Skip to content Skip to footer

ما تأثير الثورة الرقمية على التدين في العالم العربي؟ | نبيل عبد الفتاح

مقدمة

باسم: نحن بحاجة إلى مرجعية مختلفة، أن تكون صادقًا على الأقل في كيفية تقديم النص للناس، هل السوشيال ميديا يمكن أن تقدم، أين يصبح الفرد ذاته مرجع نفسه؟

نبيل: أن يكون الفرد مرجع ذاته سيحتاج إلى بعض من الوقت، وبعض من الثورة الدينية. الثورة الدينية بمقصودها ثورة في الفكر الديني، ثورة تأويلية بمحاولة تحليل النص من داخل النص وليس من خارجه. المشكلة الكُبرى أن محاولات التجديد في الفكر الإسلامي بعضها تعثّر ليس فقط باعتبارات تتعلق بالطغيان السلطوي، وإنما لأن محاولات التجديد كانت من الخارج وليس من الداخل.

هذه الحاجة تحتاج إلى عقل حر وإلى حريات عامة وفردية تمامًا للانخلاع من فكرة تدين الجموع. بمعنى أن التدين قُدّم على أساس أنه تدين جماعي وليس تدينًا فرديًا قائمًا على الإيمان الفردي بين العبد وربه أو بين الإنسان وربه سبحانه وتعالى وتنزه.

 

نشأة التدين الرقمي وتطوره

باسم: أهلا بكم أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج مجتمع، ونلتقي في حلقة اليوم مع الأستاذ نبيل عبد الفتاح الباحث والكاتب المصري، ونريد أن نناقش تأثير السوشيال ميديا أو الثورة الرقمية على انتشار الثقافة، وبالذات ثقافة التدين في المجتمعات.

نبيل: بالطبع هذه أحدثت حالة متلاحقة من التغيرات. على رأسها أن الجموع الغفيرة في الواقع الفعلي تحولت إلى جموع غفيرة رقمية؛ وبالتالي الهاجس الأساس لدى هذه الجموع الرقمية الغفيرة، هو الهروب من القيود القانونية والأمنية على حرياتها في حياتها اليومية، وبالتالي أصبحنا أمام حالة من انفجار الآراء والانطباعات والأكاذيب السوداء والاختلاقات لأمور كثيرة جدًا مما يعايشه الفرد الرقمي في حياته الفعلية. تمدد ذلك في المجالات الدينية وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي كاشفة عن الأنماط السائدة في التدين الشعبي الذي تحول إلى تدين رقمي. طبعًا في التدين الشعبي والتدين بشكل عام، أنت لست أمام النص الديني المقدس فقط، ولكن أنت أمام ميراث تاريخي من التفسيرات والتأويلات حول النص، فبات التدين الشعبي مُختلطًا في واقعه الفعلي بالعديد من الأساطير، الماورائيات، النزعة الجبرية والقَدرية في مجتمعات في الأساس، إما مجتمعات صحراوية كما كان الأمر في الماضي في العديد من البلدان العربية، وأيضًا في المجتمعات الزراعية على سبيل المثال الحالة المصرية، الحالة المغربية، جزء من الحالة التونسية إلى آخره. الثقافة الزراعية مؤثرة على أنساق القيم في هذه المجتمعات وهي أنساق متغيرة. لكن جزءا رئيسا قائما على الفكر التواكلي. الفكر الذي يقوم على الجبرية الماورائية التي تنسب في التدين الشعبي إلى الأمور المقدسة أو إلى الله تعالى وتنزه. للأسف الشديد مثل هذه الأمور هي مرتبطة بعدم تطور هذه المجتمعات من مجتعات زراعية محضة تقوم على أساس التقاليد، والعلاقات القائمة في المجتمعات “الفلاحية” إلى نمط صناعي من المجتمعات الزراعية الذي يمكنه أن يؤثر في القيم والإدراكات الاجتماعية وفي الوعي الجمعي في هذه المجتمعات. للأسف مثل هذه التطورات كانت جزئية محدودة لم تستطع أن تؤثر كثيرًا في أنماط السلوك وأنماط التدين الديني الشعبي في المجتمعات العربية الزراعية.

الأمر الآخر أن المشكلات التي أعاقت التطور الاجتماعي والسياسي في عالمنا العربي بالذات في مجتمعات كبيرة أو كثيفة السكان مثل المجتمع المصري على سبيل المثال. منذ نهاية الحرب العالمية الأولى والثانية حتى نهاية خمسينات القرن الماضي، حدث حالة من ترييف المدينة وثقافتها شبه الحداثية التي تشكلت مع النظام شبه الليبرالي في مصر والدولة الحديثة مع محمد علي وإسماعيل باشا وما بعد.

في المرحلة شبه الليبرالية كانت هناك تعدديات في المجتمع المصري لكن ينتظمها ما يمكن أن نطلق عليه الروح وثقافة التعايش التي كانت سائدة في المجتمع المصري، كان هناك تعدد ديني، كان هناك الديانة الإسلامية والمسيحية بمذاهبها المختلفة، وأيضًا اليهود الربانيون واليهود القرائيون كجزء من التكوين الديني المصري.

 

كيف ساهمت الثورة الرقمية في نشر الأفكار المتشددة؟

باسم: أنا أحترم هذا التصنيف أو هذه القراءة بشكل أو بآخر بمعنى، كمقدمة مبدئية لتقودنا إلى تأثير السوشيال ميديا أو الثورة الرقمية على تناقل الأفكار، بمعنى أنا أعلم وأنت تعلم أنه ثقافة التدين منتشرة في المجتمعات منذ القدم بمعنى، ليس جديدًا أن الشعب المصري هكذا أو الشعوب الأخرى أيضًا. الجديد حاليًا لدينا، أن الطرق القديمة في تناول هذه الثقافات اختلفت. كانت من البداية تعتمد على التلقي من مصدر محدد يركن إليه المجتمع، أنه هو هذا المصدر الحقيقي للمعلومة الصحيحة والاطمئنان إليه، الآن اختلفت الصورة، لم يعد هناك مركز محدد يعتمد عليه الفرد لتلقي المعلومة الدينية مثلًا، أو أي معلومة مجتمعية، هناك مصادر، وأصبح كل فرد بإمكانه أن يدلي بدلوه سواء لديه المقدرة أو ليس لديه المقدرة، عنده الفهم أو ليس لديه الفهم، الآن صار الجميع يشارك الجميع ممكن أنه..، أنا يمكنني أخرج أقدم فيديو واعتبر نفسي أنا مفتي، تأثير هذه الظاهرة على فهم طبيعة شكل التدين سواء تعميم أشكال سيئة من التدين أو أشكال متطرفة من التدين أو أشكال أسميها ركيكة أو راقية في التدين تعتمد على فهم الفرد نفسه، لكن المرجعية الأساس للتدين غائبة عن الفعل.

نبيل: طبعا هو الانتقال إلى الواقع الرقمي وانتقال الجمهور إلى ما أسميه بالجماهير الرقمية الغفيرة بدأت في التذري والتشظي. لماذا؟ لأن غالب الأفراد الرقميين، في حين أن الفرد في الثقافة السياسية العربية والاجتماعية يبدو غائبًا حتى الآن، لكن الثورة الرقمية تقوم بعملية تسريع بميلاد الفرد والفردانية رغم ضوضاء الجموع الرقمية الغفيرة. الذي حدث أن تشكل الفرد الرقمي جعله أولًا يركز، لو قمنا بتحليل الخطابات الرقمية المرئية الوجيزة جدًا أو المكتوبة بالغة الإيجاز حول تفاصيل الحياة بما فيها الجوانب التدينية، سنجد أن هناك حالة من الانكشاف. وهذا الانكشاف انكشاف لمن؟ كشف المرء لذاته في التعبيرات المختلفة عنها في جميع مدارات الحياة من التفكير الديني، من التفكير حول الحواس، من المأكل إلى المشرب إلى آخره. كل هذه الأمور.. إلى السياسة طبعًا، كل هذه الأمور أدت إلى حالة من الانعكاس على الجوانب الدينية.

إذا قمنا بعملية تحليل للخطابات الدينية الوجيزة والمرئية على السوشيال ميديا كعينة من العينات سوف نكتشف ما يلي: أنه أصبحت الأمور انطباعية، الآراء مرسلة، وغير دقيقة، محمولة في كثير من الأحيان لاعتبارات دعوية سواء فردية أو منظمة من بعض الجماعات تقوم على، في بعض الأحيان على محاولة فرض الرأي الشخصي على أنه رأي يستند إلى..

باسم: دراسات..

نبيل: القداسة الدينية والنص المقدس، يكون الرأي مغايرًا للنص، الآية، أو الحديث النبوي، الذي تم انتقاؤه وفصله عن سياقاته كما ورد في النص المقدس، لكي يُضفي الشخص على رأيه المرسل، وضعه اليومي، قداسة ما، أو شبه قداسة على ذلك.

 

كيف أثرت الثورة الرقمية على المؤسسات الدينية؟

نبيل: النقطة الثانية. تحول الواقع الرقمي أيضًا إلى مجال للإفتاء فلم يعد الإفتاء قسرًا فقط على المؤسسات الدينية أو رجال الدين المحترفين، لكن هذا النوع من الإفتاء اليومي الذي يزخر به الواقع الرقمي في كافة فضاءاته بات لا يعكس قط لا حتى النص المقدس وتعاليمه وعقائده.

باسم: ولا يلائم سلوكه.

نبيل: ولا يلائم ظروف عصرنا، ولا أيضًا يستند حتى إلى السرديات التاريخية.

باسم: في هذه النقطة. نتعمق في التحاور في هذه النقطة لأنه، كما قُلنا كان لديك أنت مؤسسة وهذه المؤسسة بغض النظر أنت متفق أو لا لكن هي مؤسسة رسمية ومُضفى عليها شرعية قانونية، هذه هي المؤسسة التي تنطلق منها.. دعنا نقول، الفتوى الدينية وأنا لا أرى أن هناك، فتوى دينية اتفاقًا. وهناك أيضًا مجتمع يتلقى ولا يناقش. الآن السوشيال ميديا أو الثورة الرقمية أو الوسائط الرقمية مكنت للفرد مثلي، ومثل أي إنسان آخر، أن يناقش، فإنه من البداية كنت تُعطيني هذا الكلام وأنا أحصل عليه، بغض النظر أمثله أو لا أتمثله. الآن صار لدي مجال أن أناقشه وأجيب عليه، أصبحت المراجع مكشوفة أمام الجميع، هذه الخطوة. ماذا فعلت بالمؤسسة الدينية أو إلى أين ستقود؟

نبيل: بالتأكيد طبعًا هذا أثر تأثيرًا سلبيًا، لكن هناك نمطان من التفاعل، نمط من تفاعل رجال الدين المحترفين في مواجهة الآخرين بتحويل السوشيال ميديا إلى وسيلة لإعادة بناء المكانة التي تنتابها فجوات كثيرة وشكوك في مكانة بعض رجال الدين في الواقع الفعلي، نتيجة عدم تفاعل رجال الدين مع أسئلة العصر ومشكلاته.

فبالتالي يتم استخدام وتوظيف السوشيال ميديا في محاولة إعادة بناء المكانة، وبالذات من الأجيال الجديدة من رجال الدين، وهم أقل ثقافة وتكوينًا مما كنا نعرف، في… منذ الدولة الحديثة على الأقل وحتى سبعينيات القرن الماضي أو ثمانينيات القرن الماضي. النقطة الثانية تُستخدم السوشيال ميديا أيضًا في الترويج لخطاب الجماعات الراديكالية العنيفة، داعش، القاعدة قبلها، السلفيات الجهادية، جماعة الإخوان المسلمين إلى آخره، لماذا؟ لأن السوشيال ميديا بالنسبة للأجيال الجديدة التي انخرطت في أنشطة هذه الجماعات تُستخدم في التجنيد، في الترويج للخطاب الدعوي، في أيضًا نقد السلطات الحاكمة وممارساتها الاستبدادية أو التسلطية، وأيضا في نقد الاتجاهات شبه العلمانية الموجودة على الواقع الافتراضي. أيضا السوشيال ميديا تستخدم في التنابزات بين الأفراد الرقميين بعضهم بعضًا، تُستخدم في نقد السلطة وتوظيف المجال وتوظيف النص الديني أو السرديات الدينية أو بعض المقولات الدينية المنسوبة إلى الدين في نقل هذه السلطات.

 

كيف ساهمت السوشيال ميديا في تطور الإرهاب

باسم: هذا التوصيف الذي وضعته يعني، ماذا فعلت الثورة الرقمية في المجموعات المجتمعية؟ أعطت المجتمع أدوات لأن يشارك في صياغة ثقافته..

نبيل: هذا بالتأكيد.

باسم: لكن حاليًا، على الجانب ظهرت أدوارها السلبية بالتأكيد، استغلال الإرهاب، استغلال الترويج النزعات المتطرفة، استغلال…

نبيل: عديد على سبيل المثال، من الشخصيات التي تم تجنيدها في داعش تمت عن طريق الواقع الرقمي وبعضهم كان سجينًا في السجون الفرنسية والبلجيكية.

باسم: حديثك سليم، لكن هذا جانب من الجوانب السلبية هناك جوانب إيجابية أيضًا.

نبيل: الجانب الإيجابي الأساس هو أن السوشيال ميديا ساعدت على ميلاد الفرد والفردانية في الواقع، لكن في نفس الوقت حالة من التشظي الاجتماعي، التأثير السلبي على نظام الأسرة، على الترابط الاجتماعي، على جماعة الرفاق، أو جماعة الأصدقاء، لم تعد الأمور.. وهذا جاء محمولًا على ثورة الاتصالات الرقمية، وأيضًا الهواتف النقالة، بمعنى بدأ هذا الاتجاه مع الهواتف النقالة التي أصبحت حاليًا، السوشيال ميديا تُبث وتُمارس من خلالها..

 

هل استغلت المؤسسات الدينية التطور الرقمي؟

باسم: أنا أرى ذلك تطورًا طبيعيًّا بأن المجتمعات بدأت تمتلك نواصي أو أدوات للتعبير عن ذاتها بشكل أو بآخر.

نبيل: نعم.

 باسم: في مرحلة ما المجتمعات كانت مُتلقيًّا.

نبيل: نعم.

باسم: الآن هذه المجتمعات أصبحت تشارك.

نبيل: نعم.

باسم: تتلقى وتشارك.

نبيل: بالطبع. حتى في المجتمعات الأكثر تقدمًا.

باسم: هذا ليس أمرًا مذمومًا. بالتأكيد.

باسم: في هذا الجانب الإيجابي. أنا اكتشفت أن الكثير من المؤسسات الدينية لم تعد ذات قدرة على التواصل مع عقل المجتمع، وبالتالي أنا أرى هذه نوعًا من التقدمة الإيجابية إما لحث هذه المؤسسات التي كانت تتولى تثقيفنا أن ترتقي..

نبيل: على سبيل المثال المؤسسة الدينية الرسمية في مصر الأوقاف أو الأزهر الشريف إلى آخره تحاول أن تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي في محاولة لبناء علاقات مع الأجيال الجديدة لكن المشكلة هنا ما هي نوعية الخطاب الذي يقدم. هو ذات الخطاب النقلي في الغالب والاستثناءات المحدودة هي في تقديم آراء مختلفة وجديدة تحاول أن تصاول الأسئلة الجديدة التي تنفجر بسرعة فائقة مع الأجيال الجديدة.

باسم: سؤالي استطرادي من هذه الفكرة. ألا تعتقد أنه إذا هذه المؤسسات الرسمية أو المتفق على أنها رسمية.. لأنه نحن نتفاعل معها منذ زمن، إذا هذه المؤسسات لم تستطع أن تستغل الثورة الرقمية بتوصيل وتطوير ذاتها وتطوير خطابها في التفاعل مع الناس، بالتأكيد سيأتي شخص وآخر وآخر ويستغل ويأخذ الدور؟ هناك الكثير من التيارات.

نبيل: الآن حاليًا، أصبحت هناك مسافات تتسع ما بين المؤسسات الدينية الرسمية أيا كانت، ليست الإسلامية فقط وإنما القبطية الأرثوذكسية والأرثوذكسية المشرقية، بينها وبين تابعيها، أو على الأقل بين من يؤمنون بهذا الدين أو ذاك المذهب. لماذا؟ لأنه لا يزال العقل النقلي..

باسم: هو المسيطر.

نبيل: هو المسيطر. وبالتالي يعيد إنتاج مجموعة السرديات التاريخية حول الدين وحول نظام الاعتقاد، حول الطقوس، حول القيم، إلى آخره. في هذه السرديات التاريخية كانت ابنة عصورها وأسئلتها. الآن أسئلة جدٌ مفارقة، وتشكل قطيعة ليست معرفية فقط، قطيعة تامة مع ما كان يُسأل وكان يجاب عليه وكان يؤول في الماضي للنصوص المقدسة. هذه الفجوة الواسعة أصبحت الآن لها تأثيراتها. على سبيل المثال، نمو الجماعات اللاأدرية، نمو الجماعات الإلحادية، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي وسائل تعبيرية عن هذه التوجهات المضادة للإيمان الديني وفق التفسيرات النقلية السائدة. بالتالي السطوة والهيبة التي كانت تمثلها المؤسسات الدينية سابقا في هذه المنطقة من العالم، بدأ يعتريها بعض من التآكل والتراجع، ومن ثم نحن أمام أسئلة جديدة؛ وبالتالي هذه الأسئلة الجديدة تحتاج إلى إجابات، جد مختلفة.

 

لماذا يمثل الذكاء الاصطناعي خطرًا على المؤسسات الدينية؟

نبيل: على سبيل المثال الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي، أصبح الذكاء الاصطناعي الآن يمثل تهديدًا حقيقيًا للمؤسسات الدينية التقليدية في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي.

باسم: لماذا؟

نبيل: لماذا؟ لأنه أصبح بمقدور أي شاب أو صبي أن يسأل سؤالًا ما، في أخص خصائص البناء الاعتقادي لهذه الديانة أو تلك أو لهذا المذهب أو ذاك داخلها.

باسم: ويحصل على جواب حيادي.

نبيل: ويحصل على مستوى من الإجابات أعتقد أنه حتى هذه اللحظة أفضل بكثير من بعض دعاة الطرق، بتعبير الأستاذ العميد طه حسين، أو كبار فقهاء رجال الدين. لماذا؟ لأنه نظام البيانات الضخمة المتواجدة على الواقع الذي تستخدمه الشركات الرقمية والذكاء الاصطناعي، أكبر بكثير من أي رجل دين أو داعية ديني أو حتى مُنظّر ديني لجماعة ما من الجماعات السلفية أو الجماعات الجهادية إلى آخره، ويستطيع أن يقدم له الإجابات متكاملة والآراء المختلفة تحت هذه الإجابات.

النقطة الثانية الأهم، أصبح الآن بمقدور الذكاء الاصطناعي أن يقدم رأيه الشخصي، ويفاضل، صحيح، في بداية جزئية، لكن سوف تتطور مع تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي ويصبح..

باسم: مُوجهًا..

نبيل: مُوجهًا كبيرًا للجموع الرقمية الغفيرة وللأفراد.

باسم: وأنا لدي سؤال في النقطة هذه تقريبًا هذا أعتقد يمكن أن يقودنا للاستنتاج.

نبيل: هذا ممكن. وأيضًا هناك نقطة ثانية يا دكتور باسم، من الممكن في المستقبل المنظور أو المتوسط وفق عالم السرعات الفائقة التي نعيشه، أن يؤدي ذلك إلى حالة من حالات الانخلاع من المذاهب والأديان السائدة بما فيها السماوية أو الوضعية، ويتم خلق أنبياء رقميين جدد، وأيضًا رسالات وضعية جديدة من داخل بعض الأديان، أو من بين مجموعها؛ لتُشكّل جماعات جديدة وأديان وضعية جديدة. خاصة في ظل أسواق رقمية واسعة مثل السوق الديني الأمريكي، على سبيل المثال هناك تجد تعددا كبيرا.

 

هل المؤسسات الدينية لم تكن كافية لسد تساؤلات الشعوب؟

باسم: حقيقة هذه نقطة فعلًا تستحق أنه يُلقىى الضوء عليها ونقطة خطرة. لكن كان لدي سؤال قبل ذلك. أن وجود ذكاء اصطناعي وأنه أصبح يجاوب بشكل أو بقدر أدق مما يجاوبه أي رجل دين مهما كان، يمكن الاستنتاج أن ما كان يقدمه أو ما كانت تقدمه أو يقدمه رجل الدين أو المؤسسة الدينية لم يكن على قدر قدرة الناس على الاستيعاب، أو أنه ليس هذا هو الذي كان يسعاه الناس، بمعنى الناس كانت تحتاج إلى أكثر. بدليل أنه بمجرد أن توافرت الوسيلة للبحث عن أجوبة أخرى يعطيك انطباعًا أن ما كان يقدم لم يكن وافيًا أو ما كان متلائمًا مع ما كانت الطقوس…

نبيل: طبيعي ألا يكون وافيًا، لماذا؟ لأنه حتى في ظل المجتمعات ذات العلاقات الاجتماعية الفلاحية أو البدوية، الأسئلة كانت مختلفة عن الأسئلة التي أسُست عليها بنية الفتاوي على سبيل المثال والتأويلات، التي قدمت من الآباء المؤسسين للمذاهب الإسلامية المختلفة، أو أيضًا الأرثوذكسية المشرقية. لماذا؟ لأن هؤلاء رجال الدين سواء وفق للتركيبة الهيراركية الأرثوذكسية، أو وفقًا للتقاليد الإسلامية.. في الإسلام لا يوجد وساطة ما بين المؤمن وما بين الله سبحانه وتعالى، وهنا التدين الإسلامي الحق، هو تدين فردي لكن لأنه في ظل الأمويين والعباسيين وما بعد، التوظيف السياسي للدين هو الذي أعاد بناء..

باسم: أشكال من التدين.

نبيل: أشكال من التدين المتفاعلة اجتماعيًا مع كل مجتمع وسياق تاريخي وأسئلته، تدين مختلف، لأنه عندما تؤسس بنيات وسرديات دينية حول النص المقدس بناء على السلطان المتغلب وسيفه فوق رؤوس الجميع. بالتأكيد ذلك أثّر تأثيرًا سلبيًا على مسارات إنتاج الفقه والتفسير والتأويل.

 

هل تتراجع المؤسسات والشخصيات الدينية أمام التطور الرقمي؟

باسم: اعتمادا على هذه الفكرة. هل نرى مثلًا بداية انزواء هذه المؤسسات أو أن الشخصية الدينية؟

نبيل: ثمة تراجعات ما، لأنه بالتأكيد صدمة التحولات. صدمة عالم المابعديات والثورة الصناعية الرابعة تؤدي إلى أمرين يبدوان، أو على الأقل بهما بعض من التناقض، ردة الفعل التقليدية، وهو النزوع إلى التقليد الديني لخلق حالة من التوازن السيسو-نفسي سواء لدى الأفراد أو لدى المجموع. من ناحية أخرى يؤدي ذلك إلى فتح الأبواب أمام الأسئلة أمام الأجيال الجديدة، الشابة ومن الصبيان الذين باتوا على مقدرة واسعة في التعامل والتفاعل وإبداء الرأي فيما يقدم إليهم من المؤسسات الدينية النقلية التقليدية.

أعتقد أنه قد تبدو في بعض الأحيان، خاصة مع أمور بالغة التحدي للعقل النقلي التقليدي، منها على سبيل المثال ليس فقط الثورة الصناعية الرابعة، الخلل في النظام الأيكولوجي في العالم الذي ينسبه الفكر التقليدي النقلي إلى الماورائيات، هذه تفسيرات وضعية وليست دينية لكنها تُنسب إلى الدين. على سبيل المثال أيضًا العمليات التي تجرى في السر الآن بالنسبة لعملية الاستنساخ البشري. هنا يلجأ التقليدي، رجل الدين التقليدي إلى استمداد تفسيراته إلى مثل هذه الأمور من موروثه.

 

هل كشفت الثورة الرقمية تناقضات بعض رجال الدين؟

باسم: عودة إلى فكرة التأثير الثورة الرقمية على سواء.. على وجود المؤسسات الدينية وعلى شكل التدين المجتمعاتي الذي يعنى خاصة أنه في السنوات التي مرت، بما يقرب حوالي عشرين أو 15 سنة التي مضت أو التي بدأت الثورة الرقمية تأخذ فعلها في الواقع، أنه انكشفت حتى ازدواجية رجل الدين الفرد، أنه مرة يكذب ومرة يصدق، ومرة يقول كذا ومرة يقول كذا، وعندما يقول كذا وتراجعه يقول لا لم أقل فيواجهه. فبالتالي صار هناك انكشاف..

نبيل: الأهم أيضًا، أنه أصبح تحت نظام الرقابة الفردية والجماعية من المجتمع نفسه، أنه يتم رصد هذه التناقضات ثم بثها على مواقع رقمية سواء كان ذلك مرئيًا، فيديوهات، سواء صوتيًا، سواء حتى على مستوى الكتابة..

باسم: هذا يقود أنه انكشاف رجل الدين نفسه، هذا الشخص الذي كان يتمثل بالقداسة أمام الناس، انكشف أنه يكذب.

نبيل: رجل الدين انكشف من تناقضاته، انكشف في علاقته بالسلطة. أيضًا الجماعات الإسلامية السياسية والراديكالية انكشفت من ممارساتها، وأيضًا من نصوصها الأيدولوجية التي بناء عليها تقوم بالتجديد الرقمي والفعلي لأعضائها.

 

ما تأثير انكشاف بعض تدليس رجال الدين؟

باسم: سؤالي أنا. تداعيات هذا الانكشاف؟ ماذا يمكن أن نتوقع تكون على المجتمع ؟ إلى بمعنى: أين سيقود انكشاف الفرد العادي أن ينكشف رجل الدين أمام الفرد العادي، أن هذا الرجل يظهر يكذب وكان يدلس؟

نبيل: بالتأكيد هيبة ومصداقية رجل الدين التقليدي انكشفت. وانكشف بعض من تناقضاتها.

نقطة ثانية، أيضًا هناك انكشاف للخطاب الديني السلطوي الذي يعتمد على شرعنة النظام السياسي الاستبدادي أو التسلطي، واستخداماته للدين في السياسة، وأيضًا في التعبئة. مثل هذه التعبئة التي كان يقوم بها مثلًا النظام الناصري في ستينيات القرن الماضي على أساس ديني انكشفت. انكشفت أيضًا بعد هزيمة يونيو 67. أيضًا الخطاب الساداتي المتسربل والمتقنع في بعض من ثناياه بالنصوص الدينية التي كان يطرحها رئيس الدولة آنذاك، أيضًا..

باسم: انكشفت.

نبيل: انكشفت من خلال سياساته. وعلى فكرة، هذه الانكشافات كانت موضعًا في بعض الأحيان لأشكال مضادة من السخرية الفعلية، التي كان يقوم بها الشعب المصري في هذه الفترات من خلال قدرته على إطلاق النكات، التي تكشف عن المفارقة والتناقضات. رأينا خطاب رجل السياسة وبين سلوكه الفعلي.

 

هل يمكن أن يكون الفرد مرجع ذاته بسبب السوشيال ميديا؟

باسم: بعد انكشاف رجل الدين الفرد أمام تابعيه أو مريديه وبعد انكشاف الفكرة التي يمكن أن يمثلها لأنه لم تكن أصيلة بمعنى لم يكن هو انعكاس حقيقي لفهم النص. هذا يقودنا إلى أنا نحن بحاجة إلى مرجعية مختلفة، إلى مرجعية دينية قد تكون صادقة على الأقل في كيفية تقديم النص للناس. هل نحن بحاجة إلى هذه المرجعية؟ هل السوشيال ميديا ممكن تقدم أن يصبح الفرد ذاته مرجع نفسه بمعنى أن يتعلم بنفسه؟

نبيل: أن يكون الفرد مرجع ذاته، أعتقد أن هذا سيحتاج إلى بعض من الوقت، وبعض من الثورة الدينية. الثورة الدينية بمقصودها ثورة في الفكر الديني، إذا شئنا استعارة كتاب هام كان قد نُشر أثناء الحرب الأهلية في بيروت لأحد المثقفين والمفكرين المصريين الكبار الدكتور النويهي. إذا لم تحدث ثورة في الفكر الديني على صعيد حركة نقدية لبعض السرديات التي تمت حول الأرذوثكسية المسيحية المشرقية، الإسلام الشيعي والإسلام السني. نقطة ثانية ثورة تأويلية بمحاولة تحليل النص من داخل النص وليس من خارجه. المشكلة الكبرى، أن محاولات التجديد في الفكر الإسلامي بعضها تعثّر ليس فقط باعتبارات تتعلق بالطغيان السلطوي أو التسلطي أو الجانب التسلطي الديني أو التسلطية الدينية التي صُنعت على مثال التسلطية السياسية في النظام المصري في تطوراته وبعض النظم العربية الأخرى، وإنما لأن محاولات التجديد كانت من الخارج وليس من الداخل. تعثرت المحاولات التي حاولت أن تجدد التأويل الديني من داخل النص الديني على نحو ما حاول محمد عبده وتلاميذه حتى الشيخ شلتوت، حتى الشيخ مصطفى المراغي، قبله حتى الشيخ عبد المتعال الصعيدي، محمد عبدالله دراز، الذي درس أيضًا في فرنسا. هذه الحاجة تحتاج إلى عقل حر، وإلى حريات عامة وفردية تمامًا، للانخلاع من فكرة تدين الجموع. بمعنى أن التدين قُدم على أساس أنه تدين جماعي وليس تدينا فرديًا قائما على الإيمان الفردي بين العبد وربه أو بين الإنسان وربه سبحانه وتعالى وتنزه. أما فكرة أن الجموع كلها تأخذ بنفس التفسير، بنفس التأويل الوضعي البشري الذي وضع في مرحلة تاريخية ما، هذه سياسة، سياسة دينية ترمي إلى التعبئة، تعبئة الجموع وحشدهم وراء الحاكم المتغلب السلطوي.

باسم: وليس اتقاءً لله؟

نبيل: وليس اتقاءً لله سبحانه وتعالى، وليس انخراطًا في تفاعل الفرد مع النص المقدس.

 

من المخول له وضع آليات قراءة النص لكي يصل للشعوب؟

باسم: هنا، هناك نقطة يجب أن نناقشها أنت ذكرت نقطة هامة جدًا وأنا أعجبت بها. النقطة هذه، أنه سابقًا قرئ النص من خارجه، وبالتالي ضاع النص. أن مراكز القراءات اختلفت، الآن لقراءة النص من داخله وبالضرورة أنه لازم أن تتوفر هناك ميكانيزم خاصة مفهومة للقارئ أن يكون هناك.. الآن ما هي… من هي الجهة المخولة لأن تضع لنا آليات لقراءة النص من داخله؟

نبيل: هو بالقطع كان ذلك فرضًا والتزامًا وحرية أيضًا على المؤسسة الدينية، سواء الرسمية أو غيرها، لكن الذي حدث أن حالة الطغيان السياسي ما قبل الدول، ما بعد الاستقلال وما بعدها، أثر سلبًا في تحويل هذه المؤسسات الدينية إلى مؤسسات تابعة.

نقطة ثانية، في المراحل التي كانت هناك حريات رأي وفكر وتعبير وكان السوق الثقافي مفتوحًا. مفتوح داخليًا ومفتوح على الخارج، حدث تفاعل من بعض رجال الدين، على سبيل المثال في الأزهر الشريف، وأيضًا في الكنيسة المصرية الأرثوذكسية، بعض من التفاعل الإيجابي مع هذا التعدد وهذه الحرية في الآراء، وتفاعلوا معها، تفاعلوا معها من داخل النص الديني مع خارجه. هنا كانت بعض الحالات، التألق لدى بعض الأزهريين، أو لدى بعض الأساقفة، أو حتى الآباء في الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، وأيضًا في المشرق العربي. لكن هذا الطابع التسلطي والاستبدادي وقمع الحريات العامة، هو قمع للعقل وللضمير الفردي وللضمير الجمعي. هذا التعثر في الأدوار التي كانت المفترض أن تقوم بها، أن يقوم بها رجال الدين، جعل ذلك في حقيقة الأمر من خلال نظام التعليم، المواد التي تدرس في اللغة العربية فيها تناصات ضخمة مع الدين، أيضًا في المناهج الدينية التي تدرس للطلاب، كلها مناهج سلطوية بمعنى أنها انتقاءات من بعض..

باسم: بدليل أنه الثقافة الموجودة.

نبيل: فبالتالي تقوم على الانصياع، على الامتثال، على الخضوع للحاكم الطاغية المستبد في المشرق.

 

هل ستغير حرية السوشيال ميديا من شكل التدين في المجتمع؟

باسم: صحيح. عودة للحرية التي وفرتها الثورة الرقمية، أنه أعطتني أنا كفرد والمجموع أيضا، أن يقول كما يشاء بأي شكل بالطريقة، وبالتالي هذه صارت وكأنه هناك فوضى من الثورة، هذه الفوضى في طرح المفاهيم سواء كانت فردية أو حتى مجموع.

نبيل: لها بعض الإيجابيات.

باسم: نعم ولكن لها بعض السلبيات.

نبيل: على الجانب الآخر، لا توجد سلبيات مطلقة، هي أمور نسبية، لكن في هذه لا ننسى أننا في مراحل تشكل ومراحل سيولة، ثم نحن كما جاء المصطلح الذي قالته الموسوعة البريطانية، ما بعد الحقيقة، بالطبع مصطلح قاله شخص هام. مصطلح ما بعد الحقيقة هذا أدى أيضًا إن ما بعد الحقيقة وأكاذيبها وآرائها المرسلة لم تعد قاصرة فقط على الأفراد أو على الأحزاب السياسية، أو على الأحزاب السياسية في الحكم أو في المعارضة، أو حتى على رجال الدولة في المجتمعات الغربية، خذ على سبيل المثال بعض ما كان يقوله ترامب أو بايدن أو غيرهما مثلا، ليس فقط على القضايا العربية، وقضيتنا الأساسية القضية الفلسطينية، وإنما أيضًا على بعض القضايا الدولية والقضايا الداخلية، داخل حتى الولايات المتحدة الأمريكية وهذه الظاهرة يستخدمها السياسيون خاصة مع النزعة الشعبوية..

 

ما دور السوشيال ميديا في فرض التدين في المجتمع؟

باسم: مائة بالمائة، لكن أنا سؤالي كالتالي، أنه إلى أيّ مدى مسموح لهذه السيولة في حرية استخدام السوشيال ميديا في فرض شكل ما من أشكال التدين في المجتمع؟

نبيل: هي فرضت وستفرض أشكالًا من التدين الرقمي على الحياة الفعلية، لكن سيكون تدينًا مرتبطًا بالطبيعة السياسية السائدة في هذه المجتمعات. إذا سادت الشعبوية على سبيل المثال ستؤثر على التدين الشعبي وعلى التدين الرقمي. أيضًا إذا سادت الحريات سوف تكون الحريات مع حماية حرية الرأي والتعبير والضمير الفردي، في هذه الحالة سنجد بعضًا من السجالات، وسوف نجد أنه تتخلق من بين أصلابها بعض من الآراء التجديدية المهمة بالنسبة للدين سواء في قراءة النص أو غيره.

باسم: هل تتوقع أنه فعلًا في النهاية ستنتج تيارات…

نبيل: نعم، أتوقع، وأتوقع أن يؤثر الذكاء الاصطناعي التوليدي وأشكال أخرى سوف يتم ابتكارها أو إبداعها رقميًا فيما بعد على التأويل الديني. بمعنى على سبيل المثال الثورة اللسانية التي تمت في أربعينيات القرن الماضي على سبيل المثال، ثم انتقلت إلى كافة العلوم الاجتماعية، أثرت على التفسير الديني وعلى التأويل الديني. لكن مثل هذه الأمور لا تزال بعيدة عن رجل الدين وتكوينه التقليدي في المؤسسات الدينية. بعض من ذلك تأثر به على سبيل المثال بعض ممن تخرجوا من الحوزات العلمية الشيعية على سبيل المثال، ومن هنا وجدنا بعض التأويلات باتت تستجيب لبعض الأسئلة التي يطرحها العصر والمجتمع في البلدان التي تأخذ بالمذهب الشيعي، أو بعض من المثقفين والمفكرين الشيعة الذين خرجوا من بنيات المذهب.

 

هل يمكن أن تلغي السوشيال ميديا الطائفية والتعدد المذهبي؟

باسم: اعتمادًا على هذا القول، هل يمكن تصور ما، في لحظة ما، بعد ترسخ استخدام السوشيال ميديا كأداة من أدوات التواصل الثقافي المجتمعي وحتى التدين المجتمعي، أن نصل إلى مرحلة تعدت الطائفية أو تعدت المذهبية، مثلًا في الإسلام، أن يكون المسلم مسلمًا مؤمنًا بغض النظر أن يكون منتميًا مثلًا أو تابعًا لطائفية أو ذاك؟

نبيل: هذا يرتبط أساسًا ببروز أو على الأقل ظهور مُجدد للاتجاهات التي حاولت أن تبني جسورًا بين فقه الجماعة الإسلامي ومذاهبه، وما بين الشيعة الاثنا عشرية، هذا تم في عهد مولانا الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت.

باسم:لكن هذه جسور، نعم، لكن هذه جسور.

نيبيل: والإمام القمي على سبيل المثال، ثم تعثرت فيما بعد. عندما تم التسييس المذهبي والصراعات المذهبية في العالم العربي، لاعتبارات تتعلق بخلل في التوازنات القوة على صعيد الجغرافيا السياسية الإقليمية، تحولت إلى صراعات على صعيد الجغرافيا المذهبية في المنطقة.

باسم: الآن استغلالًا للثورة الرقمية، وبالحرية المعطاة للناس هل نتوقع أو هل يصح أن نحلم أن هذه الثورة الرقمية ستنقل الناس إلى خارج نطاق أو تتعدى الطائفية والمذهبية؟

نبيل: نعم. لأنها نعم إلى حد ما..

باسم: أنا هذا ما أحلم به.

نبيل: نعم. أعتقد أن ذلك من الأمور الممكنة خاصة مع الفردنة الدينية التي سوف تنتُج عن الحياة الدينية الرقمية وتأثيراتها على الحياة الدينية الفعلية في المجتمعات العربية. سيأخذ ذلك بعضًا من الوقت، لكن مع الأجيال القادمة، بالتأكيد سوف يترسخ التدين الفردي. ومن ثم هناك إمكانية لضعف فكرة الرابط الجماعي في التدين، سواء كان رابطًا مذهبيًا في فقه السنة أو في الفقه الشيعي. وبالتالي سيتم الانتقال مجددًا إلى الجامع الأساس، وهو النص المقدس تعالى وتنزه. بالتالي الرجوع إلى هذا النص، الرجوع الفردي إلى هذا النص، وبالتأكيد إنتاج تفسيرات تتماشى، وتأويلات تتماشى، مع عقلية الأجيال القادمة.

باسم: يعنى إمكانية أن تقودنا الثورة الرقمية إلى..

نبيل: وستقودنا إلى مراجعات للسرديات كل ما نتج عن الآخر وتجاه المذاهب الأخرى المختلفة معه.

باسم: يعنى تقودنا إلى إنتاج فرد مؤمن مسلم.

نبيل: أعتقد أنه على المدي البعيد سوف يحدث ذلك. على المدى البعيد ماذا؟ مع الأخذ في الاعتبار الثورة.. ثورة السرعة الفائقة التي يعيش فيها عالمنا، والتي يعنى انتقالاتها مثلها فائقة السرعة.

 

التقدم الرقمي يقود العالم للعودة للمرجعية الدينية الأصلية

باسم: نعم. ماذا نتوقع؟ توقعنا أنه ممكن أن تصل ممكن في 10 أو 15، 20 ممكن 50 سنة، من الآن الوصول إلى هذه الفردية. الشخص المؤمن المسلم الذي يتساوى في فهم السلوك مع الآخرين…

نبيل: نعم. هذا سيتكرس لماذا أيضًا؟ نحن في عصر الأناس الروبوتية، الإنسان مع الروبوت، هذه مرحلة تمهيدية لما بعد. لمرحلة ما بعد الإنسان، لمرحلة ما بعد الإنسان سوف يحدث ماذا؟ سوف يكون الروبوت الفاعل الرئيس في كثير من الأمور.

نقطة ثانية انكشاف الآن خبر أن الروبوت بات لديه رد فعل، فتم فصل واحد من مديري الشركات الكبرى، الرقمية الكبرى في العالم؛ لأنه أفصح عن سر لا يزال سرًا، هو أن الروبوت له رد فعل على الإنسان. 2030 سيكون لديك، هذا رقم قديم سيكون لديك خمسون مليون فرد خارج العمل. ولن يستطاع إعادة تأهيلهم مجددًا ضمن أعمال أخرى، ما معنى هذا؟ يعني انتشار الأنوميا الاجتماعية، الاغتراب، ستتجدد الحاجة إلى الدين، لكن لن تُستعاد التفسيرات القديمة.

باسم: بالتأكيد. نعم بالتأكيد.

نبيل: وبالتالي هذا سيكون محفزًا على تحريك التحول إلى النزعة الفردانية في الدين.

باسم: سيعنى. ستم تفعيل المرجعية الدينية..

نبيل: بالطبع. وهذا سوف يؤثر أيضًا، على شكل الأنظمة السياسية وعلاقة السلطات الاستبدادية والتسلطية في العالم العربي وفي غيره في المواطن.

 

إلى أي مدى استفادت المؤسسات الدينية بالرقمنة؟

باسم: السؤال وفق تجربتك أنت ككاتب وباحث سياسي هنا في مصر أو في المجتمعات العربية الأخرى. هل شعرت أنه هناك تحسس لوعي ما، بغض النظر عن المستوى لهذه المخاطر التي تحدثت عنها، أن هذه ثورة رقمية؟

نبيل: على المستوى السياسي لا يوجد مثل هذا الوعي الذي يحتاج إلى درجة عميقة ومركبة بطريقة فهم العالم وتحولاته، القطائع المعرفية التي حدثت وسوف تحدث في عالمنا. الاهتمام فقط هو باستخدام بعض الرقمنة في بعض القطاعات الإدارية والقطاعات الأمنية.

باسم: للأرشفة؟

نبيل: نعم. والقطاعات الأمنية، والقطاعات الاستخباراتية، سواء على صعيد الأمن الخارجي أو الأمن الداخلي فهذا هو الاهتمام.

باسم: والمؤسسات الدينية؟

نبيل: واستعارة.. المؤسسات الدينية الرقمنة تستخدم الآن في بث والترويج للخطاب الديني التقليدي. وبعض من التجديد البسيط جدا والجزئي. لكن لا يزال الوعي المعرفي المركب بتأثيرات الرقمنة والذكاء الاصطناعي التوليدي ومآلات ذلك القادمة والسريعة في حدوثها، أعتقد لذلك أمر بعيد عن الغالبية العظمى وأعتقد أنه ربما يوجد بعض من القلة القليلة جدا التي تستوعب ذلك. لماذا؟ لأن هذه المؤسسات تغلغل في أنسجتها وتركيب العضوية فيها الفكر النقلي والفكر السلفي الذي تمدد منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى الآن.

 

من يقدم الفهم الجديد للدين بعد التطور ؟

باسم: نحن اتفقنا هذا النوع من الأفكار بدأت تتكشف أنها ليست كما… ليست هي ما يريده المواطن أو ليس ما يريده الإنسان العادي الطبيعي الذي أنا أسميه الإنسان المؤمن المسلم. ليس هذا ما يريده. الإنسان المؤمن المسلم يريد انضباطًا وفق السنن المتبعة في النص، في الحياة، على أن يعيش إنسانًا عاديًا.

الآن تحدثنا عن هناك تجديد في الرقمية في وسائل التواصل، لكن التجديد بالمعارف التي سيتم تحميلها على هذه الوسائط. من الذي سيكون عنها؟ هل مجرد انكشاف رجل الدين الفرد وتناقضه ما بين الصدق والكذب كافيًا أن تعطينا دفعة لتجديد فهم للنصوص أم فعلًا أننا نحتاج لمركز متخصص لتقديم هذا الفهم؟

نبيل: أعتقد طبعا فكرة وجود مراكز متخصصة وليس مركزًا واحدًا هذا أمر من الأهمية بمكان، لكن ذلك يتطلب…

باسم: إعداد.

نبيل: إعداد، يتطلب كوادر على مستوى رفيع ليس فقط بمعرفة الدين في نصوصه المقدسة ومذاهبه المتعددة وتطوراته التاريخية والعلاقة بين السرد التاريخي وبين النص المقدس، لأنه هذا سرد وضعي، تأويلات وضعية بشرية. هذه أمور بالطبع… ومن ناحية أخرى معرفة بالتطورات الضخمة في العلوم الاجتماعية، ما تُرجم وما تم التناص معه من المعارف الحديثة جزئي ومحدود في عالمنا العربي ومن اطلعوا عليه في عمق قلة قليلة من أكبر العقول العربية. ولا ننسى أن هذه العقول العربية لأنها عقول أحرار نقديين مهمشين سياسيًا وأيضًا دينيًا ومجتمعيًا.

باسم: ومعرفيا.

نبيل: ومعرفيا. لأن فكرة أن المفكر ذا المستوى الرفيع الذي ينتج الثقافة العالمة لابد له أن ينتجها للعاديين هذا هزل سائد في العالم العربي. المفكر يُنتج الثقافة العالمة وهناك آخرون يقدمونها..

باسم: لتبسيطها للآخرين.

نبيل: لتبسيطها للآخرين. وإلا لن يكون لديك ثقافة عالمة.

باسم: ولهذا دور السوشيال ميديا الآن.

نبيل: دور السوشيال ميديا ستفعل ذلك. على… لا، الوضع بالغ السرعة في تلاحقها لم تكن في الذهن ولا الإدراك الإنساني قط من قبل.

باسم: أستاذ نبيل أنا سررت بالحديث معك والكتاب يحتاج إلى أكثر من حوار إن شاء الله.

نبيل: عفوًا، ربنا يخليك، شاكر جدًا جدًا صديقي العزيز.

باسم: ونلتقي في حوارات أخرى في أفكار جديدة. الوقت داهمنا أستاذ نبيل. شكرًا لكم وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”.