Skip to content Skip to footer

التنوير.. تهمة أم ضرورة لإنقاذ الأمة؟ مع جمال الشايع

تهمة التنوير.. لماذا أصبح النور جريمة؟

باسم: أهلاً بكم، أنا معكم باسم الجمال في حلقةٍ جديدةٍ من برنامج مجتمع. في حلقة اليوم نلتقي الأستاذ جمال الشايع الكاتب والمفكر السعودي. أستاذ جمال، أهلاً وسهلاً بك. من زمانٍ نفتش عليك يا رجل.

جمال: شكراً على الاستضافة.

باسم: الله يبارك بك، أهلاً وسهلاً بك. أنت متهم أنك تنويري.

جمال: تهمة التنوير صارت.

باسم: يعني للأسف أنه صارت التهمة، لما يُتهم شخص أو يُوصف شخص بأنه تنويري، ما المقصود بذلك؟ أي ماذا يفهم السامع أو المشاهد أن فلانًا تنويري؟ هل يعني أن الآخر غير تنويري مثلًا؟

جمال: تم إساءة معنى الكلمة. الكلمة لها معنى عظيم وجميل جداً. الله نور السماوات والأرض أساساً. لكن في مجتمعاتنا، الخروج عن الفكر العام أو العقل الجمعي يعتبر جريمة. اعتدنا على هذا المفهوم وتم ترسيخ ذلك، وهو فكرة القطيع للأسف. ونحن الآن بسبب وجود وسائل التواصل وقيادات عربية عظيمة في بعض الدول، ولله الحمد، وجدنا مساحة للانفتاح على بعضنا والانفتاح الفكري. وهذا فاجأ الجيل السابق، حتى جيلنا، يعني جيلي أنا أيضاً، مبرمج على هذه الثقافة القديمة التي تجرم الخروج عن العقل الجمعي. وهو الذي في القرآن يُحذر منه، الذي يسميه الطاغوت، “فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ”. هذا الكفر المقدس الذي يتم تقديمه على الإيمان بالله. فالأنبياء يعلمون الناس أولاً الكُفر، ثم يعلمونهم الإيمان بالله، يعلمونهم كيف يكفرون بهذا الطاغوت. هذه الثقافة الطاغية على وعي الإنسان التي ترسخ وتثبت في عقل المجتمع وتصبح هي الشريعة، هي الدين، تمثل للإله، بينما هي في الحقيقة ما لها علاقة بالإله. أي مثلاً، أي إنسان عنده رؤية تختلف عن فهم الجن أو الإنس أو إبليس أو الشيطان أو الملائكة أو الروح أو الحساب والبعث، عنده اختلاف مع الآخرين بفهم الطريقة والآلية، ويضع فكرة مفاهيم عقلانية تتطابق مع الواقع. المجتمع يرى أنه يخرج عن الفكر العام، علماً أن هذه الأشياء ليست أركان الدين. يعني أركان الدين معروفة..

باسم: أركان الدين معروفة أصلًا..

جمال: نعم، فالاختلاف على فهم الملائكة أو فهم السماء والأرض أو ماهية الله أو الوجود، لكن كلنا متفقون على وجوده، كلنا متفقون على البعث والحساب، على الصلاة والصوم والحج والزكاة، القواعد الرئيسية. فللأسف أنه أي إنسان يأتي بفكرة جديدة تختلف عن المعتاد، عن الفكرة الثقافية الطاغية على الوعي الذي غلف القلوب وأصبح أقفالاً على القلوب لا تقبل أي اختلاف عنها حتى في الجزئيات والتفاصيل. هذا الطاغوت هو الذي يحذرنا منه الله، أنه يكون فيه ثقافة طاغية. الأنبياء هم من مارسوا التجديد والتغيير الفكري.

 

كيف حذر القرآن من خطر اتباع الأولين؟

باسم: الأنبياء هم أوائل الناس المتنورين. لو لم يكن الأنبياء متنورين..

جمال: نعم، هم أصل التنوير في الإنسانية.

باسم: لمّا استطاعوا أن يقودوا أمماً أو التغيير في الأمم. لكن الغريب جداً أنه هناك إصرار، دعنا نتخصص، في إصرار في المجتمعات العربية على الإيمان بما يمكن أن نطلق عليه الطاغوت أو دين الآباء أو سلطة الموروث، وكأن الكون لا يتبدل ولا يتغير، وكأن ثقافة الناس لا تتبدل ولا تتغير، وكأن المستويات المعرفية تبقى كما هي قبل ألف عام. هل معقول أن الناس ما زالت تقتنع؟

جمال: طبيعة اتباع الإنسان للآباء والأولين، من تقديسه لسلفه، فيمارس سلوك عبادتهم دون أن يشعر. لذلك الله حذر من الآباء والأولين، وفضحهم في القرآن، ولعن اتباعهم، أي في عدة آيات: “وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ”. كلمة الأولين واتباع الآباء، وطريقة آبائكم المثلى، والآيات بالعشرات التي تحذر من هذا الخطر، أنه هو سبب ضلال الأمم والإنسانية هو اتباع الطرق القديمة.

 

البحث عن الله.. سؤال يتكرر منذ بدء الخليقة حتى اليوم

جمال: الله يريد لكل جيل أن يجدد في أساليب الحياة، يجدد في الأفكار، يوسع وعيه بدءاً من العلوم كالطب والهندسة والزراعة والتجارة والسياسة والصحة إلى مفاهيم العقيدة، إلى مفهوم وسعة علمه بالله، لابد أن تزداد، لا تتوقف، تتحجر. لذلك هو يقول سبحانه: “فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ”، أي وجود الله ووحده في الوجود، هذا علم يتعلمه الإنسان ويجب أن يتسع فيه في كل جيل، أن يتسع وعيه بماهية الله، كنه الله، وجود الله، اتصال الله معه، ماذا يريد منه الله، كيف يصل إلى الله، ما معنى الله. هذا من أعمق الأسئلة، هي ليست في عصرنا فقط، في كل جيل وفي كل زمان ومكان..

باسم: هو سؤال مطروح على ذهن كل إنسان.

جمال: نعم، يتم بعث هذا التساؤل في كل جيل، في كل أمة، عن ماهية الله، الموت، البعث، الحساب، هذه القضايا الرئيسية.

نحن فقط لأن وسائل التواصل أثرت بشكل قوي، فنشعر أنه شيء فريد أو حدث عندنا بشكل مفاجئ. لا، هو في الحقيقة ثقافة إنسانية هذه، وما نزل القرآن إلا ليضع أجوبة لها. كلها لها أجوبة. أين الله؟ من هو الله؟ كيف يتكلم؟ ما نهاية الكون؟ ما بدايته؟ ما هذه النفس؟ ما رسالتي؟ ما قيمتي؟ ما دوري في الوجود؟ ماذا بعد النهاية؟ هل يوجد موت وحياة بعد الموت والحياة القادمة؟ طبعاً هذا كله مفصل في القرآن، ولكن للأسف ثقافتنا القديمة لم تخرج ولا خمسة بالمئة مما في القرآن. وجزء كبير مما أخرجته قدمته بشكل ناقص أو مقلوب.

 

من يربح من عبادة الماضي؟

باسم: ما الذي يدفع المجتمعات العربية أن تظل متمسكة بالثقافة، دعنا نسميها بالتراث القديم بشحمه ولحمه؟

جمال: لأنها الآن أصبح لها رؤوس يمثلونها، لا يقبلون إسقاط هذا الفكر، لأنه تسقط قيمتهم الاجتماعية، تسقط لهم مصادر دخل، مصادر وصول القرار في المجتمع والسيطرة على ثرواته، توجيه الأفراد، أدلجتهم بأفكار معينة. حتى لما تسقط عبادة الأولين واتباع كتب التراث، تسقط مجاميع عندنا، مجاميع كبيرة وضخمة، وفيه دول تتبناها، وفيها أرصدة وميزانيات لها، وناس يدعمونها، وشرائح اجتماعية، والمجتمعات شرائح كبيرة تنتمي لها، فلذلك صعب جداً أن تسقط.

انظر في الغرب مثلاً إذا أخذنا تجارب الأمم الأخرى، نرى كيف سقطت هذه المجاميع ورؤوسها. الكنائس مثلاً تؤجر، تباع لا أحد يأتيها، رجل الدين لم يعد له قيمة، القيمة للقانون، للدولة. في السابق كان أي تنظيم بشري يحتاج إلى قوتين: القوة السياسية والاقتصادية التي تحكم بالعقل والمنطق والحقوق، وقوة دينية روحية التي تربط بين المجتمع وبين القوة العظمى؛ الإله.

القرآن وكل الكتب السماوية تنزل لتهدم هذا الجانب وتضع فقط جانب القانون، لأنه هو ممثل الله. نحن علاقتنا بالإله كلها عن طريق القوانين، قوانين الإله.

باسم: ليس عن طريق وسطاء.

جمال: ما فيه وسطاء. أنت إذا التزمت بقوانين الله في الكيمياء والفيزياء والصحة والسياسة والتجارة والتعليم والهندسة والطيران والسير والمرور وغير ذلك، يرضى عنك الله فتكون سعيداً. وإذا خالفت قوانين الفيزياء، إذا ترمي نفسك في النار أو تشرب سماً، يغضب عليك الله فيهلكك. لعصيانك لقانونه. إذا لم تنظم قوانين السير أو الطيران تحدث كوارث تهلك الناس. قوانين الهندسة، تبني عمائر على نظم غير هندسية، يغضب عليك الله وتنهار هذه المباني على رؤوس الناس.

فنحن علاقتنا مع هذا الخالق عن طريق القوانين. لذلك الدين ليس علماً. القرآن لم يقل أبداً.. كلمة “علم” و”دين” لم تجتمع في القرآن أبداً. لا توجد آية تقول “يعلمكم الدين”، “علمهم الدين”، “علماء الدين”، “يتعلمون دينهم”، “علم الدين”. لا يوجد إلا بآية واحدة: “أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ”. وهذه الآية لا تقول إن الدين علم، لا تعتقد أنها تعرف الخالق بدينها، لكن الدين يقول هو فطرة، غريزة موجودة في كل إنسان، هو رجل دين. إذا سألت الله ما هو الدين في القرآن، يجيب: “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ”. يقول: هذا لن يتبدل. كل البشر، حتى في الأمازون، يغطي عورته، ما ينكح محارمه، ويجرم القتل، العدوان، الظلم، السرقة. فطرة، غريزة هذه، نفطر عليها من أرحام أمهاتنا، ونحن نحمل الدين بالدين..

باسم: هذه الفطرة الطبيعية الموجودة..

جمال: موجودة بجيناتنا.

 

كيف ينفي القرآن التصورات البدائية عن الخالق؟

باسم: بهذا الشكل يمكن الفهم أنك تقدم وعيًا مختلفًا لما هو، أي معرفة مختلفة لما هو الله.

جمال: ما هو الله عن جزئيات كثيرة. الكتب، السلسلة بالذات..

باسم: على عكس مما هو موجود في ثقافتنا المتوارثة. أن الله مجسد في مكان ما، ومرعب ومخيف، ونخاف منه، ويجب أن نرضيه..

جمال: في السماء.

باسم: وأنه موجود في مكان ما. يعني الفروق واضحة في كيفية..

جمال: هو نزل لينفي هذه الأفكار عن الخالق. أول قضية ناقشها النبي مع مجتمعه هي موضوع الله: من هو الله؟ وأين هو؟ وكيف يتكلم؟ هل يتصل بنا؟ وكيف ذلك؟ هل هو الوحي. فنزلت آيات تشير إلى أن الخالق هذا هو موجود. كل إنسان، تسعة وتسعون بالمئة من الحضارات ومن البشر يعترفون بوجود قوة عاقلة، كونية، حاكمة، مسيطرة على كل شيء، لكن يختلفون بماهيتها، وجودها. يعني في الجاهلية مثلاً كان هناك اعتقاد أنه في السماء. نزل القرآن لينفي ذلك، يقول: “وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ”. لا تقل الله في السماء، بل الله موجود في السماء وفي الأرض.

أو مثلاً الآية التي يقول: “يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ”.. “وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ”، أن هذا الوجود بكل ما فيه هو ذرء مذروء في الله، يعني الوجود موجود في ذات الله.

 

كيف خطفوا الإله وأبعدوه؟

جمال: وآيات مثلًا تقول: “وَاللَّهُ مَعَكُمْ”، “إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا”، “كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ”. هو بمعيتك أيها الإنسان، أقرب شيء لك، هو أقرب لك منك، متصل بك، ويوحي لك الليل والنهار، وبطرق ثلاث حددها: “وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا”، يقول بشر. لم يقل لمؤمن، أو صالح، أو نبي، أو رسول. يريدنا أن نفهم أنه يكلم كل ذا بشرة، وبثلاث طرق وليس بطريقة واحدة. فهو يكلمك الليل والنهار، لكن نحن أغفلتنا ثقافتنا التراثية عن علاقتنا بالخالق.

إن جاز التعبير، تم خطف الإله وقطع العلاقة معه وإبعاده إلى أبعد نقطة في الكون. قالوا فوق السماء السابعة، بينما هو يؤكد انه أقوى ارتباط في الوجود هو الذي بين العاقل، هذا الإنسان الذي هو بني آدم، وبين الخالق.

 

كيف كان الأنبياء صناع الوطن؟

باسم: أنا مراتٍ، لا تصيبني صدمة، إنما يأتيني تعجب مذهل. لماذا تُصر المجتمعات العربية وبعض حتى قياداتها المؤثرة على الالتزام بمفهوم متجسد، منعزل، مقزّم للذات الإلهية؟ وهذه مدلولاتها وتأثيراتها في السلوكيات المجتمعية، حتى السلوك الفردي واضحة للعيان في مجتمعاتنا، نتيجة هذا الإيمان المقزم لقدرة الله وللجلالة.

جمال: كما قلنا دكتور باسم، أنه في القديم كانت إدارة المجتمع تحتاج إلى سلطتين: الدين، أو القرآن، والأنبياء يأتون ليسقطوا السلطة الثانية، ويجعلون الاتصال بين الله والمخلوق، بين الخالق والمخلوق، عن طريق القوانين. لكن تُصر هذه الجهة أنها تعلو وتقاوم وترفض محاولة إلغاء دورها وقيمتها، وأن الإنسان مرتبط بالخالق في كل زمكان، لا يحتاج إلى طرف آخر يقربه زُلفى إلى الخالق. هي لا تريد هذا طبعًا.

وفي القدم كانت تحتاجهم المؤسسات الحاكمة، أو الحكومات، تحتاجهم لأنهم يعينونهم على سياسة هذا المجتمع. لكن في الدولة الحديثة، ولله الحمد الآن فيه وزارات، وزارات مدنية، عسكرية، منظمة، قائمة على القوانين، لا يمكن التلاعب بها، بالمفاهيم والمعتقدات والأشياء هذه. تجد مجتمعًا، وطنًا من عدة معتقدات من عدة فئات وطوائف، متحدين بمنطق الوطنية، الدولة التي الأنبياء جاءوا ليصنعوها، الأنبياء هم صناع الوطن، وكل نبي رسول رسالته أن يصنع وطنًا، يصنع الأمة. نحن بالقرآن نسميها الأمة، والمؤمنون هؤلاء لهم دور مع التأييد ودعم فكرة هذا الرسول، تبنّيها، والثقة بها، وتصديقها، ودعمها، وتأييدها. هذا هو دور المؤمنين، هي التي الآن، هم موظفو الدولة الذين يتبنون فكرة الوطنية، ودعمها، وتأييدها، والاستماتة من أجلها.

هو النبي يأتي لمجتمعات متفرقة، قرى وقبائل، كل قرية وقبيلة لها رب مختلف عن القبائل الأخرى، أي لها منطق وقوانين تربو وتتربى بها مختلفة عن المنطق والقوانين التي عند القبائل الأخرى. فيأتي النبي يجمعهم، “أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ”. فيجمعهم تحت منظومة واحدة، يوحد قوانين الأسرة، قوانين المناكح، قوانين المواريث، قوانين المجتمع، السياسة، يوحد جميع القوانين، ويجمعهم أمة واحدة. كما تفعل الهند، والصين، والروم، والفرس.

هذا الذي يقرأه الأنبياء في مجتمع ممزق، فيريدون توحيدها. هذا معنى توحيد الإله في القرآن. لا يعني أنك تقول لا إله إلا الله بلسانك، وأنت تكسر قوانينه. هذا ليس له أي قيمة.

 

هل يكفي أن تقول آمنت بالله؟

باسم: لو نريد إسقاط هذا الفهم، الذي أنا أعتبره فهمًا جميلًا جدًا. هذا الفهم لله، والذي ينطبق عليه الذين يعرفون الله حق معرفته على السلوك في المجتمعات. والمقارنة ما بين النتائج، ما بين سلوك معتمد على هذا الفهم، والسلوك الذي نحن نعيش فيه، والنتائج المتبدية عن هذا السلوك.

جمال: شيء واضح بالواقع.

باسم: ماذا يمكن أن يختلف؟

جمال: يعني في الواقع نرى مثلًا دولًا في بعض مناطق أوروبا ما عندها أي مصادر للثروة، ومع ذلك حققت أمنًا ووفرة ورخاء وسلامًا لمجتمعاتها. ونرى دولًا أخرى تملك نفطًا، أو غازًا، أو ثروات معادن، أو بأي شكل من الأشكال، بل بالعكس تعيش فتنًا وحروبًا وفسادًا في الأنظمة والقوانين، وفتنًا داخلية، وحروبًا خارجية، وتخلفًا وجهلًا وضعفًا، بالمجال الصحي والتعليمي في كل مجال، مع أن جميع العناصر متوفرة عندها، لكنها لم تؤمن.

القضية قضية الإيمان بالقرآن. عندما يتكلم عن الإيمان، هو لا يتكلم عن أن الإنسان يلفظ آمنت بالله، أو لا إله إلا الله. هذا ليس له قيمة، هذه موجات صوتية. إذا لم تفعلها في الواقع، فأنت تكذب أيها الإنسان، لأن عملك هو كلمتك الأخيرة في الوجود، هو مصداق قولك، وما تفكر فيه. إذا لم تطبقه في الواقع، فأنت ليس لديك مصداقية أيها الإنسان.

لذلك نرى أممًا، الله في القرآن يقول: “وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ”، “بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ”، لا يعنى السماء تمطر، والأرض تنبت، لا. و”آَمَنُوا وَاتَّقَوْا”، لا يعني أن يقول آمنت بالله، أو اتقيت الله. لا، هي أعمال وسلوكيات في الواقع تؤمن وتصدق بقيمتك، ودورك، وقيمة ودور الأشياء الأخرى. فتحتكّ بها، وتقرأ رسائلها، تتعلم منها كيف تحقق لنفسك اليسر والسعادة في الحياة هذا هدف القرآن.

“طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى”. “يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ”. نزل لإسعادك وتيسير الحياة عليك.

 

فلسفة الجنة في القرآن

جمال: أنت إذا قرأت الوجود، آمنت به، آمنت بنفسك، بوجودك، وبوجود الآخر، وقرأت ما لديه من معلومات، استفدت من الطيور، ومن النباتات، من الحيوانات، من المجرات، من الذرات، علوم ترتقي بصحتك، وسياستك، واقتصادك، وصناعتك، واجتماعك، وتجارتك، وغير ذلك، تكون قد آمنت بالله.

علاقتنا بالله عن طريق قوانينه، أي أنك تقبل على قوانينه، وتثق بها، وتصدقها..

باسم: يعني تقوم بعمل تفعيل هذه القوانين في حياتك اليومية.

جمال: نعم، واتقيت، واتقيت معصية هذه القوانين لكي لا تقع في الحال المضاد. أي لا تعصي قوانين الصحة لكي لا تمرض كفرد، أو كمجتمع..

باسم: كي تتقي.

جمال: نعم، تتقي المرض. لا تعصي قوانين السياسة لكي لا تقع في حروب مع العالم الآخر. لا تعصي قوانين الاقتصاد، التعليم، الصناعة لكي لا تتخلف، لا تصبح جاهلًا فتقع في العكس. فتبني جنتك. هذه فلسفة الجنة في القرآن، هي بناؤك أيها الإنسان.

 

هكذا تصنع الأمم جنّتها على الأرض!

جمال: هو يقول: “الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ”. حال هي.. أنت تصنع الجنة..

باسم: وتجري..

جمال: أو ستجري لا هو يقول “تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ” الآن، هي تجري، إذا آمن وعمل الصالحات تجري من تحته الأنهار وهو في جنات النعيم، يفهمنا منطق الجنة، جنة النعيم، أنها موجودة عندك في الدنيا، أنت الذي تصنعها، أو تصنع نارك.

الجنة في القرآن هي حالة سعادة ووفر ورخاء من كل شيء، والنار هي حالة شقاء ونقص وشح من كل شيء: “وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ”، “فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ”، فأنت الذي تصنع جنتك. فيه أمم أو فيه أفراد ومجتمعات يصنع جنته، يجاهد في سبيل الله، أي يجد ويجتهد في سبيل الحق والعلم والحكمة والإحسان والإبداع في صناعته، في اقتصاده، في صحته، في أسرته، في مجتمعه، وعلاقاته الدولية، فيرتقي في معارج الله. يترقى في العلم والحكمة والإحسان والإبداع إلى أن يصل لأعلى المستويات، يصبح في جنة نعيم، قد لا يكون لديه حتى الإمكانيات، لكنه يفعل مهاراته العاقلة.

وفيه إنسان قد تكون لديه جميع الإمكانيات، الثروة والقيمة الاجتماعية، لكنه يتجاهل ويتغافل الوجود والمستقبل فيكفر به، أي يكفر بالوجود وبالمستقبل، فيصبح من الجاهلين والغافلين، فيتفاجأ بنكسات في الاقتصاد، نكسات في الصحة، نكسات في السياسة، في الصناعة. بعد فترة طويلة، إذا لم ينتبه من غفلته، ينتبه فيجد العالم ارتقى وتعداه بمستويات، وسيصعب عليه الارتقاء الآن أكثر من السابق.

 

كيف يكون التنوير؟

باسم: من الشخص المؤهل لأن يكون متنوراً؟ هل يستطيع أي شخص أن يكون متنوراً مثلاً؟ أم أنه يجب أن تكون فيه شروط؟

جمال: هو يجب طبعاً أن يجمع ثقافة من محيطك، تقرأ الماضي، تاريخ الإنسان، تاريخ الوجود، كيفية الخلق. يكون ما تقرأه من كتب، تقرأه أنت في الواقع، هو أمامك، ما عليك إلا أن تفتح خيالك وترتقي، تسمو بمعارفك، وتتصور الوجود في السابق، ثم تقرأ الواقع، ثم تستشرف المستقبل كأنك تنظر إليه من ستر رقيق. أي قراءات لمستقبلك الصحي وغير ذلك، والفردي والاجتماعي والاقتصادي والصناعي، وتضع خططاً وإستراتيجيات، ثم تتبع هذه الخطط والإستراتيجيات، التي هي عمل الصالحات، أشياء يصلح بها شأنك فتصل إلى أعلى المستويات.

هذه سنن الخلق. هناك ثلاثة قواعد من أجل تحقيق أي هدف: أولاً تحديد الهدف، ثانياً رسم الخطة للوصول إليه، ثالثاً تنفيذ المخطط. فأي إنسان يمارس ذلك، يقرأ الوجود ويقرأ نفسه، ويبحث عن قيمته ودوره وتأثيره وقدرته وإمكانياته ليترك بصمته في الوجود، ويفعّل ذلك يكون صادقاً، ليس يحلم ويتمنى.

نحن مشكلتنا أننا نعيش  في الأوهام والأحلام، نحن أمة الأحلام، تقدر أن تسميها، أي لو ترى مفسري الأحلام على وسائل التواصل، هم أكثر متابعين وحضوراً من إنسان يلقي فكرة، لأننا نرى أنه تم ترسيخ ثقافة أن الأحلام هذه لها دور عظيم في الإنسانية، والحقيقة هي لا. القرآن عندما يتكلم عن رؤيا وأرى وكذا، هو يتكلم عن إنسان عظيم يفكر ويضع رؤى للمستقبل، وقراءة الماضي والواقع والمستقبل، ورسم خطط للإنسانية، مشاريع عظيمة، لكن يتم تقديمها في ثقافتنا التراثية للأسف كأفكار مقزمة، كأنها تشير للأحلام في النوم مثلاً.

 

لماذا تصر مجتمعاتنا على تقديس رجل الدين؟

باسم: من الحديث الذي تقدمت فيه، وأنا في رأيي، حديث كثير عقلاني، كثير واعٍ لمقاصد النص، ومفيد، أي تشعر أنه فيه هذا الكلام الذي نريد أن نسمعه. لماذا تصر المجتمعات، وحتى مؤسسات المجتمع، سواء المؤسسات الأكاديمية، الجامعات، حتى ربما بعض الحكومات، ما زالت تصر على الشكل القديم في تناول النص ومقاصد النص؟ وما زالت تعطي لرجل الدين، بغض النظر عن مدى ثقافته، سواء قليلة أو واسعة، أنه هو الشخص الذي يحق له أن يفتي لنا بأن هذا صح وهذا خطأ؟

جمال: هو الحقيقة يا دكتور باسم، هي ليست الحكومات التي تصر، المشكلة عندنا في المجتمع. الشعوب العربية متدينة بطبيعتها، فهي التي تتمسك بهذه النماذج، وتصر على قداستها، ما يُسمى مثلاً رجال الدين أو الكهنوت بمسمى عام. المجتمعات هي التي تصر على إعطائهم هذه القيمة. الوعي في رأس هرم المجتمعات العربية، عند الطبقة الحاكمة والمثقفة، يعلمون أن هناك خللاً وخللاً كبيراً جداً، لكن هناك شرائح كبيرة في المجتمع من طبقات لا تتصور الحياة بدون وجود المفهوم الديني، وممثل الدين كرجل أو شخص يتم تقديسه أو التبرك به أو اللجوء إليه، سواء في مجالات الأمراض أو المشاكل الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية، أي بدءاً من الرقاة مثلاً إلى رؤوس الطوائف والفرق كممثلين للمجتمع أو كأحزاب سياسية، لأنهم وصلوا إلى أعلى المستويات.

هي القضية كلها من أجل الصراع على السلطة، على توجيه الناس وسياستهم. هناك شريحة تريد توجيههم وسياستهم بالعلم والقانون والحكمة والأخلاق، وهناك شريحة تريد توجيههم وسياستهم تحت مسميات من الدين، لها مسميات رنانة، لها قيمة تاريخية في وعي الإنسان، فيتم إخضاعه عن طريق هذه الأسماء.

 

لماذا تتزايد الانقسامات الطائفية؟

باسم: الواقع أن التراث، أو دعنا نسميه ثقافة التراث القديم أو الفقه التراثي، هو موزع بين الكثير من الطوائف، طرق، أفكار، من مدارس فكرية، وهذه متناحرة، وكلما تقدم الزمن انتقل هذا الانقسام وهذه الطوائف معنا، يعني الصراع الطائفي الموجود في المجتمعات الإسلامية، صراع الأفكار، هذا سني، هذا شيعي، هذا صوفي، هذا كذا، وهذا كذا. يعني كلما صار الزمن، هذه تأتي عليك أكثر.

جمال: نعم ولن تنقطع يا دكتور باسم.

باسم: والكل يدرك مخاطر هذه الانقسامات في المجتمعات.

جمال: هو يا دكتور باسم، الفكرة الأساسية، قلنا النبي يأتي ليصنع الأمة والوطن، المجتمع متفرق يريد توحيده. مجرد أن يبعث النبي، لا نتصور المجتمع أصبح كله أنبياء أو علماء، فئة قليلة التي تستوعب الفكرة، أعداد محدودة، لكن ترتقي البشرية بوعيها. لذلك بعد موت النبي، أساساً وهو حي، أكثر قضية كان يعاني منها نبينا، الكذب عليه، تشويه أفكاره وسمعته وأقواله. “إنه قد كثرت الكذبة علي”، “فليتبوأ مقعده في النار”. هذا أوثق الأحاديث. تعددت طرق نقله، وليس متواترًا. أنا لم أجد حديثاً واحداً متواتراً، لكن هذا تعددت الطرق لنقله، يعني من أوثق الأحاديث. وبعد ما يموت، لا نتخيل أنه انتهى الكذب، بل العكس، هو يشتد ويشتهر وينتشر أكثر في البشرية.

لذلك نفس المحدثين مثلاً، الذي يقول إن البخاري أخرج سبعة آلاف حديث تقريباً من ستمائة ألف. الإمام أحمد يقول من ألف ألف، أي من مليون طلعوا العُشر. والعشر هذا أيضاً تتوالى أجيال يظهر فيها مفكرون وباحثون يعيدون النظر والتحقيق، ويسقطون أو يضعفون أحاديث، الألباني والدار قطني. وبعصرنا الحديث، دار الحديث التي أنشئت في المدينة الآن، هي تصحح، تعيد تصحيح، لأنه فيه أشياء كثيرة لا تتفق مع العقل، ولا مع القرآن، ولا الواقع، ولا الأخلاق، بل هي تتناقض مع القرآن مثلاً أو الواقع. ففيه أشياء تلفت النظر.

 

لماذا نتمسك بكتب تراث تخالف العقل والأخلاق والقرآن؟

جمال: لذلك كل جيل مهمته أن لا يكون كالحاوية، يتم إفراغ فيه من الأجيال السابقة فقط، بل عليه أن يفلتر ويعيد قراءة ودراسة كل ما يتلقاه من السابقين، ويستثني ويستبعد كل ما يشوه أو يسيء إلى الأنبياء أو رسالاتهم، أو عظماء تاريخه، ورموز تاريخنا كالصحابة أو التابعين أو العلماء الأجلّاء، لأنّ كل إنسان يكذب عليه، أنا وأنت يكذب علينا، كلما علت قيمتك…

باسم: صحيح هذه فكرة جميلة، لكن غير مفعلة في مجتمعاتنا. يعني لا وجود لمؤسسة تقوم بعملية ما يسمى تنقية ما جاء في كتب التراث.

جمال: هي الحقيقة في كل جيل..

باسم: التراث ليس كله سيئاً. بالتأكيد لا. هناك أشياء إيجابية وجميلة، لكن هناك أشياء مضرة ومسيئة وغير عقلية، وغير ملائمة أصلاً لحياتنا. عندما تقيس ما في بعض كتب التراث بالقرآن، ستفشل هذه المقايسة.

جمال: لا شك. وهذا لن ينتهي، وهذا صراع بين الحق والباطل، والخير والشر، ليس له نهاية، وسيستمر. ونلاحظ في كل جيل يظهر مفكرون يقاومون الأفكار المظلمة أو السوداوية، أو التي تتناقض مع الأخلاق أو العقل أو القرآن، ويواجهون موجة صد، كما قلنا، من الرؤوس والمجاميع التي تحامي عن الأولين وتراثهم والآباء، وتصر على اتباعهم. وهذا في كل جيل يحدث. في عصرنا الحديث مثلاً، المتنورون كانوا قبل عشر سنوات لا يتجاوزون عشرة بالمئة في كل مجتمع، الآن عددهم يتزايد إلى ثلاثين أو أربعين بالمئة في كل مجتمع. وكلما تقدم الزمن بالإنسان، العلم والأخلاق تراكميان. المستقبل هو التنوير، المستقبل هو العالمية، المستقبل هو انفتاح الجنسين على بعضهما، الذكر والأنثى. المستقبل هو سقوط رموز وعروش الذين يتمسحون بالدين..

باسم: بالطاغوت.

جمال: نعم، الذين يتبعون الطاغوت، ويصرون على الآخر أن يتبع هذا الطاغوت معهم. وأي خروج عنه يتم تكفيره، يلفظون مثلاً “ملحد” أو “نكراني” من المفردات الحديثة..

باسم: أو حتى “قرآني” صارت تهمة جديدة للناس.

جمال: أو قرآني. نعم، أو حتى يأتون من ثقافات أخرى، ما تكفيهم الكلمات السيئة بثقافتهم، فيقولون زنديق مثلاً، أو مسمى من أي ثقافة، يريد أن يحط من قدر هذا الإنسان الذي يريد أن يتحرر من الفكر التراثي، أن يخرج من عبادة الطاغوت إلى الإيمان بالله.

 

لماذا يُمنع المتنورون من تصحيح الأحاديث؟

باسم: ما يدهشني بهذا الإطار أيضاً، أنه سُمح مثلاً لأشخاص أن يقوموا بعمل تصحيح للأحاديث وتصليحها، بينما لم يسمح لأشخاص مثلاً مثل جمال الشايع أو آخرين أن يصححوا حديثاً أو حتى ينتقدوا حديثاً. سُمح لمصلح الساعات، الذي هو الألباني، أن يصحح الأحاديث، بينما لم يُسمح لمثقفين ومتنورين وأكاديميين بأن يقولوا رأياً أو أن يقدموا رأياً نقدياً في سردية رواية حديث أو سردية رواية حكاية من الحكايات المتوارثة.

جمال: هو يا دكتور باسم، كما قلت لك، هي جاهلية نزل القرآن يحاربها، قاومها، قاوم تسعين بالمئة، لكن بعد موت النبي تم استرجاع هذه الجاهلية، وإقحامها في الدين بشكل أو بآخر. عن طريق نسبتها، سواء إساءة تفسير لكلام الله عن طريق بعض كتب التفاسير، أو عن طريق روايات وأحاديث تنسب للنبي، أو أقوال وفتاوى الخلفاء مثلاً، أو العلماء الأجلاء. فتم إدخالها في الدين، استعادة واجترار أفكار الجاهلية، وإقحامها في الدين. هذه طبيعة إنسانية ليست خاصة بنا. يعني اليهود كتابهم التوراة، مات موسى فوراً، وضعوا التلمود والمشناه والجمارا. النصارى كتابهم الإنجيل، فوراً مات عيسى، وضعوا الأسفار. نحن كتابنا القرآن، فوراً مات نبينا، وضعنا كتب السير والمغازي، والأحاديث، والتفاسير، وكتب الفقه. يعني استرجعنا..

باسم: نفس الأسلوب الثقافي قائم.

جمال: نعم، وهي ثقافات أتت من الفارسية، من الزرادشتية، من الهندية، الهندوسية، أتت من الإسرائيليات.. من أمم أخرى اجتمعت في الجزيرة بحكم أنها مركز الإنسانية، وتجمعت هذه الثقافات. فجاء القرآن لينفي جهالاتها، ويثبت حقائقها المفيدة للإنسان، ووثق ذلك في القرآن. قامت حرب عليه من البدايات، لا تسمعوا لهذا القرآن، والغوا فيه. كان في محاولات، لكن بعد موت النبي لم تعد حرباً علنية، بل أصبحت حرباً ناعمة مرت من تحت أرجلنا دون أن نشعر.

 

لماذا نستبدل عبادة الله بطقوس لفظية وجسدية فقط؟

باسم: وأنا ما زلت حتى الآن أسمع أشخاصًا، يحذر المسلم من الاعتماد على القرآن فقط، ويبشرهم بالويل والثبور.

جمال: للأسف يتكرر.

باسم: إياكم أن تركنوا للقرآن دون السنة أو دون ما قاله أبو هريرة، أو ما قاله الشافعي، أو ما قاله البخاري، أو ما صححه الألباني، مصلح ساعات، يصبح مصلحًا لأحاديث الرسول.

جمال: ولا يُقبل مني أو من أناس كرّسوا حياتهم للحديث.

باسم: ولا يُقبل من أكاديميين مؤهلين.

جمال: في الحديث مثلًا. نعم، هذه من المصائب العنصرية.

باسم:  فعلًا مصيبة هذا الكلام.

جمال: هي كانت العنصرية عرقية ومناطقية، تحولت إلى طائفية ومذهبية. يعني العنصرية هي نفسها، هي فكرة، مقيتة، لكن بدل أن تكون كما المفروض عنصرة للحق، للعلم، للحكمة، للإبداع، للإحسان، هذا هو الله: الحق، العليم، البديع، المحسن. بدل أن تكون عنصرية لله في كل مجال، تتعنصر لهذه السِمات في الصناعة، والسياسة، والمجتمع، والأخلاق، والآداب، والقيم، والقوانين، جعلناها عنصرية مذهبية بعد أن كانت عنصرية عرقية. بينما القرآن يريدها أن تكون عنصرية للحق، والعلم، والحكمة. أنك تتعنصر لذلك.

تسخّر طاقاتك وطاقات الآخرين من أجل الارتقاء في معارج الحق، والعلم، والحكمة، والإبداع، والإحسان، والقوة، والعزة، واللطف، والود. في الصناعة، والزراعة، والسياسة، والأسرة، والمجتمع، والعلاقات مع الطبيعة والوجود.

باسم: أي في كل مناحي الحياة.

جمال: هذا الذي يريده منا في القرآن، لكن يتم تحريف ذلك إلى مفردات، موجات صوتية وطقوس جسدية: أن العبادة هي أن تقول لا إله إلا الله أو أن تمارس صلاة الحركات، ويتم إلغاء الفكر السامي الذي يريده القرآن، وهو عبادة الله. والعبادة نعلم أنها هي الطاعة والاتباع، والله عرّفنا بنفسه في كتابه، ولن يعرّفه خلقه بأحسن من تعريفه لنفسه في كتابه، قال: هو الحق، العليم، الحكيم، البديع، المحسن. فعبادة الله هي طاعة واتباع سماته التي في القرآن في كل شيء.

 

كيف نصنع إعلامًا يوسّع وعي الناس بدل أن يكرّس الجهل؟

كيف يمكن أن نجعل هذه الأفكار وأمثالها تكون في متناول المجتمع، أن يبدأ المجتمع يعي أن هناك أفكارًا أخرى، أو أن هناك ثقافة أخرى، أو معارف أخرى يمكن استنباطها من القرآن، مخالفة لما هو في ذهن المجتمعات؟

جمال: طبعًا يا دكتور باسم، هذا السؤال يوجَّه لكم، للإعلاميين، ولمصادر المعرفة في المجتمعات. يعني المعرفة الآن من أهم مصادرها هي وسائل الإعلام. لا يختلف اثنان على ذلك. إذا لم تقم وسائل الإعلام، إذا لم يستشعر كل مذيع ومقدم برامج وصاحب قناة مسؤوليته وقيمته ودوره في الارتقاء بالإنسانية وبأمته، ويقوم بهذا الدور بمصداقية، فلا يبحث مثلًا عن الشهرة أو عن الثروة بقدر ما يبحث عن كيفية أن يوصل رسالة توسع العقل الجمعي، ترتقي بالإنسانية.

للأسف، يعني بعض قنواتنا العربية لا تعي رسالتها الإعلامية، لا تشعر بعظمة وقيمة دورها بأنها تؤدي رسالة، وقد تصلح هذه الأمة أو تدمرها، لأنها مؤثرة رئيسية في الثقافة التي يتم إحلالها في وعي الناس. فإذا المذيعون وأصحاب القنوات راقبوا فعلاً ماهية وقيمة ما يطرحونه من برامج على وسائل الإعلام، بذلك سيصنعون أمة. على فكرة، القرآن عندما يتكلم ويقول: “وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ “. هو الإعلام في عصرنا الحديث، هو الإعلام الذي يقوم بهذا الدور.

لذلك أنا وضعت هذا الشيء في كتابي: أن الدولة يجب أن تسيطر على مراكز الإعلام، ولا تسمح بنشر شيء يؤدي إلى سقوط القيم أو الأخلاق أو القانون أو الوطنية أو الإنسانية أو أي شيء من مقدساتنا كالعقل والعلم والحكمة، وتحرص على أن تقوم هذه الأجهزة بتوسيع وترقية الأخلاق والوطنية والعلم والحكمة عند الإنسانية.

 

كيف يتحقق الاتصال بالله دون وسطاء؟

باسم: على ذكر الدولة، أسميها إدارة المجتمع، على ذكر إدارة المجتمع، ألا تعتقد أن هناك أيضًا دورًا لإدارة المجتمع في توجيه تطور المعارف والحد من سلطة أو من تأثير ما يمكن تسميته مثل الطاغوت؟ لماذا الحكومات أو إدارة المجتمع ما زالت تسمح لهذا التيار أن ينشط وأن ينمو؟ والعكس له مؤسسات وصار له جماهير وله مجتمع خاص به، والآثار السلبية لإنتاج هذا السلوك بادية على كل مجتمعاتنا؟

جمال: هذا قديم يا دكتور، وليس شيئًا جديدًا. يعني كما قلت لك، ليس الدول التي أذنت، بل المجتمعات مدمنة على هذا الفهم وهذا الوعي، ولا تريد الخروج منه. عملية تنويرها التي بسببها يبعث أنبياء ورسل وصالحون ومجددون وفلاسفة وحكماء في كل أمة، يحاولون تنوير المجتمع أن هذا ليس هو الطريق الصحيح، وأن العلاقة مع الخالق أو المسير إليه كمصير نهائي ليس عن طريق أشخاص أو كتب معينة، إنما هو يتم عن طريق وعيك داخلك، يا إنسان. أقرب نقطة اتصال بينك وبين القوة العظمى، هذا الخالق، هي في وعيك، كما تكلم في سورة النجم عن سدرة هذه الوعي. لماذا يقول سدرة بالتحديد؟ لأنها شجرة لها أشواك معقوفة تعلق بها الأشياء، وشجرة كثيفة الأوراق والأغصان، فداخلها مظلم، وتسلقها صعب. فيقول لك: إن ارتقاءك بمعارج وعيك في معارج الحق والعلم والحكمة ليس بسيطًا، لذلك العظماء كحكماء وعلماء في المجتمعات قليل من يستطيع أن يمارس ذلك. النفس تميل إلى الأحلام والأماني والأوهام.

باسم: إلى السهولة في الأشياء.

جمال: أي القضايا والأشياء المادية أيضًا. فعملية العروج في الوعي والترقي التي يشير لها كل الحكماء والأنبياء والرسل، عندما يتكلم عن الله ذي المعارج، أو يتكلم عن “سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى”، أو “مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى”، أو أنزله على قلبك بالحق وبالحق نزل. كلها إشارات إلى أن عملية الاتصال بين الخالق والمخلوق تحدث في وعيك، وأنك تتسلق من سدرة إلى سدرة، من أفق إلى أفق، إلى أن تبلغ الأفق المبين والأعلى.

هذا معنى: “وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى”، وليس أن الرسول يعني خرج إلى الفضاء أو شيء من هذا القبيل. لا، الفكرة أنه يترقى في آفاق الوعي والعلم والحكمة حتى يصل إلى مصادر العلم والحكمة والحق والإبداع والقوة والعزة والعظمة الأولى العليا. هو اسمه الأول الأعلى، فيصل إلى المصادر ويتلقى منها بشكل مباشر.

باسم: وهذه دائمة التواصل أو دائمة الإيحاء؟

جمال: من عظمة هذا الخالق، أن خلق هذا الإنسان الكائن المتطور بحيث أن يجري عملية الاتصال في أجزاء من الثانية وفي أي زمان ومكان.

باسم: يعني الإنسان دائم التواصل مع الله، ليس بحاجة إلى وسيط.

جمال: نعم، هذا ما يريد ترسيخه القرآن: أنك أنت في الله، كما قلنا، أنه قال عن الوجود إنه ذرء مذروء في الله، أنه وسع كل شيء، أحاط بكل شيء، فكل شيء هو داخل الله، وهو معك: “إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا”، “كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ”، “وَاللَّهُ مَعَكُمْ”، “اللَّهَ مَعَنَا”، هي إشارات أن الخالق بمعيتك، وأنك أنت في الخالق، مذروء ذرءًا في الله. فنحن من الله، وفي الله، وبالله، وإلى الله، وعلاقتنا في الوجود مع هذا الخالق أعظم من علاقة أي كائن آخر. أسرع الطرق والوسائل بالارتقاء والترقي والاتصال هي بين الخالق وبين الإنسان العاقل

باسم: وهذا مدعاة أن يكون العقل البشري متحفزًا دائمًا، متواصلًا دائمًا، نشطًا دائمًا.

جمال: الله عليك يا دكتور باسم، ويسمي هذا الكتاب “روح”، القرآن هو روح، لأنه يزيدك روحانية وعظمة وإحساسًا بقيمتك واتصالك مع العظيم، وأنك في خط مباشر، لا تحتاج إلى طرف آخر لكي يجري عملية الاتصال أو يعدّك أو يجهزك، بل أنت مصنوع بشكل أنك تتصل بالخالق العظيم بشكل مباشر، فقوته وقدرته وعزته وعظمته متمثلة فيك، فأنت قادر بقدرته، قوي بقوته، عزيز بعزته، ما عليك إلا أن تُفعّل ذلك عن طريق قراءة الوجود، رسائله من هذه الكائنات، والتعلم منها كيف تصنع عظمتك في الوجود.

 

هذه أخطر فكرة شيطانية تم إقحامها في ديننا

باسم: وكأنه بالمقابل مهمة الوسيط ما بين الفرد والله هي لتثبيط همة الناس، ولتثبيط مفاعيل قوانين الله في النفس البشرية.

جمال: نعم، هو فيه جهة طبعًا تحاول أن تفرض عليك سلطتها وسيطرتها، وتشارك وتسخر شيئًا من مالك وجهدك وعقلك وحتى روع نفسك ودمائك في مصالحها هي. فتحاول هذه القوة أن تسيطر عليك لتسخرك لها بدل أن تكون مسخرًا كاملًا لله، خالصًا لله، يريدون نصيبًا منك. وهذا شيء طبيعي.

باسم: يعني وجودها ضرر قاتل.

جمال: ما فيه شك، هي سبب دائمًا لتخلف الأمم، الحروب، الفتن الداخلية، الحروب العالمية، دائمًا تلبس لباس الدين، ويتم تجنيد هذه الفئات، رؤوس الكهنوت، من أجل توجيه المجتمعات إلى المهالك، سواء تفرقتهم كطوائف داخل مجتمع أو وطن واحد، أو تفرقتهم مع أوطان أخرى. هم الذين يبثون سموم التكفير، سموم تضليل الآخر، احتقار وتأطير الآخر، التعالي على الآخر، الحكم بأن الآخر خارج من الدين أو من العلاقة مع الإله والخالق، ونحن من نمثله فقط، يعني العداء.

أنا أسميها فكرة شيطانية، فكرة الفرقة الناجية. هذه تم إقحامها في ديننا. هي موجودة في الأمم السابقة من أجل خلق نزاعات بين الوطن الواحد، الأمة التي بناها الرسول كنسيج واحد ومجتمع واحد بمختلف أطيافه، يُعاد تفكيكها وتمزيقها مرة أخرى، بحيث تُخلق صراعات بين الطوائف بدل الصراعات القبلية والمناطقية السابقة، تتحول إلى صراعات طائفية..

باسم: طائفية فكرية داخل المجتمع.

جمال: طبعًا، هذا تم من عناصر من أعراق أخرى، كما تكلنا في السابق عن فتح الروم والفرس. حضارات عظمى سقطت وقامت عدة مرات قبل أن يأتيها العرب، فعندهم مهارة القيام بعد السقوط وبناء الحركات السرية وجمع القوة وإعادة تنظيم أنفسهم واسترجاع إمبراطوريتهم وعزهم، فهم خبراء بصناعة الحضارة والمجتمع. فحين سقطوا، لا نتخيل أنهم كانوا يسبحون بحمد ذلك العرق الغريب الذي… لا، طبعًا، هم تغلغلوا داخل الجسد وأعادوا تنظيم أنفسهم وبناء قوتهم للانتقام من هذه الأمة التي أفسدت عزهم القديم واسترجاع عظمتهم. وهذا، طبعًا، لا يحدث في ثلاث أو خمس أجيال، بل يحتاج لعشرات الأجيال، أحيانًا قد يمتد لألف سنة حتى تقوم الحضارة مرة أخرى.

 

لماذا يبدأ التغيير من الكفر بالطاغوت قبل الإيمان بالله؟

باسم: أنت تمكنت مثلًا من قراءة النص القرآني واستنبطت ما استنبطته من معارف وفهم مختلف. هل أستطيع أنا أن أستنبط مثلًا وأقرأ القرآن بالطريقة التي أنا أقرأ بها القرآن أو أي شخص آخر ويستنبط ما استنبطته أنت؟ أم هناك آلية محددة يمكن تعميمها أو تثبيتها في المجتمعات العربية لكيفية قراءة الناس لنضمن أن كل قارئ للنص القرآني سيخرج تقريبًا بشكل شبيه أو بنفس الوعي الذي جمال الشايع خرج به؟ وليس فقط جمال الشايع، بل الكثير من الذين قرأوا القرآن بعيون مختلفة بعيدة عن الفقه التراثي.

جمال: هو لا شك أن الانتماء للثقافة السائدة الطاغية على الوعي هذا أول وأهم عائق. كما قلنا: يعلمهم الكفر قبل الإيمان، أن يكفروا بالخطأ وبالجهل والفساد والفسوق، وبعد ذلك يستطيعون أن يؤمنوا بالحق والحكمة والعلم والإحسان. لذلك قَدَّس الكفر بالطاغوت أقدس من الإيمان بالله. كان الأنبياء والرسل يعلمون المجتمعات الكفر بالطاغوت أولًا ثم الإيمان بالله، “فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ”، يقدم الكفر على الإيمان. فلا بد أولًا أن تتحلل من كل المعتقدات القديمة.

باسم: تعمل حذفًا لكل ما سبق.

جمال: نعم، وتبدأ بعقلك وبوعيك مستعينًا بكتاب الله. نحن أمة يُسِّر لنا علوم الكون عن الموت والحياة والبعث والخالق وطرق اتصاله بالكائنات وبدايات تطور النفس ومصيرها وبدايات تطور الكون ومصيره، يُسِّر لنا، موجود في القرآن. لا نحتاج لإجراء دراسة من الصفر، علينا فقط أن نستعمل عقولنا ونقرأ بها هذا الكتاب ونطبقه على الواقع، يعني تجمع بين عقلك والواقع والقرآن. هو القرآن نزل ليزيل الأوهام والخرافات عن الإنسان، ويجعله علميًا واقعيًا يتصرف بواقعية مع الوجود. وأنزل عليه كمفاهيم. يعني الإنسان لما يقرأ الملائكة والجن والإنس والشياطين والروح والنفس، القرآن يكلمه عن أشياء في داخله يتفاعل معها في كل لحظة، وأشياء في الخارج يؤثر بها ويتأثر بها، يعني أشياء يحتك بها في كل لحظة، ليست خفية ومغيبة. كما تصور ثقافاتنا عن مفهوم الملائكة أو الجن أو الشيطان أو إبليس، بل هذه أشياء موجودة داخل النفس وموجودة في كل نفس، وهو يشرحها لنا لنحسن التعامل مع أنفسنا والأنفس الأخرى.

 

كيف نضمن الفهم المستقيم لمعاني القرآن؟

ألا تعتقد أنه يجب أن يتوفر آلية محددة مثلًا يتسلح بها كل متدبر للنص القرآني مثلًا، حتى لا يكون هناك شطط في فهم النصوص غير مقاصدها؟ أم تعتقد أن اللغة السائدة أو مستوانا السائد باللغة المستخدمة القصدية ذات المصاديق المحددة قادرة على استنباط المعارف من القرآن؟

جمال: طبعًا لا شك أن قراءة القرآن تتم من داخل القرآن. القرآن له بناء رياضي خاص، هو لسان عربي مبين غير ذي عوج. نحن ألسنتنا عربية، لكنها ضعيفة البيان وفيها عوج. فإذا قرأنا القرآن بألسنتنا يعوج المعنى، نخرج عن الصراط المستقيم في فهم الكلمة أو الآية في القرآن.

لذلك، أي كلمة تريد تحليلها وفهم معناها يجب أن تحللها من آيات القرآن، تتتبع جذر هذه الكلمة في كل الآيات وتقرأ السياق، لأن الكلمة تُفهم بسياقها لتفهم ماذا تعني هذه المفردة. أي محاولة بقراءة من التراث، من كتب التفاسير، من كتب اللغة، من القصص، من قيل وقال وروى وحدث والتواتر والأشياء هذه، سيظل يعوج المعنى عندك، ستخرج عن المعاني الصحيحة. لذلك هو قال إن تفسير القرآن في القرآن، إنه مفصل، محكم، مبين، آياته مفصلات، محكمات، بينات، “جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا”، “كُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا”.

باسم: وأنه نزل “بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، هو نفسه يبين ذاته.

جمال: نعم، هو يبين عن نفسه.

 

أخطر المفاهيم المغلوطة في القرآن

باسم: نعم، نتيجة تدبرك أو بحثك أو قراءتك للنص القرآني، أكيد أنت خرجت بقضايا متعددة بفهم مختلف عن الموجود، لكن أحب أن أعرف منك، ما هي القضايا الأكثر التي أحسست أنها مفيدة جدًا واكتشفت أنها مختلفة كليًا، وأنها لو طُرحت على مستوى العقل الجمعي العربي ستحدث تأثيرًا في السلوك العام وسيشعر الناس برضى ذاتهم عن هذا السلوك؟

جمال: طبعًا، هذا هدف سلسلة كتاب “أسس معرفية”، في البداية: هو إسقاط المفاهيم الخرافية التي تم نسجها كثقافة في كتبنا لعملية التواصل مع الخالق وعبادته ودعائه واستغفاره وكل ما ذكره القرآن من شكر وحمد وغير ذلك.

الكتاب يقدم مثلًا الاستغفار والشكر والحمد والدعاء والعبادة على أساس أنها سلوكيات يمارسها الإنسان العاقل في الواقع كما يقولها القرآن.

باسم: وليست مجرد ألفاظ.

جمال: وليست موجات صوتية أو طقوس جسدية أبدًا. يعني الاستغفار مثلًا في القرآن ليس أن تقول: استغفر الله. هو يقول: “اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا”. يقول إنه “يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ”. هؤلاء الناس يستغفرون، المنكوبون وغيرهم يستغفرون ليلًا ونهارًا، لم يُرسل السماء عليهم مدرارًا ولم يرزقهم أموالًا، بل يزداد حالهم سوءًا، لأنه وضع شروطًا للاستغفار في قوله: “وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى”؛ أربع شروط، إذا لم تطبقها في الواقع لن يتحقق. يقول: لغفار بلام التوكيد. تاب لا تعني أن تقول: تبت إلى الله بلسانك أبدًا، تاب يعني ثاب وآب ورجع عن الحال السيئ الذي يريد تغييره. وآمن ليس أن تقول: آمنت بالله، بل أن تثق وتصدق بقيمتك ودورك في الوجود، وبالوجود وقيمته ودوره، وأن هناك أشياء أو مستويات أفضل من المستوى الذي أنت فيه، وأنك قادر على الوصول إليها، فتضع هدفًا وتضع خططًا وتقوم، ثم بعد ذلك يقول: “آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا”، تقوم بعمل أشياء تصلح بها شأنك لتغير حالك السيئ، ثم تهتدي على استمرارية عملية قراءة أوضاع أحسن والانتقال إليها. هذه شروط الاستغفار، كل إنسان يمارسها بالطبيعة بفطرته، يعني في الأمم الأخرى بالذات في شمال وشرق أوروبا، فيه أمم تفعل ذلك بالفطرة والغريزة.

نحن أضلتنا كتب التراث عن هذا الفهم وعن تطبيقه في الواقع، وأصبحنا نكتفي بقول: أستغفر الله مئة مرة.

باسم: وصنعوا لنا هذه الأختام الصينية.

جمال: أو السبحة أو غيرها من أجل ترديد هذه المفردات، وأنها هي التي تؤثر في الكون، بينما الله يقول: لا، “هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ”، “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ”، “كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ”، “ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ”. عملك هو كلمتك الأخيرة في الوجود، هو الذي يصادق على قولك وفكرك: هل أنت صادق أم كاذب؟ هل تقول وتتمنى في نفسك وتقول بلسانك أم أنك تطبق ذلك وتقوله بسلوكك وعملك؟ إذا فعلته بسلوكك وعملك، حتى لو قلت بلسانك سميت الخالق شيفا أو بوذا أو براهما، هو ليس الموجة الصوتية. نحن تحولنا لعبادة اللغة وليس لعبادة وطاعة واتباع السمات، الصفات التي في الاسم، في الكلمة، لم نفعّلها في الواقع.

يعني لو أنادي أنا الدكتور باسم: دكتور باسم، ولا يرد علي، ما له أي قيمة، بينما لو أنظر إليه بعيني أو أشير له بشيء ويرد علي، هذا الذي له قيمة. تفعيل الاسم في الواقع هو الذي له القيمة وليس ترديده باللسان.

باسم: يعني خلق الوصل مع الله بشكل دائم.

جمال: بشكل واقعي وعلمي. يعني مثلًا حتى الدعاء، الله يقول: “فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ”، يقول دعوة واحدة والداعي، لا يقول المؤمن أو الصالح، يعني أي داعٍ يدعوني أنا أجيب. نحن نرى ندعو لا يستجيب، لا يتحقق شيء، انظر المسلمون يدعون..

باسم: يعني لم يضع شروطًا للداعي أو صفات أو ميزات.

جمال: وضّح الدعاء بآية أخرى مفتاحية تكشف لنا، الذي سيقرأ الكتاب سينتبه للمفاهيم هذه العظيمة في القرآن. وضّح بآية أخرى، يعني نرى الأمة تدعو، لا يستجيب لشيء، بالعكس يزداد حالهم سوءًا لأنهم كفروا بقوانينه. كما قلنا في البداية، علاقتنا به عن طريق اتباع وطاعة قوانينه وتفعيلها في الواقع.

فهو يقول في آية أخرى: “الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ”، الدعاء.. لا يقول: الذين يدعون ويبتغون، يعني يجعل حرف الواو بين الدعاء، يدعون وكلمة يبتغون، لا، مباشرة: يدعون يبتغون. يعني الدعاء هو الابتغاء، من يبتغِ الوسائل فقد دعا، مهما كانت لغته، مهما كان المسمى الذي يطلقه على هذا الخالق، مهما كانت طقوسه، هل يذهب إلى صنم أم إلى حيوان أو يذهب في مسجد أو كنيسة، هذا ليس له قيمة، إنما القيمة أنه يُفَعّل ذلك في الواقع.

 

كيف ضاعت مفاهيم القرآن في ثقافتنا؟

باسم: من قرأ القرآن بالنتيجة التي عليها المجتمعات حاليًا، التي فهمت الدعاء عن تكرار وتمتمات، وأن الصلاة حركات -مع احترامي لأن الصلاة جزء أساسي-، وأن التسبيح هو كذلك ذكر إلى آخره، هل كان عنده إشكالية مثلًا بفهم اللفظ القرآني نفسه، لذلك عجز عن فهمه؟ أم أنه استخدم آلية مختلفة؟ أم أنه أسقط ثقافات أخرى على الفهم القرآني؟ يعني لماذا جمال الشايع خرج أو آخرون خرجوا بفهم أن التسبيح مختلف، أن العمل الصالح مختلف، أن الفعل مختلف، أن الدعاء مختلف، ليس كما يقوم به الناس؟ لماذا أنت خرجت بهذه النتيجة وغيرك لم يستطع؟

جمال: طبعًا عملية البحث في معنى الكلمة في القرآن، يعني القرآن، الله دقيق في كلامه كدقته في خلقه. ترى كيف دقة خلق الذرة والخلية؟ كلامه دقيق. في مثل مفردة: قال، لفظ، نطق، حدّث، كلّم، خمس كلمات في القرآن، في كتب التراث تجد أن المعنى واحد، بينما في القرآن يفرّق بين “قال” و”نطق” و”كلّم” و”حدّث” و”لفظ”، كل واحدة لها معنى مختلف.

أو مثلًا: “ذبح”، “نحر”، “قتل”، في التراث “أذبحك” يعني “أقتلك”. “اقتلوا أنفسكم”، يعني الإله يأمر الإنسان أن ينتحر. لا طبعا، كل كلمة منها لها معنى مختلف عن الأخرى، مختلف تمامًا.

يعني كثير من المفردات نحن بثقافتنا السائدة تم تمييع الحدود بين المعاني، فزالت المفاهيم، صار عندنا مفهوم الترادف الذي يتكلم عنه كثير من المفكرين، وآخرهم العظيم الدكتور شحرور رحمه الله، ونبّه للنقطة الرئيسية هذه: أنه لا يوجد ترادف، ولا يوجد كلمتان في العالم في أي لغة تحملان نفس المعنى، تلقائيًا العقل البشري يُميت واحدة ويستخدم الأمثل منهن.

باسم: يعني صار عندنا إشكالية في اللغة، في فهم اللغة.

جمال: فسد اللسان عندنا، ابتعد عن القرآن مع تقادم الأجيال شيئًا فشيئًا، حتى هناك مفردات في القرآن ماتت، لم نعد ننطقها مثل: قطّنا، سندس، جدث، مشكاة، يعني لا نستخدمها هذه، ميتة الآن.

باسم: هل آفة الترادف أو الأدق آفة التماثل ما بين معنيين مختلفين مبنًى، أنهما يشتركان في نفس المعنى، هل آفة التماثل أنا أسميه تماثلًا وليس ترادفًا، تجاوزًا هل آفة الترادف كانت سببًا من أسباب سوء فهم النص أو عدم استنباط أو عدم القدرة على تدبّره واستنباط المعارف التي فيه؟

جمال: طبعًا هناك أسباب كثيرة مختلفة، لكن من أهمها فكرة التطابق في أن الكلمات لا فرق بينها، أنها تعني نفس الشيء. “مات” “نحر” “قتل”، نفس الشيء. لكن طبعًا فيها الرواية والأسطرة والنقل. هذه آفات أخرى ولها دور كارثي طبعًا، لكن شيء رئيسي: نقص فهمنا أو وعينا عن الكلمة المفردة وحدودها. يعني الرسول عليه الصلاة والسلام حين بُعث كان هناك خمس وأربعون لهجة في الجزيرة، كان هناك ستة أو سبعة خطوط في الجزيرة، شعوب متفرقة، وهو يريد توحيدهم، فأبدع لهم هذا الخط الذي في القرآن، الذي هو سليل الخط النبطي، لأن فيه آثار يوجد فيها. طبعًا الفرق كبير جدًا بين التحسينات التي وضعها النبي في هذا الكتاب بوحي من الله، وانتخب مفردات من عدة قبائل وعدة ثقافات منسجمة بقوانين رياضية موحدة.

باسم: وفق اللسان العربي.

جمال: بناءً على فيزياء الحرف، علوم الكلام التي أسسها الأنبياء السابقون له، والتي هو قرأها بحكمته وعلمه وإبداعه، وأعاد إنتاجها وتوّجها بنزول القرآن، بوحي هذا الكتاب الذي تلقاه من الخالق. طبعًا تلقاه من الخالق عن طريق الكائنات، لا يوجد، تعالى الله سبحانه اتصال بين المخلوقات والخالق كما نتصل ببعضنا ونشاهد بعضنا أو نسمع بعضنا أو نتماس.

باسم هو فهمنا لمعنى الإيحاء هو خاطئ أصلًا.

جمال: نعم، هو من أجمل المفاهيم في الكتاب: تحليل كلام الله، كيف يتكلم في الوجود، وما معنى الوحي؟ لأن فيه مفاهيم خرافية من الجاهلية تم استرجاعها وإقحامها ثانية، القرآن نزل لينفيها.

كما تكلمنا عن الرسول والوحي. الله نزّل القرآن وبعث محمد ليقول للإنسانية: لا يوجد شيء اسمه رسول ونبي كائن خاص، شخص ومفرد تختاره قوة موجودة في الفلك في أبعد نقطة وتتصل به بكائن من نور ينقل لها معلومات، بل معنى الرسول نزل في القرآن ليخبرنا أن كل كائن هو رسول، وأعظم رسول هو الإنسان.

 يعني قال إن الرياح رسل، أنه يرسل الرياح، أنه يرسل الطير، يعني الطير والرياح رسل، الغاز والحيوان، هذه رسل من الله، أرسل الجراد والقمل والضفادع والدم والطوفان، يعني السوائل بأنواعها والحيوانات والحشرات هي رسل من الله. “يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ”، النحاس والنار، حالة البلازما، يعني كل حالة المادة هي مرسلة من الله، كل كائن هو مرسل من الخالق ليعبّر عن قيمته ودوره في الوجود، فهو يقدم رسالة للوجود، والإنسان هو أعظم رسول.

يقول: “اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى”، فكل نفس تفيق من نومها أو غفلتها أو مصرعها..

باسم: هي مرسلة.

جمال: فهي مرسلة من الله، فلنحسن قراءة رسل الله ونقل هذه الرسالات بيننا وبين الكائنات، هذا هو أعظم دور لنا. فهو يقول: لا يوجد رسول مميز لأنه ابن فلان أو لأنه بكاء أو لأنه حنون كما تقدم بعض كتب التراث. لا، وإنما الرسالة والنبوة منزلة في الوجود يبلغ لها الإنسان ويصل إليها بالاستحقاق. هو يقرأ ويتعلم ويوسع وعيه وتنبؤه بالواقع وبالمستقبل وبالماضي وبناء الرؤى والنظريات فيرتقي بمنزلة الرسالة أو النبوة.

فيه رسل يبلغ إلى عشرين درجة، مثل الرسل في آسيا أو في أفريقيا أو في أوروبا، فيه فلاسفة حكماء يقدمون رسالة سبعين بالمئة من الحقائق والعلوم عن الإنسان وتاريخه ومستقبله، عن الوجود وتاريخه ومستقبله.

وفيه رسل مثل نبينا محمد عليه الصلاة والسلام قدم رسالة كاملة عن الوجود، بداياته ونهاياته، عن الإنسان بداياته ونهاياته، عن الخالق وعلاقته واتصالاته مع الكائنات، قدم رسالة كاملة عن كل شيء.

 

كيف كان المسجد غرفة عمليات صناعة الأمة؟

باسم: يعني وفق هذه القراءة ووفق هذا الفهم أو حتى التدبر القرآني، يعني يمكن الاستنتاج وكأن العرب لم يقرأوا القرآن.

جمال: تم صرفهم عن مفاهيم القرآن وإعادتهم للجاهلية القديمة التي هي كما قلنا في البداية ثقافات من أمم مختلفة، جاء القرآن ليزيلها ويجعل الإنسان في هذه الجزيرة عاقلًا واقعيًا يتماشى مع كل شيء بمنطق العلم والعقل والحكمة والإبداع في كل شيء، فتم صرفه عن هذا التوجه.

طبعًا الباطل والحق والخير والشر بينهم صراع لا ينتهي، ولكل جهة جنودها. أحيانًا يضعف جنود الحق فلا يقومون بالدور الصحيح فينشط جنود الباطل والشر، وأحيانًا ينشط الحق، وهذا هو الغالب في الوجود، لأن الوجود يتطور، لو لم يكن كذلك لتخلف الوجود. لكن لأن الحق والعلم والحكمة والإبداع وجنودها ينشطون فترات متسارعة وطويلة الأجل، لذلك الكون يتطور وليس يتخلف. بدأ من مادة محدودة القوانين والهيئة والصفة إلى هذه المجرات المتنوعة، كما الحياة بدأت في الكوكب من محدودة وبسيطة إلى هذا التنوع الحيوي العظيم، لأن قانون التطور من ظواهر الوجود. القرآن يشرح لنا الوجود وظواهره: عندما يتكلم عن الموت، البعث، الحياة، الحساب، التطور، ويتكلم عن ظواهر الوجود، عندما يتكلم عن مبدأ الزوجية، خلق من كل شيء زوجين اثنين. كما يقول الفلاسفة في العصور القديمة، إن الوجود قائم على ثنائيات: حق وباطل، موت وحياة، صحة ومرض، يسار ويمين، ظلمة ونور. هو يتكلم عن ظواهر الوجود ويشرح هذه الظواهر وما علاقتنا بها وتأثيرها علينا وتأثيرنا بها.

باسم: أنا بجد مسرور بهذه القراءة، وأكيد هناك آخرون وصلوا لما يشبه هذا القراءات، نريد أن نعممها، نريد أن نجعل هذه القراءة في متناول الناس، أن يقرأها ابن الجامعة وأن يقرأها الإنسان العادي، وحتى في المساجد نفسها، أن تكون معممة أيضًا في المساجد.

جمال: وضعت نسخة من الكتب مرة في أحد المساجد، مسجدين أو ثلاثة.

بالنسبة للكتاب، لمن يريد الحصول عليه، هو موجود على رابط بحسابي في تويتر وفي تيك توك، وفيه توصيل دولي، وفيه جهات ودور نشر تريد أن تتبنى عملية نشر الكتاب وترجمته والدعاية له، فقريبًا إن شاء الله سيكون متيسرًا ومتوفرًا في السوق بشكل عالمي أكثر من الآن.

ودور الجهات: نحن طبعًا مثل أي أمة عندنا جامعات ومعاهد ومدارس، لكن عملية التطور في تقديم المعلومة وخلق الإنسان العالم المتعلم، هذه عندنا تسير بوتيرة بطيئة.

باسم: بطيئة جدًا، لأن هناك عملية تخويف. أنا لاحظت الكثير من الأشخاص المفكرين والباحثين يحجم عن الظهور في الفضاء العام خوفًا من أنهم سيهاجمونني، سيتهمونني، كذا إلى آخره، وكأن الفرد المتنور أو الفرد أو الباحث الذي يبحث خارج الصندوق يخاف على حياته من الفكرة. متى نخرج من السمة هذه؟

جمال: طبعًا نحتاج وقتًا. انظر، التنوير في أوروبا أخذ مئات السنين، وسُفِكت دماء حتى انتصر في النهاية وانتشر في العالم. نحن نمر بنفس التجربة، الارتقاء وتوسعة الوعي والثقافة عندنا ستمر بمعاناة وصراع فكري، لكن من رحمة الله أن فيه الآن أجهزة التواصل، المعلومة تنتقل بثوانٍ بين أرجاء الكوكب. الحمد لله من نعم الله، خصوصًا عندنا في السعودية قيادة حكيمة تدفع إلى الاجتهاد والتوعية والتنوير وتثقيف المجتمع والانفتاح على العالم وعلى الفكر الآخر والارتقاء والاكتساء بالعلم والصناعة وفي كل مجال، فنعيش الآن الفرصتين هاتين.

الإنسان العاقل بطبيعته سيميل إلى الارتقاء والتنوير وسينفتح. هي عملية، فقط، العقبات والمعوقات أحيانًا تكون صعبة، ومجتمعنا قاسٍ قليلًا لالتزامه وتمسكه بالإرث الثقافي القديم، لكن ذلك الآن نلاحظ، وكما قلت لك في البداية، وسائل التواصل انحلت بشكل كبير. الآن التنوير 30-40 بالمئة بالمجتمعات العربية تسعى إلى التنوير..

باسم: تعتقد أن السوشيال ميديا أو وسائط التواصل الاجتماعي كان لها دور إيجابي مثلًا؟

جمال: نعم، ستعفينا من سفك الدماء إن شاء الله، والاضطرابات والتشققات بين المجتمعات أو داخل المجتمع الواحد.

باسم: وتكشف الطاغوت.

جمال: نعم، تخلق جوًا فكريًا ثقافيًا توعويًا تنويريًا على وسائل التواصل. أنا أسميها

مساجد العصر، هي التي يتم تبادل المعلومة فيها والسجود لها.

باسم: والله، هذا فهم جميل لمساجد العصر.

جمال: أي نعم، لأنه المسجد هو مكان يُمارس فيه الرضا والتصاغر للحق، للعلم، للحكمة، للإحسان، لله يعني.

باسم: ليس فقط تصلي فيه خمس دقائق ثم يغلق.

جمال: هو صناعة الأخلاق والقوانين. المسجد في زمن النبي كان خلية نحل، بالليل والنهار، الناس يأتون أفرادًا وجماعات، لا يهدأ. لا يوجد هدوء. المسجد هذا هو غرفة عمليات صناعة الأمة، التحالفات الداخلية والخارجية، القوانين الصناعية والزراعية، قوانين الاجتماع، المناكح، المواريث، كلها تُسن في المسجد، يتم تشريعها في المسجد، هو مكان صناعة الشرع والمنهاج.

هو النبي لماذا بنى مسجد المدينة؟ لأنه برحلاته رأى الأمم الأخرى، الفرس والروم، كل أمة لها حاكم يسكن في بيت يلتقي فيه بعلية القوم ومن يؤيدون هذه الدولة ويضحون من أجلها. فأول ما وصل المدينة بنى هذا المسجد ليكون مركزًا لإدارة الأمة.

باسم: مركز التواصل مع المجتمع.

جمال: صناعة الأمة. نعم، هو يريد أن يصنع أمة، يوحد هذه المجتمعات المتفرقة، فلا بد أن يكون له مركزية، ولا بد أن يكون هناك فئة تؤيده وتصدق وتثق بفكره وتدعم قضيته، وهي إنشاء الأمة. الأمة يعني الوطن، الدولة، بدل أن يكونوا قبائل وقرى ممزقة..

باسم: يصبحون مجتمعًا متكاملًا.

جمال: أي نعم، لكن الشياطين استجاروا بالثقافة القديمة، وجعلوهم ممزقين كفرق وطوائف، ويصرون على تكفير بعض ولعن بعض، والحكم بضلال الآخر.

باسم: أستاذ جمال، الباحث والكاتب والمفكر السعودي، أنا استمتعت بالحوار معك حقيقة.

جمال: الله يسعدك، شكرًا.

باسم: وأتمنى أن نلتقي في فترات أخرى في “مجتمع”، وأن تتاح للناس قراءة ما كتبت أو ما أنتجت، وهو متوفر كما قلت على وسائل التواصل الاجتماعي. وإن شاء الله نلتقي في حلقة جديدة من “مجتمع”.

جمال: بإذن الله. شكرًا لك على الاستضافة دكتور باسم.

باسم: شكرًا، شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من “مجتمع”.