مقدمة
باسم: ممكن إدارة المجتمع ترى إشكالية تحتاج إلى معالجة، هل سبق وأن صار هناك توجه للمسرح بأنه والله كإدارة مجتمع عندنا مشكلة نحاول أن نكشفها للمجتمع عن طريق المسرح؟
صبحي: إن الإدارة تقول لك أنا عندي مشكلة ناقشها في المسرح. الحمد لله لا، لأنه لا ينفع، ليس إبداعًا. إنما الفنان كشاف عليه أن يعمل “سبوت” على ما هو يراه، ولهذا الفنان لا يمكن أن يعيش في عزلة. أنا في رأيي، لكن الإدارة تترك الرأي. يعني أنا أتألم عندما يقول لك الفن: “أصل الفن ينقل الواقع”. أنت تنقل أسفل ما في الواقع لكي تنشره، حتى تطلع بسكينة أو هذا يأخذ حقه بذراعه وخناقات والأكشن وهكذا، ويقول لك: أنا أنقل الواقع. لا، أنت تفسد الواقع. أنا ذهبت دولة من غير ذكر أسماء، ووجدت فيها عشوائيات أبشع من العشوائيات التي كانت موجودة في مصر، تركيا. وذهبت ساحة البغاء التي هي منظمة من الدولة، رأيت كل هذا. لم نشاهد في الوطن العربي أي مسلسل أو فيلم تركي يكشف شيئًا من هذا.
00:01:08
لماذا تحتاج المجتمعات إلى المسرح؟
باسم: أهلاً بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج مجتمع. في حلقة اليوم نلتقي بشخص كنت أسعى دائماً أن ألقاه منذ صباي، وهو الأستاذ محمد صبحي، المسرحي والفنان المصري الكبير. تاريخ طويل من المسرح، أحب في هذه الحلقة أن أسمع منه عن المسرح وفن المسرح، ودور المسرح في تقديم ثقافة وتقويم ثقافة المجتمعات، وخلق هويات ناجحة للمجتمعات. أستاذ محمد.
صبحي: أهلاً دكتور باسم، أهلاً وسهلاً.
باسم: مسرور جداً وسعيد جداً حقيقةً أنني ألتقيك، وشاهدتك أمس في مسرحية أمس.
صبحي: “فارس يكشف المستور”.
باسم: والمستور انكشف حقيقةً، أو هو مكشوف، هو ليس مستوراً، هو مكشوف. لكن في المسرحية أعجبني الخلط أو التبادلية ما بين الرمزية وبين الواقعية. في رأيي على الأقل، كانت تبادلية ناجحة أو توظيف ناجح للرمزية في وقتها، وفي موقعها، وللمباشرة والواقعية في مكانها التي اعتمدتها أنا، وأعتبرتها كمحاولة لهز الأعصاب لإيقاظ العقول أو لصدم العقول لليقظة.
صبحي: صحيح.
باسم: يعني لماذا تحتاج المجتمعات إلى مسرح؟ هل المسرح بديل عن الحياة؟ هل هو مكان يمكنك من الحديث عن مشاكل الحياة بشكل لا تستطيع أن تقدمه في الحياة اليومية العادية؟
صبحي: الحقيقة، ربنا منح البشرية، أعتبر هذا، حاسة الفن أو أن تعبر بالفن. ولذلك نحن نغضب كثيراً لمن يمتهن الفن أو يستخدمه بشكل عكسي لهدم الإنسان أو هدم ثقافته وهدم هويته وهدم حياته. المسرح بالتحديد، لا يمكن ولو بعد ألفين، ثلاثة آلاف، خمسة آلاف سنة قادمة، لا يمكن أن يحدث اختراع يقلل من أهمية المسرح؛ لأن المسرح هو الوحيد الذي فيه خاصية لا تجتمع في أي فن آخر، وهو اللقاء الحي بين المشاهد والمسرح أو مجموعة الممثلين الذين هم الأدوات التي تنقل ما نريد أن نوصله لهم. فهذا اللقاء الحي غير متوفر في أي مكان، لذلك مثلاً، الجمهور يقول لك: متى ستُصوَّر المسرحية لنشاهدها في التليفزيون؟ لم تعد مسرحاً، أصبحت تليفزيوناً. يمكن أوروبا وأمريكا -اليونيون- يمنعون تصوير أو تلفزة المسرح، وأنا كنت من المناصرين لهذا في مصر هنا.
باسم: بمنع تلفزته، بمنع تحويله لصورة؟
صبحي: يقولون لي: كيف يعني؟ أنت ستقبض مالاً جيداً في التصوير وشهرة. وللأسف، السينما خلود، تبقى خالداً في السينما في فيلم موجود على الدوام. الدراما التلفزيونية، أحياناً يصورون على الشرائط، بعد عشر سنين أو عشرين سنة مثلًا، مباريات كرة، تنظر فتجد أن الشرائط قد أُعدِمت. المسرح لا يمكن توثيقه إلا في البامفليت، يعني عندما نذهب إلى أوروبا أو أمريكا، تدخل مسرحاً فيقول لك: هذه المسرحية قُدِّمت سنة 28، المخرج الفلاني، وبعد عشر سنين قدمها المخرج الفلاني، أجيال. لذلك يعيش الريبرتوار في المسرح، إعادة ريبرتوار، تقدم أعمالك ثانية، كل عشر سنين ترجع تعيدها ثانية لكي تراها الأجيال. ولكن أصبحت نعمة أن تُصوَّر تلفزيونياً لكي تحتفظ أو تحفظ هذا المصنف. نحن ندرس المسرح من بداية ظهوره عند الإغريق، المسرح اليوناني، وثبت، يعني هيرودوت، عندما زار مصر، أثبت فعلياً أن المسرح بدأ في الحضارة المصرية القديمة، ولكن لم ينتشر لأنه كان مسرحاً دينياً، يعني كان طقوساً دينية. فالمسرح اليوناني، المسرح الروماني، كل الكلاسيكيات هذه هي بداية المسرح. المسرح لازم أن نعرف تطوره؛ أن المسرح بدأ أن فيه صراعًا بين الآلهة وبعضها، يعني كان فيه تعدد الآلهة، وبين الإنسان والآلهة، هذا صراع آخر يعني، لغاية عندما بدأ ظهور الأديان السماوية، بدأت المسألة التي يسموها نيو كلاسيك، خلاص، لم تعد الدراما صراعاً بين الإنسان، فتحول مع ظهور ما يُسمى بعلم النفس، أصبح الصراع في المسرح أو في الدراما المسرحية هو بين الإنسان والمجتمع أو بين الإنسان ونفسه. لا يقدرون أن يأتوا جنب الإله، خلاص لأنه بقي إلهًا واحدًا، فتنظر، بقيت تتعجب عندما تقرأ مثلاً أوديب، أو تقرأ أنتيجون، أو تقرأ أجاممنون.
باسم: أجاممنون.
صبحي: أه، أوريست. عندما تقرأها في المسرح اليوناني، وأنا مثلتها ومثلت حاجات كثيرة جداً. عندما تأتي تقرأها، بقي في النيوكلاسيك، كورنيو، راسين، موليير، العصر هذا، تجد أنتيجون لم يعد الصراع مع الآلهة، ولا أوديب الصراع مع الآلهة، بل الصراع بين الإنسان ونفسه أو بين الإنسان والمجتمع للتغيير.
07:37
شروط التصدي للعمل المسرحي
باسم: قبل أن نأتي على إعداد المسرح والفكرة، الشخص الذي يقدم المسرحية، الذي يقدم الفكرة، هل هناك ضرورة أن تتوفر فيه شروط خاصة؟ عدا عن الرغبة أن يكون ممثلاً، مثلاً، يعني كيف يستطيع شخص ما أن يتمثل فكرة أو صورة فكرة أو مفهومًا لفكرة أنه من خلال سلوك خاص له على خشبة المسرح أن يقدمه للمشاهد، وبالتالي أن يتأكد من أن الرسالة وصلت للمشاهد كما يريدها هو؟
صبحي: سؤال هائل، لأنه نحن الآن أصبح لدينا مرض اسمه الورش، وحتى تسمية ورش قبيح. نحن نسميه الأكتورز ستوديو، أو المعمل، أو الفرق المسرحية. ليس من الممكن أن يكون لها ورش كتابة، فيأتي لك خمسة أو ستة ليكتبوا مسرحية. فأقول لهم: طيب كيف النحات، واحد مثل محمود مختار، عندما عمل تمثال نهضة مصر مثلاً، لم يجلب خمسة معه، واحد يعمل المناخير، وواحد يعمل العينين، وواحد يعمل الأذان، وواحد يعمل الصدر، وواحد يعمل… لا، هذه خارجة من ثقافة عقل، ووجدان إنسان، وثقافة هذا الإنسان وعلمه بمعطيات هذا الفن. طيب، المؤلف المسرحي ممكن أن يحصل اشتراك مع شخص آخر، شخص يحمل الفكرة، وشخص يعاونه في الكتابة. أنا، تعاملي أنا كممثل، هو لازم المؤلف أن يكون دارسًا فن الكتابة، يكون دارسه، وهو عنده الموهبة، ولكن يكون، كما حضرتك قلت، إن فيه خطوات لازم يعملها لأجل أن يوصل هذه الرسالة. فأنا أول كلمة أكتبها في الصفحة بعد بسم الله الرحمن الرحيم، كيف سيفهم ما سأقوله الأطفال؟ الأطفال أولاً، والمثقف والأمي. كان عندي مبدأ قبل أن أبدأ، عندي الفكرة، ولكن الفكرة في دماغي، ولكن كيف تترجم؟ كنت أقول: أنا أريد الأمي والمثقف يخرجان بوعي واحد، ليس بفهم واحد.الفهم المثقف سيكون لديه القماشة عريضة فيها، الأمي ممكن لا يقدر أن يتفهم، إنما ممكن الجمهور كله يخرج بوعي واحد، وبإحساس واحد، ليس قادرًا على شرحه، ولكن هو فاهمه. فالعمل المسرحي ككتابة، لازم أن تحدد كمؤلف ما النوعية، القالب الذي ستضع فيه الفكرة. كل فكرة لها قالب، يعني أنا لا أستطيع أن أجبرك أن تقول لي: اعمل لي صينية بطاطس في كنكة، كنكة قهوة، ولا أقول لك: اعمل لي قهوة في حلة أو صينية بطاطس. إنما الوعاء هذا مهم جداً. ليس عندنا..
باسم: نحكي هنا عن وقت اختيار المحتوى ستحتاج إلى الشكل؟
صبحي: لازم، الذي نسميه الوعاء، يعني وعاء الفكرة. ففيه فكرة رمزية، فتجبرك أنك تطبق المذهب الرمزي. تبقى المسرحية كلها رموز، وأنت لازم أن تقعد تحلها. مثلما عملنا “بالعربي الفصيح”، كان 22 شخصية على المسرح، الناس قاعدين يفسرون الرموز. هذا الخليج، هذا لبنان، هذا الشام، هذا كذا. شخصيات تمثل شعوبها. كان اسمها “بالعربي الفصيح”، ونجحت جداً. ويمكن قدمنا فيها نجومًا في هذا الوقت صاروا كبارًا. عندما نقول “ماما أمريكا”، عندما قدمت “ماما أمريكا”، هي الواقعية الرمزية. ماذا تعني واقعية رمزية؟ أنا ماشي مع عائلة، تطور عائلة، وماشي مع هذه العائلة، إنما كل موقف يرمز لحدث في تاريخ العائلة هذه، الذي هو تاريخ وطن.
11:49
الكتابة تعذيب.. والحركة النقدية غائبة
باسم: عند صياغة فكرة، قبل أن أجيء، كيف تولد الفكرة؟ جاءتك فكرة، بدأت تصيغ فيها. أثناء الصياغة، أنت هل تحاول أن توصل للمشاهد أو للذي يشاهدك، مباشرة ما تريده أنت أن يفهم هو، أم أنك ستترك له المجال أنه هو يشكل وعيه الخاص فقط أنت تعطيه رافعة؟
صبحي: لا، الكتابة.. أنا عندي أقول: يا ربي أمثل وأخرج وأرقص وأعمل أي حاجة إلا الكتابة. هي نوع من أنواع تعذيب الذات. أنت في خيال، أنت لا يوجد شيء ممسوك. العازف، العازف عنده آلة يعزف عليها. الراقص عنده جسمه يرقص به. النحات عنده العجينة والمشرط يقدر أن ينحت. الرسام بالفرشاة. المؤلف، هذا قاعد، يا عيني، منتظر القلم يكتب الذي في دماغه. طيب، سيكتب الذي في دماغه كيف؟ طيب، عنده شخصيات وعارف ملامحها وقاصد ملامحها. لازم كل شخصية لها لغتها، لها استخدامات مفردات. واحد مثقف ليس مثل واحد ستطلعه أنه أمي، لا يقرأ ولا يكتب. يعني صفات الشخصيات، حتى لو كان العمل، كما يقولون عليه، مثلاً، ساعات المسرح السياسي. مع أنني رافض فكرة المسرح السياسي. كنت أقول لهم: طيب، أنا سأعمل مسرحية خلافات زوجية بين زوج وزوجة والحماة. خلاص أنا وضعتها كرمز سياسي. الحماة هذه من؟ خلاص عرفناها.؟ فأقول: لا، لازم طبيعة الشخصية تتكلم. سأختار الواقعية فقط، مسرح واقعي. أقدم دراما واقعية عائلية اجتماعية. كل النماذج على المسرح لم تعد تستخدم. كل واحد الآن يعمل الذي يريده. ليس لدينا حركة نقدية، والحركة النقدية هي معركة دامت طويلاً بين الدكتور رشاد رشدي والدكتور محمد مندور. تاريخ خلاف: من الذي يصنع الآخر؟ هل الحركة النقدية تخلق مناخاً فنياً أم المناخ الفني يخلق حركة نقدية؟ أنا كنت مع رأي الدكتور رشاد رشدي، إنك ممكن أن تذهب إلى بلد ليس فيها مسرح، ليس فيها فن، فقط فيها ناس دارسو نقد، على أنه حلقة الوصل ما بين المبدع والمشاهد، هو الذي يقول لك: اذهب تفرج. أو لا تذهب لا تتفرج. جيد، لا يوجد فن. بدأ الفن يشتغل في الوطن هذا، وأنا عندي حركة نقدية، سيقولون للناس: روحوا شوفوا، يشجعوهم، يخلق مناخاً فنياً. إنما لو مناخ فني من غير حركة نقدية، اخلع ملابسك في الشارع، واعمل الذي تريده. قلّ أدبك، يعني.
باسم: طيب، ما سر غياب حركة نقدية؟ يعني ما الذي منع وجود نقاد، مثلاً، لفارس يكشف المستور؟
صبحي: لا، فيه نقاد يعدون على أصابع اليد. إنما أنا عشت حياتي الفنية في وجود أعظم.
باسم: نقاد.
صبحي: أساطير النقد الفني، الدكتور علي الراعي، ولويس عوض، وراجي عنايت، وكثير، يعني أسماء كثيرة جداً، وأحمد عبد الحميد. يعني معظمهم أيضا صحفيون ونقاد. إنما نحن مجرد ما نسمع اسم علي الراعي موجود في صالة المسرح، نرتعش. ناقد، ناقد، إما يذبحك، وإما يرفعك. بدون الكلام الذي هو: وقد أبلى بلاءً حسناً. لا، هو يشرح لك، ما عظمة العمل هذا، وما رسالته. فباختصار شديد، حتى لا نطيل في النقطة هذه، الكتابة المسرحية من أصعب الفنون، ومتروك لعبقرية المخرج ألا يضيف لها، ولكن عبقريته في تجسيد أفكار المؤلف أو يتفقان. لا، هناك رسالة نريد أن نوصلها، هي الأساس حتى تصل للناس يعني. الجمهور تجربة تعليمية في المسرح. أنا جمهوري ضيف، يأتي لي بالليل، وكل يوم ضيف مختلف. ضيف هذا النهار ليس مثل الأمس. العرض المسرحي في تنفيذه له ثلاثة مستويات نتفق عليها قبل الستارة. أسمع صوت الصالة، جالسين يتكلمون قبل العرض. لو فيه أصوات طالعة، هكذا، أقول لهم: مستوى واحد، مستوى واحد في الإيقاع، يعني نجري، يعني الناس ساخنة. فمرة خلاص، سنعمل الثلاث دقات، وسنعمل. فلا يوجد صوت. فكلمتهم بالتيكتافون، ماذا يحدث؟ الناس لم تأتِ؟ فقالوا: لا، موجودون من الصبح. نعم، ثلاثة، يعني تبطئ، لأن هؤلاء ناس جالسة.
باسم: مسترخية.
صبحي: مركزة. نعم، هناك أشياء كثيرة.
17:07
ما هو دور الفن في المجتمع؟
باسم: هل استيحاء الفكرة نتيجة تجربتك الخاصة أنت، أو نتيجة فهمك الخاص لظروف المجتمع، أم أنه أنت فعلاً ترى فيه إشكالية في المجتمع وتحاول أن تجد حلاً، فتخترع فكرة للحل، أو بمعنى تخترع طريقة حل عن طريق صياغة مسرح؟
صبحي: نعم، لكن أنا معترض دكتور باسم، معترض على الحل، لأن هناك كثيرين جدا يعاتبون ويقولون لك: طيب أنت لم تقل حلول. الفنان..
باسم: نعم، صح، أنا أتفق معك، صح.
صبحي: الفنان يعمل “سبوت” على مشكلة. نعمل “سبوت” على مشكلة، ونعطيك طريقة للتفكير، ليس للحل. أنت الذي تصل للحل. يعني، مثلاً، فيه أعمال. السؤال جيد جداً: “ماما أمريكا”. أنا لم أمثل، أنا كنت محمد صبحي، لم أعمل شخصية.
باسم: كنت بشخصيتك.
صبحي: لأني أنا كاتبها، فأنا محمد صبحي، الذي الرمز طبعاً فيه ممثل للشخصية، التي هي أمريكا، سميناها “ماما أمريكا”، وفيه كل نماذج الأعداء متمثلة في المسرحية، هذه واقعية رمزية. لكن أنا كنت محمد صبحي. لما عملت ونيس سنة 94، كنت أرى أن هناك بعض الهنات في أسلوب التربية في الأسرة المصرية. بعض الهنات، فعملت الجزء الأول على أنه جزء وخلاص. وجدت نفسي أعمل 8 أجزاء، لأن كل جزء الناس تتعلق بالمسلسل، وأكتشف أن هناك شيئاً ناقصاً، لكن لم أناقشه. لا زلت لم أناقشه. ونيس، أنا محمد صبحي، كتابة 80% محمد صبحي، أحداث فعلية، أحداث فعلية في التربية مع أولادي. 20% هي التوابل الخاصة بالعمل الدرامي، يعني من أجل الحبكة وما إلى ذلك. إنما 80% أنا محمد صبحي. المشاهد كيف يتفاعل مع العمل؟ اليوم ونيس، انظر، من 94، آخر جزء تم تقديمه 2011. اليوم عندما أقابل الناس يقولون لي ماذا: نحن تربينا عليك، على يدك، على ونيس. فلما أجد ابني يقول لي: جدو ونيس، ويحضنني وعمره خمس سنوات، أقول لهم: طيب الولد هذا عرفني كيف؟ أنا لم أعمل “ونيس” منذ فترة طويلة. فيقولون لي: نفرج أولادنا عندما تحدث مشكلة معهم في التربية، فنفرجهم الحلقة التي فيها المشكلة، فيحبون المسلسل، فيتابعونه. فـتأثير العمل الدرامي بالنسبة لي فخر جداً، لأنه ليس مجرد أنه حقق المتعة، سواء المتعة الذهنية والبصرية والوجدانية. لا، هذا جعلك تتجاوب معه. هناك أعمال، هناك أعمال لا. يصبح أنني أعمل “كاركتر” (شخصية)، “كاركتر” أخلقه. أصبح هناك مساحة للممثل ليحول “الكاركتر” المنطوق هذا إلى حياة.
باسم: إلى سلوك.
صبحي: دم وروح وما إلى ذلك. والمخرج يشارك أيضاً في تفسير الشخصية، لكي تكون كيف. مثلاً، أنا آسف، لورانس أوليفيه، في مذكراته، اشتغل “عطيل” عشرين سنة على المسرح. فجاء فقال للمنتج: “كفاية، لقد أصبحت غير قادر”. الناس، الناس تأتي المسرح مكتمل. قال له: خلصت، لم أعد قادراً. ذهبوا واتفقوا، خلاص، يعرض آخر ليلة. آخر ليلة في المسرح. فدخل له المنتج في الغرفة، وجد أوليفيه يبكي، جالساً أمام المرآة، يبكي بدموع. فقال له: مستر لورانس، مادام أنك زعلان لأن الرواية ستغلق، طيب لنكمل. قال له: “أنا أبكي لأني اليوم فقط عرفت جانباً صحيحاً في شخصية عطيل.
باسم: بعد عشرين سنة!
صبحي: بعد عشرين سنة. من أجل هذا أقول لك: الضيف متجدد. كنت دائماً أقول للممثلين.
باسم: هو حقيقة، كنت أريد أن أسأل نفس السؤال، يعني هل التجديد هنا بالفكرة ذاتها، يعني إن الفكرة تبنى تصاعدياً؟
صبحي: لا.
باسم: أم أن الضيف فعلاً جديد؟
صبحي: لا، سأقول لك الفكرة أين. عندي ضيف، دائماً أقول للممثلين ماذا؟ احذروا أن تظلموا الضيف الذي حضر اليوم. أنتم أكرمتم ضيف الأمس. احذروا أن يقل، إكرامه يقل. فلازم أن تحافظ على الروح. من أجل هذا، فنانون، ممثلون كثيرون، لا يرضون أن يعملوا في المسرح. أسهل له يصور فيلما، إنما حتى يحبس في مسرح، هذا يحتاج إنسانا عاشقا للمسرح. وأنا عندما أعمل مسرحًا، لا أستطيع أن أعمل لا سينما ولا تليفزيون. إذا عملت سينما، سأترك المسرح. لا أستطيع أن أكون بثلاثة أرواح أو بروحين. فلأجل هذا يهربون من المسرح. فلازم المسرح هذا لمن يعشقه.
باسم: لأنه حقيقة يحتاج، أنا لاحظت، يحتاج إلى طاقة، يحتاج إلى حضور ذهن دائم، يحتاج إلى، يعني..
صبحي: ولازم تحافظ، الذي قلته حضرتك، تحافظ على الذي تريد أن توصله للناس. يصل له مثل الأمس ومثل الأول. إنما في ساعات تكون الحالة المزاجية.. يعني، مثلاً، كنت مريضاً أمس، تعبان، درجة حرارة وما إلى ذلك. أحاول أن أظهر للناس أنني ليس لدي شيء، لكن أيضاً تؤثر في الحالة المزاجية قليلاً. إنما الوجدان الخاص بالعمل، لا، لازم يصل للمشاهد أكيد، يعني.
باسم: وفق تجربتك الذاتية، أنت عندما تهتدي إلى فكرة، وهذه الفكرة أنت حسب إحساسك تحتاج إللى معالجة، هل تناقشها مع أحد مثلاً، أم أنت فقط؟
صبحي: أنا لست كاتب كل أعمالي. يعني كان هناك لينين الرملي هو الذي كتب لي معظم الأعمال، مثل وجهة نظر، وتخاريف، والهمجي، وبالعربي الفصيح.
باسم: هل ناقشها معك؟
صبحي: طبعاً، أجلس أتناقش، ليس كممثل، كمخرج.
باسم: كعضو في المجتمع.
صبحي: لا، أنا الذي سأخرج، فأناقشها كمخرج. الممثل سيكون فيه جزء ذاتي، يعني يريد جزءاً ذاتياً يرضي نفسه به. لا، أنا كمخرج، وأنظر للأدوار، ولا أعلم، وأخفي عن نفسي أنني سألعب دور البطل، لكن أنا أناقش الفكرة كمخرج مع المؤلف، حتى نعرف كيف سنوصل الرسالة هذه بشكل صحيح. وبعد ذلك يدخل دور المخرج والممثل.
باسم: هل سبق وأن طلبت مثلاً من كاتب مسرحي تقول له: أنا بحاجة لمسرحية، اكتب لي مثلاً، أم لا يتم هكذا؟
صبحي: لا.
باسم: لا يتم هكذا.
صبحي: هو عموماً، أو غالباً، 90% أنا يكون شاغلي قضية، وأطلب الكتابة فيها. لو أنا لن أكتبها، سيكون هناك من هو أفضل مني يكتبها. إنما أنا يشغلني ما سأناقش فيه الجمهور.
أزمة المسرح المصري
باسم: هل كاتب المسرحية هو تقريباً بنفس المستوى، أو بنفس مستوى التفاعل المجتمعي مع كاتب الأغنية أو كاتب المقالة السياسية، مثلاً؟
صبحي: لا، يعني المؤلف هو أهم عنصر. النص أهم عنصر في لعبة المسرح. إنما نحن هناك من يقوم بعمل الموسيقى، هو الذي يؤلف الموسيقى. شاعر يؤلف الأغاني، يختار الشاعر الذي ينفع أو أسلوبه يتماشى مع أسلوب العمل المسرحي، أو الدراما التلفزيونية، أو ما إلى ذلك. بالخارج في المسرح الغربي وما إلى ذلك هم سابقوننا بخمسين سنة. كان الكلام هذا، أتحدث منذ عشرين سنة، منذ ثلاثين سنة.
باسم: عندما كان هناك مسرح.
صبحي: 30 سنة.
باسم: فاعل.
صبحي: هم كانوا سابقيننا بخمسين سنة، ونحن كنا عباقرة فنون، الأجيال التي قبلي. بعد ذلك نقول هم سبقونا 100 سنة، لكن في العالم كله، الحالة الاقتصادية والسياسية، أصبح اليوم، هناك أزمة في الفنون كلها. أنا دائماً عندي رأي أن أعداءك، يخافون من الفن الذي يخاطب العقل. لا يريدون. هل عدوك يتمنى أن يكون لديك تعليم عظيم؟
باسم: أكيد لا، لا.
صبحي: هل عدوك يتمنى أن يكون لديك فن يبني الإنسان، ويبني الوجدان وما إلى ذلك؟
باسم: بالتأكيد لا، العدو عدو في النهاية. عدو وجودي أو عدو كلي.
صبحي: قصدي، نحن لو فهمنا هذا، سنهتم بالمعول، الفأس هذا، إن هو يهدم أو يبني. نحن نريد فنًا وثقافة. الوعاء الخاص بهم أيضاً هو الإعلام، لأن الإعلام هو هذا الوعاء الذي يختار أن يقدم ماذا على الشاشات. فأنا، للأسف، يجب أن أقول إننا منذ أكثر من عقد، أكثر من 10 سنوات، 12 سنة، 15 سنة، حالة تباعد عن كل ما هو ثقافة وفن. فن ليس متجهمًا. لا، أنت ستضحك وتصرخ من الضحك، وتتأثر وتبكي، وتشعر بالانتماء، وتشعر بالفورة، الفورة بالفهم.
باسم: الفوران.
صبحي: تفور، دمك يفور للفكرة والقضية. لا، هناك أشياء كثيرة نحن فقدناها. حركة الارتياد، الجمهور متعود أنه يذهب إلى المسرح. رائح له، رائح للمسرح. حركة الارتياد اليوم أصبحت أضعف من الأول، لأنه لا يوجد سوى مسرح أو اثنين يعملان في مصر، 110 ملايين. فنعم، نحن ومسرحية أخرى تُعرض في السوق كذلك أيضاً يومين أو شيء من هذا القبيل. إنما نحن “أرش كومبليه” (مسرح كامل العدد) منذ 2017. المسرح هذا يمتلئ، وأنت رأيت أمس يمتلئ كلياً، لأن هذا جمهور. دائماً أقول: الجمهور لا يخسرني. لو هو وقف هكذا ليختار، أنا أقول: لا، أعتقد أنني الذي أختار جمهوري باسم العمل، بتاريخي الذي قدمته له سابقاً. هو هذا الذي يحدد لفلان: انزل، تعال. تعال، تعالَ لي. إنما لو كتبت مسرحية: “دلعني يا زغلول”، جمهوري لن يأتي لي.
27:48
مشكلة اللهجات العربية
باسم: أكيد، على ذكر صناعة الهويات الثقافية أو تعميق الهويات الثقافية، لا شك أنه يوجد دور للمسرح لهذا التعميق أو لهذا البناء، مثلاً. وأنت، للأسف، ذكرت أنه في مصر كلها لا يوجد إلا مسرحان. فما بالك بالمجتمعات العربية الأخرى؟
صبحي: حضرتك، دكتور باسم، هدفك من الذي تفعله، أعتقد، أعتقد، هدف واحد هو التنوير. أنت تشارك في التنوير. صحيح؟ هناك من يقول لك: سنجلب أحداً لنسخر منه ونقعد نسخر ونقعد نهزر. نحن نهزر، أنا وأنت، نهزر الآن، نضحك، ولسنا متجهمين. لكن الهدف الأسمى هو أن تحافظ على هذا التنوير. الذي يحدث في الوطن العربي، كان هناك شيء يسمى المسرح العربي. مهرجان المسرح العربي أُقيم في تونس، وأُقيم في الأردن، وأُقيم في سوريا، وأُقيم هنا في مصر. كان شيئاً هائلاً، لكن كنت أتهكم، لأنهم اختاروني مرة رئيس لجنة تحكيم. فذهبت إلى تونس، فكنت أشاهد المسرح، كل الدول وما إلى ذلك. فأنا لا أفهم، قيل لي: “سي محمد، قلقليش، بيش تقعد. قف”، القاف قوية في تونس والمغرب وما إلى ذلك. أنا أعرف هذه اللغة، وحتى مثلت دوراً مثل هذا في “فارس بلا جواد”. إنما، وأنا جالس أشاهد مسرحاً، هناك جمل، سأخبرك ما المشكلة. فطُلب مني أن أتحدث. قلت لهم: “انظروا، يجب تغيير اسم المسرح العربي”. فهم انزعجوا. قلت لهم: “مسرح عربي، يعني يجب أن نجتمع فيه جميعاً، باللغة التي نعرفها كلنا، اللغة العربية الفصحى. إنما هذا لا يلغي المسرح”.
باسم: المحلي.
صبحي: المسرح الإقليمي، الذي هو العامية، مثلما لدينا عامية في مصر.
باسم: اللهجة المحلية.
صبحي: المحلية لديك. لكن أرجوك، لا تدخل عليها مدخلات. يعني أنا أرى مسرحاً تونسياً أو جزائرياً أو مغربياً، نصفه عامية محلية، ونصفه فرنسي، وثلث فرنسي، وثلث أمازيغي، مثلاً، الذي هو مثلما لدينا البدو وما إلى ذلك، كلمات صعبة. ثم اكتشفت أن هناك كلمات تحدث مفارقة. يعني أنا أندهش عندما أسمع لفظ: “إيه ده؟ عيب عندنا جداً”. هو لفظ طبيعي لديهم. عندنا نحن نقول لفظ في الصالة. أنا أول مرة كنت أعمل مسرحية، أول مسرحية عملتها في حياتي، كانت “انتهى الدرس يا غبي”. فجاء، سافرنا تونس، أول بلد أركب طائرة وأذهب إليها كانت تونس. أعرض 8 حفلات، سبع حفلات في المسرح البلدي، وحفلة في قصر بو رقيبة، أمام بو رقيبة. فأنا في المسرح البلدي، لم يكن أحد يعرفني. محمود المليجي يدخل المسرح هذا يرتج، أوبرا. يدخل توفيق الدقن المسرح، يُهد، تدخل هناء الشوربجي، تلميذتي في المعهد، تقوم ببطولة، لكنها ليست معروفة. لكن الناس تصفق. واحدة ممثلة، أنا أدخل، أنا البطل، لكن لا يعرفني أحد على الإطلاق. فالناس على استحياء تفعل.
باسم: على استحياء.
صبحي: ثم يتوقفون. فأنا أصبحت متوتراً. بعد عشر دقائق، يبدأون ها ها ها ها، دبدبة، ضحك، ضحك، واستحسان، وخلاص. في اليوم التالي كان الجمهور يصفق عندما أدخل. نصف نصف، قالوا لبعضهم. في اليوم الثالث كانوا يصفقون لي مثل المليجي، من السمع، يعني، آخذ بالك؟ لكن أنا أقول لك لماذا؟ اللغة، اللغة.
باسم: وأنا كنت حقيقةً، أنا أنتظرك.
صبحي: يعني أنا عندما قالت هناء الشوربجي، الممثلة التي أمامي، تقول له: “يا سطوحي، أنت حساس قوي”. “حساس قوي”، يعني لديه مشاعر عندنا في مصر هنا. حساس هناك كلمة عيب قوي. كلمة عيب قوي. فوجدنا الصالة ها ها، ودبدبة. نظرت إلى هناء، لتكون قد قامت بحركة وما إلى ذلك، لا يوجد. فبدأت أكمل التمثيل وهم ميتون من الضحك. فقامت هناء عادتها مرة أخرى، لأن الناس كانوا يضحكون، قالت لي: “صحيح، أنت حساس قوي” ها ها. في إيه؟ عندما خرجت بعد المشهد، سألت عاملا صديقي، يعني من تونس. قلت له: “هم الناس يضحكون على ماذا؟” قال لي: “يا أستاذ؟ ست هناء تقول لك كلام فظيع، تقول لك حساس”. قلت له: “ومالها؟ نعم، قالت لي: حساس”. قال لي: “ها ها، وسابني ومشى”.
باسم: ولم يفسر لك إياها.
صبحي: في النهاية فهمتها، لكن هي عيب.
باسم: أنا حقيقةً كنت أنتظر، أود أن أسألك نفس السؤال. السؤال هو: هل اللغة المستخدمة حالياً، نحن نعمل في المركز خاصتنا، في مركز مجتمع، نعمل على آلية اللسان العربي المبين، التي تعتمد على قاعدة أساسية أن اللفظ الذي مبناه مختلف، لا يمكن أن يساوي لفظاً آخر مختلفا في المبنى بنفس المعنى. على قاعدة ما اختلف مبناه يختلف معناه، وبالتالي أن المعنى أسير لفظه، وأن اللفظ يجب أن يطابق مدلوله. هذه قواعد أساسية في أي لغة حتى تصبح لغة مفهومة وذات استخدام متطور، متفاعل مع الواقع.
صبحي: قيمة اللغة العربية، هذه قيمة اللغة العربية.
باسم: لكن حتى اللغة التي نحن نستخدمها، يعني ما أحكي فيه أنا وأنت، هي أحد تداعيات اللسان، هي أحد المصاديق المستخدمة. نحن لا نأخذ أن اللفظ، له معنى. اللفظ عادةً في اللسان العربي هو لفظ مجرد من المعنى حتى يأخذ سياقاً. واختلاف السياقات سيؤدي إلى اختلاف بعض المعاني، ولكن لأنه يوجد تشابه، فاللغة هي سياق متفقون عليه، وبالتالي أنا أفهمه وأنت تفهمه. فضرورة استخدام سياق واحد، أو بمعنى لفظ واحد لمعنى متفق عليه، مهم جداً.
صبحي: لكن لكي نكون مفهومين جداً، كنت دائماً أقول: يجب أن نحتفظ. بهويتنا، صح؟ فلا مانع أن أتابع مسرحاً خليجياً، أو مسرحاً لبنانياً، أو مسرحاً جزائرياً، تونسياً، سودانياً. لا مانع أتابع، ويكون هناك بعض “الداتا”، بعض الألفاظ التي هي جزء من هويتهم المحلية. وأنا أسأل وأعرف عنها، لكي يحدث تبادل الثقافات حتى سيأتي من هنا. أنني لدي أشياء لا أفهمها. إنما مهم جداً أن أستوعبها، يعني لا يوجد مانع من ذلك. ولكن، ماذا يعني اتحاد أوروبي؟ يعني كيف تم إنشاء الاتحاد الأوروبي هذا في مجتمع أو قارة ليست لغتها واحدة؟
باسم: لغات، عشرات، مختلفة.
صبحي: عشرات اللغات والثقافات المختلفة، والتاريخ المختلف، والأديان المختلفة. عندما تأتي للمنطقة العربية، الوطن العربي الكبير، هذا الوطن العربي، لغة واحدة وديانة تعتبر واحدة.
باسم: تدين واحد.
صبحي: أو تدين واحد، وفيه الديانة المسيحية، وفيه اليهود.
باسم: نفس التدين.
صبحي: وتاريخ واحد. الوطن العربي استُعمر من العثمانيين في وقت واحد، ومن الأوروبيين في وقت واحد. انتهينا من العثمانيين، دخلوا حلوا البوكيه الأوروبي كله، كل واحد قسموه، نفس الظروف. وعندنا أيضاً التقاليد قريبة جداً، التقاليد والمناسبات، حتى في الأعياد وممارسة الأعياد وما إلى ذلك. كيف لا يحدث توحد جمعي؟ كيف لا يحدث مشاركة للارتقاء جماعية؟ أنت تنظر تجد دولة تريد، ترى الفن هذا ترفيهاً، وفيه دولة ترى أن الفن هذا يجب أن يكون له أصول علمية. وأنا دائماً أقول: الفن علم، ليس مزاحاً. يعني ليس ناساً يعبثون. يعني يجب أن يكون الفن علماً. وقلّت، قلّت المهرجانات المتخصصة. يعني المهرجانات المتخصصة هذه كانت هامة جداً في الوطن العربي، يعني مثل مهرجان جرش، ومهرجان في تونس.
باسم: قرطاج.
صبحي: قرطاج، ومهرجان في الجزائر، ومهرجان في المغرب. يعني مهرجانات كانت كثيرة موجودة. وفيه الشارقة. اليوم انسحبت الأمور هذه قليلاً. فلدينا مشكلة أننا حوّلنا الفن لرياضة تنافسية، مثل كرة القدم، يعني.
36:49
تغير دور الدولة في الفن
باسم: هل تم تحويله لذلك بقصد، مثلاً، بقرارات، مثلاً، من إدارات المجتمعات، أم أن الحالة العالمية، الاقتصادية العالمية، بشكل عام، ساهمت في إضعافه؟
صبحي: انظر، طبعاً. انظر، نحن لا ننفصل عن الحركة العالمية. الحركة العالمية فيها تجهيزات، تجهيزات للقادم، ولها رؤية للقادم. قد تتعارض مع وجودنا، وقد تتعارض مع سياساتنا، ومع كل شيء. أنا موافق. والحالة الاقتصادية في العالم ليست فقط في مصر، ولا في بعض الدول العربية. لا، وفي العالم كله، الحالة الاقتصادية مرتبكة، وأيضاً تنتظر اتخاذ قرارات ستبنى عليها أشياء كثيرة جداً. يعني هل ستضر؟ نعم، قطعاً ستضر الدول الفقيرة. نعم، ربما لا. يعني لو كنا دائماً ننادي بماذا؟ الدول الفقيرة تحتاج مساعدات وما إلى ذلك، لن تجد من يساعد. فهناك أزمة. فستقول لي ماذا؟ طيب في الأزمة هذه، أريدنا أن نعمل فنًّا كيف؟ نعم، نحن لو بكينا، لو تباكينا، لن نحقق شيئاً، ولا سنصمد. رأيي: لا، يجب أن الفن يبقى. نكسة، نكسة 67، أو هزيمة 67 أيام عبد الناصر. يجب أن يموت هذا المجتمع، يعني يتبلد ويحزن، وكانت ضربة قاسية. لا، أعظم أعمال أُنتِجت بعد النكسة.
باسم: بعد 67.
صبحي: أعظم أعمال، وما هي؟ قطاع عام، وليس قطاعًا خاصًّا. المسرح القومي، المسرح العالمي.
باسم: يعني الدولة بادرت إلى ذلك.
صبحي: نعم، قُدِّمت أعمال لعظماء، سعد الدين وهبة، ويوسف إدريس، وعبد الرحمن الشرقاوي. ومحمود دياب، ومعين بسيسو، ورشاد رشدي.
باسم: هل الدولة في حينها بادرت إلى أنها كانت تعي ضرورة المساهمة بذلك، يعني باستنهاض المجتمع نتيجة الهزيمة؟
صبحي: طبعاً، هذا وعي صحيح، يعني حتى القطاع الخاص، طبعاً، أنا أقول: القطاع الخاص هو لوحده يعمل. يعني اشتغل. إنما بعد الهزيمة، أقول ارتقت الفنون.
باسم: كلامك صحيح.
صبحي: أنا عندما قدمت أول عمل، عندما تخرجت من المعهد، تخرجت سنة 70. كانت لا تزال مرارة الهزيمة موجودة معنا. سنة 70، أول عمل قدمته ماذا؟ بعد ما تخرجت، وتعينت معيداً في أكاديمية الفنون، قسم التمثيل. هاملت شكسبير. في السنة الثانية “أوديب” سوفوكليس. في السنة الثالثة “روميو وجولييت” شكسبير، “مارا صاد” لبيتر فايس، “ميديه” لجان أنويه. قدمت أعمال لن تجلب متفرجاً. لا، كان قرية من الفلاحين بجانب الأكاديمية، يأتون ليلاً، عارفين أنه يوجد عرض مسرحي. يأتون ويسمعون الكلام، لغة عربية فصحى. لا، ارتقت الفنون مع النكسة. وأنا رأيي أن هذا إحساس جمعي طبيعي.
باسم: ردة فعل طبيعية على..
صبحي: ردة فعل طبيعية أن نقول: لا، لا ننكسر. ويمكن هذا مهد لـ 73. تصور الآن بانتصار 73. لم تُعمل أعمال قيمة.
باسم: لأنه كان هناك رضا عن الذات، مثلاً.
صبحي: خلاص، خلصنا، يعني أزلنا الهم. حتى على مستوى السينما، لم تُعمل أعمال سينمائية، ولا مسرحية. يعني “أغنية على الممر” لـ علي سالم. “أغنية على الممر”، أُنتِجت أيام النكسة، شدت الناس في السينما بعد الانتصار في أكتوبر، خلاص، أصبحنا نغني فقط، يعني أغاني.
باسم: حماسية.
صبحي: حماسية.
باسم: تمجيد النصر.
صبحي: نعم. إنما لم تحدث طفرة فنية أو ثقافية تتماشى مع حالة الانتصار أو حالة..
الفن وأزمات المجتمع الحالية
باسم: وحقيقة، هذا السؤال يمكن أن يطرح: لماذا؟ يعني هل المجتمعات عادةً، عندما تكون راضية عن ذاتها تتكاسل أو عندما تتعرض إلى هزات تحاول، بشكل أو بآخر، تعيد الروح لذاتها لنفسها؟
صبحي: نعم، ممكن مع زهو الانتصار تشعر أن هذا كان العبء الذي عليك..
باسم: أزحته.
صبحي: أزحته. كذلك هي فلسفة مجتمع وسلوك مجتمع. نحن ماضينا، ماضينا لم يستمر مع أجيال أحفادنا وأولادنا. لم يستمر، وانقطع. وهناك من يتولون هذه المهمة بأنهم يقطعون هذه الأوصال. لأننا حتى في ديننا صلة الرحم. عدوك اخترع شيئاً تكنولوجياً يجيد استخدامه، ولكنه يصدره لك لأنه يعي أنك سفيه الاستهلاك، تستهلك، ضيعت عمر أولادنا وأطفالنا على 16 ساعة، ماسكين المحمول، ماسكينه.
باسم: وهذه أصبحت ثقافة.
صبحي: ثقافة مرعبة، وطبعاً هذا مقصود. وحضرتك تعرف المقصود بعصر التفاهة أنه ينتشر للأجيال في وطننا.
باسم: ما الذي يمنع إدارات المجتمعات بشكل عام، بدون تخصيص؟ هل تريد أن تتهم الإدارات بعدم الوعي بمكونات أو بأسس استنهاض المجتمع؟ أي مجتمع، وأكيد أي إدارة حكيمة يعنيها أن المجتمع يظل يعي تطور مشكلاته، وأن يتفاعل مع مشكلاته؟ هل هناك ما يمنع هذه الإدارات من استنهاض مجتمعاتها، أم أن الإدارات فعلاً لا تفهم معنى استنهاض المجتمع؟
صبحي: لا، هناك قصور في الإدارات، أكيد.
باسم: هناك قصور.
صبحي: ولكن أيضاً هناك جشع من الناس، من الشعب نفسه. جشع أنه يعمل أشياء تافهة ليكسب المال.
باسم: استهلاك.
صبحي: استهلاك. هي قضية معقدة. وأنا رأيي، واسمح لي أن أقول هذا الرأي: كنا نتهكم سابقاً، نسخر من التفاعل العربي. كنا نقول: نعم، نحن فقط نقبّل بعضنا وما إلى ذلك، وأشياء مثل ذلك، وخلاص ومع السلامة. لا، اليوم أصبحت أبشع، لأنني أرى هناك تحطيمًا حتى لأواصر بين المجتمعات. تحطيم أواصر، أصبحت ربما أهمها الأواصر التجارية، أو التبادل التجاري، أو المنفعي، أو أو أو. إنما لم يعد هناك شاعر في العراق يخاطب شعراء في مصر. زعلان لعدم وجود حركة شعرية موجودة، أو خفتت في العراق. انتبه في مصر، يبقى يساعد الخليج لكي يكون فيها فن. ويبقى فيها، نحن ماذا جرى لنا؟ يعني أعتقد أنه نصّ لم تكتمل فكرته ولم يُكتب بعد.
مسرح صبحي والدول العربية
باسم: أفكرت في عرض مسرحياتك، مثلاً، في دولة عربية أخرى، في مجتمع عربي، أو مجتمع مختلف عن المجتمع المصري؟
صبحي: طوال عمرنا، مقصد العرب القاهرة لكي يدخلوا مسارحنا، ومقصد الفرق، وأنا سأكون صريحاً، أغلبهم بسبب المقابل الكبير مادياً، الخليج يدفع، والدول تدفع لكي تنقلك. فكنا نفرح عندما نذهب. عرضنا، أنا عرضت في كل الدول العربية، ما عدا السعودية. كان صعبًا، كنا نتمنى منذ زمن أن نقول، متى تنطلق السعودية بالفن؟ إنما مسرحياتي الأخيرة، منذ حوالي 8 سنوات أو 9 سنوات، مسرحياتي صعب نقلها. ربما أنت شاهدت، كتقنية وما إلى ذلك، نذهب لنصنع الديكور هناك في الدولة التي سنذهب إليها. إذا كان هنا تم عمل هذه الأشياء، قطار، وعربات، وموتوسيكلات، وميكانيزم تغيير الديكور في عشرين ثانية، أو ثلاثين ثانية. لكي تنجزها، أنت تحتاج ستة أشهر في تلك الدولة لكي..
باسم: نعم، بناء للمسرح.
صبحي: ليس فقط النقل، لأنه يجب أن تصنعه هناك. فقصدي أنه يوجد صعوبة في أعمالي أنا بالذات. إنما كانت أعمال كل رواياتي، “ماما أمريكا”، سافرت بها وعرضتها خارجاً. “وجهة نظر” عرضتها في أوروبا، وعرضتها في الدول العربية. و”انتهى الدرس يا غبي”، و”علي بيه مظهر”، يعني معظم الروايات أو المسرحيات، “كارمن” و”سكة السلامة” و”لعبة الست”، يعني “سكة السلامة” هذه كانت تتحدث أيضاً عن القضية الفلسطينية، عرضناها في لبنان لمدة عشرين يوماً. إنما طبعاً في مصر هنا كنا نفرح أيضاً عندما نعرض”تورنيه”. نقوم بعمل “تورنيه” للفرقة المسرحية في المحافظات، مصر بها 26 محافظة. إنما الآن أيضاً أصبحت قليلة. لماذا؟ عندما يكون في القاهرة والإسكندرية 32 مسرحاً اختفوا ما بين الهدم والحرق. من عمالقة المسرح، دور المسرح. إنه لأمر فظيع.
باسم: هناك 30 اختفت!
صبحي: أنا يجب أن أبكي عندما أقول هذا الكلام، أحزن. اختفت في الوقت الذي تعرف فيه أن بنجلاديش فيها 4000 مسرح. لك أن تتصور، فكارثة، لديك 26 محافظة، أنت تحتاج كل محافظة على الأقل 10 مسارح. على الأقل. لا، هذا سيكون غير كافٍ، عشرة مسارح أو خمسة مسارح. هذه أيضاً لا تحدث رواجاً. المسرحيات التي كانت تسافر إلى الصعيد والوجه البحري وهكذا، كانت تحدث نشاطاً جماهيرياً مهماً. والجمهور أيضاً سكان الصعيد وهكذا يشعرون بأهميتهم أنك جئت إليهم. لا يمكنك أن تأتي بمحافظة كاملة لتشاهدك.
المسرح وعلاج السلوكيات
باسم: صحيح، كلامك سليم. نعود لموضوع اعتبار المسرح جزءاً من حركة فنية، حركة توحيد هويات، وأيضاً معالجات. تقديم معالجات، مثلاً، لسلوكيات محددة في المجتمع. هل ممكن إدارة المجتمع ترى فيه إشكالية تحتاج إلى معالجة؟ هل سبق وأن حدث توجه للمسرح أنه، كإدارة مجتمع لدينا مشكلة، لنحاول أن نكشفها للمجتمع عن طريق المسرح؟ هل حدث من هذا، يعني هل هناك نوع من تناوب أو تعاون ما بين إدارة المجتمع؟
صبحي: لا، الحمد لله، لا. إن إدارة تقول لك: أنا عندي مشكلة، ناقشها في المسرح. الحمد لله، لا، لأنه لا يمكن. إنه ليس إبداعاً. إنما الفنان كشاف، عليه تسليط الضوء على ما يراه. ولهذا الفنان لا يمكن أن يعيش في عزلة. الفنان لازم.. أنت تعرف إشكالية أن تقرأ كتاباً اليوم، وفي ذهنك أن هناك 2 مليون كتاب يُطبعون في اللحظة التي تقرأ فيها هذا الكتاب. يعني كلما تقرأ، تكتشف أنك جاهل، والجاهل عمره لا يشعر بأنه جاهل.
باسم: إلا إذا قرأ.
صبحي: نعم، إشكالية. أنا في رأيي، فقط الإدارة تترك الرأي. تترك الرأي وتعرية مشاكلنا من غير ما نعري الشيء. يعني أنا أتألم عندما يقول لك الفن: “أصل الفن ينقل الواقع”. أنت تنقل أسفل ما في الواقع لكي تنشره. لكي تخرج بسكينة أو شيء، ويأخذ حقه بذراعه، وخناقات، والأكشن وما إلى ذلك، ويقول لك: “أنا أنقل الواقع”. لا، أنت تفسد الواقع. نعم، نضعه. يقول لك: “نحن لا نضع دماغنا في الرمل”. يجب أن أقول لك: طيب، أنا ذهبت إلى دولة دون ذكر أسماء، ووجدت فيها عشوائيات أبشع من العشوائيات التي كانت موجودة في مصر. وغير متخيل، غير مصدق. تركيا. وذهبت ساحة البغاء، التي هي منظمة من الدولة. رأيت كل هذا. لم نشاهد في الوطن العربي أي مسلسل أو فيلم تركي يكشف شيئاً من هذا. سأقول: هذه نعمة. لو دفن دماغنا في الرمل لكي لا نخرج سوءاتنا نعلّم بها الناس الآخرين، فهي نعمة. أنا عندما أكرّهك في “خرابة”. لدينا خرابات. الخرابات التي فيها القمامة والأشياء هذه، في جنب البيوت وما إلى ذلك. أنا فعلتها في ونيس، أنه كلما يمر في الحارة.
باسم: يرى خرابة.
صبحي: هو وأولاده ينظرون إلى الخرابة شكلها قبيح. أنا أنقلها بالكاميرا. فذهب إلى أولاده وقال لهم: “تعالوا، سأجلب لكم أفرهولات وما إلى ذلك، ومكانس وأشياء مثل هذه، وتعالوا ننظف مع أهل الحي الخرابة هذه ونحولها إلى حديقة”. عندما تراها بالكاميرا على مدى ثلاث حلقات، أربع حلقات، تتحول إلى حديقة جميلة فيها ورود. المشاهد هنا ماذا يفعل؟ أنت لم تعرِّ غسيلك القذر. أنت جبته، نعم.
باسم: وغسلته جيداً.
صبحي: لكن لم تركز عليه. أنت تركت فقط وجهة نظرك. عندما يتحدث إليّ محافظ الجيزة، محافظة الجيزة، مرتين. نحن ندعوك، سيادة المحافظ سيقابلك من أجل افتتاح حارة. فأزعل. أقول لهم: يا إخواننا، أنا أفتتح مصنعاً حسناً، أفتتح مسرحاً. إنما أفتتح حارة، يعني ماذا؟ فيقولون لي: مفاجأة. فذهبت إلى بولاق، وبكيت، بكيت بالدموع، حقاً، لأنني كفنان، قمة طموحي أن الناس تعجب بالعمل الفني وتتفكر فيه. إنما لا أتخيل أن العمل الفني يتم تنفيذه. فدخلت، وجدت حارة، كل الأطفال في تلك الحارة لابسين أفرهولات مثل أولادي في “ونيس”، مثل الذين شاهدوه في المسلسل. ودهنوا البيوت، الأبواب كلها خضراء، وزرعوا شجرتين. كان يقول لهم: “ازرعوا شجرتين حول الباب في المدخل، وضعوا مصباحًا فوق كل مدخل، ونظفوا الأرض كلها”. فوجدت حارة نموذجية. وبعدها بأسبوعين، وجدت حارة أخرى يدعونني أيضاً. فلا يمكن أن تتصور كفنان أنني أعمل فكرة، فالناس تعملها. لا، حدث حتى في سنبل. عندما قلت إن هناك دولًا أوروبية، دولة أوروبية تعمل حفاظات للحمير، للحصنة والحمير. فسنبل في القرية عنده وما إلى ذلك، قال لهم: “يجب أن نعمل حفاظات وما إلى ذلك”. قالوا له: “أنت مجنون”. فعملت في المسلسل أنه ذهب وفصل حفاظات تلبسها الحصنة للسياحة وما إلى ذلك، ويرون، لكي لا يكون البراز في الشوارع، الكارو والحناطير وما إلى ذلك. ليكون هناك شيء متحضر. فعملت البامبرز. وذهبت، كنت أصور فيلماً بعد عرض المسلسل في الأقصر، الصعيد. فأنا رحبوا بي، شباب ومدارس وما إلى ذلك. نعم، سنبل وما إلى ذلك. وبعد قليل، وجدت الناس الكبار، الله يخرب بيتك يا سنبل. يدعون عليّ. ماذا؟ في ماذا؟ أنا لم أعد أفهم. فذهبت وقلت لهم: أنتم زعلانون لماذا؟ قالوا لي: “منك لله يا سنبل”. أقول لهم: في ماذا؟ قالوا لي: “المحافظ قرر أن ندفع 500 جنيه لكي نحصل على حفاظات”. فصارت تجارة. ذهبت لأقابل المحافظ. قلت له: عيب، عيب. أنت تفعلها على حسابك، وتعطيهم هدية لكي يصبح سلوكهم هكذا. أنت جعلتهم يكرهوني؟ فالمحافظ أصلح هذا فعلاً، وتحققت الفكرة عند برج الجزيرة هنا في القاهرة. كل الحناطير ركبت الحفاظات.
حلول المسرح
باسم: يعني أستنتج أن المسرح يمكن أن يقدم حلولاً.
صبحي: نعم، إن المسرح يقدم حلولاً، يا دكتور، ليست عملية، ليست هكذا. إنما هو سيذهب. أقول دائماً الذي يخرج من مسرحي وتنتهي الفكرة عند باب المسرح، أنا فشلت. لابد أن تعيش معه الفكرة، يذهب إلى عمله في اليوم التالي، يحكي، يتحدث، يناقش. يعود إلى بيته، يتناقش. هي هذه في حد ذاتها حل، لأنه عندما يرى أسرة، مثلاً، قد أصلحت كل الأخطاء التي فيها، هو سيحاول أن يفعل ذلك. هو سيحاول أن يفكر ويعمل ذلك. أنت تتحدث الآن عن الإحساس الجمعي. للأسف المسرح لأن جمهوره يومي، ليس مثل التلفزيون. عندما تُبث مسرحية، يشاهدها ملايين في نفس الوقت، وحتى في الوطن العربي كله. إنما المسرح لا يمكنك أن تصنع سلوكاً جمعياً بناءً عليه. إنما تفكير، يبقى المشاهد خرج ويفكر. يفكر على الأقل أنك مهتم بقضيته أو مشكلته.
تعاون المسرح
باسم: لكي لا نحمل المسرح أو أهل المسرح كل هموم المجتمع وكل مشاكله. لكن واضح أن المسرح، من المثلين اللذين ذكرتهما، فعلاً، يمكن أن يؤثر، ويمكن أن يقدم نموذجاً لسلوك مجتمعي ما. يعني صاحب المسرح قدمه للناس. لكن هذا يقود إلى سؤال، ما الإمكانية أن المسرح بالتعاضد مع أنشطة أخرى في تقديم نموذج مجتمعي ما، لخلق هوية أو لتدعيم أسس في المجتمع.
صبحي: كمسرح، ولا يشترك.
باسم: يشترك، مثلاً، مع السينما، مع التلفزيون، مع كاتب مقال، هناك أنشطة أخرى غيره، مثلاً.
صبحي: لا، أنا أستخدم أحياناً السينما. ربما رأيت أنت، فواصل وأشياء مثل ذلك تدعم الفكرة. إنما هو المسرح، أقول لك: عملوه، صوروا المسرح سينما، وعرضوه في السينما، وفشلت التجربة. لماذا؟ لأن خاصية المسرح جمالها في اللقاء الحي إنما بدأوا قالوا: وزارة التربية والتعليم تحوّل المناهج إلى أعمال فنية، ليشاهدها الطلبة ليستفيدوا. أنا كنت ضد ذلك. ماذا يعني مسرح أعمل فيه المناهج؟
باسم: هو أصلاً المسرح إبداعي آني، مثلاً.
صبحي: طبعاً. ثم كيف أوصل المسألة إلى ذلك؟ هذه مدرسة، مدرسة معتمدة على المعلم هو هو النجم. المعلم وعلاقته بالتلاميذ هم الجمهور. وهناك نوع من أنواع التربية، ليست مسألة تعليم. فلما تعمل مسرحاً مدرسياً، وفي المدارس وما إلى ذلك، إنك تحول المناهج إلى أعمال فنية. أنا أرى أنها فكرة غير صائبة، وليست مجدية. إنما حاولت مرة أن أعمل مسرحية عربية، وأجلب من كل دولة..
باسم: ممثلًا.
صبحي: ممثلًا أو اثنين، أو ممثلة. وعملت الفكرة. يجب أن تضحك. فبدأت أتحدث مع فنانين أصدقاء في العراق، في السعودية، في الخليج، في تونس. أصبحت خناقة: من سيكون البطل؟ لماذا العراقي؟ لماذا لا أكون أنا اللبناني؟ لماذا لا يكون لبنانيًّا؟ أنت لماذا؟
باسم: انعكست القطرية الجغرافية.
صبحي: ولماذا أنت تخرج؟ لماذا لا يخرج التونسي؟ أو أشياء مثل ذلك. فخلاص، هي هذه.
باسم: المشكلة.
صبحي: هذه هي التي تعمل مسرحية. هذه هي الفكرة التي تعمل مسرحية. أنت ترى التواجد العربي. سيضربون بعضهم قبل أن يبدأ العمل. مثلاً، إن هناك ممثلاً يقول لك: ستعطيني كم؟ الخليجي يقول لك: لا، أعطيك مالاً، كبّر دوري. كان هناك أشياء لطيفة جدًا.
باسم: يعني هي مسرحية بحد ذاتها أصبحت.
صبحي: نعم، هي مسرحية.
باسم: طيب سؤال قبل ما ننهي، عفواً، هل ترى أن تتكرر هذه التجربة لسنوات قادمة؟
صبحي: التي هي…
باسم: تجربة أن تظل تكشف المستور.
صبحي: لا، مسرحياتنا كانت تقعد خمس سنوات وأربع سنوات وثلاث سنوات، وكنا نعمل ست حفلات في الأسبوع، ويوم واحد فقط إجازة، الذي هو الثلاثاء. اليوم نحن نعمل أربع أيام. المفروض الخميس، الجمعة، السبت، الأحد. لكن أيام الامتحانات تكون صعبة. فنعمل الخميس والجمعة فقط.
باسم: نهاية الأسبوع.
صبحي: أنت لا تتصور، لأنني خمسة وخمسين سنة في المهنة، أو ستين سنة.
باسم: مجهد لكم.
صبحي: لا، أنا عندي أن أعمل ستة أيام وأخذ يوم إجازة، هذا أفضل لي، لأنني أعود للمسرح جاهزاً. هنا الممثلون يأخذون إجازة، مثلاً، السبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء، ويأتون ليعملوا الخميس والجمعة. الوجدان الخاص بالعمل خرج منه، يعني لم يعد فيه. فالمسرحية تقعد سنة. يعني لا يمكننا أن نعرضها الآن. عملت الافتتاح هنا كان في 2017. “غزل البنات”، ثم “خيبتنا”، ثم مسرحية “نجوم الظهر”، ثم “النحلة والدبور” كانت أول مسرحية في مصر عن المرأة، ثم “فارس يكشف المستور”. “عائلة اتعملها بلوك”، قعدت فترة طويلة، سنة وشويّة. إنما “فارس يكشف المستور”، ستقعد سنة أيضاً.
باسم: على مستوى توليد وتدريب ممثلي مسرح، إعادة بناء، مثلاً؟
صبحي: هذه شغلتي. أنا تخرجت من المعهد، وكونت فرقة “استوديو الممثل”، على غرار “أكتورز استوديو” لـ ستانيسلافسكي في الاتحاد السوفيتي قديماً. مضى لي خمسون سنة، كل سنة أعمل إعلان مسابقة. اليوم يتقدم ألفان من كل المحافظات ليمتحنوا. هم يسمونها هنا ورشة. أنا أسميها استوديو الممثل. يذهبون ليتعلموا التمثيل. أنا آسف، معظم الذين يعلمون التمثيل في الأماكن هذه، معظمهم فاقد أهلية التعليم. يأخذون عشرين ألفاً وثلاثين ألفاً من الطالب الذي يأتي ليتعلم وخلاص، مع السلامة. أنا ممنوع تلقي أي مبلغ مالي نهائياً. يدرس ستة شهور أو سبعة شهور حسب الظروف، ستة شهور أو سبعة شهور مجاناً. لأنه لو جاء لي، مثلاً، وعنده عيوب في النطق، لديه كذا. سيأخذونه أيضاً، سيقولون له: نعم، يدفع الثلاثين ألفاً، “وعنه ما مثل”.
باسم: صحيح، أنت لن تأخذه.
صبحي: أنا لن أقدر. أنا لن آخذ غير الذي أنا متأكد أنه شرف المهنة تقر بأن هذا فنان جيد، ولازم نساعده. فنأخذ من الألفين خمسة وعشرين، يدرسون سبعة أشهر أو ستة أشهر، ويأخذون شهادة من أستوديو الممثل. يتعلمون ماذا؟ إذن أنت تقدم كتمثيل، موهبتك تمثيل. هناك من يقدم موهبته الرقص، موهبته الغناء، العزف، حرفية مسرحية، حرفية. هذه مهمة جداً. نأخذ 25. خمسة في هذا القسم، وأربعة في هذا القسم، وثلاثة في هذا القسم. يعني بقدر الإمكان. الكل يدرس الكل. الممثل يدرس غناء وعزفًا وحرفية ورقصًا. الراقص يدرس تمثيلًا وحرفية وعزفًا. يدرسون كل الفنون.
باسم: يعني مسرحي شامل.
صبحي: يجب أن يدرسوا. يجب أن يعرفوا كل شيء حولهم. أتعرف أن “فارس يكشف المستور” كلهم عملوا ثلاث مسرحيات قبل ذلك، أصبحوا نجومًا اليوم. هؤلاء كانوا يمتحنون، ودخلوا التدريب هنا، وأُخذ من الخمسة والعشرين، مثلاً، خمسة أو ستة متميزون، الأوائل، ينضمون للفرقة.
باسم: أعجبني وجود الأطفال.
صبحي: الأطفال هؤلاء، هم تلاميذ، استوديو الممثل، كل سنة يتم عمل إعلان ينزل على الصفحة وما إلى ذلك، من الطفل 5 سنوات إلى 80 سنة. لديك 80 سنة وتريد أن تمثل.
باسم: لكن كان دور الأطفال مميزاً أمس.
صبحي: نعم، وهم الحقيقة، أنا أكون فرحان بالجمهور عندما يصفق لهم كثيراً. يكون ملحوظاً. أنا أكون واقفاً أمامهم وأبصرهم في المسرح، وأنا أعمل. أنا فرحان بهم حقاً لأنهم تعلموا بشكل صحيح. وأيضاً ماذا؟ أنت تعرف، الممثل هنا يعيش فترة شهرين قبل البروفات لكي يعيش القضية التي نريد أن ننقلها. حتى الأطفال يتعلمون ماذا؟ ما المسألة، وما بروتوكولات حكماء صهيون، ما هذا الكتاب؟ ما؟ طيب نريد أن نقرأه. وبعد ذلك، على فكرة، يأخذون كمية من الكتب ويقرؤونها في 7 أشهر. كبيرة، ليست قليلة. قصدي هي مسألة جدية.
باسم: ويدربه أيضاً على كسر حاجز الخوف بالوقوف أمام الجمهور.
صبحي: طبعاً، طبعاً.
باسم: أستاذ محمد صبحي، سعدت جداً، حقيقة.
صبحي: أنا الذي سعيد.
باسم: كان بودي أن أستمر أكثر، لأنه لديك تجربة، ما شاء الله، متراكمة وطويلة.
صبحي: الله يكرمك.
باسم: لكن الوقت سيف بتار.
صبحي: أشكرك جداً جداً.
باسم: إن شاء الله يكون لنا لقاءات أخرى في مجتمع.
صبحي: أتمنى.
باسم: ونتمنى أن نلتقي مرة أخرى في أفكار أخرى، إن شاء الله.
صبحي: إن شاء الله.
باسم: شكراً لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج مجتمع. إلى اللقاء.