Skip to content Skip to footer

من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث لجورج طرابيشي | حسين سعدون

مقدمة

طابت أوقات الجميع بخير. اليوم نتوقف مع كتاب جديد وكاتب جديد.

هذا الكتاب، طبعًا في البداية يجب أن أشير إلى ملاحظة مُهمة: عندما نتكلم عن الكتب، لا نتكلم عن ظاهرة “Best seller” – الكتب الأكثر مبيعًا، نتكلم عن الكتب التي تحمل في داخلها شحنة إبداع قوية. وهذه الكتب تأتي بأفكار غير مسبوقة، تُبصّر القارئ بأشياء جديدة، أو تُجيب عن أسئلة قديمة، أو تُحدث هزّة في القناعات والوعي.

مع كتاب “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة” للمفكر الراحل جورج طرابيشي. الطبعة الأولى من الكتاب صدرت عام 2010. الكتاب يقع في ثمانية فصول، وبالتحديد في 643 صفحة. وكما أسلفنا سابقًا، نحن لا نقوم بعمل استعراض كلي وشامل للكتاب، بل نضع أيدينا على النقاط المهمة، ونحرّض القارئ على أن يقرأ الكتاب بنفسه.

 

الوصية الأخيرة لطرابيشي

هذا الكتاب “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث” – كما أسلفنا – الصادر طبعته الأولى عام 2010. وللتذكير، فإن الراحل جورج طرابيشي قد رحل عن عالمنا في عام 2016. أنا أعتبر هذا الكتاب هو الوصية الأخيرة للراحل جورج طرابيشي.

في الكتاب، وهو يُقرأ من عنوانه “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث”، يرصد الراحل جورج طرابيشي عملية التحوّل الهائلة التي جرت في التاريخ الإسلامي والتراث الإسلامي. عملية التحول المحزنة من “الإسلام القرآني” إلى “إسلام الحديث”، من “إسلام الرسالة” إلى “إسلام التاريخ”، أو – بتعبير الكتاب – من “إسلام أم القرى إلى  إسلام الفتوحات”.

ما هي الآليات والأسباب الداخلية – الداخلية وليست الخارجية – التي أدّت إلى “إقالة العقل المسلم”؟، تخلّي المسلم عن دوره، تحوّل المسلم إلى كائن آلي لا يتحرّك إلا مع النصوص؟ ما هي التقلّبات التي حصلت؟ سنحاول قدر الإمكان الإشارة إلى هذه النقاط.

كما أسلفت، الكتاب يقع في ثمانية فصول، وفي 643 صفحة.

 

الله والرسول: المشرّع والمُشَرَّع له

في البداية، في الفصل الأول، يشير الراحل إلى موضوع “الله والرسول: المشرّع والمُشَرَّع له”، وهو فصل جدًّا مهم. وستجد في الكتاب حشدًا هائلًا من الآيات القرآنية.

هو – طبعًا – طرابيشي يذهب إلى المدونة الحديثية والمدونة الفقهية، لكن الكتاب يحتوي كمًّا هائلًا من الآيات القرآنية، لأن يأتي بها كدليل، وكيف أن الواقع الإسلامي المتردّي غاب عنه هذا الخطاب.

القرآن خطاب، وكما في كل خطاب، هناك ” مُخاطَب”، و”مُخاطِب”. فالمُخاطَب هو الرسول، والمُخاطِب هو الله. والله سبحانه يحتلّ موقع الفاعل في الخطاب القرآني – هذه العبارة جدًّا مهمة – والرسول محمد صلى الله عليه وسلم يحتلّ موقع المفعول. وحتى عندما يتوجّه هذا الخطاب إلى عامة الناس، لا إلى الرسول حصرًا فإنما يتوجه إليهم عن طريق الذات الإلهية، فالله هو القائل دوماً، والرسول هو المأمور بالقول. وكلمة “قل” الموجهة من الله إلى رسوله تتكرر في القرآن (311) مرة.

والواقع أن جدلية المخاطِب والمخاطَب في الخطاب القرآني هي جدلية من طرف واحد؛ الآمر فيها له مطلق الحرية، وهو الله، والمأمور، وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، له مطلق العبودية، من دون أي هامش للمناورة. فالرسول هو عبد الله بملء إرادته، بمعنى الكلمة. فالرسول – وهذا ضد ما نراه الآن من الإسلام كما يراه طرابيشي، “إسلام الحديث” أو “إسلام التاريخ”، فالرسول عليه الصلاة والسلام، ليس له شيء، ولسيده البارئ سبحانه وتعالى كل شيء، كما في هذه الآيات التي تقصر وظيفة الرسول على تبليغ الرسالة، وتتوعده بقطع الوحي إن هو كتم شيئًا من القرآن، أو زاد فيه، أو بدّل:

“يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ”. (67) سورة المائدة.

وقوله تعالى: ” قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا” (8) سورة الأحقاف.

“وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا” (86) سورة الإسراء.

وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) سورة الحاقة.

وهناك آيات تُحذر الرسول من استباق القرآن أو استعجال الوحي، كقوله تعالى:

“وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا”. (114) سورة طه.

“وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ” سورة الكهف.

وهناك آيات يُعلّق الرسول عليه الصلاة والسلام الحكم بها بانتظار نزول الوحي، فلا يُصدر أمرًا، لا يقطع أمرًا.

“يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ”؛ أي يسألونك، فانتظر الجواب من السماء:

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)”. كما جاء في سورة البقرة.

“يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)”، كما جاء في سورة البقرة.

القصد أن السؤال يأتي للنبي، فينتظر رد السماء:

“يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ..” – أي قل يا محمد – “فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)” كما جاء في سورة البقرة.

 

اللا فعالية النبوية

هذه الصيغة – بعد الاستقراء الإحصائي – “ويسألونك… قل”، أو “يسألونك” التي تتكرر في القرآن 14 مرة.

وفي سورة البقرة وحدها، جاءت سبع مرات. هذه الصيغة تؤكد أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن فاعلًا، لم يكن قائلًا، لم يكن مشرّعًا، بل مأمورًا بالقول.

كل هذه الآيات الصريحة التي تكف يد الرسول عن التشريع حتى في أبسط الأمور، وتُقيّده تقييدًا مطلقًا بسلطة الوحي.

وهناك أمر هام: نلاحظ أن العديد من الآيات القرآنية تُعلن – وأضعها بين هلالين – “اللا فعالية النبوية” في كل ما يتعلق بمسائل الهداية والضلال، والنجاة والهلاك، والوظيفة النبوية تنحصر في البلاغ فقط.

“قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” (40) كما جاء في سورة الأنعام.

“قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)”، كما جاء في سورة الأعراف.

وقفة قصيرة: “قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ”.

ما نلاحظه الآن من عمليات – ما أسميه أنا – “الدجل والشعوذة”، عندما يأتي فلان ويدّعي أن لديه شفاعة عند الله، أو ينسب إلى النبي أحاديث ما أنزل الله بها من سلطان، أن النبي يشفع في كذا ألف، أو ينقذ فلانًا، أو يقوم بعمل له حجاب معين، أو ادعاء علم الغيب وكشف حُجُب الغيب، والقرآن صريح: “وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ”.

أي إنسان – وليس النبي– إذا كان يعلم الغيب ويتنبأ ويعرف المستقبل، فعليًا سيقوم بأمرين: يجلب الخير لنفسه، ويتحرز من السوء، الموت أو الأمور القدرية المؤذية له.

إذا كان النبي، وهو سيد البشر، وأقرب الناس إلى الله، والرسول الأخير، والذي اصطفاه الله على العالمين، لا يعلم الغيب، فكيف بمن دونه؟ وهذه الآيات، لو فهمناها فهمًا صحيحًا، لو تدبّر بها الناس، لسدّت منافذ الدجل والشعوذة التي نراها في واقعنا المعاصر، والكرامات التي تُنسب لمن هبّ ودبّ.

وأيضًا، هذه الآية يجب أن نتوقف عندها – جدًّا مهمة – في سورة الأحقاف، الآية 9: “قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ”، يعني: أنني رسول، حالي كحال الرسل، لم أكن بدعة، لم أكن شيئًا جديدًا. هنا الوقفة: “وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ”. فالرسول لا يُعطي تصريحًا، ولا يوزع بطاقات الجنة والنار، أو صكوك الغفران. هو يقول: “وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ”. بالتالي، هي تعطي معنى التواضع، وأنه محمد هو العبد الحقيقي لله. حتى في مسألة الإسراء والمعراج، عندما كان الرسول في أقرب نقطة إلى الله، قال: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ”. لم يقل: “بنبيه” ولا “برسوله”، لأنه قمة الأمور أن يكون الإنسان عبدًا لله.

إذًا: “وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ”. أنا لا أجتهد، أنا لا أُشرّع، وهنا تفيد الحصر “إن أتبع” أي أن الرسول متّبع للوحي. “وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ” (9). سورة الأحقاف.

وقوله تعالى: “وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ” (7) سورة الرعد. يعني، يقترحون أن تُنزّل عليه آية، فيأتي الرد: “قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27)،كما جاء في سورة الرعد.

والآية الأخرى التي تثبت بشرية النبي، عليه الصلاة والسلام: “قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ”، أي لا يوجد فرق، فأنا بشر، آكل وأشرب وأذهب إلى الأسواق، وأمارس كل الأعمال التي يمارسها البشر. لكن الفرق أن نزل عليّ جبريل.

“قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (6)”، في سورة فصلت. هذا كله تأكيد على أن الرسول يتبع الوحي ولا يخالفه قيد شعرة، ولا يجتهد، ولا يخترع، ولا يبتكر.

كما جاء في سورة الأنعام: “اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ” (106).

“وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)”، كما جاء في سورة يونس.

 

جدلية مفردة السُّنّة

ومن الأمور الجدلية في التراث مفردة السُّنّة، فالرسول في القرآن مسنونٌ له، وليس سَانًّا، أي ليس له أصلًا أن يكون سَانًّا أي مشرّعًا، أي يأتي بسنّة معينة. فالسُّنّة حصرًا، وهذه تصحيح لمفاهيم مغلوطة في الواقع، فالسُّنّة حصرًا هي سنّة الله. وعبارة “سنّة الله” في النص القرآني وردت ثماني مرات، منها ست آيات تتوجه بالخطاب إلى الرسول مباشرة، فيما يشبه الإنذار:

“فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا” (43). سورة فاطر.

 انتبه: السُّنّة وظيفة خاصة بالله. والغائب الأكبر في النص القرآني هو تعبير “سنة الرسول”، الذي سيحضر، في المقابل، في كتب السيرة والتفسير والفقه والحديث حضورًا طاغيًا. هذه الكتب تتكلم عن “سنة محمد”، القرآن يتكلم عن “سنة الله”. فمن نصدق؟

فكيف حدث هذا التحوّل؟ وهذا هو لبّ الكتاب، هذا هو السؤال الرئيسي الذي يبحث الكتاب عن إجابة عنه: فكيف حدث هذا التحوّل من الإسلام القرآني إلى الإسلام السُّني؟ هذا التحوّل من إسلام الرسالة إلى إسلام التاريخ، أي من الإسلام الذي كان الرسول بموجبه مشرَّعًا له، مشرَّعًا له وليس مشرِّعًا، إلى الإسلام الذي صار الرسول بموجبه هو المُشرِّع. وهذا التحول هو ما أعطى الكتاب عنوانه: “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث”.

 

ما معنى الأمية في القرآن؟

مثال تطبيقي، الراحل جورج طرابيشي خصص له فصلًا: “الرسول: من الأمية إلى الأممية”. أمية الرسول: لمن المرجعية في تحديد ذلك؟ أي معنى الأمية كما وردت في النص القرآني، سيأتينا الآن. هل تحديد مصطلح معنى الأمية، هل القرآن يحدد معنى الأمية من خلال سياق الآيات؟ أم إلى الحديث؟

صفة الأمية وردت في القرآن ستّ مرات؛ مرتين بصيغة المفرد “أمي”، وأربع مرات بصيغة الجمع “أميين”. ورغم كل الالتباس حول معنى الكلمة، فإن القرآن كان واضحًا كل الوضوح بصدد مدلول هذه الكلمة:

“فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)”، كما جاء في سورة آل عمران.

وفي سورة البقرة، الآية رقم 78:

“وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ”. وهذا يعني، وفق السياق القرآني، أن الأميين لم يُؤتَوا الكتاب.

وقوله تعالى في سورة آل عمران، الآية 75:

“وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)”. أي أن معنى “الأمي” هنا هو الشخص الذي لم يُؤتَ الكتاب، وليس معناه الشخص الذي لا يقرأ ولا يكتب.

وأيضًا لم يغب هذا المفهوم “الأميين” عن بعض فقهاء العربية، مثل الفرّاء، قال: “الأميّون هم العرب الذين لم يكن لديهم كتاب”. ولكن – واللعنة على “لكن” التي لا يستغني عنها الكلام – في سياق التحول التاريخي من إسلام الرسالة إلى إسلام الفتوحات، تم قلب المعنى إلى “الأممية”، أي “العالمية”. والواقع أنه في كتب الحديث، وليس في القرآن فقط، تم تحويل “النبي الأمي”، المرسل إلى قومه، إلى نبي أممي، مرسل إلى الأمم قاطبة.

 

تحويل وظيفة النبي الأمي ودور الشافعي

في الكتاب، سيجد القارئ الكريم تفصيلًا شاملًا بتحويل وظيفة النبي إلى الأممية، بالتفصيل في أكثر من ثلاثين إلى أربعين صفحة، كيف حولت المدارس الفقهية والمدونة الحديثية مُهمة الرسول، من نبي أمي مبعوث إلى قومه في الجزيرة العربية، إلى الأممية، مبعوث للناس كافة.

من الفصول المهمة في الكتاب: الحديث عن دور الفقهاء الأربعة، أو جمهور الفقهاء المعروف، وهم: مالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأبو حنيفة النعمان، وأحمد بن حنبل. وابن حزم.. طبعًا ابن حزم، الذي ينتمي إلى مدرسة الحنابلة، لكن لأهميته أفرد له الراحل جورج طرابيشي فصلًا كاملًا.

ومن أهم الفصول التي سأتوقف عندها، طبعًا وهذا الموضوع لم يتوقف عنده الراحل جورج طرابيشي فقط، بل توقف عنده أيضًا المستشرقون. حتى في مصر نصر حامد أبو زيد، وغيرِه، ومحمد أركون، أفردوا دراسات خاصة عن الشافعي، محمد بن إدريس الشافعي، الفقيه الشهير، الذي له مدرستان في الفقه. عندما كان في بغداد، وضع فقهه. هو مولود سنة 150 للهجرة، متوفى سنة 204 للهجرة. ثم ذهب إلى مصر، وتمصّر، ووضع مذهبًا جديدًا. لكن أثر الشافعي لا يزال إلى اليوم، لأنه تحدث عن أن الرسول صاحب الوحيين؛ الرسول له وحي، وهو القرآن، وقام بتحريف مفردة قرآنية سيتوقف عندها طرابيشي، وهي مفردة “الحكمة”: “وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ”. فرأى أن الحكمة هي السنة، وهذا ما أدى إلى كوارث، سنأتي لها لاحقًا.

 

تكريس السنة والرد على الشافعي

أستميح القارئ عذرًا، أني لا آتي هنا بصورة متسلسلة كما في الكتاب عندما بدأ الراحل طرابيشي قراءته عن الفقهاء من مالك بن أنس، ثم أبي حنيفة النعمان، ثم الشافعي، ثم أحمد بن حنبل، فابن حزم.

هنا، الفصل المهم، الفصل الرابع: محمد بن إدريس الشافعي أو الشافعي، وعنوان الفصل: “تكريس السنة”. ما المقصود به؟ وهو فصل مهم جدًا مع الشافعي، تمت بهذا الفصل الحجية الإلهية للسنة، وذلك بتأويل مفردة قرآنية مركزية. هذه المفردة، أو هذه العبارة، أو هذه الجملة، أو هذه الكلمة، وردت 31 مرة في النص القرآني، وهي: “الحكمة”. تم تأويلها بمعنى السنة. هنا، الراحل طرابيشي يخوض نقاشًا عميقًا مع الشافعي، فيرى – طبقًا للسان العربي – أن الأصل في السنة الطريقة. وعرّف ابن منظور السنة بأنها السيرة، وأضاف لها الحال. قد تكون سيرة حسنة وسيرة سيئة، أي سنة حسنة وسنة قبيحة.

وجاء في الحديث الشهير: “من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.” وفي النص القرآني نفسه، لا يرد أي ذكر لسنة الرسول، بل السنة حصرًا هي سنة الله التي ليس لها تبديل أو تحويل، أو سنة الأولين.

من جهة أخرى، لم يترك الشافعي للعقل وهذه الوظيفة الأخرى وظيفة القياس، تعطيل العقل. فبعد أن وضع حجية للسنة بأنها وحي إلهي، وأيضًا جاؤوا بحديث غريب: “ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه.” هنا جاءت وظيفة أخرى كارثية: تعطيل العقل من وظيفة أخرى عبر القياس. وهنا يكون القياس في الفروع. والواقع، أن الأمور – برأي طرابيشي – لن تعود أبدًا بعد الشافعي كما كانت قبله. ففريق أهل الرأي في الفقه سينسحب من الساحة بصورة نهائية، وفريق أهل السنة سيحتل الساحة بتمامه، وهنا كُتبت الغلبة لأهل الحديث.

 

انقلاب الشافعي

على أية حال، ليس من قبيل المصادفة أو الصدفة أن يكون الشافعي قد لُقّب بـ ناصر الحديث أو ناصر السنة، وفرض إلزاميتها مع الكتاب. هذا الانقلاب في المفاهيم عطّل تطور سلطة التشريع، ووضع التاريخ والعقل وراءه لا أمامه، وأسقط عنه صفة التاريخية. أي أن المعرفة لن تصبح تاريخية، بل أُحيطت بهالة من المقدّس الذي يحكم التاريخ ولا يحكمه التاريخ.

هناك وقفة بسيطة مع الفقيه محمد بن إدريس الشافعي. في البداية، نحن لا نحاكم النوايا، ولا نحاكم الشخص. نحن نعزل الفكرة عن صاحبها. للشافعي كل الاحترام، المشكلة مع ما أنتجه الشافعي، وما أصبح عائقًا اليوم، ما الذي حصل مع الشافعي؟ في الحقيقة، هو تفسيره لآية قرآنية. وأيضًا معروف أن أي شخص يذهب إلى علم أصول الفقه، مؤسس علم أصول الفقه هو الشافعي، في كتابه “الرسالة”. الملاحظة المهمة جدًا: أن الشافعي ليس مؤسسًا.. يعني أنت عندما تقول مؤسس علم العقيدة أو علم الكلام مثلًا تقول الأشعري. الشافعي مؤسس علم أصول الفقه. ستقول لي أرسطو مؤسس علم المنطق. الشافعي له شيء آخر أشار إليه مجموعة من الباحثين والمستشرقين: الشافعي – وهنا الكارثة – هو مؤسس علم أصول التفكير في الثقافة العربية الإسلامية، وفي التاريخ الإسلامي. هو وضع قواعد للتفكير؛ فلم يكتفِ بالفقه، وضع قواعد للتفكير. كيف ذلك؟ هذا ما سنأتي إليه بصورة مبسطة قدر الإمكان.

قبل الشافعي، كيف كانت تتعامل الأمة والفقهاء مع مرويات النبي صلى الله عليه وسلم؟ لو ترجع إلى الجدالات بين الصحابة، والنقاشات في كثير من الأمور، آيات الإرث، والنقاش بين ابن عباس وزيد بن ثابت، والنقاشات بين الصحابة في بعض الأمور، والخلاف الهائل بين الصحابة الذي حدث بعد وفاة النبي – مثلًا – حول زواج المتعة، وانقسام المسلمين إلى فريقين. هذا يدل أن السلف الصالح، أو الصحابة، الجيل الأول، كانوا يفهمون أحاديث النبي على أنها أحاديث إرشادية – ضع تحتها خطًا – أو أحاديث تفيد الإباحة، لا تفيد الإلزام.

ثانيًا: ليس كل ما نطق به النبي هو وحي. “وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4)”. سورة النجم. هذا يقصد به القرآن. والراحل محمد شحرور – حتى نعود إليه – يفسّر بصورة كاملة، يفصل بين عملية النطق والقول. هو يقول “وَمَا يَنطِقُ” هنا الخاص بالقرآن، أما أقواله، فلا. النبي عنده جانب بشري، وهناك جانب النبوة، وجانب الرسالة.

إذًا، ما الذي فعله الشافعي؟

بالمناسبة، أرجع إلى مقدمة ابن خلدون، عندما مثلًا ابن خلدون وهو جاء متأخرًا عليهم بالقرن الثامن أو السابع الهجري، عندما يناقش فقه أبي حنيفة يقول أبو حنيفة لم يصح عنده إلا 17 حديثًا، لكثرة التزوير، ولكثرة القصاصين الذين ينسبون أحاديث للنبي ليس لها وجود. حتى أنني مرة، شخصيًا، قرأت لابن الجوزي قوله: “كنا إذا استحسنا رأيًا، جعلناه حديثًا، حتى يأخذ صفة القداسة.” لأن المرويات عندما ترد من فلان أو فلان، بإمكانك أن تردها. كما قال مالك بن أنس: “كلٌ يؤخذ من قوله ويُرد، إلا صاحب هذا القبر.”

القرآن محدود، القرآن 6236 آية، من الفاتحة إلى الناس، ودلالات مجازية. صفة القداسة، إلى أين تذهب؟ أي شخصية إسلامية – ما عدا الرسول – ليست مقدسة. أي شخصية إسلامية، ما عدا النبي، ليست مقدسة. فذهبوا إلى تفخيم المرويات، وأعطوها صفة القداسة، وأن هذه المرويات وحي. لذلك، محمد بن إدريس الشافعي، الذي جاء بعد بعثة النبي بمئتي عام – ولد سنة 150 هجريًا – ودرس في بغداد، وذهب إلى مصر، واستقر. الشافعي ذهب ووضع كتابه “الرسالة” في علم أصول الفقه، وضع السنة بعد القرآن هي أحد مصادر التشريع الإسلامي. وكما شرحنا، فإن السنة في المفهوم القرآني ليست هي السنة في مفاهيم علم الحديث.

الشافعي ذهب إلى كل قول قاله النبي، في أي مكان، في أي مجال، في أي قضية، هو سنة، وهو مقدس. ما دليلك يا شافعي؟ قال: قول الله تعالى: “وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)﴾. سورة النساء.

تفسير الشافعي: قال إن “الحكمة” هي السنة. بالتالي، أي شيء يقوله النبي لا يحق لنا أن نرده، فهو من السنة. وبالتالي، عطّل الشافعي هنا الاجتهاد، عطّل مسألة الرأي، عطّل الكثير من الأمور التي كان يقوم بها المسلمون في مسائل القياس والاجتهاد. حتى الحديث الشهير، الذي عندما أرسل النبي عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل إلى اليمن، قال له: “بمَ تحكم؟” قال: “بكتاب الله.” قال له: “فإن لم تجد؟” قال: “فبسنة رسوله.” قال له: “فإن لم تجد؟” قال: “باجتهاد رأيي.” هذا تم تعطيله، لأنه مع الشافعي النصوص عطلت العقل، فأصبح العقل يدور ضمن مدار النص القرآني، وإن لم يجد، ضمن مدار السنة. وتم تضخيم السنة إلى شكل غير معقول، حتى سمّاه أحد الباحثين المعاصرين: “الانفجار النصي للإسلام.”

 

حجم الكارثة

مثلًا على سبيل المثال، تجد ما قبل الشافعي وما بعد الشافعي. حتى أعطيك حجم الكارثة بالأرقام. نحن لدينا كتاب جمع أحاديث النبي، وقد يكون أول محاولة علمية لجمع الأحاديث، كتاب “الموطأ” للإمام مالك بن أنس، ومالك هو أستاذ الشافعي. تجد في الكتاب حوالي – غير المكرر – 600 حديث، وهو شيء مقبول، لبعثة النبي التي استمرت لمدة 23 عامًا. 600 حديث شيء مقبول.

هذا الآن قبل الشافعي، الشافعي، واحد من تلامذته: أحمد بن حنبل. وأحمد بن حنبل كان متأثرًا جدًا بالشافعي، درس على يديه عندما كان في بغداد. الشافعي – بالمناسبة – حتى سنة 199 هجريًا، بقي في بغداد، ثم ذهب إلى مصر، تمصّر، وبقي هناك خمس سنوات. ويقال في كتب الفقه: “الشافعي قال في القديم، وقال في الجديد”، لأنه غيَّر مذهبه بالكامل عندما ذهب إلى مصر.

تلميذ الشافعي، أحمد بن حنبل، في المسند، وضع أربعين ألف حديث. ما بين مالك، صاحب الستمئة حديث، إلى أحمد بن حنبل في المسند، صاحب 40 ألف حديث، حوالي نصف قرن، كيف تضخمت هذه الأحاديث من 600 إلى 40 ألفًا؟ هو بسبب الشافعي، لأن الشافعي أعطاها صفة القداسة، وقال إنها وحي، وليست أحاديث الرسول هي أحاديث ظرفية، أو أحاديث إرشادية قالها النبي في زمان ومكان ما.

ونحن نعلم حادثة تأبير النخل، عندما قال النبي عليه الصلاة والسلام، عندما لم يتحقق ما أراده قال: “أنتم أعلم بشؤون دنياكم.”

بعد أحمد بن حنبل، جاءت المدونة الحديثية: البخاري، ومسلم، والترمذي وغيرهم، البخاري نفسه في الصحيح، الذي فيه أقل من أربعة آلاف بمئة حديث، يقول: عرضت علي 600 ألف حديث بالنص في البداية، وبعد الغربلة والتنقية تم اختيار أربعة آلاف. إذن، من 600 حديث مع مالك، إلى أحمد بن حنبل أربعين ألفًا، إلى 600 ألف، ولا تزال المدونة تتضخم إلى اليوم، فنسمع بأحاديث ما أنزل الله بها من سلطان.

هذا السبب، باختصار، لأن الشافعي رحمه الله، أعطى صفة القداسة للحديث، واعتبرها وحيًا، أن النبي.. تفسير الشافعي لقوله تعالى: “وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4)”. لا يشمل القرآن فقط، بل يشمل كل عبارة تخرج من النبي، وهذا شيء غير مقبول، لأنه كما قلنا، الحوادث والمرويات، وما قرأناه في كتب السير، أن أحاديث النبي كانت تحمل صفة إرشادية أو ظرفية، وليست صالحة لكل زمان ومكان.

باختصار، ما فعله الشافعي هو رفع مستوى الأحاديث إلى مستوى القداسة، وإلى مستوى القرآن، حتى جاء الحديث الذي لا أدري من أين جاء: “ألا أوتيت القرآن ومثله معه.”

 

أبو حنيفة من الرأي إلى الحديث

من الفصول المهمة في الكتاب، على العكس مما تحدثنا به عن محمد بن إدريس الشافعي، مدرسة الحديث، هي مدرسة الرأي للفقيه أبي حنيفة النعمان، وعنوان الفصل: “أبو حنيفة من الرأي إلى الحديث.” السؤال الذي سأله الراحل جورج طرابيشي: هل نستطيع بدقة تحديد معالم مذهب أبي حنيفة بمثل التفصيل والاستيعاب الذي كان مع مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل؟ السبب، لأنه أولًا أبو حنيفة سبق هؤلاء الفقهاء، أبو حنيفة ولد سنة 80 هجريًا، وتوفي سنة 150، وهي نفس السنة التي ولد فيها الشافعي، تقريبًا المسافة بينه وبين بقية الفقهاء، أقصد أبو حنيفة النعمان، نصف قرن. الشيء المهم والمتفق عليه، لم يترك أبو حنيفة أثرًا مكتوبًا، فكان شفهيًا. وعندما نقول أبو حنيفة، وصف أصحابه أو صاحبيه، القصد منه تلامذته: أبو يوسف الأنصاري، ومحمد بن الحسن الشيباني. ونلاحظ أن الشيباني كانت له محاورات ونقاشات ومناظرات جدلية عنيفة مع محمد بن إدريس الشافعي، عندما جاء إلى بغداد.

ومن الأمور التحريفية المُهمة التي تحدث عنها الراحل جورج طرابيشي، مثلًا يُنسب إلى أبي حنيفة، يُنسب كتاب “في الفقه الأكبر”، ولكنه بلا جدال منحول عليه، موضوع، لأن الكتاب مثلًا يدخل في سجال مع الأشاعرة، مع أن الأشعري، أبا الحسن الأشعري، يفصله عن أبي حنيفة قرنان من الزمن: أبو حنيفة توفي سنة 150 هجريًا، والأشعري 300 هجريًا وكذا، 324 أو 325. كيف أصبحت مناظرة بين الطرفين؟ هذا يؤدي إلى أن الكتاب منحول، موضوع. وأيضًا هناك مسافة زمنية ومعرفية تفصل لنا بين المعلم والتلاميذ. فأبو حنيفة كانت فترته في النصف الأول من القرن الثاني. ولم تكن المدونة الحديثية، فيما بعد، مدونة البخاري ومسلم، قد تبلورت، ومن هنا نفهم أن أبا حنيفة وأصحابه كان مشهورًا عنهم أنهم أهل فقه وأهل رأي في الفقه، لا أهل حديث. ولكن، للأسف، كما يرى طرابيشي، هذه الصفة ستلصق بهم كالوصمة، أن تصبح مسألة الرأي مسبة واعتبارها تهمة بحقهم.

وفي القرن الخامس الهجري، يوم وضع الخطيب البغدادي “تاريخ بغداد”، كان الانقلاب السني الحديثي – نسبة للحديث – قد اكتملت أركانه، إلى حد باتت معه كلمة “الرأي” بالمقارنة الضدية مع مصطلح “الحديث” كلمة مرجومة.

ومن هنا، مثلًا، ارجع، أنا شخصيًا رجعت إلى كتاب “تاريخ بغداد” للخطيب البغدادي، يضع عبارات عديدة لفقهاء عاصروا أبا حنيفة وبعد أبي حنيفة، يقومون بعملية الاستهزاء منه وتكفيره، لأنه ذهب إلى الرأي. منها، مثلًا، مقولة أبي حنيفة: “علمنا هذا رأي، فمن جاء بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا، ولو أدركني النبي لأخذ كثيرًا مما قلت.” هذه كلها، أنا أعتبر، مدونة الخطيب البغدادي كانت مدونة شتائم هائلة بحق أبي حنيفة، لأنه تخلى عن مدرسة الحديث وانضم إلى مدرسة الرأي.

 

ابن حزم وأثره

من الفصول المهمة في الكتاب “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث”، الفصل الخاص بالفقيه الأندلسي ابن حزم، ابن حزم الظاهري الأندلسي، مؤسس المذهب الظاهري، بيننا تقريبًا وبين ابن حزم ألف عام. ابن حزم توفي سنة 456 هجريًا، وطبعًا له أثره. هو كتب في العشق، كتاب مثلًا، في كتابه الشهير “طوق الحمامة”، كتب في “جمهرة الأمثال”، كتب في “جمهرة الأنساب”، كتب في الفقه المقارن، كتب كتبًا حتى تتعلق بالخلافات بين الأديان. أنا أشهد أنه رجل فقيه موسوعي، لكن في مجال الفقه كان أثره كارثيًا.

فبرأي طرابيشي، لم يحدث قط في تاريخ الفكر الإسلامي أن أشاد أحد بالعقل كما أشاد به ابن حزم، ولم يحدث في المقابل في تاريخ الفكر الإسلامي أن أقال أحد العقل من الاستقالة أو الإقالة كما أقاله ابن حزم. ويأخذ طرابيشي مثالًا على ذلك من كتاب “الأحكام” لابن حزم، وهذه العبارة وردت في رسائل ابن حزم الخاصة بالأحكام. يقول ابن حزم في موضوع مقولة “حجية العقول” تتكرر -برأي طرابيشي كما رأى عندما قام بتتبع هذا الأمر- كلمة “حجية العقول” تتكرر بقلم ابن حزم عشرات المرات، وهي تكاد لا تعني سوى شيء واحد، وهو أن العقل تابع للنص، أو بتعبير الكتاب “محجوج للنص”، وليس له بالتالي أن يقرر شيئًا على مجال الإباحة أو الحظر من ذاته.

فنص ابن حزم ماذا يقول؟ يقول ابن حزم في رسائله: “العقل لا يُحرم شيئًا ولا يوجبه، والعقل عرض من الأعراض محمول في النفس، ومن المحال أن تحكم الأعراض وتوجب وتشرع”. كما جاء في رسائل ابن حزم.

إذن، ابن حزم الظاهري، هذا الفقيه الذي خاض معارك عديدة مع المذاهب، وأيضًا له كتاب شهير في علم الفقه، كتاب “المحلى”، قام باستقالة العقل، وأن العقل تابع للنصوص.

وبالمناسبة، ابن حزم كان في بداياته شافعيًا، لكنه استقال، ذهب وراء أستاذه داوود بن علي الظاهري، ثم أسس مذهبًا كاملًا هو المذهب الظاهري. ولديه الآن فقه يُدرس، ورأي الراحل طرابيشي أن ابن حزم الأندلسي كان تابعًا مطلقًا للنص، وكان امتدادًا لأستاذه محمد بن إدريس الشافعي.

 

انتصار أهل الحديث

عودة إلى كتاب “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث”، ومع الفصل الثامن في الكتاب انتصار أهل الحديث، ولابد من توطئة مهمة لهذا الفصل. أن الضربات الهائلة التي تلقاها العقل المسلم، والتي برأي طرابيشي كانت الضربة القاضية، لم تكن من اللاهوت فقط، بل كانت من السياسة. فاللاهوت لعب دوره كما أسلفنا في إقالة العقل، والتوقف عن إعطاء دوره، وأن يستسلم استسلامًا كاملًا أمام النص، لكن الضربة القاضية لم تأت فقط من الأيديولوجيا الحديثية بمعنى الحديث، بل أتت من الحاكم السياسي، الأيديولوجيا السياسية، عندما انحاز السياسي إلى جهة ما، وقمع الجهة الأخرى بالكامل، وهذا ما سيرد لاحقًا، وأدى إلى أن يستخدم السياسي الدين استخدامًا نفعيًا، فيقوم بإيثار مجموعة معينة على حساب مجموعة معينة. ونحن نعرف في التاريخ المقولة الشهيرة: “التاريخ يكتبه المنتصرون.” هذا ما أدى، على سبيل المثال، إلى أننا لم يصلنا شيء من تراث المعتزلة، نحن نأخذ كل آراء المعتزلة من كتب خصومهم. وهذا ما نراه في الصراعات في علم الكلام مثلًا بين ابن رشد والغزالي، كيف قام الحاكم السياسي بدعم جهة على أخرى، حتى يقوم بتوطيد سلطانه. فلم تكتفِ.. العقل لم يتلق الضربة فقط من اللاهوت، بل تلقاها أيضًا بشكل مباشر من الأيديولوجيا السياسية، وهذا ما نراه اليوم والتاريخ يعيد نفسه، عندما نرى الآن السياسة تقوم بنفس الدور، الذي يُعلّي من شأن الخرافة ومن شأن الشعائر. وكما قال محمد شحرور في استعراضي السابق من شأن إسلام الشكل لا إسلام العقل، لا إسلام التنوير، لا إسلام الإنسانية، لا إسلام التفكير. فتم تعطيل العقل بشكل مباشر، وأعطيت الأحكام الشرعية صفة التاريخية المطلقة، فأصبحت مقدسة، ولا يستطيع أحد أن يراجعها.

 

الانقلاب المتوكلي .. الضربة القاضية

في الفصل الثامن انتصار أهل الحديث، يُروى عن المتوكل، عاشر خلفاء بني العباس، أنه قال -هذه العبارة جدًا مهمة-: كانت الخلفاء قبلي -يقصد إخوانه الذين سبقوه، يعني معروف المأمون، أو الواثق، أو المعتصم- كانت الخلفاء قبلي تتعصب على الرعية لتطيعها، وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني. وانقلاب المتوكل، فيما عُرف فيما بعد محنة القرآن، والصراع بين المأمون والمعتزلة، ومحنة خلق القرآن، المتوكل يسميه، وهو تعبير طريف للراحل طرابيشي. الانقلاب المتوكلي في القرن الخامس الهجري، تمت هناك الضربة القاضية على العقل، فأصبح العقل النموذجي وراءه، وأصبح النموذج في العصر الذهبي، فأصبحنا نعود إلى الوراء بدلًا من أن نتقدم إلى الأمام.

انقلاب المتوكل كان انقلابًا سياسيًا وليس لاهوتيًا، فقام المتوكل برد الاعتبار إلى أصحاب الحديث، واسترضائهم والإغداق عليهم بالأموال، بما فيهم أحمد بن حنبل نفسه، بل سعى إلى تعزيز موقعه عند العامة بإجراءات شديدة في حق أهل الذمة، أقدم عليها كما تذكر كتب المؤرخين في سنة 235 هجريًا.

ولم تكن هذه هي الهدية الوحيدة التي قدمها المتوكل للحديث، بل أصدر في سنة 277 هجريًا، بتخليّة كل من حبسه الواثق الخليفة الذي سبقه في خلق القرآن في الأمصار، ثم كتب إلى الآفاق بالمنع في الكلام في مسألة الكلام، يعني العقيدة والخوض والكلام والكف عن القول بخلق القرآن. وأصدر أيضًا قرارًا أن من تعلم علم الكلام أو تكلم فيه، فالمطبق مأواه إلى أن يموت، يعني يُحجَر في مكانه، مثل الإقامة الجبرية. وأمر الناس ألا يشتغل أحد إلا بالكتاب والسنة لا غير، فارتفعت السنة جدًا في أيام المتوكل، كما جاء في الكتاب الشهير “البداية والنهاية” لابن كثير.

طبعًا، هناك أمر ذكره الطبري، أنا قرأته شخصيًا، معاداة المتوكل للشيعة، حتى أنه أمر بهدم قبر الحسين كاملًا، ويذكر ذلك الطبري.

فمشكلة المتوكل كانت داخلية وخارجية، داخلية من داخل الإسلام مع الطوائف، وخارجية من خارج الإسلام مع الأديان الأخرى كالنصارى وغيرهم، فالمتوكل له بعدان: بعد طائفي وبعد ديني.

يرى الراحل جورج طرابيشي أن انقلاب الخليفة المتوكل قد أخذ أبعادًا ثلاثة: الأول: إغلاق ملف القرآن، وفتح الباب على مصراعيه لتسيد الحديث والمرويات. وبصراحة، حتى أشرك القارئ بحجم هذه الكارثة، في بداية الكتاب “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث”، يورد الراحل جورج طرابيشي ثلاث مرويات من أهم الكتب حول هذا التسيد، تسيد المرويات. عندما نقول تسيد السنة، لا نقصد الطائفة، نقصد تسيد المرويات والحديث التي سميت بالسنة النبوية. فهو يذهب مثلًا “السنة جاءت قاضية على الكتاب، ولم يجئ الكتاب قاضيًا على السنة” للإمام الأوزاعي، من كتاب “مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنة” للسيوطي.

وجاء في كتاب الخطيب البغدادي، الذي قام بشن حملة هائلة – الخطيب البغدادي صاحب “تاريخ بغداد” لكن في مصدر آخر: “شرف أصحاب الحديث” – قام بحملة هائلة على فقيه الرأي أبي حنيفة النعمان. في هذه المروية في هذا الكتاب، رأى رجلًا يزيد بن هارون المُحدث، بعد موته في المنام، فقال له: ماذا فعل ربك بك؟ فقال: أباحني الجنة. قال: بالقرآن؟ قال: لا. قال: فبماذا؟ قال: بالحديث. إذن، إغلاق ملف القرآن. “إسلام القرآن”، هذا التحول الهائل من إسلام الوحي وإسلام الرسالة، إسلام الوحي الذي لا يأتيه الباطل من خلفه، إسلام الوحي المتعالي على الزمان والمكان، قول الله الذي كما يقول الإمام علي في أحد أحاديثه الجميلة: “وفضل كلام الله على سائر الكلام، كفضل الله على خلقه”. تم إغلاق ملف القرآن، فتح ملف المرويات، وبلغة الأرقام، كما قلنا في البداية تضخمت وتوسعت هذه المرويات، حتى أطلق عليها أحد الباحثين المعاصرين: “الانفجار النصي في الإسلام”.

تسيّدت المرويات حتى أصبحت، برأي الأوزاعي، السنة قاضية على القرآن، السنة يقصد الحديث والمرويات، وليس القرآن قاضيًا على الحديث.

 

الانقلاب في العلاقة بين السلطان والرعية

الانقلاب المتوكلي الثاني، برأي طرابيشي، حمل معه بعدين كما تكلمنا: بعد طائفي وبعد ديني من خلال معاداة الشيعة من داخل الإسلام، والنصاري من خارجه.

البعد الثالث، وهذا مهم جدًا، وسنتوقف عنده بالتفصيل: الانقلاب في العلاقة بين السلطان والرعية. بمعنى، السلطة الدينية للخلفاء الثلاثة السابقين للمتوكل الذين تقدموا وهم: المأمون والواثق والمعتصم كانوا يعملون بمبدأ أن الناس لا خيار لها إلا أن تكون على دين ملوكها حسب المبدأ الشهير “الناس على دين ملوكهم”، يعنى بالتعبير المعاصر أسميه الإصلاح السياسي الإصلاح الفوقي، وهذا يختزل الزمن، المستبد المستنير، ما تسميه الحاكم الذي لديه أفكار يحاول أن يربطها بالواقع. ولدينا بالتاريخ القريب أمثلة، أمثلة عديدة موجودة في أذهان حضراتكم على ناس سياسيين قادوا قاطرة التنوير.

يرى طرابيشي أن الخلفاء الثلاثة الذين سبقوا المتوكل كان لديهم هذه الأفكار. مع المتوكل انقلب الأمر لأن صار الموضوع على العكس، فالمتوكل ترك الرعية وشأنها قال لهم: أنتم أعلم بشؤون دنياكم وأموركم، فأنا لا أعطيكم أي فكرة، ولا أعطيكم أي دين ولا أيديولوجيا لا أفرض عليكم شيئًا. يعني الناس معروف… الجماهير عادة تلجأ للخرافة، تلجأ للأسطورة، بدون إصلاح سياسي وبدون تنوير سياسي وبدون رؤية فوقية، لا يمكن هناك أن يصبح إصلاح.

ويرى الراحل طرابيشي أن شعار: “الشعوب على دين ملوكها”، كان واحدًا من “العتلات” هذا التعبير الجميل، الرافعة للتقدم الأوروبي العقلي قبل الآلي، لأن التقدم فكرة وليس مادة. فالإصلاح الديني البروتستانتي، ومن بعده الإصلاح الديني الكاثوليكي المضاد، أن ما أنجز في تفعيل هذا الشعار: “الناس على دين ملوكهم”، أي للسلطة السياسية رؤية في كبح جماح السلطة الدينية، وبالتالي فرض رؤاها الإصلاحية.

وهكذا، كانت السلطة السياسية في عهود المأمون والمعتصم والواثق، أطلقت شرارة إصلاح ديني، قادته المعتزلة، الذين قالوا بـوجوب توافق العقل والنقل، واستبعاد كل ما يتعارض من النص مع العقل. لكن الذي حدث، تسليم سلطة الدين لأهل الحديث. كما فعل المتوكل في “الانقلاب المتوكلي”، كذلك وأد كل المحاولات الإصلاحية.

ويرى طرابيشي أن “إسلام الحديث” قد تم صكه، وتم وضعه بالكامل في القرن الخامس الهجري. وإلى اليوم، نحن في القرن الخامس عشر، أي أننا مازلنا منذ ألف عام ندور في نفس الحلقة. لهذا السبب وهو سبب سياسي، تضافر التحالف غير المقدس بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، أدى إلى كل هذه الانتكاسات التي نشهدها اليوم.

 

الانقلاب اللاهوتي والتراجع في الفكر العربي

حتى نلُمَّ أطراف الحديث بصيغة مختصرة عن كتاب “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة”، يستعرض الراحل جورج طرابيشي في هذا الكتاب عملية التحول والانقلاب اللاهوتي وتراجع الفكر العربي، والتحول من “إسلام القرآن” إلى “إسلام الحديث”، ومن “إسلام أم القرى” – كما يرى في الكتاب – إلى “إسلام الفتوحات”، ومن “إسلام الرسالة” إلى “إسلام التاريخ”. بمعنى أن الراحل جورج طرابيشي ذهب أولًا إلى عملية العلاقة بين الله ورسوله في القرآن، فالعلاقة أن الله هو المشرِّع، وهو الآمر، وأن الرسول هو المتلقِّي، وهو صاحب البلاغ، وهو المُشرَّع له. لكن – للأسف – مع وجود المدرسة الفقهية امتدادًا من الشافعي وصعودًا إلى غيره من الفقهاء وأصحاب الحديث، انقلبت هذه العلاقة؛ فلم يكن الرسول مُبلِّغًا فقط كما استعرضنا الآيات، فأصبح مشرِّعًا، وأصبح آمرًا، وأصبح له حق في التصرف بالوحي. لا، بل أصبحت سنته هي القاضية، وتضخمت هذه السنة إلى أعداد كبيرة في الأحاديث، وتضخمت هذه المدونة الحديثية.

وأيضًا، الفقهاء قاموا بدور – للأسف – في تغييب العقل، وإرساء مبدأ الحديث حتى… والكتاب يعني بالتحديد – وأنا أعتبر أن أهم فصل في الكتاب هو الفصل الرابع – الحديث عن الذي قام به الفقيه محمد بن إدريس الشافعي، في عملية إلغاء لدور العقل، ودور القياس، ودور الاجتهاد، ودور الأخذ بالرأي، عندما قام بإعلاء أو تفسير آية قرآنية وردت كما جاء في التنزيل الحكيم، مفردة “الحكمة”، بتأويلها بمفردة “السنة”.

وأيضًا تفسير قوله تعالى: “وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4)”. فأصبح كل قول أو كلام أو شاردة أو خاطرة يقولها النبي هي وحي، وبالتالي تأخذ صفة القداسة، ولا يحق لنا النقاش. وبذلك، توسعت المدونة الحديثية والفقهية، ولم يبقَ للإنسان ما يقوله، أو كما يقول أحد الباحثين المعاصرين: “الإنسان سكت، والنص قال كل شيء”.

فهنا غاب دور النقاش، ودور الحوار، وأصبح الإنسان هو متلقٍ. هذا التردي الفكري أدى إلى كل المشاكل التي نشهدها اليوم.

وخُتم هذا التردي بتحالف سياسي مع التحالف الفقهي، تحالف السلطة وتحالف أهل الحديث، أو تحالف المفكرين – بالتعبير المعاصر – أو تحالف المثقفين -كما نقول- أو أصحاب الرأي، عندما ترك لهم الساحة، وقام بتأييد هذه الأيديولوجيا، وأيضًا بالانحياز لها، وقمع الأيديولوجيا المخالفة، والمقصود بها المعتزلة، حتى لن يصل إلينا شيء من تراثهم.

إذن، “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث”، يعطيك التطور والآليات الداخلية، وليس الخارجية. هذه يجب أن نتوقف عندها. عادةً في البرامج الحوارية، في اللقاءات مع المفكرين. هم كسولون ذهنيًّا، يذهبون إلى نظرية المؤامرة، وهي نظرية مريحة؛ أنت تنام على الوسادة وتقول: “سبب تخلّف المسلمين هو المؤامرة، والغرب يتآمر علينا ليلًا ونهارًا”.

 

أمراض العقل الإسلامي من داخله

في الكتاب، هو لا يرصد الآليات الخارجية لتخلّف العقل الإسلامي، يقول: أمراض العقل الإسلامي من داخله، مثل ما الجسد تنهار عنده المناعة ويُصاب بالفيروسات فيموت، فهناك آليات داخلية، من الداخل، أدّت إلى انهيار العقل الإسلامي، وسيطرة العقل النصّي، ضد العقل الذي يقوم بعملية التشكيك، والتفكير، والمساءلة، والنقد. هذا العقل تم تغييبه لصالح العقل الشكلي، العقل الشعاراتي، العقل التعبدي، العقل النصّي.

هناك خاتمة مهمّة جدًّا، هذه الخاتمة أن تغييب القرآن، وتغييب العقل، وتغييب التعددية – تعددية قبول الآخر – هو المسؤول عن أفول وهزيمة العقلانية العربية الإسلامية.

هذا الانغلاق الذهني والحضاري أنهى العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية، لتدخل في ليل الانحطاط الطويل. ونحن لا نجهل أن التفسير، ليس، هذا التفسير ليس بعامل واحد. أنا مرة قرأت للعالم الفيلسوف المهم هربرت ماركيوز – هذا عالم اجتماع أمريكي مهم – قال: “إن نظرية العامل الواحد في تفسير الظواهر البشرية سقطت”، يعني: أنت تقرأ ماركس، يفسر بالعامل الاقتصادي، أو فرويد، يفسر بالعامل الجنسي. في علم الاجتماع، نظرية العامل الواحد ليست كافية لتفسير الظواهر الإنسانية، هناك عوامل، وليس عاملًا.

طرابيشي يعترف بذلك، لكن يقول: نحن نكتفي. يقول: بإمكاننا أن نقول: إن هذا الانحطاط الطويل كان واحد من أسبابه، ليست هذه النظرية التي يقول بها – سيطرة أهل الأحاديث– ، هناك نظريات أخرى، هي التي علّلت قضية التقدّم والتأخّر الحضاري، لكن هذا هو السبب الرئيسي: هزيمة العقلانية العربية والإسلامية كانت من الداخل، وبالتالي ليست هي جاءت بالعامل الخارجي.

إذن، هذه الهزيمة لا تقف عند حدود العلاقة مع الآخر، بل تمتد إلى داخل علاقة الأنا مع الذات، الإنسان مع ذاته. وإذا كانت مذاهب الفقه الأولى، الفقه الحنفي، وإلى حدٍّ ما الفقه المالكي، قد اعتمدت مبدأ الاجتهاد بالرأي في حالة انعدام النص، ولكن مع طغيان سلطة الحديث، انعدم الاجتهاد، وحتى القياس، ولم يعد من الحكم إلا النصوص.

وهنا أتذكّر بيتًا شعريًّا شهيرًا للراحل محمود درويش: واحتمى أبوك بالنصوص فدخل اللصوص.

ختامًا، أعزائي المشاهدين الكرام، كما يقول العرب: “ما لا يُدرَك كلّه، لا يُترك جلّه.” أنا اختصرت جدًا من كتاب يقع في 643 صفحة، كتاب يحتوي ثمانية فصول، يتحدث عن انتكاس العقل المسلم، يتحدث عن العلاقة بين الله والرسول: من هو المشرِّع؟ ومن هو المشرَّع له؟ كيف انقلبت هذه العلاقة، فأصبح المشرَّع له هو المشرِّع، وهو صاحب الكلمة الأعلى؟ ما دور المدارس الفقهية في انتكاسة العقل المسلم؟ الشافعي، صحيح هو وضع لنا كتاب “الرسالة في علم أصول الفقه”، لكن العبارة – أنا أعتبرها العبارة الانقلابية الكبرى – أن الشافعي وضع علم أصول التفكير، وهذا ساهم في انتكاسة العقل.

نعود مرة أخرى ونقول: نحن لا نحاكم النوايا، نحن لا نحاكم الأشخاص، نفصل بين الفكر وصاحبه، هم محترمون، لكن أفكارهم تركت أثرًا. هنا أتذكر مقولة مهمّة جدًّا قرأتها مرّة للفيلسوف الأمريكي جون ديوي: “أحيانًا تتقدّم الشعوب ليس لأنها تُجيب على الأسئلة القديمة، بل لأنها تتجاهلها.” هذه النقاشات التي خاضها قبلنا الناس في كتب التاريخ والفقه ولها معارك، لو نحن – المعاصرون – وجدنا أرض نقاش جديدة، نتناقش حول قضايانا: الحرية، والدستور، وقبول الآخر، والتسامح، وعالمية الإسلام، والموقف من النص، لكان وضعنا أفضل. لكن البقاء ضمن العقل الدائري – وأنا سابقًا أسلفت: هناك عقل دائري وهناك عقل خطي – العقل الدائري يشبه “نيتشه” العود الأبدي، أن العقل هو نقطة البداية وهو نقطة النهاية، فنحن نناقش قضايا الآن وسنناقشها بعد مئة سنة.

أعطيكم مثلًا: مجلة الهلال، التي أسسها “جورجي زيدان”، وهي مجلة عريقة أُسِّست عام 1892، هذه المجلة، قبل مئة عام، كانت تناقش: فوائد البنوك هل هي حلال أم حرام؟

تُناقش: الإسلام دين ودولة، تُناقش: ربا الفوائد في البنوك، تُناقش: الحجاب. هذه النقاشات لليوم، هذا ماذا يدل؟ أننا في عقل دائري. نحن بحاجة إلى كسر هذا العقل، والبدء بعقل خطي، عقل زمني، لكل عصر مشكلته، ولكل عصر فكره.

هذه البانوراما – كما أسلفنا في حلقات الراحل محمد شحرور – بإمكاننا التخلّي عنها، والذهاب إلى أرض جديدة للنقاش، لأن البقاء ضمن السقف المعرفي لهذه النقاشات سيجعلنا دائمًا متأخرين.

جورج طرابيشي، في هذا الكتاب، كان أشبه بالمؤرخ، وضع يديه على الجرح العربي، على الجرح الإسلامي، والجرح العربي، وهو جرح – في الأساس – فكري، هو جرح – في الأساس – حضاري، الهزيمة العربية هي هزيمة حضارية، وليست هزيمة سياسية.

من أين بدأ الانتكاس؟ من أين بدأت المشاكل؟ من أين بدأ التراجع؟ وما هي الحلول؟ كل هذا تجدونه في الكتاب المهم جدًّا: “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة”، لـلراحل جورج طرابيشي.