Skip to content Skip to footer

من نحن

تتأسس فكرة مركز “مجتمع” للدراسات الثقافية والتاريخية على مرتكزات ثلاثة، يمكن أن تمثلَ، على أكمل وجه، جوهرَ ومغزى إطلاق هذا المشروع التنويري.

الركيزة الأولى

أن المركزَ يعلنُ نفسه كمشروع مغاير، يهدف إلى إعادة بناء السرديات التاريخية السائدة، وبشكل أخصّ، وعلى وجه التحديد، إعادة بناء وتركيب الرواية التوراتية المهيمنة اليوم في المنطقة العربية والعالمية؛ ولكن بدوافع محض علمية لا صلة لها بأي مداخلات أخرى من خارج الاهتمام الدراسي. وهذا يعني بشكل صريح، أن المركز يأمل بأن يتمكنَ المفكرون والباحثون والكتاب من عرض تصورات جديدة للسرديات التوراتية، وتبيان أنماط الشذوذ والأخطاء التي ارتبطت طول عقود طويلة، بأفكار وتصورات غير متناسقة أو مُنضبطة في دراسات الكتاب المقدَّس، وهو أمرٌ كان من شأنه في كل وقتٍ سابقٍ من الأوقات، أن أسهم في زعزعة أي أساسٍ منطقي لفهم التاريخ الحقيقي.

وبطبيعة الحال، وكما بيَّنت تجارب مختلف الدارسين في هذا الحقل المعرفي؛ فإن السردية التوراتية تتطلب نقداً موضوعيًّا، يعيدُ وضعها، وتلقائيًّا داخل سياق مُختلف ومغاير لدراسات الاستشراقين اللاهوتيين. وبالفعل، فقد تمكن الاستشراقيون اللاهوتيون منذ عام 1868 مع تأسيس ثم انطلاق ما يُعرف بـ"صندوق استكشاف آثار فلسطين" في لندن، من فرض رواية قابلة بطبيعتها للنقد والسجال. هذه الرواية المُهيمنة هي موضوع دراسي نموذجي، يمكن للدارسين أن يضعوا لا أُسساً جديدة لنقدها وإعادة بناء منطوقها التاريخي وحسب؛ بل وأن يقدِّموا تصورات أخرى، مختلفةً ومُغايرة تُعيد وضعها داخل إطار تاريخي جديد. إن نقد السرديات التوراتية السائدة، سوف يكون بمثابة القفزة الكبرى نحو رواية خالية من التناقضات الشاذة وغير العقلانية في السرد.

لقد نهض جيل جديد من علماء الآثار في الغرب وفي إسرائيل، ممن يُعرفون اليوم بـ"التيار النقدي للتوراة" منذ إعلان عالم الآثار الإسرائيلي زئيف هرتزوغ، عام 1996، فشلَ أعمال التنقيب في فلسطين في العثور على أي دليل علمي عن وجود قصص التوراة في ثقافة وأرض فلسطين القديمة؛ بما يمكن اعتباره أولَ قفزة كبرى صوب الحقيقة، وهي أن فلسطين لم تكن قط ولا في أي وقت من الأوقات "أرض الميعاد" اليهودي. وفي هذا الإعلان المدوي، قال هرتزوغ ما يلي: "بعد سبعين عاماً من التنقيب في طول فلسطين وعرضها، لم نحصل على أي دليل يربط بين قصص التوراة وفلسطين". قد يكون هذا كافياً بصورة مبدئية وأولية للبرهنة على أن الرواية الاستشراقية اللاهوتية السائدة، هي "تلفيق" نموذجي معادٍ للحقيقة التاريخية.

إن نقد السردية التوراتية هو في صلب عملنا؛ من أجل تصحيح تاريخ فلسطين والشرق الأوسط. وتكمن أهمية نقد هذه السردية هنا في أنه النقد الوحيد الذي سوف يحرر الرواية التاريخية من التزييف والتلاعب، كما أنه سوف يفتح الطريقَ أمام الباحثين والمؤرخين؛ لإعادة بناء الرواية عن التاريخ القديم في الشرق الأوسط برمته بشكل موضوعي ونزيه، وخالٍ من أي أغراض غير دراسية. 

الركيزة الثانية



وفي هذا السياق من التصورات البناءة، سوف يولي المركز اهتماماً خاصاً بنقد الرواية الإسلامية الكلاسيكية والمعاصرة كذلك. إنهما معاً، تعجَّان بتناقضات غير قابلة للتسوية. بيد أن هذا النقد لن يعني بأية صورة من الصور نقداً للدين. التاريخ هو التاريخ، والدين هو الدين؛ ولذا يتوجب علينا الفصل بدقة بين هذين المجالَين. نحن هنا ننقد السردية الدينية التي استلهمها إخباريون مسلمون، ومؤرخون وقصاصون ورواة أخبار وكتَّاب تاريخ تقليدي، فجعلوا منها "مادة تاريخية" مقدسة لا يجوز المساس بها. بكلام آخر؛ فإن نقد السرديات الإسلامية الكلاسيكية أو المعاصرة ليس نقداً للدين، ولن يكون كذلك؛ بل هو نقد للتاريخ "غير الرسمي للإسلام"، كما كتبه كتَّاب ورواة لا أكثر؛ أي التاريخ الذي يدور حتى اليوم، خلافٌ واسعٌ حول كثير من وقائعه.

إنه نقد للتاريخ الديني المتلاعب به، أو الذي خضع لأهواء كتَّابه، وهذا الفصل الضروري بين حقلَي اشتغال مُتمايزَين كليًّا، يمكن أن يُسهم في تقديم رؤية خلاقة للتراث الإسلامي بوصفه تراثَ الأمَّة بكل ما يعج به من أخطاء وعثرات؛ لأنه نقد موضوعي يحرر هذا التراث من الخلط والتلاعب، ويعيد إلى الأمة فكرتها الصحيحة عن نفسها ومعتقداتها، بعيداً عن الخرافات وكل أشكال التلفيق.

إن الأمَّة التي تفشل في نقدِ سردياتها الدينية والتاريخية، سوف تجد نفسها في الدرجة الأسفل من تطور الأمم؛ لأنها لم تحرر عقلها من سطوةِ سردياتِ لا صلة لها بدين الإسلام العظيم. وهذا يتطلب بطبيعة الحال، أن يولي المركز أهمية خاصة للدراسات الألسنية الخاصة بالقرآن؛ من أجل تنظيم نقاش علمي جديد، يعيد اكتشاف عظمة وفرادة لغة القرآن. إن الاهتمام بـ"علم اللسان" كعلم مستقل، ولكنه مترابط بشكل وثيق بالدين والتاريخ، يمكن أن يضع أمام المؤرخين والباحثين، إمكانات أفضل لإعادة قراءة النص القرآني بشكل خلاق.

لقد انتشرت في العقود الأخيرة، دراسات وأبحاث ممتازة مكرّسة لدراسة لغة القرآن في ضوء الألسنية الجديدة؛ لكن هذا الجانب المُهمل، ولنقل غير المُعنى به، هو من بين أكثر المجالات الديناميكية القابلة لتطوير رؤى جديد للدين والتاريخ والمجتمع. وخليقٌ بنا أن ندرسَ على نحوٍ مُتقن وعلمي، التراثَ الفلسفيَّ الإسلاميَّ الذي تفرَّد -بخلاف الفلسفة اليونانية- بتقديم مقولات جارحة وصادمة، تجاوزت ما أنجزه اليونانيون في علم الفلك بشكل خاص، وهذا أحد مفاتيح إعادة قراءة التراث الفلسفي الإسلامي من منظور جديد. إن نقد السرديات الإسلامية المعاصرة، يعني تطهير العقيدة الدينة من التلفيقات التي ألصقها بها كتَّاب متعصبون، أو شيوخ دين أو أساتذة جامعات من التيار التقليدي في الدراسات الإسلامية.



الركيزة الثالثة

وفي هذا الإطار، سوف تحظى دراسة مشكلات الدولة الوطنية، وتقديم رؤى خلاقة لفهم طبيعة التوتر بين الهوية والمواطنة في الدولة العربية الحديثة، باهتمامٍ خاص يتخطى حدودَ كتابة تصورات عمومية أو ذات طبيعة مدرسية، ليصل إلى محاولة إنجاز رؤية وطنية متكاملة، تلاحظ أن التوتر بين الهوية (الفرعية، الطائفية، القبلية، الإثنية.. إلخ) ومفهوم الوطنية، هو توتر قد يؤدي إلى تفاقم مشكلات الدولة الوطنية وفشلها في إدارة حقل التناقضات داخل المجتمع.

لقد تفجَّرت مشكلات الهوية في مجتمعاتنا نتيجة لعمل مُمنهج قام به المستعمرون طوال عقود، وسعوا من خلاله إلى تشجيع الأقليات والأعراق والطوائف في المجتمعات المستعمرة للنضال من أجل "حقوق كاذبة"، كان من شأنها أن تحطمَ في النهاية كلَّ أساس مُحتملٍ لحقوقهم الطبيعية والقانونية في الحصول على "مواطنة متساوية"ـ

وفي نهاية المطاف، وبفضل هذا العمل المُمنهج، باتت مجتمعاتنا العربية المعاصرة مُهددةً اليوم فعلياً بكل أشكال التنازع والانقسام؛ فقد تلاشت في بعض البلدان أو كادت، حماسة المواطنين في ميدان "حق المواطنة"؛ بينما راحت تنزلق في وعيها الجمعي أكثر فأكثر، نحو مطالب تخصّ "الهوية الفرعية"؛ أي هويتها كجزء من طائفة أو قبيلة أو عرق مُختلفٍ مزعوم.

وهكذا، نشأت في قلب مجتمعاتنا أزمة حقيقية لا يتعيَّن إنكارها أو التغاضي عن خطرها، هي مشكلة مضاهاة الهوية الفرعية بهوية المواطنة، وبكلامٍ موازٍ، نشأت أزمة هوية عاصفة لا سبيل إلى التغاضي عنها أو إنكارها؛ فهناك مَن يتساءل: هل أنا أنتسب إلى عرق آخر، طائفة أخرى، قبلية أخرى، أم أنا مواطنٌ أعيشُ مع مواطنين آخرين؟ وأننا جميعاً يمكن أن نحتفظَ بهوياتنا الفرعية، وفي الآن ذاته تجمعنا هوية واحدة؛ منطوقها البسيط هو أننا جميعاً مواطنون في بلد واحد، وأن قواعد السلوك العام في المجال الاجتماعي الحيوي والتي تفرضها الدولة، أية دولة، تفرض علينا أن نعيش فيه دون توترات، يمكن أن تتسبب بها المجاهرة بهوياتنا الفرعية؟

هذا أمر مفهوم؛ لأن أية مجاهرة علنية بهذه الهويات، قد تؤدي إلى صدام مع هويات أخرى. إن معالجة مشكلات الهوية والمواطنة، سوف تكون في صلب اهتمام مركز "مجتمع"؛ بما يؤكد أننا سنعيد النظرَ جذريًّا بفكرة وجود "هويات" أخرى مناوئة للهوية الجامعة: المواطنة، وأننا نطمح إلى بناء تصور دقيق عن مفهوم المواطنة في مجتمعاتنا. ومن المؤكد أن مجتمعاتنا العربية اليوم، وهي تعيش في قلب مشكلة "المواطنة "، تدرك أن فكرتها عن هذه "المواطنة" في الدساتير، تبدو مبتورة أو مهشمة داخل الواقع اليومي.

لكل ذلك سوف نعمل في مركزنا على الربط باستمرار بين مسألة الحفاظ على الهوية الوطنية لكل فرد؛ بما هي هوية جامعة، وبين الحق في احتفاظ الفرد بمعتقده المذهبي، أو معتقده الديني، أو شعوره بالانتماء إلى إثنية بعينها، بوصفه حقاً قانونياً وأخلاقيًّا، شرط أن لا يصبح موضوعاً للتعارض أو التناقض مع مواطن آخر، يفخر بهوية فرعية أخرى. بهذا المعنى فقط، سوف يكون بوسع مركزنا أن يخوضَ معركة التنوير الحقيقية بعقلانية، استناداً إلى دراسات علمية ونقاشات فكرية عميقة.


إن الفكرة المذهلة التي عبر عنها هيغل ذات يوم، والقائلة إن المجتمع وفي سبيل أن يحقق تقدمه، يتعيَّن عليه أن يحثَّ السير صوب "دولة الحق والقانون"، لا توال فكرة مركزية من بين جملة أفكار عن معنى الدولة الوطنية.

في دولة الحق والقانون هذه، سوف تغدو حرية الأفراد مُصانةً ديمقراطيًّا، وبالتوافق الاجتماعي التَّام، طالما تصرفوا على أساس أنهم "مواطنون" في بلد واحد، يحق فيه لكل فرد أن يفخرَ بهويته الفرعية كمواطن، ولكن لا يحق له أن يتخلى عن كونه مواطناً لصالح هويته الفرعية.  

هذه المرتكزات الثلاثة هي الأساس الذي يستند إليه مركزنا؛ وهي ما سوف يشكِّل، بالنسبة إلينا، إطاراً لرؤية مشتركة للتاريخ والمجتمع والدولة.