادلان أمام الملأ.

بلقزيز: طبعًا، في بلاط الخلفاء.

عدنان: في بلاط الخلفاء.

بلقزيز: في بلاط الخلفاء كانوا يجاهرون بآرائهم، ويفندون معتقدات الإسلام بحضور الخلفاء، وكانوا محميين من الخلفاء.

عدنان: صحيح.

بلقزيز: بين قوسين، كانت دائمًا الخلافة حضنًا للمعرفة في المجتمع العربي الإسلامي شئنا أم أبينا؛ من حمى علم الكلام؟ الاعتزال؟ من حمى الفلسفة؟ الخلفاء. خارج هذه الدائرة كانوا عرضة لكل أنواع التنكيل بهم.

في كل حال، هذه الازدواجية في النظر إلى الإسلام بين حد التشهير والقدح والتشنيع، وحد الاعتراف والتفاهم والتفهم، ستنتقل إلى المسيحية البيزنطية أيضًا. البيزنطيون حينما تجاوزوا لحظة الصدمة -التي هي لحظة المعارك التي فتحت بين الإمبراطورية الإسلامية وبين بيزنطة- وخاصة في الفترة التي استتبت فيها الهدنة بين الفريقين في عهد معاوية طبعًا، واعتُرف عمليًا بشكل ضمني بين الفريقين بالحدود ما بين الإمبراطوريتين، بدأت بيزنطة تكتشف إسلامًا آخر من خلال كتابات الرعيل الأول من المسيحيين المشرقيين، ولكن أيضًا لسبب آخر هو غير ثقافي وغير عقدي -غير ديني- هو تواصل العلاقات الاقتصادية وما إلى ذلك، تنقل تجار من الضفتين وإلى آخره. هذا كله سوف يُظهر البيزنطيين على صور أخرى للإسلام كما سيظهر المسلمين على صور أخرى لبيزنطة. طبعًا هذا المنحى الذي سيعزز صورة الإسلام كدين يُتفاوض معه والمسلمون كجماعة اعتقادية يُتفاوض معها سوف يزيد أكثر حينما تأتي موجة الحروب الصليبية.

في هذه اللحظة لن يصبح هاجس البيزنطيين هو الإسلام، هاجسهم هو المسيحية اللاتينية الآتية من الغرب التي دمرت ونهبت القسطنطينية سنة 1204؛ كانت بعض الحملات لا تأتي إلى الشرق تذهب إلى القسطنطينية لكي تضرب في عقر دار الإمبراطورية البيزنطية، فأصبح المسلمون بمعنى ما حلفاء. هكذا أصبحت بيزنطة تنظر إلى المسلمين كحلفاء.

فإذن كما قلت إن هذه الازدواجية في الرؤية إلى الإسلام عند المسيحيين المشرقيين انتقلت إلى بيزنطة، وفي الحقبة اللاتينية في آخرها بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر سوف تنتقل إلى المسيحية اللاتينية. لدرجة أنه، لا تنسى أنه بعد القرن الثالث عشر نشأت مدارس في قلب أوروبا؛ مدارس سينوية ثم مدارس رشدية، وستتعمم فكرة في أوروبا عن العرب باعتبارها أمة -باعتبارها أمة فلسفية- هكذا كانت تسمى العرب عند الأوروبيين في لحظة ما. في تلك المرحلة، رغم أنه كانت ما تزال المواجهات شديدة بين المسلمين وأوروبا، كان هناك إمبراطورية مغولية في شمال أوروبا، ثم سيدخل الأتراك إلى القسطنطينية وسينقضون على بقايا الإمبراطورية البيزنطية وسيقوم هناك نظام الإمبراطورية العثمانية، وستزحف جيوشها على كل أوروبا بدءًا من البلقان التي ستحتازها، ستدخل في أحيازها وصولًا إلى…

عدنان: الجزائر.

بلقزيز: لا في أوروبا، وصولًا إلى أسوار فيينا.

عدنان: صحيح.

بلقزيز: ومع ذلك ورغم وجود هذا التهديد، كان هذا العالم الذي نشأ في تلك المحاضن الجديدة الجامعات وغيرها، كانت له نظرة أخرى إلى الإسلام: الإسلام ليس هذا الذي تواجهونه، الإسلام هو الذي حمى التراث العقلاني الهليني، هو الذي شرح أرسطو، هو العلوم العربية في الكيمياء في الطبيعة في في في إلى آخره، فبدأت تزدهر نظرة أخرى إلى الإسلام في أوروبا. إذن تلك الازدواجية انتقلت أيضًا إلى المسيحية اللاتينية نفسها.

فلهذا لا أستطيع أن أقول إن كتابات المسيحيين عمومًا بكل مدارسهم -المسيحية المشرقية، المسيحية البيزنطية، المسيحية اللاتينية وغيرها- هي مرآة تعكس هذا الصراع أو أنها تحاول أن تفهم؛ لا، هي هذا وذاك.

عدنان: تمامًا.

بلقزيز: نكتشف هذا في السياق. لكنني كنت حريصًا في الكتاب على أن نخرج من منطقة العموميات؛ لا نتحدث عن تمثلات المسيحية للإسلام في العهد الوسيط، ليست هناك مسيحية وحيدة هناك مسيحيات.

عدنان: تمامًا.

بلقزيز: المسيحيون العرب -سميتهم أنا النصارى العرب في الجزيرة- غير المسيحيين المشرقيين الذين أدانتهم الكنيسة الأرثوذكسية في بيزنطة -النستوريين والأريوسيين واليعاقبة وغيرهم- وهؤلاء ليسوا المسيحيين البيزنطيين في الإمبراطورية الرومانية الشرقية، وهؤلاء ليسوا المسيحيين اللاتين. تختلف الرؤى والتمثلات المسيحية للإسلام باختلاف المكان والزمان وملابسات العلاقة.

عدنان: وباختلاف السياقات أيضًا.

بلقزيز: طبعًا السياقات التاريخية.

عدنان: لأنه حينما تناقش الموضوع بخلفية السياسة وتحولاتها، هو ليس حينما تطرح سؤالًا فكريًّا، هم يعتبرون هذه الأمة أمة فلسفية وحافظة للتراث الهليني، ويتعاملون مع الإسلام ليس باعتباره تهديدًا. والحال أن هذه اللحظة التي سيظهر فيها استشراق معرفي يهتم بالإسلام هي لحظة على الأقل ارتاحت إلى أن المواجهات الكبرى بين الإسلام وأوروبا قد انتهت…

بلقزيز: ولكن دعني أضيف فقط تفصيلًا صغيرًا جدًا؛ الاستشراق يدين في صعوده وفي البناء على ابستيمي معرفي جديد لهذه اللحظة التي تحدثت عنها، التي هي السينوية اللاتينية والرشدية اللاتينية، لأنها هي التي نبهت إلى الإسلام الثقافي وليس فقط إسلام الجيوش وإسلام الدول، إسلام الثقافة، وهذا هو الذي انصرف إليه الاستشراق.

عدنان: بكل تأكيد لأنه صار الإسلام رافعة ثقافية وحضارية وهم يبنون فضاءً وأفقًا ثقافيًا وفكريًا جديدًا.

 

هل كان الاستشراق نتاجًا للتفوق الأوروبي والنزعة المركزية؟

عدنان: في هذا الإطار طبعًا المسيحية التي كانت تارة ترى في الإسلام تهديدًا وجوديًا، هذا التهديد ربما تراجع في القرن التاسع عشر، ومجتمعات الإسلام صارت مع الأسف الشديد في موقف ضعف وعرضة للحملات الكولونيالية. هل هذا التحول الجيوسياسي كان له تأثير عميق على طبيعة المعرفة المنتجة؟ فهل يمكن الزعم بأن الاستشراق مثلًا ولد من رحم الانتصار الأوروبي؟ وإلى أي حد كان هذا التحرر النسبي من ضغط الدوافع السجالية -وهذه العبارة لك- إلى أي حد كان هذا التحرر حقيقيًا؟ ألم يكن الاستشراق في كثير من تجلياته مجرد شكل جديد من أشكال الهيمنة المعرفية تخدم المشروع الكولونيالي بأدوات علمية هذه المرة؟

بلقزيز: سؤال جيد جدًا. سوف تلحظ الفارق في وعي الأوروبي لذاته وللإسلام حينما تقارن مثلًا نظرة السينويين اللاتين إلى أوروبا وإلى الإسلام بين نظرتهم وبين نظرة المستشرقين في القرن التاسع عشر. نظرة هؤلاء السينويين اللاتين أو الرشديين اللاتين إلى أوروبا وإلى الإسلام، بين نظرتهم وبين نظرة المستشرقين في القرن التاسع عشر. نظرة هؤلاء السينويين أو اللاتين كانت نظرة تلميذ إلى الأستاذ؛ العربي والمسلم هو أستاذي الذي علّمني، هو الذي نقل إليّ المعارف، به أنتهض وبأدواته أتسلح وأحارب من أجل أن تكون للفكر مساحة في أوروبا، به واجهوا الكنيسة -الكنيسة الكاثوليكية في مرحلة جموحها- وواجهوا حملات التفتيش وغيرها. وحل ابن رشد معضلات كثيرة في أوروبا: العلاقة ما بين الوحي والفلسفة، ما بين العقل والدين، ولا يمكننا أن نفهم سبينوزا دون أن نعود إلى ابن رشد. وبين نظرة المستشرق الذي أصبح يعتبر نفسه الأستاذ الذي يُعلم والذي يروي والذي يحق له أن يكتب التاريخ الثقافي للمسلمين والعرب. هذا الفارق مرده إلى ماذا؟ مرده إلى وقائع التاريخ، إلى ما حصل في التاريخ.

علينا أن لا ننسى أن فترة التلمذة الأوروبية للعرب والمسلمين في مجال العلوم والفلسفة وغيرها هي الفترة التي لم تكن فيها النصوص الإغريقية قد تُرجمت إلى اللاتينية، وكان معظم اللاتينيين يعودون إلى الشروح العربية فيكتشفون فيها الأصول اليونانية. حينما ترجمت اعتبروا أنفسهم أنهم تحرروا من سطوة العرب والمسلمين…

عدنان: الشروح والشكوك.

بلقزيز: نعم، هذه واحدة. الثانية شئنا أم أبينا الاستشراق منذ ميلاده -منذ بدء ميلاده في الهزيع الأخير من القرن الثامن عشر- حمل في جوفه لوثة ما يزال الفكر الأوروبي والغربي يحملها حتى يوم الناس هذا، هي لوثة المركزية الأوروبية. وهذه المركزية الأوروبية ازدرعت في الثقافة الأوروبية منذ نهاية القرن السابع عشر ومطالع القرن الثامن عشر، وليست جديدة، لا تتعلق بفترة الاستعمار قبله.

عدنان: طبعًا.

بلقزيز: يكفيك أن تعود إلى مونتسكيو -وما أدراك ما مونتسكيو!- وكيف كان ينظر إلى الإسلام لكي تكتشف مركزية الأوروبي في هذا الكون. وستتفاقم أكثر كلما تقدمنا في نفس القرن نفسه -في القرن الثامن عشر نفسه- حينما نتقدم في فرنسا في فترة فولتير سنكتشف كيف تتضخم هذه المركزية الأوروبية، فيما كتبه عن النبي -كتابان له عن النبي محمد-. ستتضخم أكثر مع إيمانويل كانط، وستظهر في شكل خطاب عنصري فج يحكم على العالم انطلاقًا من الرجل الأبيض؛ ينابيع العنصرية تجدها هناك في تلك الحقبة. ثم ستتضخم أكثر مع هيغل في نظرته الدونية إلى الشرق، وفي تعليته مركزية الغرب والحضارة الغربية والمسيحية أيضًا -ليس فقط الغرب، المسيحية هي جوهر الديانات والغرب هو جوهر الحضارات وانتهى الموضوع-.

السياسات الأوروبية سوف تستبطن كل هذه الأفكار وستعيد إنتاجها وستنشأ إذن هذه النزعة من الاستعلاء الأوروبي والغربي تجاه الشعوب الأخرى، خاصة بعد أن نجحت أوروبا في التحرر من خطر هذه الشعوب؛ انهيار الإمبراطورية العثمانية والانهيار عمليًا بدأ من القرن الثامن عشر -ليس في 1924، بدأ منذ نهاية القرن الثامن عشر- وامتد إلى أن انتهت الإمبراطورية.

المغول أيضًا، الإمبراطورية المغولية انفرطت وانتهى أمرها، ولم تعد أوروبا تحت خطر. فإذن هي قوية انتصرت في حروبها، ثم هي أيضًا تنظر إلى نفسها باعتبارها خاتمة الحضارات.

فهذه المركزية كان لها أثر سيئ في الاستشراق، فالمستشرق كان يعتبر نفسه هو الوحيد المخول لأن يقدم رواية عن كل الحضارات.

ودعني أقول أيضًا -وقلت هذا في مناسبات كثيرة- بأنه للأسف الاستشراق هو الذي أرسى الدراسات الإسلامية في الفكر العربي والإسلامي الحديث؛ نحن لم يكن لدينا شيء اسمه الدراسات الإسلامية أو دراسات التراث لولا ذلك الرعيل الأول من الدارسين الذين تتلمذوا لمستشرقين وأخذوا عنهم أدواتهم ومناهجهم ورؤاهم ومصادراتهم إلى آخره.

عدنان: والفكر النهضوي العربي تخلق لديهم.

بلقزيز: ما من شك في ذلك. وهم لعبوا أدوارًا متفاوتة ومختلفة؛ أدوار سيئة وأدوار إيجابية أيضًا، كما يمكننا أن نلحظ السيئة في أعمالهم يمكننا أن نلحظ الحسنة والإيجابية في أعمالهم أيضًا.

لذلك ما تقول عنه إنه بنية معرفية عميقة بين اللحظتين قد يكون صحيحًا، ولكن من دون أن نذهب بعيدًا في الإلحاح على هذه المسألة لأنها سوف تصبح حائلًا دون رؤية الأبعاد العلمية في الاستشراق، والاستشراق ليس كله سيئًا؛ أحيانًا تجد السيئ فيما يكتبه العرب والمسلمون عن تراثهم، وتجد المستشرق أكثر دفاعًا عن تراثهم منهم، أكثر إنصافًا ونزاهة.

 

كيف حافظ الباحث على الحياد النقدي في مقارنة الأديان؟

عدنان: نطرح دائمًا من أجل النقد والاختبار النقدي والفحص النقدي، ولحسن الحظ أن لدينا كتابات تتيح لنا هكذا أمر. اسمح لي أن أمر معك إلى منطقة السلطة في الأديان التوحيدية، وأن أتوقف مع كتابك (السلطة في الإسلام) الذي تنطلق فيه من قناعة منهجية مهمة وهي أن معرفة أي ظاهرة تتعزز كلما قورنت بغيرها. وهذا الاختيار المنهجي جريء لأن المقارنة بين الأديان في سياقنا العربي الإسلامي غالبًا ما تنزلق إلى المفاضلة…

بلقزيز: إلى؟

عدنان: المفاضلة.

بلقزيز: المفاضلة.

عدنان: أنا أريد أن أعرف كيف نجحت في الحفاظ على مسافة نقدية محايدة في مقارنتك بين تجربة السلطة في الإسلام واليهودية والمسيحية؟

بلقزيز: الحقيقة أن الذي يحق له أن يجيب عن هذا السؤال هو القارئ، إذا كنت قد نجحت أم لم أنجح.

عدنان: صحيح، أنا كقارئ أحسست أنك نجحت، وأريد أن أسائل فيك ما هي المحاذير الذاتية التي جعلتك تحذر وتحرص على أن تظل نقدي الفكر، محايد الموقف؟

بلقزيز: أنا أشكر لك هذا الحكم الطيب في حق سلوكي في هذه الـ… لأن هذا كالمشي بين الألغام.

عدنان: صحيح.

بلقزيز: ليس لدي جواب سوى أنه هناك شيء واحد نتعلمه في الفلسفة ويرسخ فينا وهو الروح النقدية.

عدنان: تمامًا.

بلقزيز: ينبغي أن يكون المرء، إذا كنت ناقدًا حقيقيًا عليك أن تكون بمعنىً مزدوج، ناقد للموضوع، وناقد للذات، وليس للموضوع فقط. هذا النقد المزدوج للذات وللموضوع هو الذي يعصمك من مزلة السقوط في أحكام القيمة، سواء تجاه من تعده خصمك أو من تعتبره…

عدنان: آخرك على الأقل.

بلقزيز: أو آخرك، أو من تعتبره هو أناك. فلا أدري هل وصفت بدقة المسألة، يعني أن النقد يعطيك أو على الأقل يحميك من مغبة الميل الذي هو يمكن أن يكون من نوازع الإنسانية، الميل نحو اتخاذ قرار هو في نهاية المطاف حينما تمحصه تجده بأنه من الأهواء وليس من الأفكار، ليس مبنيًا بمقدار أم أن الهوى هو الذي أخذك إليه.

عدنان: ولحسن الحظ أنك كنت بعيدًا عن المفاضلة وعن الهوى وعن الانطباع في تحليلك.

بلقزيز: لا أستطيع أن أفاضل وإلا سأصير لاهوتيًا جديدًا، يعني سأفعل ما فعله اللاهوتيون.

 

لماذا يعتبر التلازم بين الدين والسياسة سمةً يهوديةً بامتياز؟

عدنان: تمامًا، تمامًا. لا، كنت بعيدًا عن هذه المنطقة. وفي تحليلك لليهودية تحديدًا، لأنها كانت الديانة الأولى التي اشتغلت عليها في الكتاب، تصل إلى خلاصة مفادها أن ليس من ديانة في التاريخ -كتابية أو غير كتابية- احتلت فيها السياسة والدولة محل القلب من تعاليمها ومن تاريخ الجماعة المؤمنة بها مثل اليهودية. وتتحدث في كتابك عن المماهاة الكاملة بين الدين والسياسة في التجربة اليهودية، مستشهدًا بظواهر مثل مسح الأنبياء للملوك وحضور السياسي في قلب النص التوراتي ذاته، بل أنت تعتبر متلازمة الدين والسياسة متلازمة يهودية بامتياز. لم ذلك؟

بلقزيز: يعني لا يسع قارئ العهد القديم -كان كتاب الشريعة التوراة بأسفارها الخمسة أو كتب الأنبياء وكتب التواريخ، كتب التاريخ وكتب الحكمة- لا يسعه إن قرأ بتؤدة، لا يسعه إلا أن يلحظ مقدار عناية التعليم الديني -من تعاليم وليس من تعليم- مقدار عناية التعليم الديني بأمر السياسة. هناك نص، نص تجده بدءًا من سفر الخروج؛ يبدأ النص… سفر التكوين هذا تأريخ للخليقة، ولكن بدءًا من سفر الخروج تجد النص، النص على السلطة، على السياسة، على كيف تدار الأمور، على على على. هذا فيما تعلق بالنص الديني. طبعًا تجده، إذا وجدته في التوراة في سفر الخروج وسفر التثنية وسفر العدد وسفر اللاويين وغيرها، ستجده مضاعفًا في كتب التاريخ، في أسفار كتب التاريخ وهي كثيرة، أو في أسفار الأنبياء، كتب الأنبياء وهي كثيرة أيضًا.

هذا هو الذي يفسر لماذا نهض ثلاثة بأدوار كبيرة في تاريخ جماعة الأسباط الاثني عشر، جماعة بني إسرائيل، وأنا حينما كنت أكتب في الموضوع كنت أكتب انطلاقًا من الرواية الرسمية اليهودية كما نجدها في أسفارهم في العهد القديم. وإذا لاحظت حتى حينما أعارض أكتب في الهامش، ولا أكتب في النص.

عدنان: والهوامش كانت مفيدة جدًا لأنها كانت تجادل النص.

بلقزيز: نعم طبعًا تجادل. نعم. ثلاثة نهضوا بأبلغ الأدوار في تاريخ هذه الجماعة دينيًا: إله بني إسرائيل الذي حمل أسماء ثلاثة (أدوناي) ثم (إلوهيم) وآخر شيء (يهوه). ويهوه كان حاضرًا في يوميات الجماعة، في حروبها، في حياتها السياسية، في كل التفاصيل. يهوه، إذن الله حاضر. ثانيًا -ولذلك هذا الحضور يطرح استفهامًا كبيرًا على ما ورد في سفر التكوين أن الله خلق العالم في ستة أيام واستراح، ولذلك كان السبت مقدسًا، استراح، لكنه لم يسترح في باقي الأسفار؛ كان موجودًا حاضرًا في يوميات الجماعة الدينية-.

الفاعل الثاني كان الأنبياء، وظاهرة الأنبياء هي ظاهرة يهودية حصرًا لا نجدها لا في المسيحية ولا في الإسلام، كثرة الأنبياء، حتى أن هذه الكثرة فتحت شهية لادعاء النبوة.

عدنان: في أسفارهم الأنبياء يتجادلون ويشككون في بعضهم البعض.

بلقزيز: هو يأمر أنبياء بأن يشتموا الأنبياء الكذا وهذا وهذا. ولكن المستشرقين لا يهتمون بهذا الموضوع، يهتمون فقط بالذين ادعوا النبوة بعد وفاة رسول الإسلام فقط، هذا الذي يهمهم، أما الأنبياء الكذبة وغيرهم فلا يهتمون بهم.

فإذن الأنبياء كان لهم دور كبير، ودورهم أساسي أولًا لأنهم ينقلون إلى الجماعة الدينية أوامر يهوه، إله بني إسرائيل، ينقلون إليهم هذه الأوامر والنواهي وما إلى آخره. ثانيًا هم الذين يمسحون الملوك، يمسحونهم بالزيت، والمسح هو بمثابة شرعنة دينية لهذا الملك؛ أن هذا الملك حظي بمشروعية إلهية، أن الله كلفني أنا كما كلف صموئيل مثلًا في سفر صموئيل الأول والثاني كلفه بأن يمسح شاول ملكًا على بني إسرائيل، وهكذا كانوا يمسحون كل الأنبياء يمسحون الملوك، بمعنى يسبغون أو يخلعون الشرعية الدينية له. وأحيانًا يمسحون الكهنة أيضًا.

فيكون إذن يهوه يعين، يختار الأنبياء ويختار الملوك ويطلب من الأنبياء أن يزكوهم، ويختار الكهنة ويطلب من الأنبياء أن يزكوا هؤلاء.

وفي سفر اللاويين أنه، أن يهوه أو الله، أمر موسى النبي بأن يختار هارون كاهنًا “لكي يكهن لي” -هكذا ورد فيه- “لكي يكهن لي” يعني يهوه، لله، وبعد ذلك طلب منه أن يعزل هارون وأن يعين ابنه أليعازر كاهنًا، وهو الذي أمره بأن تكون الكَهانة أو الكِهانة في بني لاوي -في اللاويين-. ولذلك اللاويون حينما وزعت الأرض على الأسباط الاثني عشر وزعت على أحد عشر سبطًا إلا اللاويين، لماذا؟ هؤلاء هم سبط خاص بيهوه بالله، فهو أعطاهم أو إذا شئت قسم لهم قسمة بحيث لا يحتاجون إلى شيء، فكانوا يأخذون مثل الزكاة من كل الأسباط من بني إسرائيل.

ثالثًا الكهان كان لهم دور أساسي؛ تاريخ الجماعة الإسرائيلية هو تاريخ الكهانة لأن تاريخ الدولة حسب الرواية الرسمية تاريخ صغير شحيح؛ من الذين حكموا بني إسرائيل؟ حكم شاول ثم دخل في حرب مع قائد جنده داود، وقتل هو وابنه يوناثان، ثم حكم داود أربعين عامًا، وخلفه ابنه سليمان وحكم أربعين عامًا، وبعدهما انتهت الدولة، وأصبحت هناك دويلات، كل مرة يقوم حاكم يحكم هنا وحاكم يحكم هناك إلى آخره.

هذا التاريخ السياسي للجماعة، أما تاريخها الديني فما انقطع يومًا، استمر.

 

كيف تطورت العلاقة الجدلية بين الأنبياء والملوك عند بني إسرائيل؟

عدنان: أنا أريد أن أبقى في هذه المنطقة، منطقة التاريخ السياسي وفي هذه الفترة الأولى المؤسسة لأن هذه العلاقة بين الأنبياء والملوك، بما أنك أشرت إليها الآن، بودي أن نتوسع فيها أكثر لأنها وطيدة بشكل خاص. المسيحية ليس فيها مشكلة، هناك نبي واحد ورسول واحد هو المسيح، وبالنسبة للإسلام نفس الشيء. والحال أن أنبياءهم وملوكهم كثر وأدوارهم متداخلة بشكل مبالغ فيه وبالغ التعقيد، حتى أن مثلًا ملوكًا كداود الذي تفضلت بالإشارة إليه وسليمان أيضًا سيصنفون أنبياء في الإسلام مثلًا. أنا أريد أن نتوقف أكثر مع هذه العلاقة المعقدة بين أنبياء بني إسرائيل وملوكهم؛ هؤلاء الأنبياء الذين كانوا يمسحون الملوك ليعطونهم الشرعية، ولكن هؤلاء الملوك قد يعزلونهم فيما بعد ويعاقبونهم ويسجنونهم.

بلقزيز: فهمت السؤال، هذا يتعلق لأنك أنت تشير إلى طبيعة الصلة التي انتظمت بين الديني والسياسي في التجربة اليهودية.

عدنان: تمامًا.

بلقزيز: وأنا قمت بعملية تحقيب، تحقيب لأنماط الصلة؛ تحدثت عن ثلاثة أنماط: النمط الأول هو النمط الذي ساد فيه الديني وكان حاكمًا للسياسي، كان السياسي مسخرًا لخدمة الدين. ثم تلاه نمط ثانٍ -وسأفصّل- ساد فيه السياسي وسخّر الديني في خدمته. ثم جاء النمط الثالث الذي هو نهاية السياسي واستمرار الديني حاكمًا في يوميات الجماعة الإسرائيلية.

النمط الأول الذي كان الديني فيه يسخّر السياسي لمصلحته هو الذي ساد منذ -عمليًا- منذ موسى النبي لأنه كان قائدًا سياسيًا للجماعة وكان نبيًا بالوقت عينه، ساد منذ النبي موسى، موسى النبي، مرورًا بابن نون نهاية بشاؤل. السياسة كانت جزءًا من الدين، دورها، وطبعًا لاحظ في هذه الفترة نحن نتحدث عن -ولو أنها طويلة نسبيًا- نتحدث عن مئات السنوات بين موسى وداود، يعني بين القرن الرابع عشر قبل الميلاد والقرن السابع قبل الميلاد أو القرن التاسع قبل الميلاد. هذه الفترة هي فترة تكون الجماعة، والدين كان له دور كبير في عملية التكوين، وبالتالي هذه الديانة كانت تحتاج.. -لأنه لا ننسى الذي كان سائدًا في المجتمع لدى سواد الناس كانت ديانة البعل، البعلية معروفة هذه، ديانة البعل، ولذلك كان بنو إسرائيل يرتدون عن الدين ويعبدون العجل وحتى إلى درجة أن هارون جاراهم في ذلك.

عدنان: وسايرهم.

بلقزيز: وسايرهم في ذلك.

عدنان: فأثار حنق موسى لدى عودته.

بلقزيز: فإذن كان لابد من قوة سياسية لإجبارهم على الانتظام تحت سقف المعتقد الديني الجديد لبني إسرائيل، والدولة قامت بهذا الدور. إذن هذه المرحلة الأولى. نحن نعرف دائمًا مراحل التكوّن؛ هناك مراحل التكوّن وهناك مراحل إعادة الإنتاج وهناك مراحل الأزمة. في مراحل التكوّن والأزمة العامل الأيديولوجي يكون حاسمًا، في مراحل إعادة الإنتاج تختفي العوامل الأيديولوجية وتبدأ العوامل الأخرى غير الأيديولوجية في الاشتغال.

حينما تولى داود السلطة غير المعادلة. فيما قبل كان الأنبياء هم الذين يمسحون الملوك ويخلعون عليهم الشرعية ويكون الملك تابعًا عمليًا للنبي لأنه هو صاحب السلطة العليا هو الذي يؤمر من يهوه. داود أول شيء -لأنه كان التقليد أنه في بني إسرائيل دائمًا هناك كاهن أعظم. الفرق بين الأنبياء والكهنة حتى نشرح هذه المسألة؛ أن الأنبياء هم رسل الله إلى الجماعة، فعلاقتهم به، هم الذين يعلمون الجماعة ما هي أوامر الله وما هي نواهيه وكذا وكذا، أما الكهنة فهم يدبرون الشأن الديني، يدبرون المقدس، دورهم عملاني أكثر منه ديني.

فكان لابد من وجود كاهن يدبر شؤون المقدس. حينما تولى داود كان هناك كاهن من البيت الهاروني، كاهن أعظم، ولّى إلى جانبه -لم يعزله، تركه، ولكن ولّى إلى جانبه- كاهنًا جديدًا من محتدٍ آخر وليس من آل هارون وليس من اللاويين، من البيت الصادوقي. ومنذ ذلك الحين أصبح الصادوقيون هم الذين يحتكرون الشأن الديني. وولّى نبيين؛ أحدهما راءٍ يقدم له الرؤية، والثاني مستشار. فإذن أصبح رجل السياسة -الملك داود- يسخر النبي لخدمة مشروعه كقائد للجماعة السياسية.

عدنان: هو الذي عين النبي.

بلقزيز: عينه كراءٍ وعين هذا كمستشار. هنا دخلنا طورًا جديدًا وهو طور تحكم السياسي في الديني؛ العامل الديني أصبح تابعًا للعامل السياسي. واستمرت هذه إلى أن حصلت ما سميت بعملية السبي البابلي، وهذه فيها نظر. في كل حال نحن نأخذ بالرواية الرسمية. هذا السبي البابلي نجم عنه ما يلي: انتهت الدولة في بني إسرائيل، إذن انتهى شيء اسمه القيادة السياسية، لم يعد هناك سوى رجال الكهنوت إذن هم الذين يديرون الجماعة ويديرونها حسب الشرائع وليس حسب السلطة واعتباراتها وغيرها، لأنه لا وجود للسلطة. هنا تمكن الديني من الاجتماعي وأصبحت الجماعة خاضعة لرجال الدين، حتى حينما ظهرت المسيحية وظهر المسيح وقيل إنه يسوع كان صاحب مشروع سياسي وهو إعادة ملك بني إسرائيل…

عدنان: سنعود لذلك.

بلقزيز: طيب.

 

كيف حول “عزرا الكاتب” اليهودية إلى ديانة مغلقة؟

عدنان: أنا أريد أن أبقى مع عزير، عزرا الكاتب، لأنه هنا تحس بأننا نحن في مرحلة طبعًا غاب فيها الملوك ولم يعد من ملاذ إلا الكهنة، وصار عزرا الكاتب مرجعًا أساسيًا وصار مجبرًا على أن يأتي بنص جامع وحاضن للأمة اليهودية. أنا أريد أن نتوقف عند هذا النص الذي تخلق هنا وصار مرجعًا لليهود فيما بعد، وهو ينسب إلى عزرا الكاتب أكثر مما ينسب إلى موسى، ولعل فيه بعضًا من أساطير بلاد الرافدين.

بلقزيز: أنا لم أكن أريد أن أدخل في التفاصيل. الكتاب موجود. صحيح هذه اللحظة هي لحظة الانتقال داخل جماعة الأسباط -جماعة بني إسرائيل- الانتقال من الديانة اليهودية، الديانة الإسرائيلية عفوًا إلى اليهودية كدين جديد مغلق.

إذا عدنا إلى سبينوزا في كتابه (رسالة في اللاهوت والسياسة) في تحليله للعهد القديم -للأسفار اليهودية- يقول التوراة، توراة موسى فقدت لم تعد موجودة، التوراة الحالية الموجودة في العبرية وفي كل لغات العالم أعيدت كتابتها من طرف لجنة من الكهنة ترأسهم عزرا الكاتب الكاهن الأعظم، وأنها أعيدت كتابتها انطلاقًا من الروايات الشفوية -يعني مما تبقى من روايات شفوية- وليست هي فقط، ليست التوراة وحدها التي أعيد كتابتها بل أسفار الأنبياء وأسفار التاريخ والكثير.

ومن حينها أصبحت اليهودية ديانة مغلقة. نحن لذلك نعرف أن كثيرين، خذ السامريين؛ ما يزالون حتى اليوم موجودين في فلسطين المحتلة في نابلس وغيرها، يقولون نحن من بني إسرائيل ولسنا يهودًا، لا يعترفون باليهودية ولا يؤمنون إلا بشرائع موسى -بالتوراة كما يعرفونها هم-.

فإذن هناك خلط كبير ما بين الإسرائيلية واليهودية، وهذا هو السبب في إلحاحي على الكتابة على هذه اللحظة، لحظة عزرا. عزرا كما تعرف كاهن، مجرد كاهن، كان من بين السبي البابلي ولكن يبدو أنه بزغ ككاهن فأثار انتباه أرتحشستا الذي كان هو ملكًا لبلاد فارس، فكتب رسالته إليه وقال له لك أن أن تعود إلى أورشليم وأن تأخذ معك من شئت، فكان هذا هو أول إفراج عن قسم من السبي البابلي. ولكن قبل ذلك كان هو قد بدأ مع فريقه في كتابة هذه الأسفار وفي تكوين هذه المنظومة المغلقة التي ستُعرف فيما بعد باسم اليهودية.

إذن هذا دور لكهّان كانوا يحكمون المجتمع ما قبل الإسرائيلي الذي كان في السبي، لم تكن هناك سلطة. حتى آخر الوجوه السياسية في البيت الداوودي -أنت تعرف بأن صدقيا حينما أسره نبوخذ نصر حينما دخل إلى أورشليم وسباه وفقأ عينيه وأدخله إلى السجن إلى آخره- كان له آخر، آخر بقيته كان اسمه زربابل شألتئييل. زربابل شألتئييل الذي كان من ضمن أولئك الذين خرجوا من بابل وذهبوا إلى أورشليم اختفى اسمه تمامًا، أخفت المؤسسة الكهنوتية الصادوقية اسمه حتى لا يذكر شيء عن مملكة داود أو قيام قيادة سياسية جديدة، ينبغي أن يبقى الكهان هم الذين يحكمون.

لذلك حينما قلت يسوع قبل قليل المسيح، أنه حتى إذا كان عنده مشروع كان سيصطدم بـ… وهذا السبب في المعركة التي كانت بينه وبين الفريسيين والصدوقيين معًا، لأنه لا يجوز له أن يكون صاحب مشروع سياسي لأن هذا ضد الكهنوت الذي كان يحكم الجماعة الإسرائيلية.

لذلك أقول هذه الظاهرة، ظاهرة التلازم الماهوي بين السياسة والدين هي ظاهرة يهودية صرفة؛ إذا كانت قد وجدت في مجتمعات أخرى اعتقادية فلم توجد لأن هناك نصًا نص عليها، ولكن لأن هناك عوامل قادت إليها…

عدنان: تاريخية.

بلقزيز: عوامل تاريخية قادت إليها، موضوعية تمامًا قادت إليها.

عدنان: إذن هذا التلازم الماهوي –مثلما تفضلت بتسميته الآن- أو الاندماج الكامل بين الديني والسياسي في اليهودية كما جاء في كتابك، يطرح لنا سؤالًا من جهة أخرى هو، لماذا مثلًا لم تشغل هذه المسألة اللاهوتيين المسيحيين والمستشرقين لاحقًا بالقدر الذي شغلتهم به العلاقة بين الدين والسلطة في الإسلام؟ هل لأن اليهودية كانت خارج اللعبة السياسية تاريخيًا بعد السبي البابلي أم لأن الإسلام مثّل تهديدًا حيًا بينما اليهودية كانت مجرد ماضٍ مرجعي؟

بلقزيز: في الواقع أنت أجبت عن السؤال. لأنه فعلًا اليهودية كانت خارج هواجس المسيحيين أولًا لأنه أنت تعرف…

عدنان: إجابتي عن هذا السؤال مستلهمة من كتابك. أنا طرحت السؤال من…

بلقزيز: مجموعة مغلقة، قبلية مغلقة، لا تتكاثر من خارجها وليس لها كيان سياسي، فلم تكن تشكل أي هاجس بالنسبة إلى الإمبراطورية الرومانية، بالعكس كان المسيحيون الأوائل مشكلة بالنسبة إلى الإمبراطورية الرومانية أكثر من اليهود، ومنهم من الأباطرة من أوغروا صدر اليهود على أولئك المسيحيين قبل أن تتنصر الإمبراطورية الرومانية في بدايات القرن الرابع للميلاد.

وطبعًا لأن الانهجاس المسيحي والأوروبي عمومًا بالإسلام مرده إلى أن هذا الإسلام له شوكة هو دولة ليس فقط دينًا، وحتى لو كان مجرد دين ربما لم يكن ليعني الأوروبيين كثيرًا، وإنما لأنه دولة ودولة ذات قوة وازدادت قوة؛ هم اكتشفوها في الأندلس، اكتشفوها في الحروب الصليبية، ولكن اكتشفوها أكثر مع الإمبراطورية العثمانية حين غزت أوروبا ومع المغول حين غزوا أوروبا. ثلاثة أرباع أوروبا كانت متقاسمة بين العثمانيين والمغول، أوروبا تقريبًا كلها إلا قليلًا في الغرب الذي كان خارج سلطة إسلامية. لأنها دولة وذات شوكة وقوة كانت تشكل هاجسًا ولذلك اهتموا بهذا الموضوع في أوروبا، علاقة الديني بالسياسي بالتحديد.

انتظرونا في الجزء الثاني من هذا الحوار