مقدمة
عدنان: هناك من يقول: إن المستعربين تأخروا في ترجمتهم لهذه الذخيرة الأندلسية، وسبقهم مستشرقون آخرون. لماذا تأخروا أولاً في الترجمة؟ وهل استفادوا من ترجمات المستشرقين؟
العمارتي: إذا قمنا بالرجوع إلى الوراء قليلاً ما، حينما تم طرد المسلمين من الأندلس، قامت إسبانيا بتأسيس دولتها، الأمة الإسبانية، على حساب طرد الدم الآخر، الدم المسلم والدم اليهودي. وقامت هذه الإسبانية بنفسها بإحراق تراثها. ماذا حدث هناك؟ انتهى أمر اللغة العربية وتراثها، وغير ذلك، ودخلت إسبانيا فيما يسمى بظلامية الضمير، ظلامية الثقافة.
عدنان: حريق باب الرمل الذي تحدثتَ عنه، هذا كان بتواطؤ من الملكة، أو على الأقل غض طرف منها؟
العمارتي: إذاً، فهنا المعضلة الكبرى على أن الاستعراب الإسباني في العصر الحديث هو استعراب وافد.
الاستعراب الإسباني الحديث
عدنان: أعزائي، عزيزاتي، أهلاً وسهلاً ومرحباً. الأندلس لحظة لم تتكرر، لحظة فريدة عاشتها الإنسانية، التقى فيها المشرق والمغرب، وتبادلا خلالها أطراف المعارف وأصناف الآداب والفنون. ومع ذلك، فهذه السردية الرومانسية عكرتها الصراعات والتراجيديات، منذ فتح الأندلس حتى طرد موريسكييها. هكذا نظر الإسبان إلى الوجود العربي الإسلامي في الأندلس نظرة ارتياب واتهام ردحاً طويلاً من الزمن، قبل أن ينتبهوا إلى قيمة ما خلَّفه الأندلسيون في شبه الجزيرة الإيبيرية باعتباره ذخيرة إنسانية عظمى، وجزءاً من ذاكرة إسبانيا، وحلقة مفقودة من تاريخها.
من هنا، تنبَّه عدد من الدارسين الإسبان إلى أهمية البحث في الأندلسيات، يقيناً منهم أن الأمر لا يتعلق بتراث شرقي أو مغربي دخيل، وإنما بجزء من تاريخهم. كما أيقن هؤلاء المستعربون أن دراسة الإرث الأندلسي الذي تشكَّل خلال العصر الوسيط يمثل مرحلة فارقة، وجب التوقف عندها من أجل ربط ماضي الأندلس وتاريخها القديم بحاضر إسبانيا وعصرها الحديث. من هنا تشكَّل الاستعراب الإسباني، الذي سبق أن فتحنا كواتٍ عليه في لقاء سابق مع مستعرب إسباني، ونعود إليه اليوم لنعيد ونستزيد مع واحد من أهم المتخصصين العرب في الاستعراب الإسباني الحديث.
ضيفنا اليوم ألَّف في الموضوع عشرة كتب كاملة، ولم يؤلف في غيره، حيث صرَف كل وقته وجهده للاستعراب الإسباني. الدكتور محمد العمارتي، مرحباً وأهلاً وسهلاً بك.
العمارتي: شكراً صديقي وزميلي العزيز ياسين عدنان على هذه الاستضافة، وعلى الاستقبال البهي الذي قابلتموني به، وألف شكر مسبقاً.
الفرق بين الاستعراب والاستشراق والاستفراق
عدنان: ونحن أسعد بحضورك بيننا. وعلى عادة الأكاديميين، سنبدأ بتحديد المفاهيم والمصطلحات، الدرس الأكاديمي يبدأ بتحديد المفاهيم، ونحن سنبدأ بمفهوم الاستعراب، إنما في علاقته مع مفهوم آخر هو الاستشراق، ومفهوم آخر هو الاستفراق، أي كل ما يتعلق بالدراسات الإفريقية. كيف تتمازج هذه المفاهيم؟ وكيف يتميز مفهوم الاستعراب بينها؟
العمارتي: في البداية، لابد أن نحدد المفاهيم. في أي حقل معرفي وعلمي، يجب تحديد المفاهيم كآلية الاشتغال في مبحث من مباحث العلوم الإنسانية. فإذا ما حاولنا أن نحدد هذه المفاهيم؛ الاستشراق، والاستعراب، والاستفراق، فإننا نقول إن الاستشراق كما حدده إدوارد سعيد في كتابه الشهير، على أنه يهتم بالثقافة، وحضارة، وتراث الشرق. وهذا الشرق بمفهومه الشمولي العام ويشمل الدول الإسلامية العربية، ثم تركيا، ثم الهند، ثم اليابان. إذن الشرق بمفهومه العام الشامل. وبالتالي، المستشرق كما حدده معجم أوكسفورد، هو الذي يهتم بثقافة الشرق ويتبحر فيها. هذا الشق الأول في الاستشراق.
أما الاستعراب، فهو مفهوم يدرس، أو مجال علمي يدرس التراث العربي بشكل عام. وسأعود إلى هذا المصطلح فيما بعد.
فيما يخص الاستفراق، هذا المصطلح اسمه الاستفراق، Africanismo. هذا المصطلح واكب الحركة الاستعمارية التي جاءت إلى المغرب، إلى شمال المغرب وجنوبه، وهي حركة إسبانية بالدرجة الأولى. وهذه الحركة مهَّدت للتغلغل الإسباني داخل التراب المغربي. وقام الكثير من المستفرقين بدراسات عادات، وتقاليد، وطرق عيش سكان شمال المغرب وجنوبه، للتمهيد للتغلغل الاستعماري الإسباني في هذه المناطق المغربية.
عدنان: إذن، حتى الذين اشتغلوا على المغرب اعتُبروا مستفرقين؟
العمارتي: مستفرقين، لماذا؟
عدنان: … جزء من إفريقيا.
العمارتي: فعلاً، لماذا؟ لأن…
الاستشراق هو كوني عالمي، أما الاستفراق فهو محلي.
عدنان: قاري.
العمارتي: قاري. ونحن نقصد هنا بالاستفراق عادة في المنظومة الفكرية الإسبانية هو المغرب، بدليل على أنه كانت هناك حرب إفريقية هي حرب تطوان التي حدثت في 1860. إذن هنا، حينما نحدِّد الاستشراق والاستفراق وكذلك الاستعراب، إذن وماذا يمكن أن نسمي الحركة التي قامت في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين لدراسة التراث الأندلسي والتراث العربي بشكل عام في الأندلس؟ هل نسميها استفراقاً؟ استشراقاً؟ إذن لا يمكن. لهذا نسميها استعراباً، Arabismo. إذن، هؤلاء اختصوا بالأندلس ولم يخرجوا عن قلعة الأندلس إطلاقاً، فكان شغلهم الشاغل هو الأندلس وتراث الأندلس باعتباره تراثاً مشتركاً بين إسبانيا وبين العالم العربي. ولكن نريد أن نطرح سؤالاً هنا: هل إسبانيا لم تعرف استشراقاً؟ مادام أن هناك، نعم، أن هناك استعراباً واستفراقاً؟ إذن في إطار الإمبريالية العالمية التي تدرس أو تنطلق الآن نحو الآخر، تدرس الشعوب الأخرى التي تعيش معها، إذن هذه الحركة. إذن هل إسبانيا لا تعرف استشراقاً؟ بالعكس، إذا كنا نؤمن بهذه الحقيقة، على أن إسبانيا عرفت الاستشراق والاستعراب والاستفراق، وهي الدولة الوحيدة في أوروبا التي عرفت هذه الخطابات مجتمعة في حد ذاتها. ولهذا، نجد في سياق تاريخي واحد: نجد الاستشراق، ثم نجد الاستعراب.
على سبيل المثال، حينما نريد أن ندرس أعمال بيدرو مونتابيث، فهذا أسميه أنا في أعمالي مستشرق، وإن كان قد درس الأندلس، ولكن ليس هو الهمّ المركزي العلمي الذي يشتغل عليه. لماذا؟ لأنه اهتم…
عدنان: بالعربي، بالمشرق العربي؟
العمارتي: اهتم بأعمال نجيب محفوظ، وترجم بعض الأشعار لنزار قباني، وترجم كذلك أشعارًا لأدونيس، وبالتالي فهو احتك بثقافة الشرق أيضاً. انطلاقاً من الأنا نحو الآخر، نقول إن مونتابيث هذا مستشرق. وكذلك هناك مستشرقة أخرى هي كارمن رويث برابو، وهي ما زالت معاصرة لنا، إذن فهي مستشرقة لأنها تدرس تراث الشرق الإسلامي العربي.
ثم نعود إلى الاستفراق الذي مهد هناك على سبيل المثال سنذكر شخصية أريخنال دو رويث أورساتي. هذا كان جاسوسياً في الحملة الاستعمارية الإسبانية، وبالتالي فقد مهد ودرس وألف كتباً عن العقلية المغربية: كيف تفكر، كيف تعيش، كيف تمارس طقوسها اليومية والحضارية وغير ذلك، لتسهيل عملية الحملة الاستعمارية الإسبانية بالدرجة الأولى.
أعود إلى الاستعراب؛ الاستعراب لم تكن له أطماع استعمارية إلا القليل، استثناء، ألا وهو استثناء لا حكم عليه؛ قليل. إذن فهو كرس كل جهوده نحو دراسة الأندلس، وخصوصاً عند مدرسة بني كوديرا، فرانسيسكو كوديرا زيدين، الذي كان موريسكياً من الدرجة الأولى وكان لديه حنين إلى هذا التراث العربي الذي تركه أجداده هناك بالأندلس. ومن هناك انطلقت هذه الحركة الاستعرابية وظلت محترمة لحقلها، حقل اشتغالها العلمي بالدرجة الأولى. ولهذا نجد على سبيل المثال أثير بلاتيموس، ميغيل آسين بلاثيوس، أنخل غونثالث بالنثيا، كذلك إميليو غارثيا غوميث، دائماً كانوا يشتغلون فيما هو أندلسي إخراجاً وترجمةً وتأليفاً ودراسة.
أنواع الاستعراب
عدنان: إذن الاستعراب هنا يتميز باعتباره دراسات أندلسية أنجزها الإسبان تحت هذا المسمى. لكن دراسات أندلسية لا يهمّها ما هو خارج المدار الأندلسي والإسباني والإيبيري؟ إنما، هل هناك استعراب واحد فقط؟ لأن الظاهر أن هناك استعرابات تتعدد، ربما بتعدد دوافعها، وتتعدد أيضاً بتعدد مراحلها الزمنية. كيف يمكن أن تحدثنا عن هذا التنوع في الاستعرابات؟
العمارتي: نعم، سؤال وجيه. لماذا؟ لأننا نحن نعلم أن هناك استعراباً واحداً وكفى، لا، بالعكس. إذن هناك استعرابان: استعراب قديم واستعراب حديث. على سبيل المثال في مرحلة السيادة الإسلامية على الأندلس. كان هناك فئة مهمة من المسيحيين يسمون بالمُستَعرَبين، وأنا أشدد على المُستَعرَبين، وليس المستعرِبين، بالإسبانية “مصطلح أسباني”. المستعرَبون هؤلاء النصارى المسيحيون حافظوا على دينهم وعلى كنائسهم، كما يقول سيمونيت.
حافظوا على كنائسهم وعلى معتقداتهم، لكنهم تشبهوا بالعرب، وتعلموا اللغة العربية، وزاولوا مهامهم في ظل الدولة الإسلامية والسيادة الإسلامية آنذاك. وبالتالي، أبلوا البلاء الحسن في هذه المرحلة. وهنا، حينما نقول المستعرَبون ونقول كذلك “مصطلح أسباني”، فنحن كذلك نفرقهم بين المسيحيين في شمال شبه الجزيرة الإيبيرية، أي مسيحيي ممالك الشمال. إذن، فهؤلاء عاشوا في ظل السيادة الإسلامية، المرحلة الإسلامية بالأندلس، إذن مستعرَبين.
أما في المرحلة الحديثة، ظهرت هناك حركات استعرابية مهمة جدًا، بدءًا من كونده وكذلك بدءًا من باسكوال دي كيانجوس، وكذلك كوديرا. هؤلاء نسميهم بالمستعرِبين بكسر الراء، “مصطلح إسباني”، ويشتغلون في موضوع مهم وهو “الأرابيسمو”. ونفرقهم عن المستعربين القدماء، هؤلاء تخصصوا في الإرث الأندلسي بشكل عام، وأسسوا مدرسة مهمة جدًا في مجال إخراج ذخائر ونفائس وأعلاق التراث الأندلسي. والجميل في الأمر أنهم كان لهم هاجس مهم جدًا نحو هذا التراث، على اعتبار أن أول حركة أو أول حركة يمكن أن يقوم بها هؤلاء المستعربون هو نشر وإخراج هذا التراث الأول، بشكل عام. لماذا؟ لأنه غني، ويحاول أن يغطي مراحل مهمة من تاريخ إسبانيا في العصر الوسيط.
إذن، أعود فأقول: هناك استعرابان وليس استعراب، وبالتالي فمنظومتنا العربية تخلط بين الحقبتين. فالحقبة القديمة نسميها بالمُستَعرَبين، والحقبة الحديثة نسميها بالمُستَعرِبين. وأنا دائمًا في بعض كتاباتي أقول: الاستعراب القديم، وأقصد به داخل السيادة الإسلامية بالأندلس، والاستعراب الحديث، وهو ما بعد السيادة الإسلامية بالأندلس. ولنا تجربة في المستعربين الذين دشنوا خط الدراسات الأندلسية في العصر الحديث، أي أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلى يوم الناس هذا.
ما هو علم الاستعراب؟
عدنان: ولكن، مثلًا، حينما تتكلم عن علم الاستعراب، هل تقصد به علما بدأ في المرحلة الأولى، من الزمن الأندلسي مع المستعرَبين، أم أن علم الاستعراب لم يبدأ إلا مع الإسبان المستعرِبين؟ الاستعراب كعلم، خصوصًا أنّا نعلم بأن الحديث عن الاستعراب يقتضي بالضرورة الحديث عن الذخيرة الأندلسية التي تمت استعادتها وترجمتها والاشتغال عليها. إذن، ما هي حدود هذا العلم؟ في الزمان وفي المادة؟
العمارتي: نعم، حينما نتكلم عن الاستعراب قديمًا، كان الأفق المعرفي للمستعرَب غير واضح. وبالتالي، فكانت له أهمية أن يدرس اللغة العربية. لماذا؟ لتقلد مناصب في الدولة الإسلامية، مثل ربيع بن زيد، وريكوموندو، وغوندثالو، وهؤلاء كانوا ليس لديهم الحس العلمي المعرفي لهذا الجانب.
عدنان: كانت اللغة العربية هي لغة الخاصة ولغة البلاط.
العمارتي: لغة البلاط.
عدنان: يتعلمها لكي يتدرج في المناصب.
العمارتي: نعم، في المناصب، وبالتالي فهي توفر له فرص العمل في البلاط وفي سُدة الحكم بالدرجة الأولى. إذن هنا، الهاجس العلمي غير موجود، وبالتالي هناك أشياء أخرى براجماتية معينة في ظل المجتمع الإسلامي المتناغم بين هذه الإثنيات جميعًا. أما الآن، فهو علم قائم بذاته، فهو يشتغل في حدود معروفة، وبالتالي، فهو يحدد مجال بحثه وهو الأندلس، ولا يفكر في شيء غير الأندلس. فهو يشتغل في قلعة اسمها الأندلس، وبالتالي فهذا العلم له حدوده، وهو مجال أنه يريد أن يقوم بإخراج المكتبة الأندلسية بجميع تجلياتها وألوانها وأطيافها من شعر وتاريخ وأنثربولوجيا وأركيولوجيا، وكذلك الجماليات، وكذلك التصوف، وكذلك النصوص الفقهية والشعرية وغير ذلك.
عدنان: والفلسفية أيضًا.
العمارتي: نعم، والفلسفية عند ابن رشد.
عدنان: ابن رشد وابن طفيل.
العمارتي: وابن طفيل وابن باجة وابن ميمون وابن حزم القرطبي وغير ذلك. إذن، فهذا التوجه هو واضح وإستراتيجي عند هؤلاء المستعربين، وبالتالي فهم يحددون حدود اشتغالهم، ويسجلون.. ويقومون بتسجيل حدود اشتغالهم. وبالتالي، فهذا المجال هو مجال علم قائم بذاته عند هؤلاء المستعربين.
خطابات الاستعراب المتعارضة
عدنان: في كتابك “التراث الأندلسي وقضايا الاستعراب” أنت لم تحدد فقط هذه العناصر الأساسية التي تتفضل ببسطها في هذا اللقاء الآن، ولكن تجاوزت الحديث عن الاستعراب كمراحل وكذا إلى الاستعراب كخطابات. لكيلا أقول كخطاب، أنت تتحدث عن خطابات استعرابية مختلفة، وتميز ما بين الخطاب العدمي الرجعي الذي تعود جذوره ربما إلى مرحلة طرد المورسكيين من الأندلس، والخطاب المتعاطف، ثم الخطاب المنافح عن التراث العربي الإسلامي في الأندلس. ما الذي يحرك هذه الخطابات المتعارضة من مقاصد؟ ثم كيف تفاعلت عبر التاريخ؟
العمارتي: بطبيعة الحال، ليس هناك خطاب بريء. إذن، فالخطاب البريء غير موجود، وبالتالي فكل خطاب له مرجعية براجماتية أو جمالية أو علمية أو تاريخية وغير ذلك. وإن الخطابات التي تناولت الدراسات الإسلامية بالأندلس تختلف باختلاف تصوراتها ورؤاها ومنطلقاتها بالدرجة الأولى. على سبيل المثال، إن هناك منطلقات تنتمي إلى البعد الكنسي. فهناك بعض المفكرين المستعرِبين الإسبان مَن يدركون أن مرحلة الوجود الإسلامي بالأندلس كانت بمثابة كارثة للإسبان ولإسبانيا، وأخرّتها عن ركب الأوروبيين أو دول أوروبا الأخرى. ويتبنى هذا الرأي، وهو خابيير سيمونيت، وكذلك ألبير نوس كلوديو، سانشيز أربينيوس. هذا فكر عدمي في حد ذاته.
وهناك كذلك، في ظل هذا السياق، من ينظر على أنه لا يمكن تفسير الإبداع والابتكار والسمو في العلم إلا بفهم الدم. أي أن هذه الإبداعات لا تصدر إلا عن دم إسباني إيبييري مسيحي، وليس عربيًّا؛ لأن هناك كثيرا من الخاصيات لا يمتلكها العرب، وبالتالي يمتلكها الإسبان. وهذا كذلك يدخل في إطار الشوفينية والعدمية في حد ذاته. هذان التصوران يتأسس عليهما أبعاد أخرى، وهو أن هذا الاستعراب سار بوتيرة معينة جدًا، وهي على أن هناك فكرًا عدميًا رجعيًا يقول: إن هذه المرحلة، الثمانية قرون، كانت بالنسبة لإسبانيا كارثية، وقد أخّرتها عن الركب الحضاري لأوروبا بالدرجة الأولى. لكن هناك بالسيرورة، إذن، هذه المرحلة الأولى.
ثم تأتي مرحلة تهجير وطرد المسلمين من الأندلس، وبداية ما نسميه بطمس هذا التراث المضيء في الدولة الأندلسية آنذاك، وخصوصًا حينما قام راهب كاردينال، وهو سيسنيروس، بإحراق كتب مهمة جدًا في منطقة اسمها باب الرملة بغرناطة. لكن مع سيرورة البحث العلمي، وهذا جميل جدًا في الاستعراب، أنه يطور أدواته ويطور رؤاه وتصوراته من الأسوأ إلى الأرقى إلى الأجمل.
هناك كذلك موقف ومنطلق ليبرالي متعاطف مع هذا التراث. لماذا؟ لأنه حينما أخذ هؤلاء المستعربون الأوائل ينشرون الكتب الأندلسية، رأى هؤلاء المفكرون الإسبان أن هناك تراثًا مهمًا جدًا. هذا التراث ليس تراثًا عبئًا ثقيلاً على إسبانيا، وإنما هو مهم جدًا ينير كثيرًا من محطات مظلمة في حضارة إسبانيا في العصر الوسيط. ولهذا قام، على سبيل المثال، باسكوال دي كيانجوس بترجمة جزء من “نفح الطيب” للمقري، كذلك اعتمد على بعض النصوص للخيميادو، كذلك قام بترجمة كثير من الأعمال، وهي بسيطة إلى حد ما.
وواكب هذه المسيرة كوديرا، وأسس مدرسة اسمها بني كوديرا، وسار على هذا النمط، وهو ارتباط حميمي بين التراث الأندلسي. حتى أن هذا كوديرا كان يجمع طلبته في منزله، ويدفع لهم أجرهم من راتبه الشهري مقابل أن يخرجوا عيون التراث الأندلسي بما أسماه بالخزانة الأندلسية.
بعد ذلك، تواكبت السيرورة التاريخية للاستعراب، وظهر كذلك طلبة وتلامذة المدرسة الأولى، وأخذوا ينظرون إلى هذا التراث على أنه تراث مشترك. إذن، التراث هذا بناه المسيحي الإيبييري وبناه المسلم كذلك، هو تراث مشترك، وبالتالي ينبغي أن ننظر إليه نظرة موضوعية، لأنه تراث رافد من الروافد الأساسية للحضارة الأندلسية بإسبانيا. وبالتالي، لا يمكن فهم تاريخ ومسار تاريخ إسبانيا إلا بالرجوع إليه. أما الآن، وهذا ما ذكرته سابقًا، أن هناك سيرورة تأتي من الأرقى إلى الأرقى، أن هناك كثيرًا من الشبان المستعربين الذين يطورون بحوث الاستعراب، ولهم نظرة مهمة جدًا، ويشتغلون مع كثير من الأساتذة في الجامعات العربية، وفي الجامعات المغربية، دون عُقَد، وبدون خلفية مرجعية قدحية لهذا التراث. وبالتالي، فهذا التراث هو حقل اشتغال مشترك بين الإيبيريين وبين سكان حوض البحر الأبيض المتوسط.
بلاسيوس وابن حزم
عدنان: إذن، بدأ المدار يتوسع، ولكن بالنسبة للإيبيريين والأندلسيين، وبعض المستعربين، أنت تحدثت، دكتور العمارتي، على أن هناك نظرة موضوعية، ولكن هناك أيضًا شق عاطفي أساسي ومهم. وأفكر في آسين بلاسيوس الذي يقول بأن الاستعراب الإسباني الحديث، هو يقول والعبارة له: “حاجة عاطفية، كونها (أي: الدراسات الأندلسية) مرتبطة بتاريخنا.” أنا هذا الجانب العاطفي يهمني، أو لنقل، هذا التداخل بين الذاتي والموضوعي، يهمني في ملف الاستعراب.
العمارتي: نعم، كذلك هذا سؤال وجيه ومهم جدًا. لماذا؟ لأنا حينما ندرس الاستشراق، ندرس الموضوع بشكل بارد، ندرس الموضوع انطلاقًا من الدرس نحو الآخر. إذن، لا تحكمه روابط سيكولوجية أو وجدانية وغير ذلك. بالعكس، الاستعراب، أحببنا أم كرهنا، أن المستعرب تؤطره خلفيات وجدانية حميمية. فهو يرى الاستعراب، يرى الأندلس في حياته. فحينما يكون غرناطيًا، فهو يرى قصر الحمراء، يقرأ البيازين، ولذا فهو يعيش هذا التراث في حياته اليومية. وبالتالي، فهي تحكمه أبعاد عاطفية بالدرجة الأولى. إذن، فهذا البعد العاطفي هو الذي دفع كوديرا، فرانسيسكو كوديرا زيدين، دفعه إلى الاهتمام بهذا التراث. هو الذي دفع هذا كوديرا إلى السفر إلى الجزائر وتونس بحثًا عن المخطوطات الأندلسية. ووجد هناك في قسطنطينة في الجزائر، وجد هناك مخطوطًا لابن حيان القرطبي، صاحب كتاب المقتبس، ونقله بخط يده. وذهب إلى إسبانيا، ومرّت سنون، ثم عاد إلى الجزائر لكي يبحث عن هذه المخطوطة، فلم يجدها. وأصبحت مخطوطة كوديرا كمرجع. كذلك، حينما نرى أن ميغيل أسين بلاسيوس ينتقد رينهار دوزي في موقفه إزاء ابن حزم في طوق الحمامة.
نرى كذلك إيميليو غارثيا غوميث، فهو يحاضر في مختلف الجامعات العالمية، فهو يحاضر ويدافع عن تراثنا، عن تراث الأندلس، وباعتباره، وهو مقتنع بأن تراث الأندلس هو تراثه بالدرجة الأولى. إذن، فهنا رابط عاطفي وجداني يحكّم التصور العلمي للمستعربين. وأستحضر هنا نصوصًا جميلة جدًا، إذا تفضلت.
عدنان: طبعًا، طبعًا.
العمارتي: نعم، ويمكن بهذا الصدد أن نستشهد على هذا الجانب العاطفي الوجداني إزاء هذا التراث الأندلسي، وهو ثلاث أمثلة لدينا: لإيميليو غارثيا غوميث، وآخر لأنخل غونثالث بالنثيا، وخواكين بايبي بيرميخو. ماذا يقول غوميث؟ جميل جدًا، يقول: “لذلك فالحل الأمثل هو الذي اخترته، أي ترجمة هذا العمل”، وهو يترجم كتاب “تاريخ إسبانيا الإسلامية من الفتح إلى سقوط الخلافة القرطبية” لـ “ليفي بروفنسال”. يقول: “خاصة وأن مؤلفه بروفنسال صديق عظيم لإسبانيا، وقد وجه كل جهوده للتنقيب عن ماضينا. إذن، ماضينا. إذن، المستعرب يتعامل مع التراث الأندلسي باعتباره جزءًا لا يتجزأ من المنظومة الثقافية والحضارية لإسبانيا، ولم يكتب سطرًا واحدًا يحرج شعورنا. يقول كذلك “أنخل غونثالث بالنثيا: “وفي كل الحالات، عندما نتذكر التراث الذي أضافه الإسبان المسلمون إلى الحضارة الأوروبية، نشعر بالزهو”. هنا تدخل العاطفة، عاطفة الاعتداد، عاطفة الافتخار. نشعر بالزهو “لأن هؤلاء الذين خلفوا لنا هذه الروائع الفنية من الزجل والموشحات والنظريات الفلسفية التي تربّى عليها المفكرون الغربيون، وكتب العلم والطب التي أسهمت في أن تجعل من الحياة الإنسانية شيئًا أجمل وأفضل، والذين بلغوا القمة بالحضارة على أيامهم، وجعلوا من إسبانيا أرقى دول أوروبا ثقافة، هؤلاء كانوا أجدادنا من جنسنا، وليس عدلًا أن نجردهم من إسبانيتهم لمجرد أنهم كانوا مسلمين”.
خطاب الاستعراب غير البريء
عدنان: جميل جدًا وقوي وكل شيء، لولا أنه ينطوي على بعض المحاذير، ويكاد يكون سلاحًا ذا حدين، لأنه مثلًا، حينما تتعامل بكل هذا الارتباط العاطفي والوجداني مع التراث الأندلسي العربي الإسلامي، فأنت بالتدريج تجد نفسك تنحاز نحو موقف الرغبة في تملكه. وهذا يخلي مثلًا مجموعة من الأفكار والرؤى، وحتى الصور الشعرية التي أبدعها عرب الأندلس من مفكرين وأدباء. تحس بأن هناك من يريد -ضمن هؤلاء المستعربين- نسبها إلى التراث المسيحي والعقلية والروح الإسبانيتين. أنا أفكر هنا في بلاسيوس في قراءته لابن حزم. ألا ترى أن هذا الموقف الوجداني العاطفي، والرغبة في تملك هذا التراث، لنقل، قد دفعت بهؤلاء المستعربين إلى نوع من تأويل وتأول مفرط لتراثنا الأندلسي؟
العمارتي: نعم، إذن لا يمكن أن يكون خطابًا بريئًا. أي خطاب لا يمكن أن ينطلق إلا من…
عدنان: تتفق معي بأنه…؟
العمارتي: نعم، نعم، فعلاً، فعلاً.
عدنان: ذو حدين.؟
العمارتي: نعم، فهم ينطلقون من أن هذا التراث الأندلسي هو إسباني، نبت في بيئة إيبيرية، وأنتجه علماء إيبيريون، ولكنهم كتبوه باللغة العربية. إذن، فحينما.. ميغيل بلاثيوس حين تحدث عن ابن مسرة، فقال: إن ابن مسرة كان من أوائل الذين دشنوا الفكر الفلسفي في الغرب الإسلامي. وهذا كلام فيه نظر في حد ذاته. كذلك، حينما تحدث عن ابن حزم القرطبي، نسب له كثيرًا من الإيجابيات على اعتبار أنه إسباني كذلك، طوق الحمامة لا يمكن أن تصدر عن إنسان عربي، إنسان شبقي، إنسان مادي، وغير ذلك. إذن، هذه أشياء ربما…
عدنان: مسيحية.
العمارتي: اعتبرها مسيحية من الدرجة الأولى.
عدنان: على أساس ما يعتبر بأن الإسلام حسي.
العمارتي: مادي.
عدنان: مادي، والمسيحية عذرية.
العمارتي: وترتفع في العذرية.
عدنان: بالضبط.
العمارتي: إذن، هذا الخطاب غير بريء، وبالتالي أنا دائمًا أقول إن الاستعراب الإسباني في بعض مراحله كان يقوم بترحيل كل الإنتاج الإسلامي العربي بالأندلس، وينسبه إلى الإسبان. وهذا شيء خطير جدًا، هذه مرحلة مهمة جدًا. كذلك، حينما تحدث عن محيي الدين بن عربي، فهو كان يهتم بكثير من المفكرين، وفي عمق.. وفي قرارة كتاباته، فهو دائمًا يرجع ذلك إلى إسبانيتهم بالدرجة الأولى. إذن، فهذا الخطاب هو غير بريء في حد ذاته. لماذا؟ لأنهم معذورون، لماذا؟ لأنهم ينطلقون من موقفهم.
لا يمكن أن نحاسب إنسانًا مسيحيًا يتعامل. إذن، هو يتعامل مع هذا التراث من منظوره الخاص، من أفقه الخاص، من تصوراته الخاصة. وبالتالي، لدينا تصورات، وهم لديهم تصورات ينطلقون منها. وبالتالي، هذا بالنسبة لميغيل بلاسيوس، كذلك لإيميليو غارثيا غوميث. فهو حينما درس، على سبيل المثال، “طوق الحمامة”، اعتبر هذا لا يمكن أن يكون إلا في إطار المسيحية. حينما درس كذلك الموشحات، أرجع ذلك إلى ما نسميه بالإيقاع للموشحات، وإيقاع بعيد كل البعد عن الإيقاع الكلاسيكي التقليدي الخليلي. فهذا مستحدث في الأندلس، واعتبر أن الأزجال وكذلك الموشحات من الفنون الشعرية المستحدثة في الأندلس. صحيح أن هناك تأثيرًا عربيًا، ولكن لا يرقى إلى مستوى أن يكون عربيًا بالدرجة الأولى. إذن، فالخطاب الاستعرابي ليس خطابًا يمكن الاطمئنان إليه جملة وتفصيلًا. وهذا من حقهم، لماذا؟ لأنهم ينطلقون من رؤى ومن مواقع علمية معينة، وهذا شيء مهم جدًا في حد ذاته. وأنا آخذه من جانب آخر، فلولا هذه الغيرة، لما قام الإسبان بإخراج هذا التراث. تصور معي، أستاذ ياسين، أن الكثير من عيون التراث الأندلسي في إسبانيا وخارج إسبانيا قام هؤلاء المستعربون بالبحث عنه، والتنقيب عنه، وإخراجه، ودراسته، وترجمته، وإحداث مدارس خاصة بدراسة هذا التراث الأندلسي. وتستحضرني هناك مدرسة مهمة جدًا في تاريخ مسار الاستعراب الإسباني، وهي مدرسة الدراسات العربية بغرناطة ومدريد، التي أسسها ميغيل آسين بلاسيوس مع تلميذه إيميليو غارثيا غوميث في 1930، قبل الحرب الأهلية الإسبانية.
ابن حزم وريادة نقد الفكر الديني
عدنان: الإسبانية. عجيب. ونبقى مع بلاسيوس وابن حزم، لأنه حقيقة لم يكن بلاسيوس وحده من احتضن ابن حزم بقوة، واهتم به، خصوصًا “طوق الحمامة”. إنما ما يميز بلاسيوس ربما هو انتباهه القوي لكتاب “الفصل في الملل والأهواء والنحل” لابن حزم، حتى إنه سيتم اعتبار ابن حزم رائدًا لنقد الفكر الديني، ومؤسسًا لعلم مقارنة الأديان. أريد أن…، خصوصًا، هناك دراسة بلاسيوس الشهيرة تفضلت بترجمتها رفقة زميلك، سي محمد القاهري.
العمارتي: ومن هذا المنبر نحييه، وندعو له بالشفاء العاجل إن شاء الله.
عدنان: إن شاء الله. إذن، أردت أن أعرف قوة كتاب “الفصل”، ولماذا اهتم به بلاسيوس بالتحديد، واعتبره رائدًا في مجال نقد الفكر الديني وعلم الأديان المقارن؟
العمارتي: بالضبط، لأننا لا ننسى أن ميغيل آسين بلاسيوس كان راهبًا، وكان يمارس الطقوس الكاثوليكية المسيحية. إذن، فلم يكن باحثًا مستقلاً، وإنما انطلق من قلعة دينية. فهو يبحث عن نصوص تشبه نهمه ورغبته العلمية والدينية. فقام بدراسة كتاب “الفصل” رغبةً في البحث عن العناصر الدينية في هذا النص. وأعجب به، قال: إن ابن حزم هو أول مؤسس لعلم تاريخ الأديان، وهو الذي أسس ما نسميه بنقد الفكر الديني، وكذلك للعهدين القديم والحديث. وهذا ابن حزم، في تصور ميغيل آسين بلاسيوس، من أعظم ما أنجبته إسبانيا والعالم القديم في العصر الوسيط، تنظيرًا لنقد الفكري الديني بشكل كبير في كتابه “الفصل”. وقام بمجهود كبير جدًا لهذا، وكان من الأوائل الذين لفتوا النظر إلى المشروع العلمي لابن حزم بالدرجة الأولى، حينما قام بدراسة “الفصل” في خمسة مجلدات، وصلت هذه المجلدات إلى ألف وسبعمائة وخمسٍ وعشرين ورقة. هو شيء عظيم، ألفه ابتداءً من 1927، المجلد الأول، 1928 الثاني، 1929 الثالث، و1931 الرابع، ثم الخامس. كيف كانت طريقة اشتغال هذا ميغيل آسين بلاسيوس حول عمل “الفصل” لابن حزم؟ في الجزء الأول أو المجلد الأول، قام بدراسة كل ما يرتبط بابن حزم، درس حياته، نشأته، أصله، ودراسته، وشيوخه، وغير ذلك من المعطيات. وفي المجلد الثاني، في القسم الأول، واصل دراساته حول ابن حزم، وأشار إشارة مهمة جدًا على أن تناول ودراسات الفكر النقدي في أوروبا ظهرت متأخرة عن الأندلس، والذي طور هذا الجانب هو ابن حزم في الأندلس بالدرجة الأولى. وعلى أن الفكر الديني لم يزدهر في أوروبا، وإنما ازدهر في إسبانيا على يد ابن حزم، وبالتالي فهو يرجع له الفضل في خلق هذا المبحث المهم جدًا، وهو علم تاريخ الأديان ونقد الفكر الديني. والجميل في الأمر أن ابن حزم لم يدرس وينتقد الأديان السماوية، إنما انتقد جميع الأديان، حتى الوضعية. وهذا شيء جميل في قرطبة الإسلامية في عصر الدولة الأموية بالدرجة الأولى.
إذن، فالعمل الذي قام به ابن حزم في نقد الفكر الديني كان رائدًا قبل أن يأتي غول سهير وباروخا سبينوزا في هولندا. فهؤلاء كانوا ربما قد اطلعوا على عمل ابن حزم، وربما تأثروا به تأثرًا شديدًا بالدرجة الأولى. كذلك لا ننسى الفضل لذويه، على أننا إذا قلنا إن ابن حزم كان رائدًا في نقده للفكر الديني، فكذلك ميغيل آسين بلاسيوس قام بعمل رائد جدًا لم يُسبق في هذا المجال. وهذا العمل الذي قام به ميغيل آسين بلاسيوس كان عملاً رائدًا إلى اللحظة الراهنة الآن.
إذن، أعود فأقول إن الجزء الأول، المجلد الأول، قد درس فيه مسار حياة ابن حزم. الشق الثاني انفتح وأخذ يدرس التشكلات الدينية في أوروبا، وغير ذلك. ودائمًا يرجع الفضل والأولوية للأندلس على الذي قام به ابن حزم. في الشق الثاني من المجلد الأول، بدأ يترجم كتاب “الفصل”، في الجزء الثالث يترجم كتاب “الفصل” إلى حدود المجلد الخامس. إذن، فهو عمل ضخم جدًا.
غوميث وطوق الحمامة
عدنان: هذا هو! نحن نتحدث الآن، لاحظ أننا نتحدث عن المعرفة، هي حلقات متداخلة ومتواصلة. ودائمًا في إطار هذه الحلقات، إذا كانت الخلفية، مثلاً، الفلسفية واللاهوتية لبلاسيوس قادته إلى كتاب “الفصل”، فربما إيميلو غارثيا غوميث اهتم بـ”طوق الحمامة” وترجمه ترجمة أدبية جميلة. ودائمًا في إطار هذا، لاحظ أن جوميث اهتم بطوق الحمامة لابن حزم، وألف عنه كتابًا أو ربما أكثر من كتاب. وجئت أنت واهتممت بغوميث، وألفت عنه أكثر من كتاب. فبهذه الروح، نحن نشتغل على الاستعراب، ونقدمه ليس شيئًا هكذا مركونًا في خانة، ولكنه جزء من حلقات متصلة بدأت مع إنتاجنا العربي الإسلامي، وتستمر الآن في تلقينا لهذا الخطاب الاستعرابي. أريد أن أسألك حول اهتمام غوميث بطوق الحمامة، وكيف نظر غارسيا غوميث إلى نظرية العشق، إذا شئنا، عند فقيه قرطبة.
العمارتي: المستعربون كلهم افتتنوا بأعمال ابن حزم، بدءًا من خوان باليرا الذي ترجم طوق الحمامة، ولكن ترجمة بسيطة. كذلك بونس بويجس اهتم بابن حزم، لكن الاشتغال الشمولي والعام والموسوعي ظهر مع ميغيل آسين بلاسيوس في “الفِصَل” وغير ذلك من الأعمال الحزمية. ثم كذلك ظهر عند تلميذه إميليو غارثيا غوميث، خصوصًا في دراساته الكثيرة عن ابن حزم، وترجمته كذلك لطوق الحمامة في “الألفة والأُلّاف”، وسماه “مصطلح إسباني”. هذا كتاب ترجمه في 1952. ولكثرة شغف هؤلاء المستعربين بهذا التراث الحزمي، خصوصًا هذا النص، نص يتجاوز التاريخ والجغرافيا، نص أبدي، طوق الحمامة، وهو نص واحد، مخطوطة واحدة، كما يقال، وقامت بهذه الضجة العالمية.
على سبيل المثال، حينما قام إيميليو غارثيا غوميث بترجمته، من قدم لهذا العمل، هذه الترجمة؟ هو فيلسوف إسبانيا الأول دانييل أورتيجا إي جاسيت (خوسيه أورتيجا إي جاسيت)، وهذا قيمة مضافة عن أن الإسبان يتضافرون في تقديم نص كوني، “مصطلح إسباني”، كوبرنيكا وغير ذلك. نص عالمي يمكن أن تستفيد منه الإنسانية برمتها. إذن، فهنا يصبح تراث ابن حزم ليس تراثًا عربيًا إسبانيًا، إنما تراث عالمي كوني بالدرجة الأولى.
إذن، حينما ترجم غوميث هذا العمل، قدم له ببعض الالتفاتات الذكية جدًا، وهي علمية مهمة جدًا، وهو درس سرديات العشق والمحبة في التراث الأندلسي، بدءًا من المشرق. دائمًا، إميليو غارثيا غوميث كان يربط ما يوجد في الأندلس…
عدنان: بالمشرق.
العمارتي: بالمشرق، في حدود عصر عبد الرحمن الثاني، ثم بدأت الأندلس تستقل عن المشرق بحكم التطور والسيرورة التاريخية. إذن، فهنا بدأ غوميث ربط سرديات العشق عند ابن حزم بالمرجعية المشرقية عند ابن داوود الظاهري، صاحب كتاب “الزهرة”، لأنه كان ظاهريًا، وابن داوود الأنصاري.
عدنان: ابن حزم أيضًا كان فقيهًا ظاهريًا.
العمارتي: كان فقيهًا ظاهريًا؛ لأن هناك تماهيًا بين الاثنين، لكن لا ننسى أن البيئة الأندلسية، كما يقول غوميث، كانت مؤثرًا مهمًا جدًا في بلورة المنظومة الفكرية والجمالية لابن حزم. لا ننسى كذلك أن هناك صلات بين المشرق والغرب الإسلامي، على أن الحب العذري أو العشق العذري وصل إلى الأندلس وتأثر به ابن حزم، وتأثرت به كثير من البلاطات الأوروبية، انطلاقًا من ابن حزم. لأن ابن حزم ألّف هذا الكتاب، وتفطّن به هؤلاء الأوروبيون آنذاك، وعشقوا محتوياته، لأنه كتاب جميل جدًا، فيه من العشق البريء، العشق السماوي الرفيع جدًا، السامي في حد ذاته.
وبالتالي، فإيميليو غارثيا غوميث قام بترجمة أنيقة عميقة جدًا، إلى حد الآن هناك ترجمات كثيرة جدًا جاءت بعد إيميليو غارثيا غوميث. ولكن في نظري تظل هذه الترجمة رائدة في حد ذاتها، لأنها استوعبت المناخ العام للصيرورة العشقية التي عرفتها قرطبة في تلك اللحظة. هذه قرطبة، وأنا أفتح قوسًا هنا، (التي عاش فيها ابن حيان القرطبي وابن حزم)، كانت زينة العالم. وكما قال نزار قباني: “إننا دخلنا إلى الأندلس لسنا بغازين، وإنما عاشقين”. نحن مارسنا العشق في الأندلس. نحن لم نفتح الأندلس، إنما عشقنا أهلها..
عدنان: وطبيعتها.
العمارتي: وطقوسها وبيئتها. وبالتالي، حينما نستحضر قرطبة في عصر عبد الرحمن الناصر، الذي حكم الأندلس مدة خمسين سنة، وهي من أزهى العصور، وكان من أكبر خلفاء وملوك أوروبا برمتها، هذه قرطبة الجميلة الزاهية، فيها الشوارع المبلطة، فيها الإنارة. كيف يمكن ألا تصنع عشقًا وجمالًا وسموًا وإبداعًا في مجال العلاقات الإنسانية الرفيعة.
لماذا تأخر الإسبان في الترجمة؟
عدنان: أنا وأنت تتكلم، أنا كأنني أرى السيد العمارتي التطواني الأندلسي، هو الذي يتكلم. فهذا هو ، تحس بأن الأندلس التي في تطوان والتي في شمال المغرب ما زالت حية بيننا، تسكن الوجدان وتتجلى في خطاب. أردت أن أرجع معك، سيد عمارتي، ونحن نتحدث عن الترجمات، مثلاً. تكلمنا عن ترجمات ابن حزم وغيره، ترجمات الأدب والفكر والفلسفة. ما رأيك أن هناك من يقول بأن المستعربين تأخروا في ترجمتهم لهذه الذخيرة الأندلسية، وسبقهم مستشرقون آخرون، ربما ألمان وفرنسيون وحتى هولنديون؟ لماذا تأخروا أولاً في الترجمة؟ وهل استفادوا من ترجمات المستشرقين؟
العمارتي: إذا قمنا بالرجوع إلى الوراء قليلاً، وهذا سؤال في حد ذاته إشكالي كبير جدًا، ويحتاج إلى الوقت. ولكن أعطني وقتًا أطول لكي أقوم بتبسيطه.
عدنان: تفضل.
العمارتي: حينما تم طرد المسلمين من الأندلس، قامت إسبانيا بتأسيس دولتها، أمة، الأمة الإسبانية على حساب طرد الدم الآخر، الدم المسلم والدم اليهودي. وقامت إسبانيا بنفسها بإحراق تراثها. ماذا حدث هناك؟ أن انتهى أمر اللغة العربية وتراثها وغير ذلك، ودخلت إسبانيا فيما يُسمى بظلامية الضمير، ظلامية الثقافة. إذن، فهي حرقت جزءًا مهمًا جدًا في السيرورة التاريخية لإسبانيا.
عدنان: حريق باب الرملة.
العمارتي: نعم، باب الرملة.
عدنان: حريق باب الرملة الذي تتحدث عنه، هذا كان بتواطؤ من الملكة، أو على الأقل غض طرف منها.
العمارتي: بالضبط، لأن الملكة، الملكة الكاثوليكية كانت أكثر كاثوليكية من البابا في الفاتيكان. ماذا حدث حينما فطنت أن إسبانيا ترى أوروبا كلها تهتم بالتراث العربي والتراث الأندلسي، وهي لا تهتم بهذا التراث؟ إذن، فهنا المعضلة الكبرى أن الاستعراب الإسباني في العصر الحديث هو استعراب وافد مستورد من الخارج. لماذا؟ لأن إسبانيا عملت على طمسه بالدرجة الأولى. وحينما أرادت أن تؤسس استعرابها والدراسات العربية في أوروبا، على غرار هولندا وفرنسا وغير ذلك، استوردته من الخارج. وفي عهد ملك من أسرة البوربون، وهو كارلوس كارتيرو، كارلوس الثالث، فاستقدم بعض المارونيين من الشام، خصوصًا المارون الرائج جدًا، وهو ميخائيل كاسيري، بالإسبانية ميخائيل كاسيري، ولكن باللغة العربية نقول الغزيري. هو الذي قام بفهرسة المخطوطات الموجودة في دير إسكوريال. فقام في 1760 إلى حدود 1770، عشر سنوات، قام بفهرسة هذه الذخائر، واندهش لما يوجد في هذه المكتبة من ذخائر مهمة جدًا.
عدنان: على فكرة، هذا حصل بعد فهرسة باريس، بعد فهرسة سابقة في أوروبا.
العمارتي: نعم، إذن فهنا إسبانيا تأخرت في العصر الحديث على دول أخرى. وبالتالي، فحينما قامت مدرسة بني كوديرا، أو قبله باسكوال دي كيانجوس، كانت أوروبا قطعت شوطًا كبيرًا جدًا، ونخص بالذكر رائد الدراسات الاستشراقية.
عدنان: دي ساسي.
العمارتي: دي ساسي وكذلك رينهارت دوزي في هولندا كذلك. إذن هنا في البداية، إن الترجمات للتراث الأندلسي قليلة جدًا، ولكن ظهرت في أوروبا قبل إسبانيا. ماذا حدث في إسبانيا؟ وهذا شيء جميل جدًا، هو أن كيانجوس قام بالترجمة، كما قلنا سابقًا، بترجمة “نفحة الطيب” وغير ذلك لبعض الأجزاء. لكن حينما جاء كوديرا، كان له فكر علمي. قال: لا يمكن أن نترجم. إذن، هنا نؤسس الاستعراب العلمي. لا نترجم، فكيف يمكن أن نترجم وتراثنا أو التراث الأندلسي ما زال موجودًا في المكتبات وفي المؤسسات الخاصة والعامة؟ إذن في البداية يجب نشر هذا التراث، وفي ضوء هذا التراث ونشره يمكن أن نقوم بترجمته ودراسته في بلده. وهذه خطوة رائدة جدًا قام بها كوديرا. ولهذا قام، كما قلت سابقًا، بنشر المكتبة الأندلسية، نشر “الصلة” لابن بشكوال، وكذلك نشر “المقتبس”، كذلك نشر “كتاب الذيل والتكملة”، تكملة الصلة، وغير ذلك من النصوص المهمة جدًا. هذه النصوص لها بُعد، وهذا جميل جدًا. ونسجل هنا أن هذه النصوص كلها ذات بعد تاريخي، لأنه ابتدأ بالخزانة التاريخية بالدرجة الأولى. لماذا؟ لأن هناك محطات في تاريخ إسبانيا في العصر الوسيط مظلمة، والمدونات القشتالية لم ترصدها، وبالتالي هذه المعلومات الغائبة عن المدونات القشتالية، أين توجد؟ في الكتب الإسلامية العربية، حتى أن رامون مننديث بيدال، حينما أراد أن يكتب الموسوعة التاريخية للأندلس، رجع إلى الكتب الأندلسية.
عدنان: في أي فترة؟
العمارتي: في عصرنا الحديث، في بداية القرن العشرين. نعم، حينما أراد أن يغطي بعض المراحل المظلمة من تاريخ إسبانيا في العصر الوسيط، رجع إلى التراث الأندلسي وإلى أعمال ليفي بروبنسال وكذلك غوميث أيضًا. فهنا حركة مهمة جدًا تتضافر فيها الجهود بين المؤرخين الإسبان وكذلك بين المستعربين. إذن، فالبداية كانت بالنشر ثم الترجمة، فجاءت الترجمة. لحد الآن، بدأوا بترجمة الكتب التاريخية. ولكن الجميل في الأمر أن إيميليو الوحيد، إيميليو جارثيا غوميث، انزاح عن هذا الخط وأخذ يشتغل في التاريخ، ولكن انفتح على الشعر. لا ننسى على أن كتابه “مصطلح أسباني” هذا كتاب ما يُسمى بـ”أشعار أندلسية”، وترجمه حسين مؤنس بـ”الشعر الأندلسي”. هذا الكتاب أقام الدنيا وأقعدها، كما يقال، فهو حينما ترجمه إلى الإسبانية، ترجم بعض النصوص الأندلسية الجميلة جدًا، فيها صور شعرية رائدة وغير ذلك. تأثر بها في تلك الآونة أو في تلك المرحلة مجموعة من الشباب في غرناطة، وهم شباب جيل 27 “مصطلح فرنسي”.
عدنان: أولاً، هو “جيل 27” بلا جدال، ولكن حتى غارثيا لوركا. حينما تقرأ ديوان “تماريس”، تكتشف بأنه لا، الرجل هناك صور شعرية تكاد تكون عربية، حتى مسألة الخصر النحيل والردف الثقيل، كيف يصورها في قصيدته. يعني، أكيد هناك مقروء عربي وراءه.
العمارتي: نعم، مرجعية عربية بالدرجة الأولى. حتى أن فيدريكو غارثيا لوركا لم يعترف بتأثره بكتاب إيميليو غارثيا غوميث، مع العلم أن داماسو ألونسو قد اعترف بأن هذا الكتاب كان يُسميه بعض المستعربين بأنه كتاب العصر، أنه أحدث ضجة في الحساسية الجمالية الإسبانية آنذاك. صور جميلة، صور جديدة لم تعهدها الثقافة الجمالية الشعرية الإسبانية آنذاك. إذن، وأخذ يترجم في الأزجال والموشحات، ولذلك انزاح عن الجانب التاريخي إلى ما هو فني جمالي شعري.
أدب الخيمياديو السري
عدنان: وأنت تتحدث الآن، دكتور العمارتي، عن الأزجال والموشحات، أنا أفكر في أدب آخر خاص، وهو أدب الخيميادو، الذي كان العرب يكتبونه بحرف إسباني.
العمارتي: حروف عربية.
عدنان: حديثك، دكتور العمارتي، عن الأزجال والموشحات جعلني أفكر في الخيميادو، وهو ذلك الأدب الذي كتبه مسلمو الأندلس بعد سقوط غرناطة. كتبوه بالإسبانية، إنما بحروف عربية. أولاً، نحن هذا الأدب نجهله تماماً، وأعتقد أنه حتى الإسبان ظلوا يجهلونه إلى حدود القرن التاسع عشر. كيف تقدم لنا هذا الأدب الخاص، الذي هو ابن هذا التمازج ما بين اللغتين وبين الثقافتين؟
العمارتي: أدب الخيميادو هو أدب ظهر بعد مرحلة طرد المسلمين واليهود من الأندلس. فهو هذا، الخيميادو هو لغة أهل الأندلس سرًا، هذا الأدب كُتب سراً. وهو هذا الأدب الذي يعتبر نمطاً جديداً لا قبل له في الأندلس، لا قبل للأندلسيين به، وهو يرصد قضايا مهمة جداً. فإذن، هذا الأدب كُتب أدباً إسبانياً كتب بحروف عربية. حينما مُنعت اللغة العربية، فمثلاً في 1566، صدر قانون بتحريم التخاطب باللغة العربية وتداولها في الأندلس. فقام المورسيكيون بابتداع طريقة جديدة، وهو رصد للأدب بالقشتالي، ورصده بالكتابة العربية بحروف عربية. ولهذا نجد هذا الأدب هو أدب قشتالي، ولكنه كُتب بحروف عربية.
عدنان: لماذا بحروف عربية، والحال أن العربية كانت ممنوعة؟ يعني، ما السر وما الحكمة؟
العمارتي: وهو في حد ذاته سراً. فإذن، هذا الأدب يدخل في إطار ما نسميه بالمنع المطلق لما يدور باللغة العربية. فهو يكتبونه بطريقة… لماذا؟ لأن الإسبانية القشتالية أصبحت منتشرة في الأندلس، وبالتالي لكي يحتفظ هذا المسلم الأندلسي بعنصر من عناصر وجوده المادي والمعرفي في الأندلس، وهي اللغة العربية، وهذا الأدب احتفظ باللغة العربية وبتراثها وبغير ذلك من المعطيات. والأجمل من ذلك هو أن إسبانيا أو الآداب الإسبانية في عصرها الذهبي، هناك شق لا بأس به كُتب بطريقة سامية شرقية. ولهذا لا يمكن أن ندرس الأدب في تلك المرحلة إلا باستحضارنا للنصوص الخيميادية، كما يقال. وبالتالي، هذه النصوص مهمة جدًا في تأريخ مرحلة الوجود العربي بالأندلس.
عدنان: إن الإسبان لم يكتشفوها ربما لحدود القرن التاسع عشر.
العمارتي: نعم، بالضبط. ولهذا، فهؤلاء المسلمون، حينما كانوا يمارسون طقوسهم الدينية في سرية تامة، يتحدثون في سرية تامة، يأكلون الأكل أو الطعام العربي الإسلامي في سرية تامة. فلهذا، حافظوا على كثير من المقومات الدينية أو الجمالية أو الأدبية بهذه اللغة، وهي لغة يكتبونها بالقشتالية ولكن بحروف عربية. حتى أنهم كتبوا القرآن العربي بالعربية، مقرونًا بشروح وتفسيرات باللغة الخيميادية. وبالتالي، كتبوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم، محمد، وعن الأنبياء، وكتبوا كتبًا بهذه الطريقة، وهي ذخيرة كبيرة جدًا. كتبوا عن الفقه والسيرة، وكتبوا كذلك عن سيدنا يوسف عليه السلام وغير ذلك. إذن، فهذه النصوص الخيميادية هي نصوص كتبت سرًا مخافة من محاكم التفتيش والكنيسة الكاثوليكية آنذاك. ومزيد من الحرص، أنهم خبأوها في الجدران وفي السقوف وفي المغارات وغير ذلك، إلى أن يأتي حينها وتظهر. فاستمرت الأمور في إسبانيا إلى حدود، كما يقال، في القرن الماضي، أخذ الكثير من…
عدنان: نعم، القرن التاسع عشر.
العمارتي: القرن التاسع عشر، نعم. إلى حدود أنهم أخذوا يبحثون عن هذه النصوص، وجدوا أن الكثير من النصوص كانت مدفونة في المغارات، وفي الجدران وفي السقوف، وغير ذلك، وهي تشكل تراثًا لا يمكن غض النظر عنه، وهو على سبيل المثال تراث الخيميادو، وهو يؤرخ لأقلية أصبحت أقلية حينما كانت هي سائدة في الأندلس قبل ذلك في عهد السيادة الإسلامية. وهذه النصوص مهمة جدًا، لكن أنا أود أن أشير هنا إلى أنه حتى الإسبان لم يكونوا يعلمون بهذه الذخيرة إلى حدود أن هذه النصوص الخيميادية عثر عليها صدفة في بعض المغارات وغير ذلك، وأخذوا يدرسون هذه النصوص. في عالمنا العربي، لا توجد دراسات إلى حد الآن بشكل أكاديمي موسع لهذه النصوص، ولكن هناك في إسبانيا مجالات مهمة جدًا. هناك، على سبيل المثال، غالميس، هذا المستعرب غالميس دي فوينتيس، كذلك مانساريس دي سفيري. كذلك، الأجمل من ذلك هو أن حتى أمريكا اللاتينية تهتم بالنصوص الخيميادية. هناك في بورتريكو هناك أستاذة مهمة جدًا، وهي من أصول، على فكرة، من أصول موريسيكية، تهتم بهذه النصوص النادرة والجميلة والمهمة جدًا في مسار المسلمين ما بعد التهجير، كما يقال. اسمها لوسي لوبيز باراد، ولديها كتاب مهم جدًا. أنا أود أن أشير إلى هذه النقطة، لها كتاب مهم جدًا، وهو “الأدب السري لمسلمي إسبانيا الأواخر”، وقد تُرجم إلى اللغة العربية مؤخرًا. ترجمه الأستاذان محمد برادة ونادية العشيري مؤخرًا، وقد حاز على جائزة حمد في قطر للترجمة، بالدرجة الأولى. إذن، فهو تراث مهم جدًا ورصد أحوال هؤلاء المسلمين المتسترين في الأندلس المضطهدين من قبل محاكم التفتيش. وهو تراث مهم جدًا ينبغي أن تمنحه المؤسسات الأكاديمية اهتمامًا وعناية في مجال البحث العلمي.
عميدُ الدِّراسات الأندلسية محمد بن شريفة
عدنان: ربما يجب أن ننتظر أن يُقيض له باحث عربي يهتم به، لأنه هو قطاع منسي عمليًا، مثلما كان قطاع الأمثال والأزجال قطاعًا أدبيًا منسيًا، إلى أن قُيض له الراحل الكبير الأستاذ محمد بن شريفة، عميد الدراسات الأندلسية في بلادنا. لاحظ معي كيف أن قامات من هذا النوع تنشغل بأدب معين وتعيد ترميمه. وأنا عندي الأعمال التي كانت قد أصدرتها وزارة الثقافة المغربية، وفيها كل تلك الأمثال والأزجال، بما فيها “ملعبة الكفيف” للزرهوني، العمل البارع والضخم. أنا أريد أن أستحضر معك الأستاذ بن شريفة ودوره ربما في إخراج هذا التراث من النسيان، خصوصًا ونحن نتحدث عن هذا القطاع المنسي الخيميادو.
العمارتي: بالنسبة لأستاذنا الرائد وهو عميد الدراسات الأندلسية في المغرب، المرحوم الدكتور محمد بن شريفة فهو رائد المدرسة المغربية في الدراسات الأندلسية بدون منازع، مثلما نجد كذلك المرحوم الدكتور عباس الجراري، رائد الأدب المغربي. فكلاهما حضّر أطروحة دكتوراه الدولة في مصر بنفس الأساتذة المشرفين. فالدكتور عباس الجراري، رحمه الله، حضّر في القصيدة والزجل في المغرب. إذن، هذا شق عامي منسي في المغرب، وهذه أطروحة رائدة مؤسّسة. في نفس السنة، قبله، حضّر محمد بن شريفة أمثال العوام في الأندلس، كان الإشراف للمصريين. وهنا تحية للمصريين الرائدين في الدراسات الأندلسية كذلك، إشراف عبد العزيز الأهواني، هذا كان يهتم بالفنون العامية الشعبية. كذلك، الدكتور عباس الجراري، رحمه الله، اهتم كذلك، وكان مشرفه على الأطروحة هو عبد العزيز الأهواني. إذن، هذا جانب أساسي جدًا، على أن محمد بن شريفة لفت انتباه الدارسين العرب إلى ذلك التراث المنسي الموجود في الأزجال والأمثال المغربية الأندلسية. في البداية، ابتدأ بالأندلس. هذا العمل مهم جدًا، فهو أطروحة، ونحن نعلم أن الأطروحة فيها من المجهود، من الجهد العلمي والأكاديمي الشيء الكبير جدًا. فابتدأ بدراسة الأمثال، وانتقالها إلى الضفة الأخرى للغرب الإسلامي، تمهيدًا لدراسته لأمثال العوام بالأندلس. والحقيقة أن عمل بن شريفة كان رائدًا في الأدب المنسي بشكل عام، ليس فقط على مستوى الأمثال والأزجال. حتى كذلك على بعض الشعراء، نجد أنه حينما توفرت له شروط المأمورية على الخزانة المغربية، وكان له مكانة مهمة جدًا تخوّل له أن يرتاد جميع المكتبات وجميع الخزانات بالمغرب. تطرق ولفت انتباه جميع الدارسين إلى بعض الشعراء المنسيين، ولهم أعمال رائدة. على سبيل المثال، ابن حريق البلنسي، ابن رشيق المرسي، ابن لبال الشريشي. كذلك، كما تفضلتم قبل قليل بـ”ملعبة الكفيف”، وهي ملحمة باللغة العامية، وهي تؤرخ وترصد حملة مولاي الحسن الماريني إلى تونس، أعمال عظيمة.
عدنان: والغرق الذي تعرض له.
العمارتي: نعم بالضبط، ولا ننسى أن هذا مسار جديد في الدراسات الأندلسية، وهو مسار تأسيسي قام به المرحوم محمد بن شريفة، وأسس له. على أننا نهتم بشق مهم جدًا، لأننا لا ننسى على أنه حينما نقول كان هناك زمن الشعر، ثم انتقل إلى زمن الرواية، ثم انتقل مؤخرًا إلى زمن الرحلة، في المستقبل سيكون زمن الأمثال والأزجال، لأنها ترصد جميع طبقات المجتمع، بأطيافه وبغير ذلك، وبالتالي فأنت في الأمثال والأزجال تجد ما هو أنثروبولوجي، ما هو اجتماعي، ما هو جمالي، ما هو سياسي… إذن، الكثير من الأشياء. وبالتالي، فمحمد بن شريفة رفد هذا الجانب، والأجمل من ذلك أنه لم يحدد حدود اشتغاله في الأمثال الأندلسية، وإنما تجاوز ذلك إلى مدى تأثير هذه الأمثال الأندلسية في الأمثال المغربية، وفي الإسبانية، وتأثير، كذلك، الأمثال المغربية في الأندلس، على اعتبار أنه كان دائمًا يقول: إن الأندلس والمغرب لحمة واحدة، ويسميه بأدب الغرب الإسلامي. ليس هناك…، وبالتالي، فلولا المغاربة لضاع الأندلس، وبالتالي، كانت هناك صلات وثيقة سياسية، اجتماعية، ثقافية، حضارية بين العدوتين.
الموشحات الأندلسية
عدنان: تمامًا، وهذا كان واضحًا وهذه قيمة هذا العمل، وأنه يشتغل على ثقافة توحد الضفتين في الواقع. على متن يوحد الضفتين. وإلى جانب الأزجال والأمثال، حتى الموشحات الأندلسية، وقد تفضلت بالإشارة إليها قبل قليل، من الصعب ألا نتعامل معها باعتبارها ظاهرة أندلسية، لأن الذين يربطونها طبعًا بتطور الشعر العربي لهم الحق في ذلك، فهي موشحات تطوّر من خلالها شعرنا العربي. ولكن حتى الذين يقولون بأنها مرتبطة بالشعرية الإسبانية لهم الحق في ذلك، لأنه لماذا ظهرت الموشحات في الأندلس، ولم تظهر في غيرها من البلاد العربية؟
العمارتي: في الشرق.
عدنان: لهذا أريد أن أسائل معك إسبانية الموشحات الأندلسية.
العمارتي: بالنسبة لي الموشحات الأندلسية، هناك قاعدة أساسية على أنّا حينما ندرس الموشحات بشكل عام نجد على سبيل المثال صورًا مختلفة عن الشعر الكلاسيكي. ثانياً، كذلك، على مستوى البنية الإيقاعية، شكل متطور في البنية الإيقاعية. على مستوى الموضوعات، أشكال متطورة عن ما يوجد في المشرق. على سبيل المثال، نحن نوجد في الأندلس، ألا يمكن اعتبار أن الأندلس ليس لها تأثير على المتلقي، على المبدع؟ إذن، فهذا الجانب. ثانياً، على أن الأندلس لم يكن هناك فقط العرب، كانت هناك الإثنيات، أثنولوجيا متطورة، وعرقيات كثيرة. كان السقالبة، كان المسيحيون من الشمال، كان المستعربون، كان الموالي.
عدنان: الأمازيغ.
العمارتي: كان الأمازيغ، كان العرب. إذن هناك منظومة من الأقليات، وبالتالي هذه الأقليات قد صنعت مجدها الأدبي. وبالتالي، حينما نرى الموشح، نجده يختلف كاليجرافيا على مستوى الصورة، على مستوى الشكل. إذن، فهو يختلف عما عهدناه في الشعر العربي القديم. الأوزان كذلك تختلف. حتى أنّا نشير إلى قضية مهمة جدًا في الشعر العربي القديم، هو مسألة التضمين. التضمين العربي دائمًا أن بيت الشعر لا يمكن أن يترك معناه ودلالته إلى البيت الموالي، فالبيت مستقل في حد ذاته. إذن، هنا التضمين. أما الموشحات، فالبيت يستمر. إذن، هذا خط ثانٍ. ثانياً، على أن البيئة الأندلسية أثرت في ذلك. وأشار إلى.. مهم جدًا هنا، أشار مفكر يهودي، اسمه ستيرن، صامويل ستيرن، إلى الخرجة الأندلسية في الموشحات، وقال: إن هذه الخرجا هي من مؤثرات الفكر الجمالي العبري. ولأنه عبري يهودي، فتصدى له إيميليو غارثيا غوميث في هذا المجال، وكانت هناك صراعات أدبية بينهما، أيهما يثبت بأنها أندلسية إسبانية وليست يهودية. وبالتالي، إن الموشح هو نتيجة تطور جمالي شعري فني في الأندلس، ولكنه له روافد عربية، لا ننسى. هذا ما حدث كذلك للأزجال الأندلسية. حينما ندرس ديوان ابن قزمان، وهذا قد أشار إليه إيميليو غارثيا غوميث في كتابه الضخم، سماه “تودو بن جوثمان”، أي كل ما يرتبط ويتعلق بابن قزمان. وجد أن ابن قزمان في أزجاله ينحو إيقاعياً للمقطع النبري أو الشعر المقطعي، أما الشعر العربي الخليلي فهو شعر كمي. إذن، هناك.. لماذا؟ ونرجع إلى سؤالكم. نعم.
عدنان: ابن قزمان كان برتغالياً أصلاً، هو..
العمارتي: نعم، ونرجع إلى ما ذكرتم قبل قليل، أستاذ ياسين، على أن هنا لماذا غوميث؟ لكي يعيد الربط على أن هذا الموشح هو إسباني بالدرجة الأولى، على أن اللغة، هي إسبانية إيبريرية، لأن اللغة لغة الشارع، لغة العامة، لغة القصور. وبالتالي، لا قبل لها بما كان في المشرق. وهذا مهم جداً. حتى ابن قزمان في أزجاله، فهو يأخذ مادة شعره من الواقع اليومي لأسواق الأحياء الأندلسية. وبالتالي، سمّاه غوميث “مصطلح إسباني”، “صوت من الشارع أو في الشارع”. إذن، فهو يأخذ مادة شعره من الواقع، من العامة، من الخرازين، من الطرافين، ومن نبض الواقع المجتمعي والعامي في الأندلس، رصده في أزجاله. إذن، فالشعر العربي هو شعر كلاسيكي، ارتبط بالبلاط، وارتبط بنمط نسقي معين في الرؤية، في اللغة، في الإيقاع. أما الموشحات وكذلك الأزجال، فهو نمط جديد بجِدّة الأندلس وسكانها.
الفن المدجّن
عدنان: وبهذا التداخل والتمازج الذي جعلنا أيضاً نجد أنفسنا أمام إبداع فني جديد، وهو ما يُسمى بالفن المدجن. وهذا التراث الفني للمدجنين المسلمين الذين آثروا البقاء في الأندلس، وعاشوا في ظل الحكم المسيحي. أيضاً، ما موقعه من الدراسات الاستعرابية، وما موقعه أيضًا من داخل تطور الفن الإسباني؟
العمارتي: هنا، أستاذ ياسين، وجبت الإشارة إلى تحديد المفاهيم كذلك هنا. حينما ندرس نقول المدجن، “لوسمو دوخارس”، هناك يتبعنا مصطلح آخر “لوس مورسيكوس” مورسكيين. ونحدد جهاز مفاهيم، هنا نفرق بينهما، على أن المدجن هو الذي عاش في ظل السيادة المسيحية، مع بداية حرب الاسترداد، “مصطلح إسباني”، فهو عاش في ظل السيادة المسيحية، ولم -كما يقال- لم يُضغط عليه بترك دينه.
وكذلك لم يجْرِي عليه ما جرى للموريسكيين فيما بعد، إنه احتفظ بدينه ولم يُهجّر من الأندلس، وظل في المدينة التي نشأ فيها. وغير ذلك. لكنه يدفع الجزية. وبالتالي، فالسُلطات المسيحية آنذاك احتفظت له بدينه وبطقوسه وبلغته وبطريقة أساليب عيشه بالدرجة الأولى، ولكنه تحت السيادة الإسبانية آنذاك في المدن التي استُرجعت.
عدنان: هذا الإنسان المدجن ما زال مثل المشعل.
العمارتي: نعم، بطبيعة الحال. إذن، هذا الإنسان المدجن، أو ما نسميه بالمروض، لأنه كان تحت السيادة الإسبانية. هذا الإنسان الأندلسي الجميل، أنا أسميه الإنسان، أينما ذهب فهو يبني. فهو ظل في هذه الممالك الإسبانية، ولكنه ظل يشتغل. لا يشتغل، إنما يبدع في اشتغاله، وبالتالي ابتكر نمطاً جديداً فيه توليف فيه تعايش على مستوى البنية المعمارية. فهناك معمار، على سبيل المثال، في مدريد. هناك كنيسة القديسة سانتا ماريا، فيها مجموعة من التحف المدجنة في محرابها، وفي غير ذلك. وهو مزيج من الفن الإسلامي العربي والمسيحي والقوطي وغير ذلك، وتتخلله بعض الأحرف المزينة المزخرفة، وبعض الأقواس كحذوة الحصان، وبعض التوريقات وغير ذلك. وهو فن جميل جداً. حتى أنه لم يبقَ في مدريد وفي إسبانيا، بل تجاوز ذلك إلى جميع دول أوروبا. بل أجمل من ذلك، تجاوز أوروبا إلى دول أمريكا اللاتينية، في الإكوادور، في بوليفيا، في نيكاراغوا، في الأرجنتين وغير ذلك. إذن، فهذا نمط معماري، كما يقول بعض المستعربين، خلق نوعًا من التعايش، ليس فقط على المستوى الجمالي، حتى على مستوى البنية المعمارية. هناك كنائس في إسبانيا حالياً توجد فيها لمسات مُدجنة رفيعة وجميلة جداً إلى حد كبير. أشير في هذا الجانب إلى أن الفن المدجن ليس فقط في المعمار. فمؤخراً، قامت المكتبة الوطنية الإسبانية بعرض معرض جميل جداً للكتب المجلدة بالطريقة الموديخارية أو المدجنة، فيها توريق، وفيها هندسة تزيينية، وفيها ملامح جديدة تمزج بين الطابع الإسلامي العريق والطابع المسيحي في توافق وفي انسجام قل نظيره.
عدنان: ولهذا، الأندلس لحظة تستحق أن تمتد فينا وأن نحتفي بها وأن نستعيدها باستمرار، لأنها تقوم بالضبط على هذا التعايش الخلاق. شكراً دكتور محمد العمارتي، لأنك نقلت لنا الكثير من روح الأندلس التي تسهر عليها في كتاباتك.
العمارتي: وأنا كذلك أشكركم على حُسن الاستقبال وبهاء الدعوة. وأنا سعيد غاية السعادة بالإخوان. ما شاء الله قد غمرونا بمستواهم الأخلاقي والعملي والجمالي في حد ذاته. فشكراً مرة أخرى، وأدعو لكم بالتوفيق دائماً إن شاء الله.
عدنان: وأنتم تستحقون كل الاحتفاء، دكتور العمارتي. أعزائي، عزيزاتي، إلى اللقاء.