مقدمة
طابت أوقات الجميع بخير. رحلة جديدة مع كتاب جديد مع منصة مجتمع، والكتاب اليوم هو كتاب إشكالي ويناقش قضايا إشكالية تعاني منها الأمة العربية والإسلامية، أستطيع أن أقول منذ نزول التنزيل الحكيم إلى الآن، لأنه يناقش قضايا تخص العائلة المسلمة، وهي الفقه. والفقه لغة هو الفهم، لكنه كل ما يتعلق بحياة الإنسان منذ خروجه جنينًا من بطن أمه حتى دخوله إلى القبر.
فمن منا لا يناقش قضايا مثل المهر والوصية والإرث والقِوامة والطلاق والرق وملك اليمين؟ كل هذه القضايا الإشكالية ونحن مخنوقون بفقه تراثي أو بجسم لاهوتي خنق العالم العربي.
يحاول هذا الكتاب فتح ثغرة في هذا الجدار الكبير بقراءة معاصرة. وأيضًا الدخول إلى الفقه الإسلامي الذي يعتبره واحدًا من أهم الأمور التي يتم التطرّق إليها. فورثنا فقهًا عباسيًا مازلنا على خط الشافعي ومالك وغيرهما، ولم نحاول إبداع فقه جديد.
عنوان الكتاب من سبعة عشر كلمة، يعني حتى يصبر العزيز المشاهد الكريم، الكتاب من عدة فصول، خمسة فصول، ولكل فصل أبواب، وأربعمائة صفحة.
الراحل الدكتور محمد شحرور في مقدمة الكتاب يشير إلى نقطة مهمة جدًا. يقول: الكتاب صدرت طبعته الأولى في دمشق عام ألفين. الراحل توفي عام ألفين وتسعة عشر. ما بين عام ألفين إلى ألفين وستة عشر، ستة عشر عامًا، خضع الكتاب لتنقيحات وتعديلات كبيرة لأن الراحل محمد شحرور كان يؤمن أن الأفكار تتجدد، وهذه سُنّة الله في خلقه. وبالتالي فهو يجري تعديلات ونقاشات وحوارات، ولا توجد كلمة نهائية في هذا الموضوع.
ما دلالة عنوان الكتاب الطويل وإهدائه إلى المجتمعات الذكورية؟
العنوان الكامل للكتاب: “نحو أصول جديدة في الفقه الإسلامي، أسس تشريع الأحوال الشخصية في الوصية والإرث والقِوامة والتعددية والزواج وملك اليمين والطلاق واللباس”.
الإهداء الإشكالي الذي يهديه الدكتور محمد شحرور في هذا الكتاب يجب أن نتمعّن فيه قليلًا: إلى كل المجتمعات الذكورية في العالم أُهدي هذا العمل المتواضع. كأن هناك عملية قهر في هذه المجتمعات للجانب الآخر. والوجه الآخر هو المرأة أو الأنثى. خاصة أنه يغوص في هذا الكتاب بعمق في قضية الزواج والعقود والطلاق وقضية المهر والإرث، وكيف أن المرأة أحيانًا في هذه المجتمعات تُعامل كأنها متاع أو كأنها شيء أو كأنها أثاث، وليس لها حقوق. بل إن هناك فقهًا ذكوريًا مارس عملية قهر على هذه المرأة. على أنني أعطي ملاحظة مهمة قبل الشروع في مقدمة الكتاب، وهذه الملاحظة استشففتها من خلال نقاشاتي مع الإخوة في الحلقات السابقة.
على سبيل المثال لتقريب الصورة إلى المعنى، وأنا أرى أن هذا هو حقيقة مشروع الدكتور محمد شحرور، لو كانت هناك مجموعة أشخاص جالسين في غرفة أو في اجتماع عام، وهؤلاء الأشخاص ليست بينهم روابط فكرية أو حتى لغة للتفاهم، فجئنا بشخص من أمريكا وشخص من اليمن وشخص من مصر وشخص من العراق، وهم جالسون في مقهًى. ولا يُشترط أن يكون هؤلاء الجالسون أصدقاء ويتفاهمون. ثم دخل عليهم حيوان مفترس، أسد مثلًا. ما الذي سيفعلونه؟ سيهربون جميعًا، حتى الطفل الذي لا يفهم، لأنهم وعَوا على اختلاف لغاتهم أن هذا شيء خطر. هذا المثال البسيط أريد أن أوصل الصورة. أقول إن القرآن يُخاطب الناس بوعيهم، لا بلغتهم، حتى لا ننحصر في موضوع اللغة والفقه ولهجة قريش. القرآن لسان كوني.
وأعتقد أن فضيلة الراحل محمد شحرور هو التأكيد على اللسان العربي المبين. أيها الإخوة الأعزاء، اللسان هنا ليس العضو المادي الذي يتحدث به الإنسان، هو اللسان الكوني الذي يُخاطب البشر بوعيهم لا بلغتهم. وهذا الوعي يختلف من عصر إلى آخر. وبالتالي نحن لا نريد أن نقتل الكتاب بأن نخضعه لقواعد نحوية أو لغوية أو أسباب نزول. أو نقول العِبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل ما ورثناه من علوم القرآن التي ساهمت في قتل التنزيل الحكيم. نريد أن نقرأ القرآن بأعيننا نحن، لا بعيون الموتى.
وهنا نتقصد الدخول في موضوع الفقه الإسلامي، لأنّه لا أحد، لو كان لا دينيًا أو لا أدرِيًا أو ملحدًا أو على أي ملة في الوطن العربي، إلا وسيناله شيء من هذا الفقه. من منا لم يدخل في موضوع الميراث والنزاعات الهائلة؟ أنا أعرف أن موضوع الميراث فيه نزاعات مسلحة، فيه خلافات. موضوع المرأة، هناك بعض المذاهب الإسلامية تحرم المرأة من بعض الأمور. يمنعون الأبناء، يمنعون الأحفاد.
من منا لم يدخل في موضوع الزواج وعقود الزواج؟ نرى بعض المذاهب الإسلامية تتشدد في الزواج، وتتساهل في الطلاق، والعكس صحيح.
وعلى سبيل المثال في جمهورية مصر العربية، هناك خلاف هائل حول موضوع الطلاق. هل هو لفظي؟ هل هو تحرير ورقة؟ هل يقع الطلاق عند الغضب؟ إلى آخره.
وقضايا أخرى مثل ملك اليمين. هذا الموضوع الذي الفقه التراثي ساهم فيه مساهمة كبيرة في تشويه صورة الإسلام. في موضوع ملك اليمين والسبايا والجواري، إلى آخره.
كل هذه القضايا الإشكالية تحت مشرط الجرّاح يضع الراحل محمد شحرور، بأن يقول إن الفقه الإسلامي فقه متجدد ويختلف باختلاف الزمان والمكان. ولا يليق بنا كمسلمين معاصرين في القرن العشرين أو الثلاثين أو التسعين أن نجلس عند أقدام الشافعي أو أبي حنيفة، وهذا ليس تجاوزًا عليهم، بل هذا تحريرٌ لهم. فالقدماء يجب أن نفهمهم لا أن نقتلهم بأن نقلدهم.
وجهة النظر الشخصية: تقليد القدماء تقليدًا مطلقًا هو قتل لهم وقتل لنا. الحل أن نفهمهم ثم أن نتجاوزهم بأن نطرح فقهًا مغايرًا. هذا ما فعله الراحل.
وأنا أقول باختصار ما يقوله المثل الغربي: جهد قراءة كتاب جيد يعادل جهد كتابته. لقد واجهت مشقة وصعوبة في قراءة الكتاب، وأستطيع أن ألتزِم في بعض الأمور بصيغة حرفية، لأن الراحل محمد شحرور، وأظن ذلك، بذل جهدًا كبيرًا في كتابته. وهذا ما سنراه في سير الحلقة.
كيف يربط شحرور عالمية الرسالة بقراءة جديدة للقرآن؟
ندخل في مقدمة الكتاب، وهنا أعطي ملاحظة للقارئ الكريم. إذا أردت أن تكتشف حقيقة كتاب فادخل إلى مقدمته. المقدمة هي جواز المرور للكتاب، ويضع فيها المؤلف أهم الأفكار التي يوضحها.
هنا الراحل محمد شحرور يقول: نحن دائمًا عندما نقرأ القرآن الحكيم والعظيم والكريم، ختام الآية نقول: “صدق الله العظيم”. أين مصداقية هذه التلاوة التي نقولها “صدق الله العظيم” بعد أربعة عشر قرنًا؟ هل -وصدق رسوله الكريم- هل نستطيع أن نجد هذا التصديق وآثاره على الواقع؟ الرسالة المحمدية، وهذا الراحل محمد شحرور فصّل ذلك في كتبه كثيرًا، هي الرسالة الخاتمة للإسلام. فالإسلام هو القاسم المشترك لجميع الأنبياء من النبي نوح إلى النبي محمد صلّى الله عليه وسلم. ولا نفرق بين أحدٍ منهم. وهذه الرسالة الخاتمة تؤكد أنه لا نبي ولا رسول بعد النبي محمد، وهذا معناه أنه لا تشريع جديد، ولن تأتي السماء بنبي جديد وتشريع جديد، بل التشريع بين أيدينا. كل ما هو مطلوب منا أن نُعمل عقولنا ونقرأ هذا التشريع ضمن سياقات عصره وأن نستفيد منه، وأن لا ننغلق عليه.
فالقرآن هو نص يُفهم نفسه بنفسه، ومفاتيح فهمه من داخله، وليست من خارجه، وهذا هو قانون التدبر. فالرسالة المحمدية هي رسالة إلى كل أهل الأرض قاطبة في البر والبحر والسهل والجبل والغابات. أبيضهم وأسمرهم وأسودهم وأشقرهم وأصفرهم. وإن الرسالة المحمدية رسالة للأقوام كلهم. يا أيها الرسول إنّا أرسلناك للناس كافة. “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ” (سورة الأنبياء: 107). فهي رسالة عالمية.
من هذه العالمية نسأل: أين مصداقية الرسالة؟ هل نجد مصداقية الرسالة في عصر التنزيل الأول في مكة مثلًا؟ أم نجدها في عوالم الأرض الرحبة في طوكيو، ولندن، وباريس وغيرها؟ هل نجد مصداق الرسالة في القرن السابع الميلادي زمن نزول القرآن؟ أم في القرن العشرين والثلاثين والأربعين والخمسين والتسعين؟ “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ” (سورة فصلت، الآية 53). الـ “س” تفيد الاستمرارية. هناك فرْق أن تقول: أنتقم منك. وهناك فرْق أن تقول: سأنتقم منك. هذه سين الاستقبال المستقبلية.
إغلاق القرآن على فهم معيّن لجيل معيّن، لجماعة معيّنة من المفسّرين، يُلغي هذه الاستمرارية.
إذًا كل ما نريده هو أن نقرأ القرآن قراءة معاصرة. وأعتقد أنّ هذا الكتاب، وكما في مؤلفات محمد شحرور، يحاول أن يضع لَبِنة وأساسًا يمتدّ إلى ما بعد الراحل محمد شحرور.
ما هو الإسلام: وحيٌ رباني أم تاريخٌ أموي عباسي؟
وقبل أن أكمل في قراءة كتاب “نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي”، أودّ أن أشير إلى مسألة أشار لها الراحل الدكتور محمد شحرور ولو طرفًا في المقدّمة. وأعتقد هي هذه من المشاكل العويصة التي لم نجد لها حلًّا منذ أربعة عشر قرنًا. وهو سؤال: ما هو الإسلام؟ هل يوجد هناك تعريف جامع مانع للإسلام؟ ولأضرب لحضراتكم مثلًا تقريبيًا يوضّح الصورة.
لو أنت حضرتك صنعتَ، عزيزي المشاهد، عزيزي المتلقّي، بحثًا: “ما هي الماركسية؟” وذهبت إلى أصول الماركسية كما كان ماركس في لندن أو في ألمانيا، فتجد أن الجواب واحد: الماركسية كذا وكذا، ولها أصول وقواعد كما جاء في “البيان الشيوعي”. فالماركسية في اليمن، في الصين، في مصر، في أمريكا، هي ماركسية واحدة لأنّه توجد أصول. ما هي الليبرالية؟ ستذهب إلى كتب جون ستيوارت ميل وغيره ورسل. ما هي النفعية؟ ما هي البراغماتية؟
سؤال: ما هو الإسلام؟ ستجد كلّ فرقة تضع تعريفًا لها للإسلام. ولا يوجد تعريف جامع مانع. فكلّ الفِرَق الإسلامية وكل المذاهب لديها شِفرة خاصّة وقواعد خاصّة لدخول الإسلام: المعتزلة غير السنّة، غير الشيعة، غير الأشعرية، غير السلفية، غير الحنبلية، غير الزيدية، غير الإسماعيلية. هنا الراحل محمد شحرور يسأل في المقدّمة: ما هو الإسلام؟ حتى نعرف عن ماذا نتكلّم.
هل هو الإسلام التاريخي الذي ساهمت في تكوينه فترات زمنية سابقة وصلنا الآن؟ يقصد الإسلام الأُموي والعباسي، وكان في جُلّه إسلامًا سياسيًا، ساهم بإبقاء فرقة معيّنة، ومثلًا أنّ فرقة أخرى لم يكن لها حظ في الوصول.
أنا مرّة، ونحن نتحدّث في كتابٍ فقهيّ، كنت أقرأ للفقيه، وهو فقيه بالمناسبة، فقيه ساهم في تأسيس علم أصول الفقه، وهو الشافعي، محمد بن إدريس الشافعي، عندما عاصر مالك بن أنس في المدينة، وعاصر الليث بن سعد في القاهرة، وجاء إلى العراق، وكانت هناك له سجالات ومدارسات مع تلميذ أبي حنيفة محمد بن الحسن الشيباني. طبعًا الشافعي وُلد في نفس السنة التي رحل فيها أبو حنيفة، مائة وخمسون هجرية، تقريبًا منتصف القرن الأول الهجري، والثاني الفقه الإسلامي تمّ بناؤه بشكل كامل.
المهم أنّ الشافعي عقد مقارنة، والحقائق تُعرف بالمقارنة، حتى نعرف للناس أنّ التاريخ لم يكن منصفًا في أن يصل إلينا كل شيء، إنّما هناك عوامل قهرية وسياسية. قال: إنّ الليث بن سعد، وهو فقيه مصري وكان معاصرًا لهارون الرشيد، أفقه من مالك بن أنس، إلّا أنّ تلامذته ضيّعوه. هذا يعني أنّ الفقه لم يكن بريئًا، لم يكن محايدًا، بل هناك عوامل سياسية واجتماعية، وحتى اقتصادية، ساهمت في أن تصل لنا كتب الفقيه الفلاني ولم تصل كتب أخرى.
ينطبق هذا الكلام على الموسوعي الطبري، محمد بن جرير الطبري، المفسّر في بغداد، فقد كان فقيهًا وقاضيًا ومفسّرًا ومؤرّخًا، وتمّت محاصرته في بيته من بعض الحنابلة لبعض الآراء التي قالها، ومات صبرًا في بيته. وأُعتِقد أنّه قبل فترة في بغداد جرت عملية حفريات ليجدوا أنّ قبره في مكان ما قد اختفى بسبب عوامل التعرية وغيرها، وأنّ كتبه الفقهية المهمّة التي تكلّم بها لم تصل أغلبها بسبب هذه الموضوعات السياسية.
إذًا الراحل محمد شحرور يقول بخيط رفيع جدًا: علينا أن نفرّق بين إسلام الوحي، والذي سيتكلّم عنه في هذا الكتاب، وإسلام التاريخ.
لماذا يرى شحرور أن مصداقية الرسالة تتوقف على واقع الناس اليوم؟
وبرأي الراحل محمد شحرور، إذا لم نضع مصاديق للقرآن بأن نقول: “صدق الله العظيم” بالواقع، فهذا معناه أنّ الإسلام سيكون كتابًا نظريًا له وجود فقط في الكتب وليس له وجود في حياة الناس. إذًا هنا ستغيب مصداقية الرسالة المحمدية.
أين هو الإسلام الذي نزل وحيًا على قلب الرسول منذ أربعة عشر قرنًا؟ والسؤال المهم: أين نجده الآن؟ الجواب على هذه الأسئلة مهم جدًا. وأيضًا فيه مشاكل كثيرة، لأنّه أحيانًا الإنسان قد لا يمتلك الجرأة ليقول كل ما يريده. أعتقد أنّ الراحل محمد شحرور تخطّى هذا التابو، ونقد الجميع نقدًا علميًا موضوعيًا ستلاحظونه في هذا الكتاب لم يسلم أحد من مشرط النقد، وأنّ الكلمة العليا والقدح المعلّى كان للنصّ القرآني، وكما يقول القرآن نفسه: “فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ” (سورة الجاثية، الآية 6).
كيف يدعو الكتاب إلى فقه جديد يواكب الزمان والمكان؟
عودةً إلى كتاب “نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي: أسس تشريع الأحوال الشخصية”، وكما ذكرنا في البداية: إنّ الكتاب يتكوّن من أربعمائة صفحة، ومجموعة أبواب وفصول، خمسة فصول، ومجموعة أبواب. وهذا يدعونا ويُحفّز أن نقول للقارئ أو للمستمع أو للمشاهد الكريم: كل ما نطلبه منك أن تقرأ الكتاب وعلى مهل، وتستمتع بقراءته. ما نقوم به هنا هو طرح تساؤلات، طريق أبواب، فتح شَهِيّة، كيف تأكل الطعام؟ هناك مقدمات للطعام، كذلك هناك مقدمات، وأن لا تكتفي بالاستماع لما نعرضه الآن. اذهب إلى قراءة الكتاب، ضع الملاحظات التي تريدها، شاركنا في النقاش، هذا سيغنينا ويغنيك.
وما يقوله الراحل محمد شحرور في هذا الكتاب ليس هو نهاية المطاف، هو يفتح الباب، يؤسّس كالبنّاء، يضع أساسًا، لأنّي أعتقد، وهو ما يشير له في المقدّمة، أنّ الحاجة أصبحت مُلحّة لوجود فقهٍ إسلاميّ جديد، يُحاكي العصر، ويفهم الناس أنّ هذه عمليةٌ فقهيةٌ عمليةٌ متجددة، وهذه قاعدة مهمة في الفقه وضعها الفقهاء: إنّ النصوص متناهية، والوقائع غيرُ متناهية. وبالتالي لكلّ عصرٍ فقه.
ما معنى الكينونة والسيرورة والصيرورة في قراءة شحرور القرآنية؟
وهذا المحور الذي طرحه الراحل محمد شحرور في الباب الأول، الفصل الأول، حول محور الكينونة والوجود والصيرورة والسيرورة والأفعال: كان، وسار، وصار، الفرق ما بين السين والصاد. بالحقيقة هذه هي محور الفلسفة والعمود الفقري لكل الأبحاث الإلهية والطبيعية والإنسانية والفلسفية، حتى إنّ أحد الفلاسفة المعاصرين، وهو جان بول سارتر، قال: إنّ كل شيء ماهيته تسبق وجوده؛ فصانع الكرسي أو صانع التلفزيون تصوّره كاملًا قبل وجوده، إلّا الإنسان وجوده، كينونته سبقت ماهيته، الماهية تأتي فيما بعد. فالكينونة، بتعبير الراحل، هي أساس الوجود، والسيرورة هي حركة سير الزمن، والصيرورة هي ما انتهت إليه الكينونة الأولى بعد مرورها بمرحلة السيرورة؛ أي كل شيء متطوّر ولا يوجد شيء ثابت.
وهنا نلاحظ أمرًا مهمًا، هو التلازم والترابط بين هذه المحاور الثلاثة، فلا وجود لأحدها بعيدًا عن الآخر؛ فالسيرورة بالسين، في كونها حركة زمن، تبقى في فراغٍ إن لم تقع على شيء كائن متحرّك يخضع لها، ثم ينتهي ليصير بتأثيرها إلى صيرورة أخرى.
وفي القرآن الكريم يبحر الراحل محمد شحرور على بعض الآيات التي نصّت على أنّ من لا يؤمن ببعد الصيرورة فقد كفر بالله. وهذه قراءة جديدة لم يتحدث عنها أحد سابقًا.
وفي سورة الكهف يلفت المؤلف إلى موضوع السيرورة والصيرورة والكينونة، في الرجل الأوّل الذي دخل ظالمًا لجنّته، وبالتحديد من الآية 36 إلى الآية 39: “وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا”. والإبادة من الهلاك، فنفى بذلك قانون “كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ” (سورة القصص، الآية 88)، واعتبر أنّ هذه الجنّة مستقرة وثابتة وأنّها لا تتغيّر.
وبهذا، بتعبير المؤلف، نفى بذلك قيام الساعة، فكفر باليوم الآخر، والكُفر باليوم الآخر يستلزم الكُفر بمالك هذا اليوم تمامًا. كما أنّ الإيمان به يستلزم الإيمان به، لأنّه هناك مقدمات، أنت تؤمن بالله، هناك تفاصيل، تكفر بالله، هناك تفاصيل، فليس من المعقول أن شخصًا يكفر بالله ثم أطلب منه أن يؤمن باليوم الآخر، فهو كفر بالله وبما يستلزمه هذا الإيمان. عندما استنكر متسائلًا صاحبُه أو صديقُه، قال له صاحبُه وهو يحاوره: “أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا” (سورة الكهف، الآية 37)، فأنكرتَ محور الصيرورة (…).
بالمناسبة، هذا التفسير لن تجده في كتب التراث على الإطلاق، لأنّ هناك تفسيرات -ما أسميها أنا سطحيّة، أو تناولت موضوع الجنّة كما موضوع الكفر والإيمان. الراحل محمد شحرور وضع خيطًا رفيعًا عندما قال إنّ هذا الرجل كان كفرُه الأساس بمبدأ التغيير، ولجأ إلى الثبات، والثبات هو للبارئ أو للخالق عزّ وجلّ، عندما قال: “كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ” (سورة القصص، الآية 88).
وبذلك الإنسان الذي عليه الآن يتحوّل؛ حتى خلقُ الإنسان، لو جئنا لموضوع القرآن الكريم، نجد أنّ هناك عملية تحوّلاتٍ هائلة: يتحوّل الإنسان من صلصالٍ إلى فخارٍ، إلى ترابٍ، إلى ماءٍ، وهذا التحوّل، الصيرورة، بتحوّلات بمراحل عدّة.
في قوله تعالى: “ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا” (سورة الكهف، الآية 37). هنا يخاطبه، وقال: لا، أنت أنكرتَ محور الصيرورة الذي جعلك ما أنت عليه الآن. ومعروف التحوّلات الهائلة التي جاءت في قصّة الخلق القرآني في سورة “المؤمنون”، تحوّل الإنسان من التراب إلى ماءٍ، ثم تحوّله بدوره إلى صيرورةٍ ثانية، فثالثة، فرابعة، فعاشرة، لتنتهي إلى رجلٍ سويٍّ منتصبٍ على قدمين.
بالمناسبة، كلّ الأبحاث الآن الحديثة التي تتعلّق بعلم الأحياء ونظريّات داروين وأصل الأنواع، تقف على الإنسان المنتصب على القدمين: هل هو الإنسان الأوّل؟ ومتى تمّ هذا الانتصاب؟ ولم يصل العلم إلى كلمةٍ نهائيةٍ في هذا الموضوع، لكنّ القرآن يعطينا إشاراتٍ في ذلك.
إذًا كيف تُنكر أن تتعدّد هذه المحاور إلى ما وصلتَ عليه. أنت الآن نتيجةً من نتائجه وغايةً من غايات هذا التغيّر، وأيضًا هذا التغيّر سيطول جنّتك، لذلك وصفُه “وهو ظالمٌ لنفسِه”. من هنا نقول: إنّ التنزيل الحكيم كان منسجمًا مع نفسه تمامًا، ومع الوجود المادّي. وهنا نضع ملاحظةً مهمّة قالها الراحل محمد شحرور، وتجدونها في أغلب كتبه: إنّ الله عبّر عن الحقيقة المطلقة، أو عن الحقائق، فالقرآن الكريم بلسانٍ صوتيٍّ كونيّ، وأراد الله أن يعبّر عن هذه الحقيقة بالكلام. فنحن نعرف أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام عاش مع هذا التنزيل حوالي ربع قرنٍ من بعد نزوله، ثمّ فارقنا إلى الرفيق الأعلى، ولكن هذا التنزيل بقي لأنّه صوت الله؛ فالذي خلق الكون هو الذي أنزل القرآن، وكلام الله وفعله لا يفترقان.
من هنا كانت هذه القراءة المهمّة في أنّ هناك صيرورةً دائمةً لا تتوقّف عند حدٍّ معيّن، وأنّ هذا الرجل الذي دخل جنّته أراد إيقاف هذه الصيرورة. وهذا الذي يعطينا خيطًا رفيعًا عن حالة التخلّف والتردّي التي نعانيها في العالم العربي. قد يقول قائل: هي هناك مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية، لكن بالأصل هي مشاكل فكرية وثقافية أدّت بنا -كصاحب الجنّة- أن يصير موقفُنا أن نقف عند حدٍّ معيّن، ولا نلازم عملية التطوّر.
طبعًا في الكتاب يناقش الراحل محمد شحرور الفلسفةَ الماركسيّة وعلاقتها بموضوع الصيرورة والسيرورة، وموضوع نهاية التاريخ عند الماركسية عندما قسّموا المجتمعات إلى طبقات، وبالتالي هم حدّوا من حرّية الإنسان وقدرته وتفكيره. ونحن نعرف السقوط الهائل للماركسية الذي حدث بعد سقوط جدار برلين. أمّا في التنزيل الحكيم فالأمر يختلف: لا توجد هناك نهايةُ التاريخ، لا توجد هناك حتميّةٌ تاريخية بهذه العبارة؛ فحياة الإنسان وحريّته ورفاهيّته وتقدّمه هي غايةٌ دنيويّة، والجنّة غاية أخرويّة، والخير والشرّ مرتبطان بحياة الإنسان بشكلٍ كبير، فلا ينفي أحدُهما الآخر بل يتصارع معه، فلا يوجد إنسان مثاليّ تمامًا، ولا يوجد إنسان شرير تمامًا.
وطبعًا كلّ هذه الظواهر: خيريّةُ الإنسان، موضوع الصراع بين آدميّته وبين الشيطان، مربوطٌ بظاهرة الموت؛ أي إنّ وجود جدل الإنسان ووجود الكون مرتبطٌ بوجود ظاهرةٍ اسمها الموت. وهنا علينا أن نقرأ قوله تعالى، واقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ” (سورة الأنبياء، الآية 35). هنا تفهم، عزيزي القارئ أو المشاهد، أنّ الغاية التي يعطيها لك التنزيل الحكيم للوجود الكونيّ المادّي هي الساعة والبعث، وأنّ الغاية الدنيوية للإنسان هي الحياة والحرّية، وأنّ الغاية الأخروية له هي الجنّة: “يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ” (سورة الانشقاق، الآية 6).
هل توقّف تطور الفكر بينما واصل الكون والإنسان صيرورتهما؟
وحتى نلملم أطراف الموضوع، كبسولة مضغوطة، لما تكلّمنا فيه بصيغة أكثر تبسيطًا: إنّ الراحل محمد شحرور يربط بصورةٍ عبقرية بين قانونٍ كونيٍّ جدليٍّ فيزيائيّ يرتبط بقانون الثبات والتغيّر والصيرورة والسيرورة، وأنّ هذا القانون لن يفلت منه أحد؛ فالكينونة وموضوع الصيرورة وتطوّر الإنسان عبر التاريخ حتى إذا وصل إلى انتصاب القدمين، ثم يربط هذا بإحكام وبحذاقة عالية مع الآية القرآنية في سورة الكهف، 36 إلى 39، الخطاب بين صاحبٍ وصديقه: “وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ…”، وقال العبارة التي هي محور الموضوع: “مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا”. فقال بالثبات، والثبات شركٌ بتعبير شحرور، وهو كفرٌ بقانون التطوّر. “قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ…” وليس هو يقتله، حوارٌ، العملية تبادلُ الأفكار، وللأسف هذا ما نفتقده اليوم في عالمنا – “قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا” (سورة الكهف، الآية 37).
لو استعرضتَ في القرآن مسافةً بين ترابٍ وبين “سوّاك رجلًا”، ستجد مرّ الإنسان بمراحل هائلة ذكرها القرآن في مراحل خلق الإنسان؛ هذه العملية التطوّرية التي وُضعت على الإنسان مادّيًا على جسده هي عمليةٌ كونيةٌ تطال كلّ شيء.
ولكن برأي شحرور -وعلينا أن نقرأ المحذوف بين السطور، فأحيانًا هو يضع رسائل مشفّرة بين الكلام- هذا التغيّر المادّي الهائل الذي حدث للإنسان من التراب إلى انتصاب القدمين لم يحدث في مجال الفكر والمجال المعنوي في الإنسان؛ فكأنّ هناك خطّين: خطّ تقدّم هائل، خط مادّي يتعلّق بخلق الإنسان والموجودات من حوله، لكن هذا الخطّ الفكري توقّف عند حدٍّ معيّن. ويقول إنّه –الراحل شحرور- من تقريبًا القرن السابع الميلادي ومراحل نشوء الفقه إلى القرن الثالث الهجري، فمازلنا نعتاش ونقتات على هذا الفقه، وكلّ ما نسوّيه هو عملية شرحٍ وإعادة صياغةٍ من جديد.
لماذا هذه النصوص لم تُبعث بها الحياة؟ لماذا لا تخضع لقانون الصيرورة والسيرورة وهو قانونٌ كوني؟ بل إنّ كلّ المباحث الفلسفية والاجتماعية والدينية تدور حول هذا القانون.
إذا توقّف الفقه عند نقطةٍ معيّنة، وأنّنا نجلس بين قدمي فلانٍ وعلان من الفقهاء، هو الذي أدّى إلى حالة التردّي التي نعاني منها اليوم. الفقه الإسلامي يخضع لقانون الصيرورة والسيرورة والتغيّر والتبدّل، وهذا هو الهدف الأساسي من رسالة هذا الكتاب، والتي في ثنايا الكتاب -عندما نخوض في قضايا هائلة مثل الإرث ومثل الوصية ومثل القِوامة ومثل التعدّدية ومثل حتى اللباس وأخرى- سنجد أنّ هناك انسدادات هائلة في كتب الفقه، وأنّنا نعاني في المحاكم الشخصية اليوم وفي النزاعات وفي الصراعات؛ لأنّنا أوقفنا الفقه عند حدٍّ معيّن، ولم يخضع هذا الفقه لقانون الصيرورة والسيرورة وهو قانون كونيٌّ جدليّ ينطبق على كلّ شيء.
ما ملامح المجتمع العربي عند البعثة وكيف شكّل خلفية للفقه؟
في الكتاب أيضًا الراحل محمد شحرور، على ما سبق، حتى يعطي فكرةً للقارئ وتكون الأفكار عنده متسلسلة وواضحة: ما هي الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي كانت فيها الجزيرة العربية أو العرب عند بداية البعثة المحمدية التي لاحقًا على أساسها تأسّس هذا الفقه؟ فالعرب عند بداية البعثة المحمدية كانوا مجموعة قبائل متفرّقة، لكلّ قبيلة مجالها الحيويّ والخاصّ بها. طبعًا الرعيُ والغزو كانتا هما المهنتين الرئيسيتين في وقتها؛ يعني المواضيع التجارية، ما هي أداة الحصول على الثروة؟ وهي مسألة مهمّة. كان موضوع الرعي، موضوع الغزو، إضافةً إلى التجارة التي تركزت بصورة أساسية في مكّة، والقرآن تكلّم عن هذا وعن رحلة الإيلاف وغيرها. والزراعة في الطائف ويثرب واليمن.
والملاحظة المهمّة: لم تكن عند العرب حكومةٌ مركزية، لكنّهم كانوا واعين تمامًا بما يجري من حولهم، وكان العرب متفرّقين لكنّهم كانوا أحرارًا غير تابعين في معظمهم لأحد. والنظام الاجتماعي لديهم في ذلك الوقت في القرن السابع الميلادي يقوم على الأسرة والعشيرة والقبيلة؛ فقريش -على سبيل المثال- كانت تتألّف من عشرة بطون، أحدُها بنو هاشم الذين ينتسبون مع بني أميّة إلى بني عبد مناف. فكان الرسول الأعظم منهم، وقد مارس النبي صلى الله عليه وسلم مهنة قومه في الرعي والتجارة.
أمّا من الناحية الأخلاقية في ذلك الوقت فكانوا يتّصفون بكلّ ما يتّصف به أمثالُهم من حميّة أسريّة وعشائريّة وقبليّة وكرم وصدق ووفاء.
أمّا من الناحية العقائدية كان العرب وثنيّين، لكنّهم كانوا يعترفون بالإله الواحد، والأصنام عندهم تُقرّبهم إلى الله زُلفى: “وَمَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى” (سورة الزمر، الآية 3). أمّا من الناحية الفكرية والدينية فكانوا منفتحين على الآخر؛ فالعرب فيهم من هو نصرانيّ، أو يهوديّ، أو وثنيّ، أو حنيفيّ. ومن الناحية الاجتماعية كانت قضيّة الرقّ موجودة ومقبولة في وعيهم الاجتماعي، وكانت الزراعة والمِهن الأخرى بيد الأعراب والموالي؛ لأنّهم كانوا يحتقرون هذه الأمور.
وكان مفهوم وليّ الأمر سائدًا قبل عصر التنزيل؛ فرغم أنّ السيّدة خديجة بنت خويلد كانت صاحبة مالٍ وتجارة وقرار مستقلّ، فإنّ النبيّ حين خطبها قبل البعثة جاء في وفدٍ من الذكور من بني هاشم، واستقبلهم الذكور من أهلِ خديجة، وتمّت الخطبة والزواج.
هنا العبارة المهمّة: ما زالت ذهنية وليّ الأمر إلى الآن بالنسبة إلى المرأة هي التي تحكم وعينا الاجتماعي؛ هذا يدلّ أنّ الفقه لم يتطوّر ولم يتغيّر.
هذه هي بعضُ طبائع العرب والقوم الذين أسّس النبيّ منهم وبينهم دولتَه المركزيّة، وكانت عاصمتها المدينة المنوّرة تضمّ كلّ شبه جزيرة العرب؛ كان فيها نبيًّا ورسولًا ومؤسّس دولة، أي مُشرّعًا وصاحب سلطةٍ تنفيذية.
لماذا تحوّلت مشكلة الحكم والشرعية إلى عقدة تاريخية مستمرة؟
وبرأي الراحل محمد شحرور أنّ المسلمين بعد رحيل النبيّ الكريم إلى الرفيق الأعلى لم تكن عندهم مشكلة النبوّة أو الرسالة في أنّ النبيّ محمدًا هو رسول؛ هذه المشكلة لم تكن موجودة. ولكن كانت مشكلةٌ عويصة، أستطيع أن أقول شخصيًّا إنّها مشكلة موجودة إلى اليوم: هي مشكلة الحكم والشرعيّة وطريقة انتقال الحكم والخلافة والمُلك من خليفةٍ إلى آخر. وهنا يضع يده، محمد شحرور، على حروبِ الرِدّة، فيرى أنّها كانت حروبًا سياسيّة لمنع الانفصال والمحافظة على الدولة ومركزيّتها.
وإذًا بهذا بقي المُلك، وقضيّة الحكم هي المشكلة الأساسية؛ فيحاول كلّ طرفٍ يستولي على الحكم وينادي أنّه الوريث الحقّ أن يحصل على الشرعيّة ليقول: أنا الأحقّ بها. فاختلط مفهوم الرسالة بمفهوم النبوّة بمفهوم المُلك.
وأصبحت المشكلة – كما يرى قارئ التاريخ – هي البحث عن غطاءٍ أيديولوجيّ؛ فكلّ دولة، فكلّ إمبراطورية، فكلّ حاكمٍ يحاول أن يحصل على الشرعيّة ويقول: أنا امتدادٌ للرسالة المحمديّة، مع أنّ هناك فصل الرسالة والنبوّة موجودة، لم يحدث لها أيّ تغيير؛ المشكلة حدثت لنا في مسألة تولّي السلطة السياسيّة ومن له الشرعيّة في ذلك. طبعًا الراحل محمد شحرور في الكتاب يُفصّل في هذا الموضوع والذي سنأتي عليه لاحقًا. أمّا موضوع الشرعيّة والمُلك فلم يأتِ في القرآن إلّا في آيةٍ واحدة – كما يقول الراحل محمد شحرور – في سورة النمل، آيةٍ 16، الخاصّة بعلاقة التوريث ما بين النبيّ داود والنبيّ سليمان. لكنّهم اختلفوا في تفسير هذه الآية. فمنهم من قال: المال والمُلك؛ لأنّ النبوّة لا تُورَّث. فردّ عليهم آخرون بحديثٍ نبويّ مشهور: “نحن معاشرَ الأنبياءِ لا نورّث، ما تركناه صدقة”.
ولم يجد الباحثون عن الشرعيّة في التنزيل الحكيم سوى آيات العرف وآيات طاعة أولي الأمر. فإذا عدنا إلى ما قيل عن الحكم الأُموي وإلى زمن وفاة النبيّ وجدنا أنّ كلّ هذه الأمور لم يكن لها محلّ في النزاع؛ فحين توفّي الرسول الأعظم كان الأنصار والمهاجرون، ومعروفٌ ما حدث في سقيفة بني ساعدة والنزاع الهائل هناك، ولم يخرج النقاش في ذلك الوقت عن الأسبقيّة في نشر الرسالة وتأسيس وتثبيت دعائم الدولة.
وبتعبير الراحل محمد شحرور – وكما تنقل لنا كتبُ التاريخ – سارع عمرُ بن الخطّاب في مبايعة أبي بكرٍ الصدّيق حسمًا للخلاف والنزاع. وما كانت خلافةُ عمرَ بن الخطّاب تُقارب نهايتها حتّى كانت الدولة قد كبرت، والغنائم كثرت، والدولة توسّعت في الأمصار، في المدينة وغيرها. وانتقلت الخلافة إلى عثمانَ بن عفّان سنة 24 هجرية، وبدأت مظاهر العصبيّة تطبع السلطة. ومضى عثمانَ يُعيّن أقاربه من بني أميّة في السلطة، لا على أساس الأمانة والكفاءة، بل على أساس القرابة.
وعندما استلم عليّ بن أبي طالبٍ الخلافة كان مفهومُ التعصّب الأُسَريّ والقبليّ مُسيطرًا، وكانت القوّة الماليّة والعسكريّة والسياسيّة قد انتهت لبني أميّة، فاستطاعوا أن يجعلوا من قميص عثمان حجّةً، ومشكلةً في وقتٍ كان فيه كثيرٌ من كبار الصحابة قد ذهبوا.
وفي العهد الأُموي الذي جاء في سنة 40 هجرية، وتقريبًا استمرّ قرنًا، وُضِع غطاءٌ أيديولوجيّ يقوم على طاعة أولي الأمر تكريسًا لواقعٍ قضاه الله ولا سبيل إلى ردّه. فكان عليهم – بتعبير الراحل محمد شحرور – أن يُحرّفوا مفهوم القضاء والقدر بما يتناسب مع دعم وتثبيت مُلكهم؛ فحاول فقهاء السلطان وضع تعريفٍ يقول: إنّ قضاء الله هو علمُه الأزليّ، وإنّ القدر هو نفاذُ هذا العلم. فالله يعلم منذ الأزل أنّ بني أميّة سيستلمون الحكم، فلا سبيل إلى وقف القدر القاضي بنفاذ هذا القضاء. وكان كلّ من يُعارض أو يُحارب حكم بني أميّة إنّما يُحارب قضاء الله وقدره. وبذلك ضَمِنُوا الشرعيّة لمُلكهم.
أمّا العباسيّون فكان الوضع أسوأ؛ اتّخذوا لحكمهم غطاءً أيديولوجيًّا يقوم على أساس القرابة من النبيّ والحقّ في مِيراثه. فكان على العباسيّين – بتعبير الراحل محمد شحرور – أن يقلبوا آيات الإرث والوصيّة على نحوٍ تصلح معه أن تكون غطاءً شرعيًّا لحكمهم؛ فصار الولدُ ذَكَرًا، رغم قوله تعالى: “يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ” (سورة النساء، الآية 11).
ورغم أنّ سامع هذه الآية والقارئ يفهم أنّ الأولاد فيهم الذكور وفيهم الإناث. وأنّ الولد يكون ذَكَرًا ويكون أنثى؛ لكنّ الأنثى صارت لا تحجب، وذلك لإخراج فاطمةَ وأبنائها من اللعبة السياسية.
ثمّ أرسَوا قاعدةً – أي العباسيون – “لا وصيّة لوارث” لإخراج الإمام عليٍّ وأبنائه وأحفاده من لعبة الحكم والمُلك، ونسبوها إلى النبيّ. فأسّسوا بذلك – بتعبير الراحل محمد شحرور – لـ أخطر سابقةٍ عرفها التاريخ الإسلاميّ: هي أنّ السنّة – أي الحديث النبويّ – ناسخةٌ للقرآن، وأنّ القرآن أحوج إلى السنّة من السنّة للقرآن. تعالى الله عمّا يصفون.
حتّى إنّي مرّة قرأتُ تعبيرَ الأوزاعيّ – وكان فقيهًا معاصرًا للحكم الأُمويّ – قال: إنّ السنّة قاضيةٌ على القرآن. لقد كان الإمام الشافعيّ على رأسِ من قال بهذا؛ رغم أنّه في كتابه الرسالة يُنكر دَور الآحاد في مجال العقائد، ومع ذلك يأخذ بحديث الآحاد من أهل المغازي؛ فكان تناقضُه مع ذاتِه في هذه المسألة أبلغَ في إثارة الدهشة من تناقضه مع غيره.
كان العباسيّون يرتكزون في مشاريِعهم على تغطية آيات أحكام الإرث، وجعلِها لمصلحتهم من جهة، وعلى إرادة الله واختياره من جهة أخرى.
وإذا كان الأُمويّون قد أوجدوا مفهومًا للقضاء والقدر فتحوا به بابَ القول بالجبرية – وستجدون في علم الكلام، هناك باب شهير بعنوان الجبرية الأُمويّة التي أتى بها معاوية تحت عنوان حتميّة المحكوم والحاكم – فإنّ العباسيّين – ونحن ورثنا الفقه عن العباسيّ، نستطيع أن نقول هو فقهٌ عباسيّ – أوجدوا مفهومًا للإرادة الإلهيّة أخرجوا به الحاكمَ من خندق الجبرية إلى قضاء الحكم باسم إرادة الله ومشيئته.
يقول عثمانُ بن عفّان – وهو من بني أميّة – للمعارضين الذين يطلبون منه التخلّي عن الخلافة: واللهِ لا أخلعُ ثوبًا ألبسني إيّاه اللهُ، واضعًا بذلك أساس القدر والجبر عند الأُمويّين من بعده.
وتجد أبا جعفر المنصور يقول في خطبةٍ له: أيها الناس إنما أنا سلطانُ الله في أرضه، أعملُ بمشيئته، وأقسمُ بإرادته، وأعطي بإذنه. إذًا الحاكمُ العباسيّ إنما يعمل ويعطي ويمنع بمشيئة الله.
ويروي الطبريّ في تاريخه أنّ الإمام محمدَ بنَ عبدالله، الملقّب بالنفس الزكيّة، خرج على طاعة أبي جعفر المنصور. وخرق طاعة بني العباس. فأرسل إليه المنصورُ يدعوه إلى التوبة، ويُعطيه الأمان. فردّ عليه الإمامُ محمدٌ يدعوه إلى الدخول في طاعته، ويختم الرسالة قائلًا: أنا أولى بالأمر منك، وأوفي بالعهد؛ لأنك أعطيتني من العهد والأمان ما أعطيته رجالًا قبلي. فأيُّ الأمان تعطيني؟ أمانُ أبي الهُبير، أم أمانُ أبي مسلم الخُراساني؟ معروفةٌ: أولئك لَقوا مصرعهم على يدِ أبي جعفر المنصور (…). فيردّ عليه برسالةٍ، ويُوضّح بوضوحٍ وارتكازٍ – هو موضوع الإرث في إثبات الشرعية، آيات الإرث التي تلاعب بها العباسيون – فيقول: فقد بلغني كلامك وقرأتُ كتابك، فلذا جلّ فخرك بقرابة النساء لتُضِلّ به الجُفاة والغوغاء. ولم يجعلِ اللهُ النساءَ كالعموم والآباء، ولا كالعِصَبة والأولياء؛ لأنّ الله – وهذه لعبةُ العباسيين لأنّه معروف: العباس عمّ النبي – لأنّ الله جعل العمَّ أبًا وولدًا في كتابه على الوالد الأدنى (…). فقال جلّ ثناؤه عن نبيّه يوسف: “وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ” (سورة يوسف، الآية 38).
بهذه الفقرة – يرى الراحلُ محمد شحرور – أننا نرى غيابَ الوضوح في الفرق بين الأب والوالد، والاتكاء على الروح الذكورية، التفسير الذكوري السائد آنذاك. وهذا ما دفعنا – بتعبير الراحل محمد شحرور – إلى أن نعيد مجددًا قراءةَ آيات الإرث، وأحكام الحجاب والقِوامة ومفهوم النشوز، بعيدًا عن كل موروثٍ أمويّ وعباسيّ. وأيضًا بعيدًا عن كل تأويلٍ وفقهٍ في إثبات حقّ هؤلاء وأولئك في الحكم. ومن السخافة – بتعبير الراحل – أن يدافع الإنسان اليوم في القرن الحادي والعشرين عن تطبيقٍ منحرف لآيات الإرث فرضته السلطات، سواء كانت أمويةً أو عباسيةً، لإبعاد الهاشميين تارةً، والطالبيّين تارةً أخرى. ويتصوّر أنه بدفاعه عنهم يدافع عن الإسلام.
ومن المثير للسخرية أن يتمسّك الإنسان اليوم بنظرةٍ فوقيّة إلى المرأة، جاءت من عصورٍ ذكورية، كانت فيها المرأةُ والكلبُ الأسودُ والحمارُ من مُبطلات الصلاة كما تجدونها في كتب الفقه.
إنّ للعلوم – وهذا التعبير أعتقد خاص بالراحل محمد شحرور، حاول أن يدخل هذا الميدان – وعلى رأسها الرياضيات خاصة، لها علاقة مباشرة بفهم وتطبيق آيات الإرث.
هل ورثنا فقهًا أُمويًا عباسيًا مقطوع الصلة بالتنزيل الحكيم؟
في الرسالة أو المختصر المفيد الذي أراد أن يوصله الدكتور محمد شحرور في هذا الفصل المهم جدًا: إنّ تصوراتِنا عن الله، وعن الرسول، وعن النبيّ، وعن الأحكام الشرعية، هي تصوّراتٌ مشوّهة؛ لأنها جاءت من فقهٍ بشريٍّ مشوّه، لم يخضع للنقد أو التدقيق. وساح بنا سياحةً فكريةً بدءًا مما حدث في سقيفة بني ساعدة، من الأثر الأمويّ والعباسيّ. وأننا ورثنا فقهًا أُمويًا عباسيًا فاسدًا، ليس له علاقةٌ بالتنزيل الحكيم؛ فتارةً نجد أنّ الفقه الأمويّ، أو الحكم الأمويّ، تلاعب بمفهوم القضاء والقدر وبمفهوم الجبرية الأموية، الذي ينصّ على أنّ كل شيء مكتوبٌ سلفًا، وأنّ القضاء هو تنفيذُ هذا القدر؛ وتارةً نذهب إلى العباسيين الذين كان حالُهم أسوأ، عندما يذهبون إلى مفهوم الوراثة ومفهوم التلاعب بمفهوم القرابة، ثم يأخذون الشرعية. ولم يكتفوا بموضوع الشرعيّة، وهم البيعدون وهو الأعمام، بل يحاربون الناسَ الأقرب إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام، وهو الإمام عليّ وأحفادُه، فيحرمونهم من الميراث.
وستجدون في كتب التراث – أنا شخصيًا رجعتُ – نقاشاتٍ هائلةً بين أئمة أهل البيت والخلفاء العباسيين منهم هارون الرشيد أو المأمون، وكلّ طرفٍ يأتي بآيةٍ قرآنيةٍ يُنافح عن رأيه؛ بتعبير الراحل محمد شحرور: هذا الكلام ليس له في الإسلام علاقةٌ لا من قريبٍ ولا من بعيد. فهم لم يُلقوا نظرة على القرآن الحكيم ليعرفوا أن القرآن ليس له علاقةٌ بهذا الخلاف.
المشكلة – بتعبير محمد شحرور – أنّ هذه الخلافات والصراعات في كتب الفقه نُقلت إلينا إلى اليوم، ولم يحاول أيّ طرفٍ – حتى أنا مرّةً استمعت إليه شخصيًا – يقول: إنّي أستغرب، عندما رجعتُ إلى التنزيل الحكيم والقرآن، وقلتُ بعد أربعة عشر قرنًا: هل من المعقول أنّني أوّل شخص – محمد شحرور يتكلم عن نفسه – أضع يدي على هذه الأمور، على هذه الجروح، على هذه الخلافات؟ وأنّ الناس استبعدت القرآن الكريم بصيغةٍ تامة، ولجأت إلى فقهٍ مشوّه، فقهٍ أُمويٍّ أو عباسيٍّ، حاولت كلّ سلطةٍ كتابتَه بواسطة الفقهاء.
لذلك لجأ الراحل محمد شحرور إلى لغة الرياضيات، لغة العلم والتكنولوجيا؛ هذه اللغة لا تكذب ولا تُحابي أحدًا ولا تجامل أحدًا، حتى قيل إنّ لغة المعادلات الكونية قد كُتبت بلغة الرياضيات، سواء في الفلسفة أو المنطق أو اللسانيات أو علم النفس والاجتماع. ويضرب أمثلةً بديعةً في هذا المجال. فمثلًا – على سبيل المثال – القاضي في يومنا هذا لا يحتاج لإلقاءِ الطفلِ في النار ليعرفَ من هي أمُّ الطفل الحقيقية كما جاء في قصةٍ شهيرةٍ في التراث، أو كما تروي الأخبار؛ إذ يكتفي القاضي خلال دقائق بأن يُحلّل الجينات مختبريًّا ليحصلَ على الجواب.
ودارسُ الفقه اليوم في القرن الحادي والعشرين لا يحتاج إلى استظهار ألفيّة ابن مالك وحاشية ابن عابدين وحفظها عن ظهر قلب، بل تكفي ضغطةُ زرٍّ واحدةٌ على “جوجل” أو على الإنترنت ليحصل على ما يريد.
باختصار، ولنلم أطراف الموضوع، ثورةُ المعلومات الهائلة اليوم يستطيع الفقيه أو الباحث أن يستفيد منها، وأن يُحدث قطيعةً معرفيّةً عمّا ورد من الأوائل؛ لأنّ كثيرًا ممّا في كتب الأوائل صراعاتٌ فكريةٌ وتعصّباتٌ ليس لها علاقةٌ بالإسلام.
علينا – شحرور يؤكّد – أنّ تغيّر الأحكام يكون بتغيّر الزمان؛ فإنّنا نقرّر بهذه القاعدة أنّ الأحكام تتغيّر أيضًا بتغيّر النُّظم المعرفية. وهذا مثلًا ما ستجده في الفقه الشافعي الشهير؛ فالشافعي في بغداد كتب فقهًا، وعندما تمصّر – ذهب إلى مصر – كتب فقهًا آخر؛ السؤال: ماذا سيكتب الشافعي لو كان في لوس أنجلس؟
من هنا مطلوبٌ منّا إجراءُ مراجعاتٍ لكلّ الفقه الإسلامي الذي ورثناه، وأن نعتمد على العلم والقراءة المعاصرة؛ فاعتماد الباحث المعاصر أو الفقيه أو الباحث عن الحقيقة واحتكامه إلى التكنولوجيا الهائلة والرياضيات وغيرها سيصل إلى نتائج تختلف عمّا توصّل إليه الآخرون. والمسألة – بتعبير الراحل محمد شحرور – ليست قضيّةَ ذكاء وغباء، ولا قضيّة تقوى، بل ببساطة: إشكالية نعيشها، ونظامٌ معرفيّ نقف عليه لنرى أين توصّلت البشريّة.
وينقل الراحلُ محمد شحرور حوارًا طريفًا، عندما قال له شخصٌ ذات يوم: كتبُك ثقيلةُ الحجم، عسيرةُ الهضم، لك فيها أسلوبٌ لم نعتده. فقلتُ له باختصار: إنني أدعو – ببساطة – إلى تناول كتاب الله بقراءةٍ معاصرة. أمّا القراءةُ، فكان من شرفِها أنها أولُ فعلِ أمرٍ نزل به الوحي: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” (سورة العلق، الآية 1)، معروف إلى نهاية الآية، في غار حراء. والقراءة – بتعبير الراحل – هي استدلالٌ وتأمّلٌ وإدراكٌ واستعراضٌ وتحليلٌ يصل بعدها القارئ إلى فهم ما يقرأ. وأمّا المعاصرة، القراءةُ المعاصرة، فهي من العصر، ويكفي فخرًا أنّ الله تعالى جعلها محلًّا للقسم في كتابه الكريم.
إنّ اتباع الآباء يدفع المصاب به إلى تكفير الآخرين وتكذيبهم وإلى اتّباع الهوى كما جاء في سورة القمر “اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ” (سورة القمر، الآيتان 1-2).
كيف يعيد شحرور فتح ملف الوصية والإرث ضد مقولة «لا وصية لوارث»؟
بعد الانتهاء من المواضيع الجدلية التي أُثيرت في مقدّمة الكتاب عن الصيرورة والسيرورة، والتغيّر، والنزاعات حول الفقه والسياسة، والاختلاف في موضوع الشرعية، نأتي إلى واحدٍ من أهم الأبحاث في كتاب “نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي”: هو مبحث الوصيّة والإرث. فبرأي الراحل الدكتور محمد شحرور أنّ الدول العربية تعتمد في تطبيق قوانين الأحوال الشخصية التي تكلّمنا عنها – أي الوصيّة والإرث والقِوامة والزواج والطلاق – على فقهٍ قديم، أي ما سطّره الفقهاء الأوائل، ولا يمتلك أحدٌ الجرأة الآن لإعادة النظر في كل ما كُتب، وخاصةً أنها تمسّ هذه الأمور، أمورًا أساسيةً في حياتنا.
قوانينُ الإرث التي نُقلت لنا من السادة الفقهاء عبر القرون الأولى هي يزعمون أنّها تُمثّل الإرادة الإلهيّة. وهنا يجب أن نتوقف قليلًا عند هذا السطر: القرآن الكريم نصٌّ مطلقٌ أنزله الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لكنّ فهم القرآن نصٌّ نسبيّ؛ لم يُنزل الله مع القرآن مذكّرةً تفسيريّة. وأي باحثٍ في التراث لو أراد أن يرجع إلى مثلًا النزاع الهائل بين ابن عباس – وهو تُرجمان القرآن وأعطاه الله علم التأويل – وبين زيد بن ثابت، النزاع حول آية الإرث وغيرها من هذه الآيات، هذا يعطينا أنه لا يوجد رأيٌ نهائيّ في تفسير الآية القرآنية، وأنّ حرفًا واحدًا مثلًا قد يختلفون في تفسيره. مشكلةُ الفقهاء في هذا الموضوع أنّهم قد أجمعوا على آراء معيّنة. وهنا أنا أشير إلى نقطةٍ في الفقه الإسلامي: موضوع الطلاق، سنأتي لها لاحقًا، لكن لا مانع من أن نصل إليها الآن؛ كيف تُجمع المذاهب الأربعة على موضوع وقوع الطلاق ثلاثًا عن طريق الكلام، النطق؟ عندما تقول لزوجتك… يعني يقول الزوج لزوجته: أنتِ طالق ثلاث مرات. وهذا أحدث مشاكل هائلة. أنا أعرف شخصيًا في بعض الدول، اضطُرّ بعض الأشخاص أن يُغيّروا مذاهبهم؛ لأنّ هناك آراءً أخرى تقول: لا، هذه طلقةٌ واحدة، فهو تكرارٌ بالكلام وليس الثلاث حالات؛ القرآن تكلّم عن ثلاث حالات، وليس ثلاث كلمات.
من هذا الباب يرى الراحل محمد شحرور أنّنا لا نستطيع أن نعود إلى هذا الفقه وما توصّل إليه الفقهاء؛ لأنه سيخلق لنا مشاكل على الواقع؛ فآراؤهم هي آراءٌ نسبية ومتغيّرة وليست خالدةً إلى قيام الساعة.
ومن هذه المواضيع الخاصة: توزيع التركات على الورثة، وأهم تلك الإشكالات التي تظهر في قوانين الإرث – كما فهمها الفقه الموروث -. من مشاكل الفقه الموروث، بتعبير الراحل محمد شحرور، نقطةٌ مركزيةٌ مهمّة جدًا: أنّه يُعطي الأولوية المطلقة للإرث وأحكامه على الوصيّة وأحكامها تحت شعار “لا وصيّة لوارث”؛ علمًا أنه إذا نظرنا في التنزيل الحكيم وجدنا أنّ للوصية عشر آيات، وللإرث ثلاثًا، وأيضًا وجدنا أنّ الله تعالى – في أربع مواضع من آيات الإرث – يُعطي الأولوية للوصية في توزيع التركة، فيقول: “مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ”. ولا يحتاج المتأمّل إلى أكثر من نظرةٍ خاطفةٍ ليفهم هذا؛ في آيات الإرث تبدأ من سورة النساء، من آية اثنتي عشرة، وتنتهي بسورة النساء، آية ثلاث عشرة: “يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ” إلى نهاية الآية (سورة النساء، الآية 11).
لذلك هنا الفقه الموروث، اعتمادًا على كتابات الفقهاء، قاموا بعملية نسخٍ: أن يأتي حديثٌ أو تأتي سنّةٌ، فنسخت كلّ هذا الكلام. وهذا ما يُعطي مشكلةً كبيرة؛ أنّ صاحب الأملاك لا يستطيع أن يوصي، وأنّ وصيّته مُلغاةٌ تحت شعار الإرث.
والقرآن الكريم يستعرض في سورة النساء من آية اثنتي عشرة إلى ثلاث عشرة هذا الموضوع، بل ويُقدّم الوصيّة على الإرث كما استعرضنا في هذه الآية.
وأيضًا بتعبير الراحل محمد شحرور، هناك إصرارٌ على نسخ آيات الوصيّة بما جاء في قوله تعالى: “يُوصِيكُمُ اللهُ” في بداية “سورة النساء” آية اثنتي عشرة؛ فالله سبحانه وتعالى يوصي حين لا يوصي المرء، ويُقرّر سبحانه في وصيّته أنّ الإرث وقواعدَه، قواعدُ الإرث لكل من المعروف والمشهور أنّ جميع كتب التفسير المتداولة، بما فيها التفسير الكبير للإمام فخر الدين الرازي، تقوم على الاعتقاد بالنسخ والقول به، ومنها: آيات أحكام الوصيّة، والمعروف أن الرازي كان شافعي المذهب، التي زعموا أنّ أحكام الإرث نسختها، وأحكام الإنفاق والصدقات التي زعموا أنّ أحكام الزكاة نسختها، وأحكام فدية الصيام التي زعموا أنّها منسوخة، وأحكام النهي عن البدء بالقتال التي زعموا أنّها منسوخة، وحكم “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” الذي زعموا أنّ آية السيف نسخته، وحكم أكل مال اليتامى ظلمًا الذي زعموا أنّه منسوخ.
ومن المعروف والمشهور أنّ من يقول بالنسخ يقول بأسباب النزول؛ إذ هما توأمان من توائم علوم القرآن، مثل علم القراءات وعلم التجويد. والقولُ بالنسخ وبأسباب النزول وتكريسهما علومًا قرآنيةً هو تقزيمٌ، ومسخٌ لعالميّة الرسالة المحمدية، وتعطيلٌ لقوله تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ” (سورة الأنبياء، الآية 107).
ونتساءل: لماذا لا يلتزم العلماء الأفاضل بهذه السنّة الشريفة فيتركون أموالهم صدقةً؟ أليسوا في زعمهم ورثة الأنبياء؟ أم أنّ السنّة النبوية الشريفة عندهم هي حجّةٌ للسيطرة على عقول الناس؟
لذلك في هذا الكتاب، الراحلُ محمد شحرور يوضّح التناقض في ذلك. فإذا في قراءة آيات الإرث يضعون حدودًا للوصيّة بما لا يتجاوز الثلث من المال، بناءً على الحديث المنسوب إلى النبيّ: “الوصيّةُ بالثلث، والثلثُ كثير”، علمًا أنّ الله تعالى في التنزيل الحكيم لم يضع حدودًا للوصيّة، وإنّما وجّه فئاتٍ مستحقّةً ليأخذها الإنسان بالاعتبار في حال ترك وصيّة.
يتمّ الخلط بين مفهومين: الحظّ والنصيب، فيرى أنّ هذا هو ذاك، ويقود ذلك إلى الخلط بين آيات الإرث وآيات الوصيّة على اعتبار أنّ الولد في آيات الإرث ولدٌ ذكر، والذّكر وحده الذي يحجب ويمنع، أمّا الأنثى فلا تحجب ولا تمنع. وهذا خرقٌ صريحٌ لقوله تعالى: “يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ”، الذي يفترض الذكورة والأنوثة في الولد، وخرقٌ صريحٌ للسان العربي الذي يحتوي ألفاظًا لا تُؤنَّث وتدلّ على الجنسين، كقولك: عَبوس، وأرمل، وزوج، وولد، للذكر، والمفردات نفسها للأنثى؛ ليس في اللسان العربي عبوسة، وأرملة، وزوجة، ووَلدة، وهو ما لا يخفى على أهل الاختصاص.
اعتبر قوله تعالى – والرأيُ لشحرور – يُوصِيكُم”في أولادِكُم” كأنّه يوصيكم في بناتكم، فالولدُ يُطلق على الذكر والأنثى، ويُحجب في النتيجة – بهذا الفقه الموروث – ميراثُ الحفيد من جدّه. ويعتبرون قوله تعالى: “فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ” كأنّه قال: فإن كنّ نساء اثنتين فما فوق، وهو غير ذلك كما لا يخفى على العاقل. واعتبروا قوله تعالى: “لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ” كأنّه للذّكر مثلُ حظَّيْ الأنثى، أو للأنثى نصفُ حظّ الذكر، وهذا خطأٌ فادح. والحكاية – والسبب في ذلك الخطأ الشهير – أنّ السادة الفقهاء فسّروا كلام الله تعالى بعقليةٍ متعصّبةٍ ذكورية، وبروحٍ مجتمعيّةٍ ذكورية، ثم زعموا أنّ هذا هو المراد الإلهيّ في موضوع التفضيل بين الرجل والمرأة، كما في القصّة الشهيرة في سورة آل عمران: “إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ” (سورة آل عمران، الآيتان 35-36).
ونحن نرى – تعبير الراحل محمد شحرور – في هذا القول: “وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ” (سورة آل عمران، الآية 36) لا نرى أنه تفضيلٌ صريحٌ.. أو هو يرى أنّ هذا هو تفضيلٌ صريحٌ للأنثى وليس للذكر.
ويُعطينا الراحلُ الدكتور محمد شحرور مثالًا تطبيقيًّا تنقله لنا كتبُ الفقه الموروث أو كتب التراث عن حالة امرأةٍ توفّيت تاركةً وراءها زوجَها وأبوين؛ يقول ابن عباس: نُعطي الزوج نصفَ التركة، والأمّ ثلثَها، والأب سُدسَها. وعارضه في ذلك ابنُ سيرين محتجًّا بأنّ التوزيع بهذا الشكل ينتج عنه أنّ الأمّ – وهي أنثى – أخذت ضعف حصّة الأب وهو ذكر، وهذا يُعارض قوله تعالى: “لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ” (سورة النساء، الآية 11).
ورغم أنّ قول ابن عباس يُطابق ما ورد في آية المواريث: “وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ” (سورة النساء، الآية 12)، “فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ” (سورة النساء، الآية 11).
أمرٌ آخر نقف عنده في كتب التراث التي تزعم أنّ النبيّ اعتبر قوله تعالى: “فَوْقَ اثْنَتَيْنِ” يعني اثنتين فما فوق. وهذا الفهم من النبيّ حجّةٌ عند من يرى هذا الرأي، بل يدحض كلّ رأيٍ آخر، لولا أننا أمام حكمٍ يقول به الإمامُ ابن عباس – ذكره فخر الدين الرازي في تفسيره: الثلثان فرضُ الثلاث من البنات فصاعدًا، لقوله تعالى: “فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ…” إلى نهاية الآية. (سورة النساء، الآية 11). وكلمة “فوق” تنفي في اللغة الاشتراك؛ أي إنّ أخذ الثلثين مشروطٌ بكونهنّ فوق اثنتين، ثلاثًا فصاعدًا، وذلك ينفي حصول الثلثين للبنتين. هذا حكمٌ يعارض تمامًا حكم النبيّ في خبر سعد بن الربيع المزعوم؛ فهل يعقل أن ابن عباس نفسه يُعارض ويُخالف النبيّ في حكمٍ أقرّه؟
وننفي –في رأي الراحل محمد شحرور- أننا ننفي عن التنزيل الحكيم أنّه كتابُ تشريعٍ أو أحوالٍ شخصية -حتى لا يظنّ القارئ أو المشاهد- فإننا نؤكّد، والتعبير للراحل محمد شحرور، أنّ التنزيل الحكيم حمل خطوطًا عريضةً تساعد الناس على فهمه عبر العصور في حياتهم ومعاشهم، ومن ذلك سُبل نقل الثروة بين الأجيال؛ كونه الموضوعَ الأهمّ الذي رافق الإنسان على مرّ العصور؛ إذ وضع الله تعالى خيارين أمام الإنسان لنقل أمواله إلى من حوله: عبر الوصيّة التي يضعها بنفسه، أو عبر قوانين وضعها الله سبحانه وتعالى.
وسنجد أنّ الله قد قدّم الوصيّة على قوانين الإرث. ولنا أن ننظر إلى العالم اليوم لنجد أنّ أغلب أهل الأرض، وحتّى غير المؤمنين والمسلمين، يعتمدون الوصيّة. ولا نملك إلّا أن نقول: صدق الله العظيم.
وهذا يدعونا إلى شرحٍ مختصرٍ لمعنى “فَرَضَ” و”كَتَبَ” في التكاليف وفق كتاب الله.
ماذا يفرّق شحرور بين «كُتِبَ» و«فُرِضَ» في التكاليف الشرعية؟
وبناءً على ما سبق، ولأنّ الراحل محمد شحرور لديه دقّةٌ هائلةٌ في التفريق بين المصطلحات في القرآن، إذ ينفي ظاهرة الترادف اللغوي التي أوقعتنا في مشاكل كبيرة، يذهب إلى كلمتين وردتا بكثرةٍ في آيات الإرث والعبادات والصيام وغيرها: “كُتِبَ” و”فُرِضَ” في التكاليف؛ فما الفرق بينهما؟ وعرفنا أنّ الراحل محمد شحرور في منهجه ينفي الترادف؛ فلا وجود للترادف في التنزيل الحكيم.
فـ”كتب” فعلٌ جاء لغةً بمعنى جمع الأمور المختلفة بعضها مع بعضٍ في نسقٍ واحدٍ يجعل منها كتابًا يؤدّي مقصدًا معيّنًا.
“كَتَبَ” هو عكس الفعل “بَتَكَ” الذي يعني تفريق الأمور المختلفة بعضها عن بعضٍ، وليس تجميعها بعضها عن بعضٍ كما في فعل “كَتَبَ”.
وبمتابعة معنى فعل “كَتَبَ” في الآيات التي وردت في التنزيل الحكيم، نفهم أنّه يشتمل على عدّة أمور هي بمنزلة جملة خياراتٍ مجموعة في دائرةٍ واحدة: “كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ” (سورة الأنعام، الآية 54). فهذا النصّ يوحي بأنّ لدى الله جانبًا آخر إلى جانب الرحمة، وهو العذاب، في قوله تعالى: “عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ” (سورة الأعراف، الآية 156).
فإذا تدبّرنا في الآيات التي وردت فيها التكاليف، نجد بعضها بصيغة “كُتِبَ عَلَيْكُم”؛ وهذه الصيغة – إن وُجدت في الكتاب – تُفيد الاختيار. هناك أمثلةٌ تطبيقيةٌ جاء بها الراحل محمد شحرور، مثل الصيام كما جاء في سورة البقرة، 183: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (سورة البقرة، الآية 183)؛ إذ يمكننا استبدال الصيام بالفدية، مع تأكيد خيرية الصيام كما جاء أيضًا في سورة البقرة، 184: “أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ” (سورة البقرة، الآية 184).
وأيضًا القتال كما جاء في سورة البقرة، 216، بصيغة “كُتِبَ”: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” (سورة البقرة، الآية 216).
وأمام المقاتل خيارٌ آخر هو السِّلم، كما جاء في سورة البقرة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ” (سورة البقرة، الآية 208).
وأيضًا في القِصاص كما جاء في سورة البقرة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (سورة البقرة، الآية 178).
برأي الراحل محمد شحرور أنّ صيغة “كَتَبَ” أو “كُتِبَ عَلَيْكُم” تفيد أنّ هناك خيارًا آخر. وهي ملاحظة مهمّة. وأتوقّف قليلًا: أنا شخصيًا إذا رجعتُ إلى كتب التفسير القديمة – الطبري، الرازي، القرطبي، وجميع المذاهب الإسلامية – لا تضع هذا الفرق الدقيق جدًا بين “كَتَبَ” و”فَرَضَ”؛ بل تجد أنّ العبارة مترادفة.
إذًا صيغة “كُتِبَ عَلَيْكُم” تفيد أنّ هناك خيارًا آخر على الأقل أمامكم، مع ملاحظة أنّ الوصيّة وردت بصيغة كالصيام تمامًا، فيما يعتبر الفقه الموروث الصيام ركنًا من أركان الإسلام الخمسة، وينسف الوصيّة ولا يُوليها أيّ اهتمام.
ثم نأتي الآن لكلمة “فَرَضَ”. و”فَرَضَ” في اللسان العربي يأخذ معنى الأثرِ محدّد المعالم في الشيء. وبدراسة المشترك بين الآيات التي ورد فيها الفعل “فَرَضَ”، تجد أنّ الفرض دائمًا محدّد، كما جاء في سورة النور: “سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا…” إلى نهاية الآية (سورة النور، الآية 1).
ويخلص الدكتور محمد شحرور إلى أنّ “كُتِبَ عَلَيْكُم” تحمل معنى الاختيار بوجود احتمالٍ آخر، و”فَرَضَ” و”فريضة” تحمل معنى التحديد.
كيف تصبح الوصية أداة عادلة لنقل الثروة عبر الأجيال؟
بعد هذا الشرح المستفيض والسلس عن الفرق بين الكتاب والفريضة، ومفهوم “كُتِبَ” و”فُرِضَ”، ولكي يكون هناك تطبيقٌ منهجيٌّ على هذا الكلام، نأتي إلى موضوعٍ مهمٍّ جدًا وملغّمٍ جدًا هو موضوع الوصيّة. فالوصيّة هي كلّ ما يوصي به الإنسان ليُنفَّذ بعد موته. وهذا موضوعُنا هو الثروة والأملاك ونقل هذه الثروة للمستحقّين لها. هنا الراحل محمد شحرور في الكتاب يستعرض تاريخيًا مراحل نقل الثروة عبر الحضارات والأديان المختلفة؛ فلدى الشعوب القديمة، حيث ذُكر في شريعة حمورابي، يستطيع الموّرِث أن يوصي لأحد أولاده حقلًا أو بستانًا أو بيتًا، ويُدوّن ذلك في رقيمٍ، رقيمٍ رقم، شيءٍ مرقومٍ، في حالة حياته، وبذلك يخرج هذا المال من التركة، ويُقسّم بين البقيّة بالتساوي.
وفي القانون الروماني قبل الميلاد كان مبدأ الوصيّة موجودًا، وورد في التاريخ الروماني فيما يخصّ توريث الحكم. وبالنسبة إلى شريعة موسى لم يرد – بتعبير الراحل محمد شحرور – أيّ ذكرٍ للوصيّة.
أمّا العرب في الجاهلية فما نُقل عنهم هو التجنيب ومنع توريث الإناث وصغار السنّ، والحظّ الأكبر في الميراث يذهب إلى الابن الأكبر أو المحارب. طبعًا هذا ترك أثرًا – أعتَقِد – في الفقه فيما بعد. ثم جاءت الرسالة المحمدية وبدأ عصر المساواة بين الذكر والأنثى؛ فنقرأ في قوله تعالى في سورة البقرة: “كُتِبَ عَلَيْكُمْ” – لاحظ عبارة “كُتِبَ” – “إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ” (سورة البقرة، الآية 180). ويُفهم من هذه الآية أنّ الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نحكم بأنفسنا في هذا الموضوع الحسّاس البالغ الخطورة.
وكما تمّ ذكر الوصيّة في التنزيل الحكيم كشكلٍ من أشكال توزيع المال والثروة، وأيضًا تمّ تقديم الوصيّة على الإرث بدليل عدد مرّات ذكرها مقارنةً مع الإرث.
ننتقل بعدها إلى مَحلّ الوصيّة في الآية، أي الأشخاص الذين يُوجّهنا التنزيل الحكيم لأخذهم بعين الاعتبار في الوصيّة؛ فنجدهم في قوله تعالى: “الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ”. وتجد أنّ “الوالدين” تحتوي على الوالد والوالدة حصرًا، وهذا يدعونا إلى التفريق بين الوالد والأب، فقد يكون هذا غير ذاك، وبين الوالدة والأمّ، فقد تكون هذه غير تلك.
وفي زمن ابن عباس توهّم اليهود أنّ القرآن الكريم يخلط في الأنساب؛ فسمّى أبا إبراهيم آزر، بينما اسمُه عندهم تارح كما تجده في العهد القديم، وتوهّموا أنّ إبراهيم عاد ليستغفر لأبيه آزر بعد أن تبرّأ إبراهيم من أبيه آزر بعد أن تبيّن أنه عدوٌّ، ثمّ ذكر أنه استغفر لوالديه. وهذا لا يمنع – بتعبير الراحل محمد شحرور، بملاحظة الفارق بين الأب والوالد – أن يكون والدا إبراهيم مؤمنين، وهذا ما لا تبقى معهم مخالفةٌ أو خروجٌ عن أمر الله.
لماذا يرفض شحرور التمييز بين الذكر والأنثى في الوصية والنصيب؟
إضافةً إلى كل ما ذكرناه، نفهم من آية الوصيّة عددًا من الأمور، وهي: تجنّب التمييز بين الموصى لهم على أساس الذكورة والأنوثة؛ كما جاء في سورة النساء: “لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا” (سورة النساء، الآية 7) ؛ والتزام الوصيّة وعدم تركها مهما كانت التركة؛ فالتكليف بالوصيّة جاء يضع كلّ إنسانٍ – أيًّا كانت ثروتُه، قلّت أو كثرت – أمام خيارين: إمّا أن يحدّد مقادير ذلك وحصص الأشخاص وأنصبتهم الذين يريد أن تؤول تركتُه إليهم، وإمّا أن يترك إرثه ليُوزَّع كما أوصى الله وفق العدالة العامة لا الخاصّة. وهناك حديثٌ مفصّلٌ عن إرث الأولاد (الفروع)، وميراث الأزواج، والكلالة، والكلالة الثانية.
ولمحاولة لملمة أطراف الموضوع، تحدّث الراحلُ بشكلٍ مستفيضٍ – الراحل محمد شحرور – عن الفرق بين “فُرِضَ” و”كُتِبَ”، وأنّ هناك آياتٍ قرآنية بـ”كُتِبَ” تُعطيك خياراتٍ عديدة، مثل آيات الإرث والوصيّة والطلاق وآيات العبادات، وأنّ عملية “الكَتْب” تُعطيك أكثر من خيار، بينما “فَرَضَ” هناك خيارٌ واحدٌ محدّد. وهناك تفصيلٌ بعملياتٍ حسابيةٍ ورياضيّة معقّدة سيجدها القارئ الكريم عن نقل الميراث، وعن حالات نقل الميراث، وعن موضوع الكلالة، وهذا نتركه للقارئ.
كيف يعرّف القرآن الزواج كميثاق غليظ لا نصف دين فقط؟
ومن الأمور المهمّة التي ناقشها الراحل الدكتور محمد شحرور، التي لها علاقةٌ بأسس تشريع الأحوال الشخصية، موضوع الزواج. علينا أن نشير إلى نقطةٍ مهمّة: الحديث عن موضوع الزواج والطلاق والإرث والمهر والوصيّة، نحن نأخذ ما أسمّيه أنا أمورًا محدّدة نُؤشّر عليها بالقلم، وهذا ينبغي من المستمع أو المشاهد أن يذهب ليقرأها بالتفصيل؛ فمعروفٌ أنّ وقت البرنامج محدود، لا نستطيع أن نستفيض في كل شيء. فلنأخذ النقاط المهمّة والتأسيسية.
في موضوع الزواج يرى الراحل محمد شحرور أنّ هناك أسطورةً أو خرافةً المسلمون دأبوا على استعمالها، وهي العبارة الشهيرة: “أنت كمّلتَ نصف دينك”، “أنت تزوّجتَ”. وتقريبًا هذه العبارة موجودة في أغلب المجتمعات العربية: أنّ الزواج هو نصف الدين، أو إكمالٌ للدين. فهل جاء التنزيل الحكيم تصديقًا لذلك؟
وأيضًا بتعبير الراحل محمد شحرور، جاءوا بأحاديث في هذا الباب، واعتبرت المرأة – هذه الأحاديث – ليست مكافئةً أو ليست صِنوَ زوجها، بل هي دونه. ومنه الحديث الشهير: “لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجد لأحدٍ، لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها”. وهذا الموضوع موجود في أغلب الأحاديث. وأنّ دخول المرأة الجنّة مرهونٌ برضا زوجها. وكل ذلك يجري تحت شعار “سُنّة الله ورسوله”، علمًا أنّ تفصيل الزواج في كتاب الله جاء مختلفًا تمامًا عمّا هو متداولٌ في الفقه التراثي. وسنّةُ رسوله لا تمتدّ إلى النبيّ أو ما يتحدّث باسمه، وإنما هذه تعود إلى ما نُقل إلينا عبر كتب الأحاديث والتراث.
فالزواج في التنزيل الحكيم – برأي الراحل محمد شحرور – يختلف اختلافًا كبيرًا وهائلًا عمّا ورد في كتب التراث والفقه الموروث. التنزيل الحكيم كتابٌ منطقيٌّ يُقدّم المفاهيم بوضعها الواقعيّ. فالزواج في التنزيل الحكيم هو أُسرةٌ ونسبٌ وحياةٌ مشتركةٌ تقوم على المودّة والرحمة والسكينة، كما جاء في سورة الروم: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” (سورة الروم، الآية 21).
والغاية منه الجنس والصهر والنسب والرغبة في الأولاد، مثلما ذُكر في سورة النحل: “وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ…” إلى نهاية الآية. (سورة النحل، الآية 72).
والله تعالى عبّر عن الحياة الزوجية بأسمى التعابير في سورة النساء: “وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا” (سورة النساء، الآية 20).
لكن برأي الراحل محمد شحرور، الموضوع الأهمّ في الزواج هو أنّ التنزيل الحكيم اعتبره “ميثاقًا غليظًا”: “وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا” (سورة النساء، الآية 21). فالميثاق لغةً من أصل “وَثَقَ”، وهي مفردةٌ قرآنيةٌ وردت اشتقاقاتها في أربعةٍ وثلاثين موضعًا في التنزيل الحكيم، لا تخرج عن معنى عامٍّ واحدٍ هو الربط بإحكام. فإذا كان عقد النكاح ينصّ على الصَّداق ومُؤجَّله، ويُسمّي صاحب العِصمة ويُعطيه حقّ فسخ العقد، ويمكن أن يتضمّن شروطًا يراها أحد المتعاقدين ضرورية، فإنّ ميثاق الزوجية يتضمّن النواحي الإنسانية كالسكينة والمودّة والرحمة.
ما حقيقة «ملك اليمين» بين الرق التاريخي والعقود الرضائية؟
من الأمور الإشكالية في كتب التراث، والتي النزاع لا يزال قائمًا حتى الآن – يعني موجودٌ في مواقع التواصل أو في الحوارات – هو مفهوم “ملك اليمين”. فما هو رأي الراحل محمد شحرور بهذا المفهوم؟ هو يرى أنّ التنزيل الحكيم – برأي الراحل محمد شحرور – حدّد العلاقة بين الرجل والمرأة ضمن محورين: المحور الأوّل هو الحياة الاجتماعية المتضمَّن في الزواج، والثاني – وهو موضوع حسّاس – محور العلاقة الجنسية، كما جاء في سورة النور: “وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ…” إلى نهاية الآية، التي تصل في هذا الموضوع الإشكالي: “…أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ” (سورة النور، الآية 31).
لقد تجسّد مفهوم “ملك اليمين” تراثيًا – وهي كارثةٌ طبعًا برأي الراحل محمد شحرور – في الرقّ؛ نظرًا إلى أنّ نظام العبودية كان ساريًا في القرون الماضية، وقبل ورود مصطلح “ملك اليمين” بقرونٍ عديدة. فهذا المصطلح ورد لأوّل مرّةٍ في التنزيل الحكيم، وكان غير معروفٍ عند العرب. مصطلحُ “ملك اليمين”، فيما ورد ذكرُ الرقّ بمصطلحاتٍ أخرى: “تحريرُ رقبةٍ” وغيرها. وبانتهاء عهود الرقّ والعبودية اليوم، أصبح دالًا موجودًا في التنزيل الحكيم؛ فهل نفسّر “ملك اليمين” بمعنى الرقّ والعبودية، خاصةً أنّه ليس له الآن مدلولٌ أو مصداقٌ في عالم الواقع؟ رغم أنّ هذا المصطلح “ملك اليمين” تكرّر خمس عشرة مرّة في التنزيل الحكيم. وهذا يعني – وهذا بتعبير الراحل شحرور – أن نبحث عن مدلولٍ آخر لهذا المصطلح في عصرنا الحاضر يختلف عمّا ورد تاريخيًا وفي كتب التراث.
في التنزيل الحكيم يختلف مصطلح “ملك اليمين” عن “الرقيق الوَلَد”، المصطلح الثاني “الرقيق الوَلَد” واضحٌ في قوله تعالى: “عَبْدًا مَّمْلُوكًا” في سورة النحل: “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ…” إلى نهاية الآية (سورة النحل، الآية 75).
ولا يخفى على المتتبّع والباحث والقارئ أنّ الرسالة المحمدية أحدثت قفزةً نوعيّةً إلى الأمام في خطّ سير التاريخ؛ فهذا يعني أنها وضعت أُسس تحرير الرقّ على أساس أنّ الإسلام أعلن المساواة بين الناس، وأنّ معيار التقييم عند الله هو التقوى كما جاء في سورة الحجرات: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (سورة الحجرات، الآية 13). وأنّ الإنسانية لم تصل – بتعبير الراحل شحرور – إلى إلغاء الرقّ إلّا بعد قرون، بالتحديد عام ألف وثمانمائة وثلاثة وستين، على يد أبراهام لنكولن.
أمّا النظام البديل فهو “ملك اليمين”. واليمين في التنزيل الحكيم هو القسم، كما في سورة البقرة: “لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ” (سورة البقرة، الآية 225).
وملك اليمين أي من بينك وبينه قسمٌ على اتفاق ما، عقدٌ، كما جاء في سورة النساء: “وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ۚ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا” (سورة النساء، الآية 33).
إذ تمّ – بتعبير الراحل شحرور – استبدال العبودية القائمة على الإكراه بعقود التراضي، إذ إنّ “العقد شريعة المتعاقدين”، أو عقود عمل كما جاء في سورة الروم: “ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ ۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ…” إلى نهاية الآية (سورة الروم، الآية 28).
وأيضًا هناك عقود خدمة منزلية مثلما جاء في سورة النور: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ…” إلى نهاية الآية (سورة النور، الآية 58).
كل هذه الآيات تُعطي معنى محدّدًا لملك اليمين، أو كما تكون عقود نكاح في سورة المؤمنون: “وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ” (سورة المؤمنون، الآيتان 5-6).
إذًا لم ترد مفردة “ملك اليمين” – كما رأينا في استقراء آيات القرآن تحديدًا وفي كل آية – بمعنى الرقّ أو العبودية أو السبي أو ما نراه في كتب التراث، وحتّى في أعمال الدراما التلفزيونية عندما يوهم الرجل نفسه أنّ لديه ملك يمين فيقوم بالاستمتاع بعددٍ غير محدّد.
وهذا أيضًا ما رأيناه في سيرة الخلفاء فيما سبق في الإمبراطوريات الإسلامية. الراحل محمد شحرور وضع الأمر في مكانه: بعقود عمل منزلية أو غيرها، ولم تأتِ مفردة “ملك اليمين” بمعنى الرقّ أو الاستعباد.
ما حدود «الفواحش» الست في قراءة شحرور للفطرة الإنسانية؟
وقفة جديدة مع كتاب “نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي”، ومصطلح هائل، والمصطلح حوله خلافٌ هائل، هو “الفاحشة” أو “الفواحش”. الفواحش جمعٌ مفرده “فاحشة”، وهي كلّ ما يُكره فعلُه أو قوله، أو كلّ ما ترفضه الفطرة الإنسانية – كما يرى محمد شحرور – ترفضه الفطرة الإنسانية السليمة. وعدد الفواحش ستّ: نكاح المحارم، ونكاح المتزوّجة، والزنا (بين هلالين: الجنس العلني)، والسِّفاح (أي الجنس الجماعي)، والمثلية الجنسية (الأخدان والسِّحاق)، والمثلية الذكرية. وبتعبير الراحل شحرور، الفواحش قسمان: ظاهرة وباطنة. والفواحش باطلة كلّها حتّى لو أقرّتها كل المجالس التشريعية والبرلمانات.
وبعد الانتهاء من موضوع الفاحشة – ونحن أعطينا رؤوس أقلام، بإمكانكم الذهاب للقراءة تفصيلًا.
كيف يُفهم مفهوم القِوامة إذا قُرئت الآية كاملة لا مجتزأة؟
مع مفهوم مهم جدًا ننتقل في كتاب “نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي” إلى مفهوم القِوامة. ومعنى القِوامة في لسان العرب: القَيِّم هو السيد وسائس الأمر، وقَيِّمُ المرأة زوجُها لأنه يقوم على أمرها وما تحتاج إليه. وفي قوله تعالى في سورة النساء: “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ”، يعني أنّ الرجال متكلّفون أمور النساء ومعنيّون بشؤونهن. ودَرَجَ المسلمون – بتعبير شحرور – على اجتزاء قوله تعالى في سورة النساء، 34: “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ” إلى نهاية الآية (سورة النساء، الآية 34). فهم يجتزئون، يقفون عند قوله: “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ” ولا يُكملون الآية، واختصارها بأوّلها فقط: “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ”، فأصبح الاستبداد بالمرأة لأنه جرى اجتزاء الآية، وهذا نهى عنه القرآن كما جاء في نهاية سورة الحجر: “كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ” (سورة الحجر، الآيتان 90-91). وتعضية الشيء: تقسيمه إلى أجزاء. وفي قوله تعالى: “أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ” (سورة البقرة، الآية 85). بسبب اختصار الآية: “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ”، أصبح الاستبداد بالمرأة هو القاعدة، بناءً على قراءاتهم وتصوّرهم هم للنص القرآني، وأضفوا عليه صفة الشرعية، فقالوا: قرارٌ إلهيّ، وهو ليس قرارًا إلهيًا.
متى تدل «الرجال» و«النساء» على الإنسان لا على الذكور والإناث فقط؟
وأيضًا نتوقّف عند معنى كلمة “الرجال” و”النساء” – وهذا الموضوع بحسب علمي المتواضع لم يرد في كتب التراث كما ورد في التنزيل الحكيم – “الرجال” تعني جمع ذكور كما في قوله تعالى في سورة النساء: “لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ” إلى نهاية الآية (سورة النساء، الآية 7)، أو بمعنى “راجلًا” على قدمين: “وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ” (سورة الحج، الآية 27)؛ فالآتون للحج هم ذكورٌ وإناثٌ، والناس ليسوا ذكورًا فقط. وذلك في قوله تعالى في سورة البقرة: “فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا” إلى نهاية الآية (سورة البقرة، الآية 239)؛ فهنا “الراجل” بمعنى مُشاة على الأرجل، وليس لها علاقة بالذكورة والأنوثة. وفي قوله تعالى: “قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا” (سورة الكهف، الآية 37). وفي لسان العرب تجد “رَجُل” للذكر، و”رَجُلة” للأنثى؛ وفي الحديث: “كانت عائشة رضي الله عنها رَجُلة الرأي”. ويَخلص هذا المعنى إلى أنّ “الرجال” – يمكن معنى كلمة “الرجال” – أن تدلّ على الذكور والإناث معًا.
أمّا “النساء” فوردت باصطلاحاتٍ عدّة، منها جمع “امرأة” كما في سورة النساء: “لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ” إلى نهاية الآية إلى نهاية الآية (سورة النساء، الآية 7).
أمّا في قوله تعالى: “زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ…” إلى نهاية الآية (سورة آل عمران، الآية 14)، فبرأي الراحل محمد شحرور، “الناس” الخطاب لجميع الناس الذكور والإناث؛ أمّا قوله: “زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ”، إذا أخذناها بمعنى الإناث، هذا تحقيرٌ للمرأة لأنه أصبحت جزءًا من المتاع. فالله خاطبهم في البداية، خاطب الجميع، قال: “زُيِّنَ لِلنَّاسِ”؛ هنا “النساء” بمعنى “النَّسيء”، أي ما تأخّر.
فالمرأة إنسانٌ مكلّفٌ، له ما له وعليه ما عليه، وستُحاسَب في اليوم الآخر كالذّكر تمامًا، كما جاء في سورة النحل: “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً…” إلى نهاية الآية (سورة النحل، الآية 97).
ويُضيف الراحل محمد شحرور أنّ مفردة “النساء” قد ترد بمعنى “المتأخّرات” لأنها جاءت متأخّرةً في تطوّر الكائنات الحية، أي آخر إصدارٍ لربّ العالمين. ويُرجّح المؤلّف أنّ تسمية سورة “النساء” جاءت بهذا المعنى؛ إذ حوت مستجدّات من مواضيع لم ترد في الشرائع السابقة.
ويخلص إلى القول إلى أنّ “النساء” يمكن أن تدلّ على الذكور والإناث معًا.
لماذا يدعو شحرور إلى مراجعة نسقية لكل الفقه الموروث؟
عودةٌ إلى كتاب “نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي”، وأيضًا في واحدٍ من المفاهيم الإشكالية التي نرى أنّ هناك نزاعًا حول تفسيرها وتأويلها، مصطلحُ “اللباس”. والراحل محمد شحرور يقول: أنا استعملتُ هذا المصطلح، مصطلح “اللباس” الشائع، عوضًا عن مصطلحٍ شائعٍ آخر هو “الحجاب”، أو ما يُسمّى أحيانًا “الحجاب الشرعي”؛ لأنّ كلمة “الحجاب” وردت في التنزيل الحكيم ثماني مرّات، ولم تأتِ في كل استعمالاتها إلى معنى اللباس بأيّ صلةٍ لا من قريبٍ ولا من بعيد. فكانت الألفاظ التي تدلّ على اللباس هي: الثياب، والجلابيب. وإذا عدنا إلى معاجم اللغة وجدنا أنّ “حَجَبَ” معناها “سَتَرَ”، و”الحجاب” هو “السِّتر”، و”الحاجب” هو “البوّاب”، و”حَجَبَهُم” أي منعهم من الدخول. وكلّ ما حال بين شيئين يُسمّى “حجابًا”. وفي قوله تعالى: “وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ” (سورة فصلت، الآية 5)، معناه: من بيننا وبينك حاجزٌ في النِّحلة والدين. والأخوة يحجبون الأمّ عن فريضتها (…) إنّ الأخوة – هذا يرجعنا إلى موضوع الميراث – يحجبون الأمّ عن الثلث إلى السدس. والحاجبان هم العظمان فوق العينين. هذا كله استعراض لمفردة “الحجاب”، أنها لم تأتِ بمصطلح اللباس أو الثياب. والحاجبان هم العظمان فوق العينين، وقيل: الشعر.
وإذا نظرنا في التنزيل الحكيم وجدنا أنّ كلمة “حجاب” وردت في السور التالية: “حجاب” وردت في الأعراف، والأحزاب، وص، وفُصّلت، والشورى؛ و”حجابًا” وردت في الإسراء، ومريم. فمثلًا في قوله تعالى في سورة الأعراف: “وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ” (سورة الأعراف، الآيتان 46-47)، تفهم من السياق أنّ الحجاب هو بين أهل الجنّة وأهل النار، وتفهم أنّ هذا الحجاب – السور ذا الباب – لا يمنع الرؤية ولا السماع كما جاء في الآية 50 من سورة الأعراف: “وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ” (سورة الأعراف، الآية 50).
ومن الآيات التي أثارت نزاعًا وجدالًا بين المفسّرين قوله تعالى في سورة الإسراء: “وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا” (سورة الإسراء، الآية 45). يقول فخر الدين الرازي في تفسيره “الكبير”: كان يجب أن يُقال: حجابًا ساترًا. ويرى الراحل محمد شحرور – يعني برأيه – من وجوهٍ أنّ هذه الآية تحتمل وجهين: الأوّل – طبعًا هو يجب أن يقول حجابًا مستورًا وليس حجابًا ساترًا – الأوّل: أنّ ذلك حجابٌ يخلقه الله في عيونهم يمنعهم من رؤية النبيّ، وذلك الحجاب لا يراه أحدٌ، فهو مستور. والثاني: يجوز أن يقول “مستور” معناه “ذو سِتر”، كما يُقال: “مَرطوب” ذو رطوبة، و”مَهول” أي هول. فالثالث “مستور” اسم مفعول، بمعنى “ساتر” اسم فاعل، وذلك مشهورٌ للعرب. فالحجاب هو الطبع الذي كان على قلوبهم، والطبع هو المنع الذي منعهم أن يدركوا لطائف القرآن ومحاسنه؛ فالمراد من الحجاب المستور ذلك الطبع الذي خلقه الله في قلوبهم. كما جاء في سورة مريم: “وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا” (سورة مريم، الآيتان 16-17).
ومن هذا نرى أنّ مصطلح “اللباس” هو مصطلحٌ أدقّ من مصطلح “الحجاب”، ويتناسب أكثر مع مصطلحات التنزيل الحكيم. وبنينا هذا الرأي – بتعبير الراحل شحرور – على أساسٍ لغويّ، هو لا ترادف الألفاظ؛ فالثوب غير اللباس، والسَّوْأة غير العورة، والخلود غير الدوام. وأيضًا الانتقاء: هناك عددٌ من الألفاظ تشترك في وصف مُسمًّى واحد، كالأبيض والحُسام والمُهنَّد التي هي من صفاتٍ مختلفة للسيف. فهناك أيضًا كثيرٌ من الألفاظ – بتعبير الراحل شحرور – يحمل كلُّ عددٍ منها عددًا من المعاني، لا بدّ من انتقاء أحدها لفهم نصوص الآيات وأحكامها. “يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ” (سورة الأعراف، الآية 26). هنا يتحدّث سبحانه عن لباسٍ أنزله على بني آدم سمّاه “لباس التقوى”. فما هو لباس التقوى؟ هو أوّلُ لباسٍ أنزله الله وألبسه لبني آدم، أو الدروع بمعنى آخر، وكلّ ما يقي في الحروب. أمّا إذا قرأناه على المجاز فهو الإيمان والعمل الصالح والحياء.
إضافةً إلى معانٍ أخرى ترد للباس كالعفاف والتوحيد والسكينة. والقول بأحد المعاني الثلاثة الأولى هو قول أهل الظاهر، مثل ابن حزم الأندلسي الذي لا يُجيز الأخذ بالمعاني المجازيّة، ويقول: إنْ أمكن فهم اللفظ على حقيقته، فلباسُ التقوى مثلًا عند ابن عباس هو الفعل الصالح، بينما عند ابن حزم يأخذ بالمعنى الظاهري، وعند قتادة الإيمان، وعند غيرهم الحياء. وهذا يعني أنّ كلّ المفسّرين وكلّ شخصٍ تلقّاه بفهمٍ معيّن.
وواضحٌ أنّ هذه الانتقائية أمرٌ لا بدّ منه في تفسير آيات التنزيل الحكيم، وليست تهمةً يحقّ أن يتّهم بها أيّ شخص؛ وهناك انتقائيةٌ في اختيار الألفاظ في فهم التنزيل الحكيم، وهي ليست تهمةً يلصقها بنا الآخرون.
فالانتقائية عندنا – بتعبير شحرور – غيرُ عشوائيةٍ ولا ذاتيّة، فهي عندنا مؤسَّسةٌ على اللغة والعقلانية والمصداقية؛ فإذا أخذنا لباس التقوى على أنّه لباسٌ مؤلَّفٌ من قُمصانٍ وسراويل مثلًا في الآية، فإنها تفقد مصداقيّتها على أرض الواقع، ومن ثمّ عقلانيّتها. أمّا الانتقائية على أساس ما قاله السلف فهي ليست عندنا بشيء.
وأيضًا يجب التفريق بين الحلال والحرام، والأمر والنهي، والحسن والقبح؛ فالتحليل والتحريم محصورٌ بيد الله سبحانه وحده، لأنّ الحرام شموليٌّ وأبديّ، والحلال مطلقٌ. والأمر والنهي مرهونان بالله وبأنبيائه ورسوله، وهما ظرفيّان ويخضعان للضرورات؛ لأنّ الضرورات تبيح المنهيّات لا المحرّمات. والسماح والمنع مقصوران على الله وأنبيائه ورسوله وأولي الأمر من حكّامٍ وبرلمانات.
في نهاية الأمر، كلّ كتب الفقه أصرّت على أن تتناول موضوع اللباس بمعناه المادّي من سراويل وقمصان وغيرها، بينما الأمر يرى الراحل محمد شحرور أنّه معنويٌّ، وأنّ هذا الموضوع قديمٌ يعود إلى ما قبل التاريخ. ويلاحظ في كتب التراث مسألةٌ أخرى، هي مسألة الخطيئة الأولى، ويعني بها الراحل محمد شحرور بداية الجنس الإنساني للأصل البشري، وذلك بنفخ الروح، حتّى إنّ التنزيل الحكيم نفسه أشار إلى هذه العلاقة الجسدية بين آدم وزوجه في الجنّة، جاءت نتيجةً طبيعيةً حيث بدت لهما سوآتهما بعد أن أكلا من الشجرة.
في نهاية استعراض هذا الكتاب المهمّ – وشخصيًا أقول عبارةً من عندي: المرهق، لأنه سيُتعب قارئه، وجهدُ قراءةِ كتابٍ جيّدٍ يعادل جهدَ كتابته – أنا أرى أنّ الراحل شحرور بذل جهدًا كبيرًا في هذا الكتاب، هو الذهاب إلى موضوعٍ مهمٍّ يهمّ كلّ المجتمعات العربية، هو موضوع الأصول التشريعية للأحوال الشخصية، أصول جديدة للفقه الإسلامي. أننا اختنقنا من وجود فقهٍ موروثٍ للآن في المحاكم، النزاعات والصراعات في قضايا الوصيّة والإرث والمهر والزواج والطلاق، وأننا ارتهنّا إلى فقهٍ في القرن السابع الميلادي وصعودًا. مع هذه العبارة المهمة جدًا: معرفة الفوارق بين ظروف الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، فهذا الفقه بُنيَ على أساسٍ جغرافيٍّ تاريخيّ، بل إنّ أحد الباحثين المعاصرين قال: فقهٌ بدويٌّ قام على قهر المرأة ونزعها من كل حقوقها، وأيضًا على قراءاتٍ أيديولوجيّة غير حقيقيّة للنص القرآني، يستقطعها من سياقها، كما وجدنا في موضوع قِوامة المرأة، وكما وجدنا في موضوع ملك اليمين التي أدّت إلى… بالمناسبة يعني موضوع ملك اليمين هو أحد المداخل التي يدخل منها المستشرقون والمُغرضون لتشويه الإسلام، لا بل إنّ الحركات الجهادية المعاصرة – وأنا أتحدّث في العراق قبل عشر سنوات – تمّ نهبٌ وسلبٌ للأقليات الأخرى المسيحية واليزيدية والصابئة بحجّة ملك اليمين.
لماذا لا يوجد هناك تصاعدٌ في فهم التنزيل الحكيم؟ الراحل محمد شحرور أوضح أنّ هناك فرقًا كبيرًا بين الفقه التراثي الذي أهمل النصّ القرآنيّ؛ فبالذهاب في موضوع الزواج لم ترد عبارة أنّ “الزواج نصف الدين”. وأيضًا تمّ التفريق بين مفردتين – وأنا أعتبر هذا من أهمّ ما ورد في الكتاب – “كَتَبَ” و”فَرَضَ”؛ لماذا جاءت “كَتَبَ” في آيات الصيام وآيات الصلاة وآيات الرحمة وآيات الوصيّة؟ ولماذا تختلف عن معنى “فَرَضَ”؟ فوجدنا أنّ “كَتَبَ” تُعطي مجال احتمالاتٍ أكثر من معنى، كما في موضوع القتال أو الصيام، وحتّى الوصيّة. ولماذا قُدِّمت الوصيّة على الإرث؟ وهذا الموضوع نعاني منه إلى اليوم تحت وطأة حديث “لا وصيّة لوارث”. وأيضًا المقولة الموجودة في كتب التراث التي نقرأ عنها دائمًا: “السنّة قاضيةٌ على القرآن”، مع العلم أنّ الوصيّة جاءت بحوالي عشر مرّاتٍ ومقدَّمةً على الإرث، والإرث لم يرد إلّا ثلاث مرّات، وتمّ إهمال هذه القراءة.
وأيضًا مفردة “النساء” و”الرجال”، وعلى حدّ علمي لم ترد هذه في كتب التراث؛ فالرجال يُقصد بها الذكور والإناث، والنساء قد تأتي بمعنى آخر، بمعنى النَّسيء، المتأخّر أو المتأخّرات، وهذا يحلّ لنا المعضلة الشهيرة في سورة آل عمران: “زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ”. أيضًا حديثٌ على موضوع الطلاق، وحديثٌ أيضًا على موضوع الفواحش، وحديثٌ على موضوع الميراث.
أنا أعتقد هذا الكتاب سيكون حجر أساسٍ للباحثين في المستقبل لكي يبنوا عليه؛ لأنه بحسب ظنّي، الفقه الإسلامي قد توقّف – وقد تكلّمنا هذا سابقًا – في حدود القرون الثلاثة الأولى، ولم تجرِ عمليةُ تجديدٍ له؛ كلّ ما يصير هو الموجود الآن هي شروحٌ لهذا الفقه، وإعادةُ استنساخه واجتراره. وهذا ما أدّى – في وجهة نظرٍ شخصية – إلى قنابل موقوتة. أنا أتحدّث عن أرقامٍ أقرؤها في الدول العربية، حالات الطلاق في المحاكم حالاتٌ كارثيّة لأتفه الأسباب يتمّ الطلاق، وهذا ما يؤدّي إلى اللعب بأعواد الكبريت الاجتماعيّ، وأيضًا خَرْخَرة المجتمع؛ لأنّ هنا الآيات لم تُقرأ بسياق عصرها وفكرها المعاصر، بل قرأناها بعيون الموتى، عيون الفقهاء. الفقهاء أنجزوا ما لهم، وهذا ليس عيبَهم، العيبُ عيبُنا نحن المتأخّرون لأننا اعتمدنا على المتقدّمين.
وبالمناسبة، أحبّ أن أشير بصورةٍ عامةٍ أنّ هناك مستجدّاتٍ تخصّ الأسرة المسلمة لم يكتب عنها الفقه، والآن لا يجدون حلولًا لها. هذه الاقتراحات الواردة في هذا الكتاب – كما يقول شحرور – دعوةٌ إلى كل المؤسسات الدينية والنخب الفكرية أن تُعيد قراءة الفقه من جديد، وتقوم بعملية قطيعةٍ معرفيّة مع الفقه القديم، وأن تكتب فقهًا جديدًا يناسب العصر؛ لأنّ النصوص متناهية والوقائع لا متناهية.
ناقشَ سامر إسلامبولي، الباحث والمفكر السوري، خلال لقائه د.باسم الجمل، عبر برنامج “مفاهيم”، تطبيقات اللسان العربي المبين على مفهوم الطلاق في القرآن، والمقارنة بين المفهوم الفقهي التراثي والمفهوم الذي سنستخلصه نتيجة تطبيق آلية اللسان العربي المبين على الطلاق، وهل في الحياة اليومية نعتبر أن الطلاق مرتَين أو ثلاث مرات ومع السلامة، أو عبر الرسائل (أنتِ طالق) فأنت طالق، هل هذا صحيح؟ هل هذا يتماشى مع المفهوم في النص؟
الطلاق من خلال الحالة اللفظية
قال سامر إسلامبولي، الباحث والمفكر السوري: “الطلاق عبر الفقه الإسلامي والتاريخ أجروه من خلال الحالة اللفظية؛ لأسباب خاصة اجتماعية، صعب تنحصر، لماذا فعلوا ذلك وأجروا الطلاق اللفظي؟ إنه إذا تكرر، يعني فهموا أن كلمة الطلاق مرتان بمعنى اثنتَين، يعني إذا قال الإنسان (أنتِ طالق، أنتِ طالق)، هذا حصل مرتَين، بيأخذوا فيها.. اثنتان سببه أن القاعدة (إذا اختلف المبنى اختلف المعنى) غائبة بدراساتهم القرآنية، فهموا مرتَين (اثنتان)، فأجروا الطلاق اللفظي، إذا قال الإنسان لزوجته (أنت طالق، أنت طالق) أو دمجهما مع بعض (أنت طالق بالثلاث)؛ فهي طلقة طبعاً، وجابوا الطلاق بالثلاث، رغم أن القرآن عَم يقول مرتَين، ما فيه ثلاث، يعني ما فيه طلاق ثلاثة، هو الطلاق مرتان وليس اثنتَين”.
الطلاق وَفق المفهوم اللساني.. الطلاق والفداء
وأضاف سامر إسلامبولي: “الأصل الطلاق من فعل (طَلَقَ)؛ ومنه انطلقت الرصاصة إذا غادرت بقوة نحو اتجاه آخر؛ من مكانها إلى اتجاه آخر، فالطلاق اسم لفعل (تطليق) الزوجة من عقد الزواج، إطلاقها، تحريرها، إبعادها بقوة إخراجها عن العقد، الزواج اسمه طلاق؛ هذا بالنسبة إلى الرجل والمرأة. المرأة إذا بدأت تُبطل العقد، النكاح، تبطله بعملية الفداء، يعني صار فيه إبطال عقد نكاح للرجل اسمه الطلاق، وفيه إبطال عقد النكاح بالنسبة للمرأة من قِبلها اسمه (الفداء)؛ تفدي نفسها من الزواج”.
الفداء.. المرأة تستطيع إبطالَ عقد النكاح
وتابع الباحث والمفكر السوري: “الأصل هو أن تستطيع المرأة أن تبطل عقد النكاح، هذا المضمون، ما لها علاقة الوسيلة، تبطل عقد النكاح، تستطيع المرأة أن تبطله؟ نعم من تلقاء ذاتها، اسمه (الفداء)؛ تفدي نفسها، الرجل يستطيع؟ نعم، طب لماذا اسمه طلاق؟ لأنه له مواصفات خاصة، المرأة (الفداء) من مرة واحدة تفدي نفسها. الرجل لا؛ الطلاق مرتان، فيه عنده عراقيل، رب أسرة، فيه أولاد، فيه نتائج عن عمله، وين تارك، فوضع عقبات.. المرأة ما وضع لها عقبات؛ لأنه من الناحية الاجتماعية والبيولوجية والفيزيولوجية للنفس، كمان نفس المرأة، المرأة على الغالب لا تطلب الانفصال عن زوجها إلا بعد ضغط اجتماعي كبير جداً؛ يعني هي أعطت لنفسها مرةً ومرتَين وثلاثاً وأربعاً، حتى ما تخرب بيتها، فما بتطلب الفداء إلا عندما تكون (اختنقت)؛ فلذلك المشرع ما أعطاها مشروعاً للطلاق، إذا أخذتي هذا القرار عقلاني وواعٍ يتنفذ فوراً؛ لذلك ما فيه عدية طلاق هنا بالنسبة إلى المرأة، هذا الفداء له عدية استبراء رحم فقط، أما ذاك ففيه عدية طلاق، كان الرجوع”.
الفداء والقرآن
وأجاب إسلامبولي عن سؤال “يعني هل فيه نص في القرآن يعترض؟”، قائلاً: “طبعاً الفداء مرة، تفدي نفسها.. وطبعاً فيه نص الفداء، المرأة تفدي نفسها؛ فالطلاق والزواج، الزواج قُلنا هو عقد إنساني، عقد إنساني بين طرفَين، عَم يتم بين قبول وإيجاب بجلسة واحدة فقط، هل الطلاق من الرجل وزوجته ممكن يصير بجلسة واحدة كما بدأ الأمر بزواج بجلسة واحدة؟ الأمر بالطلاق لا، طيب بالزواج لا يوجد ما يُسمى توثيق العقد وشهود؟ يوجد توثيق عقد وشهود، هذا الموضوع كمان المواصفات تنتقل للطلاق، وقت يصير فيه طلاق لا بد أن يكون فيه شهود وتوثيق”.
الزواج والطلاق.. هل نفس الشروط والإجراءات؟
وأضاف الباحث والمفكر السوري: “نفس الشروط اللي بالزواج انتقلت للطلاق، ما بُدئ بقبول وإيجاب، بدِّي يكون قبول وإيجاب، ما بُدِئ بشهود بدِّي ينتهي بشهود، ما أنه الطلاق أسهل من الزواج، الزواج بِده شهود، وباجيب ولي أمرها، وبيصير حفلة.. باجي للطلاق؛ ما بيصير شيء، لا؛ فإذن عقد الزواج ليس مثل سائر العقود، يعني عقد ملكية سيارة أو تشري شيئاً، أنا بدِّي أعمل عقد بيع وشراء؛ ممكن بطرفَين وبشكل سري دون شهود ودون أي شيء، قبول وإيجاب بين الطرفَين، بيتم عقد البيع؛ ما فيه أية مشكلة ولا يشترط له أي شيء، هذا اسمه عقد بيع متعلق بالإحالات الشيئية، عقد الزواج عقد اجتماعي يختلف”.
الزواج مشروع ومشرَّع قبل القرآن
وتابع سامر إسلامبولي: “إجراءات الزواج بمجموعة من النصوص كفهم مقاصد، فهم مقاصد، والزواج أنا ذكرت أنه هو مشروع ومشرَّع قبل القرآن، ما هو حالة جديدة للناس؛ فالأصل في العقد أنه قبول وإيجاب بين الطرفَين.. القرآن أقرهم؛ طب شو الدليل؟ الدليل هو الواقع اللي عايشينه، نحن مثبت (فانكحوهن بإذن أهلهن)، جابوا منها الفهم هذا أنه لازم يكون للأهل دور… (فقط هذا لفتياتكم المؤمنات)؛ فتيات المؤمنات خصوصاً”.
وقال سامر إسلامبولي رداً على “يعني ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات؟”: “هذا جاء خاص لهم ومقصدياً للزواج، مقصدياً وليس حرفياً، جاء هذا خاص للفتيات؛ لأنهم ضعاف، تم الخصوص فيهن والتعميم للنساء، أنه بدكم تنكحوا هذه المرأة، لها أهل، مو تنكحها من الشارع”.
الأسرة.. أول حالة توثيق اجتماعي
وأجاب الباحث والمفكر السوري عن سؤال “هل المرأة التي خارج نطاق تصنيف دائرة ملك اليمين، هل تستحيل أن تزوج نفسها دون العودة؟”، قائلاً: “هذا الكلام له حالات معينة؛ لذلك بالفقه اختلفوا مثلاً ما بين الثيب والبكر، النص القرآني دائماً أنه هذا اسمه عقد اجتماعي، من البداية نضبط العقد، العقد اجتماعي طالما عقد اجتماعي لازم يكون فيه توثيق اجتماعي، فأول حالة توثيق اجتماعي هو الأسرة.. فحوى مقاصد النص القرآني بهذا الشكل من عدة، كون العقد اجتماعياً.. عقد اجتماعي معانا بدِّي يتم بحالة اجتماعية، فالزواج يتم من الطرفَين، معانا الطرفان، فيه شرط، شو هو الشرط؟ اثنان بالغان راشدان، اثنان، فيه حرية وقبول وإيجاب، طب وين؟ هيك الواقع، هذا مصداقية الواقع ودراسته، فيه طرفان هنا محل العقد الاجتماعي، معناها بالغان راشدان، ألون الحرية يصير قبول وإيجاب يسمونها أركان الزواج، القبول والإيجاب، ما سوى ذلك ليس أركاناً، يسمونها واجبات؛ منها التوثيق الاجتماعي، يبدأ من موافقة الأسرة، وإن لم تكن الأسرة فمؤسسات الدولة والاجتماعية، هي مكلفة بالتوثيق أو القضاء..”.
هل المرأة البالغة الراشدة تستطيع أن تزوج نفسها بنفسها؟
وأضاف سامر إسلامبولي: “فييجي هنا السؤال: هل المرأة البالغة الراشدة تستطيع أن تزوج نفسها بنفسها؟ نعم؛ إذا اتجهت إلى المؤسسات الاجتماعية ووثَّقت العقد؛ لأنه فيه مقصد للمشرع، حماية هذه العلاقة، حماية من أن تتكون علاقة سرية، تزوجوا مع بعضهم والمجتمع ما حَد بيعرف أو يعني بمعنى غير موثق، هذه العلاقة هرب الرجل، تورطت المرأة؛ يعني العقد لحماية المرأة أكثر من الرجل، حماية لها. بِدِّك تحمي نفسك وثَّقي العقد، أين التوثيق؟ بالصور المتاحة بمجتمعي؛ ابتداء من الأسرة وانتهاء بمؤسسة القضاء، هذا كله اسمه توثيق”.
الزواج.. غاية الإعلان التوثيق
وتابع سامر إسلامبولي: “التوثيق ليس الإعلان، اللي لا يملك توثيق يتجه نحو الإعلان؛ لأن غاية الإعلان التوثيق، سابقاً وقت يعلنون عن الزواج، فلان تزوج فلانة، توثيق اجتماعي؛ مثل الولادة بالضبط، فلان رُزق بمولود اسمه كذا، حالة توثيق، أحوال شخصية، تاريخياً طبعاً جمدت الأحكام هذه عند المسلمين السلفيين، صار لا بد من الإشهار.. وإلى آخره، لا هي ليست أحكاماً دينية، الحكم الواجب هو التوثيق؛ لحفظ حماية المرأة وما ينتج عن هذه الأسرة من علاقات وأولاد، حمايتها، الحماية هي التوثيق، توثقها بالوسائل المتاحة، وأفضلها حالياً هو مؤسسات الدولة، وثقت أنت..”.
أحكام وقائية.. فترة العدة مثالاً
وأجاب إسلامبولي عن سؤال “ما المقصود بـ: وإن أردتم خطبة النساء فـ(لا تواعدوهن سراً إلا أن تقولوا قولاً معروفاً)”؟، قائلاً: “بالمقاصد الدينية دائماً في شيء اسمه وقاية، فمرأة مثلاً مات زوجها، دخلت بعد عدة؛ بهذه العدة ما بيصير أنت تنفرد فيها، ما بيصير تعرض عليها الزواج، في فترة لازم تمر فيها حماية ووقاية للمرأة وسمعتها؛ اسمها أحكام وقائية، فلذلك ما بيصير (تواعدوهن سراً).
وقال الباحث والمفكر السوري رداً على: “هل المقصود هنا النساء بالعموم؛ يعني المرأة بشكل عام؟”: “لا اللي دخلوا بالعدة، المنصوص جاي داخلين بالعدة، ما المرأة عامة، المرأة عامة عادي تحكي معها بالخطبة؛ ممكن توعدها بمكان عام، ممكن. أما المطلقات والأرامل خاص لهن؛ لأن الوضع الاجتماعي اللي هن فيه حرج؛ حفاظاً لسمعتهن، فيه أحكام وقائية، أما المرأة اللي لا هي أرملة ولا هي مطلقة؛ ما فيه أي شيء على سمعتها، ممكن تتجول بشكل حر وعلني، ممكن توعدها في مكان عام وعادي جداً، أما المطلقات والأرامل فلا، حتى يخلصوا العدة”.
“لا تواعدوهن سراً”.. هل المقصود بـ(سراً) الانزواء في زاوية؟
وأضاف إسلامبولي رداً على (“لا تواعدوهن سراً”.. هل المقصود بـ(سراً) الانزواء في زاوية؟): “(سراً) بمعنى في مكان لا يعلمه أحد؛ سواء بمكان فارغ بين أربعة جدران أو بمكان عام غير معروفين.. فهي (سراً) عملياً ما فيه حَد بيعرفها، سراً صارت… والمرأة العامة عادي بتلاقيها وين ما بدك، مكان عام، أما المطلقات فقط والأرامل حصراً لهن هذه العلاقة، التعامل للحفاظ على سمعتهن من أهلهن وذويهن، فإذن الطلاق، أجرى الفقهاء مجرى لفظياً، المكرر لفظياً فقط، ونفوا عنه حالة الإنشاء لعقد الزواج، كيف نشأ؟ لازم يبطل هذا، أبطلوها، ومرت سنوات وسنوات، وربما إلى الآن معظم المذاهب الفقهية وفي بلاد الشام يعني إلى عهد قريب، كانوا يجرون هذا، أي إنسان يحلف يميناً على امرأته (أنتِ طالق بالثلاثة)، المرأة طُلقت، يبحث عن المشايخ، مين بِدِّه يحلله إياها ويفتي له إياها؟ فكان عندنا شيخ بدوما بدمشق، مذهب الحنبلي، يقول له ما لك غير هذا الشيخ، أنه الشام شوافعه، فروح عند الشيخ الحنبلي، هداك يفتي لك إياها مباحة ترجع طبعاً، ما عَم نحكي على التحليل، التحليل ذاك موضوع ثانٍ صار آخر كمان.. هذا كله لا علاقة له بالقرآن، لا من قريب ولا من بعيد إطلاقاً، هذه العلاقة جادة قائمة على منطق ووعي ومحبة واحترام، ما فيها الهزل والعبس إطلاقاً، بدك تنهي علاقتك تنهيها مثل ما بديت، فُت من الباب بتطلع من الباب، ليس فُت من الباب بتطلع من الشباك، فدخلت من الباب بعقد، بوعي، بتطلع كمان بحالة اتفاق..”.
الطلاق مرتان.. مرتان غير اثنتَين
وتابع الباحث والمفكر السوري: “فما هو الطلاق في القرآن الطلاق؟ في القرآن قال الطلاق مرتان، نقف عند كلمة (مرتان)؛ اختلف المبنى فاختلف المعنى. (مرتان) غير اثنتَين؛ وهي إذن فهمنا كلمة (مرتان) فوراً، يتم نقض للفهم الفقهي؛ أنهم يبيحون أو يجيزون الطلاق اللفظي المكرر، فوراً كلمة (مرتان) في اللسان العربي تطلق على الفعل إذا تكرر في أرض الواقع على مرحلتَين؛ اسمه مرة، مرة، مرتان، أما إذا فعل نفسه استمر في الحصول، فما اسمه (مرتَين) مهما تكررت فيه الحركات”.
الطلاق مرتان.. المقصود بـ”مرتان”
وأضاف سامر إسلامبولي: “كلمة (مرتان) هي عبارة عن فعل مكرر مع فاصل زمني بينهما؛ الفاصل الزمني يحدده المشرع كام بالضبط، فإذا تم الفهم بهذا الشكل سقط المفهوم الفقهي مباشرة، وحده الذي هو يقول إن الطلاق اللفظي فقط هو الذي يقع فهم (مرتان اثنتان).
وأجاب سامر إسلامبولي عن سؤال “بهذه الحالة معناه يعني كل حالات الطلاق التي تمت باطلة؟”، قائلاً: “باطلة نعم، وما زالت الزوجة على ذمة زوجها، وما فيه أية مشكلات مهما تلفظ”، مضيفاً رداً على “حتى وإن تزوجت آخر”: “أيوة فيه مشكلة، ما زالت هي على قيد زوجها، يعني زوجة وعَم تتزوج واحد تاني.. الواقع يفرض أنه طالما حصل الطلاق بالنهاية، يعني بصرف النظر عن اللفظ، بالنهاية طلقها، فتم الطلاق، الإجراء للطلاق كان باطلاً؛ لكن في النهاية طلَّق واتثبت الأمر عند المحكمة، طلقها فطلعت من ذمته”.
القرآن يقول الطلاق مرتان.. من أين جاءت الثالثة؟
وتابع إسلامبولي: “فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.. هل الطلاق مرتان ولَّا ثلاث كما هو سائد، الطلاق بالثلاثة؟ من أين جاءت الطلاق الثالثة إذا القرآن يقول الطلاق مرتان فقط، من أين الثالثة أتت؟ بالواقع لا توجد طلقة ثالثة، إنما هو بس مرتان.. (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، كلمة القروء هي وصف لحدث يتم قراءته، ونتائج عنه؛ فكلمة هي تطلق على حدث المحيض والطهر مع بعضهما؛ الاثنان مع بعضهما اسمهما قرء واحد، ثلاثة قروء؛ فحالة ثلاثة أطهار وحيضات، ثلاثة أطهار وحيضات، ثلاثة أطهار وحيضات.. من هنا جاء الطلاق الثالث، وقت شافوا الثلاثة، لا دول مرحلة زمنية، ليس هنا الطلاق مرتين، بس طيب كيف يطلق الإنسان؟ يتصل بأهل للمرأة لها أب لها عم، أخ، ما لها حدا، فيه مؤسسة اجتماعية؛ دائماً الدولة ولي مَن لا ولي له، فيه مؤسسة قضائية، بييجي مشرف اجتماعي مسؤول يجلس ويسمع، أنا بِدّي أطلّق مَرَتي، شو الأسباب؟ طبعاً بغض النظر، اقتنع ما اقتنع، هذا موضوع ثانٍ.. المهم يعقد هذه الجلسة، هذا الطلاق، بشرط أنه عندما يعقد هذه الجلسة أن تكون المرأة في حالة طهر، ليس بحالة المحيض، ليس عندما يريد أن يطلق، ليس بأي يوم بالشهر يستطيع يطلق”.
القروء والطلاق المرحلي
وقال إسلامبولي رداً على “فيه نصوص تثبت؟”: “المقاصد، النص، كلها النصوص مع بعضها، مقاصد الدين؛ أن المرأة يطلقها، بيكون بحالة الطهر، ليس حالة المحيض، طهر، هلا يطلقها، تقعد معها، تحكي معها، فيه واحد، طرف ثالث عَم يسمع من هؤلاء، ومؤسسة اجتماعية، اسم الجلسة الأولى، هذا اسم الطلقة الأولى، هذه المرة اسمها الطلقة الأولى؛ اللي عَم تحصل بمرة، هذه المرة حصلت، طرحت موضوع ناقش، ما رضي يرجع عن رأيه، الرجل مُصر على الطلاق، فالطرف اللي داخل للإصلاح أو لحضور الجلسة بناء على أسرار الزوج، يبدأ توقيت الطلاق المرحلي؛ اللي هوَّ ثلاثة قروء، للطلقة الأولى، اللي هي مرة ثلاثة شهور أو قروء؛ المدة الزمنية متقاربة، على رأس الشهر الثالث بيتم عقد الجلسة وبنفس العناصر، الرجل والمرأة والطرف الثالث، المؤسسة اللي عَم تشرف على هذا العمل”.
لا تخرجوهن من بيوتهن.. البيت للمرأة
وأضاف الباحث والمفكر السوري: “في هذه الحالة المرأة بتكون في بيتها، ما بتخرج من بيتها، (لا تخرجوهن من بيوتهن)، ولاحظ بالقرآن عزا ونسب البيت للمرأة، وفيه إشارة بشكل خفي أنه البيت للمرأة؛ وخاصة إذا عندها أولاد، وهذا ما فعله الغرب وقت بيعطوا البيت للمرأة، دائماً يطلعها هي أقوى منك عند أولادها، ما عاجبك أنت يطلعها، ما هي بيتها هذا، فلا تخرجوهن من بيوتهن، فيه مقصد ليه ما تخرج؟ علشان الإصلاح؛ لأنه الصلح خير، ليش الطلاق بهذه المراحل،هذه الزمنية؟ للإصلاح، فإذن من الإصلاح تبقى في بيتها.
إمساكهم بالمعروف، صار فيه صلح، رجع، ما فيه طلاق، ما اسمه طلقة أولى، هذا يعني إذا حصلوا وقعدوا، بده يطلق؛ ولكن صار فيه صلح، ما اسمه طلقة أولى. طيب أصر على الطلاق بالجلسة؛ لكن استمر ثلاثة أشهر، المرأة قاعدة في بيتها، ما بيصير تخرج عشان الإصلاح خلال هذه الأشهر الثلاثة، هذا إذا تمت أية علاقة بينهما ومراجعة، سقط الطلاق مباشرةً؛ لأن الصلح خير، وتم المقصود، فما عاد فيه أنه انحفظت عليك طلقة أولى، وسجلوا لك إياها بتاريخ كذا، بعد عشرين سنة يحاسبوك فيها، صار فيه طلقة واحدة هيك، بتعاملها كأنه اللعبة”.
مشروع الطلاق وحدة زمنية متماسكة
وتابع سامر إسلامبولي: “سقطت الطلاق ما عاد فيه طلاق، خلاص ارجع زوجين (يعني إذا بده يبادر مرة أخرى سيعد مرتين؟) بِدّه يرجع، نعم مشروع الطلاق من أوله؛ لأنه مشروع الطلاق واحد متماسك غير منفصل عند المسلمين، منفصل، طلقت أول مرة، اتحسبت عليك، رجعت اتحسبت وسُجلت في سجلك؛ صار فيه طلقة واحدة، بعد عشر سنين إذا بيصير طلاق وخلاف وتطلق الثانية، باقول لك أنت فيه طلقة سابقة وهذه الثانية، صار فيه، قال لك واحدة، ماذا؟ هي مراحل، مشروع الطلاق وحدة زمنية متماسكة مع بعضه، إذا سقط سقط المشروع كله، وإذا حصل طلاق في ما بعد فتتم إعادة الطلاق من بدايته، فإذا نتابع مشروع الطلاق واسمه مشروع الطلاق، كلمة دقيقة؛ فهذه الجلسة ثلاثة أشهر في حال لم يتم رجوع الرجل إلى زوجته، خلال ثلاثة أشهر بييجي على رأس الشهر الثالث، يتم انعقاد الجلسة الثانية، اللي هي المرة الثانية، بنفس العناصر؛ يشوف كمان يحاول الإصلاح في حال ما تم الصلاح”.
تسريح بإحسان
وقال الباحث والمفكر السوري: “هلا التسريح بإحسان؛ هنا النقطة؛ لكن معها ثلاثة أشهر كمان، لأن هذه طلقة ثانية؛ كل طلقة لها عدة، هذه الطلقة الأولى لها عدة ثلاثة أشهر. الطلقة الثانية لها عدة ثلاثة أشهر؛ إذا أصر على الطلاق هلا الآن هذا الطلاق مرتان، انتهى. صار فيه المدة الزمنية، بعد الطلقة الثانية ثلاثة أشهر، على رأس الشهر السادس تُعقد جلسة ثالثة، مو للطلاق؛ لتثبيت الطلاق، مُصر على الطلاق عشان نجري الطلاق.
الطلاق بعدة؛ طلقة وعدة، طلقة وعدة؛ فصار مجموع العدة الزمنية ٦ أشهر، على رأس الشهر السادس بيتم تثبيت الطلاق، اللي هو فكروه طلقة ثالثة، هو ليس طلقة، الطلقة مرتان؛ الأولى والثانية فقط، رأس الشهر السادس هو نهاية عدة طلقات، هلا قعدنا بالشهر السادس، يحق لك ترجع طالما لسه ضمن المشروع؛ ليس أنه انتهى الموضوع، لا ما انتهى؛ يحق لك أن ترجع إلى ذلك، هذه الجلسة هي للتثبيت، خلصنا، خد فرصتك كاملة، ستة أشهر؛ اللي غضبان، ارتحت، ستة أشهر كافية إنك ترتاح، عارف شلون كافي ترجع أوراقك، كافي تهدأ أعصابك، ويصير فيه صلح، طبعاً محاولات صلح كتير، بيصير بين الأصدقاء، بين المؤسسات الاجتماعية، يحاولون يصلحون بينهم؛ لأنه علاقة إنسانية؛ وخاصة إذا فيه أولاد، والصلح خير، دائماً أول مقصد بالزواج، والصلح خير، والصلح خير؛ بس ليس على حساب دهس كرامة أحد؛ يعني ليس أنه خلاص صالح، وشو ما كان، لو كان الرجل يهدر حقوق المرأة أو داهسها، أنه الصلح خير، لا صلح خير ضمن المعقول؛ يكون أخطاء بسيطة، عدم تفاهم، عدم تساهل باندماج اجتماعي أو ثقافي. أما فيه ضرب فيه عنف، لا، يصير الطلاق خيراً، صار الحالة السليمة الطلاق، الطلاق هو الخير؛ مثلاً للمرأة لإنقاذها من هذا العمل، فإذن مشروع الطلاق، طلقة أولى بثلاثة أشهر، طلقة ثانية بثلاثة أشهر، وصارت ستة أشهر، ونهاية الشهر السادس فيه جلسة لإقرار هذا المشروع أو لتوقيفه. مُصر على الطلاق، ثبتوا لها، ماني مُصر، دي ارجع إكس على كل المشروع، باصَفَّر العداد، ترجع العلاقة الزوجية طبيعية، وفي حال بعد سنتين أو 10 سنين، بيرجع لمشروع الطلاق من بدايته، ما بيتسجل عليه أي شيء أبداً، هذا الطلاق في القرآن، أي طلاق غير بهذا الشكل طلاق باطل وآثم؛ لأنه صار فيه اعتداء”.
كل طلاق يلزمه مجلس عائلي أو اجتماعي
وأضاف سامر إسلامبولي: “كل طلاق بِدُّه يكون فيه مجلس عائلي أو مجلس اجتماعي؛ جلسة اجتماعية مؤلفة من حد أدنى واحد من قِبل المؤسسة الاجتماعية أو طرف من أهله وطرفهم من أهله؛ أب، عم، أخ؛ يعني هذه العلاقة الزوجية إنما هي علاقة أُسرية اجتماعية لازم المجتمع يحتضنها ابتداء من الأُسرتَين، الأسرة تحتضن بنتها، والأسرة تحتضن ابنها؛ خصوصاً في الزواج الأول في السنوات الأولى، ربما كتير مهم جداً وجود العائلتَين؛ لمساعدة هذه العلاقة الجديدة بالنجاح، لأنه علاقة جديدة ما عندهم خبرات للنجاح، أهل الزوجة وأهل الزوجة؛ يساعدون، فكتير مهم على العقد، الزواج الاجتماعي، أن تكون الأسرتان موجودتَين، واجب اجتماعي.. هل يا ترى إذا ما فيه أهل، الزواج باطل؟ لا ما باطل، صحيح بس ناقص اجتماعيًّا، اللي بتتزوج خارج إرادة أهلها كاملةً، هل عقد نكاحها باطل؟ لا؛ لازم يكون نكاحه لأمر ليسركم، واجب اجتماعي، زواجه، أو عقد نكاحها سليم بس ناقصه اجتماعياً، عَم تدفعي تمنه؛ القطيعة ما بينك وبين أهلك. هذا شيء مرفوض، أما زواجك فصحيح، هذا ليس باطلاً، الفرق بالأصول، الفقه، ما بين كلمة باطل وكلمة فاسد.. الباطل العقد الذي لا يمكن إصلاحه كأن ينكحه مثلاً الرجل أُمه، عقد نكاح على أُمه، علم أنها هي أُمه، هذا العقد ما يتصلح حكمه، باطل. فالعقد الباطل الذي لا يمكن إصلاحه ينبغي نقضه مباشرةً؛ مثل نكاح المحارم، العقد الفاسد هو إذا كان العقد فيه نقص وخلل ممكن تصلحه، يقول ولي الأمر واجب، ولم يحصل في العقد.. الزواج صحيح؛ لكن فاسد، يعني بنصلحه، العلاقة سليمة وشرعية؛ بس فيه نقص، تعالَ يا ولي أمر، اشهد فبيشهد..”.
إشكالية سرية عقد الزواج
وأجاب إسلامبولي عن سؤال “هل ممكن يكون العقد سرياً مثلاً رغم وجود توافق بين الطرفين؟”، قائلاً: “بس يتزوجوا وحدهم، هل الزواج قبول، واجب بين الطرفَين على الزواج الدائم؟ هل هذا نكاح شرعي ومتحقق في الركن شرعاً؟ نعم اسمه زواج شرعي؛ ليس فاحشة ولا سفاحاً ولا أي شيء.. من الناحية الشرعية عقد نكاح سليم وصواب؛ يعني العلاقة ليست فاحشة بينهم. طبعاً من باب أولى، ليست زنى؛ لأن الزنى غير الفاحشة، ليست فاحشة، يعني ليس بالعلاقة بالحرام بينهم، ولكن اسمه عقد فاسد مو باطل، فاسد تنقصه الحماية الاجتماعية؛ لأنه أي أمر بيصير بينهم فيه مشكلة”.
الزواج.. شعرة بين الحرام والحلال
وقال الباحث والمفكر السوري رداً على سؤال “ماذا يفرق هذا النوع من الزواج عن الاتفاق بالممارسة ما بين طرفَين راضَين لها؛ لكن دون نية الزواج؟”: “دون نية الزواج الأمور بتفرق بين العقود على شعرة بين الحرام والحلال، هذا العقد شرعي لأنه زواج دائم بينهم باتفاق أنه أنا بيني وبينك فيه علاقة زواج دائم، عقد هون ما فيه زواج دائم، شو العلاقة؟ علاقة عابرة، فصارت من الفواحش… ونحن هنا ما بنحكي عن التراضي؛ حتى الزنى تراضٍ.. التراضي لا يجعل علاقة الزنى عقداً، طالما فيه قبول وإيجاب هذا هو العقد وبالتراضي؛ بس هذا لا يجعل التراضي ووجود ركني الزواج”.
عقد الزواج ونية الطلاق
وأجاب الباحث والمفكر السوري عن سؤال “النية بالزواج هي التي تفرق عن العلاقة الأخرى مثلاً؟”، قائلاً: “الواقع، النية اللي ذلك اختلفوا فيها أنه إذا الإنسان بده يعمل عقد زواج دائم؛ ولكن يخفي فيه نيته أنه بده يطلَّق بعد ست أشهر أو سنة.. وإذا اتفق طرفان سراً على الزواج ويعيشان كزوجَين؛ فهذا شرعاً العقد سليم وصواب شرعاً نيةً بالزواج”.
وأضاف سامر إسلامبولي: “النية ممكن يخفيها؛ يعني يظهر عقد ويخفي نية، هذا أمر كمان خلافي، حتى اللي بده يتزوج زواجاً دائماً بس بداخله ممكن يخفي نية أنه لا أنا زواج ستة أشهر فقط..”.
إشكالية الإشهار والزيجات السرية بالمجتمعات العربية.. ولكن مسجلة قانونياً
وتابع إسلامبولي: “مجرد أن عقد الزواج ثُبِّت ببعض الدوائر القانونية طبعاً واحدة هذا اسمه زواج شرعي وموثق ولا يهم رأي المجتمع كله، الموضوع هو التوثيق لحماية المرأة والعقد بينهما، فما يقدر الرجل يغدر فيها أبداً أو يتبرى من أولاده.. لا فيه عقد زواج بينهما مسجل بالدائرة، فلا يشترط للزواج ما يُسمى الإشهار، في الفقه الإسلامي هذا له علة، لأنه ما كان فيه توثيق بزمانه، فبيضطروا يسوي الإشهار. ليس شرط الإشهار إطلاقاً، ليس شرط الحفلة، كلها لا علاقة بالدين، هل يستطيع الرجل أن يأخذ امرأة ويروح للمحكمة ويعمل عقد زواج؟ نعم بكل بساطة دون أي شيء، المحكمة وثقت العقد، طلع بورقها من العقد، المحكمة، هذه زوجتي، بيرجع على بيته، وما أحد له عنده شيء، هذه زوجتي”.
إشكالية الزواج سراً.. المجتمع الأوروبي والمجتمع العربي
واستكمل إسلامبولي: “وإذا اتفقا سراً بنية الزواج بينه وبينها؛ دون أن يعلن زواجه، شرعاً سليم، ولكن يتعرض إلى أذى المجتمع؛ فهي تطلع على بيته ويروح لعندها، المجتمع ممكن يعرضها لأذى، فيه مشكلة يعني، فالمفروض لذلك أحكام وقائية، المفروض الإنسان ما يسوي هذا الشيء بمجتمع لا يسمح به، مجتمع أوروبا ممكن عادي وشرعاً زوجته، أما المجتمع العربي بيسبب مشكلة كبيرة؛ فلذلك هنا لا بد أن يتقي هذا الأمر”.
عقد الزواج إنساني موجود قبل الكتب الإلهية
قال الباحث والمفكر السوري: “أنا ذكرت أن عقد الزواج عقد إنساني موجود قبل الكتب الإلهية؛ ليس الدين الذي بدأ تشريعه، فأية علاقة تبدأ بين الطرفَين قبول وإيجاب، لتأسيس أسرة، فهذا اسمه العقد الصحيح؛ يعني النبي محمد تزوج خديجة ما قبل النبوة، هل بعد النبوة غيَّر عقد زواجه؟ ما غيَّره لأن عقد زواجه كان سائداً ومعروفاً، قبول وإيجاب، وتوثق اجتماعياً من قِبل المجتمع، فهذا صحيح، فالدين ليس الذي بدأ العقد، موجود، ثبته وأعطاه قداسة وحماية، فركن عقد الزواج هو القبول والإيجاب بين الطرفَين على الحالة المتفق عليه، الزواج الدائم ليس عقد قبول وإيجاب على فاحشة، لا؛ على الزواج الدائم، فإن حصل العقد قبول وإيجاب بين طرفَين بالغَين وراشدَين بكامل قواهم العقلية على نية الزواج الدائم، عقد كزواج شرعي صحيح، بصرف النظر فيه شهود أو لا يوجد، سواء وثق في المحكمة أم لم يوثقوه.. كل هذه إجراءات”.
الخطبة في الثقافة العربية الإسلامية
وأضاف سامر إسلامبولي: “في الثقافة الإسلامية العربية موجود (الخطبة)، بصرف النظر عن إجراءات فيها والتشدد، خطبة، خطبها؛ فيه بعض أهل، لا مانع من أن تخرج مع خطيبها بس يطلع معها مثلاً محرم، ولد صغير؛ أخوها يطلع معها، تزوره في بيتهم، ينام عندهم؛ اسمها خطبة عَم يدرسوا بعض.. وفي هذه الخطبة تقع علاقة ما بين الطرفين نسبياً.. العلاقة فيه علاقة نسبية.. وفيه العلاقة الكاملة، العلاقة النسبية تقع بالخطبة، خطيبته، ومع ذلك بعد 5 أشهر، 6 أشهر يقول لك فكِّينا الخطبة، وجرى بينهما ما يجري بين الرجل والمرأة، إلا الجماع.. وفك الخطبة لا يعني فك الطلاق؛ فما تزوجها هو؛ يعني ما كُتب عقد، لا علاقة؛ الكتابة بالتوثيق، ما صار بينهم عقد، قبول وإيجاب على نية الزواج، وإنما تقديم، قدم نفسه كخطيب وفيه اسمه، موافقة مبدئية على الخطبة، وأنتم الآن في مرحلة الخطبة للدراسة، تتعرفون على بعض.. ليسا زوجَين، اسمها مرحلة الخطبة فقط، فبيصير تعارف الحرية بالسلوكيات بينهم، ترجع لثقافة المجتمع، مجتمع بيقيدها، مجتمع بيغلقها، ما بيشوفها أبداً.. مجتمع بيفتحها شوية.. المجتمع الأوروبي مفتوحة العلاقة أكتر، ترجع للمجتمعات والعرف يجري بينهم”.
العلاقة الكاملة بين طرفَين
وأجاب إسلامبولي عن سؤال “هل العلاقة الكاملة ما بين طرفَين تخضع للعرف القائم في المجتمع؟”، قائلاً: “المجتمعات العربية الإسلامية عندهم هذا الانفتاح، المدن؛ بيصير فيه علاقة بين الخطيبَين، لكن لا تصل إلى الجماع، طيب ليه ما تصل إلى الجماع؟ هل فيه مانع ديني ولَّا مانع اجتماعي؟ هنا فيه مشكلة عندهم؛ مشكلة أنه أنتم ما تزوجتوا ولا عقد زواج مثبت ولا فيه أي شيء، أنتم خطبة فقط، عندهم مانع اجتماعي، خطبة اجتماعية، خطبة، المعلن عنها خطبة فقط، ليس زواجاً، يعني ما حصل ما يُسمى تبادل، طبعاً المسألة ليست علاقة باللفظ، بس يعني عشان تعبير عما حصل، لازم يصير فيه أنه أنا قبول وإيجاب، إذن عقد زواج دائم، ما حصل هذا الشيء، أنا ما باعرف شو صار عندك، ما يكفي رايح معها وجاي معها، ما معناها أنها زوجتك، لا؛ لازم يكون فيه العقد بينهم، ليس عقداً؛ بل اتفاق على خطبة ما يُسمى وعد بالزواج، هلا للدراسة يحصل بينهم تلامس وأشياء كتير معروفة بين الخطيب، بعد ٦ شهور زعلوا من بعض، انفسخت الخطبة”.
هل الـboyfriend خطبة؟
وأضاف إسلامبولي رداً على “يعني ممكن نطلق على الـboyfriend خطبةً؟”: “إذا كانوا فعلاً بنية الدراسة للزواج؛ خطبة اسمها خطبة، ولو العلاقة زادت أكثر بيرجع لعرف المجتمع، المجتمع يخاف، لا يسمح؛ لأنه فيه تبعات، لأن هذا الخطيب يقول لك أنا ما تزوجت، طيب أنت دخلت عليها، إيه، ولو ما تزوجت، طيب هذه المرأة أنت نقلتها، حالتها الاجتماعية من مثلاً بنت بكر إلى حالة أخرى، والمجتمع العربي هنا يعني عنده مشكلة، فأنت أذيتها؛ لذلك تشدد الأُسر جداً أنه ما يصير هذه العلاقة، وتمنع بنتها.. إجراءات اجتماعية لحماية ما يترتب على المرأة في مجتمعات معينة اللي بتحملها وزر”.
فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ
وتابع الباحث والمفكر السوري: “(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)؛ النص متوجه إلى رجل طلق مَرته، طلق مَرته؛ الطلقة الأولى ما بيصير، يدخل أحد ويمنع رجوع الرجل للمرأة، هو زوجها وأحق بها، طلقها طلقة أولى، الطلقة الأولى، الطلقة الثانية كمان صار.. انتهاء العدة، خلصت العدة، لا ترجعي له، يمنعها أهلها أو غيرهم، ما بيصير يدخلوا، أولى الرجل بزوجته، وهي ترجع له، فلا تمنعوا المرأة، لا تمنعوا الخير، لا تمنعوا الصلح بينهم إطلاقاً، فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن؛ يرجعوا للعلاقة الزوجية الطبيعية”.
وأضاف سامر إسلامبولي: “إذن تراضوا بالمعروف؛ طبعاً بالمعروف، لأنه فيه مشكلة، لماذا صار فيه طلاق؟ هنا المشكلة اتحلّت، واتفقوا مع بعض على أنه طريقة معينة ليتعايشوا مع بعض، ما بيصير أحد يدخل من الأطراف الآخرين، أنتم ما لكم علاقة، هذه أسرة، همَّ أحرار بنظامهم الأُسري، ما أحد يدخل، فلا تمنعوا المرأة من الرجوع إلى زوجها، خليها ترجع والصلح خير، وهم راضون بنظامهم وعايشين مع بعض؛ سواء الطلقة الأولى أو الطلقة الثانية، أما إذا وصل إلى الجلسة الأخيرة وتم النطق بقرار الطلاق وتثبيته ومضى عليه، خلاص ما عادت إليه ترجع المرأة، صار فيه طلاق بائن كامل، أخذ فرصته ٦ أشهر، هذا ما عادت ترجع له؛ حتى تنكح زوجاً غيره”.
الأجل.. المدة الزمنية للعدة
واستطرد الباحث والمفكر السوري: “الأجل هو العدة؛ هو المدة الزمنية للعدة، فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ؛ العدة خلصت ضمن العدة، ترجع له، خلصت العدة، هذا الأجل تبعها، لازم إيه؟ طلاق أو ترجع؛ حبّت ترجع فلا تمنعوها، أخذت فرصتها الثانية، الطلقة الثانية، كمان الأجل تبعها هو العدة ثلاثة أشهر”.
وقال سامر إسلامبولي: ” (وإذا طلقتم النساء) خطاب لجماعة المجتمع المعنيين بالطلاق، المجلس العائلي، معني هذا لا أحد يتدخل في حال المرأة، حبّت ترجع لزوجها. والثاني خطاب للزوج نفسه بالدرجة الأولى؛ لأنه هو الذي يمسك أو يسرح، وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ… يا بتمسكهن بمعروف يا بتسرحوهن بمعروف؛ لا يصير عبث واللعب بحدود الله، طلقت، ما طلقت؛ ترجع بعد فترة، ترجع على الطلاق، الأمر مو لعبة”.
فإمساك بمعروف.. تفسير المعروف لسانياً
وأضاف إسلامبولي: “المعروف هو الحقوق الشرعية بالدرجة الأولى، وهي واجبة، وفيه المعروف الذي هو ضمن الحلال، متعارف فيه بين الناس، هذا نسبي اجتماعي يتغيَّر من مجتمع لمجتمع، عادات وتقاليد تنزل بالمعروف، بس بعد المعروف الشرعي الاثنين سوا بشكل معروف عام، المعروف هذا عرفي يختلف من مجتمع لمجتمع؛ يعني مثلاً المعروف بالريف للمرأة وعاداتها وتقاليدها وواجباتها تجاه زوجها العرفية غير واجبات الزوجة بالمدينة؛ فقد ييجي الناس يتدخلوا في العلاقات، هذا العرف تبعها، فيه واجبات معينة؛ تخبز، بتعجن، ممكن تطلع على الحقل، ممكن تحلب البقرة، بنت المدينة ما تقدر تعاملها بهذا الشكل، لا؛ عُرف هذه غير عُرف هذه؛ ففيه شيء اسمه معروف، واجبات المرأة في البيت، هذا المعروف نسبي وجزئي بين المجتمعات العربية والإسلامية”.
النداء في “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ”
وتابع سامر إسلامبولي: “(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا).. الأصل في النصوص التي تبدأ بيا أيها النبي، ليست تشريعية؛ إنما توجيهية تعليمية، خطاب للنبي مباشرةً بصفته قائداً وإمام مجتمع؛ يعني مثل مؤسسة، صار المجتمع كله يلتزم فيه، أما الأحكام فموجودة بالآيات الثانية، آيات النوع، الطلاق يكون ضمن العدة، (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) ثابت العدة، هل هنا فيه توجيه عملي في توجيه يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن، وهو أني عدة اللي ثابتة بالحكم هذا”.
واستكمل إسلامبولي: “وهذا النداء يصلح حتى الآن؛ ومستمر طبعاً، فأي خطاب للنبي هو اسم خطاب توجيهي وتعليمي مستمر إلى يوم الدين.. والمقصود بالنبي هو النبي مقام، ليس شخص مقام اتخاذ القرار، مقام النبوة، مؤسسة، إذا طلقتم نساء فطلقوهن لعدتهن؛ لازم يكون فيه عدة، حتى تأخذ فرصتها بالإصلاح، الطلاق مرتان جاي من نفس النص، الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف؛ يعني النص هذا من أهم النصوص في الطلاق اللي عم تجمع وتعطي أدل للشيء اللي عَم نطرحه كله بالطلاق، الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.. النص حكى عن الطلاق مرتان؛ بعدين نهى بالفداء للمرأة، فالرجل له مشروعية الطلاق مرتان، ثم إذن إبطال عقد الزواج..”.
الخلع والفداء بين الفقه والقرآن
وقال الباحث والمفكر السوري رداً على “وهي مَن كانت تفدي الزواج، تفدي بالشيء اللي أخذها؟”: “شو أعطاها ترجعه له؛ لأنه تكلف، هو أعطاها بيت، ترجع لها، تفدي نفسها إذا معها، ما معها بالصلح تفدي نفسها ما استطاعت، أو إذا قدرت تأخذ مالاً من غيره؛ من أبيها، من أحد تراضيه يعني تعويض ما يُسمى تعويض عن خسارة، فيه خسارة دفعها؛ مهر، حفلة، بيت.. إلى آخره، يدفع؛ خاصة في زماننا الآن يجمع الإنسان ثروة، لحتى يتزوج، فتيجي بكل بساطة تقول له ما عبدياك ما عبدك؛ يعني بعدين يقدر يزوج مرة ثانية، باجلس بعد سنوات ليهيئ نفسه فبدأ تراضي وتعوضه، إذا كان القرار بنسميه الخلع بالفقه، أما بالقرآن اسمه فداء؛ فإذا بدها تخلعه هي فلازم تفدي، تفدي نفسها، سامحتك بالمهر المقدم والمؤخر وكل شيء، ما بدِّي منك شيء”.
لماذا سموه فداء وليس خلعاً؟
وأجاب إسلامبولي عن سؤال ” لماذا سموه فداء وليس خلعاً؟”، قائلاً: “بالفقه كل شيء ينقلب عندهم؛ ما باعرف ليه، أما هو بالقرآن فداء؛ تفدي نفسها، لأنه هو بده إياها، الرجل بده إياها، أنا ما بدي، شو الحال؟ تفدي نفسها، هذا حقها، كل شيء، أعطيتني الهدايا، شو عطيتني، خذ، ويتم فوراً الفصل بينهم، وبالقضاء معروف؛ يعني اللي هو تحت اسم الخلع، توكل المحامي، بتخلع زوجها، ما فيه أي شروط، وهي قضية سريعة”.
وأضاف إسلامبولي: “هي عملياً فداء؛ بتفادي نفسها، لتخلص من هذا الوضع اللي هي شافته سيئاً بالنسبة إليها ولا يصلح..”.
القضاة أو رجال الدين لا يقرؤون القرآن وإنما يتلونه
وتابع سامر إسلامبولي: “الواقع أن القضاة أو رجال الدين لا يقرؤون القرآن؛ وإنما يتلون القرآن، فرَّقنَا ما بين (تلا) و(قرأ)، قرأ دراسة وتدبر، فهم لا يدرسون ولا يتدبرون؛ لأنهم تركوا ذلك للأموات، قرؤوا وتدبروا، فهؤلاء الآن يحملون تدبُّر السابقين، ويتلون القرآن للعبادة وفي الأماكن العامة فقط ليس أكثر، فالقاضي الشرعي ليس من مهمته هو أن يتدبر القرآن، هو قدامه لائحة قانونية؛ مادة أولى، مادة اتنين، تيجي له الحالة تبع الطلاق، فينفذها فوراً، المادة دون تدبر ولا قراءة ولا أي شيء يطبق مواد، يعني ممكن يكون القاضي في معظم البلاد العربية ليس بالضرورة يصير عنده شهادة أصلاً؛ لأنه هي حالة تطبيق مواد، هذا الفعل عقوبته موجودة في المادة رقم واحد، فيطبقها تطبيقاً، أما هو ما له علاقة في الموضوع أبداً؛ فلا يقرؤون ولا يتدبرون”.
وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ
واستكمل إسلامبولي: “وصلنا عند نص مهم جداً، (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)، اللائي يئسن من المحيض، المرأة طبعاً، النص كله إذا تلاحظ عَم يحكي عن النساء، ليس عن الأطفال، عم يحكي عن الأنثى التي وصلت إلى سن المحيض والرشد؛ فهي الآن مرحلة الزواج، تزوجت، فالنص عَم يحكي إذن عن المتزوجة، ليس عن غير المتزوجة، متزوجة، المتزوجة هذه ممكن تكون هي في حالة محيض طبيعية، اتطلقت، فعدتها طبيعي ثلاثة قروء، طيب إذا ما فيه قروء، إذا ما فيه قروء ما حاضت، يئسنا من المحيض، أنه وصلت إلى سن اليأس، خمسين فصاعداً؛ فثلاثة أشهر، يعني المدة الزمنية تبعها نفسها ثلاثة أشهر بالنسبة للائي يئسنا من المحيض، إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، ممكن تيجي وما تيجي، (واللائي لم يحضن) ممكن منذ بداية زواجه هي مع محيض، ليس هي طفلة؛ لأنه فيه ليس من جملة (واللائي لم يحضن)؛ يعني معنى تتجوز الرجل أن يتزوج طفلة؛ لأنه اللائي لم يحضن، لا؛ النص عَم يحكي عن نساء، اللي هي امرأة مؤهلة للزواج، (اللائي لم يحضن) ممكن هذه المرأة لم تحض أصلاً، طب هذا لا يمنع زواجه؛ لأنه الزواج له مقاصد كتير، وليس هو حالة تكاثر فقط، وأصل سن الرشد عمرها عشرون، عمره خمسة وعشرون سنة، طبعاً ليس شرط نفي المحيض طول عمرها؛ لكن زمن الطلاق لم تحِض، ممكن تحيض في ما بعد، فتزوجت شابة كبيرة؛ ولكن لم تحض، سنة سنتين، لم تحض. جاء وقت طلاقها؛ الزوج وهي في غير حالة الحيض واللائي لم يحضن؛ كلها معطوفة على أنه فعدتهن ثلاثة أشهر، بعدين بيكمل (وأولات الأحمال)، مرة طلقها زوجها وهي حامل، فأجلها هو أطول الأجلَين، ما تأخذ ثلاثة قروء، فالعدة تبعها هي أن تضع حملها، هنا أطول الأجلين؛ بمعنى إذا طلقها وكانت في نهاية الشهر التاسع، فقالوا يأخذ بأطول الأجلَين، فتضطر تأخذ ثلاثة قروء، هذا أطول الأجلين، فإذا كان الحمل هو اللي أطول فبتاخد بعدة الحمل حتى تضع حملها؛ يعني من بعد ثلاثة أشهر، أما إذا كان حملها بقيا عليه أيام وولدت، فبتاخد ثلاثة أشهر”.
الصلح خير.. واستبراء الرحم.. والقرآن لا يبيح الزواج من القاصر
وأضاف الباحث والمفكر السوري: “الصلح خير؛ المقصد الصلح؛ مش عشان مسألة استبراء الرحم، فهذا أحد مقاصدها.. (يترك مجال للصلح)؛ جاءها ولد وطلعت أخذت ابنه ومشيت؛ تأخذ الأجل الأطول، ثلاثة أشهر، يشوف ابنه قدامه عَم يبكي، بيحن، عليها ثلاثة أشهر للصلح؛ بيرجعها فبيأخذوا بأطول الأجلَين، هذا النص كتير مهم؛ فلذلك ما فيه أية شبهة أن القرآن يبيح الزواج من القاصر، إطلاقاً العكس، القرآن لا يبيح الزواج من القاصر، الزواج يكون للآنسة الراشدة التي وصلت إلى سن الرشد، حتى لو لم تحِض طالما وصلت لسن زميلاتها اللي هنَ سن الرشد، ممكن تتزوج، واطلقت فعدتها ثلاثة أشهر.. وهذا الكلام ينفي تماماً أن النبي محمد تزوج عائشة وهي بنت 6 أو 7 أو 8 أو 9؛ لأنه هي قاصر، والروايات اللي جاءت بالتاريخ كذب، مع العلم فيه روايات تانية كمان في التاريخ أنه تزوجها وهي عمرها من فوق الـ18، وفي رواية بالـ25، وفي رواية بالـ28.. أخذوا تبعها 6 و7؛ لحاجة في نفسهم وللإساءة؛ فالنبي ملزم بهذا النص القرآني، ولذلك هذه الأحاديث كذب؛ اللي نسبت إلى النبي أنه تزوج بنت 6 أو 7 أو 8 سنين، وهو متحرش بالأطفال وما شابه ذلك اللي يتهمونه بهذا.. كذب”.
هل تستطيع المرأة أن تنكر ما في رحمها؟
وأجاب سامر إسلامبولي عن سؤال “هل تستطيع المرأة أن تنكر ما في رحمها مثلاً؟”، قائلاً: “في بدايتها إن طلقها وما يعرف إنها حامل، حالة طهر، طلقها، اكتشفت أنها حامل، بدايات الحمل، الشهر الأول أخفت الموضوع، فبدأت تخفي هذا الأمر شهراً وشهرين، ما يظهر عليها الحمل أبداً، وتدَّعي هي أنه عَم ييجي الطهر والمحيض، بينما هي حامل؛ لكن الحمل لم يظهر..”.
وبعولتهن أحق بردهن
وأضاف إسلامبولي رداً على “تلاحظ هنا استخدم (وبعولتهن أحق بردهن)”: “نعم؛ البعل كلمة توصف وتطلق على الزوج عندما يكون مقطوع العلاقة الجنسية مع زوجته، استخدم كلمة البعل؛ لأنه فيه سوء تفاهم بينهم، فمتوقف عن العلاقة الجنسية، وبدأ بمشروع الطلاق أم طلعت فيها حامل، فقال لا تكتمي ما خلق الله في رحمك، خبّريه؛ لأنه وقت بتخبري قراره يرجع، صار عندي أنا ولد موجود في رحمها فيتغير قراره ويتحرك عنده عاطفة الأبوة؛ لأن دائماً الصلح خير، والصلح خير دائماً هذا شعار في العلاقات الإنسانية الزوجية”.
المقصود بـ”وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ”
وأجاب سامر إسلامبولي عن سؤال “ما المقصود بـ(وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ)؟”، قائلاً: “بالنسبة للزوج والزوجة؛ الاثنان نفس الدرجات، اثنان، إنسان، صفة الرجل هنا عليه الدرجة بس بموضوع الولد؛ لأن الولد ينسب له، هذه الدرجة المتميز فيها الزوج عن زوجته، أن الولد ينسب إليَّ أنا، يحمل اسمي، وهو من صلبي، ليس من صلبها، لا يحمل اسمها؛ هذه درجة موجودة، هذه الدرجة خلقاً موجودة، ما العلاقة بالأفضلية العقلية أو الخلقية أو شيء أبداً، درجة بالخلق موجودة وظيفياً، وعَم تترتب عليها مسؤولية، ليس يعني تفضيل الرجل عن المرأة، لا؛ ليس تفضيلاً لتحميله مسؤولية ابنك، أنت مسؤول عنه”.
التحليل أو التجحيش.. نقطة يُساء فهمها واستخدامها
وقال إسلامبولي بشأن الحليل أو التجحيش: “في القرآن كما لاحظنا لا يوجد هذا الأمر أبداً؛ لأنه فهم مشروع الطلاق بشكل غلط، أدى لهذا المخرج، هذا وقت قالوا إن عواض الطلاق مرتَين استخدم ليس اثنتَين عملياً، وصار الإنسان إذا تلفظ الطلاق لفظاً مرتَين، طلقة؛ لأجد مخرجاً فطلعوا بما يُسمى (التحليل أو التجحيش) لها؛ حتى تنكح زوجاً غيره بالاتفاق والتراضي بينهم وبالمصاري سببه هذا الفهم الخطأ، فإذن هذا الفهم الخطأ نحن عرفنا خطأ، وأسقطناه، ورجعنا الفهم الصواب، أن الطلاق مرتان وليس اثنتَين، والعدة وجوباً، (يا أيها النبي إذا طلقتم) ليس فطلقوا هنا لعدتهن في ستة أشهر، ستة أشهر، لم يعد هناك داعي للفهم، هذا التجحيش تبعهم، لم يعد هناك داعي له أبداً، سقط، وهو لا أخلاقي أصلاً التحليل، فغير موجود وعملياً في حال لو حصل فهو عملياً من الفواحش”.
وأجاب إسلامبولي عن سؤال “ما المقصود بالآية (فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ)؟”، قائلاً: “في حال مشروع الطلاق تكمل المرحلة الأولى والمرحلة الثانية؛ يعني ستة أشهر.. بردت الأعصاب وخلاص أخذوا، لو بدّه إياها رجع، ستة أشهر غير كافية، آخر الشهر السادس ما زلت مُصراً، ستة أشهر بردت الأعصاب، مع وجود جلسات كثيرة للإصلاح، ورفض فكان قرار عقلاني منطقي، تم الطلاق، ثبت.. إذا ثبت ما تريد ترجع له؛ لأنه كان لك فرص ترجع له ستة أشهر بأي ساعة بينهم تريد ترجع خلال الستة أشهر كلها، مضى الشهر السادس أنت ما رجعت لها، بل ومُصر على الطلاق، فخلاص الفرصة أخذتها كاملةً، فإذا لن ترجع لك حتى تدخل في تجربة زواج جدية، صواب، مع غيرك، ويموت زوجها أو يطلقها وحده دون تأثير بالوضع، طلقها، إن أحبَّت هي كمان أن ترجع إليك وأنت، لا مانع، فلا مانع ترجعوا وتأخذوا فرصة ثانية، أما إذا زوجت ونجحت في زواجها، خلاص ماشي الحال”.
وأضاف إسلامبولي: “وفي النهاية هو زواج عادي؛ لكن لو تطلقت أو مات زوجها ترجع للزوج الأول، ما فيه أي شيء، أما منع من البداية قبل الطلاق وقبل موت زوجها، إذا ما تزوجت يعني ما زالت عازبة لم تتزوج، ما يصير ترجعها”.
غياب الأخلاق والنصب على النفس
واختتم الباحث والمفكر السوري بالإجابة عن سؤال: “كيف تجيز المؤسسات -ما يُسمى بمؤسسات الشرعية أو التشريعية- هذا اللف، عملية النصب على النفس؟”، قائلاً: “هلا فيه نصب واحتيال بالفقه كتير، حتى بالأموال والزكاة، أنه واحد مثلا بدي يطلع أموالاً، أنه أنا باطلّع أموال زكاة، فباجمع المال، الزكاة، وباحطه في كيس رز، في وسطه، وبقفل عليه الرز، وبقيم هذا الكيس، الرز بدِّي أعطيه للفقراء، بس أنا بنيتي فيه زكاة، بقلبه مثلاً ألف دولار، ألفي دولار، عشرة آلاف.. حسن، وأعطيه له، وبعدين باقول له تبيعني هذا كيس الرز، مثلاً كم حقه؟ هو مثلاً خمسون درهم، تبيعه ١٠٠ درهم؟ يقول لك أيوة بابيعه، عَم تعطيني ضعف فباشتريه، وهي ١٠٠ درهم، بعدين باطلع هيك أتفاجأ أنه لقيت بصاري في قلبه وأخدها لي.. فقه موجود، وخاصةً عند الأحناف يسمونه فقهاً، أرأيت موجود الحيل يستسيغونها، شيء للذهول؛ لا خلق، لا عقل، لا حكمة، لا إنسانية، تستغرب، معقول هذا فقه دين؟ لا هذا ليس فقه دين، هذا فقه حشاشين، فقه لا إنسانيين، فقه لا أخلاقي… سببه عند المسلمين عندما قلبوا الدين رأساً على القاعدة، والقاعدة طلعت لفوق، وقت جعلوا الطقوس ركناً من أركان الدين والأخلاق غيبت، ولا كأنه ركن من أركان الدين، مع أن الأخلاق ركن من أركان العمل الصالح، مَن يؤمن بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، العمل الصالح قائم على منظومة القيم والأخلاق؛ غيَّبوها، رفعوا الصلاة التعبدية، يصلي صلاة تعبدية، لكن ينصب على الناس، يكذب وبيغدر ويقول دي معاصي صغيرة مع أن دي هي الأساس”.
ناقشَ الدكتور يوسف أبو عواد، أستاذ اللغة العربية، المختص في اللسان العربي المبين، خلال لقائه د.باسم الجمل، عبر برنامج “مفاهيم”، نشوء الخلق أو نظرية نشوء الخلق في القرآن، وكيف بدأ ظهور الكائنات على الأرض؟ ومفهوم الإنبات في القرآن الكريم، وكيف أسهمت العودة إلى الفطرة الأولى في نشوء مظاهر التحضر الإيجابي؟.. وغيرها.
بداية ظهور الخلائق
قال الدكتور يوسف أبو عواد، أستاذ اللغة العربية، المختص في اللسان العربي المبين: “في الحلقتَين الماضيتَين تحدَّثنا عن خلق السماوات والأرض وما يُسمى بالمصطلح الحديث اليوم (خلق الكون)، وبعد ذلك طبعاً السياقات القرآنية تدل على أن ظهور الخلائق بدأ بعد هذه المراحل اللي هيَّ مرحلة الستة أيام. هناك آيات في القرآن الكريم تشير إلى تدرج ظهور الكائنات على الأرض، يعني أنها لم تظهر دفعةً واحدةً، وإنما ظهرت بطريقة متدرجة، مثلاً قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ).. طبعاً ربط الماء بنشوء المخلوقات النامية يعني التي تُسمى اليوم الأحياء، الكائنات الحية، هو أولاً ربط قاطع بمعنى حتى العلم اليوم يقول لك إنه لو كانت هناك خلية واحدة حية؛ سواء أكانت هذه الخلية نباتية أم حيوانية، لا بد أن تكون النسبة الأكبر من هذه الخلية هي ماء، معناها 70% تقريباً من نسبة الخلية ماء، هذا جزم كبير طبعاً”.
وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
وأضاف د.يوسف أبو عواد: “يعني لاحظ الجملة فيها جزم (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)؛ يعني لو أنه عثر على أي شيء حي ينمو بالطريقة الحيوية المعروفة ولا يعتمد على الماء، سيكون هذا مخالفاً للآية، ولكن ذلك لم يحصل أن عُثر على كائنات لا تشرب الماء، لا تشرب الماء في حياتها قطعاً؛ ولكن طبعاً للوهلة الأولى الناس اعترضوا، قالوا والله وجدنا كائنات لا تعتمد على الماء، لكن بما أنه الخلية أصلاً 70% منها وجميع التفاعلات الحيوية في الخلية، فلذلك هذه الجملة صادقة جداً، في جميع الكائنات الحية الموجودة على سطح الأرض، إنما الآية ما يلحظ فيها أنه قال (فَأَخْرَجْنَا بِهِ)، يعني بالماء، الآن الضمير سيعود على الماء، (وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ)، لا يوجد شيء يعود عليه الضمير إلا الماء، (فَأَخْرَجْنَا بِهِ) يعني بسببه (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ)..”.
الإشكال في “نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ”
وتابع أستاذ اللغة العربية، المختص في اللسان العربي المبين: “هذه عبارة (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ) فيها إشكال قد يُفهم أن معناها جميع أنواع النبات، هذا الفهم المباشر الذي فهمه معظم المفسرين القدماء؛ لكن لو كان هذا المقصود لقال فأخرجنا به كل نبات، والدليل أنه بعدها مباشرةً قال (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)؛ لا يمكن أن يكون (منه) هنا عائدة على الماء، ليه؟ ليس لأنه الأبعد فقط عن الضمير، ولكن لأنه استخدم نوعَين من حروف الجر، يعنى قال، حتى نبسط الموضوع، (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ)، بسببه يعني، نباتَ كل شيء، فالماء سبب مهم جداً وشرط أصيل في تكون كل ما ينبت وكل ما ينمو وكل ما يوصف بأنه حيوي، ثم قال (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)، يعني منه الآن ستعود على نبات كل شيء، الذي ذكر في الآية وليس على الماء”.
مفهوم الإنبات في القرآن الكريم
وقال د.يوسف أبو عواد، رداً على “يعني لفظة نبات هي أشمل من أن تكون مقصورةً فقط على النبات الأخضر اللي احنا بنزرعه”: “وكيف لا تشمل، ونوح، عليه السلام، حين خاطبَ قومه، قال (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا)؛ يعني النص قطع هنا أن لفظة إنبات في القرآن الكريم لا يقصد فيها فقط ما يُعرف اليوم بأنه نباتات، ويقصد به صفة الحيوية التي توصف اليوم بأنها الإحياء أو علم الأحياء أو علم الكائنات الحية.. كل هذا يدخل ضمن مفهوم الإنبات في القرآن الكريم، فالماء ولد ما يمكن أن نسميه الكائن الأول أو الخلية الأولى التي وجدت على سطح الأرض، فكان منها بعد ذلك نبات كل شيء؛ لأنه قال (فأخرجنا منه)، يعني من هذا النبات بتسلسل طبعاً، ومراحل متتالية، كما تثبت الآن أو يثبت علم الأحافير وعلم طبقات الأرض أن ظهور الكائنات كان متدرجاً.. طبعاً المشكلة يعني ممكن الناس تقول نظرية التطور.. وإلى آخره. هو أولاً لا يوجد مانع أن يكون أو أن تكون طريقة الله في الخلق قائمةً على التطوير”.
كل تطور في الكائنات يحدث بطريقة مقصودة
وأضاف أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين: “هذا الفرق؛ نحن لا نقول تطور بمعنى أنه يحصل بطريقة تلقائية أو صدفية أو عشوائية، هذا لا يكون؛ لأن العملية منتظمة وتجري وَفق قوانين وسُنن واضحة جداً، وكل تطور يحدث في الكائنات، يحدث بطريقة مقصودة؛ لذلك نسميه تطويراً.. وَفق القدر الكبير الذي ذكرناه في عدة حلقات، يعني أن كل شيء خلقناه بقدر ووَفق الكتاب الأول يعني، فهذا لا يوجد مانع أن تكون هذه الآلية يعني الفرق؛ مثلاً التطوريون الذين ينحون إلى الإلحاد، هم يقولون إن الانتخاب الطبيعي هو الذي يؤدي إلى تطور كائن عن كائن، عن طريق الطفرات العشوائية التي يعني كثير منها مضر وبعضها منافع، والطبيعة بحكم ظروفها تنتقي النافع والضار، يموت فيفنى.. وهكذا؛ لكن أصلاً عمر الكائنات الحية على الأرض وعمر الأرض وعمر الكون لا يستوعب وَفق قانون الاحتمالات أن يتشكل حمض أميني واحد، وليس كائنات، ملايين الكائنات الحية، فكيف يمكن لهذا الوقت القصير نسبياً أن يكون وَفق الانتخاب الطبيعي كما يقولون، سبباً في نشوء كل هذه الأنواع من الكائنات؟ إذن هي عملية تطوير مقصودة، وكلمة تطوير ليست ابتداعاً ولا هي سعي لأن نوافق ما تذكره النظريات الحديثة، لأ، إنما القرآن الكريم قال والله (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا) (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا).. أينعم الأطوار معناها مراحل؛ سواء أكانت هذه المراحل في وجود الكائن نفسه أو في وجود الكائنات، والتراكمية هذه أشارت إليها أيضاً في سورة فاطر، فقالت (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ)، ما دام يزيد في الخلق ما يشاء”.
فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا.. سر الخضرة الموجودة في الأشجار
وتابع د.يوسف أبو عواد: “إذن ما الإشكال إذا كان الله، سبحانه وتعالى، أخبر أنه يأتي إلى خلق موجود، فيزيد فيه بالنسبة لخلق سابق عليه، يعني هذا ليس فيه أي إشكال، وهذا أصلاً يجري وَفق سُنة كما قُلنا هو لا يعني أنه فيه التدخل المباشر، لأ هو يجري وَفق سنة وقدر وضع أول الأمر واكتنزته اللحظة الأولى التي تولَّد فيها الكون، فقال (فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)، هذا الخضر هو الذي نعرفه اليوم بأنه النباتات، يعني القرآن فرق بين كلمة نبات؛ نبات كل ما ينمو، يدخل في هذا جميع أنواع الكائنات الحية؛ البكتريا والفيروسات والنباتات والحيوانات، الفقريات واللا فقريات، إلى الثدييات العليا، فقال (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ)؛ أي بسبب هذا النبات منه من بعضه، يعني تولَّدَ منه، لاحظ منه هنا تفيد التبعيض مع السببية، هذا الفرق بين (من) و(به) في الأول، قال (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ)؛ يعني بسببه، لكن في الثانية قال (فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ)، يعني من هذا النبات، نبات كل شيء، الذي يمكن أن نصطلح فنسميه الخلية الأولى التي وجدت على سطح الأرض التي نقلت الميت إلى الحي، هذا هو إخراج الميت أو إخراج الحي من الميت، فتولد منها هذه خضر؛ الخضر هذا ما يمكن أن نسميه النباتات بجميع أنواعها أو ما يُسمى اليوم، لاحظ المشكلة صارت تداخل مصطلحات؛ يعني الصحيح أن تسمى خضرات يعني النباتات، إذا أردت أن تسميها تسمية قرآنية صرفة ودقيقة ستُسميها خضرات؛ لكن هذا يشمل أيضاً الفواكه، أنه أصلاً الأشجار كلها، النباتات، ما هي معتمدة على مادة الكلوروفيل، هذه هي المادة سر الخضرة الموجودة في الأشجار، حتى لو لم توجد في الثمرة فهي موجودة في الأشجار، والأشجار يعني لا تتحقق حياتها إلا بها، فهذا هو سر الخضرة الموجودة في الأشجار”.
وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا.. تَتَبُّع الكلمة
وقال أستاذ اللغة العربية، المختص في اللسان العربي المبين، رداً على “إذن الخلل صار في إنه قصر معنى اللفظ إنبات؛ بس قصره فقط على النباتات التي يعني نزرعها إحنا أو يزرعها الإنسان بشكل عام”: “بالضبط هذا يعني عملت تداخلاً لسانياً جعل الناس يسقطون المعنى الذي أنشأ بعد ذلك على مفهوم القرآن أو الكلمة التي ذكرها القرآن؛ لكن إذا تتبعنا الكلمة كما فعلنا (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا)؛ إذن الإنبات هو كل ما ينمو، الخضر، هو كل ما نسميه اليوم نباتات، يدخل فيه الخضراوات والفواكه والحبوب.. وغيرها، ولاحظ النص كيف قسَّمَه فقال (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)؛ نخرج منه يعني من هذا الخضر حباً متراكباً، هذه الحبوب الآن (وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ)؛ يعني الأشجار العالية والمثمرة التي يعني يكون ساقها أقوى وأعظم، وجنات من أعناب، يعني أتكلم عن الكروم، الأشجار، تفصيل بدأ من الحبوب والنباتات الزاحفة أو الأرضية إلى أن وصل إلى أرقى أنواع النباتات (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ). طبعاً الآن، هذه أمثلة طبعاً للنباتات الموجودة على سطح الأرض، هي تعطيك نماذج يعني للأشجار الحبوبية، الأشجار الأرضية الزاحفة على الأرض أو النباتات أو للأشجار العالية، هذا هو، ومشتبهاً وغير متشابه، ثم قال (انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ)؛ والينع هو صفة للخضرة، وهذا التركيز على فكرة الينع فيه إشارة إلى أنه سر حياة النباتات قائمة على هذه الخضرة الموجودة فيها كما ذكرنا، وهي متعلقة بعملية البناء الضوئي والكلوروفيل، (إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)”.
إشكال إسقاط روايات الأسفار اليهودية على الآيات
وأضاف د.يوسف أبو عواد: “الآن لا نستغرب بعد ذلك؛ لاحظ الفهم الذي سنفهمه بناء على التدبر الآن، يعني نحن فعلنا آلية اللسان ففهمنا ما معنى الإنبات، وفهمنا ما معنى الخضر. عندنا آية تقول (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، الآن لو ذهبت يعني تفتح كتب التفسير وكذا، ستقع في إشكال اللي هم يسقطون الروايات، روايات الأسفار اليهودية على الآيات، طبعاً روايات الأسفار اليهودية تقول إنه وروح الله ترف على وجه الماء.. إلى آخر، هذا في بداية الخلق، فقال لك هذا هو معنى أنه كان العرش أول الأمر، الآية أصلاً ما قالت إنه شوف لاحظ دقة النص القرآني، قال (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، طب الرواية أنت تستدل بها الإسرائيلية، أن العرش كان على الماء قبل أصلاً فصل الجلد الذي يسمونه جلداً في تلك الكتب، وفصلنا في هذا أنه كان العرش على الماء؛ لكن هو متأثر جداً بالرواية ولم يفعل الآلية الحقيقية لتدبر النص والبحث عن الآيات المتشابهة، طب لو أكملت الآية الآن لاحظ التدبر الداخلي في الآية نفسها (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، طيب لنربط هذا مع قوله في سورة الملك (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)؛ لأنه فيه قاسم مشترك، ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، طب في سورة الملك (خلق الموت والحياة)، هنا كان عرشه على الماء، إذن معنى كان عرشه على الماء هنا هو خلق الموت والحياة، والعرش من التعريش معناها التعريش، هو إحكام الأمر والسيطرة على الشيء من أعلاه؛ بحيث هذه السيطرة تمسكه إلى آخره، يعني حتى المعرش الآن في اللهجات العامية أنت تعرف المعرش هو شيء أنت تفعله حتى تمسك جميع عروش الشجر من أولها إلى آخرها، فتسيطر عليها، لا تتشتت يمنةً ويسرةً، وهذا على فكرة معنى التعريش، ورد في القرآن لما تحدث عن فرعون وقومه وما كانوا يعرشون، فالآن لما تقول وكان عرشه على الماء معناها أن الأمر الذي تعلق به الماء اللي هو الحياة والموت سببه ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، يعنى معناها أن لأ هو يشير في قوله كان عرشه على الماء أن جعل الماء سبباً للحياة، والموت تحت أمر الله وسلطانه، وتدبيره سببه النهائي ليبلوكم أيكم أحسن عملاً؛ لأنه الكائن الأخير الذي سيظهر هو الإنسان وهو المقصود الأول أصلاً، لأن كل ما سبق مسخر له، فهذا يعني جعل الماء سبباً للحياة الذي سينتهي وَفق امتداد العرش الذي ذكرناه إلى وجود الإنسان، هدفه أن يبلو الناس أيهم أحسن عملاً، يعني اختبار الناس في قضائهم، في القدر الذي أتاحه الله لهم..”.
كان عرشه على الماء = خلق الموت والحياة
واستكمل أبو عواد: “فإذن الفكرة بعيدة تمام البعد عن فكرة إنك تتخيل إنه كرسي، وهذا كرسي أو عرش كان موجودًا على الماء، وهذا التجسيد الذي تجعل فيه، تشبه الله فيه بأنه إنسان، وهذا سيكون له حلقة منفصلة وفيها تفاصيل كثيرة مهمة جداً.. لكن ما يعنينا الآن هو كان عرشه على الماء تساوي خلق الموت والحياة؛ يعني ما العرش المقصود هنا؟ العرش هو الأمر الكلي الذي جعل من الماء ما يتحول إلى كائنات تنتهي بوجود الإنسان، هذا هو خلق الموت والحياة. طيب هنا قال كان عرشه على الماء، لماذا هذا التعريش على الماء؟ يعني الأمر المنتشر الذي ستصل نهايته إلى وجود الإنسان، (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)”.
وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ.. لماذا لم يقل على الأرض أو السماء؟
وأجاب د.يوسف أبو عواد، عن سؤال “لماذا الماء مثلاً؟ لماذا لم يقل على مثلاً الأرض أو السماء؟”، قائلاً: “هو سبب الحياة التي تولَّدت من الموت الأرض ميتة دون الماء، والآن جميع الدراسات الفلكية لما تبحث عن الكواكب الأخرى تريد أن تتأكد من وجود حياة تبحث عن الماء؛ يعني الموجات أو الأجهزة التي تستخدم في الرصد تبحث عن عنصر واحد هو الماء فقط، إذا وجد الماء عرف أن هناك حياة؛ فلذلك قال عن الماء لأن هو سبب الحياة مش قُلنا خلق الموت والحياة، ولذلك ذكر هنا العرش الذي على الماء، وإلا فالعرش الكلي هو على جميع المخلوقات لما يذكر في الآيات الأخرى (ثم استوى على العرش)، هذا العرش يشمل جميع المخلوقات؛ إنما هنا بعد خلق السماوات والأرض جاء هنا الاستواء على العرش بعد أن قال (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، خصَّ هنا الموضوع، وجود الأحياء؛ ليشير لنا إلى أن الحكمة من جعل الماء كائناً حياً ستكون نهايتها هي وجود الإنسان الذي يُبتلى فيعرف أيهما أحسن عملاً، وقال الذي خلق الموت والحياة كما قُلنا، الآن فيه آيات أخرى تشير إلى وجود الأنواع الأخرى من الكائنات، يقول (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ)؛ كثير من الناس الذين تمحلوا يعني في قضية الإعجاز العلمي، فجعلوه يصبح أضحوكة عند يعني الناس؛ إنه يقول لك إنه كل شيء في القرآن هو ظن أن كلمة في الكتاب هنا (ما فرطنا في الكتاب من شيء) معناها القرآن، والمقصود لأ، (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)؛ المقصود كتاب الخلق الذي هو خلق السماوات والأرض وما فيه من القدر الذي ولد جميع هذه الكائنات؛ يعنى الأمر الأول، يعني ما يمكن أن نسميه اليوم الأكواد البرمجية التي مشي الكون بناء عليها، أنشأ أنواعاً من الكائنات، (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ)؛ هذا معناه إلا أمم، يعنى كلمة أمة تشبه كلمة أم؛ معناها يضمها، ضام جامع، يجعلها منتظمة وتسير وَفق نظام شامل كما هي الحال بالنسبة إلى الإنسان، هذه هي المثلية المقصودة، ثم قال (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ)، ليه؟ حتى يشير لك إلى أن التكون هذا المبني على قضية الأطوار وعلى قضية يزيد في الخلق ما يشاء، وعلى قضية أخرجنا منه خضراً، نخرج منه ونخرج منه.. وهكذا وَفق أسس، مش قصة تدخل مباشر، وضع النظام الأول، وصار مصنع الكون وَفق الكتاب الذي لم يفرط فيه في شيء، وكما قُلنا صناعة أو بناء مصنع لا يحتاج بعد ذلك إلى تدخل بشري أقوى وأعظم إتقاناً بكثير من مصنع يحتاج في كل لحظة أو بين لحظة وأخرى إلى تدخل لتصحيح الأخطاء، حتى آلية التصحيح موجودة ذاتياً وسنأتي إلى هذا ونكرره؛ لأنه ذكرناه في حلقة سابقة وسنورد هنا ما يؤكد أن تصحيح ما يحصل من أخطاء ناتجة عن يعني تداخل المخلوقات بعضها مع بعض، موجودة أصلاً في الكتاب المبين، الكتاب الأول، في أم الكتاب الذي لم يفرط فيه في شيء؛ هي سُنن تجري، سُنن تجري لا تحابي أحداً في وجود المخلوقات وفي تنظيم أمورها.. وإلى آخره”.
وَمِن “كُلِّ شَيْءٍ” خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ
واستكمل أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين: “وأكد هذا فقال (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ) (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)، وأيضاً هناك آخر آية يمكن أن نذكرها في تكون الكائنات؛ هي قوله تعالي (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)، وهذه الآية أيضاً في فترة من الفترات في القرن العشرين كانت محل استشكال؛ لأنه لما يعني اكتشفت الكائنات التي تتكاثر بطريقة لا جنسية، قالوا ها قد وجدنا كائنات ليست تسير على نظام الزوجَين، والآية فيها جزم قاطع (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)؛ لكن بعد ذلك لما دخل العلم إلى داخل الخلية فلاحظ أنه أهم شيء في الخلية الذي هو المورث أو الجين أو الكروموسوم، يتكون من زوج من الكروماتيدات، يعني دبلو كروماتيد هذا تزواج موجود داخل نواة الخلية؛ فإذا أرادت هذه الخلية أن تتكاثر ما الذي يحصل فيها؟ تنتفخ، تتفاقم، يتفاقم حجم الخلية، تنفصل الكروموسومات إلى كروماتيدات، ثم وَفق البرمجة الربانية الأولى التي يعني يشملها لفظ الكتاب؛ يتشكل كروماتيد، يزواج يعني يتشكَّل لكل كروماتيد انفصل كروماتيد آخر يتزاوج معه، فتتخثر الخلية ثم بعد ذلك تصبح خليتَين، وكل خلية يعود فيها نفس عدد الكروموسومات المتزاوجة التي يتكون كل واحد منها من كروماتيد.
إذن القضية قضية تزاوج، بل أكثر من هذا، حتى ما ليس بحي؛ لأنه الآية قالت (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)، الآن العلم يعرف تماماً أنه قائم على فكرة الشحنة الموجبة والشحنة السالبة، ولذلك هناك ما يُسمى قانون الديناميكا الحرارية، الذي يعني أن هناك المناطق الحارة والمناطق الباردة في الكون؛ وهو الذي يسبب توسع الكون بالمناسبة”.
هل الزوجان ذكورة أم أنوثة أم شقان يتماثلان؟
وأجاب أبو عواد عن سؤال “مفهوم لفظة الزوجَين؛ هل الزوجان هنا ذكورة أم أنوثة أم شقان يتماثلان؟”، قائلاً: “لأ؛ ليس مشترطاً أن يكون هنا الخطأ ما هو الذي ظن أنه الموضوع يجب أن يكون ذكراً وأنثى، أخطأ في الفهم، وكلمة زوج في القرآن الكريم تعني تكاملَ نصفَين أو يعني جزء يكمل الجزء الآخر.. جزآن يكمل أحدهما الآخر لتكوين شيء، هما وجودهما لا يكتمل وجوده بالصورة المثالية إلا بوجود الجزأين معاً، هذا هو المعنى الكبير لكلمة الزوج، وهذا العلم أثبته أيضاً كما قُلنا يعني، والآية لو قالت لذكر وأنثى كان الموضوع مختلفاً، لكن هي قالت (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)”.
لماذا لم يستخدم لفظة الخلق بدل الإنبات؟
وأجاب د.يوسف أبو عواد، عن سؤال “وأنبتاكم نباتاً؛ لماذا لم يستخدم لفظة الخلق بدل الإنبات، بينما لمّا بدأ يتحدث عن خلق الإنسان سماه خلق الإنسان، طبعاً فيه الآية في نوح وهو الذي أنبتكم في الأرض نباتاً، كان يقصد للإنسان خطاب موجه لقوم نوح، لماذا لا يتم استخدام لفظة خلق؟”، قائلاً: “بالنسبة إلى قوم نوح نعم؛ لأنه يعني لاحظ نوح، عليه السلام، لما خاطب قومه قال (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) ، وقال (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا)؛ لأنه قوم نوح كانوا متعلقين باللحظة الزمانية والمكانية التي هم فيها، فكانوا يعتقدون أنه ما قدسوه من الأشخاص وما ربطوا بها من آلهة لهم تحكم فيهم، فهو سألهم سؤالاً مفحماً، يعني قال أنتم الآن كلكم الآن موجودون، ولكنكم لستم وجودكم أولياً من الذي أوجد الأطوار السابقة لوجودكم، كان السؤال الذي يريد أن ينبه عقولهم من خلاله؛ يعني كما حصل مع إبراهيم لما خاطب ذلك الملك فقال له (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)، الآن هو لا يريد أن يدخل في نزاع ربما يطول، هم يقولون إن هؤلاء الذين يعني الأتباع (وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا)، أصحاب الجاه وأصحاب المال في القوم، لهم تحكم فيهم، في أشخاصهم، في حياتهم، في أرزاقهم.. إلى آخره، فهو لفتهم، قال دعكم من وجودكم الحالي من الزمن الفعلي الذي أنتم فيه الآن، مَن الذي خلقكم أطواراً؟ مَن الذي أنبتكم من الأرض نباتاً؟ هذا هو، ثم لفتهم إلى كائنات وأجرام سماوية علوية؛ فهذا هو السبب، هنا القضية؛ قضية تركيز على مراحل سابقة، هي ما ستجعلهم يستيقظون. طيب الآن في مرحلة خلق الإنسان؛ نحن نجد أن القرآن الكريم يقول (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)، ويقول (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ)؛ الإشكالية ليست سخر لكم ما في الأرض، وإن كان ممكناً في زمن قديم لم يكن يعرف أنه كيف سخر لنا ما في الأرض؛ لكن الآن نحن نعرف أننا وصلنا بالقدرات والآلات البشرية إلى قاع المحيط، ووصلنا إلى أقوى أنواع الكائنات وسيطرنا عليها باستخدام التكريم الرباني الذي هو العقل؛ عقل الإنسان أقوى سلاح سلح به في مواجهة كل الكائنات الأخرى والسيطرة عليها والاستفادة من خيراتها في ما يمكن الاستفادة منه؛ لكن السماوات قال لك كيف؟ ما هو تسخير السماوات في الفهم البسيط إنه والله الشمس والقمر والنجوم وكذا، لكن هذا يمكن أن يُقال عنه استفادة وليست تسخيراً؛ لأن التسخير معناه أكبر من الاستفادة، حتى ظهر العلم الحديث اليوم وصار معروفاً أن الإنسان تفتق ذهنه واكتشف أجهزة صار بإمكانه أن يحلق في الفضاء فصنع محطة الفضاء مثلاً، وصار بإمكانه أن يصل إلى أطراف الكون باستخدام أجهزة، فيعني يلتقط إشعاعات تُسمى الإشعاعات الخلفية الكونية التي كان موجودة أصلاً منذ اللحظة الأولى لنشوء الكون، فصار كل الكون مسخراً لعقل الإنسان أن يرصده، فيشاهد الإبداع العظيم فيه، وطبعاً كل يعني واحد مثل أينشتاين من علماء الكونيات الذي مرة بعد أخرى يقر أن هذا الكون ينبئ قطعاً عن منظم عظيم وخالق عظيم، وإن كان طبعاً فيه التفاصيل الأخرى؛ بسبب الإشكالات التي كانت موجودة، يعني يحصل الاختلاف، فإذن فكرة خلق التسخير ما في السماوات والأرض للإنسان، العصر الحديث كرس هذه الآية ووضحها توضيحاً تاماً، ربما لم يكن بذاك الوضوح في عصور سابقة، وهذا يدلل على دقة العبارات والألفاظ القرآنية”.
التسخير والنفوذ والسلطان
وأضاف د.يوسف أبو عواد، رداً على “يعني لفظة تسخير توحي وكأن هناك قدرة للعقل البشري وإن كانت كامنة في إمكانية ليس فقط الاستفادة وإنما يعني..؟”: “أينعم؛ يعني مثلاً الجذر (سخر) أو تجده مثلاً (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا)؛ ليس معناها الهزء هنا، معناها التسخير، أن مَن يعني الناس، موجودون بالطبيعة، ولا بد أن يكون هذا، الطبقات بعضها أعلى من بعض، فطبقات منها مسخرة لأخرى، وهذا لا يعني أنه دائماً الأدنى أو الأقل مثلاً من الناحية المادية مسخر للأعلى، قد يكون الأعلى يعني مثلاً الطبيب، يحتاج إلى العامل البسيط، كما أن العامل البسيط يحتاج إلى الطبيب، بغض النظر عن اختلاف المستوى المادي؛ فهذا يستفيد من هذا بوظيفة يقدمها له وهذا أيضاً يستفيد من هذا، التسخير متبادل؛ معناها أن الإنسان أيضاً يمكن متاح له كما قُلنا أن يحدث تغييراً في الأرض وفي السماء؛ لكن في السماء الأمر مشروط بأن يكون هناك صلاح مطلق في هذا الإحداث، لأنه إذا لم يكن هناك صلاح مطلق لا بد أن يوقف تلاعب الإنسان من ناحية السماء كما ذكرت الآية (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)؛ معناها هناك إذن بالنفوذ، ما السلطان؟ أن يكون هناك صلاح أن تستخدم هذا هذه القدرة التي ستوهبها، وطبعاً الآيات تشير هنا إلى أن الإنسان مقبل على مراحل أعلى بكثير من الوصول إلى السماوات وتسخير ما فيها مما هو الآن، لأنه نحن ما زلنا في البدايات؛ يعني من ناحية أنه تسخير ما في السماوات، فيمكن له أن يؤثر ويتأثر، أن يتبادل الكون والإنسان الوظائف؛ كل منهم يستفيد من الآخر، هذا شيء يشير إليه القرآن الكريم، إلى أن الله فتح بابه ونافذته للإنسان، طبعاً تخيل هذه القدرة، ومتخيل التقزيم الذي يحصل في عقول كثير من الناس، إنه لأ إحنا …”.
ثقافة التدين وتقزيم العقل البشري
وتابع أستاذ اللغة العربية رداً على “هذه الملاحظة التي كنت بِدي يعني أحكي فيها؛ أن هناك يعني ثقافة التدين اللي سائدة في كثير من المجتمعات، هي تقوم بعملية تقزيم للعقل البشري، ومنعه عن فهم كل ما يعني خلق إله العقل ليفهم”: “بالضبط؛ فبالتالي ولد نوع من التخلف، يعني الموجات التي تسير عبر الجو عبر الأثير وبين الأقمار الصناعية وبين الأجهزة الخلوية اليوم أليست هي جزءاً من تسخير ما في السماوات، ما هو السماء كل ما علا الأرض؛ لكن إذا أنت سرت بالعقلية إنه أنا والله لن أستطيع، هو قال لك لا أنا حدودي الأرض، الخروج من الأرض هذا يعارض القرآن، هذا كفر، لن يصل أحد إلى القمر، لن.. كذا، يعني بغض النظر طبعاً عن التفاصيل، أنا قرآنياً أقول لك هذا ممكن، نعم هذا ممكن، وما نشهده اليوم ليس إلا بدايةً سيكون ما يتبعه أكثر بكثير مما هو موجود، وإذا لم تتغير العقلية الإسلامية، ستسير الأمم الأخرى تسبقها تأخذ قصبَ السبق في هذا؛ لكن إذا نحن عُدنا إلى النص وفهمنا آفاقه وأبعاده لا بد أن يكون لنا الحظ الأوفر والأعلى في أن نسهم في هذه الحضارة، بل نكون يعني في مقدمة المساهمين فيها، وربما نكون قادةً إذا أمسكنا بالنص، لأنه غيرنا ليس معه نص؛ هو فقط يسير وَفق الطبيعة الإنسانية الفطرية الطبيعية، وأول شيء يجب أن يحصل إيمان بدلالة هذا النص، إذا الناس آمنت بدلالة هذا النص، وتركت الخزعبلات والتراهات، وفهمت أنه هذا النص أتاح الله بناء عليه للإنسان أن يصل إلى آخر آفاق الكون، التي يمكنه الوصول إليها، أنا هنا الإنسان سيتولد لديه الحافز والنشاط والسعي نحو الإبداع والسعي نحو العمل؛ بما فيه الإصلاح، لأنه دائماً تجد أن الآيات (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا)؛ الأرض أول ما أُنشئت واكتمل إنشاؤها، والسماوات أُنشئت على الصلاح، فالمطلوب إنه الإنسان يسير وَفق خطة الإصلاح هذه، ويسهم في الإعمار؛ يعني ممكن يقول لك يعني معناها هل خلق الله الأرض والسماوات ناقصة؟ ليس هذا المعنى، هناك رسالة للإنسان، طُلب منه أن يعمر الأرض، أصلاً هو أنشأكم من الأرض واستعمركم، كان يمكن أن يخلق الأرضَ في أكمل ما يكون، والسماء في أكمل ما يكون، لا يوجد أمراض، لا يوجد زلازل، لا يوجد براكين؛ لكن من أهم ما ابتلي به الإنسان واختبر به، أن يصلح ما يراه، أن يعمر، أن يكمل ما يراه من خلل؛ هذا نوع من الاختبار، بعضه فردي وبعضه مجتمعي.. إلى آخره”.
العودة إلى الفطرة الأولى ومظاهر التحضر الإيجابي
واستطرد د.يوسف أبو عواد: “وكثير من الأمم أدركت هذا المعنى بفطرتها؛ يعني هم تخلوا عنه، يعني أنا أتحدث الآن عن أمم تحضرت وصار عندها علوم كثيرة، هي تخلت عن نصوص ظهر أنها، يعني أدركوا أنها قطعاً لن تكون من الله؛ لأنه طبعاً هي فيها تحريف.. وإلى آخره، بحكم التطورات العلمية.. لما فعلوا هذا الآن أصبح هناك تخلية من هذه النصوص ودلالاتها التي كانت تقف حاجزاً عن التطور العلمي، عادوا إلى الفطرة الأولى، هم لم يصلهم القرآن، طبعاً هذا تقصير من ناحية المسلمين وأتباع الرسالة الخاتمة؛ لم يصلوا بالقرآن بالطريقة الصحيحة. العودة إلى الفطرة الأولى أسهمت في نشوء كل ما تراه من مظاهر التحضر الإيجابي؛ لكن أيضاً اقترن معه شيء سلبي، لأنه الآن لا يوجد رادع، لا يوجد وازع؛ بينما لو كنا نحن المسلمين متنبهين لهذه النصوص، وبعض الناس يقول لي لا تعمم، أنا لا أعمم؛ لكن هذا الأغلب، هذا لا أحد يستطيع أن يقول الآن إنه والله إحنا كشعوب مسلمة نقف في أوائل الشعوب التي أسهمت في بناء الحضارة وبناء التطور والوصول إلى السماوات وإعمار الأرض، معروف إنه نحن نقبع في مؤخرة القائمة، للأسف يعني”.
العبادة في النص القرآني وإشكالية تفعيل الطقوس
وأجاب د.يوسف أبو عواد عن سؤال “هل تعتقد أن تسويد شكل من أشكال الفهم للنص القرآني بعيداً عن آلية التدبر التي يجب أن تتبع في القرآن، قاد للعقل البشري أو بالذات للعقل الإسلامي العربي، إنه يطمس نفسه بنفسه دون الاستفادة من الإمكانات الموجودة أو التي يفتحها النص أمامه؟”، قائلاً: “مئة في المئة، هذا كلام لا غبار عليه؛ يعني هذه الاستعانة بالمرويات الإسرائيلية وغيرها من أي مكان وخلاص، هو ترك النص، تحليل النص وَفق الآلية التي طالب النص منك أن تستخدمها لتحليله، فعل ماذا؟ أحدث آلية انهيار بدل آلية الإعمار التي يحدثها النص. النص يحدث ما أحدثه خلق الله الأول للإنسان بفطرته الأولى، يريد أن يعمر ويريد أن يبني، عنده طموح أن يصل طموحه، لا يتوقف؛ لكن يأتي مَن يحدد لك هذا الطموح، بماذا؟ هذا حرام، هذا كفر، هذا كذا، هذا كذا.. الآن أنت يعني تكبح جماحك وتذهب طاقتك وتتحول إلى إنسان تغلب عليه الكآبة، ينتظر الموت، لا يريد الحياة، آلية هدم حقيقية عوضاً عن آلية البناء التي نحن نشاهدها، والتي تحث عليها آيات القرآن الكريم، يعني نحن لما ذكرنا قضية العبادة، هل وجدت القرآن من أوله إلى آخره ربط العبادة ولو في آية واحدة بقضية، مثلاً الشعائر الطقوسية؟ هل الشعائر الطقوسية.. هي استعانة في الحقيقة وليست عبادة، هي استعانة للوصول إلى هدف العبادة، هي الحياة في كل قصص الأقوام السابقة لما كان كل نبي يقول لقومه اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، كان يذكر مظاهر من مظاهر الحياة، معناها سِر في حياتك وَفق سنن الله وأنظمته ووَفق فطرتك الأولى، وفق ما فتح الله لك، وما كلفكم وما أعطاك من صلاحيات، دون أن تذهب إلى الإفساد، (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)، هذه هي العبادة في النص القرآني؛ لكن نحن العبادة ما هي في مفاهيمنا؟ إنه والله فعلت مجموعة من الطقوس، فكأنني أفرحت الله، شوف كيف الصورة أو التقزيم الذي جعلنا هو طبعاً أنت الآن”.
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ.. حلل الكلمات وَفق المنهجية اللسانية
وأضاف أبو عواد رداً على “يعني هي صارت عملية طمس للفطرة أو عملية تشويه أو تلويث للفطرة البشرية أو العقل البشري؛ وبالتالي إعاقته عن فهم النص، وإعاقته عن التقدم”: “هو ليس فقط أعاق، هو أحدث آلية هدم تماماً؛ يعني عوض عن آلية البناء الموجودة في النص الأصلية التي تحاكي الفطرة الأصلية للإنسان، هو ابتكر، اخترع؛ حتى نقل يعني، هو نقل، كله نقل، نقل آلية، هدم فعلياً، هدمت ووصلت إلى النتيجة التي نراها اليوم في العموم، وطبعاً النتائج ماثلة؛ يعني لا يستطيع أحد أن يجادل، إن النتائج ماثلة أمام أعيننا، ما دامت النتائج ماثلة، لا توجد نتائج تطفو وتظهر على السطح إلا يكون هناك أساس ولد هذه النتائج، أساس فكري، أساس ثقافي، أساس عقدي، فلا بد من مراجعة هذه الأسس. ونحن وجدنا، يعني نحن لا نجامل، لو لم نجد في النص القرآني ما نذكره الآن لما كان أصلاً لا يمكن أن ندخل هذا؛ لكن النص القرآني من الواضح تماماً أنه يحاكي ما هو موجود في الكون، وما هو موجود في فطرة الإنسان؛ بشرط أن تنظر إليه بخلفية صافية، فقط بلسان عربي مبين، (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)، حلل الكلمات وَفق المنهجية اللسانية، اجمع الآيات…”.
القدسية فقط للنص
وتابع أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين، رداً على “بعيداً عن تأثيرات تلمودية، بعيداً عن تأثير القراءات الاستشراقية الخاصة بالأسفار اليهودية، بعيداً عن كل الطقوس القديمة التي مورست للطمس أو لتحجيم قدرة العقل البشري على النفاذ إلى آلية النص أو فهم النص أو تدبره”: “طبعاً، وبعيداً أيضاً عن أن تجعل الاجتهادات، الرجال، بنفس قدسية النص؛ هي اجتهادات الرجال، جزء من التاريخ، وهو كتاريخ أية أمة؛ لكن نحن المشكلة أين؟ في ما ورد من اجتهادات، نحن لا نقصد أن نهملها أو نرميها أو لا نستفيد منها، بس نريد أن نصل إلى نقطة مهمة جداً، القدسية فقط للنص، بعد ذلك، ما بعد ذلك هو اجتهادات؛ فنحن ننظر إليها من منظار النص، إذا وجدنا أنها تكرس النص، تعطينا صورة مثلاً، قصة عملية حقيقية تمثل تطبيقاً لآية قرآنية، نعم بها ونعمت، لا بأس؛ لكن نبقي فنركز أنه ليست القدسية بها ولا بناء الأساس عليها، لو ظهر يوماً ما أنها غير صحيحة أو ضعيفة لا يهمنا، لا نكترث لهذا، إنما هي كنوع من الاستئناس بهذه الطريقة، ينبغي أن ننظر إلى كل ما نقل من التراث؛ سواء ما جاء منه من الإسرائيليات أو من الروايات أو غيره من الاجتهادات، أما أنه نحن لما نأتي إلى آية مثل (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، فأأتي إلى الأقوال المذكورة في كتب التفسير المروية عن فلان وفلان وكذا، وأجهل فهمي للآية، لاحظ كيف الفهم المتشكل، قدسية الآية، وقدسية ما نقل كله كأنه خلط في خلاط فجعل شيئاً واحداً، هذا الأسلوب غير صحيح قطعاً، يفهم النص تماماً، يغلق على فهمه، انتهي.. بعد ذلك بإمكانك أن تمحص ما ينقل، هل يتوافق مع النص ولَّا لا يتوافق؟ إذا لم تجده يتوافق، إذن بحثت، ستجد قطعاً مصدره”.
آليات الوصول إلى مقاصد الألفاظ القرآنية
وأجاب د.يوسف أبو عواد عن سؤال “ما الآليات التي تتوفر للإنسان حتى إذا استخدمها يصل إلى نتيجة معقولة ومتطابقة لمرامي أو مقاصد الألفاظ القرآنية؟”، قائلاً: “هو الكتاب نفسه؛ القرآن الكريم نفسه، لم يترك هذا الأمر، يعني هو وضح الموضوع، فقال (بلسان عربي مبين)، وقال (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)، لم يترك الأمر على عواهنه، يعني نحن أيضاً لا نريد إنه بعض الناس يحرف الآيات عن معانيها، فيأتي بمعانٍ غريبة جداً باطنياً وكذا، يفقد النص مكانته ودلالته فعلياً، وبالمقابل بعض الناس يفقد النص دلالته بما يطغي عليه من ضوضاء كثيرة، ويحيطها بالنص، فيعطيها نفس مستوى القدسية”.
آدم وحوار الله مع الملائكة
وقال د.يوسف أبو عواد: “النص القرآني يشير إلى البداية الأولى لخلق آدم، في قوله تعالي (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، ولم يقل طبعاً هنا إني خالق، إني جاعل، الجعل معناه تحويل شيء إلى شيء، كما ذكرنا، يعني هذا يتوافق تماماً مع فكرة الإنبات؛ يعني هو شيء موجود، هناك تغيير وظيفي سيحصل مع نوع من التطوير، فينتج البشر؛ لأنه قال (إني جاعل في الأرض خليفة) وفي آية أخرى (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ)، وطبعاً البشر أعلى من مجرد الإنسان كما ذكرنا؛ لذلك هو لم يأمر الملائكة بالسجود، وسنشرح ما السجود، إلا لما قال لهم (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي)، هذا الفيصل، هذا هو الجعل، التغيير الذي حصل على شيء موجود مسبقاً؛ التسوية معناها النفس التي (وَنَفس وَمَا سَوَّىٰهَا فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَىٰهَا)؛ النفخ في الروح هو الأمر الرباني الذي يساعد أو يؤدي إلى تفعيل آلية النفس هذه لدى الإنسان، وهو أمر مختلف كلياً عن كل الكائنات السابقة، هو الذي سيجعل الإنسان له القدرة على التصرف ضمن القدر؛ فيختار كذا ويختار كذا، هو الذي سيجعله يتجاوز مرحلة التجريدية ومرحلة الغرائز ومرحلة الشهوات، ليصل إلى الأفكار العليا والأفكار التجريدية؛ لكن قد يقول قائل: ماذا يخبر الله الملائكة أصلاً؟ يعني (وإذ قال ربك للملائكة)، يعني هل هو يستشير الملائكة ولا يفيد من إشاراتهم وهو رب العالمين، وهو لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون؟ الجواب بسيط طبعاً، الجواب هو ما ذكر في الآيات الأخرى (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)؛ هو يقصد أن الملائكة مكلفة بماذا؟ بتنفيذ أوامر الله، وقُلنا كثيراً إن الملائكة نحن لا نراها؛ ولكن مظهرها السنن الكونية المتسقة، طيب الملائكة تعلم أن هناك سنة كونية لا بد أن تسير بالطريقة التي هي عليها، معنى الكلام أن هذا الكائن سيكون من قدرته أن يخالف السنن، فهذا تنبيه للملائكة التي هي مسؤولة عن رعاية السنن الكونية..”.
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.. أمر لا استشارة
وأضاف أبو عواد: “فلذلك استغربت الملائكة فقالت (أتجعل فيها)، يعني هو قوله (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)؛ هو في الحقيقة ليس استشارة، هو أمر؛ معناها أن تخضع الملائكة لما يتطلبه هذا الأمر من منح الإرادة للإنسان والنفخ فيه، والنفخ فيه بالروح يعني خضوع الملائكة لهذا الأمر، هو سبب إخبارهم بذلك؛ لذلك قالوا (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) وطبعاً كلمة خليفة أيضاً الأصل اللغوي فيها خلف، والخلف معناها شيء يخلف شيء سابق، سابقاً له”.
لا يوجد شيء اسمه خلافة الله في الأرض
وأجاب أستاذ اللغة العربية عن سؤال “يعني هنا المقصود بالخلافة ليست خلافة الله في الأرض؛ إنما خلافة ما كان، ما كان يسبق الإنسان مثلاً أو البشر؟”، قائلاً: “لا، لا يوجد شيء اسمه خلافة الله في الأرض؛ الخلافة لما تقول خلف هو الخليفة، لا يجتمع مع مَن استخلفه أبداً، لا يوجد نص واحد أبداً يدل على أن الخليفة يمكن أن يجتمع مع مَن استخلفه؛ يعني مثلاً موسى لما استخلف هارون، لم يكن معه في الوقت نفسه، مستحيل، لا يكون هذا، (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)، فيقول لك هو أمر، المشكلة تعرف من أين تولدت الفكرة؟ إن هو أسقط مفهوم خليفة الذي يعني ظهر أين؟ الخليفة في العهد الأموي والعباسي، لا أعرف بالضبط؛ ولكن أسقط هذا المفهوم على كلمة خليفة الموجودة في القرآن، ثم يعني صار ينظر إلى أن الله هو خليفة الكون، شوف الإسقاط من أين تولد؟ هو فهم أصلاً فهم وتخيل الله أنه خليفة الكون، ليه؟ لأنه رسم لله صورة إنسانية، وبعدين قال لك إنه الإنسان بحكم إنه معه صلاحيات هو خليفة الله في الأرض، وكيف؟ كيف يمكن أن يسمي خليفة الله في الأرض وهو قادر على أن يحدث ما هو معاكس لسنن الله؟ يعني هل يُسمى خليفةً بهذه الطريقة أصلاً؟ إذن هو خليفة معناها خلف خلقاً كان يسبقه، وهذا هو الجعل، وهذا هو الإنبات الذي ذكرناه، وهذا هو التطوير الذي أحدثه رب العزة، تبارك وتعالى، في خلق أصلاً كان موجوداً، فأحدث عليه من التطوير والإنبات ما جعله مهيئاً لنفس جديدة تستطيع أن تختار الخير والشر، وأن ينفخ فيه من الروح التي تفعل هذا الأمر، فهذا معنى قوله (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فلما قالوا (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا) قلنا إنه هذا مخالف لما هم عاشوه؛ يعني وأمروا به دائماً إنه كل شيء سيسير وَفق السنن التي ليس فيها إلا الصلاح، فتعجبوا يعنى كيف يكون فيها الآن مَن يفسد فيها ويسفك الدماء؟ طيب قارن هذا بما أخذ من الروايات والإسرائيليات.. لآخره، وأنا دائماً أحب هذه المقارنة، لأن هناك بون شاسع بين النص بما هو عليه وبدلالته الواضحة جداً، والتي حكمت بين بني إسرائيل في ما كانوا فيه يختلفون وبين النقل، يقول لك كان هناك قبل الإنسان الحن والجن والبن، وأفسدوا في الأرض، فقال الله لهم إني جاعل خليفة من هؤلاء في الأرض، طيب هو الفكرة غريبة يعني صدقاً لو الإنسان يفعل عقله بشكل بسيط، لو كان هذا هو المقصود، أولاً أنت تقول إنه خليفة عن الجن، طب الجن في كل نصوص القرآن لم يذكر أنه انتهى، هو موجود (يا معشر الجن والإنس)، سنأتي لنفهم المقصود التام من هذا؛ لكن لو كان خليفة عن الجن لاختفي الجن، خلاص انتهي، (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ)، انتهى المستخلفون، هذه نقطة. لو كان أنهم قاسوا، وجود قاسوا، الإنسان أو البشر على الكائنات الأخرى، أنه سيفسد في الأرض ويسفك الدماء، طب هو مَن؟ هل أنت مثلاً إذا كان الله قال لهم إني جاعل في الأرض خليفة؛ لأنه مَن سبقهم أفسد، يعني معقول إذا كان عن جد مَن سبقهم أفسد سيجعل خليفة يعود فيكمل الفساد؟! ليه سماه خليفة؟ إذن ما التغيير الذي سيحصل إذا كان هذا الخليفة، الملائكة ستستنج أنه ما دام اللي قبله أفسد، إذن هو سيفسد ويسفك الدماء، إذن لماذا تجعل خليفة معناه كأنه يرسم صورة عن الله، إن هو يكرر شيئاً موجوداً دون أية منفعة ولا أية فائدة؟! يعني الموضوع عجيب صدقاً إنه تفعيل بسيط للعقل يجعلك تعرف أن هذه الروايات يعني سقوطها يغني عن إسقاطها، لا نحتاج أن نتحدث في إسقاط، هي ساقطة أصلاً بالتفكير البسيط؛ إنما كما قُلنا هو الخليفة، هو ما جعل منه الإنسان، ما استخلف منه الإنسان؛ مما كان موجوداً قبله، ولم يكن فيه أصلاً إرادة يعني ولا كان فيه روح الإنسان التي نفخت في الإنسان؛ الأمر الذي يحقق الإرادة الإنسانية، فقالوا أتجعل فيها مَن يفسد فيها ويسفك الدماء…”.
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
وتابع د.يوسف أبو عواد: “هنا ملاحظة مهمة جداً؛ أنا لا أدري حقيقة كل مَن يسعى إلى فهم الهدف العظيم من وجود الإنسان، ويفسر قوله تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) بأنه العبادات التي يذكرها الفقهاء في كتبهم، إنه كتاب الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج، لاحظ كيف هذا كتاب العبادات، بعدين الباقي سموه المعاملات، يعني تشعر أن الأجزاء الأخرى من الفقه ليست عبادات، خلاص يعني هذه هي العبادات، بينما الآية التي قالت (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) اقرنها مع هذه الآية (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)، ستعلم أن المقصود ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، أن يصلحوا فيها ويحقنوا أو يسهموا في الحياة، يعني ما عكس سفك الدماء (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا) جميل، معناها المفهوم العظيم للعبادة، اعكس الإفساد، الإصلاح، اعكس سفك الدماء، الإحياء.. إذن المساهمة في المحافظة على حياة الموجودات بجميع أصناف الكائنات وبالإنسان نفسه أعظم عبادة، يمكن أن يتعبد بها الإنسان، مش أن يذهب إلى الموت وينتظر لحظة الموت، ويقول لك استنى أن أموت في سبيل الله، أنت خُلقت لتحيا في سبيل الله، أما الموت فهو ضرورة ملحة يلجأ إليها الإنسان إلجاءً، وليس هو الأصل، خلقت لتصلح، خلقت لتعمر ولتبني؛ لتسهم في تطور الأرض بكل ما فيها، ما يمكن أن نسميه كائنات جامدة، والكائنات الحية الأخرى”.
الرسالة الكبرى.. ما العبادة؟
واستطرد أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين: “وهذه رسالة عظيمة تجعلنا نفهم الآن أنه بيقول لك يعني في واحد قال العلم قال الله وقال رسوله وقال الصحابة، هم أولي العرفان، مش عارف شو البيت الثاني؛ يعني منذ عهد قديم طبعاً لم أتذكره، لأني لم أقتنع به منذ اللحظة الأولى، لاحظ كيف يعني يصور لك أنه يعني أنك تنقل كل ما روي، هذا هو العلم. أما إذا ذهبت إلى علوم الطبيعيات، فأنت إنسان دنيوي، أنت تبحث عن الدنيا، أنت لا علاقة لك بالله ولا بالمقصود الذي خلقت من أجله؛ أنت منصرف ملتهٍ بما لا ينبغي أن تلتهي به، بينما القرآن يقول لك عكس ذلك تماماً؛ كل علم تدرسه تهدف به إلى إصلاح الأرض، إلى تطوير وجود الكائنات الحية في الأرض، وإلى إعمار الأرض؛ هو مما يقربك إلى الله، هذه هي العبادة، وأنت تستعين بعد ذلك بالصلاة والصيام، لتزكي نفسك، فتحقق العبادة، وليس العكس، ليست هي الغاية، الصلاة في القرآن سُميت استعانة (واستعينوا) مش هو في سورة الفاتحة قال (إياك نعبد وإياك نستعين)، طب هو لما ذكر الصلاة كالصبر، وسيلة؛ لكن الغاية الكبرى التي يُراد من هذه الوسيلة أن تهذب نفسك فتوصلها إلى أنك تذهب فتخرج في الأرض فتعمرها وتبني فيها وتسهم في تطور الأحياء وغيرها، فهذه هي الرسالة الكبرى التي استغربت الملائكة، إنه سيكون من صلاحيات البشر، طبعاً ليس كل البشر قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها، ليس المقصود الكل؛ إنما سينتج من إعطاء البشر الإرادة بطبيعة الحال، مَن يصلح ومَن يفسد، هم استغربوا طبعاً أنه كيف يصبح لأول مرة مَن يفسد فيها ويسفك الدماء، طبعاً يقول قائل طب كيف عرفت الملائكة أنه سيكون مَن يفسد فيها ويسفك الدماء، فالله أخبرهم، قال لهم (إني جاعل في الأرض خليفة)، ما معنى، يعني أكيد أنه وضح لهم ما المقصود بالخليفة، لكن تخيل أن النص قال (إني جاعل في الأرض خليفة) سأعطيه الحرية والإرادة، فيكون مَن يصلح ويفسد، فقالوا أتجعل فيها مَن يفسد فيها؟ سيصبح هذا إطناباً لا داعي له، والنص الذي يعطي المعنى بأبسط عبارة وأكثر عبارة لا يفعل هذا، فنص القرآن بليغ جداً يحذف ما يفهم من السياق، إذن هم أُفهموا أنه سيكون خليفة من شأنه كذا وكذا، فالتزموا بما يحقق هذه السنة الجديدة التي ستحدث في الكون، فاستغربوا، قالوا (أتجعل فيها مَن يفسد فيها ويسفك الدماء)..
إذن الأمر واضح جداً وبسيط، ثم قالوا (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)، آه، هذا يرجع بنا ويؤكد ما قُلناه، ما معنى يعني أن تقارن الآن (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)، معناها جملة نسبح بحمدك ونقدس لك، معناها المفهومي الأساسي حتى هو عكس الإفساد، وعكس يعني نحن معشر الملائكة بما نمثله من سنن الكون كلها، تدل على تسبيح الله، يعني كلها تفعل ما يجري سنن الله التي تنزهه عن النقص وتقدس هذه الكلمة التي أردت أن أقف عندها؛ لأنه كلمة قدس هي ترجع إلى الأصل الثنائي (قد) والقد يقول لك أتى على الشيء من أوله إلى آخره، ولذلك يقال (قد الفتاة) يعني معناها الشكل الخارجي لجسمها أو (قد الإنسان) بشكل عام، ويُقال على قد كذا، وعلى فكرة في العاميات العربية مهنة القصارة يعني القصير، يكون معه إشي اسمه القدة، القدة والميزان، فيستخدمها لضبط المستوى بحيث يكون مستوًى واحداً، هذا معروف، طيب أضيف لها حرف السين، السين يدل على نوع من التدخل اللطيف في الأمر، يعنى ما معناه قد يحصل أثناء سيرورة الكون لأسباب معينة، إنه بعض الاختلالات، بعض الأشياء؛ لكن هناك آلية تقويم ذاتي تقوم عليها الملائكة داخل السنن نفسها، فتقدس معناها، تعيد الشيء إلى سيرته الأولى، ويكون طبعاً هذا لحكمة معينة أو لسبب؛ لكن آلية التصحيح الذاتي موجودة أولاً بأول، فالتسبيح هو الجريان الأصلي وَفق السنن، والتقديس هو آلية التصحيح الذاتي الموجودة في الكون؛ بحيث إنها تعدل كل ما يمكن أن يحصل من أخطاء”.
معنى “إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”
وأضاف أبو عواد: ” (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، معناها النتيجة النهائية لما سيحصل من وجود البشر؛ أنتم لا تعلمون نتيجتها ولا تعلمون الحكمة منها، والمطلوب ألا تعصوا الله ما أمركم، وأن تفعلوا ما تؤمرون؛ لأنه في النهاية الله عالم الغيب والشهادة، هذا يدل طبعاً أن السلطة الأولى والأخيرة لله، هذا من ضمن ما لم تعلمه الملائكة، أنه كان يقصد بوجود الإنسان، أنه يختبر، أن يمتحن، أن يدخل في مدرسة، أن يساعد في إعمار وتطوير الأرض، هذا هو اختباره؛ فمنهم مَن سيكون يعني حقق الرسالة فأحسن حمل الأمانة، ومنهم مَن سيكون فعل العكس، فأساء بالتالي حمل الأشياء، ثم قال بعد ذلك (وعلم آدم الأسماء كلها)، طبعاً أنا وجهة نظري يعني أن تعليم آدم الأسماء كلها جاء بعد، يعني جاء بعد إسجاده الملائكة له، لأنه (وإذ قال ربك للملائكة) في سياق آخر (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيتُهُۥ وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ)، يعني خلاص استسلمت الملائكة، خضعت للسنة الجديدة، وخضعت للقانون الجديد الذي سينظم حياة البشر؛ إلا إبليس طبعاً، وسنذكر هذا.. انتهي الأمر. الآن سيكشف الله سبحانه وتعالى لهم بعض السبب..”.
وعلم آدم الأسماء كلها.. المرحلة الأعلى
وتابع أبو عواد: “لكن هنا قبل أن أذكر هذا؛ أريد أن أربط بين هذا السياق وسياق سورة الرحمن، ففي سورة الرحمن يعني لاحظ بعض الناس اللي يعني حتى من الطرف الآخر الذين يطعنون في القرآن الكريم لعدم.. في الحقيقة لم يعطِ نفسه فرصة حقيقية ليتدبر، يقول لك (ٱلرَّحمَٰنُ عَلَّمَ ٱلقُرءَانَ خَلَقَ ٱلإِنسَٰنَ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ)، فبيقول لك هو هذا معكوس السياق، الرحمن لازم يقول الرحمن خلق الإنسان علم القرآن علمه البيان أو علمه البيان، وآخر شيء علمه القرآن، ليه؟ لأن هو مسكين يسقط الألفاظ، يسقط المعاني على الألفاظ حسب ما يتوارثه، فتولد عنده مطاعن، فقال الرحمن علم القرآن، القرآن ليس هو البيان الذي علمه آدم، بعد ذلك سأشرح هذا، القرآن معناه مجرد إعادة شيء كما هو، ولذلك جاءت الآية لما كانت تخاطب الرسول، عليه الصلاة والسلام، (لَا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِۦٓ إِنَّ عَلَينَا جَمعَهُۥ وَقُرءَانَهُۥ فَإِذَا قَرَأنَٰهُ فَٱتَّبِع قُرءَانَهُۥ)، طيب أليس أصلاً القرآن نزل عن طريق الملك، عن طريق روح القدس؟ إذن الملائكة عندها قدرة القرآن، القدرة على القرآن، علمتها الملائكة، يمكنها أن تعيد ما تسمع؛ لكن لا يمكنها أن تصل إلى البيان الذي نتج عن تعليم آدم الأسماء، هذا هو الفرق..
لذلك تعليم القرآن سابق على خلق الإنسان، لأنه بوجود الملائكة قبل أن يخلق الإنسان أصلاً، ثم خلق الإنسان، ثم جاءت المرحلة الأعلى التي هي (وعلم آدم الأسماء كلها)، علمه البيان، شوف التناسق العجيب والتعاضد في النص القرآني، (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)، طيب إذن ما معنى علم آدم الأسماء؟ هذه الفكرة أنه ترديد شيء موجود ككلام، معناها هم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، داخل في نفس الإطار؛ لكن تعليم البيان معناها أن يصبح لدى الإنسان القدرة، ليس فقط على التصرف في الخير والشر، لأ؛ أن ينقل هذا الأمر، فيصبح داعياً إلى هذا، إلى غيره.. الآن علم آدم الأسماء، الموضوع بدأ بتعليم الأسماء، كلمة اسم بالنص القرآني واضح جداً أنه المقصود فيها الوسم، التوسيم، ولذلك، والتعليم، موضوع التعليم مختلف عن موضوع الإقراء؛ يعني (فَإِذَا قَرَأنَٰهُ فَٱتَّبِع قُرءَانَهُۥ) هذا هو التلقين، لذلك كثير من الناس يظن أن الله علم آدم الأسماء كلها، فيرجع فيذهب إلى فكرة الإقراء التي هي التلقين، وهذا ليس بصحيح، ما يمكن أن نستنتجه من تعلم الأطفال للغة أو اللسان أن التعلم يجري وَفق أولاً محاكاة الأصوات الموجودة في الخارج، فيعني معناه لذلك قُلت لك هذه مرحلة التعليم، مرحلة لاحقة، بعد أن يعني أخضعت الملائكة لسنة وجود البشر.. إلى آخره، أطلق البشر في الوجود يتعلمون الأسماء؛ فمعناها هو عاش في الطبيعة، فبدأ يحاكي الأصوات الموجودة في الطبيعة، والطبيعة فيها أصوات الحروف، ستلاحظ أنها موجودة، يعني موزعة في ثنايا الطبيعة”.
الطريقة الفطرية الصحيحة
واستكمل أبو عواد: “وهذه هي الطريقة الفطرية الصحيحة التي لم تنحرف بتشكل ألفاظ اللسان؛ إنه يسمع الصوت من الطبيعة، وطبعاً هذا بالمناسبة يعني حتى لا يقول أحد إنه أنت هذا قال به كثير من العلماء السابقين، من ضمنهم، أشهرهم يعني، قال أحمد بن فارس، صاحب معجم (مقاييس اللغة) المشهور جداً، هو تبني هذا الرأي وغيره.. على كل حال هم قالوا إنه المقصود هنا بتعليم آدم؛ أي أنه جعل في دماغه آلية، يعني ميكانيزم تجعله قادراً على أن يسمع الأصوات، فيولد يعني منها ما يتناسب مع ما سمعه، يعني هو يرى صوتاً مقترناً بصورة، مقترناً بمشهد معين.. إلى آخره. الدماغ فيه آلية أن يدرك أن هذا الصوت له المعنى الفلاني، فتبدأ الأصوات صوتاً صوتاً، يعني حرفاً حرفاً، ثم بعد ذلك يتعاضد صوت مع صوت آخر، ثم نصل إلى بعد ذلك، مرحلة الجذور الثلاثية، وأحياناً تجد أن الجذر الثلاثي لا يفي بالغرض، فيضاف إليه حرف رابع يعزز، القوي؛ ولكن هذا نادر..”.
تشكُّل المعنى.. قدرة فطرية وضعها الله في آدم
وأجاب د.يوسف أبو عواد عن سؤال “ما دام الإنسان بدأ يفهم انعكاسات الواقع، كيف أعطى لهذا الانعكاس أو لهذا الصدى نتيجة واقع، يعني كيف تشكل المعنى في ذهن الإنسان؟”، قائلاً: “هو الله سبحانه وتعالى قال (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، لاحظ الكلمة أيضاً تعلمون، (لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ)، يعني الأفئدة جاءت في آخر المطاف، الأفئدة هي التي تقترن بالمخ والاستنتاج والعقل.. إلى آخره. إذن هو الإنسان يشترك عنده السمع والبصر ولا تدخل عليه الصورة الطبيعية إلا مقترناً فيها المسموع بالمبصر، فيتشكل في الدماغ صورة ذهنية يجردها الدماغ، هذه قدرة فطرية وضعها الله في آدم، ولذلك قال وعلم آدم، يعني ميزها حتى عند الملائكة، لم تكن موجودة، إنما وجدت فقط في آدم؛ إنه يدرك المسموعات ويدرك المبصرات ويستطيع، يتخيل لها أولاً معنًى تجريدياً يحاكيها بجهازه الصوتي، ثم ينقل هذا المعنى المباشر الذي رآه في الطبيعة إلى أشياء مشابهة تشترك في معنى كبير..”.
المعنى المفهومي
واختتم أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين: “وهو ما نسميه بالمعنى المفهومي، يعني مثلاً هو سمع صوت الماء، يعني حرف الخاء وحرف الراء، إذا ركزت في صوت الماء الذي يتدفق في الطبيعة ستجد أن في صوت الماء في الطبيعة ما يشبه صوت الخاء وصوت الراء، طيب أخذ منه الإنسان هذا الصوت (خر) أول ما أطلقه ليعبر عن الماء (خر الماء)؛ لكن صار يوسع هذا المعنى فيطلق هذا على السقوط، يطلق هذا على الانهيار، يطلق هذا على معانٍ كثيرة، حتى يقال مثلاً (خارت قواه) أو (خرت قواه)، لاحظ مع أنها شيء معنوي، ويرسم للقوة صورة يتخيلها بصورة ذلك الماء المحسوس أول مرة، ثم يسقط عليها المعنى الذي أخذه بالسمع والبصر باستخدام الأفئدة وَفق آلية مزروعة، برمجة يعني، برنامج سوفت وير أساسي موجود في الدماغ البشري، وصفه تشومسكي وغيره من علماء اللسانيات العرب أصلاً قبل ذلك يعني حتى”.