Skip to content Skip to footer

الاستشراق والموروث العربي والإسلامي | د. سعيد بنسعيد العلوي

مقدمة

عدنان: أعزائي، عزيزاتي، أهلا وسهلا ومرحبا. للخطاب الاستشراقي علاقة وثيقة بالدين، حتى ونحن نطالع أشد دراساته علمية ورصانة. وإذا كان المستشرقون قد واجهوا عائق اللغة، مما أوقعهم في عدة مفارقات، فإنهم كثيرا ما واجهوا مشكلة اختلاف الدين، وصعوبة الإحاطة بتفاصيل الإسلام العلمية والعملية، مما ورطهم في العديد من المغالطات. وهذا طبعا لا ينفي الأدوار العلمية الرائدة للمستشرقين الذين حافظوا على أمهات المصادر الكبرى للإسلام، فبادروا إلى تحقيقها ونشرها وحفظها من الضياع.

إن الخلفية المسيحية لغالبية المستشرقين كثيرا ما تحكمت في نظرتهم إلى الشرق، باعتباره آخر وغيرًا على مستوى العقيدة. لذا، حينما نقل المفكر المغربي الدكتور سعيد بن سعيد العلوي انشغال الفيلسوف إلى حقل الدراسات الدينية، وقد كان من رواد هذا الاختيار الفكري وهذه المغامرة الفلسفية، لم يتردد في خوض نقاش مع كثير من المستشرقين الذين درسوا الإسلام، أفاد منهم واستفاد، وانتقد غيرهم أدق انتقاد. ويسعدنا اليوم أن يكون الدكتور بن سعيد ضيفنا في حلقة حول الاستشراق والدين.

دكتور سعيد بن سعيد العلوي، دكتوراة الدولة في الفلسفة والعميد السابق لكلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط، أهلا وسهلا ومرحبا.

سعيد: أهلا وسهلا بك أخي الاستاذ ياسين، مرحبا بك.

ياسين: سيد سعيد، إذا كان الاستشراق ينطلق من المحدد الجغرافي شرق غرب، فإنه من الناحية العقائدية يقوم على ثنائية أخرى، ربما إسلام مسيحية. طبعا، الاستشراق هو دراسة الغرب للشرق، ولكن ألا يمكن القول أيضا بأنه هو دراسة غير المسلمين، وأغلبهم مسيحيون، للإسلام وخصوصا آخذين بعين الاعتبار أن الممارسة الاستشراقية انطلقت في القرن الخامس عشر مع الحملات الصليبية، حتى قبل ما يأتي الاستعمار بهواجسه ورهاناته؟

سعيد: تماما، هذا صحيح، وربما حتى قبل القرن الخامس عشر، مثل الحديث مع النهضة ومع نهاية القرن الرابع عشر. ما ذكرته صحيح، ولو أننا وقفنا لحظة عند عبارة الاستشراق، فيها اشتقاق، استشرق، لغة قصد جهة الشرق، وتماما كما تفضلت الشرق يمثل في وعي هؤلاء الناس، لا من حيث هو محدد جغرافي بمعنى أنه مقابل الغرب، كما أن الجنوب يقابل الشمال، ولكن قلت كلمة وهي كلمة الآخر، وربما الكلمة العربية الإسلامية في مجال حديثنا أقوى وهي كلمة الغير. الغير هو تحديدا بالسلب كل ما ليس الذات.

ياسين: فهو غير؟

سعيد: هو غير. الذات تحدد بكيفيتين عند هيجل مثلا، إما بتحديد إيجابي أقول الماء هو… تحديد السلم عفوا، أقول الماء هو سائل، هو غير الصلب، غير الشجرة، غير السماء، غير الأرض، أو يحدد تحديدا إيجابيا أن الماء مكون من ومن ومن..

ياسين: من كذا وكذا وسائل منذور للشرب؟

سعيد: تكوين علمي، ولكن من الأقوى والأكثر امتدادا والتحديد بالسلب، فالذات تعرف بما هي غيرها، كما أن يعني الضد يدرك..

ياسين: بضده.

سعيد: بالضد.

ياسين: بتضادها تدرك الأشياء.

 

الفضل الإيجابي للاستشراق

سعيد: هنا لابد من الوقوف عند نقطتين في البداية. المحدد الغربي من الناحية الجغرافية، وأحببنا إمكان أن تجرر معها الحمولة الأيدولوجية السلبية بصفة أخص، ثم المحدد الديني، ومن باب الإنصاف سأقف عند هذا المحدد الديني من الناحية الإيجابية، لأنه من الناحية السلبية أشبعنا في ثقافتنا وفي الكتابات حديث فيه إشباع كثير وفيه مغالاة كثيرة. الاستشراق يربط بالاستعمار ويربط بالهيمنة، هذا في كثير من الجوانب. وهذا صحيح وربما سنرجع إلى هذه في هذه النقطة. لكنني أريد أن أحدد.. أن أضع نقطة القلم فوق النقطة في الناحية الدينية، أن ذلك الوعي الديني المسيحي خاصة، لعب دورا إيجابيا. أولا، لأن بداية الاستشراق مرتبطة بإرادة الكنيسة ومجمع كنسي كما تعلم إنشاء مراكز معينة لا فائدة من إعادة ذكرها، وهذا كان مرتبطا بالحمولة الدينية من حيث إنها حمولة أخلاقية أولا أنه الالتزام بالصدق وعدم تحريف النص. ومن ناحية لغوية مرتبط بشيء وهو بميلاد الفيلولوجيا وبنشأتها، والاستشراق ابتدأ أولا من قراءة نصوص الأناجيل؛ العهد القديم والعهد الجديد، قراءة تريد أن تستفيد من مكاسب الفيلولوجيا الناشئة.

هذا الأمر ومنذ البداية سيكون له أثر إيجابي على تراثنا العربي الإسلامي من أوجه. أهم تلك الأوجه، وهنا ينبغي أن سيكون حديثي إيجابيا وربما لا يخلو من مديح، يعني أقول هذا أعترف به منذ البداية. لولا حركة الاستشراق لظلت كثير من نصوص تراثنا العربي الإسلامي نصوصا غميسة لا بل مفقودة، ليس في مجالات الفلك والطب، يعني المعرفة العلمية، ولكن في الناحية الدينية هنالك نصوص كثيرة طبعا في علم الكلام في الفلسفة الإسلامية لولا هذا الجهد للعمل المسيحي (حتى أسمي الأشياء بأسمائها)، لكانت قد ضاعت منا، هذه نقطة. النقطة الثانية أحب أن أشدد عليها كما يقال منذ البداية، وهي أن تيارات تتصل بالفلسفة الإسلامية وبالفكر الإسلامي سواء بعلم الكلام أو حتى بالفقه وبتاريخه بالحركة الاستشراقية وبأسماء معينة ترتبط بها.

ياسين: مثلا؟

 

أمثلة استشراقية إيجابية

سعيد: أعطي بعض الأمثلة بكيفية سريعة، مثلا الفكر الحنبلي وكل ما يتصل به ندين به بشيء كثير على سبيل المثال لهنري لاوست، هنري لاوست أنفق عمرا كبيرا في دراسة الفكر الحنبلي، فابن بطة وابن عقيل وابن تيمية وابن حنبل نفسه، له جهد هذا الرجل جهود كثيرة جبارة. أحسب وهذا كلام إنسان اتصل بالموضوع اتصالا كثيرا. هنالك دراسة على سبيل المثال لا أنساها جميلة قصيرة لا تتعدى مئة صفحة ولكن متينة جدا في هذا الباب وثمينة هي “الحنبلية في ظل الخلافة العباسية”، هذا مشى مع خط الحنبلية وقام بدراستها. هنري لاوست له فضل آخر أعترف به في مجموعة دروس ألقاها في الكولدج دي فرانس عن الغزالي وسيجمعها في كتاب جميل بعنوان “لا بوليتيك دي غزالي” “سياسة الغزالي” هذا جانب. المثال الثاني الذي أريد أذكره هو مثال راهب من الكنيسة كان مقيما في بيروت في الجامعة الكاثوليكية، توفي قبل عقود قليلة ليس أكثر، اسمه “لوبير ميشيل ألار”. فلا تزكوا أنفسكم أنفق العبد الضعيف من أموره سنوات غير قليلة في طقس الأشعرية وتجلياتها المختلفة، وإذا أجزت نفسي أن أتحدث بين مزدوجيتين وباحتياط كبير عن سلطة بالمعنى الضيق وليس المعنى الواسع للكلمة تخول على تلك العشرة، فإنني أقول إن كتاب ميشيل آلار وهو بعنوان “الصفات الآلهية عند الأشعري وتلامذته الأوائل” (مصطلح فرنسي) ليست متينة وقوية جدا أزعم أنني لا أعرف لها مثيلا باللغة العربية، من حيث هذه الجودة. ثم المثال الثالث الذي أردت قوله هو المثال الخاص بـ فان إس، حتى ننتقل من فرنسا إلى ألمانيا، فان إس جهوده الكبيرة في الفكر الاعتزالي والمد الاعتزالي ودراسته والبحث فيه شيء جبار، ناهيك عن الجهود التي بذلها المستشرقون قبل حتى فان إس في إنقاذ ما أمكن إنقاذه من المؤلف الضخم “المغني في أبواب العدل والتوحيد” ضاعت كثير من نصوصه بقيت بعض الأجزاء هذه.

ياسين: هذه نماذج مهمة جدا.

سعيد: هذا فيض من غيض، نماذج كثيرة جدا ولكن أنا أتكلم الآن عن الاستشراق في المرحلة الخاصة باللغة العظيمة.

 

المستشرقون كمرجعية في دراسة التراث

ياسين: وسنبقى في هذه المرحلة العظيمة لأن ما يعنينا هو الاستشراق بشكل عام وشامل، لأن الخطاب حوله في العديد من الأحيان تجد بأن الخلفية الأيدولوجية والدينية تحجب هذه القيمة المعرفية ونحن نريد معك ومن خلال مجموعة من ضيوف هذه اللحظة المعرفية أن نزاوج، أن نكون يقظين تجاه الأيدولوجية الدينية وغيرها، ولكن أيضا أن نكون منصفين حينما يتعلق الأمر بالمعرفة والمعرفي. وفي هذا الإطار مادمت دخلت في الموضوع مباشرة أردت أن أعرف سيد سعيد، يعني كيف أفدت من المستشرقين واردت أن نسير معك إلى أبحاثك الأكاديمية المرجعية عن خطاب الأشاعرة، دولة الخلافة وفكر الماوردي، كيف شكل المستشرقون مرجعا مباشرا لك أساسيا في قراءة هذا التراث؟

سعيد: أولا الماوردي خصيصا، يرتبط في ذاكرتي بصنفين من المفكرين المستشرقين، ذكرت هنري لاوست وأنا لا يمكنني أن أنسى جهودا أخرى لمستشرقين مؤرخين ارتبطوا بالتأريخ. يمكن أن أذكر من فرنسا مرة أخرى اسمين اثنين: دومينيك سورديل، الزوج وزوجته، وكلود كاهن. هذان عالمان كبيران في المعرفة التاريخية. طبعا كان الكتاب الكلاسيكي المعروف التميز بين الدولة الإسلامية، الدولة العربية الذي يقصد بها الأموية والدولة الإسلامية كان يقصد بها..

ياسين: العباسية؟

سعيد: العباسيين فأنا أفدت من هذا الباب، ولا أريد أن تفوتني الفرصة أن أذكر شيئا وأؤكد عليه لا يزال غير متجاوز حتى الآن لأنه استسمح بالنسبة للجمهور العريض لهذه العبارة ليس معروفا ما القيمة الكبيرة له، وهي “دائرة المعارف الإسلامية” (مصطلح فرنسي) في نصيها الإنجليزي والفرنسي، وخاصة في الطبعة الثانية. المواد المكتوبة، كل مادة من المواد المكتوبة ترتبط باسم من الأسماء. وهذا شيء طبيعي بمتخصصين كبار فيها مثلا: روجيه أرنالديز يرتبط بابن حزم على سبيل المثال. فعندما تقرأ هذه المادة تغنيك عن قراءة نصوص كثيرة، بل إذا أخذت مادة دمشق تجد أن تاريخ دمشق وتتبين كيف أنه طبقات بعضها فوق بعض. فبالنسبة للمشتغل بالدراسات الإسلامية لا يمكن أن يغفل (مصطلح فرنسي) “دائرة المعرفة الإسلامية” وبين قوسين هي لا تتصل بالنصوص الأكاديمية الكلاسيكية. فيها يمكن تلقي فيها مثلا اليوم نصوص لطه حسين، العقاد، كتابة شيء من فتسعة أجزاء زاخرة لا تقدر بثمن. هذا جانب.

ياسين: لاحظ أنها غير مترجمة لماذا مثلا سي سعيد؟

سعيد: في كان فريد وجدي من البداية ترجم البعض منها.

ياسين : لا، نحكي عن ترجمة حقيقية. لكن انظر هناك بلدان ترصد ميزانيات لترجمة مشاريع..

سعيد: ترجمة حقيقية، يعني هذا ربما من خلال هذا الإمتاع الذي تمتعنا بهذا الانفتاح، في الاستشراق، تكون مناسبة أن نتوجه بنداء إلى أحد المنابر العلمية المحترمة كما تم احتضان مشروع كبير مثل “قاموس اللغة العربية وتاريخها”، يا ليت يلقى تفكير في ترجمة هذه الذخيرة العظيمة الضخمة “دائرة المعارف الإسلامية” ستكون عملا جبارا. وممكن يخرج في عدة مجلدات، ولكن من الممكن بلغة العصر أن يخرج في نشرة ميسرة مختصرة، ومن الممكن أن يُنقل على الكمبيوتر وتخرج منه مواد. لأنه ذخيرة لا تقدر بثمن. فأنا ذكرت ما أدين به لههذه الجماعة، ليس فقط في قراءة النصوص. أنا تعلمت وأعتقد حتى أساتذتي الروحيين تعلموا قيمة هذه الذي يقوم به.. عبد الرحمن البدوي مثلا كثير الانتقاد لعمل المستشرقين ولكن تعلم منهم.

ياسين: وانتقدهم بالنهاية، وإلا كان منبهرا بهم في البداية.

سعيد: نعم نعم، ولكن كأحد التلاميذ أو آخر التلاميذ كما، تقريبا، بالمعنى الخاص بالدراسة القديمة، لم أدرس عليه بشكل مباشر ولكن حضرت معه في عدة لقاءات، وقطعا عندي معه علاقة طيبة، وأعتبره من أساتذتي الفكريين وأعتز بذلك هو محمد أركون. فحتى نرى القيمة أركون في هذا المنهج الخاص به، كما تعلم يقترب من قراءة النص متوسلا بالمنهجية العلمية المعاصرة من اللسانيات، لتحليل النفسية، علم نفس المعرفة..

ياسين: وكان ينتقد الفيلولوجيين والتاريخانيين.

سعيد: ولكن يعتبر جهود الآخرين كلها مقاربة فيلولوجية بالدرجة الأولى. ولكن لا يستخف بها يعطيها قيمتها الحقيقية. هذا من باب الاعتراف بالجميل أمر لا يمكن للمشتغلين بالثقافة العربية الإسلامية بل بالفكر العربي الإسلامي في كل مراحله أن لا يهتم به.

انظر أخي ياسين، الله والتركيبة النفسية الإنسانية جعلت الإنسان تركيبا غريبا. فأذكر وأنا في بداية شبابي الأول وكنا نخلط أو نمزج بين عالم وبين ملتزم سياسيا وبين إنسان صاحب أخلاق، فنعتبر الإنسان فردا واحدا علمتني الحياة وعلمتني التجارب أنني داخل الشخص الواحد ممكن أن أجد هذا وذاك. إذا سمحت لي في دقائق لأن هذه نقطة مهمة أريد أن نعطي عدة أمثلة. المثال الأول أنك في بعض الأحيان تجد شخصا بقدر ما هو عظيم من الناحية العلمية بقدر ما هو سيئ ولا يطاق من الناحية الأيدولوجية. وأكبر مثال وأول مثال يحضرني في هذا الباب هو برنارد لويس، فبرنارد لويس ليس منظرا للاستعمار الجديد ولا للمحافظين الجدد بل سند كبير للصهيونية.

ياسين: تماما؟

سعيد: ولكن قلة من هم يعرفون..

ياسين : مؤرخ كبير؟

سعيد: تاريخ العثمانيين وتاريخ الحركات.. كثير من الحركات مثل ماكان يعرفها برنارد لويس. عالم خطير كبير جدا نعترف به. ومن الناحية الأيدولوجية الشخص نفسه سيئ مثالان آخران، هذا من أمريكا ومن بريطانيا، بلفور المرتبط عندنا بوعد بلفور..

ياسين: الوعد المشؤوم.

سعيد: هذا وشخص آخر حتى نجمع بينهما، وهو اللورد كرومر. هذان منظران للاستعمار وخادمان يعترفان بذلك للتوسع الاستعماري البريطاني، ولكن كلا الرجلين كان على الخط الاستشراقي القديم بمعنى يتقن عدة لغات، لغات إسلامية، كان يقصد الأوردو، التركية والفارسية.

ياسين: وأصحاب رؤي وتأملات.

سعيد: وأصحاب…

ياسين: كرومر مرة دخل مع محمد عبده في سجال.

سعيد: ومعرفة اللورد كرومر بالفكر الإسلامي أو معرفة بلفور بالفكر الإسلامي هذا أمر غير سهل. عبد الله العروي ينتقد من وجهة نظر أحترمها، وعبد الله العروي فكريا هو من هو أدين له الكثير. عنده دراسة أو نص قديم يلتقي فيه بستافيو فان جرون باون، الذي كان مستشرقا يدرس في يو إل سي..

ياسين: وهو النص الذي اعتمده إدوارد سعيد في كتابه “في الاستشراق” لكي يناقش العروي ورؤيته الاستشراقية.

سعيد: نعم مقاربة العروي من الناحية التاريخانية ومن الناحية الماركسية الموضوعية، هذا شيء، ولكن هذا كله لا ينفي أن جرون باون عالم، وعالم كبير، ليس أمر فيه إساءة. فالأمثلة كثيرة التي تكشف لنا أن في إمكان هذا الشخص أن يكون هذا… مثال أخير كي نقرب قليلا الزمان. تم استعمار المغرب بالتمهيد له، وهنا استفاد من الخبرة البريطانية أساسًا. تمّت لكي يستعمر المغرب جيدًا، ينبغي أن نعرفه من الناحية العلمية جيدًا، نعرفه إثنولوجيًا وجغرافيًا وغير ذلك، فرُبّ ضارة نافعة. نحن كنا نعرفه، مثال شارل دي فوكو (مصطلح فرنسي) أتى للمغرب متنكرًا.

ياسين: متنكرًا في زي يهودي.

سعيد: تمامًا، ولكن المدونات التي كان يدونها يوميًا في مذكراته الصغيرة، ملاحظات بعدما يقرب الآن يقترب من مئتي سنة، لا يزال بعضها صادقًا ومفيدًا. الشيء…

ياسين: حتى موليرا الذي كتب “المغرب المجهول”؟

سعيد: نعم، كله ليس موليرا فقط..

ياسين: هو كتابه مرجع.

سعيد: كل هذه المجموعة، ولكن فيها أمران اثنان: أولًا، هذه السوسيولوجيا التي بدأت من منتصف القرن التاسع عشر كانت مرتبطة بميلاد علم جديد الذي هو السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا وبتطوره. ثم كانت فيها وحدة دقة ممتازة جدًا، بحيث أن هذا الأدب بالمعنى الواسع لكلمة أدب، يعني بمعنى الكتابة، الذي عملته هذه المدرسة الكولونيالية الفرنسية، ذخيرة مفيدة في تاريخ المغرب وجهود لتعاملات كبيرة (مصطلح فرنسي) التي كانت تابعة للإقامة العامة. بعض الترجمات، أجزاء غير قليلة من الاستقصاء للناصري واليوسي، يعني يكون الهدف التوجه استعماري ولكن حين يكثر الأقاويل الذي قلت في الأول بنية عن هذه الصرامة الدينية (مصطلح فرنسي) احترام النص، انتقده متفقون، ولكن أحترمه، لا أحرف فيه حرفًا. وغير هذا دعنا نقول كلمة قاسية، هذه الأمانة العلمية والدقة العلمية باستثناء مراحل قليلة من تاريخنا العربي الإسلامي ليست في ثقافتنا.

ياسين: ليس في ثقافتنا؟

سعيد: نعم، كانوا يميلون للاستخفاف كثيرًا بالنصوص، ونغيّب اسم المؤلف وندخل النصوص بعضها في بعض. انظر عظمة ابن خلدون في المقدمة، كثير من النصوص ليست له من الاستشهادات، ولكن عوضا يقول بين مزدوجتين يعتبر الكلام كله شيء.. النص.. الفصل المتعلق بالخلافة مثلا الذي هو في مقدمة بن خلدون فيه مزج كثير للماوردي ولمعاصره الحنبلي الآخر، الذي عنده الكتاب نفسه الأحكام السلطانية ولكن لا يذكر هذا ولا ذاك. هذه الصرامة الفيلولوجية وهذه الدقة.. هذه ليست في مكوناتنا الثقافية العميقة. أقولها وأنا آسف.

 

غياب الصرامة العلمية العربية

ياسين: مع الأسف هذا رأي صائب، وأخشى أنه أيضا أخشى أن يكون استشراقيا لأنه كان هناك بعض الأنثروبولوجيين مثلا الأجانب وحتى الفرنسيين الذين يقولون مثلا بأن في الثقافة العربية بشكل عام، ليس هناك بالضبط هذه الصرامة العلمية والمعرفية، ويتحدثون حتى عن التعلم كيف أن المتعلمين العرب قد يتحمسون في البداية، ولكن سرعان ما ينطفئ حماسهم. هناك بعض الخاصيات العامة أنا شخصيا أخاف منها، وأتأسف وأنت تصوغها.

سعيد: انظر أنا بسرعة هكذا من الذاكرة مثالان: المثال الأول والمشهور عندنا وكان في وقته أثار الضجة التي تعلم، وأول من كشف عن حقيقة مثل هذه هو طه حسين في كتابه.. “في الشعر الجاهلي” أن الأصمعي وكل الإخوة زوّروا وخلطوا. صديقنا وزميلنا المحترم عبد الفتاح كيليطو عنده كتاب قديم المؤلف “الكتابة والتناسخ” يتحدث فيه عن موت المؤلف، في ثقافته، وكان يقول ملاحظات ثاقبة ووجيهة، في ثقافتنا العربية الإسلامية، كالاستخفاف بالمؤلف الاهتمام بالنص، ولكن المؤلف قد يكاد يجهل، فحتى نقول… وهناك أمثلة أخرى لهذا النوع من الصرامة، وعلينا أن نعترف بذلك، في مجالات متعددة، لأن الذي كان يُسمى الانحطاط طال كثيرًا جدا، والكلام في هذا طويل، فهذا السطو على هذا كان مكونا…

ياسين: أحيانا بالضبط كان عندنا الانتحال في العربي وهي ظاهرة قديمة ولكن تختلف المبررات مثلا، يمكن أحيانا في غياب النصوص حينما يعثر كاتب على نص يمكن كي يعمل مثلا ابن خلدون وأنت تشير الآن كيف أنه أخذ من الماوردي وغير الماوردي في فصل الخلافة، هي رغبة في استعادة تلك المعرفة ويُهمل الاسم أحيانا. ولكن هذه القضية بقيت مستمرة حتى لعبد الرحمن البدوي الذي تحدثنا عنه الآن لأن عبد الرحمن البدوي حينما كان يتتلمذ مثلا في الجامعة المصرية على المستشرقين، عدد من المحاضرات التي تلقاها فقط ترجمها إلى العربية ووضع عليها اسمه ونشرها، وأنا طرحت السؤال على بعض تلامذة بدوي يقولون: لا لا كان الهدف بالنسبة له هو أن يقرب مضامين تلك المحاضرات إلى الجمهور العام من الطلبة ومن الأجيال اللاحقة من الطلاب. أحيانا تكون المقاصد نبيلة ولكن كما قلنا هذه الصرامة العلمية تطرح سؤالا.

سعيد: أنا من المسائل التي كانت تشغلني البال وهذا ربما على هامش هذا الموضوع هي، ومن القضايا التي أنا منشغل بها حاليًا هي، مسألة الكتابة. ومرادفات أو مقابلات الكاتب والمؤلف بين اللغات الأجنبية واللغة العربية. هي كلمة “المصنف” نحن عندنا الكتابة التصنيف، ما التصنيف؟ يعني أي صنف هذا، وعندنا كلمة أخرى بالعربية “المؤلف”، وكثيرَا ما كانوا يتحدثون وخاصة المغاربة، الحديث المعاصر… الفقهاء يتحدثون من باب الاستحباب عن توليفات، وإنما هي تآليف ألفوها. التأليف يكون بين المختلفات لا نؤلف بين المنسجمات، فقضية المؤلِّف وخاصة المصنِّف لا تجد مقابلا باللغة الفرنسية، مثل ما باللغة العربية لا تجد ما يرضيني أنا شخصيًا مقابل دقيق لعبارة (عبارة فرنسية) لأن (عبارة فرنسية) باللغة الفرنسية فيها هو صاحب الشيء وفيها الصانع في هذا…

ياسين: أما المؤلف قد يكون مجمعا.

سعيد: لذلك في الدروس الخاصة بنا، المصنف انظر كانوا في كلمة أخرى ماشٍ في الخطاب الروائي الخاص بنا اليوم، وفي كلمة نستعملها اليوم هي كلمة “السارد” ليس بمعنى “Le narrateur”، ماغادي يبقي عالم كيف القرويين أو في بن يوسف أو غيره درس كاين يقف قدامه تلميذ كبير، وهذا تسميه السارد يسرد. يقول قال المصنف رحمه الله والاستاذ يشرح. المصنف لأنه جمع مادة كشكول، ففي العمق عندنا هذا الكاتب الذي مرتبط بابتكار بإبداع..

ياسين: ليس هناك كلمة دقيقة تدل عليه وعلى جهده.

سعيد: تأتي عندنا في المؤلف وخاصة أدعو إلى التفكير في هذه العبارة “المصنف” و”التصنيف” فهنا “موت المؤلف” لشارل دي فوكو أو “هامشية النص الحي” لعبد الفتاح كيليطو بديع جدا في هذا الباب.

 

أهمية دراسة الماوردي

ياسين: صحيح وأنا أريد أن أعود بك إلى الأصل سأتجاوز المصنف إلى (عبارة فرنسية) باستعارة الكلمة الفرنسية، وأنت تتحدث عن الخلافة سنذهب إلى الماوردي. الماوردي هو أحد رواد الفكر السياسي في تراثنا العربي، صاحب رؤية متقدمة حول نظرية الدولة ونظام الحكم في الإسلام. أنت فعلا فتحت نقاشا مهما جدا مع المستشرقين الذين درسوا فكره. أشرت الآن إلى لاوست، إلى سورديل، آدم ميتز أيضا. أريد أن أعرف كيف درس هؤلاء فكر الماوردي، وحتى البغدادي وغيرهما حول الحكم والخلافة؟ وماهي حقيقة الماوردي التي في لحظة من اللحظات قلت بأنه ومع ذلك لم يبلغ أحد حقيقته؟

سعيد: أرجعتني إلى القديم. بالنسبة لثقافتنا.

ياسين: هذا أول كتاب لك.

سعيد: نعم، بالنسبة لثقافتنا العربية الإسلامية كان الماوردي مرتبطا بنصين اثنين، وكل منهما له أفقه وله دلالته. النص الأول هو “الأحكام السلطانية”، والنص الثاني الذي هو “أدب الدنيا والدين” وكان قد أهمل، والفضل في إحيائه مثل في التنبيه إليه، مثلما الفضل في التنبيه إلى نصين آخرين عظيمين وهما “الموافقات” و”مقدمة بن خلدون” ترجع غلى محمد عبده. هذا الكتاب “الأحكام السلطانية” تجد أنه فيه عشرين فصلا، الفصل الأول الإمامة، والفصل العشرون الحسبة، فكان التعامل معه كما لو كان (عبارة فرنسية)، اسمح لي بهذه العبارة الفرنسية، هذه دائرة معارف صغيرة، (…) كل ماورد فيها. هل الغريب في الكتاب الذي خرج الإمامة، وزارة تفويض، وزارة تنفيذ، قاضي القضاة، تحت أي حكم وصلنا…

ياسين: يعنى نظام الحكم الإسلامي…

سعيد: (عبارة فرنسية) لا لم يكن الكلام على نظام حكم، كان كلام على معطيات، ولكي يريد أن يتكلم على الماوردي لا تخرج به من الإمامة وما يتعلق بأحكامها بين أصول الدين، يعني علم الكلام، وبين أصول الفقه يعنى تشريع التشريع الفقهي، ما تعلمته ما ذكرته كاهين، كلود كاهين، وسورديل، عبارة جميلة لكلود كاهين، يقول: في تاريخ الإسلام السياسة والدين كانا يشكلان دائما زوجا رهيبا، منسجمين في الغالب وغير منسجمين في أحيان كثيرة، (عبارة فرنسية)، اسمها بالفرنسية نقولها (عبارة فرنسية). هذا الجانب الأول. دعني أكلمك عن ذلك الباحث الشاب الذي كنته في منتصف السبعينات، وأنا ذاهب، مقبل على مغامرة. نعرف ابن خلدون، ونعرف بالمقريزي، لكنه بدا واحد من الفلسفة، الشيء، الفقه. هذا اهتمام الفقهاء، واهتمام جاء في أقصى حدود العلوم السياسية، لكن من أفق الفلسفة، تجمع بينهم. ذلك الوقت في منتصف السبعينات، كان لدينا التيار العام في المغرب، في الجامعة المغربية.

ياسين: الماركسية..

سعيد: الماركسية، هناك الماركسية، والحضور القوي للتاريخ وللسياسة. إذن الماوردي الذي كان يتكلم في الإمامة وفي وزارة التفويض، أرى جاء محمد الحبابي من قبل، في الكتاب له “الحكومة المغربية في مطلع القرن العشرين”، ذهب إلى جود دومونبين روا، وحاول أن يلقي شيئًا لتبرير الحماية، أنها مرتبطة بوزارة التفويض. أنا كانت القاعدة، ذلك التيار الذي كان ناشئًا في الكلية لدينا، وما كان قويًا بالنسبة للجيل الذي سيأتي بعدنا. أقول لك عن الجيل الخاص بي، الجيل الخاص بي تخرج في نهاية الستينات، بدأت، كنت أبدأ أبحث، نحاول أن نفكر، نحاول أن نكتب كتابتنا الأولى، محاولاتنا الأولى في السبعينات، التيار العام هو تيار ماركسي، بديل للميتافيزيقا. إذن نار السياسة في كل شيء، أو السياسة هي الأولى، هي الحاضرة. إذن، وضعت فرضية فيها جرأة، ولكن من بعد ذهبت، لأنها جرأة محمودة، أن الماوردي ليس لديه فقط نقد نظرية في الإمامة، ولكن إذا جمعنا هذه “الأحكام السلطانية”، هناك جراثيم، بالمعنى العربي القديم، مكونات أولية لنظرية في الحكم، وأكثر من نظرية في الحكم، لنظرية في الدولة. تُشرع لما هو قائم، ولكن تدعي أنها تتحدث عما ينبغي أن يكون. تتشكل هذه المنظومة. هنا، المستشرقون كان فيهم، بالنسبة لي، السلب والإيجاب. السلب هو أخذ كلام الماوردي عن وزارة التفويض، ويريدون أن يبرروا به…

ياسين: الحماية.

سعيد: الحماية، مثل ما كان يبررون العلاقة بين في الخلافة، في العصر العباسي الثاني، بين سلطة الجند وسلطة الخليفة. الخلافة، هذا الجانب السلبي. لكن الجانب الإيجابي هو أن التشريع الفقهي فيه تشريع، فيه فكر سياسي، وأن الفرق كبير بين أصول الفقه وأصول الدين، وكثير من الناس يستخدمون كلمة “ذلك أصولي”، وهذا فيه خطأ، لأن الأصولي نسبة لأصول الدين شيء، والأصولي بالنسبة لأصول الفقه شيء آخر. والمعنى الشعبي، اسمح لي أن أقول هذه الكلمة، “أصولي” بمعنى (عبارة فرنسية)، أو هذا المعنى من خارج، خارج التغطية، يقال اليوم “خارج التصنيف”.

ياسين: خارج التصنيف العلمي.

سعيد: خارج التصنيف العلمي. فهنا، بهذا المعنى، تجد أن الفقيه مرتبط بالحاكم، سلبًا أو إيجابًا. أنا أقول دائمًا، حتى أقول للطلبة لدي، الفكر السياسي في الإسلام قد يحتاج لجهد كبار: الفقيه والفيلسوف. الفيلسوف، كلمة لأفلاطون، يقول “رئيس الدولة المفترض”، أنا لدي السلطة لكي ربما تكون في مكانك. الفقيه يقول لك: “حاكم كبير، أنت في مكانك، وجعلك الله، فينبغي أن تكون، ولكنني أنصحك، وأقترح عليك، وأرشدك، وأفكر لك”. لذلك، كانت العلاقة سيئة بين رجل السلطة، في ثقافتنا على العموم، ومع الفقيه. كانت أقل سوءًا حتى..

ياسين: خصوصًا أن هذا تأدب الفقيه الذي جعل حتى علوم السياسة تتخذ لدينا عنوانًا “الآداب السلطانية”.

سعيد: الآداب السلطانية هذا لأنني أشير على الخليفة، (عبارة فرنسية)، “نصائح الملوك”. ولكن، الفقيه تجده فقيها. أنا لن أقول كلمة أفلاطون، لا، لن أقولها، كان حكم، ولكن هذه كانت “سويتال”، ولكن الفقيه يكون محبوبًا عند السلطان. السلطان، بالمعنى (كلمة فرنسية)، ليس بالمعنى، نقوله بالدارجة المغربية، بمعنى الملك. لكي نتفاهم.

ياسين: نعم، السلطان، لكي.

سعيد: تمامًا. يكون محبوبًا عنده إذا كان يبرر له ما يقوم به، بصراحة، ويلقي له تبريرًا. تكون العلاقة لديه سيئة، وتصل إلى محنة، مثل تلك الخاصة بابن حنبل، إذا كان ينتقده انتقادًا عنيفًا، ويعيده به، يبعد به عن ذلك الخط الذي يكون هو ذاهبًا فيه. لكي لا نشرد، وأُنبه لكي لا نشرد، كلاهما مرتبطان بالموضوع لدينا. أن هذا الجانب السلبي، هو للإيجاب، منكر هؤلاء المستشرقين، هو الانتباه لهذا الجانب، يمكن أن يعبر لك عن هذا الأمر بطريقة أخرى: عندما تقرأ دراسات الذين ساهموا في تأسيس الثقافة العربية الإسلامية، لن تجد أفضل، مثلاً، من مصطفى عبد الرازق في التمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية. أقصى ما توصل إليه هو أن تُطلب الفلسفة الإسلامية في مضامينها الأصلية، التي هي أصول الفقه، كما يقول في كتابه.

 

الجانب الإيجابي في الاستشراق

هذا جانب. لكن، بالنسبة لمن لديه هذا المنزع الاستشراقي، هناك تقاليد تأسست في الجامعات الكبرى في الغرب، وقد استغرق الأمر قرونًا، وليس يومًا أو يومين. وكان هناك معنى الاستشراق للدراسة، (مصطلح فرنسي) في باريس، لا يقتصر فقط على العربية، بل يشمل أيضًا الصين، اليابان، والشرق الأوسط كله فيها. ما تكون، بالذات في علم الناشئة، في الفيلولوجيا، ولكن سيارات العلوم لا تكتب من هنا: علم النفس، التاريخ، الاقتصاد السياسي، التحليل النفسي، التاريخ بمعنى فلسفة التاريخ. هذا شيء قوي عند من يُسمون “المستشرقون”، وهو صعب، بينما تقليدنا الآخر، أقصى ما يكون فيه هو “نقد داخلي” و”نقد خارجي”، الذي هو ثقل، وهو تلك “الأمانة”، بين مزدوجتين، للعلم. ما الفرق في المقاربة؟ من ليس لديه ذلك الزاد المعرفي، وتلك الهموم المنهجية العربية، المنهجية العلمية المعاصرة، لا يطرح سؤال الصدق وعدم الصدق في الكتابة التاريخية. ويبقى هناك شك في الوثيقة، وفي حدودها. بالنسبة للآخر، يعتبر أن الوثيقة تحتوي على الحقيقة، وتحمل كل شيء. تبقى طريقة المقاربة مختلفة. ربما كما قلت في البداية، هناك الكثير، ربما لن يحمل كلامنا، لأنه امتداح للاستشراق، أؤكدها في منحاه الإيجابي..

 

أهمية دراسات لاوست عن الماوردي

ياسين: تمامًا. ونحن نبقى في المنحى الإيجابي، والإيجابي في الموضوع. في الواقع، أننا استعدنا، من خلالهم وعبرهم، مجموعة من النصوص الأساسية، ومجموعة من الأسماء الأساسية. ولأنني أشرت إلى الماوردي، ما الذي أخذته منهم من الماوردي، ما الذي أعطوك، هذا الوجه الآخر للماوردي. وكما تفضلت الآن، كنا في “الفقيه”، حتى، ولنفرض رجل يدرس نظام الحكم والدولة، نفس الشيء أريد أن أذهب مثلاً إلى مقالات “لاوست”، التي أبديت إعجابًا شديدًا بها، وهي المقالات التي خصصها لفكر الغزالي. اعتبرتها مقالات قيمة، وتوقفت عندها بإعجاب. أيضًا ذهبت إلى سورديل، كل ما كتبه عن الخليفة المأمون وسياسة الخليفة المأمون اعتبرته أيضًا نصوصًا مهمة وتبنيت الكثير من أطروحاته. أريد أن نبقى في نفس المنطق، يعني ما هي القيمة المضافة التي جلبها لاوست وهو يقرأ الغزالي؟ ما هي القيمة المضافة التي جلبها سورديل وهو يقرأ سياسة الخليفة المأمون؟

سعيد: المنظور الذي كان لدينا للفكر الإسلامي، في التقليد المعتاد، هو أننا كنا نعتبره أن المعركة فيها احتدام كبير في تاريخ الإسلام بين المعتزلة وأهل السنة، وكانوا يدرجون الأشاعرة ضمن أهل السنة. الذي سيحدث إذا كان لدي الحاجة.. أهم شيء الذي قام به والتنبيه، مع قلت التيار الماركسي جوش.. التنبيه الذي تم هو… أنا سأقول إحدى العبارات الماركسية القديمة جدًا وهي لماو تسي تونج، التناقضات الأساسية والتناقضات الثانوية. التناقض الأساسي في الفكر الإسلامي في ثقافتنا العربية الإسلامية، لم يكن بين المعتزلة وأهل السنة إطلاقًا، قضية الاختيار والجبر هذا أمر بسيط. التناقض الأساسي الكبير هو الذي كان بين المعتزلة وأهل السنة بمكونهم جميعًا، والنقيض المطلق لهم هم الشيعة الباطنية. فهذا التنبيه قال إن التناقضات بين المعتزلة مهما بلغت من حدتها وبين الأشاعرة تناقضات باللغة القديمة، القاموس القديم، تناقضات ثانوية، بينما التناقض الأساسي المركزي هو بين هؤلاء الناس وبين الشيعة. ليس مطلق الشيعة، لأن الشيعة ثلاثة أصناف: الزيدية والإمامية والباطنية. أنا أقصد الباطنية الإسماعيلية، تلك من التفريعات. هذا… تلك (عبارة فرنسية) للتدقيق. ليست مقالات بل محاضرات ألقيت في “الكولدج دي فرانس” بالتقليد الفرنسي. “الكولدج دي فرانس” هو أن المفكر الأستاذ الكبير بعدما يكون قد وصل إلى إحدى المراتب يلقي على العموم تلك المحاضرات. فهذا التنبيه لباطن الصراع الحقيقي بين الشيعة الباطنية وبين أهل السنة هو هذا التنبيه. تنبيه آخر: عبد الرحمن البدوي لديه نص قديم ترجمة (جولد زيهار) يقول: موقف أهل السنة إزاء علوم الأوائل، كان نادر أحد التصنيف، ومضينا معه مدة طويلة. أننا نعتبر أن أهل السنة لديهم موقف سلبي من علوم الأوائل، مثل اليونانيين ويرفضونهم. الحقيقة هي لا! وسأعطيك مثالين إذا سمحت لي: المثال الأول والقوي هو الغزالي، الذي يرى الجيل من تلاميذه والقادم بعدهم هو الماوردي. والمثال الثاني الذي نتحدث عنه. الغزالي في كتابه “تهافت الفلاسفة” وحملته على ابن رشد لم تكن ضد ابن رشد؛ كانت حملته ضد خصومه الحقيقيين وخصوم حاميه وناصره الذي هو نظام الملك، الذي كان مع الشيعة الباطنية. حيث إن الفلسفة والنتاج الفلسفي في بعض مستوياته أمد الباطنية بأسلحة لمهاجمة الفلاسفة. لكن عندما تقرأ الغزالي في “مقاصد الفلاسفة”.

ياسين: هو فيلسوف على فكرة.

سعيد: وعندما تقرأ في “ميزان العمل”، وعندما تقرأ في “النظرات”، الصدق مع الذات الذي هو في “المنقذ من الضلال”. الغزالي ليس فقط فيلسوف. أنا عندي هو فيلسوف أصيل، وما زلنا لا نعرفه كتخصص الذي تعرف. لكن المشكلة الغزالي أنه في ثقافتنا العربية الإسلامية كلها، الغزالي (عبارة فرنسية) في المرحلة التي تلاقت فيها عدة تيارات متناقضة. فالتناقض ليس منه، بل من الواقع الذي كان يعيشه. الغزالي مثلاً كتاباته في علم الكلام فيها من التناقضات العجيبة والغريبة، من “إلجام العوام عن علم الكلام” و”المضنون به على غير أهله”. حتى كتابه في “المقاصد على علم الكلام”، فيلسوف حقيقي يتحدث بهذه الكيفية.

الماوردي يتحدث في النص الآخر الذي قلت: من غير “الأحكام السلطانية”، و”أدب الدنيا والدين”. انظر إلى عنوانه، وهو فقيه وكان يُلقب بأنه إمام المذهب الشافعي في زمنه وقاضي القضاة. إذا طلبت من فقيه، قلت له: “لدي كلام الله، ولدي الأحاديث النبوية، ولدي التوراة، ولدي مقال اليونان ومقال الرومان”. يعني هل ترتبهم منطقياً في دماغك؟ سيقول: قال الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم، ورد في الآثار، جاءت الحكمة”. إلا الماوردي في “أدب الدنيا والدين”. عندما يتحدث مثلاً عن العلم، يقول: “قال الله تعالى، قال أرسطو، قال صلى الله عليه وسلم”. يفكر بدلالات الموضوع، يعني على حسب القضية الأرسطية والإسلامية. الترتيب بالرتبة أو بالشرف؟ لا! يكون على حساب الحقيقة التي… يعني لم يكن يتحرى..

ياسين: وحتى العرف كان لديه ذو قيمة.

سعيد: هو خرج عن العرف في ذلك الكتاب.

ياسين: كان مثلاً من غير النصوص..

سعيد: نعم! كتبه ثقيلة.

ياسين: كان يتعامل مع المجتمع وأعراف المجتمع ويأخذها بعين الاعتبار وكذا… يعني كان فكره حياً متحركاً…

سعيد: يعني بالنسبة لمعاصريه وأكثر من معاصريه المتأخرين، وما أكثرهم، كان يتم هذه المنهج المعاصر لدينا في ثقافتنا، كما ولد في القرن التاسع عشر، بن يوسف أو القرويين أو غيره. “أدب الدنيا والدين” بتقزز كيف يسمح لنفسه يقول يريد أرسطو ويريد الحاكم الروماني قبل من الحديث النبوي. فإنه يرتب بالمرتبة أو بدلالة الموضوع. يعني هنا… هذا الرجوع في الفكر كان في سياق ثقافتنا العربية الإسلامية. ولم يحدث هذا الانفتاح لم نكن سنخرجه. هذه تبقى على قوله تعالى في سورة الرعد: “فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ”. لم نكن نعرف ما ينفع الناس. كنا وراء الزبد فقط، غير الكلام الذي لا طائل له. هذا الرجاء الذي حدث… هذه المجموعة التي كانت… الاستشراق، ولكن نتحدث عنها في عصرها الزاهي، عندما كان المستشرقون علماء يعرفون اللغة العربية معرفة جيدة، ويعرفون النصوص الإسلامية في مضامينها الأصلية، ولا يمكن أن يقال عنه أنه مستشرق. حتى يجب أن يذهب ويتعلم لغة شرقية. لا نتحدث عن أنه يعرف عدة لغات: الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية وكل هذه. لكن يتلقى… وبالتالي يقول لك: أنا أعرف الفارسية والتركية فقط، وهذا مبالغ محدود. الأوردية مثلاً لا يعرفها، أهل البنغال لا يعرفها… هذه الأشياء.

 

إنجاز سورديل

ياسين: تمامًا. ونحن نريد أن نبقى مع أحد الرعيل من المستشرقين، لأننا سبق وخصصنا أيضًا حلقات لهؤلاء المستشرقين الجدد المتهافتين الذين يكتفون بأبحاث بسيطة حول بعض حركات الإسلام السياسي لكي يقدموا أنفسهم عارفين بالإسلام. هؤلاء لا نحكي عنهم الآن. نحن نريد أن نبقى مع هؤلاء، وأريد أن أعود بك إلى سورديل وإلى ما كتبه عن سياسة الخليفة المأمون، والتي وجدت إنجازه الفكري إنجازًا مهمًا. كيف ذلك؟

سعيد: انظر! لأنه لم يكن يمكنني أن أفصل دومينيك سورديل كمؤرخ عن كلود كاهين ولا عن ذلك التقليد. هذا التقليد الذي كان في هذا الأمر. نظر إلى حركة المأمون بأطرافها بمقاربة جديدة. لأنك انظر كتبنا القدامى كيف تتحدث عن المأمون، تتحدث عن حلم المأمون، كأنه نعس وحلم بشيء من النعمة والقمارة والضعف… والحكاية..

ياسين: بيت الحكمة.

سعيد: بيت الحكمة والترجمة. لا! أدخلها في إطار الصراع بين المد الباطني الذي يسعى للإطاحة بالخلافة العباسية، وتلك الدولة العباسية وتشبثها بالعقل. إنقاذ… إنقاذ لها، وتشبثها بمنظور للإسلام مختلف، يعني مغاير. نشأ مع هؤلاء الناس ذلك التقليد لم يكن خوفا من العقل، وتوظيف العقل للخروج بكامل البساطة تجاه الآخر، يعتبرون العقل يربطونه باليونان، ويربطونه بالمعتزلة، ويربطونه بسوء الظن وسوء النية مع الإسلام، ومع الدين الإسلامي ومع الحضارة الإسلامية. من ثم تلك العبارة، وكانت مريحة، ومن ضمنها العلوم الأوائل باعتبارهم نقيض وضد لنا نحن… نحن المسلمين. فهذا التقليد… هذا التقليد كله، وهذا التقليد الذي يراه نشأ مرتبط بفرنسا وفي الغرب كله بنشأة التاريخ، مدرسة الحوليات، المعرفة التاريخانية، النقد التاريخي، فلسفة التاريخ. من أبسط الأشياء الشهادة المقصودة والشهادة غير المقصودة. لحسن الحظ أن بحال هذه المجموعة من هؤلاء المؤرخين، أعطتنا مؤرخين عرب ولكن قلة. أنا متأسف عليهم جدًا. ربما من الأقوال التي كانت في هذه الفترة وفي هذه المجموعة، هذا هو عبد العزيز الدوري. هذا رجل عالم، وكتابه الذي تقرأه عن الاتصال هو أطروحته الكبيرة في القرن الرابع للهجرة، القرن الرابع لماذا؟ لأنه كان يعتبر عصرا مرجعيا كبيرا هو “النظم الفنية في القرن الثامن عشر”، في القرن الرابع للهجرة، الكتاب ذو أهمية، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع يعتبره هو العصر المرجعي. فهو ولّد هذه الجرأة ليطوي على أبواب الاقتصاد السياسي للتجارة، ويرى ما هي المنطقة الخاصة بها. واحتكم لأول مرة… كنا ننساها في ثقافتنا العربية الإسلامية. ليس كل شيء كان ضمن بن يوسف أو القرويين. حتى العشرينات والثلاثينات بقت تعرف كتاب “الخراج” لأبي يوسف أو يقول به. لم يعودوا يعرفون تلك الكتب ولا تهمهم. ولأن الثقافة للملخصات التي هي الحواشي والمتعلقات والتعليقات على الحواشي، قراءة المثل الكبرى والنصوص إشاعات. يعني لولاها هذه الحركة الكبيرة، لما كان هذا. وأخشى الآن ما أخشاه أنه مع هذه، بين مزدوجتين، التي تعتبر حركات إسلام سياسي أو هذا العنف أو هذا التطرف. سيكون ذاك الموقف تبسيطيًا جدًا، لأخذ هذا صحيح وهذا خطأ، والآخر الذي صحيح هو طبعًا قليل وهو أقول به، والآخر كله ألقي به إلى المزابل.

بينما الثقافة العربية الإسلامية، ما أحسبه في رأيي المتواضع أنه الإسلام، ليس فيه من هذه القضية كلها. فيه أخذ الأمور بمأخذها البسيط بالقول، أنا ربما سياسيًا في عمق الإسلام أنه يقر التعدد، عكس ما يقوله كثير من الناس. أنا دائمًا أقف عند الآية من سورة هود: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ”. “وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ”، وكيف تنسى هذه الآية؟ “وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ”. خلقنا لكي نكون مختلفين! لكي نكون أصواتًا متعددة. حركة الإقصاء والتطرف دائمًا تتغير، إذا كان عفوًا… سأختم هذا القوس: ربما عند هذه المجموعة من هذه الاستشراق في المرحلة الزاهية. بالضبط، نبهونا للقيمة الحقيقية عمليًا لهذا التعدد، والتارة الموجودة في التعدد.

 

الجانب السلبي للاستشراق

ياسين: تمامًا، ومعهم عدنا إلى فترة المأمون التي نتحدث عنها الآن باعتبارها حقيقة لحظة قوة في تاريخنا العربي الإسلامي، بما هي لحظة تعدد. وعدنا إلى اللحظة الأندلسية باعتبارها لحظة قوة في تاريخنا العربي الإسلامي، لأنها أيضًا لحظة تعدد. إذن فعلًا، لهذا خُلق الإنسان، ولهذا جاء الدين، لكي يُكرس هذه التعدد. إنما هذا هو الجانب الإيجابي فيما يتعلق بدرس المستشرقين، ويعني النظرة الإيجابية التي أخذناها منهم ومحن نراجع تراثنا الفكري والديني. ولكن بالمقابل، مع ذلك، نحن بدأنا أخذنا في النقد المزدوج.

سعيد: نعم، هو الجانب السلبي، الجانب…

ياسين: الجانب الإيجابي لا يجب أن، أيضًا، يعمينا عن الاستغلال الأيديولوجي أحيانًا للاستشراق. وأفكر مثلًا فيمن يقول بأن عددًا من المستشرقين، وهم يدرسون نظام الحكم عند العرب والمسلمين، بغاية الكشف عن الخلفيات العقدية التي يخضعون بها لأولي الأمر منهم، كان هدف غالبيتهم هو الخلوص إلى أن شعوبنا محكومة بخلفيات لاهوتية دينية، خلافة وإمامة. وهذا ربما ما يسوغ احتلال هذه البلدان، بغاية حكمها حكمًا حديثًا، يُحضِّرها ويُهيّئها للمستقبل.

سعيد: انظر، هذه الكلام إذا أخذناه على ظاهره، كلام صحيح. لا يمكن أن نفصل بين صعود القوى الإمبريالية وبين هذه الحركة الاستعمارية، والاستعمار من الناحية الأيديولوجية. وتلك الحركة الإمبريالية، بدأت في القرن التاسع عشر، كانوا يقولون بالفرنسية (مصطلح فرنسي): نحن حملة، يعني مسؤولون بمهمة تحضيرية، نقوم بعمل تحضيري، نقل من الهمجية هذا…

ياسين: الحضارة، التحضر.

سعيد: هذا أكيد، وهذا الجانب هذا سيجعلهم، الكثير منهم، يكذبون، ولا يسلطون الأضواء على الفكر الاعتزالي، وعلى الفكر الأشعري. الفكر الأشعري سُرِق، وهو بقي… الآن مثل الماوردي ومثل هذه المجموعة من ابن خلدون. لكن تأثيراته على فكر توجيهي تواكلي، يرجع. هذا صحيح. ولكن ما ليس صحيحًا، وهنا ثانيا الكتابة الأيديولوجية لدينا الإسلامية المضادة، أنه سيربط هذه الأيديولوجية بالتبشير. ارتبطت بالتبشير، وبالمهام التبشيرية. ليس تقليلًا منا، لكن ارتبطت بالاستعمار، هذا أكيد.

الأكثر أهمية من هذا، وصعب علينا أن لا نعتبرها أسطورة أو خرافة، ولكن ربما نحن الذين لم نهتم قليلًا بالموضوع. لقد أحدثت رجة كبيرة، وضجة كبيرة في الوعي: إدوارد سعيد، بكتابه “في الاستشراق”، وكلنا كنا نتحدث عنه. وهو كتاب ضخم، ليس صغيرًا، كما تعرف جانب من الجوانب فيه. لكنه وضع اليد على نقطة خاطئة، وهي فكرة “تشريق الشرق”. ماذا يعني تشريق الشرق؟ هي التي تفضلت بها في بداية حديثك، حول الآخر، أو مع اللغة…

ياسين: الغير.

سعيد: الغير. هو رسم للذات الصورة لذلك الغير، لذلك الغير المخالف. فهنا، القوة الاستعمارية رسمت لذلك الشرق صورة وعي مغلوط، صورة غير حقيقية. رسمت للشرق صورة من الوهم، وهو أن الشرق هو السحر في ألف ليلة وليلة، وهو العالم للجواري، وهو العالم للغيب، والإنسان الذي يمضي في طريقه يلقى كنز، أو البحر يطلع كنز، واحد العفريت مكتوم.

ياسين: وتقريبًا، ذلك الغير الذي هو ليس أنا، هو الفسق.

سعيد: هو الفسق، وهو المجون، وهو ذلك السحر.

ياسين: والخداع، والغبرة في مقاليد الأمور.

سعيد: تمثال الفرشاة. ومادام قلت الفرشاة، دخلت في المادة للرسم، حتى عند الرسامين الكبار، وحتى غير الكبار، تُستدعى صورة ذلك الشرق، الذي فيها ذلك العبق لكل ما هو غريب. انظر مونتسكيو، المفكر الكبير والرائع جدًا، ومؤلف “روح القوانين”، عنده كتاب اسمه “الرسائل الفارسية”، ذلك الفارسي في باريس، والصورة التي كان يرسمها. انظر عند مونتسكيو، وعند معاصريه، من الموسوعيين كلهم. المسلم عنده كلمتان، لا يقولون المسلم إلا نادرًا، إما يقولون كلمة “لو ترك”، ومن ثم العبارة الفرنسية (مصطلح فرنسي)، الصورة للتركي…

ياسين: قوي كتركي.

سعيد: مثلًا، في “اعترافات جان جاك روسو”، حتى يمكن أن يكون كمغتصب ومعتد. أو النص، أو الكلمة التي تستخدمها أكثر استخفاف بالإسلام، وهي كلمة (عبارة فرنسية)، “أتباع محمد”. ويبدأ التحريف حتى في الاسم (عبارة فرنسية).

ياسين: لأنهم أيضًا يأخذونها من أن المسيحيين يتبعون المسيح.

سعيد: يتبعون المسيح.

ياسين: على دين المسيح، “المحمديون” على دين محمد.

 

قوة إدوراد سعيد

سعيد: ويعتبرون أن المسلمين، ماذا فعل محمد؟ أنه حرّف المسيحية خدمةً لأغراضه. هنا، هذا الغرض، وليس كل شيء، مع الوعي لعصر الأنوار، فولتير نفسه، كان لديه هذا وأكثر، وهذه الصورة له، بين “كانديد”، والصورة التي كان يرسمها لمحمد، والمادة الجميلة له للتطرف في (عبارة فرنسية)، “القاموس الفلسفي”، في هذه التناقض. إذن، نرجع للفكرة القوية لإدوارد سعيد، هي “تشريق الشرق”، هي رسم صورة واحدة للشرق، وما هو الغرض منها؟ منها تخدم خدمة سيكولوجية: أنا أرسم للغرب صورة النقيض. وهذا النقيض لا ينتهي، النقيض في كل شيء. ولكن، الآلة الجهنمية الاستعمارية تريد أن تستعمر. والقوة والجمال لإدوارد سعيد هي أنه عرف كيف يمضي بها حتى لزمان برنارد لويس، وكيف كان الناقد له في الحوارات التلفازية، كما تعلم، وفي مداخلاته، في كل شيء. ونقيضه هو برنارد لويس، وكيف يدير التماهي بين أنه الفلسطيني الذي ذهب في بداياته، أقل من عشر سنوات أو شيء من هذا القبيل، لكي تنتقل أسرته من القدس إلى القاهرة، ثم إلى أمريكا. كيف كان الوعي المغلوط، وكيف بدأت هذه الصورة تصب في خدمة (عبارة فرنسية) الجدد، وفي خدمة الصهيونية. هذه الفكرة لتشويه الشرق، هي التي كانت… وبين قوسين، هذا من الناحية السيكولوجية، أنا أرى منحة طبيعية بشرية. أنا دائمًا أقول كلمة، يمكن أن تعمل، يعني بعض الخصومات، وهي: عن كاتب الإسلاميين، يمكن أن أتكلم أنا عن نوع من التغريب، وهي رسم صورة واحدة للغرب. دائمًا يقول لك: الغرب هو الدعارة، والفساد، والتفسق، والإلحاد، وغير ذلك. أو كلمة “العلمانية” اليوم، ليس لديها ذلك البعد المحايد، وهي كلمة نستعير عبارة من نجيب محفوظ: “كلمة سيئة السمعة”. على ذكر “بيت سيء السمعة”. الكلمة المحايدة والقوية التي يجب أن نستخدمها، وأنا أدافع عن هذه النقطة، هي “اللايكية”، لأن “العلمانية” أسأنا استعمالها وفي غير محلها. إذن…

ياسين: هي ترجمة سيئة، أولًا.

سعيد: نعم.

ياسين: ترجمة سيئة وفاشلة.

سعيد: ترجمة سيئة، ويعني (مصطلح إنجليزي) بالإنجليزية، أو (مصطلح فرنسي). وحتى، في قطعة، يريد أن يقول لك “علمانية”، و”علمان”، هذا كلام فارغ. الكلمة القوية، التي فيها معناها المحايد، هي “اللايكية”، مثلًا. في انتظار أن نجد كلمة جيدة، فدعني لا أخرج عن الموضوع. أن القوة، وتستحق منا وقفة كبيرة جدًا، التي قام بها إدوارد سعيد. وربما القوية، في أنها لم تكن مكشوفة عليها في النصوص لفكر الفلسفة. القوة له، نكشف عليها في مجالين اثنين. مجال يعرفه بعض الناس عن إدوارد سعيد، وهو للروايات وهكذا. ولكن، كثيرا من الناس ينسون أن إدوارد سعيد كان لديه دور أوركسترا، لديه ثقافة موسيقية رهيبة جدًا. فيأخذ دورا في الأوبرات الكبيرة، يكشف عن عمق في تلك اللحظات…

ياسين: تمامًا تمامًا، هو قوته أنه مفكر، قوته أنه ناقد أدبي أيضًا، ولهذا على النصوص. ونحن نعرف تمثلات تُصنع في النصوص الأدبية، وتُصنع في الفنون. لاحظ معي، كيف أنه حتى الصور، مثلًا حينما اشتغل على اللوحات، وقد نعود لهذا الموضوع معك، كيف أن مجموعة من الفنانين، من منتجي الفن الاستشراقي في أوروبا، كانوا يحضرون موديلات من باريس، من مدنهن، ويجلبونهن ويُلبسونهن شرقيات، ويضعونهن، وهن لم تطأ أقدامهن الشرق نهائيًا.

سعيد: تمامًا.

ياسين: ولكن، فكرة الشرق، والصورة التي لديهم حول الشرق، صاروا ينتجونها ويديرونها.

سعيد: ولاحظ العبارة التي كانت لدينا قوية بالعربية، ذلك عبق الشرق، (عبارة فرنسية)، ذلك…

ياسين: تمامًا، عبق الشرق.

سعيد: عبق الشرق هذا، (مصطلح فرنسي)، ريح…

 

نقل البحث الفلسفي إلى العلوم الشرعية

ياسين: هم عن بعد، أخذوه، وملك شغافهم ذلك العبق. أنا، في الحقيقة، أخشى أن أذهب معك في الاستطرادات، ويشغلني ذلك عن الجوهر. وجوهر الحلقة هو أنني أحاور باحثا مغربيا نقل البحث الفلسفي العربي إلى حقل العلوم الشرعية، من فقه، وأصول فقه، وتفسير، وفقه نوازل. أريد أن أسألك، دكتور بنسعيد، كيف تناولت الدراسات الاستشراقية التقليدية هذه المباحث؟ وما الباعث، برأيك، على دراستها بالنسبة للمستشرقين؟

سعيد: الباعث على دراستها بالنسبة لهؤلاء المستشرقين.. المستشرقون أصناف وأنواع. إذا كنا نقول “مستشرق”، أنا سأبدأ من القوس، يعني كلمة المستشرقين إذا حل نشوف كيف ينطبق عليه مستشرق. فيهم من الرحالين، وفيهم المكتشفون، وفيهم رجال العسكر. المثال الخاص بالمغرب، أو الخاص ببريطانيا.

ياسين: غير هنا، العلوم الشرعية تُشًطّ.

سعيد: لا، هؤلاء المستشرقون الذين عملوا بالعلوم الشرعية، طبيعة الموضوع اضطرتهم أنهم يذهبون ويقرأون بالطريقة تلك المدرسة، التي لُقِّنتْهُ العصا، تلك المدرسة الفيلولوجية، وهذه قراءات نص الكتاب المقدس، والمدمجة بين الترجمة العبرية القديمة، واللاتينية، واليونانية. يعني، تعلموا هذه الأشياء. تعلموا لغات، وبعض الفقه، والذين عندهم ثقافة فقهية.

ياسين: هذا هو. الفكرة هي أنني أردت أن أجرّ إلى هذه المنطقة، العلوم الشرعية، كيف يعملون فيها، وكيف يمكننا، بها، أن نجدد رؤيتنا إلى اليوم. ومن هنا، دخول الفلسفة، والمقاربة الفلسفية التي بالنسبة لك…

سعيد: هم ذهبوا فيما ذهب بهم التقليد العلمي، وهي البحث عن الأشياء، وعن الموضوعات في مضامينها الرئيسية. عندما أرادوا أن يتحدثوا، مثلاً، وقت أن تحدثوا عن الشافعي، فهم رجعوا، ليس “للأم”، رجعوا للأقل: كتاب “الرسالة”، وقرؤوا كتاب “الرسالة”. عندما أرادوا أن يتحدثوا عن أبي حنيفة، رجعوا إلى كتاب، وهو ليس بالكتاب الضخم، وهو كتاب “الفقه الأكبر”، وقرؤوا تلك النصوص. هي تكوين، بطبيعته، يحمل حملا على الرجوع إلى النصوص الأصلية. من لم يرجع إلى النصوص الأصلية، وإلى المصادر الأولى، لا يُعتدّ بعلمه. يعني الاكتفاء بالشروح، وبالتلخيصات، وهذا، ليس في مكونات تلك الثقافة.

أنا بالنسبة لي، هذه المسألة المنهجية، والتكوين فيها، تكوين جوهري. فرق كبير، بين… نستبعد هذا الموضوع… بين صورة القرويين في القرن التاسع عشر، وفي النصف الثاني منه.

ياسين: جامعة القرويين.

سعيد: جامعة القرويين، كمكان للعلم، وللتدريس، وبين المدارس الكبرى في فرنسا، وفي بريطانيا، في ذلك الوقت. وصلت القرويين، في نهاية القرن التاسع عشر، إلى حال من التردي. يكفيك أن أذكر فيه أن العلوم المسماة بالشرعية أخذت تتقلص تتقلص، إلى درجة ما لا يُقصد قد يُفاجئ ويُفاجأ به كثير من الناس: أن التفسير، تفسير القرآن، أصبح من الممنوعات. لم يكن تفسير القرآن الكريم في القرن التاسع عشر يُدرَّس في القرويين؛ لأنه انتشرت خرافة تقول بأن دراسة تفسير القرآن الكريم لها تأثير على حياة الملك. فنعم، هذه خرافة، هكذا وهذاك! فكان الناس يفرون بدراسة التفسير إلى البيوت وإلى المجاميع الخاصة، يدرسون بها. يمكن أن أذكر مرجعًا “مويس صارن” لصورة القرويين بالصورة التي هي عليها. لا أتحدث عن نفسي، أتحدث عن مرجع ثمين. والآن أصبح ميسَّرًا بالعربية، وإن كنت لا تعرف قيمة الترجمة العربية بيني وبينك، وهو (عبارة فرنسية) لعبد الله العروي. تجد أن تلك الصورة للقرويين، والصورة للقرويين للظهير البربري في 1930، لا نجد نواة المد الذي غالب عليها ثقافة محدودة. علماؤنا لم يكونوا يجهلون المذاهب الفقهية غير المالكية. حتى المالكية كانوا يحبسونها في “خليل” وفي مدرسته الصغيرة. مدرسة صغيرة، والقول المشهود: “إنما نحن خليليون، إن اهتدى خليل اهتدينا، وإن ضل ضللنا”. فما بالك بالمعرفة للاعتزال، المعرفة بالفكر الشيعي وغير ذلك؟ في هذا الوقت الذي كانت فيه القرويين، ودورنا على الذين تخرجوا من العلماء: من لم يبذل مجهودًا شخصيًا، هذا هو الذي كان.. الجامعة الغربية في إسبانيا، في إيطاليا، في فرنسا، في بريطانيا… غير ذلك، كان المتخرجون ليسوا يساريين، ليسوا ماركسيين، ليسوا أصحاب فكر نقدي كبير، ولكن كان لديهم تقاليد علمية للنقد. دراسة النص التاريخي، التحليل الفيلولوجي، أخذ التاريخ، الأخذ بالجغرافيا… نوع من المقارنة. هذا هو عمق الأشياء، أستاذ ياسين.

 

الإسلام الشعبي والإسلام الرسمي

ياسين: عجيب! غير في هذه اللحظة، وفي هذا… يعني في هذا… مع هذا الضمور المعرفي… يعني مؤسسة علمية مثلاً مرموقة كالقرويين في المغرب وغيرها من المؤسسات، أكاديمية بين قوسين تقليدية. كان لدينا وضع مستشرقين يحاولون أن يفهموا الإسلام كدين، ويكتشفون أنهم أمام دينين بدل دين واحد. يجدون مثلاً دينًا رسميًا، بين قوسين، يُدرَّس ولكن بطرق جد تقليدية، ويجدون أنفسهم أمام إسلام آخر شعبي طاغٍ قوي. فبدأوا يُصنّفون الإسلام ويبحثون عنه، ولكن في اتجاهين: الاتجاه الرسمي والاتجاه الشعبي.

سعيد: وهنا ستبدأ حركة جديدة وحكاية جديدة، مسألة الإسلام الشعبي والإسلام الرسمي، وإسلام المدن وإسلام البوادي. هذا مفهوم كُله مرتبط بالدراسات الاستعمارية المغربية، التي كان لديها وعي تعرف ماذا تريد أن تقول به، مرتبطة بحركة الفصل بين مكونين: أمازيغي وعربي. الفصل بين هذا.. توجه استعماري المقصود، وكان لديه رجالات ولديه أهله. ولكن كانوا العلماء، علماء لكي… الذين يرتفعون فوق هذه التقسيمات ولا يقبلونها. مثلاً لوي مارسينون لم يكن يُقيم اعتبارًا لكلام مثل هذا. دراسته على الحلاج مثلًا لم تذهب مع هذه الحكايات الأسطورية للإسلام الشعبي والإسلام الرسمي. لا! بين معتقدات العوام والعلماء، خاصة وعامة، الذي هو تمييز إسلامي على أساس المعرفة وانعدام المعرفة. هنا مدار كبير من الاستشراق. بدأ يحدث هذا الصراع بين مستشرقين، وبين علماء في هذه الطريقة التي نتحدث عنها، القادمة إلى المغرب. إيميل لاوست، الذي هو أبو إرينيه لاوست، يشتغل باللغة، وعمل قاموسًا فيها، ولكنه أتى بالتقاليد الجامعية. ولكن معه… معه سيكون دارسون آخرون الذين سيدرسون في التقليد الفرنسي الاستعماري، الذي هو البعثة العلمية في المغرب، والتي هي المعهد الذي سينشأ. لا يتسع الوقت لنقول فيه الذي هو “معهد الدراسات المغربية العليا” الذي سيكون كلية الآداب لاحقًا، يؤتى بالضباط والعلماء، بينهم مزدوجتين. تقليد نابليون الذي ذهب إلى غزو مصر بمجموعة من العلماء. معرفة المجال المغربي بغية… بغية إتقان استعماره. هنا سيبدأ الانحراف والتوجه بين المستشرق وبين الخبير. أنا عندي هذا فرق كبير. هذه المجموعة الذين يشتغلون بالحركات الإسلامية المعاصرة: جاك لبيل وميلفيون… 

ياسين: هذا موضوع آخر. 

سعيد: أوليفير واو… 

 

تهيئة المغرب للاستعمار

ياسين: أنا أردت أن أبقى مع هذه المقاربة الاستشراقية، خصوصًا الاستشراق الفرنسي الذي اشتغلت عليه. كيف حاول مثلًا أن يميز بين العرب والأمازيغ، وحاول أن يتحدث عن إسلام رسمي وآخر شعبي في باطنه الكثير من المعتقدات الوثنية. في نفس الوقت، حاول أن يقدم العديد من الأبحاث. يعني لم يفكر فقط في “المغرب المجهول”، وإنما في أعمال أخرى حاولت أن تقدم المغرب على أنه ليس دولة ولم يكن دولة، وتقدم أهل البلد على أنهم لا يشكلون أمة، وتتحدث على أنه ليس هناك شعور وطني جامع وموحد. وأنت تحدثت بالتفصيل في الموضوع، وقلت بأنه كان المغرب بالنسبة له مجرد قبائل ومخزن. وإلا… ألا تحس بأن كل هذا المجهود المعرفي كان القصد منه ربما هو تهيئة هذا البلد لكي يستعمر؟ 

سعيد: تهيئة هذا البلد لكي يستعمر. مع ذلك ينبغي الانتباه إلى نقطة، كان المهندس الأكبر للاستعمار الذي هو إيبير ليوتيه يحرص عليها، وهو أن في المغرب بالفعل مخزن وقبائل. ولكن البنية المغربية العميقة قضت بأن الدولة المجسدة في المخزن عميقة جدًا، وأنها عربية ولكن تحكمها الأمازيغ. وحدة الكيفية، ووحدة أسلوب، وحدة بأسلوب معين. استعمر أنا ليوتيه واتجاهي المغرب كان في ذلك الوقت صراع بين مدرستين: بين مدرسة القبيلة ومدرسة المخزن. هل أنفذ للمغرب عن طريق القبائل؟ إما عن طريق المنزع الأمازيغي، أم عن طريق تدجين المخزن؟ الذي تكلم فيه… الجناح الذي كانت له الغلبة في نهاية الأمر هو الرهان على المخزن، باعتباره يمثل دولة، ودولة عميقة ولها جذور. ومن ثم النص الشهير لليوتيه الذي لا يمكن السكوت عنه: “في الوقت الذي وجدنا فيه في الجزائر شتيتًا من القبائل والجماعات، وجدنا هنا في المغرب دولتين وعرشين، لها تقاليد ولها بنية تمتد عدة قرون”. ولكن أراد أن يزكي نارا هي من البداية هي نار الفرقة بين عرب وأمازيغ.

ياسين: ظهير البربري يأتي في هذا السياق. 

سعيد: هذا هو! ظهير البربري لم يأت بين يوم وليلة، ولم يأت بطريقة عبثية. هنا… هنا تسخير المعرفة العلمية. الدور الذي تقوم به خلال الخمسين سنة قبل ذلك “البعثة” (مصطلح فرنسي)، البعثة التعليمية في المغرب لخدمة هدف… هدف استعماري واضح. ولكن ما كل المستشرقين نهلوا من هذا المنبع. بدأت تفترق سبل…

ياسين: ونحن قيمة هذا الحوار هو أننا نعرف كيف نضع كل شيء في محله. المعرفي نتوقف عنده، وننتبه له، ونطريه، وحتى نمتدحه. ولكن أيضًا الأيديولوجي ننتبه له وننبه له.

سعيد: صحيح.

ياسين: وأنا سعيد أنك دكتور سعيد بنسعيد العلوي ساهمت في… فصل المقال فيما بين المعرفة والأيديولوجيا في مجال الاستشراق من الاتصال. شكرًا جزيلًا. 

سعيد: شكرًا جزيلًا. لا أدعي لنفسي فصلت مقالًا، ولكن ربما أكون قد أسهمت قليلاً في إلقاء بعض الأضواء والتنبيه إلى هذه الظاهرة من التعدد في كل شيء، وبأن المستشرقين ليسوا مدرسة واحدة، وليسوا توجهًا واحدًا، وإنما هناك من كل… هذه الأطراف كلها موجودة. شكرًا جزيلًا. 

ياسين: شكرًا جزيلًا لك سي بنسعيد. وأنتم أعزائي عزيزاتي، إلى اللقاء.

 مقدمة

عدنان: أعزائي، عزيزاتي، أهلا وسهلا ومرحبا. للخطاب الاستشراقي علاقة وثيقة بالدين، حتى ونحن نطالع أشد دراساته علمية ورصانة. وإذا كان المستشرقون قد واجهوا عائق اللغة، مما أوقعهم في عدة مفارقات، فإنهم كثيرا ما واجهوا مشكلة اختلاف الدين، وصعوبة الإحاطة بتفاصيل الإسلام العلمية والعملية، مما ورطهم في العديد من المغالطات. وهذا طبعا لا ينفي الأدوار العلمية الرائدة للمستشرقين الذين حافظوا على أمهات المصادر الكبرى للإسلام، فبادروا إلى تحقيقها ونشرها وحفظها من الضياع.

إن الخلفية المسيحية لغالبية المستشرقين كثيرا ما تحكمت في نظرتهم إلى الشرق، باعتباره آخر وغيرًا على مستوى العقيدة. لذا، حينما نقل المفكر المغربي الدكتور سعيد بن سعيد العلوي انشغال الفيلسوف إلى حقل الدراسات الدينية، وقد كان من رواد هذا الاختيار الفكري وهذه المغامرة الفلسفية، لم يتردد في خوض نقاش مع كثير من المستشرقين الذين درسوا الإسلام، أفاد منهم واستفاد، وانتقد غيرهم أدق انتقاد. ويسعدنا اليوم أن يكون الدكتور بن سعيد ضيفنا في حلقة حول الاستشراق والدين.

دكتور سعيد بن سعيد العلوي، دكتوراة الدولة في الفلسفة والعميد السابق لكلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط، أهلا وسهلا ومرحبا.

سعيد: أهلا وسهلا بك أخي الاستاذ ياسين، مرحبا بك.

ياسين: سيد سعيد، إذا كان الاستشراق ينطلق من المحدد الجغرافي شرق غرب، فإنه من الناحية العقائدية يقوم على ثنائية أخرى، ربما إسلام مسيحية. طبعا، الاستشراق هو دراسة الغرب للشرق، ولكن ألا يمكن القول أيضا بأنه هو دراسة غير المسلمين، وأغلبهم مسيحيون، للإسلام وخصوصا آخذين بعين الاعتبار أن الممارسة الاستشراقية انطلقت في القرن الخامس عشر مع الحملات الصليبية، حتى قبل ما يأتي الاستعمار بهواجسه ورهاناته؟

سعيد: تماما، هذا صحيح، وربما حتى قبل القرن الخامس عشر، مثل الحديث مع النهضة ومع نهاية القرن الرابع عشر. ما ذكرته صحيح، ولو أننا وقفنا لحظة عند عبارة الاستشراق، فيها اشتقاق، استشرق، لغة قصد جهة الشرق، وتماما كما تفضلت الشرق يمثل في وعي هؤلاء الناس، لا من حيث هو محدد جغرافي بمعنى أنه مقابل الغرب، كما أن الجنوب يقابل الشمال، ولكن قلت كلمة وهي كلمة الآخر، وربما الكلمة العربية الإسلامية في مجال حديثنا أقوى وهي كلمة الغير. الغير هو تحديدا بالسلب كل ما ليس الذات.

ياسين: فهو غير؟

سعيد: هو غير. الذات تحدد بكيفيتين عند هيجل مثلا، إما بتحديد إيجابي أقول الماء هو… تحديد السلم عفوا، أقول الماء هو سائل، هو غير الصلب، غير الشجرة، غير السماء، غير الأرض، أو يحدد تحديدا إيجابيا أن الماء مكون من ومن ومن..

ياسين: من كذا وكذا وسائل منذور للشرب؟

سعيد: تكوين علمي، ولكن من الأقوى والأكثر امتدادا والتحديد بالسلب، فالذات تعرف بما هي غيرها، كما أن يعني الضد يدرك..

ياسين: بضده.

سعيد: بالضد.

ياسين: بتضادها تدرك الأشياء.

 

الفضل الإيجابي للاستشراق

سعيد: هنا لابد من الوقوف عند نقطتين في البداية. المحدد الغربي من الناحية الجغرافية، وأحببنا إمكان أن تجرر معها الحمولة الأيدولوجية السلبية بصفة أخص، ثم المحدد الديني، ومن باب الإنصاف سأقف عند هذا المحدد الديني من الناحية الإيجابية، لأنه من الناحية السلبية أشبعنا في ثقافتنا وفي الكتابات حديث فيه إشباع كثير وفيه مغالاة كثيرة. الاستشراق يربط بالاستعمار ويربط بالهيمنة، هذا في كثير من الجوانب. وهذا صحيح وربما سنرجع إلى هذه في هذه النقطة. لكنني أريد أن أحدد.. أن أضع نقطة القلم فوق النقطة في الناحية الدينية، أن ذلك الوعي الديني المسيحي خاصة، لعب دورا إيجابيا. أولا، لأن بداية الاستشراق مرتبطة بإرادة الكنيسة ومجمع كنسي كما تعلم إنشاء مراكز معينة لا فائدة من إعادة ذكرها، وهذا كان مرتبطا بالحمولة الدينية من حيث إنها حمولة أخلاقية أولا أنه الالتزام بالصدق وعدم تحريف النص. ومن ناحية لغوية مرتبط بشيء وهو بميلاد الفيلولوجيا وبنشأتها، والاستشراق ابتدأ أولا من قراءة نصوص الأناجيل؛ العهد القديم والعهد الجديد، قراءة تريد أن تستفيد من مكاسب الفيلولوجيا الناشئة.

هذا الأمر ومنذ البداية سيكون له أثر إيجابي على تراثنا العربي الإسلامي من أوجه. أهم تلك الأوجه، وهنا ينبغي أن سيكون حديثي إيجابيا وربما لا يخلو من مديح، يعني أقول هذا أعترف به منذ البداية. لولا حركة الاستشراق لظلت كثير من نصوص تراثنا العربي الإسلامي نصوصا غميسة لا بل مفقودة، ليس في مجالات الفلك والطب، يعني المعرفة العلمية، ولكن في الناحية الدينية هنالك نصوص كثيرة طبعا في علم الكلام في الفلسفة الإسلامية لولا هذا الجهد للعمل المسيحي (حتى أسمي الأشياء بأسمائها)، لكانت قد ضاعت منا، هذه نقطة. النقطة الثانية أحب أن أشدد عليها كما يقال منذ البداية، وهي أن تيارات تتصل بالفلسفة الإسلامية وبالفكر الإسلامي سواء بعلم الكلام أو حتى بالفقه وبتاريخه بالحركة الاستشراقية وبأسماء معينة ترتبط بها.

ياسين: مثلا؟

 

أمثلة استشراقية إيجابية

سعيد: أعطي بعض الأمثلة بكيفية سريعة، مثلا الفكر الحنبلي وكل ما يتصل به ندين به بشيء كثير على سبيل المثال لهنري لاوست، هنري لاوست أنفق عمرا كبيرا في دراسة الفكر الحنبلي، فابن بطة وابن عقيل وابن تيمية وابن حنبل نفسه، له جهد هذا الرجل جهود كثيرة جبارة. أحسب وهذا كلام إنسان اتصل بالموضوع اتصالا كثيرا. هنالك دراسة على سبيل المثال لا أنساها جميلة قصيرة لا تتعدى مئة صفحة ولكن متينة جدا في هذا الباب وثمينة هي “الحنبلية في ظل الخلافة العباسية”، هذا مشى مع خط الحنبلية وقام بدراستها. هنري لاوست له فضل آخر أعترف به في مجموعة دروس ألقاها في الكولدج دي فرانس عن الغزالي وسيجمعها في كتاب جميل بعنوان “لا بوليتيك دي غزالي” “سياسة الغزالي” هذا جانب. المثال الثاني الذي أريد أذكره هو مثال راهب من الكنيسة كان مقيما في بيروت في الجامعة الكاثوليكية، توفي قبل عقود قليلة ليس أكثر، اسمه “لوبير ميشيل ألار”. فلا تزكوا أنفسكم أنفق العبد الضعيف من أموره سنوات غير قليلة في طقس الأشعرية وتجلياتها المختلفة، وإذا أجزت نفسي أن أتحدث بين مزدوجيتين وباحتياط كبير عن سلطة بالمعنى الضيق وليس المعنى الواسع للكلمة تخول على تلك العشرة، فإنني أقول إن كتاب ميشيل آلار وهو بعنوان “الصفات الآلهية عند الأشعري وتلامذته الأوائل” (مصطلح فرنسي) ليست متينة وقوية جدا أزعم أنني لا أعرف لها مثيلا باللغة العربية، من حيث هذه الجودة. ثم المثال الثالث الذي أردت قوله هو المثال الخاص بـ فان إس، حتى ننتقل من فرنسا إلى ألمانيا، فان إس جهوده الكبيرة في الفكر الاعتزالي والمد الاعتزالي ودراسته والبحث فيه شيء جبار، ناهيك عن الجهود التي بذلها المستشرقون قبل حتى فان إس في إنقاذ ما أمكن إنقاذه من المؤلف الضخم “المغني في أبواب العدل والتوحيد” ضاعت كثير من نصوصه بقيت بعض الأجزاء هذه.

ياسين: هذه نماذج مهمة جدا.

سعيد: هذا فيض من غيض، نماذج كثيرة جدا ولكن أنا أتكلم الآن عن الاستشراق في المرحلة الخاصة باللغة العظيمة.

 

المستشرقون كمرجعية في دراسة التراث

ياسين: وسنبقى في هذه المرحلة العظيمة لأن ما يعنينا هو الاستشراق بشكل عام وشامل، لأن الخطاب حوله في العديد من الأحيان تجد بأن الخلفية الأيدولوجية والدينية تحجب هذه القيمة المعرفية ونحن نريد معك ومن خلال مجموعة من ضيوف هذه اللحظة المعرفية أن نزاوج، أن نكون يقظين تجاه الأيدولوجية الدينية وغيرها، ولكن أيضا أن نكون منصفين حينما يتعلق الأمر بالمعرفة والمعرفي. وفي هذا الإطار مادمت دخلت في الموضوع مباشرة أردت أن أعرف سيد سعيد، يعني كيف أفدت من المستشرقين واردت أن نسير معك إلى أبحاثك الأكاديمية المرجعية عن خطاب الأشاعرة، دولة الخلافة وفكر الماوردي، كيف شكل المستشرقون مرجعا مباشرا لك أساسيا في قراءة هذا التراث؟

سعيد: أولا الماوردي خصيصا، يرتبط في ذاكرتي بصنفين من المفكرين المستشرقين، ذكرت هنري لاوست وأنا لا يمكنني أن أنسى جهودا أخرى لمستشرقين مؤرخين ارتبطوا بالتأريخ. يمكن أن أذكر من فرنسا مرة أخرى اسمين اثنين: دومينيك سورديل، الزوج وزوجته، وكلود كاهن. هذان عالمان كبيران في المعرفة التاريخية. طبعا كان الكتاب الكلاسيكي المعروف التميز بين الدولة الإسلامية، الدولة العربية الذي يقصد بها الأموية والدولة الإسلامية كان يقصد بها..

ياسين: العباسية؟

سعيد: العباسيين فأنا أفدت من هذا الباب، ولا أريد أن تفوتني الفرصة أن أذكر شيئا وأؤكد عليه لا يزال غير متجاوز حتى الآن لأنه استسمح بالنسبة للجمهور العريض لهذه العبارة ليس معروفا ما القيمة الكبيرة له، وهي “دائرة المعارف الإسلامية” (مصطلح فرنسي) في نصيها الإنجليزي والفرنسي، وخاصة في الطبعة الثانية. المواد المكتوبة، كل مادة من المواد المكتوبة ترتبط باسم من الأسماء. وهذا شيء طبيعي بمتخصصين كبار فيها مثلا: روجيه أرنالديز يرتبط بابن حزم على سبيل المثال. فعندما تقرأ هذه المادة تغنيك عن قراءة نصوص كثيرة، بل إذا أخذت مادة دمشق تجد أن تاريخ دمشق وتتبين كيف أنه طبقات بعضها فوق بعض. فبالنسبة للمشتغل بالدراسات الإسلامية لا يمكن أن يغفل (مصطلح فرنسي) “دائرة المعرفة الإسلامية” وبين قوسين هي لا تتصل بالنصوص الأكاديمية الكلاسيكية. فيها يمكن تلقي فيها مثلا اليوم نصوص لطه حسين، العقاد، كتابة شيء من فتسعة أجزاء زاخرة لا تقدر بثمن. هذا جانب.

ياسين: لاحظ أنها غير مترجمة لماذا مثلا سي سعيد؟

سعيد: في كان فريد وجدي من البداية ترجم البعض منها.

ياسين : لا، نحكي عن ترجمة حقيقية. لكن انظر هناك بلدان ترصد ميزانيات لترجمة مشاريع..

سعيد: ترجمة حقيقية، يعني هذا ربما من خلال هذا الإمتاع الذي تمتعنا بهذا الانفتاح، في الاستشراق، تكون مناسبة أن نتوجه بنداء إلى أحد المنابر العلمية المحترمة كما تم احتضان مشروع كبير مثل “قاموس اللغة العربية وتاريخها”، يا ليت يلقى تفكير في ترجمة هذه الذخيرة العظيمة الضخمة “دائرة المعارف الإسلامية” ستكون عملا جبارا. وممكن يخرج في عدة مجلدات، ولكن من الممكن بلغة العصر أن يخرج في نشرة ميسرة مختصرة، ومن الممكن أن يُنقل على الكمبيوتر وتخرج منه مواد. لأنه ذخيرة لا تقدر بثمن. فأنا ذكرت ما أدين به لههذه الجماعة، ليس فقط في قراءة النصوص. أنا تعلمت وأعتقد حتى أساتذتي الروحيين تعلموا قيمة هذه الذي يقوم به.. عبد الرحمن البدوي مثلا كثير الانتقاد لعمل المستشرقين ولكن تعلم منهم.

ياسين: وانتقدهم بالنهاية، وإلا كان منبهرا بهم في البداية.

سعيد: نعم نعم، ولكن كأحد التلاميذ أو آخر التلاميذ كما، تقريبا، بالمعنى الخاص بالدراسة القديمة، لم أدرس عليه بشكل مباشر ولكن حضرت معه في عدة لقاءات، وقطعا عندي معه علاقة طيبة، وأعتبره من أساتذتي الفكريين وأعتز بذلك هو محمد أركون. فحتى نرى القيمة أركون في هذا المنهج الخاص به، كما تعلم يقترب من قراءة النص متوسلا بالمنهجية العلمية المعاصرة من اللسانيات، لتحليل النفسية، علم نفس المعرفة..

ياسين: وكان ينتقد الفيلولوجيين والتاريخانيين.

سعيد: ولكن يعتبر جهود الآخرين كلها مقاربة فيلولوجية بالدرجة الأولى. ولكن لا يستخف بها يعطيها قيمتها الحقيقية. هذا من باب الاعتراف بالجميل أمر لا يمكن للمشتغلين بالثقافة العربية الإسلامية بل بالفكر العربي الإسلامي في كل مراحله أن لا يهتم به.

انظر أخي ياسين، الله والتركيبة النفسية الإنسانية جعلت الإنسان تركيبا غريبا. فأذكر وأنا في بداية شبابي الأول وكنا نخلط أو نمزج بين عالم وبين ملتزم سياسيا وبين إنسان صاحب أخلاق، فنعتبر الإنسان فردا واحدا علمتني الحياة وعلمتني التجارب أنني داخل الشخص الواحد ممكن أن أجد هذا وذاك. إذا سمحت لي في دقائق لأن هذه نقطة مهمة أريد أن نعطي عدة أمثلة. المثال الأول أنك في بعض الأحيان تجد شخصا بقدر ما هو عظيم من الناحية العلمية بقدر ما هو سيئ ولا يطاق من الناحية الأيدولوجية. وأكبر مثال وأول مثال يحضرني في هذا الباب هو برنارد لويس، فبرنارد لويس ليس منظرا للاستعمار الجديد ولا للمحافظين الجدد بل سند كبير للصهيونية.

ياسين: تماما؟

سعيد: ولكن قلة من هم يعرفون..

ياسين : مؤرخ كبير؟

سعيد: تاريخ العثمانيين وتاريخ الحركات.. كثير من الحركات مثل ماكان يعرفها برنارد لويس. عالم خطير كبير جدا نعترف به. ومن الناحية الأيدولوجية الشخص نفسه سيئ مثالان آخران، هذا من أمريكا ومن بريطانيا، بلفور المرتبط عندنا بوعد بلفور..

ياسين: الوعد المشؤوم.

سعيد: هذا وشخص آخر حتى نجمع بينهما، وهو اللورد كرومر. هذان منظران للاستعمار وخادمان يعترفان بذلك للتوسع الاستعماري البريطاني، ولكن كلا الرجلين كان على الخط الاستشراقي القديم بمعنى يتقن عدة لغات، لغات إسلامية، كان يقصد الأوردو، التركية والفارسية.

ياسين: وأصحاب رؤي وتأملات.

سعيد: وأصحاب…

ياسين: كرومر مرة دخل مع محمد عبده في سجال.

سعيد: ومعرفة اللورد كرومر بالفكر الإسلامي أو معرفة بلفور بالفكر الإسلامي هذا أمر غير سهل. عبد الله العروي ينتقد من وجهة نظر أحترمها، وعبد الله العروي فكريا هو من هو أدين له الكثير. عنده دراسة أو نص قديم يلتقي فيه بستافيو فان جرون باون، الذي كان مستشرقا يدرس في يو إل سي..

ياسين: وهو النص الذي اعتمده إدوارد سعيد في كتابه “في الاستشراق” لكي يناقش العروي ورؤيته الاستشراقية.

سعيد: نعم مقاربة العروي من الناحية التاريخانية ومن الناحية الماركسية الموضوعية، هذا شيء، ولكن هذا كله لا ينفي أن جرون باون عالم، وعالم كبير، ليس أمر فيه إساءة. فالأمثلة كثيرة التي تكشف لنا أن في إمكان هذا الشخص أن يكون هذا… مثال أخير كي نقرب قليلا الزمان. تم استعمار المغرب بالتمهيد له، وهنا استفاد من الخبرة البريطانية أساسًا. تمّت لكي يستعمر المغرب جيدًا، ينبغي أن نعرفه من الناحية العلمية جيدًا، نعرفه إثنولوجيًا وجغرافيًا وغير ذلك، فرُبّ ضارة نافعة. نحن كنا نعرفه، مثال شارل دي فوكو (مصطلح فرنسي) أتى للمغرب متنكرًا.

ياسين: متنكرًا في زي يهودي.

سعيد: تمامًا، ولكن المدونات التي كان يدونها يوميًا في مذكراته الصغيرة، ملاحظات بعدما يقرب الآن يقترب من مئتي سنة، لا يزال بعضها صادقًا ومفيدًا. الشيء…

ياسين: حتى موليرا الذي كتب “المغرب المجهول”؟

سعيد: نعم، كله ليس موليرا فقط..

ياسين: هو كتابه مرجع.

سعيد: كل هذه المجموعة، ولكن فيها أمران اثنان: أولًا، هذه السوسيولوجيا التي بدأت من منتصف القرن التاسع عشر كانت مرتبطة بميلاد علم جديد الذي هو السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا وبتطوره. ثم كانت فيها وحدة دقة ممتازة جدًا، بحيث أن هذا الأدب بالمعنى الواسع لكلمة أدب، يعني بمعنى الكتابة، الذي عملته هذه المدرسة الكولونيالية الفرنسية، ذخيرة مفيدة في تاريخ المغرب وجهود لتعاملات كبيرة (مصطلح فرنسي) التي كانت تابعة للإقامة العامة. بعض الترجمات، أجزاء غير قليلة من الاستقصاء للناصري واليوسي، يعني يكون الهدف التوجه استعماري ولكن حين يكثر الأقاويل الذي قلت في الأول بنية عن هذه الصرامة الدينية (مصطلح فرنسي) احترام النص، انتقده متفقون، ولكن أحترمه، لا أحرف فيه حرفًا. وغير هذا دعنا نقول كلمة قاسية، هذه الأمانة العلمية والدقة العلمية باستثناء مراحل قليلة من تاريخنا العربي الإسلامي ليست في ثقافتنا.

ياسين: ليس في ثقافتنا؟

سعيد: نعم، كانوا يميلون للاستخفاف كثيرًا بالنصوص، ونغيّب اسم المؤلف وندخل النصوص بعضها في بعض. انظر عظمة ابن خلدون في المقدمة، كثير من النصوص ليست له من الاستشهادات، ولكن عوضا يقول بين مزدوجتين يعتبر الكلام كله شيء.. النص.. الفصل المتعلق بالخلافة مثلا الذي هو في مقدمة بن خلدون فيه مزج كثير للماوردي ولمعاصره الحنبلي الآخر، الذي عنده الكتاب نفسه الأحكام السلطانية ولكن لا يذكر هذا ولا ذاك. هذه الصرامة الفيلولوجية وهذه الدقة.. هذه ليست في مكوناتنا الثقافية العميقة. أقولها وأنا آسف.

 

غياب الصرامة العلمية العربية

ياسين: مع الأسف هذا رأي صائب، وأخشى أنه أيضا أخشى أن يكون استشراقيا لأنه كان هناك بعض الأنثروبولوجيين مثلا الأجانب وحتى الفرنسيين الذين يقولون مثلا بأن في الثقافة العربية بشكل عام، ليس هناك بالضبط هذه الصرامة العلمية والمعرفية، ويتحدثون حتى عن التعلم كيف أن المتعلمين العرب قد يتحمسون في البداية، ولكن سرعان ما ينطفئ حماسهم. هناك بعض الخاصيات العامة أنا شخصيا أخاف منها، وأتأسف وأنت تصوغها.

سعيد: انظر أنا بسرعة هكذا من الذاكرة مثالان: المثال الأول والمشهور عندنا وكان في وقته أثار الضجة التي تعلم، وأول من كشف عن حقيقة مثل هذه هو طه حسين في كتابه.. “في الشعر الجاهلي” أن الأصمعي وكل الإخوة زوّروا وخلطوا. صديقنا وزميلنا المحترم عبد الفتاح كيليطو عنده كتاب قديم المؤلف “الكتابة والتناسخ” يتحدث فيه عن موت المؤلف، في ثقافته، وكان يقول ملاحظات ثاقبة ووجيهة، في ثقافتنا العربية الإسلامية، كالاستخفاف بالمؤلف الاهتمام بالنص، ولكن المؤلف قد يكاد يجهل، فحتى نقول… وهناك أمثلة أخرى لهذا النوع من الصرامة، وعلينا أن نعترف بذلك، في مجالات متعددة، لأن الذي كان يُسمى الانحطاط طال كثيرًا جدا، والكلام في هذا طويل، فهذا السطو على هذا كان مكونا…

ياسين: أحيانا بالضبط كان عندنا الانتحال في العربي وهي ظاهرة قديمة ولكن تختلف المبررات مثلا، يمكن أحيانا في غياب النصوص حينما يعثر كاتب على نص يمكن كي يعمل مثلا ابن خلدون وأنت تشير الآن كيف أنه أخذ من الماوردي وغير الماوردي في فصل الخلافة، هي رغبة في استعادة تلك المعرفة ويُهمل الاسم أحيانا. ولكن هذه القضية بقيت مستمرة حتى لعبد الرحمن البدوي الذي تحدثنا عنه الآن لأن عبد الرحمن البدوي حينما كان يتتلمذ مثلا في الجامعة المصرية على المستشرقين، عدد من المحاضرات التي تلقاها فقط ترجمها إلى العربية ووضع عليها اسمه ونشرها، وأنا طرحت السؤال على بعض تلامذة بدوي يقولون: لا لا كان الهدف بالنسبة له هو أن يقرب مضامين تلك المحاضرات إلى الجمهور العام من الطلبة ومن الأجيال اللاحقة من الطلاب. أحيانا تكون المقاصد نبيلة ولكن كما قلنا هذه الصرامة العلمية تطرح سؤالا.

سعيد: أنا من المسائل التي كانت تشغلني البال وهذا ربما على هامش هذا الموضوع هي، ومن القضايا التي أنا منشغل بها حاليًا هي، مسألة الكتابة. ومرادفات أو مقابلات الكاتب والمؤلف بين اللغات الأجنبية واللغة العربية. هي كلمة “المصنف” نحن عندنا الكتابة التصنيف، ما التصنيف؟ يعني أي صنف هذا، وعندنا كلمة أخرى بالعربية “المؤلف”، وكثيرَا ما كانوا يتحدثون وخاصة المغاربة، الحديث المعاصر… الفقهاء يتحدثون من باب الاستحباب عن توليفات، وإنما هي تآليف ألفوها. التأليف يكون بين المختلفات لا نؤلف بين المنسجمات، فقضية المؤلِّف وخاصة المصنِّف لا تجد مقابلا باللغة الفرنسية، مثل ما باللغة العربية لا تجد ما يرضيني أنا شخصيًا مقابل دقيق لعبارة (عبارة فرنسية) لأن (عبارة فرنسية) باللغة الفرنسية فيها هو صاحب الشيء وفيها الصانع في هذا…

ياسين: أما المؤلف قد يكون مجمعا.

سعيد: لذلك في الدروس الخاصة بنا، المصنف انظر كانوا في كلمة أخرى ماشٍ في الخطاب الروائي الخاص بنا اليوم، وفي كلمة نستعملها اليوم هي كلمة “السارد” ليس بمعنى “Le narrateur”، ماغادي يبقي عالم كيف القرويين أو في بن يوسف أو غيره درس كاين يقف قدامه تلميذ كبير، وهذا تسميه السارد يسرد. يقول قال المصنف رحمه الله والاستاذ يشرح. المصنف لأنه جمع مادة كشكول، ففي العمق عندنا هذا الكاتب الذي مرتبط بابتكار بإبداع..

ياسين: ليس هناك كلمة دقيقة تدل عليه وعلى جهده.

سعيد: تأتي عندنا في المؤلف وخاصة أدعو إلى التفكير في هذه العبارة “المصنف” و”التصنيف” فهنا “موت المؤلف” لشارل دي فوكو أو “هامشية النص الحي” لعبد الفتاح كيليطو بديع جدا في هذا الباب.

 

أهمية دراسة الماوردي

ياسين: صحيح وأنا أريد أن أعود بك إلى الأصل سأتجاوز المصنف إلى (عبارة فرنسية) باستعارة الكلمة الفرنسية، وأنت تتحدث عن الخلافة سنذهب إلى الماوردي. الماوردي هو أحد رواد الفكر السياسي في تراثنا العربي، صاحب رؤية متقدمة حول نظرية الدولة ونظام الحكم في الإسلام. أنت فعلا فتحت نقاشا مهما جدا مع المستشرقين الذين درسوا فكره. أشرت الآن إلى لاوست، إلى سورديل، آدم ميتز أيضا. أريد أن أعرف كيف درس هؤلاء فكر الماوردي، وحتى البغدادي وغيرهما حول الحكم والخلافة؟ وماهي حقيقة الماوردي التي في لحظة من اللحظات قلت بأنه ومع ذلك لم يبلغ أحد حقيقته؟

سعيد: أرجعتني إلى القديم. بالنسبة لثقافتنا.

ياسين: هذا أول كتاب لك.

سعيد: نعم، بالنسبة لثقافتنا العربية الإسلامية كان الماوردي مرتبطا بنصين اثنين، وكل منهما له أفقه وله دلالته. النص الأول هو “الأحكام السلطانية”، والنص الثاني الذي هو “أدب الدنيا والدين” وكان قد أهمل، والفضل في إحيائه مثل في التنبيه إليه، مثلما الفضل في التنبيه إلى نصين آخرين عظيمين وهما “الموافقات” و”مقدمة بن خلدون” ترجع غلى محمد عبده. هذا الكتاب “الأحكام السلطانية” تجد أنه فيه عشرين فصلا، الفصل الأول الإمامة، والفصل العشرون الحسبة، فكان التعامل معه كما لو كان (عبارة فرنسية)، اسمح لي بهذه العبارة الفرنسية، هذه دائرة معارف صغيرة، (…) كل ماورد فيها. هل الغريب في الكتاب الذي خرج الإمامة، وزارة تفويض، وزارة تنفيذ، قاضي القضاة، تحت أي حكم وصلنا…

ياسين: يعنى نظام الحكم الإسلامي…

سعيد: (عبارة فرنسية) لا لم يكن الكلام على نظام حكم، كان كلام على معطيات، ولكي يريد أن يتكلم على الماوردي لا تخرج به من الإمامة وما يتعلق بأحكامها بين أصول الدين، يعني علم الكلام، وبين أصول الفقه يعنى تشريع التشريع الفقهي، ما تعلمته ما ذكرته كاهين، كلود كاهين، وسورديل، عبارة جميلة لكلود كاهين، يقول: في تاريخ الإسلام السياسة والدين كانا يشكلان دائما زوجا رهيبا، منسجمين في الغالب وغير منسجمين في أحيان كثيرة، (عبارة فرنسية)، اسمها بالفرنسية نقولها (عبارة فرنسية). هذا الجانب الأول. دعني أكلمك عن ذلك الباحث الشاب الذي كنته في منتصف السبعينات، وأنا ذاهب، مقبل على مغامرة. نعرف ابن خلدون، ونعرف بالمقريزي، لكنه بدا واحد من الفلسفة، الشيء، الفقه. هذا اهتمام الفقهاء، واهتمام جاء في أقصى حدود العلوم السياسية، لكن من أفق الفلسفة، تجمع بينهم. ذلك الوقت في منتصف السبعينات، كان لدينا التيار العام في المغرب، في الجامعة المغربية.

ياسين: الماركسية..

سعيد: الماركسية، هناك الماركسية، والحضور القوي للتاريخ وللسياسة. إذن الماوردي الذي كان يتكلم في الإمامة وفي وزارة التفويض، أرى جاء محمد الحبابي من قبل، في الكتاب له “الحكومة المغربية في مطلع القرن العشرين”، ذهب إلى جود دومونبين روا، وحاول أن يلقي شيئًا لتبرير الحماية، أنها مرتبطة بوزارة التفويض. أنا كانت القاعدة، ذلك التيار الذي كان ناشئًا في الكلية لدينا، وما كان قويًا بالنسبة للجيل الذي سيأتي بعدنا. أقول لك عن الجيل الخاص بي، الجيل الخاص بي تخرج في نهاية الستينات، بدأت، كنت أبدأ أبحث، نحاول أن نفكر، نحاول أن نكتب كتابتنا الأولى، محاولاتنا الأولى في السبعينات، التيار العام هو تيار ماركسي، بديل للميتافيزيقا. إذن نار السياسة في كل شيء، أو السياسة هي الأولى، هي الحاضرة. إذن، وضعت فرضية فيها جرأة، ولكن من بعد ذهبت، لأنها جرأة محمودة، أن الماوردي ليس لديه فقط نقد نظرية في الإمامة، ولكن إذا جمعنا هذه “الأحكام السلطانية”، هناك جراثيم، بالمعنى العربي القديم، مكونات أولية لنظرية في الحكم، وأكثر من نظرية في الحكم، لنظرية في الدولة. تُشرع لما هو قائم، ولكن تدعي أنها تتحدث عما ينبغي أن يكون. تتشكل هذه المنظومة. هنا، المستشرقون كان فيهم، بالنسبة لي، السلب والإيجاب. السلب هو أخذ كلام الماوردي عن وزارة التفويض، ويريدون أن يبرروا به…

ياسين: الحماية.

سعيد: الحماية، مثل ما كان يبررون العلاقة بين في الخلافة، في العصر العباسي الثاني، بين سلطة الجند وسلطة الخليفة. الخلافة، هذا الجانب السلبي. لكن الجانب الإيجابي هو أن التشريع الفقهي فيه تشريع، فيه فكر سياسي، وأن الفرق كبير بين أصول الفقه وأصول الدين، وكثير من الناس يستخدمون كلمة “ذلك أصولي”، وهذا فيه خطأ، لأن الأصولي نسبة لأصول الدين شيء، والأصولي بالنسبة لأصول الفقه شيء آخر. والمعنى الشعبي، اسمح لي أن أقول هذه الكلمة، “أصولي” بمعنى (عبارة فرنسية)، أو هذا المعنى من خارج، خارج التغطية، يقال اليوم “خارج التصنيف”.

ياسين: خارج التصنيف العلمي.

سعيد: خارج التصنيف العلمي. فهنا، بهذا المعنى، تجد أن الفقيه مرتبط بالحاكم، سلبًا أو إيجابًا. أنا أقول دائمًا، حتى أقول للطلبة لدي، الفكر السياسي في الإسلام قد يحتاج لجهد كبار: الفقيه والفيلسوف. الفيلسوف، كلمة لأفلاطون، يقول “رئيس الدولة المفترض”، أنا لدي السلطة لكي ربما تكون في مكانك. الفقيه يقول لك: “حاكم كبير، أنت في مكانك، وجعلك الله، فينبغي أن تكون، ولكنني أنصحك، وأقترح عليك، وأرشدك، وأفكر لك”. لذلك، كانت العلاقة سيئة بين رجل السلطة، في ثقافتنا على العموم، ومع الفقيه. كانت أقل سوءًا حتى..

ياسين: خصوصًا أن هذا تأدب الفقيه الذي جعل حتى علوم السياسة تتخذ لدينا عنوانًا “الآداب السلطانية”.

سعيد: الآداب السلطانية هذا لأنني أشير على الخليفة، (عبارة فرنسية)، “نصائح الملوك”. ولكن، الفقيه تجده فقيها. أنا لن أقول كلمة أفلاطون، لا، لن أقولها، كان حكم، ولكن هذه كانت “سويتال”، ولكن الفقيه يكون محبوبًا عند السلطان. السلطان، بالمعنى (كلمة فرنسية)، ليس بالمعنى، نقوله بالدارجة المغربية، بمعنى الملك. لكي نتفاهم.

ياسين: نعم، السلطان، لكي.

سعيد: تمامًا. يكون محبوبًا عنده إذا كان يبرر له ما يقوم به، بصراحة، ويلقي له تبريرًا. تكون العلاقة لديه سيئة، وتصل إلى محنة، مثل تلك الخاصة بابن حنبل، إذا كان ينتقده انتقادًا عنيفًا، ويعيده به، يبعد به عن ذلك الخط الذي يكون هو ذاهبًا فيه. لكي لا نشرد، وأُنبه لكي لا نشرد، كلاهما مرتبطان بالموضوع لدينا. أن هذا الجانب السلبي، هو للإيجاب، منكر هؤلاء المستشرقين، هو الانتباه لهذا الجانب، يمكن أن يعبر لك عن هذا الأمر بطريقة أخرى: عندما تقرأ دراسات الذين ساهموا في تأسيس الثقافة العربية الإسلامية، لن تجد أفضل، مثلاً، من مصطفى عبد الرازق في التمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية. أقصى ما توصل إليه هو أن تُطلب الفلسفة الإسلامية في مضامينها الأصلية، التي هي أصول الفقه، كما يقول في كتابه.

 

الجانب الإيجابي في الاستشراق

هذا جانب. لكن، بالنسبة لمن لديه هذا المنزع الاستشراقي، هناك تقاليد تأسست في الجامعات الكبرى في الغرب، وقد استغرق الأمر قرونًا، وليس يومًا أو يومين. وكان هناك معنى الاستشراق للدراسة، (مصطلح فرنسي) في باريس، لا يقتصر فقط على العربية، بل يشمل أيضًا الصين، اليابان، والشرق الأوسط كله فيها. ما تكون، بالذات في علم الناشئة، في الفيلولوجيا، ولكن سيارات العلوم لا تكتب من هنا: علم النفس، التاريخ، الاقتصاد السياسي، التحليل النفسي، التاريخ بمعنى فلسفة التاريخ. هذا شيء قوي عند من يُسمون “المستشرقون”، وهو صعب، بينما تقليدنا الآخر، أقصى ما يكون فيه هو “نقد داخلي” و”نقد خارجي”، الذي هو ثقل، وهو تلك “الأمانة”، بين مزدوجتين، للعلم. ما الفرق في المقاربة؟ من ليس لديه ذلك الزاد المعرفي، وتلك الهموم المنهجية العربية، المنهجية العلمية المعاصرة، لا يطرح سؤال الصدق وعدم الصدق في الكتابة التاريخية. ويبقى هناك شك في الوثيقة، وفي حدودها. بالنسبة للآخر، يعتبر أن الوثيقة تحتوي على الحقيقة، وتحمل كل شيء. تبقى طريقة المقاربة مختلفة. ربما كما قلت في البداية، هناك الكثير، ربما لن يحمل كلامنا، لأنه امتداح للاستشراق، أؤكدها في منحاه الإيجابي..

 

أهمية دراسات لاوست عن الماوردي

ياسين: تمامًا. ونحن نبقى في المنحى الإيجابي، والإيجابي في الموضوع. في الواقع، أننا استعدنا، من خلالهم وعبرهم، مجموعة من النصوص الأساسية، ومجموعة من الأسماء الأساسية. ولأنني أشرت إلى الماوردي، ما الذي أخذته منهم من الماوردي، ما الذي أعطوك، هذا الوجه الآخر للماوردي. وكما تفضلت الآن، كنا في “الفقيه”، حتى، ولنفرض رجل يدرس نظام الحكم والدولة، نفس الشيء أريد أن أذهب مثلاً إلى مقالات “لاوست”، التي أبديت إعجابًا شديدًا بها، وهي المقالات التي خصصها لفكر الغزالي. اعتبرتها مقالات قيمة، وتوقفت عندها بإعجاب. أيضًا ذهبت إلى سورديل، كل ما كتبه عن الخليفة المأمون وسياسة الخليفة المأمون اعتبرته أيضًا نصوصًا مهمة وتبنيت الكثير من أطروحاته. أريد أن نبقى في نفس المنطق، يعني ما هي القيمة المضافة التي جلبها لاوست وهو يقرأ الغزالي؟ ما هي القيمة المضافة التي جلبها سورديل وهو يقرأ سياسة الخليفة المأمون؟

سعيد: المنظور الذي كان لدينا للفكر الإسلامي، في التقليد المعتاد، هو أننا كنا نعتبره أن المعركة فيها احتدام كبير في تاريخ الإسلام بين المعتزلة وأهل السنة، وكانوا يدرجون الأشاعرة ضمن أهل السنة. الذي سيحدث إذا كان لدي الحاجة.. أهم شيء الذي قام به والتنبيه، مع قلت التيار الماركسي جوش.. التنبيه الذي تم هو… أنا سأقول إحدى العبارات الماركسية القديمة جدًا وهي لماو تسي تونج، التناقضات الأساسية والتناقضات الثانوية. التناقض الأساسي في الفكر الإسلامي في ثقافتنا العربية الإسلامية، لم يكن بين المعتزلة وأهل السنة إطلاقًا، قضية الاختيار والجبر هذا أمر بسيط. التناقض الأساسي الكبير هو الذي كان بين المعتزلة وأهل السنة بمكونهم جميعًا، والنقيض المطلق لهم هم الشيعة الباطنية. فهذا التنبيه قال إن التناقضات بين المعتزلة مهما بلغت من حدتها وبين الأشاعرة تناقضات باللغة القديمة، القاموس القديم، تناقضات ثانوية، بينما التناقض الأساسي المركزي هو بين هؤلاء الناس وبين الشيعة. ليس مطلق الشيعة، لأن الشيعة ثلاثة أصناف: الزيدية والإمامية والباطنية. أنا أقصد الباطنية الإسماعيلية، تلك من التفريعات. هذا… تلك (عبارة فرنسية) للتدقيق. ليست مقالات بل محاضرات ألقيت في “الكولدج دي فرانس” بالتقليد الفرنسي. “الكولدج دي فرانس” هو أن المفكر الأستاذ الكبير بعدما يكون قد وصل إلى إحدى المراتب يلقي على العموم تلك المحاضرات. فهذا التنبيه لباطن الصراع الحقيقي بين الشيعة الباطنية وبين أهل السنة هو هذا التنبيه. تنبيه آخر: عبد الرحمن البدوي لديه نص قديم ترجمة (جولد زيهار) يقول: موقف أهل السنة إزاء علوم الأوائل، كان نادر أحد التصنيف، ومضينا معه مدة طويلة. أننا نعتبر أن أهل السنة لديهم موقف سلبي من علوم الأوائل، مثل اليونانيين ويرفضونهم. الحقيقة هي لا! وسأعطيك مثالين إذا سمحت لي: المثال الأول والقوي هو الغزالي، الذي يرى الجيل من تلاميذه والقادم بعدهم هو الماوردي. والمثال الثاني الذي نتحدث عنه. الغزالي في كتابه “تهافت الفلاسفة” وحملته على ابن رشد لم تكن ضد ابن رشد؛ كانت حملته ضد خصومه الحقيقيين وخصوم حاميه وناصره الذي هو نظام الملك، الذي كان مع الشيعة الباطنية. حيث إن الفلسفة والنتاج الفلسفي في بعض مستوياته أمد الباطنية بأسلحة لمهاجمة الفلاسفة. لكن عندما تقرأ الغزالي في “مقاصد الفلاسفة”.

ياسين: هو فيلسوف على فكرة.

سعيد: وعندما تقرأ في “ميزان العمل”، وعندما تقرأ في “النظرات”، الصدق مع الذات الذي هو في “المنقذ من الضلال”. الغزالي ليس فقط فيلسوف. أنا عندي هو فيلسوف أصيل، وما زلنا لا نعرفه كتخصص الذي تعرف. لكن المشكلة الغزالي أنه في ثقافتنا العربية الإسلامية كلها، الغزالي (عبارة فرنسية) في المرحلة التي تلاقت فيها عدة تيارات متناقضة. فالتناقض ليس منه، بل من الواقع الذي كان يعيشه. الغزالي مثلاً كتاباته في علم الكلام فيها من التناقضات العجيبة والغريبة، من “إلجام العوام عن علم الكلام” و”المضنون به على غير أهله”. حتى كتابه في “المقاصد على علم الكلام”، فيلسوف حقيقي يتحدث بهذه الكيفية.

الماوردي يتحدث في النص الآخر الذي قلت: من غير “الأحكام السلطانية”، و”أدب الدنيا والدين”. انظر إلى عنوانه، وهو فقيه وكان يُلقب بأنه إمام المذهب الشافعي في زمنه وقاضي القضاة. إذا طلبت من فقيه، قلت له: “لدي كلام الله، ولدي الأحاديث النبوية، ولدي التوراة، ولدي مقال اليونان ومقال الرومان”. يعني هل ترتبهم منطقياً في دماغك؟ سيقول: قال الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم، ورد في الآثار، جاءت الحكمة”. إلا الماوردي في “أدب الدنيا والدين”. عندما يتحدث مثلاً عن العلم، يقول: “قال الله تعالى، قال أرسطو، قال صلى الله عليه وسلم”. يفكر بدلالات الموضوع، يعني على حسب القضية الأرسطية والإسلامية. الترتيب بالرتبة أو بالشرف؟ لا! يكون على حساب الحقيقة التي… يعني لم يكن يتحرى..

ياسين: وحتى العرف كان لديه ذو قيمة.

سعيد: هو خرج عن العرف في ذلك الكتاب.

ياسين: كان مثلاً من غير النصوص..

سعيد: نعم! كتبه ثقيلة.

ياسين: كان يتعامل مع المجتمع وأعراف المجتمع ويأخذها بعين الاعتبار وكذا… يعني كان فكره حياً متحركاً…

سعيد: يعني بالنسبة لمعاصريه وأكثر من معاصريه المتأخرين، وما أكثرهم، كان يتم هذه المنهج المعاصر لدينا في ثقافتنا، كما ولد في القرن التاسع عشر، بن يوسف أو القرويين أو غيره. “أدب الدنيا والدين” بتقزز كيف يسمح لنفسه يقول يريد أرسطو ويريد الحاكم الروماني قبل من الحديث النبوي. فإنه يرتب بالمرتبة أو بدلالة الموضوع. يعني هنا… هذا الرجوع في الفكر كان في سياق ثقافتنا العربية الإسلامية. ولم يحدث هذا الانفتاح لم نكن سنخرجه. هذه تبقى على قوله تعالى في سورة الرعد: “فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ”. لم نكن نعرف ما ينفع الناس. كنا وراء الزبد فقط، غير الكلام الذي لا طائل له. هذا الرجاء الذي حدث… هذه المجموعة التي كانت… الاستشراق، ولكن نتحدث عنها في عصرها الزاهي، عندما كان المستشرقون علماء يعرفون اللغة العربية معرفة جيدة، ويعرفون النصوص الإسلامية في مضامينها الأصلية، ولا يمكن أن يقال عنه أنه مستشرق. حتى يجب أن يذهب ويتعلم لغة شرقية. لا نتحدث عن أنه يعرف عدة لغات: الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية وكل هذه. لكن يتلقى… وبالتالي يقول لك: أنا أعرف الفارسية والتركية فقط، وهذا مبالغ محدود. الأوردية مثلاً لا يعرفها، أهل البنغال لا يعرفها… هذه الأشياء.

 

إنجاز سورديل

ياسين: تمامًا. ونحن نريد أن نبقى مع أحد الرعيل من المستشرقين، لأننا سبق وخصصنا أيضًا حلقات لهؤلاء المستشرقين الجدد المتهافتين الذين يكتفون بأبحاث بسيطة حول بعض حركات الإسلام السياسي لكي يقدموا أنفسهم عارفين بالإسلام. هؤلاء لا نحكي عنهم الآن. نحن نريد أن نبقى مع هؤلاء، وأريد أن أعود بك إلى سورديل وإلى ما كتبه عن سياسة الخليفة المأمون، والتي وجدت إنجازه الفكري إنجازًا مهمًا. كيف ذلك؟

سعيد: انظر! لأنه لم يكن يمكنني أن أفصل دومينيك سورديل كمؤرخ عن كلود كاهين ولا عن ذلك التقليد. هذا التقليد الذي كان في هذا الأمر. نظر إلى حركة المأمون بأطرافها بمقاربة جديدة. لأنك انظر كتبنا القدامى كيف تتحدث عن المأمون، تتحدث عن حلم المأمون، كأنه نعس وحلم بشيء من النعمة والقمارة والضعف… والحكاية..

ياسين: بيت الحكمة.

سعيد: بيت الحكمة والترجمة. لا! أدخلها في إطار الصراع بين المد الباطني الذي يسعى للإطاحة بالخلافة العباسية، وتلك الدولة العباسية وتشبثها بالعقل. إنقاذ… إنقاذ لها، وتشبثها بمنظور للإسلام مختلف، يعني مغاير. نشأ مع هؤلاء الناس ذلك التقليد لم يكن خوفا من العقل، وتوظيف العقل للخروج بكامل البساطة تجاه الآخر، يعتبرون العقل يربطونه باليونان، ويربطونه بالمعتزلة، ويربطونه بسوء الظن وسوء النية مع الإسلام، ومع الدين الإسلامي ومع الحضارة الإسلامية. من ثم تلك العبارة، وكانت مريحة، ومن ضمنها العلوم الأوائل باعتبارهم نقيض وضد لنا نحن… نحن المسلمين. فهذا التقليد… هذا التقليد كله، وهذا التقليد الذي يراه نشأ مرتبط بفرنسا وفي الغرب كله بنشأة التاريخ، مدرسة الحوليات، المعرفة التاريخانية، النقد التاريخي، فلسفة التاريخ. من أبسط الأشياء الشهادة المقصودة والشهادة غير المقصودة. لحسن الحظ أن بحال هذه المجموعة من هؤلاء المؤرخين، أعطتنا مؤرخين عرب ولكن قلة. أنا متأسف عليهم جدًا. ربما من الأقوال التي كانت في هذه الفترة وفي هذه المجموعة، هذا هو عبد العزيز الدوري. هذا رجل عالم، وكتابه الذي تقرأه عن الاتصال هو أطروحته الكبيرة في القرن الرابع للهجرة، القرن الرابع لماذا؟ لأنه كان يعتبر عصرا مرجعيا كبيرا هو “النظم الفنية في القرن الثامن عشر”، في القرن الرابع للهجرة، الكتاب ذو أهمية، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع يعتبره هو العصر المرجعي. فهو ولّد هذه الجرأة ليطوي على أبواب الاقتصاد السياسي للتجارة، ويرى ما هي المنطقة الخاصة بها. واحتكم لأول مرة… كنا ننساها في ثقافتنا العربية الإسلامية. ليس كل شيء كان ضمن بن يوسف أو القرويين. حتى العشرينات والثلاثينات بقت تعرف كتاب “الخراج” لأبي يوسف أو يقول به. لم يعودوا يعرفون تلك الكتب ولا تهمهم. ولأن الثقافة للملخصات التي هي الحواشي والمتعلقات والتعليقات على الحواشي، قراءة المثل الكبرى والنصوص إشاعات. يعني لولاها هذه الحركة الكبيرة، لما كان هذا. وأخشى الآن ما أخشاه أنه مع هذه، بين مزدوجتين، التي تعتبر حركات إسلام سياسي أو هذا العنف أو هذا التطرف. سيكون ذاك الموقف تبسيطيًا جدًا، لأخذ هذا صحيح وهذا خطأ، والآخر الذي صحيح هو طبعًا قليل وهو أقول به، والآخر كله ألقي به إلى المزابل.

بينما الثقافة العربية الإسلامية، ما أحسبه في رأيي المتواضع أنه الإسلام، ليس فيه من هذه القضية كلها. فيه أخذ الأمور بمأخذها البسيط بالقول، أنا ربما سياسيًا في عمق الإسلام أنه يقر التعدد، عكس ما يقوله كثير من الناس. أنا دائمًا أقف عند الآية من سورة هود: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ”. “وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ”، وكيف تنسى هذه الآية؟ “وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ”. خلقنا لكي نكون مختلفين! لكي نكون أصواتًا متعددة. حركة الإقصاء والتطرف دائمًا تتغير، إذا كان عفوًا… سأختم هذا القوس: ربما عند هذه المجموعة من هذه الاستشراق في المرحلة الزاهية. بالضبط، نبهونا للقيمة الحقيقية عمليًا لهذا التعدد، والتارة الموجودة في التعدد.

 

الجانب السلبي للاستشراق

ياسين: تمامًا، ومعهم عدنا إلى فترة المأمون التي نتحدث عنها الآن باعتبارها حقيقة لحظة قوة في تاريخنا العربي الإسلامي، بما هي لحظة تعدد. وعدنا إلى اللحظة الأندلسية باعتبارها لحظة قوة في تاريخنا العربي الإسلامي، لأنها أيضًا لحظة تعدد. إذن فعلًا، لهذا خُلق الإنسان، ولهذا جاء الدين، لكي يُكرس هذه التعدد. إنما هذا هو الجانب الإيجابي فيما يتعلق بدرس المستشرقين، ويعني النظرة الإيجابية التي أخذناها منهم ومحن نراجع تراثنا الفكري والديني. ولكن بالمقابل، مع ذلك، نحن بدأنا أخذنا في النقد المزدوج.

سعيد: نعم، هو الجانب السلبي، الجانب…

ياسين: الجانب الإيجابي لا يجب أن، أيضًا، يعمينا عن الاستغلال الأيديولوجي أحيانًا للاستشراق. وأفكر مثلًا فيمن يقول بأن عددًا من المستشرقين، وهم يدرسون نظام الحكم عند العرب والمسلمين، بغاية الكشف عن الخلفيات العقدية التي يخضعون بها لأولي الأمر منهم، كان هدف غالبيتهم هو الخلوص إلى أن شعوبنا محكومة بخلفيات لاهوتية دينية، خلافة وإمامة. وهذا ربما ما يسوغ احتلال هذه البلدان، بغاية حكمها حكمًا حديثًا، يُحضِّرها ويُهيّئها للمستقبل.

سعيد: انظر، هذه الكلام إذا أخذناه على ظاهره، كلام صحيح. لا يمكن أن نفصل بين صعود القوى الإمبريالية وبين هذه الحركة الاستعمارية، والاستعمار من الناحية الأيديولوجية. وتلك الحركة الإمبريالية، بدأت في القرن التاسع عشر، كانوا يقولون بالفرنسية (مصطلح فرنسي): نحن حملة، يعني مسؤولون بمهمة تحضيرية، نقوم بعمل تحضيري، نقل من الهمجية هذا…

ياسين: الحضارة، التحضر.

سعيد: هذا أكيد، وهذا الجانب هذا سيجعلهم، الكثير منهم، يكذبون، ولا يسلطون الأضواء على الفكر الاعتزالي، وعلى الفكر الأشعري. الفكر الأشعري سُرِق، وهو بقي… الآن مثل الماوردي ومثل هذه المجموعة من ابن خلدون. لكن تأثيراته على فكر توجيهي تواكلي، يرجع. هذا صحيح. ولكن ما ليس صحيحًا، وهنا ثانيا الكتابة الأيديولوجية لدينا الإسلامية المضادة، أنه سيربط هذه الأيديولوجية بالتبشير. ارتبطت بالتبشير، وبالمهام التبشيرية. ليس تقليلًا منا، لكن ارتبطت بالاستعمار، هذا أكيد.

الأكثر أهمية من هذا، وصعب علينا أن لا نعتبرها أسطورة أو خرافة، ولكن ربما نحن الذين لم نهتم قليلًا بالموضوع. لقد أحدثت رجة كبيرة، وضجة كبيرة في الوعي: إدوارد سعيد، بكتابه “في الاستشراق”، وكلنا كنا نتحدث عنه. وهو كتاب ضخم، ليس صغيرًا، كما تعرف جانب من الجوانب فيه. لكنه وضع اليد على نقطة خاطئة، وهي فكرة “تشريق الشرق”. ماذا يعني تشريق الشرق؟ هي التي تفضلت بها في بداية حديثك، حول الآخر، أو مع اللغة…

ياسين: الغير.

سعيد: الغير. هو رسم للذات الصورة لذلك الغير، لذلك الغير المخالف. فهنا، القوة الاستعمارية رسمت لذلك الشرق صورة وعي مغلوط، صورة غير حقيقية. رسمت للشرق صورة من الوهم، وهو أن الشرق هو السحر في ألف ليلة وليلة، وهو العالم للجواري، وهو العالم للغيب، والإنسان الذي يمضي في طريقه يلقى كنز، أو البحر يطلع كنز، واحد العفريت مكتوم.

ياسين: وتقريبًا، ذلك الغير الذي هو ليس أنا، هو الفسق.

سعيد: هو الفسق، وهو المجون، وهو ذلك السحر.

ياسين: والخداع، والغبرة في مقاليد الأمور.

سعيد: تمثال الفرشاة. ومادام قلت الفرشاة، دخلت في المادة للرسم، حتى عند الرسامين الكبار، وحتى غير الكبار، تُستدعى صورة ذلك الشرق، الذي فيها ذلك العبق لكل ما هو غريب. انظر مونتسكيو، المفكر الكبير والرائع جدًا، ومؤلف “روح القوانين”، عنده كتاب اسمه “الرسائل الفارسية”، ذلك الفارسي في باريس، والصورة التي كان يرسمها. انظر عند مونتسكيو، وعند معاصريه، من الموسوعيين كلهم. المسلم عنده كلمتان، لا يقولون المسلم إلا نادرًا، إما يقولون كلمة “لو ترك”، ومن ثم العبارة الفرنسية (مصطلح فرنسي)، الصورة للتركي…

ياسين: قوي كتركي.

سعيد: مثلًا، في “اعترافات جان جاك روسو”، حتى يمكن أن يكون كمغتصب ومعتد. أو النص، أو الكلمة التي تستخدمها أكثر استخفاف بالإسلام، وهي كلمة (عبارة فرنسية)، “أتباع محمد”. ويبدأ التحريف حتى في الاسم (عبارة فرنسية).

ياسين: لأنهم أيضًا يأخذونها من أن المسيحيين يتبعون المسيح.

سعيد: يتبعون المسيح.

ياسين: على دين المسيح، “المحمديون” على دين محمد.

 

قوة إدوراد سعيد

سعيد: ويعتبرون أن المسلمين، ماذا فعل محمد؟ أنه حرّف المسيحية خدمةً لأغراضه. هنا، هذا الغرض، وليس كل شيء، مع الوعي لعصر الأنوار، فولتير نفسه، كان لديه هذا وأكثر، وهذه الصورة له، بين “كانديد”، والصورة التي كان يرسمها لمحمد، والمادة الجميلة له للتطرف في (عبارة فرنسية)، “القاموس الفلسفي”، في هذه التناقض. إذن، نرجع للفكرة القوية لإدوارد سعيد، هي “تشريق الشرق”، هي رسم صورة واحدة للشرق، وما هو الغرض منها؟ منها تخدم خدمة سيكولوجية: أنا أرسم للغرب صورة النقيض. وهذا النقيض لا ينتهي، النقيض في كل شيء. ولكن، الآلة الجهنمية الاستعمارية تريد أن تستعمر. والقوة والجمال لإدوارد سعيد هي أنه عرف كيف يمضي بها حتى لزمان برنارد لويس، وكيف كان الناقد له في الحوارات التلفازية، كما تعلم، وفي مداخلاته، في كل شيء. ونقيضه هو برنارد لويس، وكيف يدير التماهي بين أنه الفلسطيني الذي ذهب في بداياته، أقل من عشر سنوات أو شيء من هذا القبيل، لكي تنتقل أسرته من القدس إلى القاهرة، ثم إلى أمريكا. كيف كان الوعي المغلوط، وكيف بدأت هذه الصورة تصب في خدمة (عبارة فرنسية) الجدد، وفي خدمة الصهيونية. هذه الفكرة لتشويه الشرق، هي التي كانت… وبين قوسين، هذا من الناحية السيكولوجية، أنا أرى منحة طبيعية بشرية. أنا دائمًا أقول كلمة، يمكن أن تعمل، يعني بعض الخصومات، وهي: عن كاتب الإسلاميين، يمكن أن أتكلم أنا عن نوع من التغريب، وهي رسم صورة واحدة للغرب. دائمًا يقول لك: الغرب هو الدعارة، والفساد، والتفسق، والإلحاد، وغير ذلك. أو كلمة “العلمانية” اليوم، ليس لديها ذلك البعد المحايد، وهي كلمة نستعير عبارة من نجيب محفوظ: “كلمة سيئة السمعة”. على ذكر “بيت سيء السمعة”. الكلمة المحايدة والقوية التي يجب أن نستخدمها، وأنا أدافع عن هذه النقطة، هي “اللايكية”، لأن “العلمانية” أسأنا استعمالها وفي غير محلها. إذن…

ياسين: هي ترجمة سيئة، أولًا.

سعيد: نعم.

ياسين: ترجمة سيئة وفاشلة.

سعيد: ترجمة سيئة، ويعني (مصطلح إنجليزي) بالإنجليزية، أو (مصطلح فرنسي). وحتى، في قطعة، يريد أن يقول لك “علمانية”، و”علمان”، هذا كلام فارغ. الكلمة القوية، التي فيها معناها المحايد، هي “اللايكية”، مثلًا. في انتظار أن نجد كلمة جيدة، فدعني لا أخرج عن الموضوع. أن القوة، وتستحق منا وقفة كبيرة جدًا، التي قام بها إدوارد سعيد. وربما القوية، في أنها لم تكن مكشوفة عليها في النصوص لفكر الفلسفة. القوة له، نكشف عليها في مجالين اثنين. مجال يعرفه بعض الناس عن إدوارد سعيد، وهو للروايات وهكذا. ولكن، كثيرا من الناس ينسون أن إدوارد سعيد كان لديه دور أوركسترا، لديه ثقافة موسيقية رهيبة جدًا. فيأخذ دورا في الأوبرات الكبيرة، يكشف عن عمق في تلك اللحظات…

ياسين: تمامًا تمامًا، هو قوته أنه مفكر، قوته أنه ناقد أدبي أيضًا، ولهذا على النصوص. ونحن نعرف تمثلات تُصنع في النصوص الأدبية، وتُصنع في الفنون. لاحظ معي، كيف أنه حتى الصور، مثلًا حينما اشتغل على اللوحات، وقد نعود لهذا الموضوع معك، كيف أن مجموعة من الفنانين، من منتجي الفن الاستشراقي في أوروبا، كانوا يحضرون موديلات من باريس، من مدنهن، ويجلبونهن ويُلبسونهن شرقيات، ويضعونهن، وهن لم تطأ أقدامهن الشرق نهائيًا.

سعيد: تمامًا.

ياسين: ولكن، فكرة الشرق، والصورة التي لديهم حول الشرق، صاروا ينتجونها ويديرونها.

سعيد: ولاحظ العبارة التي كانت لدينا قوية بالعربية، ذلك عبق الشرق، (عبارة فرنسية)، ذلك…

ياسين: تمامًا، عبق الشرق.

سعيد: عبق الشرق هذا، (مصطلح فرنسي)، ريح…

 

نقل البحث الفلسفي إلى العلوم الشرعية

ياسين: هم عن بعد، أخذوه، وملك شغافهم ذلك العبق. أنا، في الحقيقة، أخشى أن أذهب معك في الاستطرادات، ويشغلني ذلك عن الجوهر. وجوهر الحلقة هو أنني أحاور باحثا مغربيا نقل البحث الفلسفي العربي إلى حقل العلوم الشرعية، من فقه، وأصول فقه، وتفسير، وفقه نوازل. أريد أن أسألك، دكتور بنسعيد، كيف تناولت الدراسات الاستشراقية التقليدية هذه المباحث؟ وما الباعث، برأيك، على دراستها بالنسبة للمستشرقين؟

سعيد: الباعث على دراستها بالنسبة لهؤلاء المستشرقين.. المستشرقون أصناف وأنواع. إذا كنا نقول “مستشرق”، أنا سأبدأ من القوس، يعني كلمة المستشرقين إذا حل نشوف كيف ينطبق عليه مستشرق. فيهم من الرحالين، وفيهم المكتشفون، وفيهم رجال العسكر. المثال الخاص بالمغرب، أو الخاص ببريطانيا.

ياسين: غير هنا، العلوم الشرعية تُشًطّ.

سعيد: لا، هؤلاء المستشرقون الذين عملوا بالعلوم الشرعية، طبيعة الموضوع اضطرتهم أنهم يذهبون ويقرأون بالطريقة تلك المدرسة، التي لُقِّنتْهُ العصا، تلك المدرسة الفيلولوجية، وهذه قراءات نص الكتاب المقدس، والمدمجة بين الترجمة العبرية القديمة، واللاتينية، واليونانية. يعني، تعلموا هذه الأشياء. تعلموا لغات، وبعض الفقه، والذين عندهم ثقافة فقهية.

ياسين: هذا هو. الفكرة هي أنني أردت أن أجرّ إلى هذه المنطقة، العلوم الشرعية، كيف يعملون فيها، وكيف يمكننا، بها، أن نجدد رؤيتنا إلى اليوم. ومن هنا، دخول الفلسفة، والمقاربة الفلسفية التي بالنسبة لك…

سعيد: هم ذهبوا فيما ذهب بهم التقليد العلمي، وهي البحث عن الأشياء، وعن الموضوعات في مضامينها الرئيسية. عندما أرادوا أن يتحدثوا، مثلاً، وقت أن تحدثوا عن الشافعي، فهم رجعوا، ليس “للأم”، رجعوا للأقل: كتاب “الرسالة”، وقرؤوا كتاب “الرسالة”. عندما أرادوا أن يتحدثوا عن أبي حنيفة، رجعوا إلى كتاب، وهو ليس بالكتاب الضخم، وهو كتاب “الفقه الأكبر”، وقرؤوا تلك النصوص. هي تكوين، بطبيعته، يحمل حملا على الرجوع إلى النصوص الأصلية. من لم يرجع إلى النصوص الأصلية، وإلى المصادر الأولى، لا يُعتدّ بعلمه. يعني الاكتفاء بالشروح، وبالتلخيصات، وهذا، ليس في مكونات تلك الثقافة.

أنا بالنسبة لي، هذه المسألة المنهجية، والتكوين فيها، تكوين جوهري. فرق كبير، بين… نستبعد هذا الموضوع… بين صورة القرويين في القرن التاسع عشر، وفي النصف الثاني منه.

ياسين: جامعة القرويين.

سعيد: جامعة القرويين، كمكان للعلم، وللتدريس، وبين المدارس الكبرى في فرنسا، وفي بريطانيا، في ذلك الوقت. وصلت القرويين، في نهاية القرن التاسع عشر، إلى حال من التردي. يكفيك أن أذكر فيه أن العلوم المسماة بالشرعية أخذت تتقلص تتقلص، إلى درجة ما لا يُقصد قد يُفاجئ ويُفاجأ به كثير من الناس: أن التفسير، تفسير القرآن، أصبح من الممنوعات. لم يكن تفسير القرآن الكريم في القرن التاسع عشر يُدرَّس في القرويين؛ لأنه انتشرت خرافة تقول بأن دراسة تفسير القرآن الكريم لها تأثير على حياة الملك. فنعم، هذه خرافة، هكذا وهذاك! فكان الناس يفرون بدراسة التفسير إلى البيوت وإلى المجاميع الخاصة، يدرسون بها. يمكن أن أذكر مرجعًا “مويس صارن” لصورة القرويين بالصورة التي هي عليها. لا أتحدث عن نفسي، أتحدث عن مرجع ثمين. والآن أصبح ميسَّرًا بالعربية، وإن كنت لا تعرف قيمة الترجمة العربية بيني وبينك، وهو (عبارة فرنسية) لعبد الله العروي. تجد أن تلك الصورة للقرويين، والصورة للقرويين للظهير البربري في 1930، لا نجد نواة المد الذي غالب عليها ثقافة محدودة. علماؤنا لم يكونوا يجهلون المذاهب الفقهية غير المالكية. حتى المالكية كانوا يحبسونها في “خليل” وفي مدرسته الصغيرة. مدرسة صغيرة، والقول المشهود: “إنما نحن خليليون، إن اهتدى خليل اهتدينا، وإن ضل ضللنا”. فما بالك بالمعرفة للاعتزال، المعرفة بالفكر الشيعي وغير ذلك؟ في هذا الوقت الذي كانت فيه القرويين، ودورنا على الذين تخرجوا من العلماء: من لم يبذل مجهودًا شخصيًا، هذا هو الذي كان.. الجامعة الغربية في إسبانيا، في إيطاليا، في فرنسا، في بريطانيا… غير ذلك، كان المتخرجون ليسوا يساريين، ليسوا ماركسيين، ليسوا أصحاب فكر نقدي كبير، ولكن كان لديهم تقاليد علمية للنقد. دراسة النص التاريخي، التحليل الفيلولوجي، أخذ التاريخ، الأخذ بالجغرافيا… نوع من المقارنة. هذا هو عمق الأشياء، أستاذ ياسين.

 

الإسلام الشعبي والإسلام الرسمي

ياسين: عجيب! غير في هذه اللحظة، وفي هذا… يعني في هذا… مع هذا الضمور المعرفي… يعني مؤسسة علمية مثلاً مرموقة كالقرويين في المغرب وغيرها من المؤسسات، أكاديمية بين قوسين تقليدية. كان لدينا وضع مستشرقين يحاولون أن يفهموا الإسلام كدين، ويكتشفون أنهم أمام دينين بدل دين واحد. يجدون مثلاً دينًا رسميًا، بين قوسين، يُدرَّس ولكن بطرق جد تقليدية، ويجدون أنفسهم أمام إسلام آخر شعبي طاغٍ قوي. فبدأوا يُصنّفون الإسلام ويبحثون عنه، ولكن في اتجاهين: الاتجاه الرسمي والاتجاه الشعبي.

سعيد: وهنا ستبدأ حركة جديدة وحكاية جديدة، مسألة الإسلام الشعبي والإسلام الرسمي، وإسلام المدن وإسلام البوادي. هذا مفهوم كُله مرتبط بالدراسات الاستعمارية المغربية، التي كان لديها وعي تعرف ماذا تريد أن تقول به، مرتبطة بحركة الفصل بين مكونين: أمازيغي وعربي. الفصل بين هذا.. توجه استعماري المقصود، وكان لديه رجالات ولديه أهله. ولكن كانوا العلماء، علماء لكي… الذين يرتفعون فوق هذه التقسيمات ولا يقبلونها. مثلاً لوي مارسينون لم يكن يُقيم اعتبارًا لكلام مثل هذا. دراسته على الحلاج مثلًا لم تذهب مع هذه الحكايات الأسطورية للإسلام الشعبي والإسلام الرسمي. لا! بين معتقدات العوام والعلماء، خاصة وعامة، الذي هو تمييز إسلامي على أساس المعرفة وانعدام المعرفة. هنا مدار كبير من الاستشراق. بدأ يحدث هذا الصراع بين مستشرقين، وبين علماء في هذه الطريقة التي نتحدث عنها، القادمة إلى المغرب. إيميل لاوست، الذي هو أبو إرينيه لاوست، يشتغل باللغة، وعمل قاموسًا فيها، ولكنه أتى بالتقاليد الجامعية. ولكن معه… معه سيكون دارسون آخرون الذين سيدرسون في التقليد الفرنسي الاستعماري، الذي هو البعثة العلمية في المغرب، والتي هي المعهد الذي سينشأ. لا يتسع الوقت لنقول فيه الذي هو “معهد الدراسات المغربية العليا” الذي سيكون كلية الآداب لاحقًا، يؤتى بالضباط والعلماء، بينهم مزدوجتين. تقليد نابليون الذي ذهب إلى غزو مصر بمجموعة من العلماء. معرفة المجال المغربي بغية… بغية إتقان استعماره. هنا سيبدأ الانحراف والتوجه بين المستشرق وبين الخبير. أنا عندي هذا فرق كبير. هذه المجموعة الذين يشتغلون بالحركات الإسلامية المعاصرة: جاك لبيل وميلفيون… 

ياسين: هذا موضوع آخر. 

سعيد: أوليفير واو… 

 

تهيئة المغرب للاستعمار

ياسين: أنا أردت أن أبقى مع هذه المقاربة الاستشراقية، خصوصًا الاستشراق الفرنسي الذي اشتغلت عليه. كيف حاول مثلًا أن يميز بين العرب والأمازيغ، وحاول أن يتحدث عن إسلام رسمي وآخر شعبي في باطنه الكثير من المعتقدات الوثنية. في نفس الوقت، حاول أن يقدم العديد من الأبحاث. يعني لم يفكر فقط في “المغرب المجهول”، وإنما في أعمال أخرى حاولت أن تقدم المغرب على أنه ليس دولة ولم يكن دولة، وتقدم أهل البلد على أنهم لا يشكلون أمة، وتتحدث على أنه ليس هناك شعور وطني جامع وموحد. وأنت تحدثت بالتفصيل في الموضوع، وقلت بأنه كان المغرب بالنسبة له مجرد قبائل ومخزن. وإلا… ألا تحس بأن كل هذا المجهود المعرفي كان القصد منه ربما هو تهيئة هذا البلد لكي يستعمر؟ 

سعيد: تهيئة هذا البلد لكي يستعمر. مع ذلك ينبغي الانتباه إلى نقطة، كان المهندس الأكبر للاستعمار الذي هو إيبير ليوتيه يحرص عليها، وهو أن في المغرب بالفعل مخزن وقبائل. ولكن البنية المغربية العميقة قضت بأن الدولة المجسدة في المخزن عميقة جدًا، وأنها عربية ولكن تحكمها الأمازيغ. وحدة الكيفية، ووحدة أسلوب، وحدة بأسلوب معين. استعمر أنا ليوتيه واتجاهي المغرب كان في ذلك الوقت صراع بين مدرستين: بين مدرسة القبيلة ومدرسة المخزن. هل أنفذ للمغرب عن طريق القبائل؟ إما عن طريق المنزع الأمازيغي، أم عن طريق تدجين المخزن؟ الذي تكلم فيه… الجناح الذي كانت له الغلبة في نهاية الأمر هو الرهان على المخزن، باعتباره يمثل دولة، ودولة عميقة ولها جذور. ومن ثم النص الشهير لليوتيه الذي لا يمكن السكوت عنه: “في الوقت الذي وجدنا فيه في الجزائر شتيتًا من القبائل والجماعات، وجدنا هنا في المغرب دولتين وعرشين، لها تقاليد ولها بنية تمتد عدة قرون”. ولكن أراد أن يزكي نارا هي من البداية هي نار الفرقة بين عرب وأمازيغ.

ياسين: ظهير البربري يأتي في هذا السياق. 

سعيد: هذا هو! ظهير البربري لم يأت بين يوم وليلة، ولم يأت بطريقة عبثية. هنا… هنا تسخير المعرفة العلمية. الدور الذي تقوم به خلال الخمسين سنة قبل ذلك “البعثة” (مصطلح فرنسي)، البعثة التعليمية في المغرب لخدمة هدف… هدف استعماري واضح. ولكن ما كل المستشرقين نهلوا من هذا المنبع. بدأت تفترق سبل…

ياسين: ونحن قيمة هذا الحوار هو أننا نعرف كيف نضع كل شيء في محله. المعرفي نتوقف عنده، وننتبه له، ونطريه، وحتى نمتدحه. ولكن أيضًا الأيديولوجي ننتبه له وننبه له.

سعيد: صحيح.

ياسين: وأنا سعيد أنك دكتور سعيد بنسعيد العلوي ساهمت في… فصل المقال فيما بين المعرفة والأيديولوجيا في مجال الاستشراق من الاتصال. شكرًا جزيلًا. 

سعيد: شكرًا جزيلًا. لا أدعي لنفسي فصلت مقالًا، ولكن ربما أكون قد أسهمت قليلاً في إلقاء بعض الأضواء والتنبيه إلى هذه الظاهرة من التعدد في كل شيء، وبأن المستشرقين ليسوا مدرسة واحدة، وليسوا توجهًا واحدًا، وإنما هناك من كل… هذه الأطراف كلها موجودة. شكرًا جزيلًا. 

ياسين: شكرًا جزيلًا لك سي بنسعيد. وأنتم أعزائي عزيزاتي، إلى اللقاء.