مقدمة
يسعدني جدًا أن أقدم للقارئ الكريم، بالتعاون مع منصة “مجتمع”، إلقاءَ ضوءٍ مهم وشرحًا لكتابٍ مهم في الثقافة العربية، صدر في عام 1990. وللأسف، أنا لم أجد أن الأضواء سُلطت عليه بشكل كافٍ، وهو كتاب “الكتاب والقرآن” للدكتور الراحل الأستاذ محمد شحرور. نوَّهنا أن الكتاب صدر عام 1990، وبالحقيقة كما يذكر الراحل في مقدمة الكتاب، أنه اشتغل على الكتاب من عام 1967، 25 سنة من الجدالات والحوارات. وذكر ذلك أيضًا الدكتور جعفر دق الباب، الذي قدَّم مقدمة للكتاب، وأنتجت لنا هذا الكتاب الذي خضع في طبعات لاحقة إلى مجموعة من تغييرات الآراء ضمن عملية الجدل التي ذكرها الراحل محمد شحرور. ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. بالحقيقة، ما نقوم به هو فتح شهية، طرق أبواب، فتح تساؤلات عن هذا الكتاب المهم في الثقافة العربية، والذي يخص تفسير القرآن.
أهمية الكتاب وأسئلته
أهمية الكتاب من وجهة نظري البسيطة تأتي أن موضوع القرآن وتفسيره وفهمه تم إغلاق بابه تقريبًا من القرن الرابع والخامس الهجري. سؤال القرآن تم إغلاقه بالكامل، وتم الاعتماد على تفسيرات القدماء. يعني كانت جدالات: أي شخص الآن عنده معرفة بسيطة بالثقافة الإسلامية يعرف أن هناك جدالًا حول علم الكلام والعقيدة والفقه الإسلامي. أما موضوع القرآن، فتم إغلاقه بالكامل. تقريبًا هذا ما حدث في أغلب الفرق الإسلامية، حتى المعتزلة منهم. محمد شحرور، المحاولة الجريئة التي قام بها في فتح سؤال القرآن من جديد، تطرح لنا الأسئلة التالية:
السؤال الأول: هل يجوز لنا نحن المعاصرون الاكتفاء بتفسيرات القدامى، أم ننظر للقرآن بأعيننا؟ هل مطلوب مني أنا المسلم المعاصر المكلَّف بالنص القرآني -والنص القرآني نحن نقول إنه صالح لكل زمان ومكان- هل نكتفي بتفسيرات القدامى، أم نحن نفسِّره كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾؟ أنا المسلم المعاصر في القرن الحادي والعشرين، المسلم المعاصر في القرن الثلاثين أو الأربعين، بم يفسر الأقدمون الذين يطلبون منا أن ننظر إلى التراث فقط، قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾؟، ألسنا من الناس؟ ألسنا الأحقّين لِنَنْظُرْ للتفسير، لِمَ تحرموننا أن نستفيد من معطيات العلوم الحديثة؟ وشحرور ذكر هذا في التفسير: يقول إنه قرأ كل علوم الكوزمولوجيا والفيزياء والكيمياء واللسانيات المعاصرة وكتب التاريخ وغيرها. أنا أشبهها كما شخص يدخل إلى منجم من الكنوز وبيديه أداة إضاءة حتى يفهم هذا النص. لماذا تحرموننا من ذلك؟ وحتى أحيل القارئ إلى شيء مهم جدًا: نقاش جميل خاضه شحرور في الصفحة 25 من كتاب “الكتاب والقرآن” (أنا لدي الطبعة الأولى – طبعة دار الأهالي عام 1990). في الصفحة 25 من الكتاب، يخوض الراحل محمد شحرور نقاشًا جميلًا مع أهم المفسرين في الثقافة التفسيرية العربية: هو الزمخشري، جار الله الزمخشري، وهو من كبار المعتزلة، ولديه تفسير اسمه “الكشاف”، وهو مهم، وهو طبعًا يُعتبر تفسيرًا متقدمًا لغويًا. هنا يعطيك شحرور أن تفسيرات القدامى غير صالحة في زماننا، بل تعيقنا عن فهم النص. في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، بم يفسر الزمخشري “الترتيل”؟ يقول: “هو تأنق حسن إخراج الألفاظ، كما تُرتل حضرتك القرآن”. شحرور يُخالفه الرأي، يقول: “لماذا قال في نهاية الآية: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾؟ الترتيل ليس له علاقة بمخارج الحروف. الترتيل هو نظم الأشياء ووضعها في نسق واحد، كما تقول: ‘رتل من الدبابات'”. يقصد شحرور بذلك أن القرآن فيه مواضيع موحَّدة تستطيع أن تجعلها في كتاب واحد. مثلاً: كتاب الموت ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾، كتاب الصلاة ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾. القرآن فيه كتب: كتاب الموت، كتاب الطلاق، على سبيل المثال. يعني أمثلة: كتاب الحرب، كتاب الكون، وهكذا. فهنا الترتيل أن تضع هذه الكتب في سياق واحد، ثم تقرأها بعين واحدة، الآيات التي تتحدث… وهذه تُسمَّى الآن “الوحدة الموضوعية للقرآن”: كتاب الصلاة، كتاب الموت، كتاب الطلاق. النظر إلى تفسيرات القدامى وقراءة القرآن بأعين الموتى يَحرمنا من كنوز كثيرة.
أهمية مقدمة الكتاب
هنا الراحل محمد شحرور يعطي ملاحظة مهمة في مقدمة الكتاب. وأنا دائمًا أعتبر نفسي قارئًا بسيطًا. أي كتاب أريد فهمه، أذهب إلى المقدمة؛ مقدمة الكاتب لأنه يعطيني فيها منهجه وتصورًا. يقول الراحل محمد شحرور: “أنا لا أعرض تفسيرًا للقرآن، ولا أناقش في القرآن قضايا فقهية، ولا أعرض قضية وجود الله أو عدم وجوده. أنا أعطي رؤية معاصرة وجديدة للذكر الحكيم، تتناسب ضمن السقف المعرفي لهذا العصر. فلكل عصر سقف، وكما أن ابن كثير فسَّر القرآن أو الطبري ضمن سقف عصره، فيحق لنا نحن المعاصرين، وسنكون في هذه الحالة مذنبين إن تركنا القرآن ولم نفسِّره حسب سياق العصر”. هذه هي رؤية الراحل محمد شحرور. وسنتطرق إن شاء الله أثناء الكلام إلى أبرز النقاط التي نبه إليها الراحل الدكتور محمد شحرور.
ماذا نفعل بكتب التراث التفسيري؟
في مقدمة الكتاب يطرح الراحل الدكتور محمد شحرور سؤالًا مهمًا جدًا، أنا أجد أن السؤال صالح لليوم: ماذا نفعل بكتب التراث التفسيري التي تُطبع كل عام بآلاف النسخ؟ كيف سنتعامل معها؟ ويطرح سؤالًا يقع ضمن الأسئلة الحرجة: هل القرآن يُصنَّف ضمن التراث؟ ثم ما هو التراث؟ هل التراث عائق لنا في فهم النص القرآني، أم نستطيع أن نفهمه بمعزل عن التراث؟ هل نحن في حاجة إلى التراث؟
سيرى القارئ ولع الدكتور محمد شحرور في تفكيك المصطلحات. في مقدمة الكتاب. الدكتور جعفر دق الباب، وهو زميل الدكتور شحرور وأستاذه، يقول إن الدكتور شحرور تأثر بمجموعة من الكتب ساعدته في هذا الموضوع: تفكيك المصطلحات ونفي الترادف، وأهمها كتاب “معجم مقاييس اللغة” لابن فارس، و”دلائل الإعجاز” للجرجاني، و”خصائصه” لابن جني. يفرق الراحل الدكتور محمد شحرور بين ثلاث مصطلحات نتداولها يوميًا في سوق الأفكار، لكن يضع لها تعريفًا: “التراث”، “المعاصرة”، و”الأصالة”.
يأتي أولًا إلى مفهوم التراث: “التراث هو النتاج الفكري والمادي للسلف الذي وصلنا. نحن الخلف” وصلنا تراث، هذا النتاج المادي والفكري. مثلاً: تراث القرن السابع هو تراث صالح لأهل القرن السابع؛ حلَّ مشاكلهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، واستفادوا منه. السؤال: هل أنا أستطيع أن أستفيد من هذا التراث؟ محمد شحرور يناقش هذا الموضوع، يقول: “كلا! بملء الفم”. ثم يعرج إلى الفهم السلفي للدين، فيقول هذه العبارة المهمة جدًا: “الإنسان السلفي يقلد، هو يعيش، يعيش بعقله في القرن السابع، لكن بجسده في القرن العشرين – باعتبار أن الكتاب صادر في التسعينات. وبالتالي، هو يرفض أي حلول معاصرة، ويتكئ على التراث”. وتقريبًا هذه مقولة قالها مالك بن أنس: “لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”. وهذا الكلام غير صحيح؛ لأن لكل عصر وقائعه، ولكل عصر مشاكل، ولكل عصر رؤية معينة. من هنا تنطلق أن الرؤية السلفية للنص الديني غير صالحة؛ لأنه هناك مستجدات، وهناك وقائع، والقرآن تكلم عن أمور مستقبلية كثيرة. كيف نقتصر على كتب التراث؟ لكن شحرور يضع عبارة جدًا مهمة -أنا لفتَت انتباهي- يقول: الناس ليسوا أحرارًا في انتقاء تراثهم! -يعني التراث مجبور عليهم، وصلنا تراث- لكن هم أحرار في انتقاء حداثتهم ومعاصرتهم، باعتبار أن المعاصرة من الأمور الممكنات. بمعنى “الممكنات”؟ يعني هي بإمكانك أنت أن تكون معاصرًا أم لا. الموضوع باختيارك: بإمكانك أن ترجع للخلف، أو تتقدم للأمام، وتستفيد مما تركه المحدثون.
المعاصرة: عكس التراث من الناحية الزمانية. تكلمنا عن التراث. المعاصرة هو أن تستفيد من النتاج المادي والفكري ضمن محيط عصرك. وقد يختلف هذا الموضوع باختلاف المكان. يعني: شخص في قارة ما أو في دولة ما يكتب ضمن نتاج عصرك. السؤال: لو كتب إنسان كتابًا، وهذا الكتاب مضى على صدوره عشر سنوات، هل يقع في سياق التراث أو المعاصرة؟
طبعًا نقاشٌ طويلٌ يخوضه الراحل محمد شحرور، يذهب فيه إلى أن هذا الكتاب يقع في نطاق التراث وليس المعاصرة. المعاصرة تكون مُستَجَدَّةً وحداثيةً وتناقش الأمور المهمة.
المصطلح الثالث: “الأصالة”، وأعجبني جدًا في الدكتور الراحل محمد شحرور أنه استند إلى آية قرآنية في تفسير معنى المعاصرة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. الأصالة بحسب محمد شحرور كالشجرة: لها جذورٌ ولها أغصانٌ، لها أعماقٌ ولها ثمارٌ. بتعبير محمد شحرور: “لو أراد باحثٌ أن يكتب كتابًا في الكيمياء، فهو يحتاج إلى الأصالة؛ يحتاج تراكماتٍ قديمةً، ويحتاج ما يضيفه عنها”. يرى محمد شحرور أن الأصالة الإسلامية هي جذورٌ بدون أغصانٍ؛ لدينا الجذور، لدينا الإنتاج الأدبي، لدينا التراكمات، لكن ليس لدينا الأغصان، ليس لدينا الثمار؛ لأننا توقفنا في زمنٍ معيّنٍ ولم نعد ننتج أفكارنا. فهنا الراحل في هذه العبارة يذهب إلى هذه التقسيمات الثلاثة.
خمسة أمراضٍ أصابت العقلَ العربيَّ
من هذا الموضوع، يرى محمد شحرور يقول: “يحق لي أنا الإنسان المعاصر محمد شحرور، أو أي مسلمٍ مخاطَبٍ بالتنزيل الحكيم، أن أذهبَ، وأمتلك أدواتٍ معينةً”. هنا يُحذِّر –بالمناسبة– الراحل محمد شحرور: “أنك إذا دخلت إلى النص القرآني بالعواطف الجياشة أو بالارتجال أو بدون أن تمتلك منهجًا علميًا…”. هو في الكتاب يضع خمسة أمراضٍ أصابت العقلَ العربيَّ، سنأتي عنها سريعًا، هي التي منعته من أن ينظر إلى النص بنظرةٍ حداثيةٍ أو نظرةٍ عصريةٍ أو ما يسميه هو “نظرة جديدة” أو “قراءة معاصرة”. برأي الراحل محمد شحرور، أُصيب العقلُ العربي بمجموعةٍ من الأمراض منعته أن ينظر إلى التنزيل الحكيم نظرةً عصريةً ونظرة أكثرَ حداثةً، بما يُستفادُ منه في ظروف عصره. النظرة الأولى: عدم وجود منهجٍ علميٍّ موضوعيٍّ لدراسة النص القرآني، فاعتمدوا على القديم (أسباب النزول، الناسخ والمنسوخ، علوم القرآن)، وهذه العلوم أدَّت وظيفتها ولم تعد صالحةً لهذا العصر. لماذا يحرم المسلمُ نفسَه من الاكتشافات الحديثة في مجال الإنسانيات واللغة والفيزياء والكيمياء والجغرافيا والتاريخ في النظر إلى النص الحكيم؟ الرأي الثاني -وهو رأيٌ جَديرٌ مهمٌّ وعميقٌ- هو أن المعاصرين يرتكنون إلى الأحكام المسبقة قبل الدخول إلى النص الحكيم. فهو يدخل إلى النص بإسقاطاتٍ قَبْلِيَّةٍ يُحكِمُ بها على التفسير، بدون أن يُجرِّدَ نفسَه. يضرب مثالًا مهمًّا: يقول لو أخذنا نظرةَ المرأة في القرآن أو المرأة في الإسلام، “نحن محاصرون بين رأيين: يأتي شخصٌ عنده آراءٌ مسبقةٌ فيقول: الإسلام أنصف المرأة، بدون أن يعطي أدلةً على ذلك. ويأتي آخرُ معادٍ له بالاتجاه، يقول: الإسلام ظلم المرأة والقرآن ظلم المرأة، بدون أن يعطي أدلةً ووقائعَ”. فالأحكام المسبقة –بتعبير شحرور– منعت الناسَ من النظر إلى القرآن نظرًا مباشرًا والاستفادة منه بدون وسيطٍ أو بدون حاجزٍ. وبرأي محمد شحرور: “المسلمون حرموا أنفسهم من الفلسفات الإنسانية، من مثل تاريخ اليونان وتاريخ الصين، الفلسفات الواردة في التراث، لم يستفد منها المسلمون في قراءة النص القرآني؛ عزلوا أنفسهم عنها”.
برأي محمد شحرور أنَّ المسلمين المعاصرين والتراثيين فشلوا –هذه عبارةٌ مهمةٌ– في إنتاج نظريةٍ معرفيةٍ إسلاميةٍ مُستنبَطةٍ من القرآن حصرًا، لم ينجحوا في هذا المسعى. وهنا يتكلم محمد شحرور بعبارةٍ جدًّا مهمةٍ يختم بها المقدمة حول أصل المعرفة الإنسانية، ثم يستدل عليها بآيةٍ قرآنيةٍ كريمةٍ، يخالف بذلك الفلاسفةَ المثاليين. الفلاسفة المثاليون يقولون: “إن الأفكار موجودةٌ في عقل الإنسان، وما يفعله الإنسان هو استعادة هذه الأفكار”. محمد شحرور يقول: أساس المعرفة الإنسانية أن المعرفة بالخارج، المعرفة المادية بالخارج هي منفصلة عن الذات الإنسانية. ويذهب بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. هذه الآية –بتعبير شحرور– تنفي وتناقض ما يقوله الفلاسفة المثاليون: “إن المعرفة موجودةٌ في داخلنا”. لا! المعرفةُ مستقلةٌ وفي العالم المادي، وهي بحاجةٌ إلى بحثٍ. بهذه الأمور المهمة والمكثفة كانت هي مقدمةُ الراحل الدكتور محمد شحرور للحديث عن كتابه “الكتاب والقرآن”.
لا يوجد ترادف في القرآن
قد يسأل سائلٌ: الكتابُ يُقرأ من عنوانه. لماذا قال الدكتور محمد شحرور، لماذا عنوان الكتاب “الكتاب والقرآن”؟ هل هما شيئان أم شيءٌ واحدٌ؟ “الكتابُ والقرآنُ”. نحن نعرف في اللغة العربية أن الشيءَ لا يُعطَفُ على نفسه. جاء أحمدٌ وسعيدٌ. أحمدٌ شيءٌ وسعيدٌ شيءٌ آخر. إذن: “الكتاب” شيءٌ و”القرآن” شيءٌ آخر.
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (سورة البقرة). نفس سورة البقرة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. إذن هناك كتابٌ وهناك قرآنٌ. بالحقيقة، الراحل محمد شحرور لفت الانتباه إلى الآية الأولى من سورة الحجر: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾. إذن هناك “كتابٌ” وهنا “قرآنٌ”. والشيءُ لا يُعطَفُ على نفسه. كيف؟ هذا ما سنأتي إليه.
ينقسم كتاب الراحل محمد شحرور إلى أبوابٍ وفصولٍ. طبعًا هذا الكتابُ بين يدي حتى أوضح لك عزيزي القارئ الجهدَ الذي بذله الدكتور مع المصادر. الكتابُ يقع في 822 صفحةً، وأضيف لك شيئًا آخر: أنا عندي الطبعة الأولى (طبعة الأهالي المصرية). وجود خرائطُ في الكتاب لتوضيح الآيات. يعني هو أشبه… فيه دراسة عملاقة تقدر تقول عنها دراسةَ ماجستير أو دكتوراه. الكتابُ ضخمٌ، لذلك قلنا نحن سنقوم بعملية فتح تساؤلاتٍ وطرق أبوابٍ، لدعوة الناس إلى قراءة الكتاب.
ينقسم الكتاب إلى أبوابٍ وفصولٍ: الباب الأول “الذِّكْر”، وهو يقف عنده محمد شحرور طويلًا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ما هو الذِّكْر؟ ثم يأتي إلى تفرقةٍ بين ثلاث كلماتٍ مهمةٍ، مصطلحات: الكتاب، القرآن، الذكر، الفرقان. في القرآن لا يوجد ترادفٌ –نفي الترادف تمامًا–، ولكل عبارةٍ مكانُها بالضبط. يعني ما ممكن تبدل عبارةٍ مكانَ عبارةٍ.
أذكر واحدةً من وقفات الراحل محمد شحرور: آيةٌ قرآنيةٌ تقول: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾. ترجع إلى كتب التراث، يقول لك: مِنْ زائدةٌ! ما جاءنا بشيرٌ ونذيرٌ، فتستقيم الآية. كيف وقف عند الآية؟ قال: مرةً تأتي تقول: ‘ما عندي مالٌ’، ومرةً تقول: ‘ما عندي من مالٍ’! شوف ‘مِنْ’ حتى أرجع ما…”.
﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾. المفسرون يقولون: “مِنْ زائدةٌ! هي: ما جاءنا بشيرٌ ونذيرٌ”. يقول محمد شحرور: “مِنْ لها هنا شيءٌ مهمٌّ جدًا. عندما تقول: “ما عندي مالٌ”، يعني أنت تقول: “ما عندي مالٌ ذو قيمةٍ”، لكن عندي شيءٌ بسيطٌ. ‘عندي خمسة جنيهاتٍ، عشرة جنيهاتٍ’ – ‘ما عندي مالٌ’. لكن إذا قلت: ‘ما عندي مِنْ مالٍ’، يعني نهائيًا ما عندك ولا قرشٍ ولا فلسٍ ولا دينارٍ ولا درهمٍ”. فعندما تقول قريشٌ: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾، يعني نحن لم يأتينا شخصٌ أنذرنا أو أبشرنا نهائيًا”. فهذا حرفُ ‘مِنْ’ قلبَ المعنى. من هذا الباب: لا يوجد ترادفٌ. هناك فرقٌ بين “البَشَرِ” و”الإنسانِ”، بين “جاءَ” و”أتى”، بين “الكتابِ” و”القرآنِ”، بين “الفرقانِ” وهكذا. أنا أعتقد هذا هو لبُّ الكتاب. موضوع الكتاب الأساسي.
ما الفرق بين الكتاب والقرآن والفرقان؟
أهميةُ الكتابِ الذي لم تتطرق له كتب التراث، بأن كلَّ حرفٍ في القرآن مهمٌ. “أنا جئت أقرأ أحد التفسيرات القديمة، فيتناول “إذا” ما جاءت معها كلمةٌ “ما”… أُفيدكم يا إخوتي فائدةً: كلُّ ‘إذا’ بعد ‘ما’ زائدةٌ. القرآن ما به زائدٌ. كلُّ نصٍّ في مكانه بالضبط. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (في سورة الحجر). زين، هناك ألفاظُ “الكتاب” وألفاظُ “القرآن” و”الفرقان”. هل الذكرُ هو القرآن؟ التفسير التراثي يقول: هو القرآن. محمد شحرور يذهب خلاف ذلك. هل هذه الألفاظ التي قرأناها الآن تشير إلى معنى واحدٍ مترادفٍ، أم تشير إلى معانٍ مختلفةٍ وكلُّ معنى يختلف عن الآخر؟ بالحقيقة، كلُّ معنى يختلف عن الآخر، وهذا ما سنأتي له بالتفصيل. وهذا كله تجده في الفصل الأول، وأنا أجده هذا أهمُّ فصول الكتاب.
يأتي محمد شحرور بالبداية إلى معنى “الكتاب”: كلمةُ “كتابٍ”. الكتابُ –كما يرى– من “كَتَبَ”، والكتابُ في اللسان العربي تعني أن تجمع أشياءَ مفيدةً لتخرج بموضوعٍ ذي معنى متكاملٍ. هنا يذهب إلى المسألة الصوتية، وأعتقد هو للقارئ المحترف استعان بكتابٍ مهمٍّ جدًا هو “جدلية الحرف” للمفكر السوري، وهذا يدل أنّ هذه سوريا –أنا أسميها أرضًا مباركةً تُخرِجُ المفكرين المهمين في الثقافة–. “جدلية الحرف” لمحمد عنبر. عندما يقلب الكلمة مثل “خوف” أو “رعب”، أو يأتي بعكسها. فمن الناحية الصوتية عندنا “بَتَكَ” ويمكن قلبها بحيث تصبح “بَتَكَ” و”كَبَتَ” و”بَكَتَ”، مثل قوله تعالى في سورة النساء آية 119: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾. يقول: هي عكسٌ لكلمة “الكتاب”. في الكتاب في المعنى: عكس “البتْك” أو “البَكْت”. تقول: “مكتبٌ هندسيٌ”، “مكتبُ محاماةٍ”، أي فيه عناصرُ متكاملةٌ حتى يكون فيه مشروعٌ هندسيٌّ: مهندسٌ ورسامُ خرائطَ ومصممٌ. زين، تقول “مكتبُ محاماةٍ” أي به العناصر المتكاملة لإنشاء مكتب محاماةٍ. عندما تقول “كُتّابٌ” مكان فيه كتاب يعني يجتمع فيه التلاميذ للتعلم مع المعلم. عندما تقول “كتيبة” في الجيش تقول “كتيبة دبابات” و”كتيبة فرسان” (مجموعة متجانسة ومتكاملة). عندما تجمع أحاديث الرسول حسب المواضيع تقول “ما قاله النبي”. هنا محمد شحرور يأتي لهذا الموضوع: “الكتاب” أن تجمع أشياء متجانسة مجتمعة في مكان واحد. مثلا: موضوع الصلاة “كتاب الصلاة”، في القرآن تجد كتاب الصلاة، كتاب الوضوء، أمور تخص عقاب الصلاة، التعبد. ثم: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. الصلاة في القرآن كتاب. الحرب في القرآن كتاب، الطلاق في القرآن كتاب، الموت، مجموعة العناصر له كتاب: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾. هي كتاب. هناك كتاب للخلق وأطوار الإنسان، كونها معروفة وأطوار الجنين. هناك كتاب للساعة، هناك كتاب للصوم: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. كل فعل “كتب”. هناك كتاب للحج كامل، كتاب للمعاملات (أمور الربا والزواج والطلاق والحدود)، وأعمال الإنسان كلها كتب. هناك كتاب المشي، وكتاب النوم، وكتاب الزواج، والمعاملات والعبادات، وكل ظواهر الطبيعة كلها كتب. وكتاب خلق الكون، وكتاب خلق الإنسان، والحياة، والموت، وكتاب النصر، وكتاب الهزيمة. مثلا بالنصر: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، الكتاب. الهزيمة لها كتاب. لماذا ينهزم المسلمون؟ هم لها شروط. القصد: محمد شحرور أن كلمة “كتاب”.. هنا مثلا في أحد الحوارات المتلفزة، عندما يثور عليه الناس في قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. يقول هنا “كُتب” لا تعني “فرض” وإلا لقال “فرض”. مسألة الحرب: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. مسألة المواريث: الكتاب تعني عناصر متجانسة. لذلك القرآن مجموعة كتب كما جاء في سورة البينة: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾. إذن: كتاب الهزيمة هي الأمور إذا اجتمعت أدت إلى هزيمة، كتاب الموت هي الأمور التي إذا اجتمعت أدت إلى الموت، وكتاب النصر هي الأمور التي إذا اجتمعت تؤدي إلى النصر. هو يعطي أمثلة كثيرة منها: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾، و﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾.
الآن نأتي إلى موضوع آخر: هو أنواع الكتب كما تكلم عنها الدكتور محمد شحرور.
أنواع الكتب في القرآن
مازلنا في الفصل المهم وهو الحديث عن “الكتاب” و”القرآن” والفرق بين هذه الألفاظ التي نظن بداية أنها مترادفة. وتكلمنا عن القرآن مجموعة كتب: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾. والكتب أنواع: كتاب الصلاة –قلنا-، كتاب الموت، الطلاق، الطبيعة. برأي الراحل محمد شحرور أن الكتب تنقسم في القرآن الكريم أو عبارته، هو دائما -إذا شئت- التنزيل الحكيم إلى نوعين: هناك كتب مثل كتاب الصلاة، يتألف من الوضوء والركوع والسجود والقيام، وكل أفعال الصلاة، وكتب العبادات. وهذه الكتب غير مفروضة على الإنسان؛ بمعنى أن الإنسان يستطيع أن يقوم بها، وما يقوم بها، العبادات أنت حر تفعلها أو لا تفعلها. وهناك نوع آخر من الكتب مفروضة على الإنسان. وهذا الكلام مهم، أرجو التركيز عليه. وهي القوانين الكونية وحياة الإنسان. كتاب الموت: هل يستطيع الإنسان أن يرفض الموت ولا يقبل الموت؟ هذا كتاب كوني مفروض على الكل. عكس كتاب العبادات. إذن الكتب نوعان: كتب مفروضة على الإنسان حتمًا، وكتب له حق الخيار. كتاب الموت، كتاب خلق الكون، الساعة، البعث: هذه الكتب مفروضة على الإنسان، وليس لديه القدرة أن يخضع لها أو أن يرفض، أو يقول “لا” أو “نعم”. بالتالي الحديث عن هذه الكتب… يعني: أنت مثلا كتاب الموت (قبلت أم لم تقبل، اعترفت به أم لم تعترف)، هذه الكتب واقعة عليك فعلا.
إذن هنا الراحل محمد شحرور يقسم الكتب إلى نوعين: كتب على الإنسان أن يكتشف القوانين ويتعلمها، وكتب أخرى له الحق أن يرفضها أو أن يقبلها.
مازلنا في الباب الأول، وتكلمنا أن الراحل محمد شحرور فرّق بدقة متناهية بين المصطلحات التي نظن أنها مترادفة: “الكتاب” و”الذكر” و”الفرقان”.
معنى الذِّكْر في القرآن
والآن نأتي بمعنى “الذِّكْر”: أنا أتكلم بصورة شخصية، عندما كنت أسمع القارئ يتلو: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، يذهب ذهني مباشرة بدون تفكير يقول: “هو القرآن”. وبالتالي صار ترادف. هنا الراحل محمد شحرور يأتي برأي مهم جدا. مثلا في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾، أو ﴿ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ﴾. فإذا أخذت بتعبير الراحل محمد شحرور، هذه اللفظة، لفظة “الذكر” فستجد أنها مُعرفة بـ”ال” التعريف: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾، و﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾. “الذكر” بتعبير الراحل محمد شحرور. وأرجو الانتباه إلى ذلك: هو تحول القرآن الكريم إلى صيغة لغوية منطوقة صوتية إنسانية بــ”لسان عربي”. وهذه الصيغة، “القرآن” رب العالمين يمن بها على العرب يقول: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. أي إن الصيغة اللغوية والصوتية من اللسان العربي، لذا قال: “فيه ذكركم”، أي فيه مجدكم. “الذكر” هو الصيغة الصوتية للمصحف. وإن الإنزال عربي. فهذه الصيغة للكتاب الذي بين أيدينا هي صيغة عربية لسانية، وهي بنفس الوقت هي صيغة كونية. فبالتالي هنا بهذا التعبير عرفنا ما معنى “الذكر” بتعبير الراحل محمد شحرور.
آية قد يساء فهمها
هنا يقف الراحل محمد شحرور عند آية قد يساء فهمها ومهمة، يذكر بها القرآن عن الناس، قال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾. كلمة “محدث”، ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾. وقفة مهمة الراحل محمد شحرور يقول: التعبير في الكتاب عندما قال “الذكر” إنه “محدث” (أي ليس قديما)، ولم يقل “القرآن”. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ وليس أن “الذكر” ليس القرآن نفسه، بل هو أحد صفات القرآن. ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾: أي أحد صفات القرآن هو “الذكر”. برأي الراحل محمد شحرور: هذه الآية ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ تحل الخصومة الكبرى التي نشأت في التراث الإسلامي بين المعتزلة والأشاعرة حول خلق القرآن. ونحن نعرف “محنة أحمد بن حنبل” وخلق القرآن، والمعتزلة، والخليفة المأمون الذي حاكم الناس، وصار بها سجون ومعتقلات، ثم انقلاب المتوكل بعد ذلك. وهذه مسألة خلق القرآن أُلف بها كتب: هل القرآن شيء؟ هل هو مخلوق؟ هل هو الكلام صفة المتكلم؟ يقول الراحل محمد شحرور إن “الذكر” ليس القرآن نفسه، وإنما هو أحد خواص القرآن. “صادٍ والقرآن ذي الذكر”، هي الصيغة اللسانية، الصيغة الصوتية. يقول: هذه تزيل الالتباس حول أن القرآن مخلوق أو لا. مثلها مثلًا يذهب إلى آية قرآنية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. هنا يجب أن ننتبه -برأي شحرور- أن “أهل الذكر” هم أهل اللسان العربي. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، بأن الصلاة لا تجوز إلا باللسان العربي؛ لأن الصلاة بحسب شحرور هي التلاوة الصوتية للكتاب، وبالتالي فإن القرآن المتعبد بتلاوته، وأن أتلو القرآن، يجب أن تكون باللغة العربية حصرا.
ما معنى الفرقان؟
هنا ننتقل إلى الفقرة الثالثة، وهي “الفرقان”. هنا الوقفة مثلا في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾. انظروا العطف: ﴿الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. أو الأخرى في البقرة أيضا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. العطف. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾. في سورة آل عمران. جاءت لفظة “الفرقان” في ست مواضع في الكتاب. وكلها جاءت معرفة بـ”ال”. وأول من أُطلق عليه هذا اللفظ هو النبي موسى عليه السلام في مسألة “الهدى والفرقان”، على حدة، أن موسى جاءه “الكتاب” على حدة، و”الفرقان” على حدة، قبل وروده إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضا كما قال في سورة آل عمران. إن التوارة والإنجيل والفرقان أنزلت قبل أن تأتي إلى النبي. هذا يعني أن “الفرقان” غير “الكتاب”، غير “القرآن”.
برأي الراحل محمد شحرور أن “الفرقان” هو الوصايا العشر التي جاءت إلى جميع الأنبياء والمرسلين. وهذه الوصايا جاءت في سورة الأنعام من الآية 151 إلى الآية 153. فـ”الفرقان” بتعبير الراحل محمد شحرور هي الوصايا العشر.
إعادة إحياء القرآن
تكلمنا فيما سبق عن الدقة المتناهية في اللفظ القرآني، وأن كل لفظ له مكان محدد لا يصح أن يأتي لفظ غيره. وتكلمنا عن المعاني الدقيقة: الفرق بين “الكتاب” و”القرآن” و”الفرقان” و”الذكر”. وعنوان الكتاب كما نوهنا هو “الكتاب والقرآن” للراحل محمد شحرور. في “الكتاب” شيء، وفي “القرآن” شيء.
هنا أنا أسترجع بيت شعر من التراث العربي قرأته قديما، يصح أن أتناوله هنا. وهو قال الشاعر قديما في تعامل الإنسان مع القرآن والقرآن نفسه قال: “بَيِّنٌ فيه كلُّ شيءِ” يقصد القرآن، “ومنه آخذٌ قَدَرَ ذهنِه كلُّ تالٍ”. أنا أعتقد –وما أرضى أكون متعصبا أو مبالغا– أن القرآن أعيد إحياؤه وقراءته من جديد على يد الراحل محمد شحرور. وحتى لا نقع في الفخ الذي تكلمنا عليه سابقا، هو الرفض المسبق والقبول المسبق، أدعو إلى قراءة الكتاب. أنا أصف محمد شحرور مثل الجواهرجي، صائغ الذهب الذي يتعامل مع قطعة الألماس، ثم يمسح عنها التراب، ويعيد اكتشافها من جديد. القرآن مغطى بالتراب (بتفسيرات القدماء)، وهم طبعا ليسوا مذنبين، يعني القدماء أدوا جهدهم. الذنب ذنب الأتباع: ذنبنا نحن، نحن المسلمين مقصرون. ماذا فعلنا تجاه كتاب ربنا؟ هل قرأناه ضمن ظروف عصره وضمن معطيات عصره؟ هل ربطناه بتفسير قديم؟ أنا أضرب مثلا واحدا: في أحد الآيات في سورة الأنعام: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾. زين. كيف يشبه لك المحسوس؟ ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾. أنا شخصيا قمت بتجربة. كل كتب التفسير التراثي القديمة كيف تفسر قوله تعالى: “ومن يرد الله أن يجعل صدره ضيقا” زين. حتى يعطيك مثالا ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾”. لأن الإنسان الذي يصعد في السماء طبقات الأكسجين تقل، فيصير عنده ضيق بالنفس. كل المفسرين القدماء قالوا: “هذا تعبير مجازي”، معذورين، هذا ظروف عصرهم. أنا أحيل القارئ والمستمع إلى آية في سورة الزمر آية 6: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾. هل يستطيع الفقيه أن يفسر هذه الآية؟ هل يستطيع الشيخ الفلاني؟ أنا أزعم أن هذه الآية لا يفسرها إلا طبيب. وأعيد تلاوة الآية: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾. ما هي الظلمات هنا؟ يدخل موضوع الطب والتشريح. القصد، قد يقول شخص أنت تقول بالتفسير العلمي. لا، أنا أقول: في القرآن إشارات بسيطة؛ لأن العربي قديمًا كان يُؤخَذُ بإعجاز القرآن، بكلام القرآن، لأنه كان عربيًا بالسليقة. نحن عربيتنا ليست مَلَكَة، نحن عربيتنا صِناعة. نحن فقدنا التذوق البلاغي. زين، هناك ناس غير ناطقين باللسان العربي، لابد في القرآن إشارات طفيفة لا تُفهَم في وقتها إنما تُفهَم في قرون أخرى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
ما معنى كلمات الله؟
الفصل الآخر في القرآن هو “كلمات الله”، ويتحدث محمد شحرور عن أصل معنى الكلمة وما الجانب الصوتي لها. فهو يذهب إلى استشهاد ببيت شعر للمتنبي:
“أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي/ وأسمعَتْ كلماتي مَن به صَمَمُ”
الكلام في اللغة -بحسب شحرور- اسم جنس يقع على القليل والكثير. عندما يُقام حفل خطابي، نقول “إن الكلمة لفلان”، أو “سيُلقيها فلان”، يلقيها فلان يعني أنه حاضر بنفسه. أما إذا كان غائبًا، نقول: “يلقيها فلان نيابة عنه”. إذن الكلام يخرج من الفم، وفيه تكمن الفصاحة. وهو توقّفَ توقفَا جميلًا عند قوله تعالى عن قول موسى عن هارون: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ (القصص: آية 34). عندما أرسل الله موسى إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. إذن هنا الدلالات، هناك فرق -بحسب شحرور- بين البلاغة والفصاحة: البلاغة في القول، والفصاحة في اللسان. والبلاغة تراها في قوله تعالى: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾.
هنا نأتي إلى الفصل الآخر المهم، وهو محتويات القرآن. وفيه كتاب مهم يقصد به المحكم والمتشابه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾.
المحكم والمتشابه
نعود إلى الراحل الدكتور محمد شحرور في “الكتاب ومحتويات القرآن”. وأي دارس لعلوم القرآن يعرف: هناك “محكم” وهناك “متشابه”. -للراحل محمد شحرور- رؤية أخرى ترجع… أنا قرأت تفاسير القرآن قديمًا ودرست علوم القرآن. فيقول لك: “المحكم” هي الآيات التي ليس بها تأويل، مثل الصلاة والصيام، و”المتشابه…”، وشحرور لا… يقول: المتشابه في القرآن يختلف. هو هنا يشرح المتشابه والسبع المثاني، كما جاء في سورة الزمر آية 23: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾. هنا سيَقِف: “كتابًا” جاءت بصيغة نكرة -بلا ال-. ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾. انظر التشابه، ﴿مَثَانِيَ﴾. هنا يربطها بالسبع المثاني: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. فالملاحظ هنا -والكلام للراحل محمد شحرور- أن جاءت كلمة “كتاب” منكرة بلا “ال”، فهي لا تعني كل محتويات المصحف. أما بالنسبة للقرآن: يجب أن نميز بين “القرآن” مُعَرَّفًا بـ”ال” التعريف ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. وقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ﴾، بلا “ال” التعريف)، ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج). عندما يأتي “القرآن” معرفًا، فإنه يعني المعنى نفسه (كل القرآن). أما إذا جاء منكرًا، فهو يعني جزءًا من القرآن.
مفاتيح تطبيقية لفهم القرآن
الفصل الثاني من الباب الأول يتحدث عن “النبوة والرسالة”. وهنا يتحدث… أنا أعتقد هنا محمد شحرور صب فلسفته. هنا يتفلسف في فهم الموضوع. يرى شحرور أن القرآن فرَّق بين “الحق” و”الباطل”. فالحق هو الحقيقة الموضوعية خارج وعي الإنسان، أما الوهم هو الشيء الذي لا وجود له. وفَرَّقَ الكتاب، أمّ الكتاب، فرّقت بين الحلال والحرام، السلوك الإنساني. يرى محمد شحرور أن الوجود الموضوعي، قوانين الوجود خارج الوعي الإنساني، مثل الشمس. الشمس موجودة عرف الإنسان ذلك أو لم يعرف، قَبِلَها أو لم يقبل. من هنا نقول إن وجود الشمس “حق”، إن الموت “حق” لأنه قبلنا به أم لم نقبل الموت واقع. نقول الموت “حق” ولكن لا نقول الموت “حلال”، لأن ظاهرة الموت موجودة سواء الإنسان قبلها أم لم يقبلها. هنا محمد شحرور يجري ربطًا فيقول: القرآن كالشمس والموت، حقيقة موضوعية مطلقة في وجودها خارج الوعي الإنساني، سواء الإنسان قَبِلَ هذه الحقيقة أم لا. وهذا السطر الذي أقرأه، الذي ورد في الكتاب، رأيي الشخصي المتواضع -وقد أكون مخطئًا- هو أهم ما في الكتاب، مفتاح فهم الكتاب. يقول: إن القرآن -هذه الحقيقة القرآنية- لا تخضع إلا لقواعد البحث العلمي. لا يمكن أن تفهم القرآن بدون قواعد البحث العلمي والموضوعي، وعلى رأسها الفلسفة وكل العلوم الموضوعية، من فيزياء وكيمياء وسائر العلوم الطبيعية.
هذه -باعتقادي- العبارة المهمة والمفتاح. هناك مفاتيح تطبيقية لفهم القرآن. فالقرآن لا يُفهَم بدون منهج علمي.
ثبات النص وحركة المعنى
أثناء مطالعتي للكتاب، فاجأني الراحل دكتور محمد شحرور. وأنا أعطي ملاحظة شخصية خاصة بي: لا تقرأ الكتاب مرة واحدة، لن تُخرج أسرار هذا الكتاب. حضرتك لو شاهدت مباراة كرة قدم أو فيلما سينمائيا أو قرأت رواية عالمية كلاسيكية، هذه الأمور لا تكشف أسرارها المرة الأولى. المرة الأولى تكون قراءة دهشة، فتكون مأخوذًا بها. القراءة الحقيقية هي القراءة الثانية. وأنا قارئ محترف وأزعم ذلك. إذا ذهبتَ وقرأتَ هكذا كتب أكثر من مرة، أعدك أنك في كل قراءة تجد شيئًا لم تكتشفه من قبل. لذلك يُقال -وأعطيك ملاحظة عزيزي القارئ-: “أنت على الكتاب سَوِّ خطوطًا”. تعالَ للكتاب بعد خمس سنوات فرضًا: الكتاب هو نفسه، لكن أنت تغيرت. الكلام نفسه مثل القرآن الكريم؛ لأن هو الراحل محمد شحرور بالكتاب (بالقرآن) قال عبارة جدًا مهمة: تُعطي لمحمد شحرور الحجة في تفسير القرآن. قد يكون شخص يحتج عليَّ: “أنت على أي أساس؟”. القرآن قائم على قاعدة “ثبات النص وحركة المعنى”، حركة المحتوى. بالتالي كل جيل يقرأ قراءة عنه تختلف. يعني الجيل الذي يختلف،: كلام الله لغته واحدة، لكن المعنى متحرك، يختلف من جيل إلى آخر. وهذا الفهم نسبي، كلام الله مطلق، فهمنا له نسبي، يختلف من عصر إلى عصر. هذا الكتاب نفس الشيء.
فبالقراءات المتعددة، هناك آية نقرأها قراءة وفهمها ثابت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85). ومعروف هذه الآية نزلت في سياق أسباب النزول، الأسئلة التي وُجِّهت إلى النبي عليه الصلاة والسلام. التفسير المتعارف عليه كلاسيكيًا: “الروح هي سر الحياة، سر الله في الأرض، هي لغز”. ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقول محمد شحرور: أولًا، هناك أسئلة: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. الروح تنتمي إلى عالم “الأمر” وليس “الخلق”: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. هو قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾.
ما معنى الروح في القرآن؟
اثنان، النص المهم يقول: إذا كان سر الله في الإنسان -كما هذا يُقال في آيات الكتاب-، زين، هذا يعني أن الكائنات الأخرى الموجودة حولنا مثل الأبقار، مثل الحيوانات، مثل الدواب، هم لديهم هذا السر، لديهم حياة، الضربة التي أتى بها شحرور -للأسف نحن نقوم بها غير منتبهين إليها- يقول: “لماذا لا تكملون قراءة الآية؟” مثلاً قبلها: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. هذه الآية موجودة بالجدران وعلى المحلات وأبواب الإعلانات. لماذا لا نكمل الآية في سورة الأنبياء؟: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ إذن الغاية من الماء هي الإيمان. هذه الآية -يقول شحرور-: تفسير الآية هي التي بعدها…
00:39:00
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا * وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. هنا “الروح” لمعنى الوحي، بمعنى القرآن، بمعنى الأوامر التي أتت في سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾. في سورة القدر يقول: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾. الروح في القرآن هي تأتي بمعنى الأوامر والنواهي التي أتت للإنسان العاقل حصرًا، مثل أمور الصلاة، وأمور الصيام، وأمور العبادات، وأمور المعاملات، وتحريم الربا، وتحريم القتل، وتحريم الزنى، والغش في الميزان إلى آخره، والأمر بالقسط والعدل. هذا هو الروح، وليس الموضوع شيئًا غيبيًا يتعلق بسر الله في الإنسان.
بالحقيقة، للراحل محمد شحرور وقفات كثيرة. وعلينا أن ننبه أن الطبعة الأولى التي صدرت من هذا الكتاب -كما هو بَيِّنٌ أمامي- عام 1990، حتى بالشهر مكتوبة: الطبعة الأولى في سبتمبر 1990، قد خضعت لزيادات منقحة وتغييرات قام بها الراحل شحرور. على فكرة، حتى قبل رحيله، وأعتقد أن الطبعة صدرت… هناك طبعة عام 2015؛ لأن الراحل يخضع لموضوع الجدل وقراءات أخرى، وفي كل قراءة يخرج له رأي آخر. هنا نتوقف عند الفصل الأول، ونكمل بقية الفصول تباعًا إن شاء الله.
ما الفرق بين الصلاة والعبادة؟
من صراع الراحل محمد شحرور، وهو إنسان ممتلئ من الداخل، وأنا أعتقد -وجهة نظر شخصية- إذا أردتَ أن تُبدِعَ في شيء ما، عليك أن تعيش معه. بمعنى، أنا مرة قرأت لفرويد قديمًا يقول: “الحلم هو شغل البال بالموضوع”، بمعنى، أنت تفكر في فريقك في كرة القدم وعنده مباراة حاسمة، أثناء نومك هذا الفريق سوف يأتيك، سوف تحلم به. أنا أعتقد أن الراحل محمد شحرور عاش مع القرآن طويلًا، ومع حروف القرآن، ومع كتب التراث. فهو ينتبه إلى أمور لا ينتبه لها معاصروه. وهذا الآن… نتحدث الآن ليس بموضوع “الكتاب والقرآن”، عطاء شحرور أكبر أن يكون في كتاب واحد. مثلما يقول القرآن: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾. أقرأ مقالًا لكاتب معاصر عن الإسلام عند شحرور، تعريف الإسلام ما هو؟ إذا ذهبتَ لأي شخص الآن يقول: ما هو الإسلام؟ مباشرةً بدون تفكير، سيقول لك: هو أركان الإسلام (الشهادتان، إقامة الصلاة، إتاء الزكاة…). هنا هذا الحوار الذي صار بين كاتب معاصر وشحرور من القرآن نفسه، ليس قول فلان عن فلان. ما هو الإسلام؟
وبالحقيقة، لأنه حتى بتلاوة آيات القرآن دقيقة، سأضطر للقراءة من الجهاز. شحرور يسأل الكاتب، يقول له: ماذا تفسر قوله تعالى وأرجو الانتباه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. “لِيَعْبُدُوا اللَّهَ” و”يُقِيمُوا الصَّلَاةَ” و”الزَّكَاةَ”. زين، إذا كانت الصلاة والزكاة عبادة، كيف عطفها على بعضها؟ في آية أخرى، قال الله لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. “فَاعْبُدْنِي” عبادة، و”أَقِمِ الصَّلَاةَ” إذا الصلاة عبادة كيف عطفها على بعضها؟ والعطف يقتضي المغايرة. فالعبادة سبقت الصلاة في كل الآيات أعلاه. هذا دليل من القرآن، وليس من فلان عن فلان.
يواصل الدكتور شحرور للكاتب شرحه، يقول: أن “اعْبُدْنِي” تكون بطاعة أوامري. فما هي هذه الأوامر؟ الأوامر: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. هذه واحدة. ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. اثنان. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.
ما هو الصراط المستقيم؟ هو ليس العبادة بتعبير شحرور. الصراط المستقيم جاء في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فالصراط المستقيم الذي ندعو في كل صلاة أن يهدينا الله إياه، وأن نهتديَه، هو الوصايا التي بدأت بنوح وتراكمت مع الرسل، ويتفق عليها كل الأرض، وليست هي صلاة أو صيام، بل هي أخلاق وعمل صالح. ومن هنا نفهم آيتي البينة وطه، والله لا يهدي لصراطه متكبرا ولا ظالما. الصلاة أمر مختلف عن العبادة؛ لأن الله عطفها. هي وسيلة واحدة من وسائل العبادة فقط. وهنا نختم بالآية في سورة الحج آية 77: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا﴾.. إذن فرّق، ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
هنا نتوقف أعزائي المشاهدين الكرام عند الفصل الثاني من كتاب “الكتاب والقرآن: القراءة المعاصرة”. الباب الأول: الذكر. الفصل الأول: القرآن والسبع المثاني. الفصل الثاني: النبوة والرسالة. في الحلقة القادمة إن شاء الله، سنذهب إلى الفصل الثالث: “الإنزال والتنزيل”، والفصل الرابع: “إجازة القرآن وتأويله”، والفصل الخامس: “شجرة الذكر”.
خاتمة
لا يفوتني أن أذكر أن ما غرسه الراحل من بذرة في هذا الكتاب “الكتاب والقرآن” قد أتت ثمرها الآن. عندما نشاهد مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، مثلاً: منصة مجتمع على مختلف المنصات – الفيس بوك، الإنستجرام، اليوتيوب، التيك توك، ونرى تلاميذ شحرور وهم يعيدون إنتاج مدرسته، ثم يضيفون عليها بفعل التراكم المعرفي. وحتى قبل أيام، رأيت أحد تلاميذه يذكره بامتنان، يقول: “أنا شاهدت شحرور مرة واحدة أو مرتين في حياتي، لكن استفدت من كل علومه، وبنيت عليها، وخرجت بمنهج جديد”. الراحل محمد شحرور، تلاميذ كثر، وكتاب مجهولون في كوكب الأرض قد لم يرهم. لكن المهم أن تستمر هذه المدرسة، وأن نحمل الشعلة للأجيال الجديدة. بأن القرآن صالح لكل زمان ومكان. وهذا الصلاح لا يكون إلا بأن ننظر للقرآن نظرة جديدة، وأن ننظر له بعيون جديدة