مقدمة
باسم: أنت عندك دراسات بحثية حول يهود المغرب. هل أنت تتعامل مع يهود المغرب مثلاً كجزء مستقل عن المجتمع المغربي؟ بأي تصنيف وضعتهم أنت حتى تجري دراستك عليهم؟
عمر: هناك جيل كبير جدًا تعامل مع تاريخ اليهود. اليهود في المغرب نراهم نحن المؤرخين الذين يهتمون بهذا الموضوع، هم جزء لا يتجزأ من ما يسمَّى بالتراث الجمعي المغربي والتراث المغربي. اليهود المغاربة هم يهود كما نسميهم بالسفارديين، ينقسمون إلى قسمين حتى نعرف من هم هؤلاء اليهود: هم اليهود “تشابيم” ويهود “ميجاروشيم”، أي اليهود البلديين واليهود الروميين.
باسم: هل أنت تبحث عنهم كتجمع ديني طائفي، أم تبحث عنهم كتجمع عرقي مختلف؟
عمر: هم جماعات وليست طوائف. جماعات يهودية وليس جاليات؛ لأن بعض المؤرخين يقول الآن: “نحن لسنا جالية”.
لماذا دراسة التاريخ؟
باسم: أهلاً بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي الدكتور والمؤرخ والمشتغل بالتاريخ، الدكتور عمر لمغيبشي من المغرب. أهلاً بك في المغرب.
عمر: أهلاً، شكرًا جزيلاً. شكرًا على الاستضافة.
باسم: الله يبارك فيك. أهلاً وسهلاً. أنت أستاذ تاريخ، ما الذي دفعك للتاريخ؟
عمر: التاريخ، كما يقول ابن خلدون، هو فن وعلم.
باسم: فن؟
عمر: فن وعلم.
باسم: نعم، فن وعلم.
عمر: طبعًا فن وعلم. وبالتالي، فالحاجة إلى البحث في التاريخ هو أولاً جاءت من شغف فكري وحب لهذه المادة. القراءات التاريخية هي قراءة للماضي قراءة للإنسان، هي قراءة للحاضر كذلك واستشراف للمستقبل. وبالتالي، فالشغف بالتاريخ هو شغف يتعدى حدود البحث إلى حدود المعرفة: معرفة الإنسان، ماهية الكون، تطور الإنسان. العديد من الأسئلة التي لا تجدها في العلوم الأخرى. طبعًا هذا جزء. ولكن الجزء الأكثر هو الإنسان في حد ذاته. نتحدث عن الإنسان وتطوره، تطور الشعوب، كيف تنهض الشعوب، فلسفة التاريخ كما هي عند ابن خلدون، وغيرها من الأمور التي يحتاجها الباحث ويحتاجها الإنسان.
باسم: هو فعلاً يحتاج الإنسان أن يعرف واقعه، أن يعرف الماضي أو شيئًا عن الماضي؛ لأننا أيضًا ثقافة امتداد للماضي.
عمر: امتداد للماضي، ونظرة بما نعيشه اليوم، واستشراف للمستقبل. لأنه، كما في القرآن، قصص القرآن هي عبَر، أو كما هو العنوان الموجود عند ابن خلدون “العبَر”. ماذا نريد من هذا؟ نريد أن نستقي الدروس من أجل استقراء الوقائع وترجمتها إلى واقع حي، واستخلاص الدروس من أجل تفادي الأخطاء، والاطلاع على ما يمكن الاطلاع عليه من أجل إنجاع كل ما يمكن إنجاعه في حياة البشر. فلذلك، الذي له تاريخ له حاضر وله مستقبل، والذي لا يملك التاريخ لا يملك شيئًا.
باسم: هل توجد مجموعة بشرية مثلاً تكون ليس عندها تاريخ؟
عمر: لا يمكن، لا يمكن أن تكون خارج التاريخ. لا يمكن.
باسم: بالضبط. صعب أنك تجد مجموعة بشرية تقول: نحن ليس لدينا تاريخ. حتى التاريخ الأمريكي، الذي هو تاريخ للمجموعة البشرية في تلك الجغرافية لكن التاريخ هو تاريخ الكل.
عمر: صحيح، صحيح. هو تاريخ إنساني بشري، هو تاريخ ينهل الإنسان من دروسه ما ينفعه وينفع الناس. فلذلك، ابن خلدون كان صارمًا في تعامله مع المادة التاريخية أو مع ما يُسمَّى بالمعرفة التاريخية: أنه يجب أن ننظر للماضي نظرة نحاول من خلالها أن نقف على ما نقف عليه في حياتنا مع الواقع، وما نستشرف في المستقبل. وهذه الدروس والعبر التي يمكن أن نستخرجها من مادة التاريخ. التاريخ أكثر مما يمكن أن يُتصور أنه إذا قمنا بتجزيء التاريخ وقلنا بأن التاريخ هو مجرد مادة أو مجرد أحداث…
باسم: وقعت؟
عمر: لا، هذا ليس من التاريخ في شيء، بل هو جزء بسيط جدًا. ولذلك، حاولت كل المدارس الآن التاريخية، خاصة مدرسة الحوليات، أن تعيد تركيب التاريخ ودراسته وفقًا لمنظور مختلف: منظور يتناول مختلف التمثلات مع باقي العلوم. لأنه الآن التاريخ هو، كما قبل ابن خلدون مثلاً، كان التاريخ هو تاريخ الأعلام وتاريخ المسالك والممالك.
باسم: نعم، صحيح.
عمر: فلذلك تجد مثلاً في التأريخ التقليدي، خاصة الناحية الجغرافية؛ لأن المؤرخ لم يكن مؤرخًا، كان مؤرخًا جغرافيًا. فمثلاً البنادري أو مثلاً عندك الإدريسي أو ابن حوقل أو القلقشندي أو غيرهم، كلهم، مثلاً كانوا يشيرون إلى السير وسير الأعلام وسير الحكام، ولم يكونوا ينتبهون إلى مواد أخرى مهمة جدًا. مثلاً المهمشون في التاريخ، تاريخ الجنون الذي انتبه إليه ميشيل فوكو، أو مثلاً تاريخ المرأة، لم تكتب كتابة تعليم المرأة بشكل علمي. إذن، كتابة مدرسة الحوليات في بداية القرن العشرين إلى مسألة مهمة: أنه يجب أن يُنظر إلى التاريخ وفق منظور متعدد الأبعاد. يعني آخذ الإنسان، تطور الإنسان ولكن في مجالاته المختلفة: في جانبه المعرفي، في جانبه الحركي، في جانبه الوجداني. فلذلك أصبح الآن تأريخ للعواطف، تأريخ لجانب التطور الذهني..
باسم: يعني هي عبارة عن دراسة كاملة شاملة لكل مناحي الحياة لمجتمع ما في مرحلة تاريخية ما. هذا هو التاريخ؟
عمر: نعم. فمثلاً مدرسة الحوليات انتبهت مثلاً إلى بعض المواضيع التي كانت حكرًا من أحكام بعض العلوم فقط. مثلاً تاريخ الجنون كما قلت سابقًا.
باسم: الجنون؟
عمر: تاريخ الجنون، وإن كان ميشيل فوكو ليس مؤرخًا، ولكنه تنبه إلى هذه المسألة. فمثلاً مواضيع أخرى ترتبط بتطور الإنسان: تطور البناء مثلاً، العمران، المرأة، المواضيع المرتبطة بالعنف، مثلاً العنف اللفظي كذلك، أو العنف في تاريخ البشرية، الذاكرة، الذي هو من أهم المواضيع في القرن العشرين. ثم كذلك مسألة الوطنية والسردية الوطنية، مسألة المواطنة، مسألة الإنسان المواطن: ما هو تاريخ المواطن مثلاً؟ أو تاريخ الأفكار كما كان مع الثورة الفرنسية، مع فولتير وغيره، مع مونتسكيه. وكذلك تنبه إلى مسألة كيف نستخلص العبر من تاريخ الرومان، كيف صعود وأفول الرومان؟ وغيرها، لكن بنظرة مختلفة جدًا للتاريخ بعين ثاقبة فاحصة، تستدعي جميع الميكانيزمات التي يمكن أن تحل.
أهمية مدرسة الحوليات
باسم: تبدو فكرة تحقيب التاريخ إلى حوليات، تدرس مجموعة بشرية أو تجمع بشري في مرحلة تاريخية محددة، أهي ذات فائدة لتشكيل حضارة ما أو لوسم حضارة ما أو للتعرف على حضارة ما؟
عمر: نعم، صحيح. لأنه مثلاً تاريخ الفراعنة، دُرس تاريخ الفراعنة بوجهة نظر مختلفة. كذلك درس تاريخ الأقليات، الذي هو الموضوع الذي أشتغل عليه كثيرًا: الأقلية الدينية التي كانت مهملة، الأقلية الهامشية مثلاً الذين كانوا المنبوذين في الأرض، مثلا الحمقى وغيرهم. هذه أمور لم تكن واضحة تمامًا في التاريخ. كان التاريخ منصبًا بشكل أساس على كل ما هو تاريخ كلي، بمعنى ندرس تطور الدولة. وأنت تعرف أن التطور ذاته يمر بثلاث مراحل كبرى: مرحلة التأسيس، ثم تطور البنية، ثم الأفول. هذا جيد بالنسبة لتطور عمر الدول وعمر الحكومات، ولكن ماذا عن ما وراء التاريخ وما وراء غير المحكي من التاريخ؟ هذا كان مجهولًا. بالتالي، انتبهت مدرسة الحوليات إلى هذه الأمور وحاولت إعادة الأمور إلى نصابها من خلال توسع أكثر وإعمال علوم أخرى، خاصة من علوم الأنثربولوجيا. مثلاً التاريخ الذي يكتبه الأمريكيون، التاريخ الذي يكتبه الفرانكفونيون. فمثلاً، أعطيك مثالًا: هنا أستحضر باحثًا مهمًا، عمر بوم، هذا مؤرخ مغربي في جامعة لوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية، درس يهود أقا، هذه منطقة منسية تقريبًا في تاريخ المغرب في جنوب المغرب، ولكن استخلص دروسًا مهمة اعتمادًا على أرضية بحثية تعمل على جعل ما هو نظري ثم النزول إلى الواقع المسكوت عنه. بمعنى أنه ذهب إلى أقا وهو من أقا، فقام بالحديث عن اليهود وتتبع اليهود وصورة اليهودي والمحكي عن اليهودي من خلال الرواية الشفوية والعديد من الأدوات الأخرى، وخرج بكتاب مهم جدًا نُشر وحقق نجاحًا كبيرًا في المغرب وخارجها.
دراسة المسكوت عنه
باسم: نقطة قد تكون نقدًا لنظرية الحوليات: إنه إذا أنت تريد تأخذ تأثير مجموعة مهمشة في مرحلة ما مثلًا في مجتمع ما، مجموعة هُمّشَت في التاريخ ولم تذكر، وتأثيرها حتى في حياة المجتمع الذي كانت تعيش على أطرافه أيضًا لا يُذكر. إذن، ما تأثيرها في التاريخ؟ لماذا التركيز على دراسة هذه المجموعات التي أيضًا نشاطها الثقافي.. لم تكن ذات نشاط عام أو مؤثر للمجتمع الذي كانت فيه؟ يعني: أين تأثير مجموعة مجتمعية خاصة في مجتمع ما مهمَّشة؟
عمر: قد يكون ما يُسمَّى “تأثير الفراشة”، أي تأثير بسيط جدًا. الحوليات تطرح السؤال بصورة مختلفة: لماذا لا نتحدث عن هذا المسكوت عنه؟ لماذا دائمًا نتحدث عن كل المؤثرين فقط، عن الحكام، عن صناع القرار؟ لماذا لا نتحدث عن العامة من الناس؟ كيف كان يعيش الناس في القرن السادس عشر مثلًا؟ هذه أسئلة لم تكن تُطرَح بالطريقة التي يجب أن تُطرَح. فبالتالي، الحوليات وغير الحوليات، وما بعد الحوليات الآن هناك انتفاضة على الكثير من الأمور من.. مدرسة الحوليات فتَّت العديد من التاريخ، ولذلك هناك كتاب لدوس يسمَّى “التاريخ المفتت”، بمعنى أننا فتتنا.. نتناول التاريخ بمواضيع مجزأة كنوع من التشظي أو التزرر، هذا كذلك يسيء شيئًا من التاريخ. ولكن إذا قلبنا السؤال وأعدناه بصيغة أخرى نقول: لماذا نَسكت عن…؟ لماذا لا نتحدث مثلًا عن الأسر الحاكمة؟ فمثلًا عندما تقرأ التاريخ لا تقرأ إلا عن الحاكم السلطان فلان، ولكن ماذا عن الرعية؟ ماذا عن أحوال العامة من الناس؟
باسم: صحَّ، هذا الجانب من التاريخ الذي أهمل دور الشعوب مثلًا أو دور المواطنين في العموم.
عمر: صحيح، هم صانعو التاريخ.
باسم: هم صانعو التاريخ. صحيح، حتى جيوشها، مثقفوها. حتى عند المثقفين قلَّة الذين كانوا يدرسونها، إلا قلَّة لدراسة الأعلام.
عمر: نعم، كان هناك نخَب، ما يسمَّى الآن بالنُخَب. هناك نُخَب قليلة جدًا، وهذه النُخَب تنتمي إلى ما يسمَّى بالسلطان في الدول الإسلامية، أو إلى الملك أو الأمير وغيرهم. كان الأمر تقريبًا منسيًا.
تطور الدراسة الإنسانية
باسم: في تلك الفترة، يعني الأسماء الذين ذكرتهم، الذين قاموا بدراسة الأعلام أو دراسة تاريخ الملوك أو تاريخ الدول، لم يكن عندهم هذه المقدرة مثلًا كما هو متوفر حاليًا، أن يقوموا بعملية دراسة المهمشين في المجتمعات أو المسكوت عنه في المجتمعات. يعني لم يكن يعرف…، قدرته على البحث كانت محدودة.
عمر: صحيح.
باسم: الآن عندنا وسائط أكثر، عندنا قدرات أكثر، عندنا تكنولوجيا أوسع. صارت تمَكّننا من البحث، تنقب في الأرض، حتى تعرف سلوك الناس الثقافي كيف كان في هذا الوقت.
عمر: نعم، لأن الإنسان يتطور. إنسان القرن الخامس الميلادي ليس هو إنسان القرن العشرين. كذلك كانت وحدة العلوم: لم يكن هناك انفصال للعلوم، لم يكن هناك أنثروبولوجيا، لم يكن هناك علوم سوسيولوجيا، لم يكن هناك علم النفس كل هذه العلوم وانفصال هذه العلوم واستقلالية هذه العلوم أدت إلى الحديث عن طرق مكونات أساسية في العلوم الإنسانية. أولًا: درجة التعقيد عند الإنسان. الإنسان معقد في تركيبته، ويجب تناوله من زوايا مختلفة. لا يجب أن نتناوله من زاوية الجانب العقلي، بمعنى الجانب العلمي إلى آخره، ولكن يجب أن نتناول كذلك المجال الوجداني: كيف يفكر؟ ما هي عواطفه؟ ولذلك كان هناك متخصص في تاريخ العواطف وتاريخ الأحاسيس، وهذا جديد. كذلك في الجانب الحس-حركي: الرياضة، التربية البدنية مثلًا، أو الرياضة. هذا لم يكن يؤَرَّخ أحد للرياضة، قليل. هذا جانب مهم جدًا. فهناك جوانب أخرى أُهملَت، واستطاع مؤرخ القرن العشرين – والآن المؤرخ يختلف مع الذكاء الاصطناعي ومع ما يُسمَّى بـ(الديجيتال هيومانيتيز) أو الإنسانيات الرقمية – أصبح الآن انفتاح على علوم أخرى، وجمع كل ما يمكن… جمع شتات كل ما هو متفرق، من أجل إعطاء نظرة كلية للتاريخ. لكل مكونات التاريخ، وأستطيع أن أجزم بأن القادم سيكون أفضل في الكتابة التاريخية.
الحقيقة التاريخية المفقودة
باسم: إلى أي مدى يمكن أن يكون المؤرخ صادقًا؟
عمر: هذا ما يرتبط بالحقيقة التاريخية، وهذه الحقيقة مفقودة. سأعطي مثالًا بسيطًا جدًا: إذا أعطيت موضوعًا لمؤرخ يهودي إسرائيلي وقلت له: “اكتب عن تاريخ النكبة”، وأعطيت نفس الموضوع لمؤرخ فلسطيني وقلت له: “اكتب عن النكبة”، أكيد أن الجواب سيكون هناك اختلاف جذري في المعالجة.
باسم: أكيد، القراءتان مختلفتان.
عمر: العكس صحيح. إذا قلت للمؤرخ الفلسطيني: “اكتب لي عن الهولوكست”، وقلت للمؤرخ الإسرائيلي: “اكتب عن الهولوكست”، فهناك أشياء تتحكم في صناعة المؤرخ: عواطفه، نزواته، انتماؤه إلى جماعة -كما تفضلتم بالقول- أعني بالجماعة: إلى عقيدة، إلى انتماء، إلى وطن إلى إلى إلى… فكل هذه هي العوائق التي تحول دون تدوين تاريخ موضوعي شامل وذي مصداقية. لأن أهم وأخطر المشاكل التي يتخبط فيها المؤرخ هي الذاتية. وطبعًا هناك ما نسميه نحن بالتدليس: الكذب على التاريخ مثلًا…
باسم: أو الافتراء على التاريخ.
عمر: أو الافتراء على التاريخ. لأن أكذوبة التاريخ مثلًا تجعل من قوم أو من سلالة أفضل من سلالة أخرى، أو من جهة أفضل من جهة أخرى. أو مثلًا في أمريكا، كما تحدثت في البداية عن أمريكا: الولايات المتحدة الأمريكية في البداية كانت تُصوّر الشعوب الأصيلة الأصلية، الهنود الحمر، على أنهم متوحشون، ولكن بعد ذلك غُيَّرت السردية التاريخية وأصبح النظر إلى الهنود الحمر على أنهم مواطنون وأنهم يستحقون الثناء على الأقل.
من هو المؤرخ؟
باسم: حتى يتم تجنّب أن يطغى المؤرخ أو يكذب المؤرخ أو لا يصدق المؤرخ. أكيد فيه ميكانيزم أو فيه حدود محدَّدة من الضوابط التي تضبط الفعل التاريخي أو عمل المؤرخ؟
عمر: صحيح، صحيح.
باسم: طيب، متى نحكم على شخص أن هذا مؤرخ وهذا غير مؤرخ؟
عمر: هذا السؤال طرحته مدرسة الحوليات وما يسمَّى “مهنة المؤرخ”. معنى هذه المهنة هي مهنة تخضع لمحك العديد من الضوابط. الضابط الأول: هو الضوابط الموضوعية. الضابط الثاني: استقاء الوثائق؛ لأن المؤرخ لا يمكن أن يشتغل بدون وثائق. أنت تبحث في القرن السابع عشر أو الثامن عشر، فكيف لك أن تكتب عن، مثلًا، لويس الرابع عشر أو مولاي إسماعيل في القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر؛ لأن وفاته كانت في بداية القرن الثامن عشر، فكيف تكتب عن مولاي إسماعيل بدون وثائق؟ بطبيعة… لأن هناك ميكانيزمات وحوليات تجعل المؤرخ يبحث في هذا ولا يبحث في ذاك. وإن لم يجد في الوثائق والأرشيفات والروايات، هذا يتوقف على الفترة الزمنية التي يشتغل عليها، فإنه مُطَالَب بترك البحث في ذلك الموضوع، خاصة إذا تعلق الأمر بالتاريخ. التاريخ القديم مثلًا لا يمكنني الحديث عن التاريخ القديم التاريخ الروماني إن لم تكن هناك لُقًى أثرية وحفريات وأعمال ميدانية، دراسات ميدانية تعنى بـ… أعطيك مثالًا: السردية التاريخية المنتشرة حاليًا عن تاريخ أقدم يهود في المغرب. هناك روايات شفوية أسطورية فيها الميثولوجيا: من يقول إنهم جاؤوا في فترة الفينيقيين، ومن يقول إنهم جاؤوا في فترة البدايات الأولى. لكن ما هو مادي؟ الاكتشافات الجغرافية الأثرية والحفرية أثبتت أن أقدم وجود لليهود في المغرب يعود إلى ما بعد الميلاد، بمعنى على أبعد حد القرن الثاني أو الثالث الميلادي. لماذا؟ لأنه وجدت نقائش، أهمها نقيشة “ميترونا” هذه يهودية مكتوبة باللغة العبرية، وموجودة في متحف “وليلي”. هذا دليل قائم، دليل يثبت للمؤرخ بوجه مكشوف أن هذه حقيقة تاريخية تثبت أنهم كانوا في القرن الثاني أو الثالث الميلادي.
ضوابط التأريخ
باسم: يعني خلِّنا ندخل في الموضوع. أنا كنت أريد أن أسألك سؤالاً قبل الدخول في الموضوع، على ذكر أنه لو أعطيت فلسطينيا يكتب عن النكبة بعكس ما سيكتب عنه إسرائيلي لكن لا، هناك إسرائيليون كتبوا عن النكبة كتبوا بموضوعية كاملة، واستخدموا الوثائق العينية الموجودة.
عمر: صحيح.
باسم: فممكن أن تجد مؤرخًا يلتزم بالضوابط الفكرية أو الضوابط الأكاديمية ويخرج بالنتيجة التي تقريبًا تكون تنطق بما هو واقع أو مطابقة للواقع.
عمر: صحيح.
باسم: ففيه ضوابط.
عمر: نعم، فيه ضوابط. الضوابط…
باسم: فالموضوع لا يُترَك لا للهواجس السياسية ولا للأهواء الخاصة فيه، أو لأهواء الانتماء للطائفة أو للعرق…
عمر: صحيح.
باسم: يعني يمكن في ذلك؟
عمر: طبعًا يمكن، لأن الضوابط وُضعَت علميًا. الضوابط العلمية موجودة، والضوابط العلمية تستقى من منهجية العمل ومن الأدوات التي يشتغل عليها الباحث أو المؤرخ، من الوثائق خاصةً ما جاءت به المدرسة الوضعانية التي ذهبت إلى تقديس الوثيقة: أنه لا يمكن كتابة التاريخ إلا بالوثيقة، وقدَّست الوثيقة. وكذلك ضوابط أخرى مرتبطة بالبحث الميداني فيما يتعلق بالفترة؛ لأن التحقيق مهم جدًا بالنسبة للمؤرخ. المؤرخ الذي يبحث في التاريخ القديم ليس هو المؤرخ الذي يبحث في العصر الوسيط. مثلاً عندنا نحن في تاريخ الإسلام، إذا أردت أن أعرف المجتمع في العصر الوسيط، أبحث مثلًا في فقه النوازل، وثائق مهمة جدًا لأنها أحكامٌ مُدَوَّنةً مثلاً عند الونشريسي أو عند البرزلي أو غيره من الذين اشتغلوا – الذين كانوا فقهاء – هذه وثائق مكتوبة. إذن أنا أعتد بها وأجعلها ضمن العدة المصدرية التي أستقي منها معلوماتي؛ لأن مصدر المعلومة كذلك مهم بالنسبة للمؤرخ. المؤرخ– كما يقول أحد المؤرخين – ليس قاضيًا، هو ليس قاضي تحقيق. هو لا يحكم على الأشياء كما يقال عن القاضي يقول “أنا أحكم بالظواهر”، ولكن المؤرخ يحكم بالظاهري والباطني أحيانًا؛ لأنه يحاول ما أمكن أن يبحث في الوثيقة وأن يبحث في السند وأن يبحث في العلل -كما يقول ابن خلدون-، وأن يحاول تجميع كل شيء؛ لأن مهنة المؤرخ هي من أصعب المهن. لأنه لا يمكن أن تأتي بمعلومة بدون سند: ما هو سندك في أن تقول مثلاً إن المغربي كان يحب الترحال كثيرًا، أو أنه كان كسولًا كما صوره في القرن الثامن عشر والتاسع عشر المستشرق الأوروبي؟ هو صور المغربي على أنه كسول ولا يشتغل، وأن هذا صحيح ربما حالة أو حالتين، ولكن كان الناس يشتغلون في الفلاحة في القرى.
يعني هناك مجموعة من الضوابط والأدوات، لكنها مجتمعة. حتى نلخص هذه الفكرة: تجتمع في الموضوعية، في درجة التعاطي مع الوثيقة والوثيقة الصحيحة؛ هناك مجموعة من الوثائق كذلك: هل الوثائق العسكرية هي الوثيقة الدينية؟ أو هل الوثيقة المكتوبة هي الوثيقة الشفوية؟ يعني توسيع دائرة البحث وتوسيع مصادر المؤرخ تحتاج طبعًا إلى العديد من الضوابط، كما قلتم: ضوابط مرتبطة بالموضوعية في مواجهة الذاتية، مرتبطة بالوثيقة في مواجهة عدم وجود الوثيقة. بمعنى: دائمًا يشتغل المؤرخ على تلك الثنائية، البحث عما هو ملموس أكثر.
تاريخ العرب والتزوير الأوروبي
باسم: لكن الملاحظ، نحن كعرب، تاريخنا تعرَّض للكثير من الكذب والتزوير والتدليس حتى والافتراء من قبل ما يعَدّ حاليًا مؤرخين – أعني المؤرخين الكبار الأوروبيين، سواء كانوا مستشرقين أو حتى مؤرخين عاديين أو منقبي الآثار، -أنا أسميهم الأثريين-. التاريخ تعرَّض إلى الكذب والتزوير سواء بقصد أو بسوء فهم، ولكن هذا التاريخ هو التاريخ، وما زال يُحكم على نهاية المجتمعات العربية من هذا المنظار. كيف أريد أن أعيد قراءة هذا التاريخ؟ على أي أساس مثلاً؟
عمر: يجب أن نعطي حالات حتى نقرب المشاهد إلى كيفية ضبط المعلومة التاريخية أو ما يسمَّى البحث عن الحقيقة التاريخية. هذه حلقة دائمًا تكون مفقودة. ولكن الباحث المؤرخ – كما يقول أحد الباحثين من مدرسة الحوليات – أنه أشبه بالعامل في المناجم: هو دائمًا يبحث عن هذا المعدن الذي يمكن أن يجده، وبالتالي هو يبحث. فالمؤرخ مثلاً عند تعاطيه لموضوع من المواضيع، نحن نعطي على سبيل المثال: المرأة في القرن السادس عشر، يطرح سؤالًا بسيطًا جدًا: ما هي الآلية أو ما هي المصادر وما هي المنهجية التي سأشتغل عليها؟ هل سأشتغل على منهجية دياكورانية، بمعنى تسلسل تعاقبي أيقونولوجي، أو على منهجية السيكورانية؟ بمعنى أن نتحدث عن ظاهرة في زمن محدد؟ هل سأقوم بالبحث عن بعض المستندات، الوثائق؟ المؤرخ يكون أشبه بمن يقف بين طريقين في مفترق طرق، ولكنه مُطَالَب بأن يبحث. فما هو موجود الآن فيما يسمَّى المعرفة التاريخية التي ورثناها مثلاً عن المستعمر الفرنسي، عن المستشرق. فيها كثير من التدليس والكذب. مثلاً أنهم يصورون المغرب: مثلاً عندما أراد المستعمر الفرنسي احتلال المغرب، دخل إلى الجزائر سنة 1830 كانت البداية للاحتلال، فمنذ سنة 1830 قام بسن سياسة ذكية جدًا: محاولة معرفة هذا المغرب الذي يريد. فكان هناك ما يسمَّى…
باسم: البعثات العلمية؟
عمر: نعم، كانت لجانًا علمية. يعني تجول المغرب والجزائر وغيرها من الدول بحثًا عن ما هو هذا المغرب الذي نريد أن نبحث عنه؟ هل هذا المغرب متوحش كما يصورون المغرب بالنسبة إليه؟ هناك صراع حضارة، وهناك فارق؛ ما يسمَّى بالفارق الحضاري. صحيح أننا كنا متخلفين؛ لأنه حتى الأسبان عندما دخلوا إلى تطوان في المغرب سنة 1860 صوروا المغاربة على أنهم يعيشون بدون كهرباء مثلاً، كان هناك (تشوير) أو بعض الأدوات البسيطة جدًا في سنة 1860. أول مرة يدخل إلى المغرب مثلاً كهرباء داخل الشوارع؛ لأن أسبانيا استمرت في المغرب مدة سنتين في تطوان، احتلت تطوان في سنة 1860، وكان أول – لنقل – أول احتكاك بالأجنبي؛ لأنه دائمًا نسمع عن “بلاد الكفر”، “بلاد الكفر”! عندما جاءنا هذا المستعمر فوجئنا بأننا لا نعرفه، ولكنه هو أراد أن يتعرف علينا. وبالتالي فالمقاربة التي يتبناها المستشرق أو غير المستشرق الذي كتب تاريخ المغرب من زاويته هو كأوروبي بنزعة ما يُسمَّى بالمركزية الأوروبية “مصطلح فرنسي”: متعال أو متحضر في مواجهة متخلف؛ لأنه لا يملك من الأمور إلا القليل منها. فهذه طبعًا يجب إعادتها. أعطي مثالًا بسيطًا جدًا: على رحلة شارل دي فوكو إلى المغرب. شارل دي فوكو جاء إلى المغرب وكتب كتابًا “مصطلح فرنسي” أو “التعرف على المغرب”. جاء إلى المغرب وتوغل إلى عمق الجنوب المغربي، ولكن أحكامه كانت أحكامًا مسبقة. هي عبارة عن أحكام “ستيريو تيب” مسكوكات كما يسمّيها اللغويون – مسكوكات، أحكام جاهزة لا تَمتّ بأي صلة إلى الواقع المغربي.
غياب المؤرخ العربي
باسم: إن هذا يقودني إلى سؤال محير كثيرًا، إن معظم شعوب الأرض مؤرخوها منهم فيهم، إلا التاريخ العربي؟
عمر: للأسف، كنا نحن في البداية نحن المتحكمين في الكتابة التاريخية، ولكن كانت كتابتنا مختلفة. فمثلاً إلى غاية العصر الوسيط، أفضل المؤرخين في تاريخ المغرب وفي تاريخ الشرق وفي الغرب الإسلامي هم مؤرخون جغرافيون عرب يكتبون باللغة العربية. ليس هناك أفضل من “مروج الذهب”، وليس هناك أفضل مما كتبه الطبري، وليس هناك أفضل من الرحلات التي مثلاً للإدريسي وابن حوقل والقلقشندي وغيرهم، كثيرون جدًا. لكن ابتلينا بهذه البلية – الله أعلم كيف ابتلينا بها – أننا عشنا عصر انحطاط، خاصة بعد سقوط الأندلس. في نهاية القرن الخامس عشر ستفقَد هذه الحضارة بريقها الأخاذ الذي كانت الأمم الأخرى تستقي منه. فالعصر الوسيط كان عصر مجد بالنسبة للعالم، نحن فاتحو الأندلس ومُصَدّرو الحضارة. بل بالعكس أن حتى الملك الإنجليزي كان يوصي ابنته لتدرس في الأندلس. عدد المستشفيات مثلاً في قرطبة كان يضاهي عدد المستشفيات…
أسباب الانتكاسة العربية الإسلامية
باسم: طيب، هذه الانتكاسة للحضارة العربية – ما يسمَّى بالإسلامية، أنا لا أسميها، يعني الإسلام أوسع من أن تخصه بحضارة، الإسلام دين – تجاوزا هذه الحضارة العربية الإسلامية انتكست كما ذكرت، وأنا أميل لهذا الفهم أنها انتكست بعد مثلاً سقوط الأندلس. هل هذا الانتكاس لأسباب سياسية مثلاً: إنه صار فيه مثلاً هبوط في المعنويات؟ أو انتكاس أيضًا انتكاس ثقافي؟ أم للدور الذي لعبه الاستشراق في عملية التزوير؟ -كما يقال هناك صار فيه تزوير في الكتب العلمية العربية، ومن ثم نقلها إلى أوروبا على اعتبار، صار وتم تبنيها من الأوروبيين على أساس أنها إنتاج أوروبي حضاري؟
عمر: أنا سأختلف معك في نقطة بسيطة جدًا: هو أنه سأميل إلى ما يقوله مالك بن نبي. مالك بن نبي هذا مفكر جزائري معروف ومرموق، وله نظرية يقول بأن فترة ما بعد الموحدين، هي ليست فترة ما قبل الموحدين. بمعنى أنه في سنة 1212، يعني القرن الثالث عشر، بداية القرن الثالث عشر، بعد معركة العقاب التي انهزم فيها… كانت بداية تفكك الدولة الإسلامية في الغرب، الأندلس، بمعنى في الأندلس والمغرب، لأنه امتد حكم الموحدين إلى تونس. مالك بن نبي يصف هذا التقهقر ويقول بأنه لم تقم للمسلمين والعرب خاصةً في شمال إفريقيا، لم تقم لهم قائمة منذ سقوط دولة الموحدين.
وأعود إلى جواب هذا السؤال: كيف أنهم زوَّروا؟ لأنهم عندما بدأت تضمحل، أو بدأ التقهقر على مستوى البنية السياسية، على مستوى الحكم في الأندلس، بعد بروز ملوك الطوائف بعد التناحرات، ثم دخول مجموعة من التحالفات، ما يسمى بالتحالفات الصليبية. لأن الأصل كان طرد المسلمين من أوروبا ومحاولة ما أمكن تمسيح القارة الإفريقية إلى آخره، ستبدأ فيما بعد ما يسمى بحروب الاسترداد. فهنا سيتنبه هؤلاء صناع القرار في أوروبا خاصة، من أولئك النخبة التي تحكم، يعني من الملوك إلى آخره، أن ينظروا إلى ما خلفه العرب، فقاموا بترجمة الكتب. يعنى ستجد أن مثلا نظريات الطب الموجودة استمرت إلى القرن التاسع عشر هي كانت عربية..
باسم: ابن سينا..
عمر: طيب، هم قاموا بسرقة كل هذه الكتب وكل هذه الأفكار وتبنوها بطريقة بشعة لا تمت… حتى الاعتراف، صحيح هناك دول الآن تعترف بأفضال المسلمين ولكن قاموا بطريقة، هي غير أخلاقية بنقل هذه العلوم وترجمتها، حتى كولومبوس، كريستوفر كولمب، المعروف بكولون عند انطلاقه من مدينة ويلبا من أسبانيا، بوحدات، وهي مدينة قريبة من إشبيلية، عندما قام عبر ثلاث قوارب كبيرة باكتشاف… كان مع كما تقول الدراسة أنه استعان بالأسطرلاب الإسلامي..
باسم: نعم، واستعان بالبحارة العرب.
عمر: بالتقنية البحرية. ولكن هذا لا يكتب فيه شيء.
تزوير التاريخ وانهيار الحضارة الإسلامية
باسم: لهذا أنا سألت السؤال: إنه ما مدى تأثير التزوير الذي وقع عند المؤرخين أو بين قوسين (المستشرقين الأوروبيين)، أو كان سببا، أو نسبة هذا التأثير في انهيار ما يُسمى بالحضارة العربية أو الثقافة العربية أو حتى النظام السياسي العربي ككل؟
عمر: نعم، صح. الذي حدث هو أن ذلك البريق الذي كان سائدا في الأندلس وفي ما بين الضفتين، ما يسمى بين الضفتين سواء في الأندلس أو في الجهة الإفريقية، كل هذا تحطم على حجر، والسبب كان واضحا هو المعنويات التي سقطت للكل، لأن المسلمين لم يتعودوا على أن يكون لهم هذا… أن تكون لهم هذه الانتكاسة. أتحدث عن حالة تاريخ المغرب مثلا: في سنة 1415 تم احتلال مدينة سبتة، وهي الآن محتلة.
باسم: ما زالت محتلة..
عمر: وهي أقدم احتلال في العالم تقريبا. فسنة 1415، يعني كيف تتصور لدولة مثل دولة المغرب وأنا أتحدث ليس من منطوق القومية…
باسم: بل من واقع الدولة..
عمر: من منطوق الاعتراف. من منطق الاعتراف بالتاريخ، والتاريخ لا يمكن أن نغيره.
باسم: مئة بالمئة كلامك سليم، صحيح.
عمر: مهما كلف الأمر. ولذلك عندما احتلوا مثلا مدينة سبتة سنة 1415، يعني هذا المواطن المغربي… أتحدث عن المغربي الذي ألف أنه بالعكس أنه يذهب إلى الجهة الأخرى من أجل أن يتوسع في الأراضي إلى آخره، يجد نفسه يتراجع إلى الوراء. فكانت هناك هزيمة نفسية أثرت معنويا،؛ ولذلك كانت سببا في سقوط دولة المرينيين. يعني بنهاية القرن الخامس عشر سقطت الدولة المرينية مع سقوط آخر معقل لها في دولة الأندلس: سقوط غرناطة. ثم بعد ستأتي الدولة السعدية. الدولة السعدية في المغرب كحالة هنا ستسمح لي بالدخول في تاريخ المغرب شيئا ما لكي أعطي بعض النماذج على الانكسار الذي عاناه المغاربة. وعندما نقول المغاربة، طبعا هذه العقلية كانت قريبة إلى باقي الشعوب الإسلامية. فما الذي حدث في الفترة السعدية هو أن السعديين أرادوا إحياء الأمجاد السابقة، خصوصا أن الأندلسيين الذين هربوا من بطش التمسيح الأوروبي بعد زواج أو توحيد إسبانيا مع التحالفات التي حدثت في إطار ما يسمى بالحروب الصليبية وحروب الاسترداد، كانت الداعي إلى أن المغرب يجب أن يواجه واقعه من خلال فكرة الزوايا. انتظمت عديد من الزوايا من أجل إعادة…
باسم: الزوايا الدينية تقصد؟
عمر: الزوايا الدينية. ولذلك لحد الآن في المغرب الزاوية مؤسسة مهمة جدًا لها دور مهم في تاريخ المغرب، لأنها أولاً لها رمزية، ثانياً هي جامعة للعديد من المقاومين في تلك الفترة.
باسم: يعني ليس مجرد زاوية دينية مثلا تقصيرية؟
عمر: لا، لا. زاوية أكثر هي مؤسسة… مؤسسة كبيرة جدا، وهي مؤسسة تحظى باهتمام لحد الآن باهتمام بالغ من طرف الدولة المغربية، لأن لها دورا كبيرا جدا في إعادة إحياء ما يُسمى بالروح الوطنية، المصطلحات هذه متأخرة، جاءت مع الثورة الفرنسية، ولكن روح الأمة أو الروح التي تدعو إلى طرد المستعمر ومحاولة، ما أمكن، إعادة استرجاع أمجاد الأندلس وغيرها من الأماكن الأخرى.
تاريخ يهود المغرب
باسم: يعني واضح أن هذه النقطة يجب أن تبقى مثارة باستمرار، متى سقطت ما يُسمى بالحضارة العربية؟ ومتى بدأت تتراجع؟ هي هذه النقطة. الوقت لدينا ضيق، ولكني كنت أريد أن أدخل معك في قصة تخصصاتك. وأنت عندك دراسات بحثية حول يهود المغرب. هل أنت تتعامل مع يهود المغرب مثلا كجزء مستقل عن المجتمع المغربي؟ هل تتعامل مع… في دراستك لهذه الظاهرة، هل هم كظاهرة دينية أم ظاهرة ملة أم طائفة مختلفة؟ أم هم جزء من الشعب المغربي بشكل عام له معتقد خاص به أو معتقد يختلف بشكل أو بآخر عن المجموع العام؟ بأي تصنيف وضعتهم أنت حتى تجري دراستك عليهم؟
عمر: لا، هي ما أكاد أسميها مدرسة مغربية في التعامل مع تاريخ اليهود، لأن هناك جيلا كبيرا جدا تعامل مع تاريخ اليهود. اليهود في المغرب نراهم نحن المؤرخين الذين يهتمون بهذا الموضوع: هو جزء لا يتجزأ من ما يسمى بالتركيبة الاجتماعية المغربية، ومن التراث المغربي… والدليل على ذلك أنه حتى في دستور 2011 لأول مرة في العالم العربي والإسلامي أنه تم دسترة ما يُسمى بالمكون العبري. الرافد العبري جزء لا يتجزأ من التاريخ ومن الذاكرة..
باسم: لما نتحدث ونقول “الرافد العبري”، ما المقصود فيه؟ ماذا يقصد بالرافد العبري؟ هل نسبة إلى عرق؟ نسبة إلى لغة؟ نسبة إلى ثقافة؟ إلى دين؟ إلى ملة؟ ما الذي يميز هذه المجموعة البشرية التي هي أصلا مغربية كما تسميها؟ وما أريد أن أدخل في التسميات العرقية للأشياء أو الأوصاف القومية. خَلِّنا نتعامل كمجموعة: هل تعاملت معهم أنت كجزء من المغرب، جزء مميز، جزء له تدين مختلف أم عرق مختلف؟
عمر: هي كل هذا وذاك. هم أولاً: نحن نكتبهم “المغاربة اليهود”، وليس “اليهود المغاربة”، لأنهم مغاربة قبل أن يكونوا يهود.
باسم: هذا توضيح واضح.
عمر: هذه خلاصة انتهينا إليها، أول من ربما قال بها هو “شمعون ليفي”، وهذه شخصية مهمة جدا في تاريخ المغرب، وهو كان وراء العديد من الأمور التي حاولت أن تجمع شتات ما تفرق في التراث اليهودي المغربي. اليهود المغاربة هم يهود كما نسميهم بالسفارديين. هم ينقسمون إلى قسمين، حتى نعرف من هم هؤلاء اليهود: هم اليهود “تشابيم” ويهود “ميجاروشيم” بتعبيرهم، يعني يهود البلديين واليهود الروميين، اليهود الأصيل، الأصلاء أو الأصليون.
باسم: يهود المغرب.
عمر: الذين وجدوا في المغرب، والدراسات الآن تثبت…
عمر: هل نقدر نسمي اليهودي المغربي عربيا مثلا؟ ليس عربيا؟ أم الدخول في التصنيف القومي والسياسي؟
عمر: هذا تصنيف وضعه بعض اليهود المزراحيين في اليمن وفي الشرق.
باسم: لا، هذا الذي يميزهم حتى في إسرائيل.
عمر: صحيح.
باسم: اليهود، هذا أشكنازي، هذا مزراحي، هذا سفارديم. هذا… هم يميزون بعضهم لأنهم انتماءات قبلية قديمة. لا يوجد مجموعة عرقية تشمل الكل. يهود الفلاشا يختلفون عن يهود إسبانيا السفارديم. يهود السفارديم يختلفون عن…
عمر: صحيح، الأشكناز.
باسم: عن الأشكناز، ويهود العراق يختلفون عن يهود مثلا إيران.
عمر: ولذلك نحن في الكتابة نقول “المغاربة اليهود” لأننا نتحدث عن يهود في المغرب.
باسم: هل أنت تبحث عنهم كتجمع ديني طائفي، أم تبحث عنهم كتجمع عرقي مختلف؟ الإشكالية هنا…
عمر: هم جماعات، وليسوا طوائف. جماعات يهودية، وليسوا جاليات، لأن بعض المؤرخين… حسب المؤرخين اليوم يقولون: “الآن نحن لسنا جالية، نحن أبناء هذا الوطن”. بالتالي نقول: “الجماعات اليهودية”. هم مجموعة من الجماعات اليهودية. فحتى أشرح أكثر: ليس الفارق بينهم هو العرق أو الدين، لأن هناك اليهود ليسوا أرثوذكس أو ليسوا… لا يحترمون… حتى داخل اليهود هناك جماعات يهودية تختلف بانتمائها الديني. هناك القراؤون والربانيون، هناك من لا يعتمد في مرجعيته الدينية إلا على التوراة المكتوبة، هناك الذي يضيف التلمود. هناك في طريقة عيشهم وفي صلواتهم قد يجتمعون على أداء ثلاث صلوات جميعهم، ولكنهم لا يجتمعون على طريقة أداء الصلاة. فيهودي جبل طارق ليس كيهودي سبتة، وليس لهم ذلك. لذلك أنا أبحث في المونوغرافيات بمعنى أبحث في كل خاصية من الخصائص التي تميز هذه الجماعة عن تلك. ففي يهود تطوان مثلاً، اليهود التطوانيون كانوا من أهم المغاربة اليهود، هم معروفون بأنهم كانوا يحترمون من أكثر… ليسوا متشددين في… ولكنهم كانوا محافظين… ما يسمى اليهود الأرثوذكس، محافظين على جميع التعاليم الدينية وفقاً لما يُسمى بالدين الموسوي. وبالتالي كانوا يتميزون بالعديد من… فلذلك في القرن السادس عشر والسابع عشر عندما جاء اليهود السفارديم الذين طردوا من الأندلس، ومن الأندلس هي إسبانيا والبرتغال، فعندما جاؤوا كانت لهم مشاكل كبيرة جداً لأن طريقة عبادتهم وطريقة تعاملهم كانت تختلف.
باسم: مختلفة كلياً، صح. إذن نحن تعاملنا مع طائفة مع طوائف..
عمر: مع جماعات بالضبط، فسيفساء، لكن يجمعهم الدين…
كيفية تمييز المغاربة اليهود
باسم: طيب، هل يمكن تطبيق هذه المعايير مثلاً على مجموعة مسيحية مثلاً مغربية أنت طبقت مجموعة من المعايير في دراسة هذه المجموعات البشرية التي سميتها يهودية مغربية، لو كان هناك مجموعة مسيحية مغربية، هل ستطبق عليهم نفس المعايير في الدراسة والبحث؟
عمر: تاريخ المغرب بالنسبة للمسيحيين… يختلف، لم يكن…
باسم: أي أنا أتكلم بمجرد…
عمر: طبعاً طبعاً سأصنف..
باسم: أنا أفترض أنهم موجودون وقد لا يكونوا موجودين.
عمر: لنفترض سأقول بأن هذا مسيحي بروتستانتي مثلاً، وهذا مسيحي… حسب انتماءاتهم. ولكن اعتماداً على ما هو موجود في الكتب، فنحن لا… هذا تصنيف لا يأتي من فراغ. فأنا عندما أقول يهود السفارديم، أنا أعرفهم من خلال اسمائهم. الأسماء اليهودية المغربية. الاسم مميز، مثلاً عندك أزولاي مثلاً، هو مستشار جلالة الملك. أزولاي، هذا يهودي مغربي، مغربي يهودي مغربي.
باسم: ليسوا سفارديم؟
عمر: لا، أزولاي كلمة أمازيغية، بمعنى هذا يهودي عاش في المغرب وأصوله من المغرب، ولا يمكن لك أن تصنفه من دائرة أنه مغربي مغربي. مع العلم أن كلهم مغاربة، ولكن هناك من جاء من أوروبا في فترة في القرن الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر، وهناك من جاء من جبل طارق بعد احتلالها من طرف الإنجليز سنة 1704، وهناك من عاش مع البرتغاليين. لأنني تتبعت خطوط العديد من العائلات مثلاً عائلة كاسيس، عائلة كاسيس هذه عائلة إسبانية من خلال اسمها ولكن هذا لا يعني أن هناك تفرقة بينهم، هم مغاربة يهود في النهاية، ولكن هناك اختلافات في الثقافة. وهذا ما يسعى المؤرخ إلى أن يجده من خلال استقرائه العديد من الوثائق والمصادر خاصة اليهودية منها، في طريقة التعامل، مؤخراً نشتغل مثلاً على الطبخ اليهودي، يعني لو بحثنا في الطبخ اليهودي كهوية بمثابة…
باسم: الطبخ اليهودي في المغرب؟
عمر: نعم، فهو كمثابة…
باسم: أي يختلف مثلاً عن الطبخ…
عمر: صحيح نعم، يختلف جذرياً في كثير من الحالات مثلاً. فوجدنا مثلاً بأن الطبخ أو الطبيخ كما كان يُسمى في العصر الوسيط، الطبيخ المغربي هو أفضل. الطبيخ المغربي يختلف جذرياً عند يهود المغرب عن باقي… كمثلاً طبيخ المزراحي في اليمن ليس هو الطبيخ…
أصول اليهود في المغرب
باسم: طيب، أريد أن أسأل سؤالا. الإسلام دخل المغرب مع العرب الذين جاؤوا من الشرق. اليهودية كملّة دخلت من أين؟
عمر: هذا موضوع أصول اليهود، هذا البحث في أصول اليهود.
باسم: لما نقول أصول اليهود، فأنت تتحدث عن عرق، لما تقول اليهودية كملّة، ملة سلوكية، أنا في لحظة قد أكون مسلماً وقد أقرر أن أكون مسيحياً وقد أقرر أن أكون بوذياً وقد أقرر أن أكون يهودياً، لكن عرقي لم يتغير، انتمائي السياسي لم يتغير، أي انتمائي للمجموعة البشرية لا يتغير. الذي يتغير المعتقد. أنا أتعامل مع اليهودية كمعتقد على شكل ملة. هذه الملة من أتى بها؟ أي هل صار فيه مثلاً دعوات؟ هل صار فيه تبشير للملة اليهودية في المجتمع المغربي قديماً؟ أم أتى ناس جاهزون من منطقة ما حاملين نفس الفكرة؟ أنا عندما أقول الأصول، يعني أنا بدأت أتحدث عن عرق.
عمر: صحيح، نعم. ابن خلدون هو أول من أشار إلى فكرة مهمة جداً، هو أنه في المغرب، أتحدث عن ما يسمى باليهود الذين أسلموا والمسلمون الذين تهودوا.
باسم: أي هذه النقطة كانت واضحة في ذهن ابن خلدون؟
عمر: كان أول من… ولكنه استقاها من أحد المؤرخين الأوائل، ربما عاش في القرن الأول، هو ترتليانوس هذا معروف، ترتليانوس كتب كتاب “أدنسيونيس”. هذا كتاب أول من أشار إلى مسألة التبشير اليهودي. لأن العقيدة اليهودية ليس فيها تبشير، ولكنه أشار أنه كان هناك نوع من التبشير في الديانة اليهودية.
باسم: صار فيه حجر على التبشير بالملة اليهودية؟
عمر: بالضبط نعم.
باسم: فقط عندما بدأ الغرب يتعامل مع اليهود كعرق.
عمر: بالضبط.
باسم: وإنما الديانة، أنا بالنسبة لي النص القرآني يصفهم بالملة..
عمر: صحيح.
باسم: “وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ”. يعني فيه ملة. فيه وصف بالملة، والملة ليست محصورة على عدد بشري محدد. فصار توقف عن التبشير بالملة عندما تم اعتبار معتنقي الملة أنهم عرق. وهذا في وقت عصر نشوء القومية في أوروبا.
عمر: لا، نظرة المؤرخ تختلف في التفسير، لأن المؤرخ يتتبع الأصل. ضروري أن تتحدث عن الأصل: كيف وصل هذا اليهودي إلى المغرب؟ هل كان يهودياً وُجد مع المسيحيين؟ لأن اليهودي هو ثاني عنصر سكن المغرب بعد الأمازيغ. الأمازيغ هم السكان الأصليون، ثم وُجد معهم كما يقول ابن خلدون بقايا مسيحية وبقايا مجوسية وبقايا وثنية.
باسم: لا أختلف معك، لكن أقول: نحن نعرف مثلاً منابت انتشار هذه الأفكار أو هذه الملل، معروف منبتها من أين؟ كيف وصلت إلى هنا؟ هل وصلت بالتبشير أم الذين حملوا الفكرة وصلوا إليها؟
عمر: بالتبشير بطبيعة الحال.
باسم: أنا أعطيك مثلا: هناك مسلمون صينيون، هل الإسلام صار تبشيرًا أم أن مسلمين عربا ذهبوا إلى هناك ونشروا الإسلام؟
عمر: وهذا هو الجواب الذي أردت أن أقول، يعني هو أنت تعرف هذا اليهودي الذي وجدناه في المغرب أو كما قلت، الذين جاؤوا مع الحملات الإسلامية بعد الفتح الإسلامي، هل كان لهم معتقد ديني أم أنهم تبنوا اليهودية؟ فابن خلدون يجيب على هذا السؤال. ابن خلدون يقول إنه عندما جاء إدريس الأول، -إدريس الأول يعني في القرن الثامن الميلادي في نهاية القرن الثامن، وإدريس الثاني في سنة 808 ميلادية بنى فاس. ولكن فاس بُنيت على مراحل.
باسم: الإدريسي الثاني اللي بنى فاس، أليس كذلك؟
عمر: الاثنان، الدراسات الحالية تثبت بأن العدوتين: عدوة بناها إدريس الأول، وعدوة بناها الإدريس الثاني-. فعندما بدأ ينشر الدين الإسلامي، لأنه بايعته قبائل أوربة وكسيلة الذي كان مناهضاً في البداية، لم يكن مناهضاً للزحف الإسلامي أو للفتوحات الإسلامية، ولكنه في النهاية عندما أهين… عندما أهين البربر انتفض. فكان أوربياً من أوربة نفسها. وبالتالي فعندما جاء… يعني تحدث المؤرخون أبو عبيد الله البكري في القرن الحادي عشر وغيرهم من الكتاب والباحثين في تلك الفترة بأنهم وجدوا بقايا يهودية مسيحية. المسيحية جاءت مع الرومان، الرومان هم الذين حاولوا إدخال المسيحية، ولكن المسيحية كانت… لأنه يجب أن لا نتصور بأن هؤلاء السكان الذين كانوا في المغرب كانوا في وضع مستقر لا يتحركون. هناك امتدادات، هناك تأثير وتأثر. يعني هذا الوافد الجديد قد يكون هذا من الوثنيين، الوثنية كانت منتشرة، أو قد يكون مجوسياً. وهذه المجوسية يعني غريبة، أنا لم أجدها إلا عند ابن خلدون وبعضهم الذين أعادوا لابن خلدون.
باسم: دخل؟ كانت المجوسية موجودة؟
عمر: يعني ما وجدناه في الكتب.
باسم: ربما إذن من العرب المجوسية…
عمر: ربما.
باسم: المجوسية ليست محصورة على البقعة الجغرافية المسماة إيران حالياً، أيضاً كان في العراق في المناطق المحيطة مجوسية أو زرادشتية، فهؤلاء ممكن من اعتنق فيها قدموا إلى هنا وبشروا فيها.
عمر: لأنه كانت هناك هجرات، يعني أن أرض الله واسعة كما يقال…
باسم: الهدف من التدقيق في الموضوع أن هناك فرقاً بين أن ينتقل أهل العرق كمجموعة بشرية، أو ينتقل المعتقد من مكان إلى آخر. وبالتالي، كمؤرخ عندما تدرس ظاهرة طقسية ما، أن تدرسها من منظور كيف انتقل المعتقد إلى هذا المكان، وليس كيف انتقل معتنقو المعتقد إليها. لأنه هنا يوجد حالتان، في حالة، تدرس انتقال الفكرة أو الملة أو الطقس، أو انتقال العرق نفسه، يعني المجموعة البشرية ذاتها.
عمر: هو سؤال صعب، لماذا؟ لأنه يجب أن تعود إلى الفترات الأولى: كيف بدأ هذا اليهودي؟ هذه الملة وهذا العرق؟
باسم: لهذا السبب أنا متفق معك، لكن المشكلة أين؟ لأننا نحاول نفك الارتباط الذي أدخلنا فيه الاستشراق، وهو ربط اليهودية بالعرق، وأصبح لدينا شعب اسمه “الشعب اليهودي”. بينما كثير من اليهود يقولون إن هذه عبارة عن قصص مُخْتَرَعَة. مثلاً، شلومو ساند كتب كتاب “اختراع الشعب اليهودي” أو “اختراع أرض إسرائيل”. هذه اختراعات، وهذا الاختراع تم في القرن الخامس أو السادس عشر في ألمانيا، وقت عصر نشوء القوميات في أوروبا. اليهود تم نفيهم من هذه المجتمعات على هذا الأساس، فبالتالي أعطوا عرقاً، يعني تم اختراع عرق سموه “العرق اليهودي” ليستثنوهم من الاندماج في المجتمعات الأوروبية.
عمر: بالنسبة للمؤرخ، لا ينظر إليهم كعرق، بل ينظر إليهم كديانة وُجدت في المغرب. لأننا نحن نتتبع ما كتبه المؤرخون. أنا لا أجتهد في ما… لا وجود لكلمة “شعب” في التاريخ، هذه من الصهيونية، يعني عند هرتزل… في التاريخ، يجب أن نميز بين محطات.
باسم: يعني أنك تتابع ظاهرة الطائفة كيف تشكلت؟
عمر: نعم، هذا عمل المؤرخ. لأن تحليل العرق ما أدى إلى العرق والجانب الأنثروبولوجي وتطوره ليس من عمل المؤرخ أحياناً. لماذا؟ لأنني عندما أبحث عن اليهودي المغربي، أقول: من هو هذا اليهودي المغربي؟ هو اليهودي المغربي الذي يتبنى ديناً. كلمة “العرق” موجودة لأن العرق وُجد في المغرب، لكن العديد من اليهود لم يكونوا يهوداً فتبنوا الدين اليهودي. كيف سأحكم عليهم؟ هل سأعتبره عندما تبنى دينا اخر انطلاقاً من عرقه أم من دينه؟
باسم: الواقع أنك تحاكم الفرد بناءً على أصوله..
عمر: وفقاً لما هو موجود في المصادر. لأن المؤرخ – كما قلت دائماً – نشتغل على الوثائق.
باسم: هو كيهودي أصبح يهودياً، لكنك تعامله كمغربي، يعني كجزء من هذا المجتمع. مسيحي تعامله كجزء من المجتمع.
عمر: كمغربي بالضبط. كلمة “شعب” غير موجودة في قاموس التاريخ تماماً. نعم.
باسم: وبالتالي هو يساوي الآخرين وإن اختلفت…
عمر: صحيح، لأن كلمة “شعب” أصلاً – كلمة “الشعب” هذه من الصهيونية.
باسم: تسمية اليهود كشعب.
عمر: هذه لم تكن موجودة. شلومو ساند – كما قلت – نفى ذلك، وكثير، روجيه جارودي، في الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، بنى على مسألة الشعب. فأنا أعتقد أن كل الكلام له علاقة بالتاريخ. لأنني أتحدث تاريخياً: أن هذا اليهودي – كما أطرح السؤال – من هو هذا اليهودي؟ هذا اليهودي هو إما أنه وُجد – كما تقول المصادر عند ابن أبي زرع وأبي عبيد الله البكري – إن هؤلاء الذين يقولون: “هذا اليهودي الذي كان يسكن المغرب”. ففي الدولة الإدريسية مثلاً، يقول مثلا البكري أبو عبيد الله البكري إنه عندما كان إدريس الأول ينشر الإسلام في القبائل، لأنه وصل إلى الجزائر، فعندما بدأ وجد العديد من المعتقدات الدينية، من بينها اليهودية والنصرانية أو المسيحية، والمجوسية والوثنية. هذه أربعة كانوا موجودين. كيف دخلوا؟ هناك مجموعة من الأطروحات. أحمد شحلان مثلاً، عندما يتحدث عن اليهودية المغربية من المنبت إلى النهاية، يقول إن هؤلاء جاؤوا وفق محطات تاريخية. هناك من يقول في الرواية الشفهية الميثولوجية إنهم جاؤوا في الفترة الفينيقية، الفينيقيون هم أهل حمير ولبنان إلى آخره، وهناك من يقول إنهم جاؤوا في القرن السادس الميلادي بعد ما يُسمى بمرحلة السبي البابلي، وهناك من يقول إنهم بالعكس جاؤوا في فترة.. مع ما يسمى تهديم الهيكل الثاني، تيتوس أو تيتاس. كلهم يقولون هذا، لكن – كما قلت في البداية – المؤرخ يبحث عن السند الذي يُعوِّل عليه. وإلا لن تصبح معرفة، ستصبح معرفة أسطورية، رواية شفوية أو رواية منقولة أو استنتاج من الاستنتاجات التي اشتغل عليها، خاصة مجموعة من المؤرخين الأوائل من اليهود الذين جاؤوا المغرب. هنا لا بد من أن أذكر “ناحوم شلوس” هذا يهودي ذهب إلى جنوب المغرب يبحث عن أصول اليهود، ثم هناك متأخرون كجولفين، والعديد منهم، لا تحضرني الأسماء، ولكن هناك العديد من اليهود الذين بحثوا في هذه الأصول.
فالتطور بدأ من هذه الناحية. في الفترة الإدريسية، ثم بعد ذلك عندما أسس إدريس الثاني العدوة الثانية، يعني أعاد بناء وتوسع في بناء مدينة فاس سنة 808، جاءه اليهود من كل جهة. لماذا؟ لأنه حدثت حادثة مهمة جداً في تاريخ اليهود بالأندلس، ما يُسمى بثورة الربض، ثورة الربض..
باسم: في سنة…
عمر: في القرن التاسع الميلادي.
باسم: القرن التاسع الميلادي.
عمر: في القرن التاسع وقعت ثورة الربض في الأندلس، ففر اليهود ثم حلوا بسبتة وحلوا بفاس. هؤلاء شكلوا نواة إلى جانب اليهود الذين كانوا موجودين، كما تقول الكتابات القليلة التي تحدثت عن هذا.
باسم: يعني جاؤوا كلاجئين إلى المغرب؟
عمر: كهاربين نعم، لأنهم يبحثون عن الأمن والأمان. اليهودي يبحث.. عندما دخل الإسلام أحس بالأمان؛ لأنهم أهل ذمة، وبالتالي فهم لهم حقوق، هذه الحقوق لم يحصلوا عليها في أي دولة من الدول ومن أي ديانة من الديانات الأخرى. فأحسوا بالأمل، وهذا ما يفسر بأنه في المغرب كانت من أكبر الجاليات، كان 250 ألف يهودي في فترة قبل الاستقلال وبعده تقريبا 250 ألف يهودي. كانت أكبر جالية أو أكبر جالية يهودية في إفريقيا أو في شمال إفريقيا. بالتالي هذا يعطينا فكرة على أن اليهودي المغربي العلاقة بالملة والعرق… يعنى هذه مسألة العرق لم تكن تذكر أصلا؛ لأنهم يتحدثون انطلاقا من الديانة: يهودي، مجوسي، مسيحي، هذا التطور لا أحد يتحدث فيما بعد كما قلت مع المستشرقين الأجانب الذين أدخلوا هذه الأفكار، وحوروها تحويرًا غير أكاديمي فتبناها من تبناها.
الدقة في الدراسات
باسم: يعنى حتى في الدراسات، أعطيك مثلًا: كيف يمكن أن تكون هذه الدراسات التاريخية التي… حتى للمعتقد ولحامل المعتقد قد تكون أيضا مضللة. لأنه لنفترض مثلا عن المسلمين، هناك كثير من الدراسات عن المسلمين، طيب والمسلمون مليار و200 مليون، يعني تؤخذ عينة 20 إلى 30 شخصا.. يعني مثلا خذ ظاهرة داعش عندما بدأت تقرأ ومازالت تقرأ في أوروبا تم تقديمها وإلباس المسلمين كلهم على أساس أنهم دواعش.
عمر: صحيح نعم.
باسم: وإن هذا الفكر كله داعشي. فإشكالية الدقة في قراءة الطائفة أو من يحمل هذه الفكرة والمعتقد ضروري من المؤرخ أن يكون دقيقا في تناولها.
عمر: نعم صحيح ونحن دائما دقيقون في ذلك، لأننا نقول: المغاربة اليهود. وهنا أحيل إلى الدراسة الموسوعية لليهودية والإسرائيلية، للموسوعة المصرية التي نسيت اسمها. فهو يتحدث عن الفروقات الموجودة ما بين.. عفوا أنا قلت المسيري، عبدالوهاب المسيري رحمه الله، الموسوعة اليهودية والإسرائيلية، وميز بين هذه المستويات. ولكن أنا أتحدث من وجهة نظر تاريخية صرفة. يعنى أعود إلى العصر الوسيط أعود إلى البدايات الأولى ثم أتطور، أتدرج في الحكي وفي السرد إلى أن أصل إلى القرن العشرين. إن كان الحديث عن العرق فهذا لا يوجد مع موسى بن ديلسون، التي هي حركة “الهسكالة” ما يسمى بالاستنارة اليهودية التي دعت إلى ما يسمى بأنَّه “نَبذ الجيتو” ومحاولة الاندماج معَ المجتمعات الأوروبية. لأنَّ طبيعةَ اليهود طبيعة منغلقة، يعيش في ملاحات عندنا نَحن، ويعيش في حارة “حارة اليهود”، ويعيش…
باسم: طبيعته طبيعته لا تزال…
عمر: نعم، ولكن هل اليهودي اليوم، مثلاً، يهودي اليوم، ونحن لدينا أصدقاء كثيرون من اليهود، هل اليهوديّ اليوم هو يهوديّ القرن الخامس عشر والسادس عشر؟ طبعًا هو ليس، لأنّه… هناك انفتاح كبير جدًّا. هناك يهود…
باسم: عندما صاحب الملة يقرر أن يخرج من الملة، سيتوقف عن كونه من الملة. ولهذا كتب شلومو ساند، قال.. كتب كتاب “عندما توقفت أن أكون يهوديًّا”، هو توقف أن يكون من أهل الملة، فبالتالي خرج. أنا في رأيي، أسميه أصبح مسلمًا.
عمر: حتى المسلمون إذا خرج من الملة لا يعتبر مسلمًا. أنا أعتقد هنا ربما مربط الفرس، هو أنّ العامل الدينيّ هو الأساس في هذا التصنيف، على الأقلّ في الممارسة في الواقع، وهذا الذي نرى إذا كان… إذا ارتدّ عن الإسلام لا يعدّ مسلمًا، وإذا ارتدّ عن اليهودية لا يعدّ يهوديًّا. ولكن بالنسبة للمؤرخ، هو يهوديّ صرف، يهوديّ. حتى كلمة “يهود” من ناحية، هل هو إسرائيليّ أم يهوديّ. الإسرائيليّ ليس هو اليهوديّ.
باسم: الإسرائيليّ ليس اليهودي بالضرورة.
عمر: وليس هو الصهيونيّ بالضرورة..
باسم: نحن متفقون معك، نحن لا نناقش الموقف من اليهودية، لأنّنا نناقش تحويل اليهودية لعرق، واستغلالها في مآلات سياسية. هذا المقصود في الموضوع.
عمر: هذا الذي قام، وقام بما يسمى بالمقاربة الكولونيالية، لأنها صورت اليهوديّ على هذا العرق أنّه مختلف عن المغربيّ، وهو مغربيّ. أنا أتحدث عن القرن السابع عشر، الثامن عشر، التاسع عشر، عندما كان يأتي هذا الأوروبيّ الرحالة، خاصةً الرحالة السفاردية، فكان السفاري عفواً، أو يسافر في إطار مهمة دبلوماسية، أو يأتي إلى المغرب كمغامر، شارل دي فوكو وغيره. فكان عندما يذهب، يأتي إلى المغرب، كان يبيت في الملاحة، لأنّه لا يسمح له أن يبيت في غير الملاحة. لأنّ المسلم لم يكن يقبل المسيحيّ بهذه الطريقة، فكان يبيت. فكان يصور لنا اليهوديّ على أنّه يهوديّ متّسخ، أنّه يهوديّ متخلّف، فيصوره بأقبح…
باسم: الأوصاف.
عمر: الأوصاف، وهذا أثر على العديد من الكتابات فيما بعد.
باسم: وأثر على موقف الناس.
عمر: حتى من الموقف، نعم.
الشخصية اليهودية المغربية
باسم: طيب، نتيجة الدراسة، ما النتيجة التي خرجت بها؟ دراساتك للشخصية اليهودية، مثلاً، في…
عمر: الشخصية اليهودية.. الشخصية اليهودية المغربية.
باسم: المغربية، أقصد.
عمر: الشخصية اليهودية المغربية شخصية كانت تعيش… يعني لأنه الآن لم يعد هناك يهود. أنا أتحدث عن الماضي، شيء من الماضي، لأنّه الآن في المغرب تقريبًا يكاد يكون العدد نهائيًّا ما بين 2000 و3000 يهوديّ، لكن…
باسم: فقط؟
عمر: فقط. ولكن عددهم في إسرائيل…
باسم: كثير.
عمر: أكثر من مليون يهوديّ. ومنهم من يتقلد مناصب مهمةً جدًّا في وزارات، وفي الحكومة، وغيرها. بالتالي، فشخصية اليهوديّ المغربيّ شخصية كان يعيش أولًا منعزلًا شيئًا ما، ليس كلّهم طبعًا. يعيش داخل الملاحات، ولذلك من أسباب بناء الملاحات، هناك كثير من النظريات، هل كان بإيعاز من اليهود، أو كان من أجل حمايتهم، أو… أو… ولكن النتيجة في الغالب، العديد من الملاحات يعني أراد اليهوديّ أن يعيش لنفسه. اليهوديّ له طقوسه الخاصة، له بيئته الخاصة، لا يريد أن يحتك. وعددهم قليل جدًّا، كانوا يخافون من أن يحتكوا بالمسلمين ولا يغير أبناؤهم الملة أو الدين. فحدث هذا. فشخصيتهم كانت شخصيةً مطواعةً إلى حدّ ما، كانت مساندةً للدول المغربية، لأنّ هناك شخصيات كبيرةً جدًّا: “فماي مران” مثلاً كان مهمًّا بالنسبة لمولاي إسماعيل. مثلًا: عائلة “كوركوس” أو “قرقوز” باللغة العربية، كانت كما هو الحال الآن مثلاً مع “أزولاي” و”سيرج بيرديجو”، الذي هو السفير فوق العادة للحكومة المغربية. فاليهودي جزء لا يتجزأ من المغاربة: هو مغربيّ يهوديّ، شخصيته كانت متزنةً، يعني مطواعةً.
باسم: وحقوقه كاملة.
عمر: كاملة جدًّا. كانت هناك صراعات، صحيح حدثت بشكل أساسيّ عندما دخل المستعمر، لأنّ المستعمر هو الذي فرّق ما بين اليهوديّ المغربيّ أو المغربيّ اليهوديّ، وبين المغربيّ المسلم. فحدث هذا ابتداءً بشكل أساسيّ من 1830 في الجزائر، لأنّ الجزائر عندما احتلّت الجزائر، مرّت بعض السنوات، وأعطت ما يسمى بالجنسية الفرنسية لليهود. فكانت هذه أول خطة من أجل…
باسم: لفصل اليهود.
عمر: لفصل اليهود عن باقي مكونات المجتمع الذي يعيش بين دارينا. هذا حدث في سنة 1830. فما بعد في سنة 1860 حدث الأمر نفسه مع الإسبان، لأنّه أصبحنا نتحدث عن اليهوديّ الذي يأخذ الجنسية الإسبانية ويسافر. وأصبح الزواج بين المسيحيّ وبين اليهوديّ وهذه ظاهرة طبعًا وجدنا العديد من الحالات في الوثائق العبرية وفي الوثائق العربية، واستمرّ هذا إلى سنة 1912 تاريخ احتلال المغرب. والمغرب، كما تعرفون، هو استعمر من جهتين: جهة الإسبان في الشمال، ومن جهة… (يقصد الاحتلال الفرنسي) وهذا عامل مهمّ جدًّا، لأنّ المقاربة التي تمّ بها احتلال المغرب شمال المغرب، وتعامل المستعمر الإسبانيّ مختلفة عن… وهذا ما كتبت عنه الكثير في كتابي “يهود تطوان”.
باسم: بودّي أكمل أكثر عن الموضوع، لأنّه بجدّ الموضوع شيّق، ولكن للأسف إنّ الوقت دائمًا محدّد لنا. دكتور عمر لمغيبشيّ، شكرًا كثيرًا لك، وإن شاء الله يكون عندنا فرص أخرى نلتقي في مواضيع أكثر نتوسع بالنقاط. أشكر لك على أنّك فعلًا أعطيتنا معلومات كثيرة مهمة كانت.
عمر: الشكر لكم، شكرًا جزيلًا، حفظكم الله.
باسم: شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”.