Skip to content Skip to footer

تصور الإنسان عن الله لمحمد شحرور | حسين سعدون

كيف تصوّر الإنسان فكرة الخالق؟

طابت أوقات الجميع بخير. بين يدي كتاب “تصوّر الإنسان عن الله” للدكتور محمد شحرور. وهناك ملاحظة لا بد أن أذكرها تخص هذا الكتاب. الكتاب صادر في طبعته الأولى، كما هو مكتوب، عام 2023. وكما نعرف، فإن الدكتور محمد شحرور رحل عن عالمنا عام 2019، أو كما يسمّيه الراحل: كتاب الموت المؤجّل، اختطف الراحل. فالكتاب كُتِب -وبالتحديد هو 155 صفحة، أفكار مكثفة ومركزة جدًّا- ولكنه لم يكتمل. لكن هذا لا يعني عدم الاهتمام ولفت الأنظار إلى هذا الكتاب المهم جدًّا، الذي يتحدث فيه الراحل الدكتور محمد شحرور عن تطوّر التصوّر الذهني لخالق الكون، الله سبحانه وتعالى، لدى الإنسان: كيف عرف الإنسان، أو كيف تصوّر فكرة الخالق، وفكرة الله؟

أولًا: الإنسان القديم، وبالتحديد في وادي الرافدين، وفي المعتقدات المصرية القديمة، وفي الديانات الهندوسية والبوذية، والديانات المسيحية واليهودية. وأيضًا، يستحضر الكتاب كيف تصوّر الإنسان، في التراث وفي الفكر التراثي الإسلامي، فكرة الله: بدءًا من المعتزلة، من الأشاعرة، إلى التيار السلفي، والتيارات الإسلامية الأخرى. يختم الكتاب بتصوّر القرآن الكريم عن الله.

لا بد أن نشير إلى ملاحظة مهمة: في المنطق، التصوّر هو الإدراك أو تكوّن صورة في الذهن عن شيء ما، وهذه الصورة لا تستلزم التصديق أو الحقيقة. فبالتالي، كل تصوّر عن الله هو تصوّر نسبي، خاضع لفكر الإنسان وبيئته ومحيطه الاجتماعي.

وكما قال تعالى: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ”، فهو غير قابل للإدراك كليًّا. أو كما قال أحد العارفين في عبارة مهمّة جدًّا: “كل ما خطر على بالك، الله ليس كذلك”.

هذا التوضيح مهم، لأن الراحل محمد شحرور –وأنا أعتبرها فكرة عبقرية– أن تلاحق كيف تصوّر الإنسان البدائي، والإنسان القديم، والإنسان في الديانات القديمة، وفي كل الأطوار، فكرة الله. وهذا الكتاب مكثّف، من 155 صفحة، أنا أراه جديرًا بالقراءة. وسنحاول قدر الإمكان عرض أهم الأفكار في هذا الكتاب.

 

تصورات الإنسان البدائية عن الله

في مقدّمة الكتاب، وهو الذي تحت عنوان: الإيمان بالله، تحدّث الدكتور محمد شحرور عن تصوّر الإنسان عن الله، وكيف رافقت هذا التصوّر مخيّلة الإنسان. بالحقيقة، مخيّلة الإنسان منذ نفخة الروح فيه، آدم، زمن آدم، بدأت الرحلة من الانتقال من المملكة الحيوانية إلى الأنسنة، بالبحث عن تصوّرات لله حتى يعبد الإنسان عن طريقها الله. لأنّ الإنسان يكره التجريد، فيبحث عن محسوسات، عن تصوّرات، عن إدراكات. ولكن علينا أن نعلم أن مستوى الإنسان المعرفي في بداية مشواره كان بدائيًا جدًّا، فقد جاءت تصوّرات الإنسان في مسألة بحثه عن الله تشخيصية بحتة. طبعًا سنتكلّم لاحقًا كيف أن الإسلام ألغى هذه التشخيصية، وسنأتي بمعنى التشخيصية أيضًا. فكان الإنسان القديم -وهذه ملاحظة مهمّة- يجعل لله تصوّرات انطلاقًا من وجوده المادي المحيط به، فهو يتأثّر بمحيطه الاجتماعي والمادي، ثم يُسقط هذا التأثّر على معتقداته وإدراكاته.

وقد ظهرت على أثر ذلك المعتقدات الدينية التي آمن بها القدماء، وظلّت قائمة على رسومات جدران الكهوف، كما نلاحظها الآن في الاكتشافات، وكانت شاهدة -تلك الرسومات- على مساعي الإنسان في البحث عن وجود الله. طبعًا الإنسان القديم في الكون نظر من حوله، رأى بأنّ هناك قوّة خارقة غير منظورة، كيف يتعامل مع هذه القوّة؟ لجأ إلى تقديسها، وظنّ الإنسان القديم بأنّ هذه القوّة هي الآلهة الحاكمة للكون.

ومن هنا بدأ بتجسيد الآلهة في ذهنه، فنسب لكل قوّة من قوى الطبيعة إلهًا يتحكّم فيها، وأعطى مسمّيات لهذه الآلهة، وصار يتقرّب إليها بالأضاحي والقرابين البشرية، لعلّها ترضى عنه.

من هنا كانت البداية الأولى للمعتقدات الغيبية، وعرفت مسيرة الإنسان مختلف أنواع التصوّرات لوجود الله. وبالتالي كانت هذه المحاولات مجرّد تخمينات لا يمكن بناء أيّ برهان عليها.

في القرآن الكريم، أوضح لنا القرآن أنّ سيرورة التاريخ تتقدّم إلى الأمام، فالتاريخ تقدّمي، وقسّم لنا القرآن بداية الحياة البشرية إلى ثلاثة عصور: عصر الأمومة، وعصر الأبوة، وعصر المساواة. وسنرى خلال مطالعة هذا الكتاب كيف تطوّرت المعتقدات عبر هذه العصور.

 

معتقدات بلاد الرافدين

الفصل الأول: لمحة تاريخية عن تصوّر الإنسان القديم لوجود الله والكون، ومنظور المسيحية واليهودية والقرآن الكريم لهذا التصوّر. هنا نتحدّث عن تصوّرات الإنسان القديم لوجود الله والوجود المادي.

أوّلًا: معتقدات حضارة بلاد الرافدين. عليّ أن أشير إلى ملاحظة مهمّة، أنّ الدكتور محمد شحرور أجاد في اختيار المرجع لهذا الموضوع، فهو ذهب إلى كتاب “المعتقدات الدينية في العراق القديم” للباحث الدكتور سامي سعيد الأحمد.

يذهب الدكتور شحرور إلى أنّ وادي الرافدين، وكما استند إلى المصدر، تمثّل أقدم بقعة في العالم القديم، ويُعتبر وادي الرافدين مهد الحضارات الإنسانية. لذلك، نجد أنّ معتقدات وادي الرافدين كانت تشخيصية محضة، مشخصة، كما نلاحظ ذلك في المنحوتات. فقد كان السومريون يعبدون آلهة متعددة، صنعوا لها تصوّرات من الواقع المحيط بهم، فكانت المعتقدات الدينية لحضارة وادي الرافدين تقوم على تقديس آلهة متعددة مختلفة، ذكورًا وإناثًا. وكان هذا الأمر مقبولًا في ثقافتهم.

كانت الآلهة مخصوصة، بمعنى أنّه كان لكل مدينة إلهها يرعاها. فعلى سبيل المثال، نجد الإله إنكي، الذي كان اسمه غالبًا ما يرتبط بمدينة أوردو، والإله آشور ارتبط اسمه بمدينة آشور، بينما ارتبط اسم الإلهة أشتار بمدينة أربيل، في حين ارتبط اسم الإله مردوخ بمدينة بابل.

مع ملاحظة أنّ الآلهة في الذهن السومري القديم كانت مثلها مثل البشر: تأكل، وتشرب، وتتكاثر، لكنها بالمقابل تتّصف بدرجة الكمال، على عكس البشر. وكان يُنظر إلى هذه الآلهة على أنّها أكثر قوّة من البشر، وهي ذات قدرات فائقة، تمكّنها من معرفة ورؤية كلّ شيء.

اعتقد سكّان العراق القديم بأنّ قوى الكون متجسّدة في الآلهة المتعددة، وأنّ حكم الكون بيد مجلس يُسمّى مجلس الآلهة، الذي يرأسه الإله آنو، بمعنى إله السماء، والإله إنكي، بمعنى إله المطر.

لقد كان الكون، بنظر الإنسان العراقي القديم، منظمًا ومرتبًا، لأنّ الواجبات الكونية موزّعة بين مختلف الآلهة تحت سلطة رئيس أعلى.

هذه هي النظرة الأولى، أو الشيء الأوّل، الذي جاء به الكتاب، وهو معتقدات كيف تصوّر الإنسان العراقي القديم تصوّر وجود الآله، ومعنى الإله. طبعًا، في الكتاب تفصيلات كثيرة، نحن ذهبنا إلى نقاط مركّزة، أو ما أسميه “كبسولة”، وهذا لا يُغني أبدًا عن قراءة الكتاب.

 

معتقدات الهندوس والبوذية

ثانيًا: معتقدات الهندوس والبوذية. سادت الديانة الهندوسية في الهند ونيبال، وهي لا تزال حيّة وموجودة إلى يومنا هذا. ولم يختلف الهندوسيون والبوذيون هؤلاء كثيرًا عن سابقيهم من السومريين، فقد نظروا هم أيضًا إلى الكون من حولهم، فبهرتهم الطبيعة، وظنّوا أنّ لها قوّة خارقة، كما في الماء، والنار، والرياح، والشمس، والقمر، فاعتبروا هذه القوّة آلهة تستحقّ العبادة والتقرّب. وقد أضافوا الصفات البشرية لهذه الآلهة.

مثلًا، نجد في الفكر الهندوسي الديني، نجده غارقًا في الأساطير، الأساطير التي تحكي عن الآلهة وقواها الخارقة. وقد ارتبطت الديانة الهندوسية وتمّ تدوينها في عهد الآريين.

ملاحظة مهمّة: أن هؤلاء الهندوس قد عبدوا أيضًا الحيوانات التي كانوا يعتقدون بها، فظنّوا أنّ الذات الإلهية تحلّ فيها، لإيمانهم بعقيدة تناسخ الأرواح. وكما نعرف جميعًا، أنّ البقرة من أهمّ الحيوانات التي قدّسوها ومجّدوها، أي الهندوس.

وقد عرفت الهندوسية مراحل عديدة في مسيرتها، ثم ظهرت مرحلة تدوين الكتاب الديني عن طريق البراهمة، من خلال تدوين كتاب الفيدا، الذي يُظنّ أنّه يحوي المعتقدات الهندوسية والصلوات، وهذا الكتاب يشمل في معظمه، يعني في محتواه، نظريات فلسفية لمحاولة تفسير الكون وخالقه. في الكتاب تفصيلات أخرى، لكننا كما قلنا نذهب إلى أهم الأمور.

 

معتقدات الحضارة المصرية القديمة

ثالثًا: معتقدات الحضارة المصرية القديمة. لم تختلف معتقدات الحضارة المصرية القديمة عن سابقاتها، القصد الهندوسية أو الرافدينية، في عبادة مظاهر الطبيعة. وهذا ما أدى بالمصريين القدماء، إلى محاولة تقريب صورة هذه الآلهة. طبعًا هنا المصدر الذي يرجع إليه الراحل محمد شحرور: كتاب “ديانة مصر القديمة” لأدولف أرمان، وهو كتاب مهم. إذن، محاولة تقريب صورة هذه الآلهة إلى أذهان المصريين، وصل عدد الآلهة التي عبدوها حدًّا خرافيًّا، لكن عبادة هذه الآلهة تفرقت حسب المناطق، إذ كان لكل منطقة إلهها. ونلاحظ وجود تراتبية قائمة بين مختلف الآلهة في كل منطقة.

ولو تصفحنا كتب تاريخ المعتقدات المصرية، ومنحوتات المصريين القُدامى، نجد أشكال الآلهة تمزج بين الصفات البشرية والصفات الحيوانية. فكان الإله “رع” مثلًا أعظم الآلهة المصرية وأكثرها شهرة، لأنه عُبد من قبل جميع المصريين القُدامى، على اعتبار أنه إله الشمس. وأيضًا أحيانًا يُنحت مرة على شكل بشر -المقصود به رع- ومرة أخرى على بشر برأس صقر يعلوه قرص.

أما الإله “تحوت”، فقد تم تصويره على صورة طائر “أبيس” في منطقة الدلتا، ثم وُجد له موطنًا في منطقة الأشمونيين بمصر الوسطى، وكانوا يعتبرونه إله القمر، وهو الذي يدير الزمن ويُشرف على النظام العالمي للكون.

أما الإلهة “حتحور”، التي كان موطنها الأصلي مصر العليا، فقد سُمّيت في أطفيح بـ”أولى البقرات”، وذلك للدور الذي لعبته في معتقداتهم.

ولا نُبالغ إذا قلنا إن هذه الأساطير جعلت هذه الآلهة المتصوَّرة كأنها حقيقة، فكانت تؤثر في حياة الناس وتدفعهم نحو مشاعر الحب والكره. وفي الكتاب تفصيل كثير عن هذا الموضوع.

إذن، الخلاصة لما ذكرناه، الراحل محمد شحرور، هذا أشبه بالدراسات في الديانات المقارنة، هو طرح سؤال. السؤال كان: كيف تصوَّر الإنسان الإله؟ فذهب إلى الإنسان القديم في وادي الرافدين، وفي مصر القديمة في وادي النيل، ثم تصورات هذا الإنسان في الحضارات والديانات معًا، الحضارة العراقية والمصرية كما أسلفنا، ثم الهندوسية والبوذية، وكيف تصوّر الإنسان بالرجوع إلى أمهات المصادر. وفي الكتاب دراسات أعمق وأشمل، سنأتي لها لاحقًا.

 

تطور تصور الإله في القرآن الكريم

الجزء الثاني من الكتاب. نحن أسلفنا عن الجزء الأول: كيف تناول الإنسان القديم في مختلف الحضارات والديانات تصوّر الإله. ثانيًا: منظور القرآن الكريم للمعتقدات القديمة وتصور اليهودية والمسيحية لها.

طبعًا في البداية، القرآن الكريم اهتم كما هو معلوم بتقديم صورة أو تصوّر عن بداية المعتقدات الإنسانية وكيف تطوّرُها، لكن بإيجاز، لأن القرآن ليس كتاب تاريخ أو كتاب أركيولوجيا، بل وحيٌ إلهي القصد منه توجيه الناس وهدايتهم.

هنا نعرض كيف عرض القرآن المعتقدات القديمة. البداية كانت بفترة النبي نوح عليه السلام، التي انتشر فيها عبادة ظواهر الطبيعة. ودليل ذلك قول نوح لقومه: “أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا ۝ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا”، كما جاء في سورة نوح. وهذا القول فيه دليل على أن مجتمع نوح كان يعبد ظواهر الطبيعة. كما يتبيّن لنا، بناءً على هذا القول، إن المستوى العقائدي لمجتمع نوح عليه السلام لم يكن قد وصل إلى عبادة الأصنام.

وسيذكر الراحل شحرور لاحقًا إن عبادة الأصنام بدأت، مع قوم هود، بمعنى أنه لم يكن قد تقدم بعد هذا المجتمع إلى مستوى صنع التماثيل والأصنام بشكل متطور.

انتقلت الإنسانية لاحقًا في مسيرتها الاعتقادية إلى خطوة ثانية مع النبي هود، الذي أُرسل لقومه “عاد”، كما يوضحه قوله تعالى: “أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ”، وعاد هم قوم هود كما جاء في سورة هود. وعاد قبيلة عربية بائدة من العمالقة، سكن قوم عاد واستقروا في منطقة جبلية غزيرة بالأمطار، حيث بنوا مصانع لتجميع مياه الأمطار، إذ لا أنهار في الجبال ولا سواقي، بدليل قوله تعالى: “وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ”، كما جاء في سورة الشعراء. و”المصانع” هنا، يرجع الراحل محمد شحرور إلى “مختار الصحاح”: جمع “مصنع”، والمصنع شبه الحوض يُجمع فيه ماء المطر.

وأما قوله تعالى: “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۝ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ۝ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ”، في سورة الفجر. فيقول المؤرخون: إنهم أول من اتّخذوا الأصنام، أي قوم عاد، وكانت لهم آلهة يعبدونها. وهذا معنى أنهم أصبحوا يمارسون فنّ النحت، لأن الموضوع خاصّ بالأصنام، فظهرت عندهم عبادة الأصنام، كما ظهر عند قوم هود التعدّدية في التخصّص والاختصاص عند الآلهة، فظهرت عندهم آلهة الخير، وآلهة الشر، وآلهة للخصب، وآلهة للمطر، وهذه مرحلة متقدّمة بالنسبة إلى قوم نوح الذين اقتصرت عبادتهم على مظاهر الطبيعة من شمس وقمر.

نأتي إلى المرحلة المهمّة التي يشير لها الدكتور محمد شحرور، مرحلة النبي إبراهيم عليه السلام. تميّزت هذه المرحلة باكتمال ظهور فنّ النحت الذي بدأ في عهد هود، ويوضّح ذلك قوله تعالى في سورة الصافات: “أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ”، وظهور طبقة من السدنة والكهان الذين يخدمون الأصنام.

كما اكتمل في مرحلة النبي إبراهيم عليه السلام تقديس ظواهر الطبيعة من شمس وقمر وكواكب، وكما جاء في قوله تعالى في سورة الأنعام: “فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ ۝ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ۝ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ۝ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ”. كما جاء في سورة الأنعام.

هنا بهذا الفصل يختم، كما رأى محمد شحرور، النماذج الثلاثة بتصوّر القرآن الكريم وتطوّر هذا التصوّر، هنا العبارة مهمّة: تطوّر التصوّر الذهني للإنسان عن الله عند هؤلاء الأنبياء الثلاثة: نوح وهود وإبراهيم.

خلاصة لما ذكرناه بالجزء الأوّل من الكتاب، وفي الفصل الأوّل، قام الراحل الدكتور محمد شحرور بسياحة فكريّة جميلة وعميقة بعمليّة رصد: كيف تصوّر الإنسان وجود الله؟ كيف تصوّر الله؟ في البداية، الإنسان القديم في حضارة وادي الرافدين، وفي المعتقدات المصريّة القديمة، كيف تصوّر الإنسان وجود هذا الإله؟ وجود الله، ثمّ عمليّة تصوّر للحضارات والديانات مثل الهندوسيّة والبوذيّة. طبعًا مع الإشارة لأهمّ المصادر التي استند إليها محمد شحرور بالرجوع إلى كبار المؤرّخين. هنا العمليّة ما قبل الدراسات القرآنيّة، رجع إلى كتب التاريخ، قام بتقليبها، ثمّ عمليّة رصد للتصوّر الإلهي. طبعًا قام بالتفصيل. أنا ذكرت مختصر موضوع وجود الله في الديانة البوذيّة والهندوسيّة، وكيف تناسخ الإله، وتحوّلت صورته بين مملكة الصفات الحيوانيّة والبشريّة، كيف تصوّره وادي الرافدين بالقوّة الخارقة، وأيضًا معتقدات الحضارة المصريّة.

ثمّ في الجزء الثاني من هذا البحث، قام الراحل محمد شحرور بالرجوع إلى القرآن الكريم وفق استراتيجيّة التدبّر القرآني، برصد عمليّة تطوّر تصوّر الإنسان إلى الله. فبدءًا من النبي نوح، لم يكن -يلاحظ الراحل محمد شحرور- لم يكن وجود للأصنام نهائيًّا. كان هناك عبادة لمظاهر الطبيعة من شمس وقمر وكواكب. ويعزو الراحل محمد شحرور ذلك إلى غياب المعدات اللازمة التي تتعلّق بفنّ النحت والأصنام، وأيضًا المستوى البدائيّ الساذج لقوم نوح.

كما أسلفنا في قراءة الكتاب والقرآن، إنّ الراحل محمد شحرور رأى أن رسالة نوح عليه السلام اقتصرت على التوحيد والاستغفار.

مراحل تصوّر الإنسان تطوّرت مع هود، فأصبحنا نقرأ موضوع المصانع، موضوع النحت، فبالتالي يرى المؤرّخون -والقرآن الكريم أكّد ذلك- أن أول ظهور لعبادة الأصنام كان مع هود، فهنا تطوّر التصوّر الذهني.

مع إبراهيم اكتمل هذا التصوّر، حتى قال: “أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ”، واستخدم النبي إبراهيم عليه السلام أرقى طُرُق الجدل الحديث، عندما قال: “بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ”، عندما قام بتحطيم الأصنام بيده، ثمّ ادّعى أنّ كبير الأصنام قام بذلك، فاستخدم أرقى طُرُق الجدل الحديث، وهي إبطال عقيدة الخصم من الداخل.

 

تصوّر الله والوجود المادي في المنظومة التراثيّة

الفصل الثاني من كتاب تصوّر الإنسان عن الله، هو تصوّر الله والوجود المادي في المنظومة التراثيّة. كان العرب عند بداية البعثة المحمديّة مجموعة قبائل متفرّقة، ولكلّ قبيلة مجالها اليومي الحيوي الخاصّ بها، وكان الرعي والغزو، إضافة إلى التجارة، هي المهن الرئيسيّة. فكانت التجارة في مكّة، والزراعة في الطائف ويثرب واليمن.

أمّا من الناحية العقائديّة -وهذا المهم- فقد كان العرب وثنيين، لكنّهم كانوا يعترفون بالإله الواحد، والآية القديمة المعروفة: “مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى”، وكانت تمثّل الأصنام لهم سبيل التقرّب.

أمّا لسانهم العربي -وهذه عبارة جدًّا مهمّة- فقد بلغ من التطوّر مرحلة يستطيع معها حمل المعاني السماويّة المنزّلة في الرسالة المحمديّة.

في ظلّ كلّ هذه الظروف، جاء النبي محمد صلّى الله عليه وسلم مبشّرًا ونذيرًا، ويحمل معه رسالة سماويّة تعدّ آخر رسالة يرسلها الله عزّ وجلّ للإنسانيّة جمعاء. وقد دعا النبي عليه الصلاة والسلام العرب إلى نبذ عبادة الأصنام، فجاءت دعوته مكمّلة لدعوات الأنبياء والرسل، وقامت دعوته على مبدأ قوله تعالى: “وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ”، كما جاء في سورة البقرة.

وأراد النبي صلّى الله عليه وسلم، بهدمه للأصنام في الكعبة يوم فتح مكّة، أن يهدم كلّ الحواجز، سواء المجسّدة أو الفكريّة، التي قد يضعها الإنسان بينه وبين ربّه.

هنا وقفة مهمّة، كما أشرنا في بداية الكتاب، يرى الراحل محمد شحرور أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الرسول الوحيد الذي ألغى التشخيص نهائيًّا، فجعل المعتقد الشخصي مركّزًا في الكعبة فقط. وهو الوحيد الذي أرسي مبدأ التجريد.

 

تصوّر الفرق الإسلاميّة التراثيّة لوجود الله

في الكتاب، هناك سياحة فكريّة يقوم بها الراحل محمد شحرور. نحن نأتي باختصار عن تصوّر الفرق الإسلاميّة التراثيّة لوجود الله.

فيتناول التصور التراثي بالتحديد الحنبلي، والتصور الصوفي كما عند ابن عربي، وابن الفارض، وغيرهم، والتصور المعتزلي.

سنأتي على تصور الصوفية، وهو مهم. يقوم اعتقاد المتصوفة على النظرية الاتحادية، بمعنى وحدة الوجود. معروف مذهب وحدة الوجود، هو مذهب فلسفي يرى بأن وجود الله هو والطبيعة حقيقة واحدة، ويعتبر المتصوفة أن وجود الله يمكن أن يُرى في صورة هذا العالم، بصورة هذا العالم المخلوق، ويذهبون إلى أن مجموع المظاهر المادية في الوجود إنما تعلن عن وجود الله. وهذه مقولة مشهورة عند ابن عربي: “عدد الطرق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق”. وبالتالي، الأبيات الشعرية الشهيرة لابن عربي:

لقد أصبح قلبي قابلًا كل صورة / فمرعى لغزلان ودير لرهبان

هذه الرؤى نجدها عند ابن عربي، وابن الفارض، وابن سبعين، والتلمساني، الذين تأثروا بالفلسفة الأفلاطونية المحدثة، وفلسفة الرواقيين. وفي الكتاب تفصيل عن ذلك.

 

انتصار الحنابلة وتأثيره على الفكر الإسلامي

في الكتاب، يلقي الراحل محمد شحرور ضوءًا مهمًا على الخلاف الشهير بين المعتزلة والحنابلة في عصر المأمون، ويرى بعد موت المأمون المفاجئ سنة 218 هجريًا، كونه معروفًا، وانتكاسة الفكر المعتزلي الذي كان أيديولوجية الدولة. هذا الموضوع شديد الأهمية. نحن نتكلم عن فترة ألّف المؤرخون كتبًا عنها تحت ظل “المحنة”. المحنة المقصود بها الصراع بين الحنابلة والمعتزلة، والمعروف أن هناك ثلاثة خلفاء عباسيين تبنوا الفكر الاعتزالي، هم: المأمون، والمعتصم، والواثق. ولكن بعد رحيل الواثق، ومجيء المتوكل، حدثت الانتكاسة، وعاد قصب السبق إلى الحنابلة.

يرى محمد شحرور أن هذا الصراع، صراع “خلق القرآن”، وصراع موضوع “صفات الله”، والصراع بين العقل والنقل. ولمن الأولوية؟ وإن انتصار الحنابلة المؤسف، وانتصار فقهاء الحنابلة، هو الذي أدى إلى الانتكاسة في الفكر الإسلامي، وما نعيشه اليوم من هزائم على المستوى العلمي، والحضاري، والاقتصادي، وكل المجالات، يعود إلى هذا النزاع الذي انتصر فيه فكر النقل على فكر العقل. فللمعتزلة، ضمن أرضيتهم المعرفية –وهذه ملاحظة– ضمن أرضيتهم المعرفية وسقفهم الزمني، كانوا يحملون فكرًا عقلانيًا تنويريًا، يستند إلى العقل، بعيدًا عن النصوص التراثية، التي تتكلم عن أن الله يتجسد في السماء كذا وكذا، ويفعل كذا، والفكر القدري التراثي، الذي تبنته الدولة العباسية. فكل ما نراه اليوم من مظاهر انحطاط الحضارة، وما نراه في الشارع من تطبيقات للإسلام الشكلي التراثي، الخاص بالجلباب، واللحى، والأدعية المنتشرة، كل هذا كان تجسيدًا لانتصار المدرسة الفقهية السلفية على الفكر العقلاني. ولو قُدّر للمعتزلة أن يفوزوا أو ينتصروا في معركتهم هذه، لكان للإسلام وجهٌ آخر، وجهٌ عقلاني، تسامحي، إنساني.

 

تصورات علم الكلام

بالحقيقة، حتى نُلقي ضوءًا سريعًا على هذا الصراع، لا بُدَّ أن نذهب إلى الآباء المؤسِّسين لعلم الكلام قبل المعتزلة. نحن نعرف أن الاعتزال كانت بداياته مع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وأن خصومهم أطلقوا عليهم هذا اللقب، والصراع، الجدل الكلامي، الذي حدث في أحد مساجد البصرة بين الحسن البصري وواصل بن عطاء، حتى قال: “اعتزلنا واصل”. وقد قرأتُ في أحد الكتب عبارة طريفة تقول: “إنهم لم يعتزلوا أحدًا، أمتهم التي اعتزلتهم”.

الآباء المؤسِّسون لعلم الكلام: الجعد بن درهم، وجهم بن صفوان. وهذا الصراع موجود إلى اليوم. وأنا أعتقد أن أساس المشكلة بين المعتزلة، وهناك إشارة لمحمد شحرور في نهاية الكتاب، حول رأيه في هذا النزاع، وسنطرحه لاحقًا.

أساس النزاع هو العلاقة بين الإرادة الإنسانية الحُرَّة والإرادة الإلهية. كيف يتم هذا؟ هناك -للأسف- فكرة سيطرت علينا، والتيار السلفي، الفهم السلفي والحنبلي، ساهم في ترسيخ هذه النظرية، وهي “القدرية” أو “الجبرية”. بالمناسبة، الجبرية هذه عقيدة الدولة الأموية، أن الإنسان وإرادته الحرة مقيَّد ضمن القدرات الإلهية، وبالتالي تترسَّخ هذه النظرة عند الحاكم، مثلًا.

فعند السلفية، أو أنا قبل فترة كنت أقرأ كتابًا استغربتُ فيه من أساس التقديس للإمام الرازي، وكان شافعيًّا، يقول: إن الحاكم، الخليفة، السلطان، يُمثِّل الإرادة الإلهية في الأرض، وبالتالي، فإن أي خروج على هذا الحاكم — وهذه النظرة التراثية السلفية، التي بها خلاف مع المعتزلة — هو خروج على الإرادة الإلهية. وهذا تكلَّم عنه أيضًا أبو حامد الغزالي في كتابه “فضائح الباطنية” الذي فيه كان تمجيدٌ للمستعصم العباسي، أو الخليفة العباسي الذي طُلب منه تأليف الكتاب لمواجهة بعض الفِرَق التي كانت تُمثِّل تهديدًا للدولة العباسية، مثل الفاطميين.

كان هناك ترسيخ -للأسف- لفكرة “القدرية”، ولموضوع “صفات الله”: هل صفات الله ذاته أم عين ذاته؟ وبالتالي، ما هي حدود الإرادة والحرية الإنسانية في ذلك؟ بينما كان يرى المعتزلة أن الإنسان كائنٌ حرٌّ.

بالمناسبة، ملاحظة مهمة: الحرية تُفهَم ضمن ظروف عصرها، يعني لا نفهم الحرية الآن بمعنى الحرية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، هم تكلَّموا عن الأفعال وخلق الأفعال، وأن الإنسان خالقٌ لأفعاله، وبالتالي هو إنسانٌ حرٌّ، ويمكن أن نُحاسبه. التيار السلفي لا، ذاهبٌ إلى العكس، أن الإنسان هنا ليس حرًّا. وبالتالي، هذا يفتح موضوع الاستبداد؛ لأنه إذا أنت رسَّختَ النظرة التراثية، أو السلفية، أو الحنبلية في هذا الصراع، بأن الحاكم يحق له الاستبداد لأنه يُمثِّل الإرادة الإلهية، فبالتالي لا يحق لك أن تُحاسبه. بينما عند المعتزلة، الموضوع مختلفٌ تمامًا.

هذه النظرة، وهذا الصراع، امتدَّ إلى موضوع “خلق القرآن”، وعندما كان المأمون يُمتحن الناس على هذا الموضوع. بعض الباحثين المعاصرين يرى أن فكرة خلق القرآن هي فكرة قريبة إلى العلمانية، بأن القرآن مخلوق. وإذا قلنا إن القرآن مخلوق، بمعنى أنه ليس كتابًا قديمًا قِدم الذات، لا يحمل الصفات الإلهية، فهذا معناه أنه يخضع لشروط الزمان والمكان، وبالتالي هنا نتخلَّص من صفة “القدرية”. فالمعتزلة أرادوا بهذه الفكرة الكبرى أن يُمرِّروا أن القرآن مخلوق مثل الإنسان، وبالتالي هو خاضع لظروف الزمان والمكان والبيئة التي وُجِد فيها.

لكن، كما أسلفنا، بعد خروج أحمد بن حنبل من السجن، أو ما تُسمى “المحنة”، انتكس الفكر المعتزلي. لم يصِلْنا شيء من تراث المعتزلة أبدًا. أنا شخصيًّا آخذ آراء المعتزلة من كُتب خصومهم، من الممكن أن الكتاب الوحيد للمعتزلة الذي لا يزال موجودًا الآن هو كتاب “الانتصار” للخياط، أما بقيَّة آراء المعتزلة فنأخذها من خصومهم.

بهذا الانتصار الحنبلي، وأيضًا ارجعوا إلى ما شهدته بغداد في القرن الرابع الهجري، من عمليات قتلٍ لأي رأيٍ مُعارِض. انظروا إلى الفقيه مثلًا، المفسر الطبري، عندما حاصره الحنابلة في بيته وقُتل في بيته. أيضًا بعض كبار المعتزلة تمَّت مطاردتهم، وحُرقت كتبهم، ولم يصِلْ منها شيء.

واصل بن عطاء، كبير المعتزلة، ترك حوالي ما يقارب أربعين كتابًا، لم يصِلْ منها شيء، لأن هذا الفكر الحر، العقلاني، أراد أن يتعامل مع موضوع الصفات الإلهية بمعزل عن الإرادة الإنسانية. بينما الفكر السلفي صادرَ الإرادة الإنسانية، والإرادة الحُرَّة، وموضوع الإنسان. وإلى اليوم، نُناقش موضوع: “الإنسان مُخيَّر أم مُسيَّر؟”، فاعتبر الإنسان مُسيَّرًا، وأن الإرادة الإلهية هي التي تُسيطر في هذا الكون.

بينما المعتزلة، تقريبًا، تأثَّروا بوجهة نظر الفلسفة اليونانية، عندما رأَوا أن هذا الكون منظم، وقائم على قوانين تسير فيه، وبالتالي لا يوجد جبرية أو جبر في تصرفات الإنسان، وأن الإرادة الإنسانية حُرَّة.

الراحل محمد شحرور، عندما طرح رأيه في هذه الفكرة، قال: يجب أن نفهم فكر المعتزلة ضمن الأرضية المعرفية لذلك الوقت، واقترح اقتراحًا مهمًّا، وهو أن نغادر هذا النقاش، لأن هذا النقاش أصبح عقيمًا منذ 1200 عام، ونحن نناقش الصراع بين المعتزلة والأشاعرة، والصراع بين أبي حامد الغزالي وبين ابن رشد، والإنسان حرّ أو غير حرّ، مُسيَّر أو مُخيَّر. يرى الراحل محمد شحرور أن هذه نقاشات تنتمي إلى سقف القرن الثالث والرابع والخامس الهجري، ولا يليق بنا -بهذه العبارة- أن نُعيد إنتاج هذه النقاشات، بل أن نبحث عن أرض جديدة للنقاش، ونغادر هذا الخلاف قدر الإمكان.

 

“العقل الاتصالي” في تصور الله

أحد مباحث الكتاب المهمة “تصوّر الإنسان عن الله”: المبحث بعد الفكر الإسلامي التراثي، وبالحقيقة هو فكر المعاصرين الآن، نحن نعاني منه فيما يخص العقلانية. برأي الراحل محمد شحرور، عند دراسة بنية الفكر التراثي وتحليله بشقّيه الصوفي والسلفي، سنجد أن فهمنا لهذا الدين يعتمد على “العقل الاتصالي” فقط. ضع خطًا: ما هو “العقل الاتصالي”؟ سنأتي إليه لاحقًا، وخاصة السلفي منه.

والعقل الاتصالي، بتعبير الراحل محمد شحرور، هو عقل يقوم على السؤال عن الحلال والحرام من منطلق النص فقط، من كتاب وسنّة. فمثلًا: عندما يأتي “الموبايل”، لا تسأل: كيف يعمل “الموبايل”؟ بل تقول: هذا حلال أم حرام؟ هذا هو “العقل الاتصالي”.

إذًا، العقل الاتصالي يسأل قبل السؤال عن الأصل العلمي، هذا الشيء كيف نفعله؟ لا، أصبح التفكير الوهمي طاغيًا على العقل، فيسأل: هذا حلال أم حرام؟ وهذا كان من نتاج العقل السلفي والعقل الصوفي، برأي الراحل محمد شحرور، إلى درجة عجز هذا العقل عن إدراك الأمور العقلية بشكل علمي. وهنا، يذهب الراحل محمد شحرور إلى سيطرة “ثقافة الوهم” على حياتنا المعاصرة. فثقافة الوهم، بالخصوص، سيطرت على التفكير الصوفي وأبعدته عن العقلانية، وكذلك العقل السلفي.

 

الوهم وإسقاطه على العقل المجتمعي المسلم

ولكي نفهم معنى “الوهم”، علينا التقرب من تفسير العالِم البريطاني الفيلسوف الشهير “فرانسيس بيكون” لأنواع الوهم لدى الإنسان، ثم نُسقِطها بعد ذلك على “العقل المجتمعي المسلم” في الوقت الراهن. لكي نفهم أسباب تخلّف هذا العقل.

باختصار، يقسّم بيكون أنواع الوهم التي تسيطر على عقل الإنسان إلى أربعة أنواع. “الأوهام الأربعة” عند فرانسيس بيكون هي: أوهام القبيلة، وأوهام الكهف، وأوهام السوق، وأوهام المسرح.

أوهام القبيلة هي مشكلة عقل الإنسان؛ أنه مرآة مُقَعَّرة على نحوٍ ما، بمعنى أنه يرى الأشياء في ضوء الهوى والتقاليد التي نشأ عليها. فالبيئة الاجتماعية تعطيك مجموعة معتقدات وأفكار تظن أنها الحقيقة المطلقة، وأن أي بيئة أخرى مخالفة لهذه البيئة تُعتَبر على باطل.

أما أوهام الكهف، في الحقيقة مأخوذة من مثال كهف أفلاطون الشهير في الفلسفة: أن أحدنا، أي الإنسان، يسكن في كهف من التصوّرات، وأن النور، أي الضوء، الذي يأتي من خارج الكهف، يترك ظلاله على جدران الكهف. تصوّر أنك في غرفة تعيش فيها مدى الدهر، ثم يأتيك نور من الخارج من خلال جدار من هذه الغرفة، فلا ترى الحقيقة، أنت ترى ظلال هذا الكهف وتعتقد أنك وصلت إلى الحقيقة، ولكن في الحقيقة هذا المَثَل مشهور ضمن كهف أفلاطون. وتحت ضغط هذه الفكرة، مثلًا، تكلّم الفيلسوف بيركلي، -وهو فيلسوف مشهور- على اعتبار أن العالم وَهْم، لأن ما نراه لا يُمثّل العالم، إنما بقدر “الكاميرا العقلية” التي نحملها داخل رؤوسنا. فنحن لا نرى الشيء -هذه عبارة مهمة- بل نرى “تصوّرنا” عن الشيء.

أما “الوهم الثالث”، أوهام السوق، فهي تنشأ من عالم المال والأعمال واجتماع الناس وتأثّر بعضهم ببعض. ومن هنا، اعتبر القرآن أن أكثر الناس لا يعقلون.

أما الجزء الرابع، “أوهام المسرح”، فهي التي انتقلت إلينا من الفلاسفة والمفكرين، أي تلك الأفكار التي نتلقّاها دون تمحيص. طبعًا، هنا أتوقّف قليلًا عند “أوهام المسرح”، عندما تصبح لأقوال المفكرين سُلطة. وبالحقيقة، أنا رجعت إلى كتب الفلسفة، ووجدت عبارة في الفلسفة اليونانية تقول: “هكذا قال الأستاذ”، والقصد بها عندما يحدث نقاش، “الأستاذ” يُقصَد به أرسطو أو أفلاطون. فعندما تقول: “هكذا قال الأستاذ”، ينتهي النقاش. أي أن أوهام المسرح، هؤلاء ينطلقون من الحقيقة المطلقة، فبالتالي: لا نقاش. ونحن في حياتنا الفكرية المعاصرة، هناك أناس أو رجال من التراث أو معاصرون، عندما تُطرَح أسماؤهم، لا يحدث نقاش، ينتهي النقاش. ويعتبر بيكون هذه من أوهام المسرح، لأن هؤلاء أصبحت لهم سلطة.

ولذلك، فإن فرانسيس بيكون اقترح علينا أن نتحلّى بـ”العقل النقدي” أكثر من “العقل النقلي”. وهذا يُشبهنا بالصراع بين المعتزلة والحنابلة: الجانب النقدي والجانب النقلي، كي نُؤسّس لمعرفة سليمة. والقرآن الكريم نعى جدًا على أتباع الآباء، وقال: “أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ”. إلى هنا، ينتهي بيكون إلى هذا الاستنتاج الثوري: يجب أن نقذف بجميع نظريات القرون الوسطى -والكلام لبيكون- بعيدًا، وكذلك الجدل والحوار حول النظريات التي تحتاج إلى إقامة البرهان. نحتاج إلى “جدل وبرهان”. ويجب على الفلسفة كي تُجدِّد نفسها، أن تبدأ مرة ثانية بقلم جديد، ولوح نظيف، وعقل مغسول مطهَّر. لذلك، تكون الخطوة الأولى في الفلسفة هي “تطهير العقل وتنقيته”، وكأننا عدنا أطفالًا صغارًا أبرياء من الأفكار والأحكام المسبقة. لأن مشكلة “المنطقة الأولى” هي تتبّع مصادر هذه الأخطاء وسدّها.

هذه الأقوال هي لفيلسوف بريطاني عاش 65 سنة، بين عامي 1561 و1626، ولكن بصماته ما زال لها الأثر في الفكر الإنساني حتى اليوم. هو “فرانسيس بيكون”.

 

الآفات التي سيطرت على العقل العربي

قد يقول قائل: ألا يوجد تيار عقلاني تنويري في الحضارة العربية والإسلامية؟ ماذا تقول حول البيروني، حول ابن سينا، ابن الهيثم، ابن رشد؟ يجيب الراحل محمد شحرور: هؤلاء هم أفراد عباقرة، أفراد لم يُساهموا في تشكيل العقل العربي، يعني لم يُحدثوا تيارًا تنويريًّا، وليس لهم وجود في هذا العقل.

لكن، والسبب –يعني السبب الذي… الحسرة التي يتحسر عليها محمد شحرور– إن هؤلاء لم يعد لهم أي وجود على العقل، وإن التفكير الوهمي الذي سيطر على العقل الجمعي العربي، هو الذي سيطر في نهاية المطاف.

وبحسب الراحل محمد شحرور، هناك ثلاث آفات سيطرت على العقل العربي، هي: ثقافة الشكل، وثقافة الوهم، وثقافة الخطيئة.

النوع الأول، ثقافة الشكل: يكفي النظر إلى مثلًا علوم النحو، أو علم النحو في لغتنا العربية، لنكتشف أنه يقوم على الشكل فقط؛ فيهتم بالرفع، والجر، والنصب. وفي مقابل ذلك نجد أن اللغة الإنجليزية تقوم على التقعيد الزمني، على عكس لغتنا التي تفتقر إلى ذلك.

ونلاحظ –بتعبير الراحل محمد شحرور– أن تأثير ثقافة الشكل البالغ على عقولنا، أصبحنا نهتم فقط بالمظاهر دون العمق، في تفسيرات التنزيل الحكيم، وفي المرويات التراثية التي تقوم على الشروحات الأدبية البعيدة عن العقلانية؛ فتحوّل الدين الإسلامي من دين عقلاني إلى دين سطحي ساذج.

ولا أدل على هذا الوضع، أكبر دليل من حيث الحديث الشهير: “بُني الإسلام على خمس”، الذي رسّخ بشكل كبير ثقافة الشكل، فجعل هذا الحديث الإسلام محصورًا في الشعائر الدينية فقط، لأن الشعائر تقوم على الشكل. وهذا أدّى –بتعبير الراحل محمد شحرور– إلى ما يلي: تأسيس الدين على الشعائر فقط، وفق مبدأ ثقافة الشكل. أصبح المسلم محتاجًا إلى إعلان إسلامه شكلًا فقط، مظهرًا خارجيًّا من مظهر وشعائر، والتي لها شكل معين ومحدّد يجب الحفاظ عليه. نلاحظ ذلك في نمط الأدعية المنتشرة، وعددها الهائل. أضف إلى ذلك كثرة الفتاوى الصادرة، حتى أصبحت المؤسسات الدينية تتباهى بأن صدر لها مليون فتوى.

الآفة الأخرى هي: تجاهل القيم الإنسانية كمعيار يقوم عليه الدين. ومثال ذلك ما تقوم به التنظيمات المتطرفة بالتباهي بتأدية الشعائر، وانطلاقهم بعد ذلك بقتل الأبرياء تحت أصوات التكبير، مع أن الإسلام يُحرّم قتل النفس بغير حق. وهذا يدل على مدى غياب موسوعة القيم في الفكر الإسلامي التراثي.

 

أسباب انتكاسة العقل المسلم

في نهاية هذا الفصل، كما أسلفنا، موضوع الوهم والأوهام الأربعة، الراحل محمد شحرور أعطى لنا مُوجزًا مهمًّا عن أسباب انتكاسة العقل المسلم، العقل المسلم الآن، في القرن الحادي والعشرين، كيف هذا العقل تشبث بالقشور وترك اللباب؟ وكيف هذا العقل ورث أمراض العقل القديمة، الأمراض الاجتماعية، والأمراض الفكرية، ولم يقم عليها بعملية نقد؟

فتكلمنا عن الأوهام الأربعة عند فرانسيس بيكون، عن سيطرة ثقافة الشكل على المستوى المعاصر: من حيث الهيئة الخارجية، من حيث اللباس، من غير أن يكون هناك دور للضمير، ودور للسلوك؛ فلا نجد الإسلام موجودًا في السلوك، من خلال التعامل، الصدق، الأمانة، وغيرها.

وكما قال القرآن الكريم عندما قال عن النبي الكريم: “وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ”. أو: إنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق، فأصبح انفصام هائل، كما يقول القرآن: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ”، بين السلوك وبين الشكل. فالمسلم المعاصر أصبح يُخدع الناظر من خلال شكله فقط، فنحكم على تقواه وإيمانه، فأصبحنا نسمع عن عمليات نصب هائلة في مجال العقارات، ومجال العبادات، وأيضًا مواضيع اجتماعية تتعلق بالقتل. فإن الناس تأخذ بالشكل: إن فلانًا تاجر، هو أغلب ماله به شبهات حرام، يقوم بإخراج جزء من الزكاة، أو الذهاب إلى الحج.

فبتعبير الراحل محمد شحرور، إن العقل السلفي، أو ثقافة الشكل –وانظر إلى الربط العبقري– ثقافة الشكل تبدأ من اللغة. وأعتقد حتى كلام الإمام علي في نهج البلاغة: المسلم في آخر الزمان يهتم برسم القرآن، برسمه، لا بما يقول إليه القرآن: بتقواه، بسلوكه.

يعني مثلًا أنا شخصيًا أتكلم، عندما كنا نذهب إلى المساجد في التسعينات في العراق، كانوا يدخلوننا دورات لتلاوة القرآن وفق أحكام الحروف والإقلاب والإظهار، وأن تخرج مخارج الحروف حقيقية، لكن لا أحد يتكلم عن القيم الأخلاقية في القرآن، عن قبول الآخر، عن التسامح، عن المحبة، فقط أمور الرسم. وهذا الرسم انتقل إلى النحو، وإلى اللغة، وكل شيء في ثقافتنا أصبحت ثقافة شكل، بدون عمق، بدون جوهر. وبالتالي كان هذا الربط الجميل، والكلام الجميل. وعليه نذهب إلى الفصل الثالث من الكتاب “القراءة المعاصرة لتصور وجود الله من خلال القرآن الكريم”.

 

القراءة المعاصرة لتصور وجود الله

الفصل الثالث هو تحت عنوان: “القراءة المعاصرة لتصور وجود الله من خلال القرآن الكريم”. في البداية، يرى الراحل محمد شحرور أن محور الفكر الإنساني صاعد، يعني صاعد في فهمه، ومع مرور الزمن يتمكن الإنسان من الوصول إلى معارف كانت غائبة عمّا كان سبقه، وعن الجيل الذي قبله. بمعنى أن التاريخ تصاعدي، وأن الفكر يتصاعد من زمن إلى آخر.

وقد ساعدت عملية التطور الفكرية هذه، الحركةُ الجدلية الداخلية في العقل، القائمة على صراع العنصرين المتناقضين داخليًا، وهو الصراع الذي يؤدي إلى تغيير شكل كل شيء باستمرار، عملية الديالكتيك، عملية التغيير الداخلية. وبتعبير الراحل محمد شحرور، يكون فيه السر في التطور، والتغير المستمرين.

وإن كانت تسمية هذه العملية بالمصطلح العلمي تُسمى “النفي ونفي النفي”، فإن القرآن الكريم أطلق عليها مصطلح “التسبيح”، ومنه قوله تعالى: “وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ”، وقوله: “سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ”، وقوله: “يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ”. من هنا، الشرح العميق للدكتور محمد شحرور، أن “يسبّح بحمده” ليس تسبيح اليد، وليس التنزيه، يعني كل شيء في الكون متغير، إلا الذات الإلهية، فالثبات لا يليق إلا بالذات الإلهية.

من هنا، هذا الربط الجميل لعملية “نفي النفي”، أو “التسبيح”، برأي الراحل محمد شحرور، الذي فسّرها تفسيرًا بعيدًا عن التفسير التراثي الذي نقرأ عنه.

 

التصورات الذهنية والواقع

من المواضيع المهمة في الكتاب، طرح موضوع بذات الأهمية، هو “الشيء لذاته” و”الشيء لنا”. هنا، يؤكد العلم، بتعبير الراحل محمد شحرور، بأنه ليس من الضروري دائمًا أن تكون الصور الموجودة في الذهن مطابقة للأشياء الموجودة في الخارج.

يعني أنا مثلًا جالس في الغرفة، وشخص يطرق الباب، أنا أؤمن بوجود قوة وراء الباب، لكن هل تصوّري لهذه القوة؟ هل هي رجل أو امرأة؟ شخص حامل لي خبرًا شرًّا؟ خبرًا خيرًا؟ شخص جلب لي هدية؟ شخص يأتي ليعتقلني؟

التصور، الصورة في الذهن، ليس بالضرورة أن تكون حقيقية في الخارج. وهنا يكمن الالتباس -بتعبير الراحل محمد شحرور- بين الحق والباطل، بين التصديق والتصوّر.

القرآن الكريم -بتعبير الراحل محمد شحرور- عرّف الحق، وهذا الكلام مهم جدًا، بأنه: الوجود الموضوعي المادي خارج الوعي الإنساني. الوجود الموضوعي ليس نتاجًا، يعني فكرة الله أو فكرة الحق ليست نتاج فكرة خيالية أو نتاج فكر إنساني تصوّري، بل هو حقيقة موضوعية موجودة في الخارج، مادية، سواء الإنسان قبل بها أم لم يقبل، آمن بها أم لم يؤمن.

إذن، القرآن الكريم عرّف الحق بأنه الوجود الموضوعي المادي خارج الوعي الإنساني.

كما جاء في قوله تعالى: “وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا”، كما جاء في سورة يوسف.

فقد عبّر القرآن عن الحق بمصطلحين، الأول هو الله، فوصفه بأنه وجود موضوعي خارج الفكر الإنساني، وليس من نتاج الفكر الإنساني. كما نقرأ في الفلسفة الغربية الحديثة، كتابات فويرباخ أو فرويد، بأن الله هو “اختراع إنساني”. أو كما في قوله تعالى: “ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ”.

والنقطة الثانية من تجليات الحق –وهذه نقطة مهمة جدًا– كما عبّر القرآن الكريم عن الوجود الإلهي بأنه وجود موضوعي حقيقي خارج الوعي الإنساني، وليس نتاج الفكر الإنساني. ولكن، هذه ملاحظة مهمة: هذا الوجود الموضوعي ليس مثل وجود الأشياء التي تحيط من حولنا. فقال القرآن الكريم: “فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ”.. هو هذا الشاهد المهم: “وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ”.

أو كما قال أحد المتصوفة: “كل ما خطر على بالك، الله ليس كذلك”.

نحاول في نهاية الحديث أن نلملم أطراف الكتاب. هذا الكتاب، الصغير الحجم، عظيم الفائدة، وهو 155 صفحة بفصوله الثلاثة. وهو –كما أسلفنا– الكتاب لم يكتمل، لأن “كتاب الموت المؤجل”، بتعبير الراحل محمد شحرور، قد خطفه منا. وبالتالي، هذه مهمة ملقاة على عاتق كل تلامذة الراحل محمد شحرور بأن يأخذوا لبنات هذا الكتاب، والأفكار المكثفة التي وردت فيه، ثم يبنوا عليها.

“كيف تصوّر الإنسان القديم وجود الله؟” الإنسان القديم في بلاد الرافدين، الإنسان القديم في المعتقدات المصرية القديمة، إنسان الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، الإنسان الذي بدأت مسيرة الأنبياء من نوح، وهود، وإبراهيم، الإنسان في الحضارات الهندوسية والبوذية وغيرها، كيف تصوّر فكرة الله؟ كيف أسبغ عليها فكره المادي؟ كيف كتب عنها؟ كيف عبدها؟ كل هذه الرحلة البانورامية الشاملة.

أيضًا، تصوّر فكرة الله داخل التراث الإسلامي -وهذا هذا جدًّا مهم- كيف تصوّر المعتزلة فكرة الله؟ كيف تصوّر الحنابلة؟ كيف تصوّر المتصوفة؟ كيف صاغوها أشعارًا؟ وأيضًا القرآن الكريم، كيف طرح هذه الفكرة؟ كل هذا تجدونه في هذا الكتاب الصغير الحجم، عظيم الفائدة.

في نهاية الكتاب، نحاول أن نلملم أطرافه، فنقول: هذا الكتاب أشبه ببانوراما شاملة، جرد شامل لما اعتقده الإنسان عن الله، بدايةً من الإنسان القديم في وادي الرافدين، وفي الحضارة المصرية القديمة، تصوّر الإنسان عن الله. وملاحظة مهمة: هذا الكتاب صدر بعد رحيل الدكتور محمد شحرور بأربع سنوات، وأعتقد أنه كتاب جدير بالقراءة.