هل نحن خلفاء لله في أرضه أم بدلاء لقوم أفسدوا قبلنا؟ وما العلاقة المخفاة بين “الإيمان” و”الأمن” في كتاب الله؟ ولماذا هلكت الحضارات السابقة: هل لكفرها بالعقائد أم لظلمها وسفكها للدماء؟ رحلة في عمق التاريخ القرآني يخوضها د. يوسف أبو عواد في حواره مع د. باسم الجمل، تكشف كيف أن “الاستخلاف” ليس تشريفًا مجانيًا، بل عقد مشروط بالإصلاح وحقن الدماء. في #بودكاست_مجتمع، على #منصة_مجتمع
لماذا خُلق آدم “خليفة” بعد إفساد من سبقه؟
باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”. في حلقة اليوم نلتقي كالعادة الدكتور يوسف أبو عواد ونظرية الاستخلاف في الأرض. هذا موضوع جديد دكتور.
يوسف: نعم، أهلًا وسهلًا بك دكتور وبالسادة والسيدات المشاهدين والمشاهدات. حقيقة موضوع الاستخلاف، يعني، ظاهرة أو سنة من سنن الله الموجودة في الوجود. لذلك لَمّا نقرأ أول آية ربما تتعلق بهذا الموضوع وهو: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” (البقرة: 30)، ونحن في حلقات سابقة كثيرة كنا أشرنا إلى أن بعض الناس قالوا إنه خليفة عن مَن؟ فقالوا هو خليفة عن الله. وهذا طبعًا كلام عارٍ عن الصحة.
باسم: وغير منطقي.
يوسف: أي نعم. الله لم يغب حتى يخلفه أحد، والخليفة إنما يكون في غياب من استخلفه أو من هو خليفة عنه. طيب إذن هنا ما دام أن الله قال: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” (البقرة: 30)، فهذا دليل واضح جدًا على أن آدم كان هناك خلق يسبقه.
باسم: سبقه، نعم واضح هذا صحيح.
يوسف: لكن هذا الخلق فشل في تحقيق المشروع، مشروع الإعمار والتطوير في الأرض. لماذا؟ لأنه لَمّا نقرأ رد الملائكة، لاحظ: “أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ” (البقرة: 30)، فهموا من إخبار الله أنه سيكون من شأن هذا المخلوق أنه إما أن يصلح وإما أن يفسد. قضية أن يصلح ما فيها إشكال، لكنهم استشكلوا ماذا؟
باسم: أنه سيفسد في الأرض.
يوسف: وهذا معناه قلنا إن هذا مقتضى الحرية. طيب الآن هذه الآية فيها نقطة في غاية الأهمية وهي بيان الغاية التي خُلق هذا الخليفة لأجلها، وهي عكس ما استغربته الملائكة.
باسم: عكس الإفساد وسفك الدماء.
يوسف: بالضبط. فلما أحد يقول لك لماذا خلق الله البشر؟ يجب أن يكون الجواب من هذه الآية: ليكون خليفة في الأرض بـ”الإصلاح فيها وحقن الدماء”. وبالتالي لَمّا أنا أقرأ مثلًا آية: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” (الذاريات: 56)، هذه الآية آية خلق الإنسان شرحت لك ما معنى يعبدون.
باسم: إصلاح الأرض وعدم سفك الدماء وعدم الإفساد.
يوسف: مئة بالمئة، لأن هذه الآية تتحدث عن أصل الخلق صح؟ وتلك الآية تتحدث عن الغاية. طيب إذن إذا كنت جمعت الآيتين معًا ستفهم أنه يعبدون أي يعبدون الله في الإصلاح في الأرض وحقن الدماء.
طيب الآن ما يشير إلى أن هذا فعلًا كان استخلافًا لمن لم يُفلح في هذا قبل آدم، هو آية أخرى تقول: “وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ” (الأنعام: 133). يعني، نشأة الإنسان الأولى كانت من ذرية قوم آخرين، فهذه سنة كونية جارية؛ من لا يُفلح في الإصلاح سيأتي من يخلفه.
باسم: يعني، آدم جاء من ذرية قوم آخرين.
يوسف: بالضبط، لعله أن يفلح في غاية الإصلاح في الأرض والإعمار بحقن الدماء.
طيب نحن لن نستدل فقط بهذه الآية، هذه منظومة قرآنية كاملة، سنرى الآن كيف مثلًا في حق قوم نوح، الذي هو أول الأنبياء الذين جاءهم الوحي، نجد مثلًا قوله تعالى: “فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ..” ماذا؟
باسم: خَلَائِفَ” (يونس: 73).
يوسف: لأنه، دكتور، لَمّا طرحنا في حلقات سابقة أنه قلنا إن قوم نوح كانوا هم كل البشر في ذلك الوقت، وإن كانوا في بقعة جغرافية خاصة ومحصورة. فقالوا من أين أتيتم بهذا الكلام؟ هو قال لك إن آدم جُعل خليفة في الأرض، يعني، أُعطي السلطة بعد أن ذهب من لم يصلح. الآن لَمّا تحدث عن قوم نوح فكذبوا، فنجى الله نوحًا ومن معه وجعلهم خلائف في الأرض، بمعنى أُهلك الباقي ولم يبقَ في الأرض غير هؤلاء، لأنهم هم الذين وافقوا على فكرة الإصلاح في الأرض وحقن الدماء.
باسم: الآن نلاحظ: “وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا”.
يوسف: انتهى الموضوع.
باسم: “فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ” (يونس: 73).
يوسف: أي نعم، الآن في حق قوم عاد، التي هي مرحلة… نحن خلاص أصبحنا نسمي هذه الحقبة البشرية التي سُميت حقبة عاد، كأنه عاد ظهور انتشار البشر، طبعًا بقيت سلالة صغيرة تكاثرت. ماذا تقول الآية؟ تقول الآية: “أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ” (الأعراف: 69). من بعد قوم نوح، لأن قوم نوح أُهلكوا فبقيت سلالة بسيطة فعادوا فانتشروا فصاروا هم خلفاء الأرض صحيح؟
الآن قوم عاد كذّبوا نبيهم هودًا ولم يستجيبوا للفكرة، فماذا قال لهم؟ “فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ…” (هود: 57). هود كان قال لقومه “اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ” (هود: 50)، وفهمنا أن اعبدوا الله، يعني، أصلحوا في الأرض ولا تسفكوا الدماء. إذا لم يستجيبوا ما النتيجة؟ قال: “أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ” (هود: 57). ستسير السنة الربانية أيضًا وتشملهم كما شملت من سبقهم. فأيضًا لم يستجيبوا فحصل إهلاك قوم عاد.
جئنا بعد ذلك إلى الحقبة البشرية التي سُميت في هذه المرحلة حقبة ثمود، فنجد أن صالحًا يقول لقومه الذين هم ثمود، الذين هم البشر في تلك المرحلة: “وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ” (الأعراف: 74). إذن أُهلك عادًا وأصبح خلفاء الأرض من؟
باسم: ثمود.
يوسف: ثمود. نعم: “وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ” (الأعراف: 74)، لاحظ العموم، يعني، أسكنكم وأعطاكم السلطة والصلاحية على الأرض تمامًا.
باسم: “تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا” (الأعراف: 74).
يوسف: “وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا” (الأعراف: 74). طبعًا كُنّا قد قلنا إنهم قاموا بالإعمار الشكلي وليس الإعمار الجوهري، لأنه كان هناك مشكلة في هذا الموضوع، إن هذه الإعمارات التي حصلت في هذه الحقبة البشرية لم تكن تحقق غاية إنما كانت فقط بغرض اللعب. “وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ” (الشعراء: 129)، هذا الذي قلنا عنه طيب: “أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ” (الشعراء: 128)، فكان يوجد بناء لكن بناء عبثي، وهذا ليس هو الإصلاح والإعمار في الأرض المطلوب.
باسم: وكأنه بناء للمباهاة مثلًا؟
يوسف: بالضبط، المطلوب بناء يعمر الأرض فيساعد في راحة البشر في الأرض ويؤدي فعلًا إلى التطوير، لا المباهاة التي لا حقيقة لها. البناء لأجل المباهاة والعبث لن ينتج حضارة في الحقيقة في نهاية المطاف.
سنة وراثة الأرض: هل ينجو الأقوى أم من يأخذ بأسباب النجاة؟
يوسف: طيب هناك آية شاملة تشير فعلًا أن هذه سُنة: “أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا” (الأعراف: 100). إذن طريقة الله أو سنة الله تنفيذها كان في هذه الحقب من حياة البشر أنه كان يُهلك أهل الأرض ويأتي بمن يرثها. انظر دكتور الذي قلنا عنه في الحلقات السابقة أنه فعلًا هو تسلسل ظهور البشر وليست أقوامًا كانت هنا وهناك في جزيرة العرب وباقي العالم ما له دخل في الموضوع.
باسم: يعني، وكأننا نتحدث عن مجموعة بشرية يتم استخلافها وتأخذ وقتها في الحياة وحتى تستنفد سبل عدم… يعني، حتى تصبح فاسدة، يتم شطبها مثلًا، يتم محوها؟
يوسف: مئة بالمئة، تمحى لكن بسنن الطبيعة طبعًا.
باسم: بسنن الطبيعة بالتأكيد.
يوسف: العقوبات التي يتحدث عنها الله…
باسم: هي سنن طبيعية.
يوسف: سنن طبيعية، مئة بالمئة. وهي تشمل البشر كلهم، هذا الشاهد، هذه أهم نقطة، ليس أنها مجموعة بشرية دون باقي بشر آخرين موجودين.
باسم: يعني، هم البشرية الوحيدة التي كانت في الأرض في تلك الفترة.
يوسف: مئة بالمئة.
باسم: طيب سؤالي هنا: هل السنن الطبيعية كانت تُطبق على كل المجموعة البشرية؟
يوسف: الذي ينجو هو الذي أصلح في الأرض وحقن الدماء. هذا ينجو لأنه بنى ما ينجو به. يعني، لاحظ نوحًا لَمّا نجا، كيف نجا؟ بالسفينة صح؟ وهم كانوا يهزؤون به. فهو كان يؤسس لما ينجو به عندما يحصل طوفان. هذا هو الإعمار في الأرض، أنه لَمّا تحصل كارثة أو مصيبة أو أمر طبيعي، أنت إذا فهمت الغاية التي خُلقت من أجلها وأسست لما تنجو به ستنجو. من لم يؤسس وعاش في العبث وعاش في اللهو…
باسم: إذن في أيامنا هذه هناك المليونيرية مثلًا، دعنا نقول مثلًا في أمريكا، منهم من يجهز بيوت تحت الأرض مجهزة بكل سبل الراحة ومجهزة ضد مثلًا القنابل الذرية، هو يجهز مكان لينجو بنفسه مثلًا صح؟
يوسف: صحيح، والله الذي يفهم أن هذا شيء قد يحدث فيسعى أن ينجو هو وذريته وكذا هو الذي سينجو، لأن هذا قانون. إذا حدث شيء مثل هذا، هو الذي من فهم قوانين الطبيعة فأسّس لما يحمي نفسه ولما يبني بناء عليها فهو الذي سينجو.
باسم: “أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا ۚ أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ” (الأعراف: 100). هذا تأكيد أن الإصابة أو العذاب أو الذي كان ضد الأمم السابقة التي كانت تهلك بذنوبهم بالقوانين الطبيعية، حقيقة من نتائج الذنوب أو من نتائج السلوكيات الفاسدة.
يوسف: صحيح، وكلمة ذنوب هي لها أصلًا علاقة بكلمة الذنب حسيًا، لأنه آخر نتيجة فعلهم، لأنه مؤخرة نتيجة فعلهم وعاقبتها هو أن يقع هذا الأمر.
ما هي “القرون الأولى” ولماذا أهلكها الله قبل زمن موسى؟
يوسف: الآن في عهد موسى دكتور: “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ” (القصص: 43). ما هي القرون الأولى؟ التي فرعون سأل عنها فقال: “فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ” (طه: 51)؟ هي ما ذكرناه من قوم نوح وقوم عاد وقوم ثمود، وهي مسميات للمراحل البشرية. فلما جاء موسى كانت هذه القرون قد أُهلكت.
طيب إذن هذا الاستخلاف ماشٍ إلى الآن سنة الاستخلاف، نحن نريد أن يفهم السادة المشاهدون ماذا نقصد بسنة الاستخلاف الموجودة في الأرض وما هي الغاية التي خُلق الإنسان من أجلها، ثم كيف نجح المجتمع البشري في تشكيل المجتمع. هذا ما سنسير إليه شيئًا فشيئًا.
وأيضًا لَمّا حصل ما حصل من فرعون قال قوم موسى، قالوا له: “أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا” (الأعراف: 129). ماذا قال؟ “عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ…” نفس النقطة، “… فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ” (الأعراف: 129). ولذلك قلنا يا دكتور لَمّا نجا بنو إسرائيل، الذي هو مُسمى البشر في هذه الحقبة، قالت الآية: “وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا” (الأعراف: 137).
باسم: حتى في الآية التي سبقت قالوا: “أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ” (الأعراف: 129).
يوسف: أي نعم.
باسم: يعني، العمل هو المقياس الذي يُقاس عليه الناس.
يوسف: مئة بالمئة، وهو الذي يحكم نتيجة بقائهم أو فنائهم. الموضوع موضوع فناء أو بقاء.
هل شرط الاستخلاف هو “العقيدة” أم تحقيق الأمن وحقن الدماء؟
يوسف: الآن القاعدة العامة، هناك آية “أمّ” أشارت إلى أن هذا فعلًا قانون رباني سنني لا يتبدل ولا يتحول: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ” (النور: 55). إذن من كان يُستخلف هو من آمن وعمل الصالحات. طيب إذا كانت الغاية الأولى أن لا يفسد في الأرض ويسفك الدماء، معناها أن يصلحوا في الأرض ويحقنوا الدماء. إذن من الذي سيُستخلف؟ الذي يُصلح في الأرض ويحقن الدماء. فلما تقرأ الآن “الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ” ماذا ستفهم من آمنوا؟
باسم: يعني، الذين أمنوا للناس حياتهم.
يوسف: بالضبط.
باسم: أو استأمنوا الآخرين على حياتهم.
يوسف: بمنع الفساد ومنع الاعتداء على الأنفس وسفك الدماء. انظر كيف لَمّا تقرأ جملة من هنا وجملة من هنا.
باسم: آمنوا هنا، يعني، الذين استأمنوا مثلًا.
يوسف: أي نعم، حققوا أو بنوا مجتمعًا آمنًا يتبادل الناس فيه الأمن، فلا إفساد فيه ولا سفك للدماء. هؤلاء هم من يُستخلفون. لماذا آدم جُعل الخليفة؟ ليصلح في الأرض ويحقن الدماء، صح؟ إذن هل ستتناقض هذه الآية مع الآية الأصلية؟
باسم: بالتأكيد لا، هو نفس قانون الاستخلاف.
يوسف: فلو أردت أن تفهم الإيمان ما هو، هذا أول مؤشر يساعدنا أن نفهم ما هو الإيمان، هذا الذي يؤدي إلى الاستخلاف.
طيب: “وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ” (النور: 55). ما هو الدين إذن الذي ارتضاه؟
باسم: قانون العقوبات والحساب.
يوسف: قانون العقوبات الذي يجازي من يفسد في الأرض ويسفك الدماء هذا هو الدين. بمسلك آخر: “وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا” (النور: 55).
باسم: أمنًا.
يوسف: ركز في الكلمة خوف وأمن والكلمة أول الآية “الَّذِينَ آمَنُوا”، إذن الغاية القصوى هي فعلًا تحقيق المجتمع الآمن، “مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا”، وهذا هو العبادة، “يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا” (النور: 55).
فالشرك هو كل فعل يؤدي مسلكيًا في النهاية إلى الإفساد في الأرض.
باسم: إلى إيجاد الخوف.
يوسف: بالضبط، الذي هو الخوف، الذي هو ماذا؟ الإفساد في الأرض وسفك الدماء، كله مترابط. الخوف ماذا يتولّد عنه؟ الإفساد وسفك الدماء.
باسم: بالتأكيد.
يوسف: مئة بالمئة. لذلك الشرك يا دكتور لا علاقة له بما قيل إنه عقيدة، هذا نموذج من الآيات التي تشير أن الشرك والإيمان هما سلوكيات تتعلق بالإصلاح والإفساد وحقن الدماء وسفك الدماء. وربطناها بكل ما سبق حتى نُظهر أن هذه سنة ربانية واضحة تمامًا الوضوح.
كيف يضرب “هوس الملك والخلد” منظومة الأمن البشري؟
يوسف: الآن لو نأتي إلى مرحلة آدم لنبدأ في التمعن، هل آدم أصلًا لَمّا وُضع في الجنة وُضع في بيئة آمنة؟
باسم: أظن ذلك.
يوسف: لأنه ماذا قيل له؟ “إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ” (طه: 118-119). خلق آدم الأول كان في بيئة آمنة، طبعًا لا نريد الدخول في التفاصيل، لكن لَمّا دخل الشيطان فطمعه بالملك والخلد هنا بدأ اختلال الأمن. يعني، لماذا يجنح الإنسان إلى الإفساد في الأرض وسفك الدماء فيخالف الغاية الأولى ويخالف مفهوم الإيمان؟ إذا بدأ يطمع بالخلد وملك لا يبلى، هذا الذي أطمع به الشيطان آدم، وطبعًا الآيات فيها معانٍ مفاهيمية كبيرة.
باسم: عندما تحاول تطبق هذا المفهوم على الكثير من السياسات الموجودة في المجتمعات، فعلًا على المستويات الفردية وحتى على المستويات الجمعية كالدول، ستجد أنه فعلًا عندما يحدث طغيان في الفساد الهدف منه أن أصبح أنا المالك الأول، أنا الرئيس الأول، أنا القادر الأول، أنا الإمبراطور الأول.
يوسف: أو يتخيل أنه يخلد، يعني، تجده يعمل بطريقة وكأنه سيعيش آلاف السنوات فبالتالي يفسد إفسادًا هائلًا.
باسم: حتى يصل إلى مرحلة، دعنا نسمي بالتسمية الدارجة دكتاتور قوي يجب أن يفسد.
يوسف: صحيح.
باسم: لا يمكن أن يصل إلى مرحلة الدكتاتورية إلا بالفساد وسفك الدماء.
يوسف: إلا الفساد وسفك الدماء بالضبط.
باسم: حتى الإمبراطوريات القائمة حاليًا هي قائمة لأنها تفسد وتسفك الدماء.
يوسف: مئة بالمئة.
باسم: وتستغل حقوق الآخرين.
يوسف: فأكبر محرك للشرك ومثير للخوف ومضاد لمفهوم الإيمان هو؟
باسم: الملك.
يوسف : الطمع في الخلد والملك الذي لا يبلى. الملك في حد ذاته ليس إشكالًا، لكن أنك تتخيل أن ملكًا لا يبلى أو خلدًا، وبالتالي تتصرف كما ذكرت الدكتور تصرف الدكتاتور الذي هو يسفك الدماء، ما عنده مشكلة في الإفساد في الأرض وسفك الدماء لتحقيق هذه الغاية.
الميثاق الفطري: هل يحتاج الإنسان لوسيط ليدرك قبح الفساد؟
يوسف: طيب لَمّا جاءت مرحلة الإهباط، لنتتبع هذا التاريخ المهم جدًا والواضح في نشوء المفاهيم، مفاهيم الإيمان والشرك، قال: “فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم منِّي هُدًى” (طه: 123) بعد الأمر بالإهباط، “فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ” (طه: 123). يعني، حتى بعد الإهباط من الجنة الشقاء ليس حتميًا كما يقال في بعض الروايات، لا، هو من اتبع الهدى لن يضل ولا يشقى، “وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا” (طه: 124).
الآن ستفهم ما هو ذكره؟ الذكر الذي أراده الله هو أن تذكره بالغاية التي خُلقت لها وهي الإصلاح وحقن الدماء. لكن الآن السؤال ما هو الهدى في هذه المرحلة؟ يعني، آدم لا يوجد ولا آية تقول إنه نبي ولا رسول، ما هو الهدى الذي “فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى”؟ كيف تحقق الهدى أو لنقل، يعني، البرمجة التي تضبط وتضمن للإنسان أن يكون هناك وازع داخله يمنعه من الإفساد في الأرض وسفك الدماء؟ نجد هذا في مسلكين يشير إليهما النص القرآني، الأول: “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ…” (الأعراف: 172).
باسم: “بِرَبِّكُمْ” (الأعراف: 172).
يوسف: على الربوبية، هذه أهم نقطة. فكل إنسان بفطرته قبل أن يأتي الوسيط والحبر والشيخ والراهب والملوث الذي يحجزه عن النظر في الخلق، ينظر في الأشياء كما خلقها ربها فيفهمها كما هي، ويشعر بفطرته الأولى أن سفك الدماء بالضمير الإنساني الأصلي ذنب وأن الإفساد ذنب. إذن هذه الهداية التي إن صح، يعني، كما يقال بالإنجليزية أصبحت “بيلت إن” (Built-in) في الإنسان، يعني، مدمجة في خلق الإنسان. وهذا على فكرة هو الإشهاد، لأنه، يعني، الناس يقولون نحن لا نتذكر هذا، لا هو ليس تذكرًا، هو وضع في جينات الإنسان، ضمير.
باسم: جزء من المركب البيولوجي للإنسان.
يوسف: أي نعم، يجعله متلهفًا لأن يرى الأشياء كما هي في الطبيعة. من الذي يفسد هذا؟ من يدخل في الوسط، تمام؟ هذا يجب أن نستحضره لأنه سهل.
باسم: والذي يدخل في الوسط هو الشيطان، والشيطان له أشكال مختلفة.
يوسف: أي نعم، أتباعه.
باسم: أتباعه.
يوسف: بالضبط.
جريمة ابن آدم: هل كانت أول خروج دموي عن “الأمة الواحدة”؟
يوسف: الآن قال لك في آية أخرى: “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا” (الروم: 30)، ونحن قلنا الدين عدم الشرك وهو الإيمان وهو عدم الإفساد في الأرض وعدم سفك الدماء كما شرحنا في آية السنة الواضحة. “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا” (الروم: 30).
إذن الدين هو أصلًا فطرة. لذلك بين آدم ونوح لم يكن لا رسل ولا كتب، ولذلك قلنا يا دكتور، الإنسان والبشر بطبيعتهم ليسوا محتاجين أصالة للأنبياء والكتب، إنما جاء الأنبياء والكتب، جاءوا…
باسم: عند فساد الفطرة.
يوسف: زيادة في إقامة الحجة فقط، وإلا، الفطرة كفيلة بأن تدلك على الدين فقط. فما ليس فطرة ليس دينًا، هذا باختصار، ما ليس فطرة لا يمكن أن يكون دينًا، والدين ضمير وهو واضح في نفس كل إنسان.
في هذه المرحلة من حياة البشر حصلت حادثة ابني آدم، إذا تلاحظ النص القرآني سجل لنا هذه الحادثة فقط: “وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ…” (المائدة: 27).
باسم: “لَأَقْتُلَنَّكَ” (المائدة: 27).
يوسف: لاحظ نفس فكرة…
باسم: الإفساد.
يوسف: بالضبط، سفك الدماء، ما الذي فعله ابن آدم؟ سفك دم أخيه فأفسد. لماذا سفكه؟ لأنه قرب قربانًا أحدهما تُقبل، يعني، حصل له نوع من الارتقاء على أخيه، هو لماذا لم يُتقبل قربانه؟ لأن صناعته أو فعله فاسد لا ينتج نتيجة. يعني، أنت تعبت على أمر بحثت في قانونه صنعت صناعة فقُبلت أعطت ثمرة، صح؟
باسم: صح.
يوسف: هو ذهب بالحسد الآن بنفس الفكرة أنه يريد الملك الذي لا يبلى والخلد بناء على غير عمل حقيقي، فراح فقتل أخاه.
لكن يبدو أن هذه حادثة عرضية، لماذا عرضية؟ لأن هناك آية تقول: “كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً” (البقرة: 213). هذه الفترة، متى كان الناس أمة واحدة؟ بين آدم ونوح، لأنه بعدها قال لك: “فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ” (البقرة: 213). إذن متى انتهت فترة الأمة الواحدة وحصل الاختلاف وعاد الناس يسفكون الدماء ويفسدون في الأرض؟ عندما بُعث نوح. ما الذي يدل أن نوحًا هو أول من بُعث؟ “إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ” (النساء: 163). إذن الآن يجب أن نكون فهمنا التسلسل: آدم خُلق خليفة عن مخلوقات لم تفلح في الإصلاح في الأرض والإعمار والتطوير، ثم بعد ذلك حصل ما حصل في الجنة فأُهبط وطُلب منهم أن يهتدوا بالفطرة والتي أصلًا غرزت في ضمائر الناس. حصلت حادثة عرضية وهي قتل أحد ابني آدم أخيه، لكن مع ذلك كان الناس أمة واحدة، بمعنى متحدين، لا يوجد إفساد ولا سفك للدماء، حتى جاء عهد النبي نوح. فلما جاء عهد النبي نوح بدأت كما قلنا النبوات.
كيف حوّلت “الطبقية” في قوم نوح المجتمع الآمن إلى صراع؟
باسم: في عهد نوح، حتى بُدئ بإرسال النبيين مبشرين ومنذرين، ما هو شكل الإفساد الذي وقع؟
يوسف: ممتاز جدًا، حتى نفهم شكل الإفساد الذي وقع سندرس طبيعة قوم نوح، ونحن فصلنا هذا في حلقات سابقة لكن باختصار شديد، كان القوم طبقتين: طبقة من الملأ وطبقة يسمونها الأراذل. لذلك قالوا لنوح، ماذا قالوا له؟ “أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ” (الشعراء: 111). ما كانت مشكلتهم مع ما يدعو إليه نوح؟ مشكلتهم أنه سيلغي التفريق المبني على الطبقية والعنصرية. الآن الملأ هؤلاء حتى يكرسوا ملئيتهم ماذا فعلوا؟ قالوا هناك آلهة وهناك للآلهة من يتحدث باسمها: “وَلَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا” (نوح: 23). إذن هم تحكموا في رؤية القوم واستعباد الأرذلين، هذا الذي حصل. وبالتالي هل هذا إفساد أم لا؟ هل سيحصل عليهم سفك دم هؤلاء الناس المستضعفين؟
باسم: بالتأكيد صح.
يوسف: إذن هذه عدم الأمة الواحدة. ما هو قال لك في الآية كان الناس ماذا؟
باسم: أمة واحدة.
يوسف: الآن لَمّا تقرأ عن قوم نوح هل أمة واحدة؟
باسم: صار فيها طبقات، صار فيها، نعم صح، أسياد وعبيد.
يوسف: بداية العنصرية وتفريق الناس بناء على الطائفية، أو ما يقال إنه أديان هي عبارة عن ملل وتدينات وإلى آخره، أو أعراق أو ألوان أو جغرافيا، هو تفريق حال أمة واحدة.
باسم: يعني، أي شخص ينادي بالطبقية بين المجتمعات، أي شخص ينادي بالأفضلية مجموعة عرقية على مجموعة عرقية أخرى، أي شخص ينادي بمجموعة بشرية تتبع مثلًا فكرة ما أفضل من أخرى، هو يدعو إلى تدمير المجتمعات.
يوسف: مئة بالمئة، ويخالف الغاية الأولى للخلق.
باسم: ويخالف الغاية الأساسية للخلق.
يوسف: وهذا هو مخالفة مفهوم الإيمان، ليس عقائد.
باسم: يعني، العنصريات الموجودة حاليًا على اختلاف أنواعها ومسبباتها هي دعوات لتدمير المجتمعات والإفساد.
يوسف: أي نعم.
باسم: وسفك الدماء.
يوسف: مئة بالمئة، وهذا ما ينتج عنها فعلًا. يعني، أنت اذهب إلى عنصرية أو طائفية ستجد نتائجها واضحة وهي الإفساد وسفك الدماء، تتحول إلى محسوبيات وواسطات وعدم عدالة وعدم مساواة وسفك وتساهل في قتل الآخرين أم لا؟
هل تقسيم المجتمعات “إداري” أم بداية للعنصرية والهلاك؟
باسم: هل يمكن أن يدخل تقسيم المجتمعات البشرية إلى مجتمعات تنسب إلى جغرافيا أو تنسب إلى نظام حكم أو تنسب إلى عائلات تحكم أو تنسب إلى أشخاص، هي من باب تقسيم المجتمعات على أساس عنصرية؟
يوسف: والله دكتور يجب أن نعزل تقسيمًا إداريًا عن تقسيم عنصري وطبقي. يعني، الإدارة والله مثلًا هذا الجزء من الأرض سيديره مثلًا هذه المجموعة من الناس، هذا أمر اضطراري لا بد منه. لكن هذه الإدارة لا تعني بحال عدم… تمايز وتفريق عنصرية وطبقية بين البشر. القوانين التي تحكم حياة البشر فتشكل الدين الذي يحفظ الصلاح ويحفظ الدماء واحد لكل البشر من أقصى الأرض إلى أدناها.
باسم: يعني، المجتمعات التي تتعايش فيما بينها رغم الاختلافات الموجودة في مكوناتها هي مجتمعات…
يوسف: نموذج للأمة الواحدة.
باسم: نموذج للأمة الواحدة.
يوسف: أي نعم. وسنأتي في نهاية الحلقة لنثبت هذا إثباتًا واضحًا جدًا. الآن لاحظ دكتور مفهوم الإيمان في عهد نوح، ألم نقل إن الإيمان لَمّا درسنا في الحقبة الأولى حقبة آدم ومن قبله كان متعلقًا تعلقًا عضويًا بالإصلاح في الأرض وحقن الدماء. نوح ماذا قال له قومه؟ “أَنُؤْمِنُ…”، ما قالوا بك حتى، هذا قالوا “أَنُؤْمِنُ لَكَ” (الشعراء: 111)، بمعنى تريدنا أن نشكل معك نظام أمن وأمان ونبني طريقة جديدة لبناء المجتمع، كيف نبنيها معك: “وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ” (الشعراء: 111)؟ إذن هم ما اعترضوا على فكرة عقدية.
باسم: يعني، العنصرية قديمة إلى ذاك العهد.
يوسف: وهي ما يناقض الإيمان، مفهوم الإيمان هو متعلق بالأمن. نوح أراد أن يعيد بناء نظام الأمن الذي يعيد الأمن لجميع الناس وينهي العنصرية.
باسم: لجميع المجتمعات صح.
يوسف: هم ماذا اعترضوا؟ قالوا: “أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ” (الشعراء: 111)، لأن نظام الأمن هذا قالوا له: يشمل الأرذلين، قال: هم بشر، لا.
باسم: يعني، قالوا نصدقك وجماعتك من الأراذل.
يوسف: أي نعم.
يوسف: لاحظت استخدام كلمة “نؤمن لك” كيف استخدمت؟
باسم: نعم فهمت.
يوسف: يعني، ندخل معك في نظام الأمن. قال: “وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي ۖ لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ” (الشعراء: 112-114). إنسان دخل في عقد الإيمان وهو يبذل لك الأمان، يقول لك أنا لن أعتدي عليك ولن أسفك دمك ولن أفسد، مهما كنت، كيف أطرده وأقول له لا، اخرج، وأنشئ بعد ذلك تكتلًا آمنًا فقط لعرق أو مجموعة بشرية، بالمقابل يستحل باقي المجموعات والأعراق البشرية. هكذا يتولد الآن، أريد أنا من السادة المشاهدين أن يلاحظوا تولد مفهوم الإيمان عبر تاريخ البشر.
باسم: تسلسل التاريخ.
يوسف: حسب ما يعرضه النص القرآني.
لماذا طُرد “الظالمون” من سفينة نوح ومن معادلة الاستخلاف؟
يوسف: الآن: “وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ…” (هود: 36-37).
باسم: “ظَلَمُوا” (هود: 37).
يوسف: مهم جدا، “الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا” هم “الَّذِينَ ظَلَمُوا”، إذن ليس عكس الإيمان أني أعتقد عقيدة غير ما أنت تقرر في كتبك التي جئت بها من هنا وهناك، لا…
باسم: يعني، عكس الآمن أو المؤمن هو الظالم.
يوسف: أي نعم، لأن الظالم لا تضمن بأي لحظة أن يُفسد فيسفك الدماء، صح أم لا؟
باسم: بالتأكيد.
يوسف: لاحظ تشكل المفهوم.
هل كان إيمان قوم ثمود “تصديقاً” أم دخولاً في حلف أمني؟
يوسف: طيب نأتي إلى المرحلة، للحقبة البشرية التالية وهي حقبة قوم عاد، فننظر لمفهوم الإيمان مرة أخرى: “فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ” (الأعراف: 72). يعني، أيضًا لم يحققوا مفهوم الأمن. وقوم عاد حصل فيهم من الإخلال بالأمن والإخلال بحال الأمة الواحدة ما يشبه ما حصل مع قوم نوح.
في حق قوم ثمود أيضًا الطبقية، لاحظ: “قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ…” لمن؟
باسم: “لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا…”
يوسف: “لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ” (الأعراف: 75). هناك ناس استضعفوا ولم يدخلوا، خافوا، يعني، خافوا. جاء النبي صالح فقال لهم تعالوا نبني مجتمعًا آمنًا يأمن فيه الكل، سواء كنت فقيرًا أو كنت غنيًا أو كنت قويًا أو كنت ضعيفًا. فآمن معه بعض المستضعفين، البعض الآخر خاف. لاحظ الذين استكبروا ماذا قالوا؟
“قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ” (الأعراف: 75). فإذًا ما أراده صالح هو إعادة نظام الأمن الذي يعيد الناس إلى ماذا؟ إلى أمة واحدة. هذا واضح في حقبة ثمود.
كيف تولّد مفهوم الإيمان في عهد النبيّ إبراهيم
الآن نأتي إلى المرحلة الأخطر والأهم وهي مرحلة النبي إبراهيم. لماذا؟ يقول لي لماذا تركز؟ سترى لماذا نركز على النبي إبراهيم، الآن سيرى السادة المشاهدون والمشاهدات لماذا نركز؟ إبراهيم عليه السلام لَمّا حاجّ قومه في الأصنام، أول شيء تكلم مع أبيه ثم تكلم مع قومه ثم ذهب إلى الذين يعبدون الكوكب والشمس والقمر، صحيح؟
الآن في النهاية ماذا قال؟ “وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ۚ وَلَا أَخَافُ…” (الأنعام: 80). مهم، هم كانوا يصنعون نظام خوف بناء على أساس شركي يخل بالأمن المطلق، فقال لهم أنا لا أخاف هذا الذي تصطنعونه لأنه ليس مصدره السماوات والأرض التي هي خلق الله التي هي الإشهاد أنه “أَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ” (الأعراف: 172) عاد للميثاق.
طيب نلاحظ “وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا” (الأنعام: 80). ثم قال: “وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ” (الأنعام: 81). انظر، نركز على ظهور كلمة الخوف بكثرة: “وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا” (الأنعام: 81). بمعنى جعلتم نظامًا شركيًا يجعل جزءًا من الناس في جهة وجزءًا آخر في جهة، جزء له قانون وجزء له قانون آخر، فلم تصبح مظلة الله رب العالمين شاملة للناس. لا، قسموا الناس فظهر مفهوم الشرك.
فإذن قال “مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ…” (الأنعام: 81)، مهم جدا “أَحَقُّ…” بماذا
باسم: “… بِالْأَمْنِ” (الأنعام: 81).
يوسف: إذن عن ماذا يبحث النبي إبراهيم في هذه الرحلة وهذه المحاججات؟
باسم: عن الأمن، بالتأكيد واضح.
يوسف: عن الأمن.
باسم: وضوح الآيات، مذهل على فكرة.
يوسف: نعم جدًا، وسترى الآن في قصة إبراهيم وضوحًا ليس بعده وضوح.
طيب: “فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ”. (الأنعام: 81). ثم قال الآن “الَّذِينَ آمَنُوا…”. رأيت كيف ولدت كلمة آمنوا، هو كان يتكلم عن سياق الخوف والأمن، فلما قال لهم “الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ” (الأنعام: 82)، ما هو عكس الإيمان إذن؟
باسم: هو الظلم.
يوسف: كما سبق في آيات في الحقب السابقة. انظر التناسق العجيب في النص وكيف أنه واضح ما هو مفهوم الإيمان الذي يضاده الظلم ويضاده الخوف.
فقال لهم “الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ” (الأنعام: 82) مرة أخرى عاد فقال “أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ” (الأنعام: 82). إذن ما أراده إبراهيم وما بحث عنه وما أراد أن يوصله…
باسم: هو توفير الأمن للذين آمنوا.
يوسف: فهذا هو الإيمان. إذن كلمة إيمان ولدت من كلمة أمن، وأُريد منها إعادة البشر إلى تحقيق الأمن كما كانوا أمة واحدة لا يُسفك فيها دم ولا يُفسد فيها في الأرض.
ثم قال: “وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ” (الأنعام: 83). الآن لَمّا قلنا إن إبراهيم هو الأب الثالث للبشر، لأنه من هنا بدأ التفرع. الأقوام السابقة ماذا حصل فيها؟
باسم: أبيدت.
يوسف: أُهلكت لأنها لم تحقق ولم يبقَ إلا عدد قليل منه كان يتكاثر.
باسم: أُهلكت بفعل ذنوبها في النهاية.
يوسف: بالضبط، كما مر معنا في صريح الآيات.
هل طال قانون “الاستبدال والإهلاك” قوم إبراهيم أيضاً؟
يوسف: فذكر الأنبياء تسلسل الأنبياء في هذه الآيات من سورة الأنعام الذي شرحناه في حلقة سابقة جاء في هذه المرحلة، لذلك بدأ انتشار البشر من آل إبراهيم، هذا هو السبب لأن إبراهيم وضع حجر الأساس. لكن قد يقول لي قائل، لكن أنت عندك دليل على هلاك قوم عاد، عندك دليل على هلاك قوم ثمود، على هلاك قوم نوح، لكن ما عندك دليل أن قوم إبراهيم أُهلكوا، يعني، من الذي قال إن قوم إبراهيم أُهلكوا فصار إبراهيم أبًا لمن سيأتي بعد ذلك من البشر؟ لكن الحقيقة أن الدليل موجود. لنلاحظ آيات من سورة الحج: “وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ” (الحج: 42)، لاحظ التسلسل الذي ذكرناه، بعدُ: “وَعَادٌ وَثَمُودُ” (الحج: 42). إذن هذه أسماء لمراحل البشر. ثم “وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ ۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ” (الحج: 43-44). نحن قلنا العقوبات انتهت أين هذه المجتثة؟ عند النبي موسى صح؟
باسم: صحيح.
يوسف: طيب، نريد التركيز في الآية: “فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ” (الحج: 44). هل قوم إبراهيم مشمولون بهذا الكلام؟
باسم: يبدو أنهم مشمولون فعلًا.
يوسف: أي نعم واضح جدًا، وسنفهم الآن أن الكافرين هنا هم الذين جحدوا هذه الفكرة، التي هي فكرة ضرورة عودة الناس إلى الأمة الواحدة والمجتمع الآمن الذي لا ظلم فيه ولا خوف.
طيب جميل جدًا، لَمّا انتهت هذه المرحلة وانتهى حجاج إبراهيم مع قومه، سنلاحظ ماذا فعل إبراهيم. جاءت سورة البقرة فقالت: “وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ” (البقرة: 124). الكلمات هي هذا، نقاشه مع أبيه ونقاشه مع قومه وإقامة الحجة، وأخبرهم أن ما يريده إعادة تحقيق المجتمع الآمن. فإذن أتمهن. لَمّا أتمهن: قال له الله “إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا” (البقرة: 124). فقال إبراهيم: “وَمِن ذُرِّيَّتِي” (البقرة: 124). هذا يدل على أنه لم يبقَ أصلًا في الأرض إلا إبراهيم، لأنه لو كان هناك آخرون لن يقول إبراهيم ومن ذريتي وحدي، لأنه كان سيسأل وباقي البشر؟ إبراهيم أعظم من أنه يتحول إلى رجل عنصري ويسأل فقط عن ذريته وهو يقصد ذريته، يعني، من سيأتي بعد ذلك من البشر. قال: “لَا يَنَالُ عَهْدِي…” (البقرة: 124)، مرة أخرى…
باسم: “الظَّالِمِينَ” (البقرة: 124).
يوسف: بالضبط.
باسم: عكس الآمنين.
يوسف: أي نعم، بالضبط.
باسم: يعني السبب، جعل إمامة إبراهيم للناس كان سببها توفير الأمن في المجتمع.
يوسف: أي نعم، يؤسس لمجتمع آمن. انظر كيف، فكل من يسعى إلى تأسيس مجتمع يأمن فيه كل أطياف الناس يسير على نهج النبي إبراهيم.
باسم: يعني، الاستنتاج كالتالي: أي مستوى ما من المسؤولية في أي مجتمع يحقق الأمن للدائرة التي تحت سيطرته، فهو يعتبر إمامًا أو من ملة النبي إبراهيم.
يوسف: أي نعم، ويسير على نهج كل الأنبياء ويعيد الناس إلى حالة الأمة الواحدة ويحقق الغاية التي خُلق آدم وبنوه من أجلها.
باسم: يعني حتى الدول التي توفر الأمن لكل القاطنين بها بغض النظر عن انتماءاتهم، سواء سياسية أو فكرية أو عقدية أو إلى آخره، أو حتى ألوانهم وأعراقهم، من يوفر الأمن لهذه المجموعة من البشرية هو يسير على نهج النبي إبراهيم في توفير الأمن للناس.
يوسف: أي نعم، كلام سليم مئة بالمئة، لا غبار عليه تمامًا.
مقام إبراهيم: هل هو مجرد حجر أم تأسيس لمنهج الأمن العالمي؟
يوسف: ولذلك لاحظ الآن إبراهيم سيبدأ في التأسيس لأن القوم لم يستجيبوا له، صح؟ لاحظ ماذا فعل: “وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى” (البقرة: 125). وفهمنا الآن المقام والمصلى فكرة جوهرية عظيمة جدًا.
باسم: وليست مجموعة أمتار محددة.
يوسف: أي نعم، كيف تتذكرون المشهد الذي قام به إبراهيم ليؤسس مجتمعًا يأمن فيه جميع الناس؟
باسم: إذن: “وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى” (البقرة: 125)، مما قام إبراهيم به من إقامة قواعد البيت وتأسيس مجتمع آمن ووضع أسس للأمن في المجتمع، هذا هو المقام المصلى.
يوسف: المصلى الذي هو معيار نراجع أفعالنا بناء عليه، معيار محاسبة يعني، كما قلنا الصلاة أن تضع نفسك في حرارة المحاسبة، فكيف تعاير أفعالك على ما قام به إبراهيم، تمام.
الآن ثم قال: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ” (البقرة: 126)، لاحظ الحس: “رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا” (البقرة: 126). وكما قلنا في حلقات لم يكن بلدًا، لأنه يريد تأسيسه، لأنه من الصفر، انتهى البشر وسيبدأ ظهورهم من جديد من نسله. قال: “رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا”. أول وصف طلب من الله أن يجعله في البلد.
باسم: آمن.
يوسف: لكنه ليس طلبًا مجردًا يا دكتور، هنا يبدأ السادة المشاهدون يفهمون الدعاء، هو يسير في الأسباب الحقيقية لتحقيق الفعل.
باسم: هو وضعها، هو وضع البيت، وضع أسس البيت.
يوسف: هذا الدعاء، انظر كيف دعاء إبراهيم كان ليتعلم منه الناس حقيقة الدعاء: “وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ…” (البقرة: 126). يعني، الرزق، الرزق الرباني سيشمل الذي آمن والذي كفر.
باسم: والذي كفر صحيح.
يوسف: إبراهيم لَمّا قال “مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ” أراد بما أنهم مجتمعون كلهم في هذا البلد وحققوا عقد الإيمان فهم من يرزقون، فالله قال له لا، الرزق سيكون للمؤمن وحتى…
باسم: للكافر.
يوسف: أما الكافر عقوبة سلوكه وكذا فأنتم كمجتمع مؤمن عليكم أن تنظروا أثر هذا السلوك فتضعوا له من العقوبة بما يناسبه. ونؤكد مرة أخرى الكفر ليس شيئًا واحدًا، ومن فعله كذا وكذا وكذا، حسب السلوك الذي نتج عنه مضادًا للإيمان.
طيب هذا معنى رفع البيت إذن: “وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ” (البقرة: 127). أُريد لهذا البيت أن يكون بؤرة مؤشرة كيف أن مكانًا لَمّا يوضع فيه نظام الأمان، هذا الإيمان الذي يؤمن جميع الناس، يحصل فيه فعلًا مفهوم الإيمان الحقيقي وتوحيد الناس. ومنه جاءت كلمة بعد ذلك، ظهرت كلمة الإسلام في هذا السياق الطويل، وبه جاءت الوصية التي: “أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي” (البقرة: 133). ” وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ…” (البقرة: 132) ماذا؟ “الدِّينَ” (البقرة: 132).
باسم: الدين.
يوسف: إذن “بنيه” هم البشر. مرة أخرى، هم من سيأتي من البشر، ليس جزءًا وجزءًا، هو أصلًا يؤسس للأمة الواحدة، كيف يفصل جزءًا ويترك باقي أجزاء البشر؟
باسم: تلاحظ كيف أنا لفت انتباهي: “رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ” (البقرة: 128).
يوسف: نشأة الأمة، لذلك ستبدأ نشأة الأمة الآمنة، هذا هو حزب الله.
باسم: لا يمكن تسمية أمة إلا إذا أصبحت مسلمة.
يوسف: لا، هذا وصف للأمة.
باسم: وصف للأمة.
يوسف: أي نعم، لكن كلمة أمة بإطلاق الأصل أن تكون ماذا؟ أمة، لأن الله قال: “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً” (النحل: 120)، إلا إذا جاء معها ما يدل على غير هذا، لكن كلمة أمة بإطلاق هي كلمة في الأصل، يجب أن تدل على توحد الناس.
هل الأديان “مللٌ عرقية” أم انحرافات سلوكية عن ملة إبراهيم؟
يوسف: طيب، الآن دكتور بعد هذا نجد في السياق القرآني شيئًا عجيبًا جدًا، رجع فقال لك: “وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ…” (البقرة: 135).
باسم: “تَهْتَدُوا” (البقرة: 135).
يوسف: لذلك قلنا إن اليهودية والنصرانية ليست هي… لأن دين موسى عليه السلام ودين عيسى الحقيقة هو نفسه، هو دين الإسلام، هو دين إبراهيم. هذه ملل انحرفت عن الأصل. تمام؟ وليست مجموعة عرقية.
باسم: انحرفت عن فهم الدين أو عن فهم الإسلام.
يوسف: وشكلت طبقية عنصرية، أن “نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ” (المائدة: 18). صح؟
باسم: صحيح.
يوسف: إذن هكذا تفهم ما معنى اليهود والنصارى، ليس أعراقًا ولا جغرافيات…
باسم: سلوكيات.
يوسف: سلوكيات انحرفت عن سلوك الأمة الواحدة.
باسم: هي ملل سلوكية وليست مللًا جينية ولا عرقية.
يوسف: مئة بالمئة، تمامًا. طيب لَمّا رد عليهم ماذا قال؟ “بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ” (البقرة: 135). وشرح، ماذا شرح؟ “قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ…”
باسم: “بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ” (البقرة: 136).
يوسف: رأيت الإعادة إلى توحيد البشرية تحت هذا الإطار الذي يخلق مجتمعًا آمنًا؟
ما هو “الشقاق” الذي يهدد وحدة المجتمع البشري بالانهيار؟
يوسف: طيب الآن: “فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ” (البقرة: 137)، الذي لاحظ هذا العموم ليس التفريع، يعني، ما الذي آمن به؟ يقول لك والله أنا مسلم وهذا يهودي، هو الفكرة أنه إذا الكل وافق على موضوع الإيمان بكل الأنبياء وكل الرسل وتحقيق الأمن لكل البشر فقد اهتدوا. طيب “وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي…” (البقرة: 137) ماذا؟ الآية قالت في “شِقَاقٍ” (البقرة: 137). يعني، في شقّ للمجتمع البشري. إذن المقصود هنا ليس…
باسم: يعني يخرجون عن المجتمع.
يوسف: بالضبط، يخرجون عن الوحدة البشرية. يعني، الآن وضوح الوحدة البشرية التي أرادها الله من أول ما خلق آدم وصولًا إلى إبراهيم الذي حصل الانفجار -إن صح التعبير- انفجار الفكرة في زمنه وبدأ انتشارها حقًا، لذلك سُمي أمة، واضح تمامًا الوضوح هنا. ومخالفتها هي ما يدخل الناس في الشقاق، يشق الناس بناء على عرق أو طائفة أو عنصرية.
ثم قال: “صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً” (البقرة: 138). أن هذه فطرة صبغ عليها الناس.
باسم: الإنسان.
يوسف: والآن حتى في علم الأحياء يسمون الجينات الصبغيات، تمام؟ إذن هي فطرة مفطور عليها الناس.
لماذا قدّم إبراهيم طلب “الأمن” على طلب “الرزق” لبلده؟
يوسف: طيب الآن مرة أخرى في سورة إبراهيم، النبي إبراهيم يقول: “رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا” (إبراهيم: 35). هذه لفتة مهمة أنه قبل ما يحصل بلد دعا أن يكون بلدًا ويكون آمنًا، طيب بعد ما حصل البلد؟ ركز مرة أخرى أن يكون آمنًا، لأن جوهر الفكرة التي كان يبحث عنها إبراهيم إلغاء الخوف الذي أُحدث باسم الشرك الزائف وإعادة الناس إلى حالة الأمن. فركز، لاحظ تركيزه على كلمات الأمن ومشتقاتها.
باسم: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ” (إبراهيم: 35)، على اعتبار أن عبادة الأصنام هي خروج…
يوسف: عن مفهوم الأمن.
باسم: عن مفهوم الأمن.
يوسف: هكذا سنفهم ما معنى عبادة الأصنام. لَمّا أنا أضع لي أي شيء أقدسه فيشق الأمة البشرية الواحدة فيخلق نظامًا طبقيًا أو عنصريًا، وبالتالي يصبح الأمن لمجموعة دون مجموعة والتمييز بين البشر، هذه عبادة الأصنام.
باسم: ويكون ممهدًا للاقتتال الداخلي، للفساد.
يوسف: هذه عبادة الأصنام. لأنه رب العالمين… لماذا يغضب الله أنه لو عبدت غيره؟ هو ليس ناقصًا، يعني، ما السر؟ أنا منذ طفولتي أتساءل ما السر الذي يشير إلى وجود معاني غضب عندما يعبد الناس غير الله، فلم أجد هذا ولم أفهمه إلا بعد تتبع السياقات، أنه السر أنه الثمرة، الأثر…
باسم: الضرر الذي سينتج على المجتمع الذي يعبد الأصنام.
يوسف: يعود على الناس، يفسد، يشق المجتمع البشري.
باسم: وهذه مدعاة، يبدو لي، لكل المجتمعات أو لكل المجتمع بغض النظر عن انتماءاته أو عن أعراقه أن يضرب على يد كل شخص يحاول الخروج عن نمطية المجتمع الآمن.
يوسف: أي نعم، ويجرم كل من يدعو إلى طبقية أو عنصرية أو طائفية أو تمييز بين الناس بناء على أي معيار باستثناء أنه استجبت للقانون…
باسم: الدين السليم.
يوسف: حققت الإصلاح أو ذهبت إلى طريق الإفساد. إذن هذا الذي جعل الآية الكريمة تقول: “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً” (النحل: 120)، لأنه أسس للأمة البشرية التي فُقدت لَمّا كانوا أمة واحدة فاختلفوا، فبُعث نوح ثم هود ثم صالح، ثم جاء إبراهيم فناقش قومه فلم يستجيبوا، فبناها من جديد، وأسس البيت ورفع منه القواعد لأجل هذا، وأصبح البيت بيتًا محرمًا، يعني، بيتًا آمنًا. ولذلك تجد: “وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ” (التين: 1-3). لاحظ وُصف بكلمة الأمين، وبه تولد مفهوم الإيمان.
يعني، ما بعد ذلك دكتور لأنه نحن قلنا كثيرًا يا جماعة الإيمان جذره أمن، قال لك الجذر لا، والمعنى الاصطلاحي، هذا المعنى الاصطلاحي هم أتوا به طبعًا. فهذا التسلسل التاريخي كيف ظهر مفهوم الإيمان على عهد الأنبياء، خلاص، يقطع كل حجة.
هل يمكن بناء حضارة وإعمار دون تحقيق شرط “الأمن الشامل”؟
باسم: ظهور مفهوم الإيمان أصبح ضرورة مجتمعية لكي يصلح عيش المجتمع في ظل الأمن وعدم الفساد وعدم الاقتتال وعدم سفك الدماء.
يوسف: أي نعم، ومضادات هذا المفهوم يا دكتور في التتبع ماذا كانت؟ الخوف، الظلم، الإفساد، سفك الدماء.
باسم: صحيح.
يوسف: هذا هو. إذن هذا هو الإيمان.
باسم: وكأن النبي إبراهيم كان يعرف ما وقع للأمم التي سبقت، حتى نوح، أن نتيجة عدم وجود الأمن في تلك المجتمعات أدى إلى هلاكها…
يوسف: مئة بالمئة.
باسم: فأصبح توفير الأمن لهذه المجتمعات ضرورة أساسية لكي لا يتم إبادتها أو لا يتم هلاكها.
يوسف: نعم، وبالتالي يقومون بالإصلاح وإعمار الأرض.
باسم: بالضبط.
يوسف: صح؟ لأن هكيف ستصلح وتعمل الأرض في بيئة غير آمنة أو بيئة ظالمة أو بيئة فيها إجرام أو سفك دماء؟ لن تستطيع، والإنسان لماذا خُلق أصلًا؟ ليصلح في الأرض.
باسم: وما زلنا لحد الآن أي مجتمع لا تتوفر فيه شروط الأمن لا يمكن له أن يستقر أو ينتج أو حتى…
يوسف: كلام صحيح مئة بالمئة. لذلك الحضارة والتطور والإعمار والصناعات التي سهلت حياة البشر كلها حصلت في المجتمعات التي حققت مفهوم الأمة الواحدة. صحيح؟
قوم لوط: هل هلاكهم عقابٌ أخلاقي أم لتهديدهم بقاء النسل؟
يوسف: في آخر عهد إبراهيم كان قوم لوط، هل قرن الموضوع، ذكر موضوع الإيمان أيضًا؟ قال لك: “فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ”، هذا عن قوم لوط، “فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ” (الذاريات: 35-36). إذن ربط نجاتهم بالإيمان.
طيب سيقول لي قائل: أين الإيمان فيما يتعلق بقوم لوط؟ هو أنت لَمّا تجعل العلاقة ذكورًا مع ذكور فقط وإناثًا مع إناث فقط، أين… ستقطع النسل؟ ليس فقط ستسفك الدماء، أنت ستقطع النسل البشري.
باسم: هدد وجود المجتمع ذاته.
يوسف: هذا مضاد لمفهوم الإيمان. طبعًا لا نتكلم نحن عن الحالات العرضية أو المرضية التي يمكن أن يُبحث عن سببها أو علاجها وكذا، نتحدث أن يصبح الأمر ظاهرة فيكتفي الذكور بالذكور.
كيف ربط شعيب بين “الغش الاقتصادي” والإفساد في الأرض؟
يوسف: طيب الآن في قوم مدين، قوم مدين جاؤوا بعد إبراهيم، حتى نكمل التسلسل إلى النبي الخاتم ونرى كيف استكمل بناء مفهوم الإيمان. حقيقة قصة شعيب من أعجب ما يكون في بيان مفهوم الإيمان بعد إبراهيم، لأن شعيبًا ماذا قال لقومه؟ “اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ”، “أَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا” (الأعراف: 85). بعد إصلاحها الذي بناه وأسسه من؟
باسم: النبي إبراهيم.
يوسف: النبي إبراهيم، صحيح؟ وعاد فربطك بالآية الأولى التي خُلق فيها آدم الذي هو: “أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا” (البقرة: 30). “ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” (الأعراف: 85). انظر الإيمان إذن: الوفاء بالكيل والميزان، عدم بخس الناس أشياءهم، عدم الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، هذا هو الإيمان. ليس أنا الذي عرفته، يوسف أبو عواد عرف الإيمان، الآية الكريمة هكذا عرفت الإيمان. ثم أكمل: “وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ” (الأعراف: 86). توعدون، يعني، تتوعد، معناها تهدد الناس، تجلس تقطع عليهم الطرق، ليس فقط الطرق المادية قطاع الطرق، أي طريق.
باسم: أي طريق للهداية للأمن حتى.
يوسف: بالضبط. تخل بالأمن في الوظائف، في العمل، في غير ذلك، هذا مما يضاد الأمن: “وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا” (الأعراف: 86). يعني، تريد نظام الحياة أعوج يحقق لك ما تريد…
باسم: واسطات وفساد.
يوسف: نعم. وهذه العنصرية والطائفية مرة أخرى التي تحابي. هذه مضادات الإيمان على لسان النبي شعيب.
طيب “وَانظُرُوا…”، آخر الشيء، “كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ…” ماذا؟
باسم: “… الْمُفْسِدِينَ” (الأعراف: 86).
يوسف: ما تريدون، هناك مفسدون قبلكم كان لهم عاقبة، المفاهيم واضحة جدًا جدًا.
“وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا” (الأعراف: 87)، كما قلنا لماذا لم يؤمنوا؟ لأنه سيناقض مصالحهم، أصحاب الغش أصحاب الواسطات وقطع الطرق، وإلا هو يدعو إلى الإيمان الكلي أن يعودوا كلهم مجتمعًا واحدًا. فلما جاءت النتيجة: “قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا” (الأعراف: 88).
إذن هناك ملأ استكبروا على قوم رأوهم هم أقل منهم، فحصل الاحتقار والطائفية والعنصرية، وهكذا حصلت المضادة لمفهوم الأمن والأمة الواحدة.
باسم: يعني، صار عندهم حرب أهلية،
يوسف: طبعًا سيتصير الحرب، وبعد، المستكبرون لَمّا يتمكنوا من السيطرة على المستضعفين يتقاتلون بينهم، يعني، المستكبرون ليس أنه سيؤمنون بعضهم؟ سيؤمنون بعضهم حتى يحققوا غايتهم، وبعد؟ تجد أنهم يضرب بعضهم بعضًا بعد ذلك.
“قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا” (الأعراف: 89). هذه هي الملة المنحرفة إذن التي ابتعد عنها النبي شعيب. هم كان ردهم: “يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ” (هود: 91). لاحظ: “وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ” (هود: 91).
باسم: أي في مجموعتك.
يوسف: نعم. والطبقية والقبلية والعشائرية التي كانت في القوم فأخلت…
باسم: لأنه كان قويًا فخافوا منه.
يوسف: بالضبط، خافوا منه ولكن لم يعيدوا المفهوم، أنه لازم نكون أمة واحدة يشملها نظام الإيمان الذي يحقق الأمن للجميع.
إذن مظاهر الفساد في عهد النبي شعيب التي قال لهم لو كنتم مؤمنين لم تفعلوها هي مضادات الإيمان، هذا هو عكس الإيمان لمن كان يبحث عن الحق.
كيف كان الإسراء هو مشروع نشر فكرة إبراهيم للأمن العالمي؟
ولذلك لَمّا نأتي إلى عهد موسى والانفجار البشري، والآن نحن في مرحلة بني إسرائيل، هذه الحقبة البشرية التي أصبحت كما قلنا، فكرة إبراهيم الذي أسس البيت حملها إسرائيل، فصار يسري، معناها ينقل من البيت الأول، يريد أن ينشر الفكرة لتصل إلى أقصى الأرض من المسجد الحرام…
باسم: يعني، بداية انتشار البشرية بشكل أوسع مما كان.
يوسف: بالضبط، هذا معنى إسرائيل وهذا معنى الإسراء، وقال لك: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ…”
باسم: “… إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى” (الإسراء: 1).
يوسف: إبراهيم أسس البيت الذي سُمي المسجد الحرام، الآن هل الفكرة ستبقى في بقع صغيرة أم تنشر لتصل إلى كل الأرض ليتحقق الأمن لكل سكان الأرض؟ إذن هذه هي فكرة الإسراء وفكرة إسرائيل.
فلما جاء موسى وجد أن فرعون يحارب من يحمل هذه الفكرة ويقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، فهو دعا فرعون أول شيء: “اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ” (النازعات: 17-18). صح؟ “فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا” (طه: 44). ثم لَمّا يئس منه قال له: “أَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ” (الأعراف: 105). يعني، على الأقل أنت لا تريد أن تدخل في هذا العقد ولا تريد، اتركني أنا مع بني إسرائيل لنستمر في نشر الفكرة التي أسسها إبراهيم وتحقيق الأمن، وأنت سيأتيك ما يعاقبك. وفعلًا أتاه عقابه، لكن طبعًا فرعون رفض.
الآن الشواهد، لاحظ دكتور استخدام الأفعال، قال فرعون: “آمَنتُمْ لَهُ” (الأعراف: 123). انظر اللام، حرف الجر…
باسم: “قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ” (الأعراف: 123).
يوسف: كيف يعني “آمَنتُمْ لَهُ”؟ يعني دخلتم معه فيما يريده من إنشاء عقد إيمان يشمل الجميع، وأنا ما سمحت لكم. هو يريد بقاء نظام أمن يخصه هو ويستضعف الناس ويقتلهم ويستحيي نساءهم. رأيت مفهوم الإيمان “آمَنتُمْ لَهُ” كيف؟ يعني، أين العقيدة في الموضوع “آمَنتُمْ لَهُ”؟
باسم: صح في الآيتين، في الآية الأولى “قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ” (الأعراف: 123). وفي الثانية قال: “آمَنتُمْ لَهُ…”.
يوسف: ممتاز.
باسم: ” قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ” (طه: 71).
يوسف: هذا هو المهم دكتور، أن هذا عقد الإيمان له أساس. هذا الأساس يربطه القرآن دائمًا بحرف الجر الباء، يعني، الإيمان أساسه ماذا؟ الله. الله بمعنى كل ما خلق ومن خلق، ليس طائفة ولا عرق. طيب وأحيانًا يقول لك الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، المضمون واحد، هي الكتب دعت إلى نفس الفكرة، والرسل؟
باسم: دعوا إلى نفس الفكرة.
يوسف: والملائكة التي تمثل قوانين كل ما في الكون، تشير…
باسم: في الآية الأولى “قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ”، يقصد به الإيمان بالله مثلًا؟
يوسف: يقصد به الأساس الذي سيقوم عليه عقد الإيمان فيؤدي إلى الأمة الواحدة. ما هو الأساس؟ عرق، طائفة، غنى، قوة، أم الله؟
باسم: الله، أمة واحدة.
يوسف: طيب هنا قال آمنتم بموسى، صحيح. هو موسى دعا إلى ماذا؟ إلى أن يكون الإيمان شاملًا بكل من خلق الله.
باسم: صحيح.
يوسف: فبالتالي ما دعا له موسى هو إيمان بموسى وهو إيمان بالله. طيب لماذا قال “آمَنتُمْ لَهُ”؟ لأن هذا الإيمان بالله سيؤدي إلى الالتمام، حرف اللام يشير إلى اللمّ والجمع، وتشكيل مجتمع مؤمن حول موسى. طيب هو موسى استثنى فرعون من المجتمع أم دعاه كما دعا غيره؟
باسم: دعاه.
يوسف: دعاه موسى، لم يأتِ ليعيد عرقية أخرى أو عنصرية أو…
باسم: الدعوة للجميع كانت.
يوسف: بالضبط، لكن فرعون قال له لماذا دخلتم معه في عقد الإيمان؟ هذا معنى “آمَنتُمْ لَهُ”. أليس في سورة يوسف “قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ” (يوسف: 11)؟ “مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا. يعني، أبوهم كان لا يأمنهم على الشيء. ولذلك قالوا له: “وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا” (يوسف: 17). يعني، لن تدخل معنا في عقد بحيث تشعر بالأمن تجاهنا حتى لو كنا صادقين.
فمعنى الإيمان لموسى الدخول معه في هذا المجتمع المؤمن، ومعنى الإيمان به أي أن أساس دعوة موسى هو عقد الإيمان هذا، وهو أساس يعم جميع البشر. فمهم جدًا الانتباه للأفعال لأنها تشرح بوضوح المعنى.
طيب لاحظ الآن: “وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ” (الأعراف: 134). ما قالوا بك، يعني، قالوا إذا كُشف عنا العذاب سندخل معك في عقد الإيمان هذا. هذه “لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ” أكبر دليل على أن الإيمان لا علاقة له بما قيل إنه عقائد، وهي التي تحقق فعلًا الإيمان.
وطبعًا التسلسل السابق كله واضح وضوح الشمس يا دكتور في الموضوع.
يوسف: طيب وفي عهد عيسى طبعًا: “فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ ۖ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ” (الصف: 14).
كيف أعاد النبي الخاتم تأسيس “عقد الإيمان”؟
يوسف: الآن لَمّا جاء النبي الخاتم هل استمر على نفس فكرة الإيمان أم الإيمان الذي جاءنا به محمد عليه السلام مختلف عما سبق؟ مستحيل، النبي محمد…
باسم: أكيد نفس المفهوم.
يوسف: نعم بالضبط. الآن هو جاء لكل البشر أهل الكتاب والأميين، كلهم، سواء أسرى بالفكرة أو لم يُسر بالفكرة.
الآن تلاحظ مظهر عنصرية حصل قبل مبعث النبي الخاتم: “وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا” (آل عمران: 75). إذن اختل مفهوم الأمن الذي كان أسسه النبي إبراهيم وكان يفترض أن أتباع النبي موسى، البشر في تلك المرحلة ساروا عليه، فصار بعض أهل الكتاب يرون لنفسهم عنصرية وطبقية وتميزًا على الأميين لأنه ما عندهم علم من الكتاب. إلى ماذا دفعتهم هذه العنصرية؟ يستحلوا أموالهم، يقول لك: “لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ” (آل عمران: 75). يعني، ما دام أميًّا ليس مشكلة، خذ ماله. انظر ظهور مفهوم عنصري أخل بمفهوم الأمن.
فهنا بُعث في هذا الظرف، بُعث النبي الخاتم ليعيد تحقيق مفهوم الأمة الواحدة. وفي هذا الظرف أيضًا نجد قوله تعالى: “وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ…”
باسم: “… لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ…”.
يوسف: “… وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ” (البقرة: 113). فكان المجتمع البشري عاد إلى حالة العنصرية والتفرق وكل واحد يصنع أمنًا لكن لمجموعته هو ويستحل باقي المجموعات البشرية.
فهنا يا دكتور ظهر النظام تأسيس المجتمع الذي تصفه آية، كيف أسس النبي الخاتم للمجتمع المؤمن؟ يقول لك: “وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ” (التوبة: 61). لاحظ، “يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ”، إذن نفس ما صار كل الأنبياء من قبله، أساس الإيمان هو الله، وهذا يعني أنه سيشمل كل الخلق، ويدخل في الإيمان كل من قبل به يؤمن لِ، لكل من يؤمن…
باسم: للمجموعة البشرية التي تنطوي تحته.
يوسف: أنت ستؤمنني أنا أؤمنك، بغض النظر عن أي شيء آخر. هنا جاءت الآية الكريمة… حتى يقول قال طيب ما هناك أسماء هادوا والنصارى والصابئين؟ فحسمت وانتهى الأمر، قال لهم: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا”، أي مع النبي الخاتم “وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ”. يا جماعة نحن نريد العودة إلى شيء واحد: “مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” (البقرة: 62).
إذن ما أراده النبي الخاتم كما جاء في آية سابقة: “قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ” (البقرة: 136). إعادة توحيد المجتمع البشري لتحقيق مفهوم المجتمع المؤمن…
باسم: على أسس واضحة.
يوسف: الذي أسسه إبراهيم وأسرى بفكرته إسرائيل في تلك الحقبة البشرية. وإذن غاية هذا الدين وغاية القرآن والتنزيل أن يكون مجتمع البشر اليوم في كل الكرة الأرضية…
باسم: آمنًا.
يوسف: آمنًا بكل طوائفه وكل أعراقه.
باسم: خاليًا من الفساد والإفساد.
يوسف: خاليًا من الفساد والإفساد.
باسم: يعني، هذه الآية التي هي رقم 62 من سورة البقرة، طبعًا، صح هي البقرة؟
يوسف: أي نعم سورة البقرة.
باسم: من سورة البقرة، ربما تشكل تقريبًا، أهم ركيزة لأي مجتمع متعدد مسالم ومؤامن طالما تتوفر ثلاثة شروط في هذا المجتمع رغم تشكيلته المختلفة، يعني، “مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا” (البقرة: 62).
يوسف: خلاص هو دخل في عقد الإيمان الكبير ويؤمن بالله وليس تصوره.
باسم: هل هذا الذي يمكن نسميه مثلًا العقد الاجتماعي ما بين المجتمع والدولة أو بين المجتمع نفسه؟
يوسف: أنا أسميه أعظم قانون دولي يمكن أن يكون موجودًا.
باسم: هي حقيقة قاعدة أساسية تضمن التعددية في المجتمعات، تضمن السلم في المجتمعات، تضمن الأمن في المجتمعات.
يوسف: وعدم سفك الدماء والإصلاح في الأرض، وبالتالي سيحصل الإصلاح والإعمار الذي يكفل أن يبقى البشر خلفاء في الأرض. وإلا إذا فشلوا فإن الله سيذهبهم ويأتي بماذا؟ كما رأينا في بداية الحلقة سيأتي بقوم آخرين.
والإيمان بالله مرة أخرى ليس التصورات، إنه الإيمان الشامل لكل من خلق الله وما خلق، هذا معنى أنه بالله، معنى أنه بالله أي أنه يشمل كل من خلق الله وما خلق.
باسم: لنتخيل أن كل “الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ” (البقرة: 62) هي ليست مجموعات محددة بعينها، إنما هي مجموعات وصفية لسلوكيات بشرية محددة. كل الناس الذين يتصفون بهذه السلوكيات طالما أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحًا فهم متساوون أمام القانون وعند الناس.
يوسف: وهكذا نعود إلى الأمة الواحدة. ما بعد ذلك تفضيلات شخصية لا يجوز تحويلها إلى وسيلة للإدانة ولا استحلال ولا إيذاء ولا غير ذلك.
باسم: بذلك نختتم دكتور، شكرًا لك ويعطيك الصحة يا رب، ونأمل من السادة المشاهدين والسامعين أن يتعظوا ويقرؤوا هذه الآيات مرة أخرى ليفقهوا أن أسس السلم والأمن في المجتمعات سهل توفيرها فيما لو تم…
يوسف: ويشاركوا الحلقة على أوسع الطرق، أول مرة نطلب، لأنها حلقة في غاية الأهمية يجب أن تكون عالمية حقيقة.
باسم: شكرًا لك دكتور ويعطيك الصحة يا رب. شكرًا لكم وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”، إلى اللقاء.