مقدمة
باسم: لماذا الاختلاف في الرسم؟ حرف الصاد، حرف الواو، حرف العين، تجده في جميع اللهجات الموجودة أو الألسن الموجودة، لكن التعبير عن هذا الحرف يختلف هنا. لماذا هذا الاختلاف فقط؟
محمد: الكتابات الأولى التي وقعت على ضفاف النيل والكتابات الأولى التي وقعت في الصين هي رموز، وهذه الرموز تصويرية للأشياء؛ لأن الإنسان بدأ يصور على الكهوف، الوعل الذي اصطاده، يصوره، السهم الذي ضرب به الوعل، يصوره. ثم بدأ يتفطن الإنسان إلى المقاطع. في نهاية الأمر اكتشف الحرف. اكتشاف الحرف مع الكنعانيين كان اكتشافاً عظيماً. في نهاية الأمر، هذا الأمر يتعلق بتصورنا للفضاء اللغوي. الفضاء اللغوي متنوع.
الإنشاء النحوي للكون
باسم: أهلاً بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم، نلتقي الدكتور والباحث محمد صلاح الدين الشريف من تونس، أستاذ له باع طويل في تأسيس تدريس اللغة العربية، ووضع أسسًا لفهم اللسان والتفريق ما بين اللغة واللسان وتفرعاته. وله نظرية خاصة محددة تتعلق بالإنشاء، تسمى “الإنشاء الكوني” أو “الإنشاء النحوي للكون”. يعني بهذه المحاضرة. دكتور، نريد أن نفهم منك ما المقصود بالإنشاء النحوي للكون؟
محمد: الإنشاء النحوي للكون هذا مرتبط بتعريفي للغة، بتعريفي للسان، وأيضاً بتعريف ما أسميه “البرنامج النحوي” الذي يحرك اللغة البشرية، والذي يحرك الألسنة الخصوصية. هي نظرية لها جذورها في التفكير اللغوي القديم والحديث بالخصوص. لها علاقة بما درسته ودرّسته من النظريات، خاصة النظرية التوليدية التي تمثل تقدماً كبيراً في تلك الفترة؛ لأن هذه النظرية أتممتها سنة إحدى وتسعين.
باسم: نعم، يعني قبل ثلاثة وثلاثين سنة تقريباً.
محمد: لها مدة طويلة. واشتغلت على الفكرة مدة عشرين سنة.
باسم: طيب، جوهر الفكرة؟
محمد: أبدأ بكلمة “لغة”
باسم: لأن مسألة الإنشاء النحوي للكون وكأنك تحاول أن تربط ما بين اللغة وبين نشوء الكون، أو ما بين قوانين كونية محددة.
محمد: أن أربط بين تصورنا للكون في عمومه، يعني ما لدينا نحن البشر من ثقافة تتعلق بهذا الكون في جميع أمورها. كيف تتكون؟ وهنا النظرية السائدة خاصة منذ كانط، منذ الفلسفة العقلانية المثالية الحديثة مع كانط، أن هذا يرجع إلى طبيعة الذهن البشري، ولا يرجع إلى أمور تتعلق بمادة الذهن البشري. ما أقوله هو أن اللغة ليست منفصلة عن المادة، التي هي أساساً المادة البيولوجية.
باسم: يعني المادة ليست منفصلة عن الوجود، على عكس ما قاله كانط، أنها مخلوق ذهني؟
محمد: هي طبيعة.
باسم: هي الوجود.
محمد: هي الوجود. ولكن لا نعرف عنها شيئاً. عندما وجد الإنسان الأول، أتصور أن الإنسان الأول لم يكن يفهم ماذا يفعل، ماذا وأين هو. مرت على الإنسانية آلاف القرون، ليس سنة أو سنتين، لكي يصل في يوم من الأيام أن يتصور الأرض والقمر والشمس والمجموعة الشمسية. لم يكن ذلك بين ليلة وضحاها. ماذا بقي يفعل الإنسان مدة ثلاثمائة ألف سنة؟
باسم: قبل أن يتمكن من إعطاء الأشياء أسماء؟
محمد: قبل أن يعطي للأشياء أسماءها، وقبل أن يعبر عنها. وأن يعطي تصورات تتعلق بالأشياء في الكون.
باسم: يعني هي تصورات ذهنية أولاً عن الكون ذات علاقة بالواقع، ومن ثم اختلاق أداة تواصل أو التعبير عنها؟
محمد: ذات علاقة بما حوله. وأنا أقول ذات علاقة بالمحيط. عبارة “محيط” هنا عبارة بيولوجية. المحيط الخارجي الذي يعيش فيه.
باسم: الفرد أو الإنسان أو المجموعة..
محمد: الإنسان. الذي يعيش فيه الإنسان. والتصورات الأولى هي تصورات تقريبية؛ لأن الإنسان لم يعرف نفسه، ولم يعرف الوجود الذي هو فيه دفعة واحدة.
باسم: أكيد صار بالتدريج.
محمد: بقي آلاف السنوات.
باسم: حتى تمكن من الوصول..
محمد: حتى تمكن من بعض المعطيات.
باسم: معقول، صحيح.
محمد: وهذا الأمر معقول. ولكن ما هي وسيلته لذلك؟ بما أنني لم أقبل العقلانية المثالية التي مثلها الفلاسفة، وأريد أن أفسر الأشياء بأمور دقيقة وعلمية. لم أرَ، وهنا ليس اكتشافاً عظيماً، هي شيء حدسيّ يوجد في أذهان الكثيرين. حاولت أن أعبر عنه. نحن نتوارث المعلومات. وهذه المعلومات نتوارثها في شعوبنا المختلفة، في ألسنتنا المختلفة عبر التاريخ. عبر التاريخ الذي أسميه “عبر التاريخ الطبيعي”. ما معنى “عبر التاريخ الطبيعي”؟ يعني ما يسمى “ما قبل التاريخ”. ما هو “ما قبل التاريخ”؟ “ما قبل التاريخ” هو ما قبل أن يكتشف الإنسان في وعيه اللغوي، يعني أن يعي أنه يتكلم. أن يعي أنه قادر على أن يفهم كيف يتكلم. عندما توصل الإنسان إلى هذا الاقتناع منذ تقريباً خمسة عشر ألف سنة. الأمر ليس بعيداً، هو قريب، قريب جداً. وبدأ رسومه على الكهوف. في ذلك الوقت بدأ يعي أنه يستطيع أن يسجل ما يقوله. وهذا ما أدى إليه في سبعة آلاف سنة. إلى اكتشاف الخطوات الأولى في الكتابة. يعني أن يكتشف الوحدات اللغوية.
باسم: أنه يستطيع أن يعبر عما في ذهنه.
محمد: هذا ما أسميه الوعي النحوي. الإنسانية وصلت إلى الوعي النحوي، أن تعي أن ما تقوله يمكن ضبطه. وعندما وصلت الإنسانية إلى هذه المرحلة، بدأت تركض في جمع المعلومات وفي تكوين المعرفة. إذن، بدون اللغة، لم تتمكن الإنسانية أن تكون ما هي عليه الآن.
كيف تطورت اللغة البشرية
باسم: اكتشاف اللغة، دعنا نقول اكتشاف الكلمة للتعبير عن المفهوم. أنت تقول إن الواقع كان له دور أساسي في تشكيلها في ذهن الإنسان…
محمد: نعم، عن طريق الجهاز العصبي.
باسم: عن طريق الجهاز العصبي، يعني الجهاز الصوتي المبني فينا كآدميين أو كبشر هو في رأيي..
محمد: الاستعداد اللغوي.
باسم: هو مخلوق ليكون مستعدًا للتفاعل ما بينه وبين الواقع. فمفردات الإنسان هي مفردات انعكاس للواقع الذي شاهده في حياته اليومية، كما أنت وصفته بالبيئة. يعني بهذه الطريقة، أنت تتفق مع الكثير من اللسانيين العرب الجدد الذين يرون أن وجود اللسان العربي بمعنى عربي ليس عربيًا كما تكلم فيه العرب، بمعنى أن داله يطابق مدلوله، وأن انعكاس الواقع يجد نفسه منعكسًا في تمييزات نسميها حروفًا وألفاظًا. الدال ينطبق على المدلول، والعكس صحيح. وكون أن الجهاز الصوتي الذي فينا يتلاءم مع فهم انعكاسات الواقع فينا، فتشكل اللسان. وهذا ما تقوله، وهذا دقيق في رأيي.
محمد: إلى حد ما، ولكن هذا يقتضي منا أن نقول كيف تطورت اللغة البشرية لتكون الألسنة. هنا العلم ليست له إجابة. لماذا ليست له إجابة؟ بما أن اللغة وظيفة عصبية.
محمد: يعني هي تسمى فسيولوجيًا في البيولوجيا، الوظيفة العليا. الوظيفة اللغوية هي الوظيفة التي تمكن فردًا من نقل المعلومات التي في ذهنه إلى ذهن آخر.
باسم: حسنًا، يعني خلق أداة التواصل.
محمد: هذا التواصل. وهذا الأمر نفسه هو نتيجة التطور البيولوجي.
باسم: بالتأكيد، نتيجة التطور البيولوجي. ليس لدى التطور المعرفي أو التراكم المعرفي؟
محمد: التطور البيولوجي هو أدى إلى التطور المعرفي، لأن الواقع تطور في الذكاء، من الحيوان، النمل له لغة بسيطة جدًا، والنحل له لغة بسيطة جدًا، والعصافير لها لغة.
باسم: صحيح، متفقون.
محمد: وهذه اللغة لماذا هي بسيطة جدًا؟ لأن هذه اللغة الحيوانية، واللغة عند الحشرات وعند بعض الفقاريات، وظيفتها في علاقة الفرد بالمحيط لها ثلاث وظائف أساسية. وظيفة الجماع، إذن لها دور أساسي لطلب الجماع للمحافظة على النوع. الثاني هو الغذاء، والثالث هو الدفاع.
باسم: الحاجات الوجودية.
محمد: ولذلك، عندما درست لغة النمل البسيطة التي تقوم على الرائحة، لغة النمل تقوم على الرائحة، ولغة النحل تقوم على الرقص.
باسم: على الذبذبات.
محمد: نعم، ترقص فيما يشبه عدد الثمانية للغذاء، ولكن أيضًا للدفاع عن الخلية وللتكاثر. وهذه الخصائص الأولية التي بها يحافظ النوع على نفسه. بالنسبة للإنسان، جهازه العصبي متطور جدًا. لماذا متطور جدًا؟ لأن الخلايا العصبية في مشابكها تكون مليارات، مليارات من..
باسم: الخلايا العصبية.
محمد: المشابك التي تمكنها من معالجة المعلومات بقوة لا توجد عند الحيوانات.
باسم: أنا متفق معك بالميكانيكية التي تتحدث فيها، وأنا أتفهم ما تقول حقيقة. أساس ما تقول إن الواقع وانعكاسه في الذهن البشري شكل أداة التواصل ما بيننا.
محمد: ليس انعكاسًا، لأننا ضد فكرة نسميها انعكاس.
باسم: يعني انعكاس فهمي.
محمد: ليس انعكاسًا بسيطًا.
باسم: لا، هو انعكاس نتيجة فهم.
محمد: أنا أقول، وقع الأشياء على الجهاز العصبي.
باسم: لست مختلفًا معك بالتوصيف..
محمد: وقع الأشياء، لأنني إذا قلت انعكاسًا يصبح كالمرآة والصورة.
باسم: لا، المقصود انعكاس بمعنى انعكاس فهمي. انعكاس يعني أنه يعني استيعابًا.
محمد: لنقل انعكاسا بالمعنى العصبي.
باسم: لنتفق على ذلك، لكن سؤالي كالتالي:
محمد: يعني معنى reflex.
كيف تتشكل المفاهيم؟
باسم: حسنًا، هذا يقودني إلى سؤال: كيف تتشكل المفاهيم في الذهن؟ ومن يسبق التشكيل؟ هل المفهوم يسبق على تشكيل المعنى؟ وما علاقة المعنى والمفهوم بالصورة المشكلة في الذهن؟
محمد: الفرق في المقاربة التي أذهب فيها والمقاربة النفسية، أن المقاربة النفسية هي مقاربة تقوم على ذهن الفرد، دماغ الفرد، كيف يشتغل؟ عندما تتكون للفرد تصورات. عادةً تصورات معها مقولات.
باسم: تترجم إلى مقولات.
محمد: لأن التصورات الأساسية هي مقولية. أتصور الإنسان الأول، حي بن يقظان، لأول مرة يجد نفسه أمام كلب، يخاف. ما هذا؟ ويتكون له بمر الأيام تصور معين، وهذا التصور يبقى متعلقًا بنفس الكلب الذي عرفه، يتحول إلى جنس الكلب، يتحول إلى مقولة. وهذا الأهم، لأن اللغة لا تتعامل مع الأشياء فيما هي، ولكن مع مقولات.
باسم: الذي هو المفهوم.
محمد: فيما هي هي، ولكن مع مقولات.
باسم: الذي هو المفهوم.
محمد: المفهوم هو ما يفهم من لفظ.
باسم: بالتأكيد، والمقولة هي ما يفهم من قول. يعني أنا أتفق معك أن المقولة بشكل أو بآخر هي تقريبًا المفهوم بشكل أو بآخر. يعني الاثنان، يمكن استخدام الواحدة للدلالة على الأخرى ،بدليل.
محمد: حي بن يقظان.
باسم: حي بن يقظان، هو طبعًا لا يمكن اعتبارها كنموذج ويقاس عليه في كيفية تطور الكلام عند الإنسان، إنما هي تجربة صغيرة جدًا يمكن إسقاطها على بعض الكيفيات، لكن لا يمكن، لأن الإنسان لما وجد على الأرض، لم يوجد فردًا، وجد ضمن مجاميع بشرية. وكل المجاميع البشرية طورت آلية خاصة بها في التعاون مع الواقع. وإن كان هناك فيه تشابه، لكن النقطة التي أحب أن أسأل عنها وأدقق عليها، كيف نشأ المفهوم؟ يعني أنت قلت إن حي بن يقظان لما تعامل مع الكلب، نشأ في ذهنه مفهوم ما يفعله الكلب، وصار لدينا مفهوم اسمه مفهوم الكلب، والتكالب، والكلاليب، والكلاب. كل هذه صارت مفهومًا، جزء منها ما يقوم به الحيوان نفسه، ولهذا سُمي الكلب كلبًا لأنه يقوم بجزء من الكلب أو الكلاب أو التكلب الذي يقوم به الكلب نفسه. فهنا فيه علاقة ما بين المفهوم والشيء الدال عليه أو التصور الذهني الذي يمكن أن ينشأ عنه، يعني الصورة التي تتشكل عن المفهوم.
محمد: التصور الذهني من الناحية الفردية شيء، ومن الناحية اللغوية شيء آخر. لماذا؟ لأن اللغة باعتبارها للتواصل، وما معنى التواصل؟ التواصل يعني نقل المعلومة من دماغ إلى دماغ آخر. عند نقل معلومة من دماغ إلى دماغ آخر، فإنها يقع تعديلها بحسب الأشخاص المتشاركين، والمجموعة اللغوية التي تتكلم نفس اللسان تكون تصورًا متقاربًا للشيء. إذن في نهاية الأمر، التصورات التي توجد في أذهاننا ليست فردية فقط، هي فردية وأيضًا..
باسم: جماعية.
محمد: هي نتيجة المعلومات التي نتبادلها لغويًا.
العلاقة بين اللغة والخيال
باسم: كيف يتشكل المفهوم؟ وكيف أنا أشكل خيالًا للمفهوم؟ هل هناك لغة أو لسان بدون خيال؟ هل يمكنني أن أكتب بدون أن يكون عندي خيال أو صورة؟ ما العلاقة ما بين الصورة والكلمة؟
محمد: ما بين الصورة والكلمة، وبين الصورة والشيء.
باسم: والشيء بالضبط.
محمد: هذه لغوية وفلسفية في الآن نفسه.
باسم: مئة في المئة.
محمد: هي لغوية وفلسفية في الآن نفسه، لأن تصورنا للأشياء ليس بالضرورة هو الأشياء. من غير شك الإنسانية بمر القرون تكوّن معرفة.
باسم: خيالية.
محمد: تعتبرها، ولكن أغلب ما نتصوره عن الكون هو من صُنع الخيال.
باسم: قد يكون من صنع الخيال، لكن فيه مغذيات أساسية للخيال.
محمد: لا يمكن للإنسان من اليوم الأول أن يفهم الوجود الذي حوله، ولذلك فقد بدأ بمعتقدات عن هذا الكون.
باسم: وهذه المعتقدات، من أين جاء بها؟
محمد: هذه المعتقدات من أين أتى بها؟ أتى بها من تأويله للأشياء، من تأويله المشترك للأشياء.
باسم: حتى يصل الإنسان، كما قلت، في مرحلة حياته الأولى إلى هذا المستوى من التأويل، أكيد يكون مر بفترة طويلة جدًا من التأسيس للوعي وللفهم لديه. وبالتالي، إما أن يكون هناك تدخل خارجي قاد إلى أنه يؤول الأشياء، وبالتالي مكنه من التأويل، أو أن الإنسان لابد أن يكون قبل أن يصل الفهم ليس في مرحلته الأولى. التأويل، في رأيي، هو آخر مراحل نمو العقل البشري وعلاقته بالمجرد حتى يصل إلى التأويل.
محمد: لا، دائمًا التأويل. التأويل بدأ من اليوم الأول على ما أعتقد.
باسم: هل التأويل كان قبل الكلام؟ ميلاد الكلام أخذ، كما قلت، ربما 300 ألف أو 400 ألف مليون سنة.
محمد: أفسر لك لماذا مع الكلام، لأنه عندما نتكلم، لماذا نتكلم؟ لأننا مجهزون لذلك، مجهزون بيولوجيًا لذلك.
باسم: نعم، صحيح، نحن مجهزون بيولوجيًا للتواصل. نعم، صحيح، لكن…
محمد: لا، لا، مجهزون.
باسم: دافع التواصل هو دافع معرفي.
محمد: هذا ما يسمى الملكة اللغوية. يعني لنا ملكة لغوية بشرية تختلف عن الملكة اللغوية التي عند القردة أو عند حيوانات أخرى. هذه الملكة اللغوية النظرية التي سادت، ولكن لها أصولًا قديمة. ولكن التي بدأت تسود، خاصة في الستينات من القرن الماضي، هي مفهوم النحو الكلي. ما معنى النحو الكلي؟ معناه أننا مجهزون بيولوجيًا لكي نتكلم.
باسم: نحن متفقون على هذا الأساس.
محمد: لكي نتكلم.
باسم: نحن تحدثنا أن الجهاز الصوتي فينا أو الجهاز العقلي الذهني مجهز لاستيعاب الواقع.
محمد: هذا ما أسميه بالبرنامج النحوي، كما عندنا برنامج جيني.
باسم: فيه برنامج نحوي.
محمد: لنا برنامج جيني، وهذا البرنامج الجيني هو الذي يسيطر على تشكل جهازنا العصبي، وخاصة على الدماغ، وبالأخص على القشرة الرمادية التي فيها معالجة المعلومات.
باسم: متفقون. لا، أنا سؤالي كالتالي: أنت قلت إن المرحلة التأويلية في العقل أنه كان في بداية النشوء.
محمد: التأويل بدأ من الأول.
باسم: طيب، هذا التأويل. التأويل عادةً يكون فيه وعي. يعني أنت لا تؤول وأنت لا تعي. التأويل يرتبط بالوعي. لما يكون عند الإنسان هذه المرحلة من الوعي، أكيد إما هناك تدخل خارجي، وهنا يدخل النص القرآني في الموضوع، لأن هناك بعض القرآنيين، بعض الذين يفهمون بعض النصوص أن نفخة الروح في الإنسان هي بداية الوعي الذي نتحدث عنه، أو أن الإنسان مرّ بتجربة طويلة جدًا حتى تمكن من استيعاب الواقع وأصبح يؤوله.
محمد: هنا تريد أن تخرجني من نطاق العلم إلى النطاق العقدي. إذا أردت أن أفتح قوسين. عن الناحية العقدية، أفتحها ولكن أفتحها لكي أغلقها..
باسم: أنا أعطيتك قراءة للسؤال: كيف أصبح الإنسان يؤول في المرحلة المبكرة تلك؟
محمد: أفتح قوسًا إيمانيًا، ولكن يبقى قوسًا، لأن العلم لا يمكن أن يقوم على المعتقدات، هو يقوم خاصة على الشك في المعتقدات. لكن إذا أردنا أن نبدأ من هذه الجهة، هذا الكون له إله أوجده، وأوجد قوانينه الكبرى، وبما أنه أوجده، أوجده…
باسم: مجهزًا.
محمد: أوجده حسب قوانين تطوره عبر مليارات…
باسم: السنين.
محمد: السنين. إذن، عندما نتحدث علميًا عن تجهيز بيولوجي، ليس بالضرورة دائمًا أن نقول، عندما نتحدث عن الطبيعة وعن المادة الطبيعية، كانت مادة بسيطة من نوع الذرات ومن نوع كهارب وبروتون وغير ذلك، أو مادة مركبة بيولوجية عضوية. إذا تحدثنا عنها، ليس من الضرورة دائمًا أن نقول لو لم يوجد في هذا الكون إله لما وجدت. ليس من الضروري.
باسم: يعني هي معروفة.
محمد: الدافع إيمان. هذا الجانب العقدي، كيف أتناوله وأنا شخصيًا منذ قُدّر لنا أن نكون…
باسم: في هذا الكون.
محمد: في هذا الكون، وفي أعلى درجة من الذكاء. ما معنى أعلى درجة من الذكاء؟ أن لنا جهازا عصبيا يمكنه أن يقوم بحوسبة الأشياء بسرعة، وأن يفهم على مر التاريخ. منذ ذلك الوقت وقع التدخل الإلهي. لأنه رشحنا لأن نكون خليفته على هذه الأرض.
باسم: يعني خُلق الإنسان مجهزًا للتعامل مع الواقع.
محمد: وفي أثناء التاريخ…
باسم: تعلم الإنسان.
محمد: في أثناء التاريخ، هو أعطانا جميع الأجهزة التي تمكننا من أن نسود على هذه الأرض. أعطانا كل الأجهزة، ومما أعطانا أنه كما يعطينا أغبى الأغبياء، يعطينا أذكى الأذكياء، وعبقرية العباقرة وهلم جرا.
باسم: نعم، صحيح، أنا أتفق معك.
محمد: يعني في نهاية الأمر، من خلق هذا الكون يعرف كيف يتدخل في شأنه.
ما علاقة اللغة بالتجريد؟
باسم: ما دور الخيال في اللغة؟
محمد: هو كل شيء.
باسم: هو كل شيء. يعني هل يفهم من الخيال أنه هو التجريد؟
محمد: نعم.
باسم: حتى يصل العقل البشري إلى مرحلة من الفهم التجريدي. ماذا مطلوب منه أن يعمل؟ ما علاقة اللغة بالتجريد هنا؟ هناك نظرية تقول: إن بداية الكلام الإنساني من حرفين، من صوتين، عندما دخل الصوت الثالث على الصوتين كانت بداية مرحلة أن العقل البشري أصبح ناضجًا لأن يفهم الأشياء المفهومية دون أن يربطها بواقع؛ فهنا دخل التجريد على الموضوع، ما رأيك أنت؟ ما علاقة التجريد باللغة أو باللسان أو بالأصوات، بتشكل الأصوات؟
محمد: الأصوات هي روابط. يعني إذا أخذت جهازًا كهذا الجهاز يشتغل مع أصل بالـ “wi fi”. لكن قبل ذلك كان عندنا خيط، عدد من الأعمدة والأسلاك. اللفظ وظيفته هو هذا.
باسم: التعبير عن الشيء.
محمد: الجهاز الذي يعالج الأشياء لا يعالجها وحده، يعالجها مع أفراد آخرين. لأن اللغة اجتماعية، ولكي تمر المعلومات من دماغ إلى دماغ، لابد من رابط. وهذا الرابط كان يمكن أن يكون “wi fi”، كان من الممكن أن يكون بالنظر، كان يمكن أن يكون بالرائحة، ولكن ما كان هو أنه باللفظ، بالصوت. إذن، هذه وظيفة الصوت. فالتجريد الذي يقع في الأذهان، هو يقع في التشارك بين الأذهان في معالجة المعلومات. يعني أنا آخذ معلومة أجردها كما أستطيع.
باسم: حسنًا
محمد: يمكن أن تكون تجريديا غلط، صحيح. تأخذ المعلومة من عندي، تُعدلها، يأخذ الآخر يعدلها، وفي نهاية الأمر نصل إلى تكوين مقولة. المقولة هي تجريد، يمكن أن نجرد المقولات لتجريد أعلى.
ما علاقة التجريد بالمقولات؟
باسم: ما علاقة التجريد بالمقولات؟ هل يستطيع الإنسان أن يؤمن بشيء لم يره، لم يحسه؟ هل يستطيع العقل المجرد أن يفهم المقولات الفلسفية الكبيرة دون أن يكون لها ارتدادات أو انعكاسات في الواقع؟ يعني دون أن يربطها بالمُجسد؟
محمد: الآن أغلب ما يوجد في الفيزياء النظرية لا صلة لنا به.
باسم: هو تجريد.
محمد: ناتج عن التجريد وعن حسابات رياضية. هذه قوة الذهن البشري. دائمًا أعيد: الفرق بيني وبين الفلاسفة. يقولون ذهن بشري ويسكتون. لا، أقول الذهن البشري مجسد في اللغة، لأنه لو لم توجد اللغة لما أمكن لذهن فرد أن يعطي معلومة لذهن فرد آخر، ولا كان من الممكن للإنسانية عبر العصور أن تكوّن المعلومات التي تكوّنها. إذن، هذا الشيء شيء ضروري. وهذه التجريدات لنا في الدماغ فصوص مخصصة لهذا الأمر، منها الفصوص التي تمكننا من التأليف بين مقولتين.
باسم: مجردتين.
محمد: من غير شك أن تكون مجردة، وليس لها نظير في الواقع. ثم نكتشف أن لها نظيرًا في الواقع.
متى بدأ ترميز اللغة على شكل حروف؟
باسم: متفقون. أنا بالنسبة لي الصورة وضحت التي كنت تقصدها من وراء الإنشاء النحوي للكون، هي طريقة لفهم كيفية تشكل اللغة عند الإنسان، واتفقنا على أسسه. لكن أنا الآن سؤالي: كيف بدأ الإنسان يمارس ترميز هذه اللغة على شكل حروف؟ الكثير من اللغات الموجودة في الكون أو الألسن الموجودة عند المجتمعات البشرية، كل لسان اختار مجموعة من الرموز ليعبر عنها كتابة. فاعتبر الرمز أو الحرف أو الخط هو الحامل للذهن المجرد في الإنسان، سواء وصفًا أو تجريدًا. هذه المرحلة كيف تمت؟ ولماذا نرى اختلاف الأحرف والترميزات رغم أن الذهن البشري تقريبًا يتساوى في مقولاته أو تصوراته التجريدية؟
محمد: الذهن البشري يقوم على التنوع. ككل الأمور الطبيعية، لأنه في الطبيعة لا يوجد شيء يساوي تمامًا شيئا آخر. إذا أخذت ورقة عنب وقارنتها بورقة عنب، يستحيل أن تكون ورقة عنب في حجم ورقة عنب أخرى.
باسم: لسنا مختلفين.
محمد: إذن، التنوع هو مبدأ أساسي في الذهن البشري، مبدأ أساسي في اللغة البشرية. وهذا التنوع أعطانا ألسنة مختلفة، لأن اللغة البشرية بمقتضى ما أسميه التباعد التواصلي، يعني كلما وقع تباعد في المجموعات البشرية، فيقع التنوع.
باسم: يصير فيه اختلاف.
محمد: لهجي. هذا التنوع اللهجي بالتباعد على مر العصور، يمكن أن يتحول بعد ألفين أو ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف أو خمسة آلاف سنة، تتحول اللهجات إلى ألسنة مختلفة. هذا وقع في التاريخ. وحدثتك منذ حين عن الوعي اللغوي. توجد أشياء تبدو لنا بسيطة وتلقائية، ليست تلقائية. تعرف جيدًا أن الإنسان من الحيوانات القليلة التي تعرف ذاتها في المرآة.
باسم: فكرة معقولة. صح، كلامك سليم، صحيح.
محمد: إذن، وعي الذات ليس أمرًا سهلاً.
باسم: حسنا، لم نختلف.
محمد: نحن نعي ذواتنا لأننا عشنا بعض الآلاف من القرون، ولكن الإنسان أمضى آلاف القرون لكي يعي أنه يتكلم. إذن، هذا الوعي، عندما يعي أنه يتكلم، ينبغي له آلاف السنوات الأخرى لكي يعي أنه يستطيع أن يصف ما يقوله.
باسم: صحيح.
محمد: وعندما يصف ما يقوله، الإنسان ليس دائمًا يصيب من الضربة الأولى.
باسم: نعم، مر بتجارب.
محمد: مر بتجارب. لماذا مر بتجارب؟ نحن نرى الأمر بسيطًا أن نعرف “ب” و”ت” و”ك”، والكلمة تتكوّن من حروف وفيها حركات، وتكون جملا. لا هذا الأمر ليس بسيطًا، هذا الأمر لم تصل إليه الإنسانية إلا بعد آلاف السنوات. وعندما وصلت إلى مرحلة الوعي بأنها تستطيع أن تصف كلامها، ليس لها مفهوم كلمة، ولا مفهوم حرف، ولا مفهوم جملة. إذن، هي مفاهيم تكونت بوعي نحوي للغة، وهذا ما أعطانا طرقًا مختلفة.
باسم: للتعبير عنها.
محمد: في رسم، رسم هو رسم..
باسم: سؤالي هنا، هذا سؤالي. لماذا الاختلاف بالرسم؟ حرف الصاد، حرف الواو، حرف العين، تجده في جميع اللهجات الموجودة أو الألسن الموجودة، لكن التعبير عن هذا الحرف يختلف. خاصة، خد مثلًا اللهجات العربية القديمة، يلفظ الصوت تقريبًا متشابهًا، لكن التعبير عنه يختلف. إذا رحت مثلًا على حرف المسند، حرف الزبور، اللحياني، الثمودي، الكنعاني، الزبوري، كل هذه الأحرف، حتى الأحرف الأوروبية الحالية، الأحرف الصينية، الأحرف المصرية القديمة، كلها تنطق بنفس الصوت، لكن التعبير عن الصوت أخذ شكلًا مختلفًا. هنا، لماذا هذا الاختلاف؟ هل له علاقة بالتجربة والخطأ كما تحدثت أنت، أم أن هناك شيئًا آخر وجّه الناس لهذا الاتجاه؟
محمد: الكتابات الأولى التي وقعت على ضفاف النيل، والكتابات الأولى التي وقعت في الصين، هي رموز. وهذه الرموز تصويرية، رسوم تصويرية..
باسم: كلامك سليم. صح، في الصين بدأت اللغة الصينية..
محمد: في الصين، ولكن نفس الشيء…
باسم: في الهيروغليفية المصرية القديمة، نعم
محمد: الهيروغليفية، نفس الشيء. يعني في الأول كانت صورًا للأشياء، لأن الإنسان بدأ يصور على الكهوف، الوعل الذي اصطاده يصوره، السهم الذي ضرب به الوعل يصوره. والهيروغليفية القديمة جدًا هي صور، صور أخذت قيمة رمزية، وبدأت تتطور رمزياً عبر القرون وآلاف السنوات، لأنها حضارة امتدت على الأقل سبعة آلاف سنة.
باسم: أو أكثر.
محمد: أو أكثر، ولكن على الأقل بالنسبة للكتابة، هناك خمسة آلاف مدروسة في التطور، هناك ثلاثة آلاف أساسية. وهذه الثلاثة آلاف الأساسية في الأول كانت صورًا، ولكن هذه الصور لم تكن كلمات، هي رموز، هي مفاهيم. ثم رويدًا رويدًا، بدأ يتفطن الإنسان إلى المقاطع، ولهذا الهيروغليفية في تطوراتها وقع لها ما وقع في الهندية، هي كتابة مقطعية. ونفس الشيء وقع في المسمارية في بابل. وفي نهاية الأمر، اكتشف الحرف. والحروف التي اكتشفت، أخذت، أغلبها أخذ من الصور القديمة. مثلاً، الألف، الألف التي أعطت ألفا، هي صورة (ثور) في الأول، وبدأ تجريد الرموز من رموز تدل على مفهوم الكلمات، مفهوم متصور إلى الحرف. إذن، اكتشاف الحرف مع الكنعانيين كان اكتشافًا عظيمًاـ ولكن قبل أن يكتشف الحرف مرت الإنسانية بـ….
باسم: لا شك، لا شك. أنت تحدثت، يعني كانت مرت بنا، كان التصور أو تشكلت الصورة، من ثم تشكل المفهوم. هذا أنت أجبتني من سابقٌ؛ المفهوم، أم الصورة، أم المعنى؟ هذا التداخل ما بين المفاهيم هذه. اتفقنا، الإنسان يحدث تصورًا، يشكل مفهومًا، ويعطيه معنى. فصارت الصورة، المفهوم، المعنى. الآن عندنا هذه المنظومة الثلاثية، هذه كلها احتاج أيضًا للتعبير عنها كتابة على شكل حرف. عبرنا عنها بالأصوات. لكن هذه الأصوات لماذا أخذت هذه الأشكال المختلفة من الترميز، من الحروف؟ هذا سؤالي أنا.
محمد: درسها علم الكتابة. وجد علم كامل يهتم بهذه النقطة وبتطور الرسوم من حضارة إلى حضارة أخرى. أعطيك مثالا واحدا في هذا الأمر: الكتابة الإغريقية التي تبدأ من اليسار نحو…
باسم: اليمين.
محمد: اليمين. الكتابة الكنعانية تأثرت بالكتابة الهيروغليفية، وبتطورها في مراحل تطورها الأخير، لأن العلاقة كانت قوية جدًا بين الكنعانيين والمصريين. كانت العلاقة قوية لأن مصر تأخذ خشبها من أرز لبنان من الجبل، ولذلك من سيناء، فلسطين، لبنان، كل ذلك في أغلب تاريخه تحت الإمبراطورية الفرعونية.
باسم: لا شك، هذه الجغرافيات أكيد كانت متفاعلة مع بعض، سواء في الشمال أو الشرق.
محمد: والحركية التي كانت عند الكنعانيين بالتجارة، مكنتهم من اختصار المعطيات. السرعة والنجاعة. وهذه باختصار جعلتهم يحولون بعض الرسوم إلى حروف، واكتشفوا الحرف. الإغريق. وانظر إلي جيدا، وربما هذا أمر يعرفه كل واحد منا. في الصباح، في المرآة، إذا أراد أن يصلح شيئًا وهو يحلق ذقنه، هو أننا نُحضر أمام المرآة. والصغير، إلى الوقت الحاضر، يخطئ بين اليمين واليسار. أنا عندما أكتب بيدي اليمنى وأذهب من…
باسم: فكرة معقولة.
محمد: اليمين إلى اليسار، أنت تراها. أنت تراها…
باسم: مرآة السائق.
محمد: تراها للعكس. تراها إلى العكس. هنا وقعت تغيرات. هذا تغير من التغيرات الكبيرة التي وقعت في الكتابة.
باسم: من الشمال لليمين أو من اليمين للشمال؟
محمد: نعم، لأن الأصل من اليمين إلى الشمال.
باسم: أو العمودية، الطولية أو العمودية.
محمد: نعم، عمودية في الكتابات الفرعونية القديمة.
باسم: وحتى اليابانية.
محمد: اليابانية والصينية، لأن اليابانية من الصينية. في نهاية الأمر هذا الأمر يتعلق بتصورنا للفضاء اللغوي. الفضاء اللغوي متنوع. وفي نهاية الأمر، الفضاء اللغوي ليس له لا يمين ولا شمال، ولا فوق ولا تحت.
باسم: لأنه موجود من اليمين للشمال، والشمال لليمين، ومن فوق لتحت، وسطر وراء سطر، هكذا التتابع.
محمد: إذن، الكل يتضمنه. وإذا كان يتضمن الكل، فالصدفة هي التي تعطي في حضارة من الحضارات اختيارًا من جملة الاختيارات الممكنة. وهذه الصدفة ترجع إلى كثير من المؤثرات.
باسم: الموضوع لا شك هو شيق ومثير للاهتمام، ولكنه واسع يحتاج لمختصين ودراسات. يعني لا نستطيع تغطيته كله في حلقة واحدة، لا شك.
محمد: توجد دراسات أهم مما قلته أنا، هذا أيضًا تعلمته أنا.
باسم: لا، ما قلته أيضًا مهم. يعني ما قلته أيضًا، خاصة أنت أسست له بمسمى الإنشاء النحوي للكون.
محمد: لا، لم نصل إلى هذا.
باسم: لا بأس. حسنا، بودي أن أدخل في دائرة التصنيفات الخاصة ما بين اللسان واللغة. ما هو اللسان؟ ما هي اللغة؟ حتى الحرف، وفق تجربتك أنت، وفق قراءاتك، وفق دراساتك، وأنت كنت من الرواد في إحداث موقع مهم لتدريس اللغة…
محمد: في تونس.
باسم: في تونس، مثلاً.
محمد: ولكن سُبقت برواد حقيقيين في العالم العربي.
باسم: لا، أكيد فيه رواد.
محمد: عندنا رواد ينبغي ألا ننسى ذلك. ما أنا بالنسبة إليهم إلا متعلم.
باسم: كل إنسان يقدم ما يستطيع أن يقدم.
محمد: في جيلي، قمت بما هو واجب.
باسم: دورك أنت.
محمد: لا أكثر ولا أقل، ولكن سُبقت بشخصيات عظيمة.
باسم: أكيد، كل الناس.
محمد: إبراهيم أنيس، حسن تمام. يعني توجد شخصيات…
باسم: الذين اشتغلوا باللغة وباللسان.
محمد: اشتغلوا وكانوا الرواد.
اللسان أعم أم اللغة أعم؟
باسم: وفق فهمك، اللسان أعم أم اللغة أعم؟
محمد: اللغة أعم.
باسم: كيف؟
محمد: أفسر هذا بحاجة تكنولوجية. هذا ما يسمى في القديم بالتشبيه المقلوب.
باسم: التشبيه المقلوب.
محمد: تشبيه مقلوب، يعني تشبه الفرع بالأصل لكي تفهم الأصل. يعني عندما تقول هي البدر. هذا لأن عالم المعلومات والحواسيب، هو تقليد الجهاز العصبي.
باسم: مئة بالمئة، نعم، صحيح.
محمد: ولكن أيضًا هو تعبير عن فهمنا لبعض أسراره. كلما تقدم الإنسان لغويًا، يفهم شيئا آخر في الذهن. وقدرة الدماغ البشري وتقدم الرياضيات ناتج عن هذا. في نهاية الأمر، وُجدت هذه الفكرة، فكرة البرنامج. البرنامج الحوسبي لم يأت بين ليلة وضحاها. لا نأخذ التاريخ القديم، نبدأ من القرن التاسع عشر. مما يسمى بالجبر دي بول، جبر بول، عالم رياضي مهم كان من الأوائل الذين أرادوا إصلاح الرياضيات انطلاقًا من الروابط اللغوية الطبيعية، وهي (الواو) و(أو). يعني ما أعطى المفهوم المنفصل والمتصل، في الضوء، في الكهرباء، في غيرها. كل هذه سببها هو الجبر ديبول عندما أدخل هذا في الرياضيات. وبلا شك، قبل باسكال، عنده تاريخ. في النهاية مع الحرب العالمية الأولى، تمكنت الرياضيات من تكوين البرنامج الأساسي للحوسبة الرقمية مع رياضي بريطاني أثناء الحرب. هذا البرنامج الأساسي الهاتفي يشتغل بالبرنامج الأساسي، ولكن له برنامجه الخاص سامسونج. أبل عندها برنامج خاص.
باسم: هاواوي.
محمد: لها برنامج خاص، بل كانوا يتكلمون على الدوس وغير ذلك. إذن، يوجد برنامج أساسي، والبرامج التي تطبق البرنامج الأساسي، وهي بيدها. يعني إذا نظرنا، مثلًا، في أبل أو في…
باسم: مايكروسوفت.
محمد: برامج، ولكن عنده برمجيات لبرامجه. إذن، عندنا برنامج أساسي، وبرامج أخرى. برامج أخرى، اللغة البشرية…
باسم: نفس الشيء.
محمد: يوجد برنامج أساسي. مثلًا في البرنامج الأساسي أن جميع الألسن يجب أن تكون فيها حروف، ويجب أن تكون فيها حركات. في البرنامج الأساسي جميع الألسن فيها جمل. في البرنامج الأساسي توجد أشياء أخرى وأشياء أخرى لا أتدخل فيها. وهذا ما يسمى بالنحو الكلي. إذن، يوجد برنامج أساسي، هو برنامج اللغة البشرية. وهذا البرنامج الأساسي عنده ويندوز، وعنده مايكروسوفت، عنده أبل خاص به. مايكروسوفت يمكن أن يسمى إغريقية أو يسمى عربية، يمكن أن يسمى باسم ثان. إذن الألسن هي برامج تطبيقية لبرامج أساسية.
باسم: يعني هل يمكن تجاوزًا أن نقول، مثلًا، لسان أبل، ولسان ويندوز، ولسان هاواوي، ولسان مايكروسوفت، ولسان، مثلًا، سامسونج؟
محمد: لسان صناعي.
باسم: هو لسان صناعي.
محمد: لسان صناعي.
باسم: طيب، عندنا في ثقافتنا وفي القرآن، فيه شيء اسمه اللسان العربي المبين.
محمد: رجعت بي.
باسم: لا، هذا موجود. هذا لسان؟ ما المقصود باللسان، وعربي، ومبين؟ أنا أريد أن أسمع وجهة نظرك حقيقة.
محمد: هو المقصود، وجهة نظري اللغوية والعلمية؟
باسم: بالضبط.
محمد: وأعتبرها صحيحة، بغير شك، وهي لا تختلف جوهريًا. عن تصورات النحاة الأوائل، النحاة الذين انتهوا بالخليل بن أحمد قبل سيبويه، ثم من سيبويه إلى أكبر النحاة، لنقل: ابن هشام مثلاً. ابن هشام من النحاة الكبار الذين يمثلون تراثنا النحوي. جميعهم، يعرفون أن اللسان العربي هو لسان واسع يتكون من لهجات عدة.
باسم: قبل ما نجيء للهجات، أنا أريد أن أبحث…
محمد: لا، لكي أصل إلى المبين.
باسم: صفة عربي، ماذا تعني هنا؟ هل لأن العرب تكلموا به، أم لأن العرب سموا بذلك لأنهم تكلموا بشيء؟ لما أقول فلان أعرب عن نفسه، يعني أفصح. هل العربي هنا تعني الواضح، الجلي، البين مثلاً؟ يعني لما نقول أنزلناه بلسان عربي، هل أنزلناه بلسان العرب مثلاً لأنهم عرب، أم العرب سموا بهذا الاسم لأنهم نطقوا بهذا اللسان؟ أريد أن أفهم معنى لفظة عربي.
محمد: تريد تفسير العين والراء والباء، يعني تفسير الجذر.
باسم: هو الجذر فيه عرب.
محمد: الجذر العين والراء والباء هو جذر يدل على معانٍ فيها ما هو جيد وفيها ما هو خبيث. العين والراء والباء لها في القديم معنى قريب من معنى الجذر غين راء وباء، يعني ما يغيب في الصحراء. والآشوريون كانوا يرون أن بعض القبائل في الجنوب، يعني بادية الشام وصحراء السماوة، هذا المكان؛ الصحراء الشمالية، يوجد بدو يهاجمون المدن ويغيبون. إذن كان فيها معنى الغياب، الغرب، الغريب، وفيها معنى الفساد. يعني كان لها معنى سيئ، ولها المعنى المعاكس، يعني من الأضداد. الأضداد هي الكلمات التي تدل على الشيء وضده. عجم، كما تدل على العُجمة، تدل على إزالة العُجمة. وعرب كما تدل على الفساد، تدل على إخراج من الفساد. وفي هذا الشأن، عبد القاهر الجرجاني في كتابه “المقتصد في شرح كتاب الفارسي”، يقول: “و الأصل في باب الإعراب. الهمزة هي همزة تدل على الإزالة والسلب، وسلب بأعرب يعني أزال الفساد”. وما معنى أزال الفساد؟ أن المعنى يكون في الذهن فاسدًا حتى يأتي الإعراب ليجعله سليمًا.
باسم: إنا {أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا}، يعني حكمًا فاسدًا مثلاً؟
محمد: أنا سألتك هل تريد الأصل الإبتومولوجي. أعطيتك الأصل الإبتمولوجي، لكن هذا االمعنى هذا كان موجودًا في ثمانمئة قبل الميلاد. من ثمانمئة قبل الميلاد إلى القرون الأولى من الميلاد، عرب أصبحت تدل على مجموعة، كما يقال إثنية، يعني مجموعة قومية، من قوم بعينهم. إذن “عرب” أصبحت تدل على قوم بعينهم في الفترة التي بين ثمانمئة قبل الميلاد إلى فترة ثورة تدمر على الحضارة الرومانية.
باسم: يعني لم يُسمَّ العرب عربًا لأنهم نطقوا باللسان؟
محمد: لا، ولكن ذلك اللسان كان موجودًا.
باسم: أنا متفق معك أن…
محمد: إن اللسان كان موجودًا، ولكن موجود في صور لهجات متعددة.
باسم: بالضبط.
محمد: متعددة.
لهجات العرب المتعددة
باسم: هذا سؤالي الثاني، اللهجات المتعددة التي أطلق عليها الدكتور بهجت القبيسي.
محمد: لهجات متعددة، ولكن لهجات تمثل.
باسم: لسان واحد.
محمد: كتل. لا كتل، يعني لهجات الجنوب التابعة لحمير التي تحدثنا عنها سابقًا، حمير وسبأ تختلف…
00:59:00
عن اللهجات التي كانت توجد شمالا، في الهلال الخصيب.
باسم: حسنا، يعني كان فيه لهجات كثيرة، وربما كل قبيلة لها لهجة أو كل تجمع بشري.
محمد: كل قبيلة، ولكن ليست قبيلة فقط، ولكن كل جهة جغرافية لها لهجة.
باسم: حسنا. هل هذه اللهجات كانت تشترك في معاني محددة مثلاً؟
محمد: لا، لا. جميع ألسنة العالم تتكون من لهجات. يعني الفكرة التي ينشرها بعض المغرضين أن العربية فيها لهجات كثيرة وكذا وعاميات، كلها أكاذيب. لا يمكن للسان أن يتحقق بدون لهجات. الإنجليزية اليوم فيها لهجات.
باسم: نعم، صحيح.
محمد: ولهجات مختلفة. أؤكد لك أنه لا يمكن لأسترالي أن يتكلم مع شخص في تكساس بسهولة.
باسم: ولهذا أنت مع تسمية دكتور بهجت القبيسي؟ أسمى كل هذه اللهجات، اللهجات “العربيات”.
محمد: لهجات عربية، كانت توجد لهجات عربية عديدة، منها قديمة. وهذه اللهجات فيها مناطق. حسب التقريب، أذكر اللهجات ما فوق بادية الشام وسماوة، وما فوق الصحراء. هذه كانت حاجزا في ما بين الشام والعراق الخصيب، كانت توجد لهجات خاصة، وهذه اللهجات لهجات الغرب ليست كلهجات…
باسم: الشرق.
محمد: الشرق. وتوجد ابتداءً من الصحراء إلى ما قبل اليمن توجد لهجات وسطى، واللهجات الوسطى فيها أطراف، هي أيضًا فيها أطراف. وبعض اللهجات اليمنية.
باسم: حسنا، يعني اتفقنا أن هذه اللهجات…
محمد: يعني التنوع. وفي هذا التنوع، اللهجات في الألسن، في جميع الألسن، لها ما أسميه في كتاباتي “بالدارج المشترك”.
باسم: يعني تنوع ضمن مشترك.
محمد: دائمًا يوجد دارج مشترك، وإلا ليست لسانًا.
باسم: معقول، هذا الكلام صحيح.
محمد: الدارج المشترك هو رياضيًا مجموعة تقاطع اللهجات. فاللهجات تتقاطع في مجموعة من القواعد ومن الوحدات التي يمكن لكل لهجة أن تقول: “هي مني”، ليست بالضبط. وهذا الدارج المشترك هو الذي يجعل اللهجات تكون لسانًا واحدًا. النقطة هذه هي التي فيها الأكذوبة الشنيعة والكبيرة التي تستعملها الإستراتيجيات اللغوية التي تسعى إلى…
باسم: تفتيت.
محمد: محاولة انقسام العالم العربي للسيطرة عليه، والتي لا تريد لهذا العالم أن يتوحد. فكرة أن الدارجات هي لغات المستقلة، المصريون على أرواحهم، التوانسة على أرواحهم، الجزائر على أرواحهم، لا. جميع الألسن فيها تنوع. وهذه الأكذوبة التي زرعها في المغرب العربي بالأخص الاستعمار الفرنسي، يمكن الرد عليها بتاريخ الفرنسية. لو فتحت الآن تاريخ الفرنسية، أحدثك عن تاريخ الفرنسية وعن اللهجات الفرنسية وكيف وقع إجبار كل ما يُسمى بفرنسا اليوم، إجبارهم على…
باسم: الحديث. لهجة متفق عليها.
محمد: الدارجة المشتركة على دارجة مشتركة، التي هي نظير ما نسميه نحن الفصحى. إذن، التنوعات هذه الأساسية فيها دارج مشترك. والدارج المشترك الأكثر قربًا لأغلب العرب هو الذي وجد في منطقة نجد بالأخص، ويسعد، تعرف مملكة اللخميين، تقريبًا، تقريبًا من الكوفة، التي هي الحيرة. الحيرة هي الكوفة. الحيرة هي الكوفة، وهي بابل، هي نفسها، مجرد بعض كيلومترات، يعني شعاب بسبعين كيلو متر. هي نفس المنطقة التاريخية منذ…
باسم: نشوء الحضارة الأولى.
محمد: في الحيرة، اللخميون كونوا إمبراطوريتهم التي تذهب حتى نحو نجد. وهناك كانت توجد ما أسميها أنا باللهجة العربية، اللهجات العربية الوسطى. لماذا أسميها باللهجات العربية الوسطى؟ لأنها لهجات، أولاً، ليست في الشام والعراق، وليست في اليمن، وإنما في الوسط الذي بين الجنوب والشمال، ولكنها أقرب إلى جهة الشمال، منها إلى…
باسم: جهة الجنوب.
محمد: الجنوب. وهذه هي التي نعرف عنها المعلقات. طرفة بن العبد…
باسم: يعني نحن متفقون بهذا التحليل، لأن الاستشراق حاول…
محمد: العربي المبين. هو ما تحب أن نوصل له؟
باسم: حسنا، تفضل.
محمد: نوصلها للعربي المبين، بما أنه الدارج المشترك، فهو الدارج الذي يفهمه أغلب العرب، أكانوا من المجموعات الجنوبية أم كان من المجموعات الشمالية. وهذا الدارج المشترك الأساسي هو الذي كون الشعر العربي، وهو الذي كان يوجد عند البدو الذي يخرج إليهم الأصمعي ومن شابهه من الرواة للنظر ولجمعه. الآن لنصل إلى القرآن، هنا يوجد الوحي، ولكن أيضًا توجد نجاعة الفكرة العقدية لكي تنجح، لكي تنجح يجب أن يكون القرآن بدارجة مشتركة.
باسم: مفهومة للجميع.
محمد: مفهومة للجميع. إذن، المبين هي العبارة الأولى التي صارت تسمى فيما بعد بالفصحى.
باسم: يعني وجهة نظر معقولة.
محمد: هذا تفسيري. تفسيري اعتمادًا على…
باسم: فهمك الخاص. بالتالي، وجهة نظر تحترم، لأنه قبل ما نختم، لأن الاستشراق…
محمد: أنزلناه بلسان عربي مبين، يعني ليس بلهجة قريش.
باسم: بالتأكيد، لا.
محمد: لا، ليس بلهجة قريش.
باسم: نعم، صحيح، باللهجة المشتركة العامة بين الجميع.
محمد: لهجة بالدارجة المشتركة العامة التي يفهمها الجميع، والتي…
باسم: تشكل مشتركا ثقافيا ما بين الناس.
محمد: لا شك، لا يمكن تكوين أمة بدون لسان فيه شيء يسمى “مصطلح فرنسي”، الشيء الثابت الذي يجمع اللهجات.
باسم: معيار جامع للكل.
محمد: لابد من معيار جامع.
باسم: بالتأكيد.
محمد: لا يمكن لأمة أن تتكون بطريقة أخرى.
باسم: هو الهدف من إثارتي إلى هذا السؤال، لأنه ردًا على الاستشراق أو المستشرقين الذين حاولوا قراءة هذه اللهجات، واعتبروها لغات كاملة، ومن هذا المنطلق اعتمدوا أن كل من تحدد بهذه اللهجة فهو شعب بعرق مختلف بجغرافية مختلفة عن الآخر. وبالتالي، صار تقسيم هذا المجتمع المتشابه إلى مجتمعات وإلى هويات أو سرديات هويات متصارعة، اعتمادًا على أنه هو فهم خطأ أن هذه اللهجة تشكل لغة لشعب مختلف في جغرافية مختلفة. أشكرك على هذا اللقاء، ونتمنى أن نلتقي في حلقات أخرى أو بجلسات أخرى في مجتمع.
محمد: شكرًا.
باسم: مشاهدينا الكرام، شكرًا لكم، وإلى حلقة جديدة من برنامج مجتمع.