تحدث الدكتور عامر الحافي، أستاذ العقائد، ورئيس قسم أصول الدين بكلية الدراسات الفقهية بجامعة آل البيت الأردنية، نائب مدير المعهد الملكي للدراسات الدينية، عن قصة القرآن والكتاب، قائلاً: “إذن؛ ما قصة القرآن والكتاب؟ الحقيقة أن المفسرين أو العلماء السابقين رأوا أن الكتاب والقرآن هما أسماء لنفس الكتاب، والإمام الزركشي ذكر 55 اسماً في كتابه (البرهان)؛ وهو إلى جانب كتاب (الإتقان)؛ من أروع الكتابات التي وصلتنا في علوم القرآن“.
علوم القرآن لم تكتمل
وأضاف الحافي: “ولكن مع ذلك علوم القرآن لم تكتمل لم تنجز؛ ما زال هناك عبء كبير على العقل الإسلامي والعقل الديني، ليقوم بمهمته تجاه تطوير المعارف القرآنية. ولذلك المشكلة نحن معنا اليوم وفي كل عصر؛ هي الشعور بتوقف الاجتهاد في هذه القضايا الدينية”.
تفسير القرآن.. من خلال القرآن أم من خارجه؟
وتابع أستاذ العقائد، ورئيس قسم أصول الدين بكلية الدراسات الفقهية بجامعة آل البيت الأردنية: “ما فعله محمد شحرور الحقيقة في كتابه (الكتاب والقرآن)؛ حيث إنه في البداية طرح سؤالاً في غاية الأهمية: هل تفسير القرآن يكون من خلال القرآن؟ أم أن تفسير القرآن يأتي من خارج القرآن؟ كانت الإجابةُ إجابةً حاسمةً بأن تفسير القرآن يجب أن يأتي من خلال هذا القرآن الكريم”.
محمد شحرور ودلالة الفوارق بين كلمتَي “الكتاب” و”القرآن”
واستكمل الدكتور عامر الحافي: “إذن، هل هذا القرآن الكريم القضية الثانية هو مثل الشعر والأشعار العربية والمعلقات العربية، وبالتالي الشاعر قد تضطره القافية إلى أن يستخدم كلمة معينة (الأب، الوالد، البحر، اليم.. وهكذا)؛ فيستخدم مترادفات حسب الموسيقى الشعرية أو القافية الشعرية؟.. هل القرآن الكريم يقصد في استخدام كل لفظة قرآنية؛ يقصدها بعينها ومن أجلها؟ الحقيقة هذه القضية هي التي أثارت انتباه هذا المفكر السوري محمد شحرور، وجعلته يذهب باتجاه أن يجد الاختلاف أو الفوارق بين دلالة كل من كلمة الكتاب وكلمة القرآن”.
علماء اللغة والتفسير بين “الكتاب” و”القرآن الكريم”
وقال رئيس قسم أصول الدين بكلية الدراسات الفقهية بجامعة آل البيت الأردنية: “إذن هل الكتاب هو القرآن الكريم؟ هل هذا الترادف موجود في القرآن الكريم؟.. الحقيقة أن العلماء قد اختلفوا في هذه القضية؛ سواء علماء اللغة أو علماء التفسير؛ لأن هناك قاعدة تقول إن زيادة في المبنى تقتضي الزيادة في المعنى؛ يعني أُنزل ونُزل.. هناك اختلاف كبير بين أُنزل ونُزل.. الثعالبي في فقه اللغة يتحدث عن 3 ألفاظ، (الحنف والخنف والجنف)؛ يعني ربما كثير من الناس، هذه إشكالية؛ يعني لا يعرفون هذه الدقة اللغوية في اللغة العربية.”.
وأضاف الدكتور عامر الحافي: “الحنف هو الميل في الاعتقاد، والخنف هو الميل في الصوت، والجنف فمن خاف من موصٍ جنفاً أو إثماً؛ هو الميل بالسلوك، إذن لاحظوا حتى الحرف الشدّة، الاختلاف الدقيق في كل كلمة ينعكس بطريقة أو بأخرى على المعنى. ما بالك إذا كان اللفظ بكلِّه مختلفاً؛ مثل الكتاب والقرآن!”.
العلماء المفسرون والتراث الإسلامي
وتابع رئيس قسم أصول الدين بكلية الدراسات الفقهية بجامعة آل البيت الأردنية: “العلماء المفسرون في تراثنا الإسلامي كانوا يتحدثون عن أن الكتاب يُطلق على القرآن، وقد يُطلق على التوراة والإنجيل؛ وبالتالي نحن نتحدث عن تسمية تشير إلى القرآن وتشير إلى التوراة وتشير إلى الإنجيل، وهناك مَن قال إنها هي نفسها، كما ذكرنا في قول الزركشي..”.
المتشابهات وحقيقة التفريق بين القرآن والكتاب
واستطرد الدكتور عامر الحافي: “لكن الحقيقة الآية القرآنية التي تتحدث عن التفريق بين القرآن والكتاب، قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)، الحقيقة هذه الآية؛ يعني كما لا يخفى عليكم أثارت قضايا كثيرة في التفسير، يعني حتى قبل محمد شحرور نحن نتحدث عن اختلاف في الوقف؛ أين يقف القارئ؟ (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ)؛ وبالتالي هل الإنسان أو المفسر قادر على معرفة المتشابهات؟ أم أن المتشابهات هي في علم الله؟ وهي خاصية من خصائص علم الله”.
وقال رئيس قسم أصول الدين بكلية الدراسات الفقهية بجامعة آل البيت الأردنية: “ليست هذه القضية التي اهتم بها كثيراً شحرور، محمد شحرور استطاع أن يجد فارقاً بين دلالة كلمة الكتاب ودلالة كلمة القرآن، والحقيقة حتى في بداية القرآن الكريم لاحظ ملاحظةً دقيقةً جداً، أن القرآن الكريم لم يُذكر إلا في الآية رقم 185 من سورة البقرة.. فاتحة الكتاب، (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)، بعد ذلك عاد فذكر القرآن في الآية 185 (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ).. إذن لماذا لم يذكر القرآن إلا بعد 185 آية؟!.. هذه الآية التي ميَّز فيها ما بين الآيات المحكمة والآيات المتشابهة، إذن هناك آيات محكمات؛ والآيات المحكمات هي القواعد السلوكية التي يجب أن يلتزم بها الإنسان، وهي ترتبط بالحلال والحرام والعبادات والمعاملات..”.
تفصيل الكتاب
واستكمل د.عامر الحافي: “بينما (أُخر متشابهات)، وهنا أيضاً لاحظ ملاحظة دقيقة الحقيقة؛ أنه لم يقُل القرآن الكريم والأُخر متشابهات؛ وبالتالي كأنه يقول إن هناك قسماً ثالثاً، المحكمات أُخر متشابهات؛ إذن بقي شيء آخر وهو تفصيل الكتاب، إذن الكتاب يشتمل على 3 قضايا أو 3 مواضيع أساسية؛ وهي تتعلق بتلك القواعد التي تنظم الحياة الإنسانية، لكن ما تفصيل الكتاب؟ تفصيل الكتاب، هذا النوع الثالث يتعلق بنوع من الآيات القرآنية التي تتحدث عن طبيعة القرآن، وتمثل مفاتيح لفهم القرآن الكريم”.
هل “القرآن” من قرنَ أم من قرأ؟
وتابع رئيس قسم أصول الدين بكلية الدراسات الفقهية بجامعة آل البيت الأردنية: “وقام شحرور بإحصاء هذه الآيات، ووجد أنها 19 آية؛ ويقول إنه يمكن أن يصل إلى عدد أكبر من هذه الآيات، أي أنها لا تزال عملية مفتوحة للبحث عن تلك الآيات التي تمثل بمثابة فهرس دلالي؛ من أجل أن يعرف بطبيعة المواضيع القرآنية، فالكتاب يتحدث عن مواضيع؛ لأن كلمة كتاب تعني الجمع، فهي بمثابة مواضيع أيضاً اشتمل القرآن الكريم عليها. اللفظة الثانية وهي لفظة القرآن حقيقةً. والعلماء المسلمون والمفسرون اختلفوا؛ حتى اللغويون، حول: هل (القرآن) من قرنَ أم من قرأ؟ بالتالي الإشكالية اللغوية كانت دائماً موجودة؛ حتى نقول إن المفكر أو المجدد الذي يطرح حلولاً أو يطرح رؤى جديدة في تفسير القرآن؛ هو لا يأتي بشيء يتناقض حقيقةً مع التراث، لأن التراث التفسيري هو كله بمثابة اجتهاد ومحاولة معرفية من أجل اكتشاف عمق هذا النص القرآني.