Skip to content Skip to footer

دلالة الفعل واسم الفاعل واللازم والمتعدي | سامر إسلامبولي

تحدث سامر إسلامبولي، الباحث والمفكر السوري، خلال لقائه د.باسم الجمل، عبر برنامج “مفاهيم”، عن دلالة الفعل واسم الفاعل واللازم والمتعدي، وعلاقة هذه التقسيمات القواعدية، كما يمكن الإطلاق عليها باللسان العربي، وكيف يمكن الاستدلال أو استخدام أو فهم مضامين هذه المفاهيم في فهم النص.

اللسان العربي حيوي فطري منطقي

قال سامر إسلامبولي، الباحث والمفكر السوري: “بما أن اللسان العربي، كما ذكرنا سابقاً، لسان حيوي فطري منطقي، يقوم على الحالة الكونية والسُّنن حاكمته؛ فالمنظومة بتأخذ بيد بعضها البعض مثل الحلقات. مجرد أثبتنا أن اللسان العربي علمي منطقي ثبتت المفاهيم اللي عَم نعرضها كلها مع بعضها؛ ما بتتجزأ، بتساوي منظومة، فلا يصح لأي باحث لساني أن يأخذ مفهوماً ويرفض مفهوماً، يوجد مَن يقول إنه إذا اختلف المبنى اختلف المعنى؛ بناخدها صواب.. لكن فيه مجاز في القرآن، ما بيصير إذا ثبتت هذه القاعدة. هذه القاعدة تنفي المجاز؛ بيصير فيه تناقض، وضربت المنظومة، فهذه المنظومة تؤخذ كلها مع بعضها. فإذن المنظومة هذه إذا استمررنا فيها بشكل طبيعي، هنوصل لتعريف الفعل والفاعل واللازم والمتعدي..”.

الفعل في اللسان العربي

وأضاف إسلامبولي: “مين عَم بيحدد الأمور؟ الواقع هو دائماً مصدر وموضع في وقت واحد للدراسة والتفكير. الفعل اللي موجود في الواقع بِدّه فاعل، هذا منطق انعكس على المنطق وصار قاعدة أساسية؛ لا بد لكل فعل من فاعل، انعكس على اللسان العربي أيضاً، لا بد لكل فعل من فاعل.. فإذن مو علماء اللغة هنا اللي وضعوا هذه القواعد، لأ، أو اخترعوها مثلاً، لأ؛ هم اكتشفوها من خلال دراسة وسبر وتقسيم للواقع، فكان نظام اللسان العربي كامناً في داخله، كامناً في داخله موافقاً لحركة الكون. وعلماء النحو وقت درسوا النظام اللساني قدروا يكتشفوا حركة نظامه، طلعت معهم القواعد التي ذكرناها.. جينا إذن للفعل في اللسان العربي، الفعل ما هو حركة تحدث، كونه حركة مباشرة اتولد الزمن فصار قالوا الفعل هو كلمة تدل على حدث يحصل والزمن جزء منه، أو يحصل في الزمن، ما فيه فعل دون زمن، اتنين متلازمين بخلاف مثلاً كلمة الاسم؛ قالوا كلمة تدل على معنى وليس الزمن جزءاً منه؛ ما له علاقة بالزمن، الاسم، ثبتوها من خلال المنطق والنظام كفعل واسم، وشافوا أنه كمان الواقع الكوني، الحركة؛ في حركة عَم تحصل بتنتهي حركة عَم تحصل حالياً، حركة سوف تحصل فتولد عندهم أنواع الزمن، وقالوا زمناً ماضياً وزمناً حاضراً (اللي بيعبروا عنه بفعل مضارع؛ زمن مستقبلي) اللي بيشمل الفعل المضارع المنفي أو اللي بِدّه يصير في المستقبل أو صيغة طلب الأمر، مستقبل؛ لأنه دائماً صيغة طلب الأمر إنما هي طلب الفعل بعد زمن التكلم بعد ما بينتهي المتكلم؛ فقالوا إذن الأفعال في اللسان العربي: فعل ماضٍ، فعل حاضر (اللي هوَّ المضارع)، فعل الأمر (اللي هوَّ المستقبل)”.

دعوة إلى عقلنة النحو.. إشكالية تغطية الأزمنة

وتابع الباحث والمفكر السوري: “المضارع حالة اصطلاحية من باب المضارعة؛ إنه شبهوه بالضرع، ضرع البقرة، ضرع الحيوانات، الثدييات.. شيء يشمل كونه أنه الفعل المضارع معرب بخلاف الماضي والأمر؛ ماضٍ والأمر مبنيان دائماً، الماضي معرب؛ يعني مرة بالنصب، مرة رفع… وهكذا سموه مضارعةً لأنه بيشبه حالة تانية في النحو؛ فسموه مضارعة. هل هذا المصطلح ملزمون به؟ لا، لسنا ملزومين، عَم يسبِّب إشكالاً في الدراسات، عَم يسبِّب إشكالاً في الدراسات عند الطلاب. شو يعني المضارعة؟ فبيضطر الأستاذ يقول لهم الفعل الحاضر، الفعل المضارع، شو بيبقى مقصود فيه؟ المقصود فيه الفعل اللي عَم يحصل في الوقت الحاضر، في زمن التكلم، وما زال يحصل، يدرس بزمن التكلم، عَم يدرس الإنسان وما زال يدرس، فوقت بيعرفه بيقولوا هو إيش الفعل الحاضر؟ طيب الغوها، ما عاد لها طعم؛ هي مصطلح فهنا المشكلة عند أهل النحو؛ وقت بيلزموا أنفسهم بمصطلحات تراثية لسنا ملزومين فيها نحن طالما عَم بتسبب إشكال منها، مثلاً هل الأفعال الثلاثة هذه عَم بيغطوا حالات الزمن فعلاً بكل تفاصيله، مثل اللغة الإنجليزية مثلاً، الأزمان؟ لأ، ما عَم بيغطوا النظام اللي صار كمضمون، عم بيغطي؛ أما الاصطلاحات اللي حطوها هنا ما عَم بتغطي، فلذلك لازم تصير فيه دعوة إلى عقلنة النحو، نحط مصطلحات تغطي الأزمنة كلها؛ يعني مثلاً فيه ماضٍ منفي، وبالضرورة كل فعل ماضٍ حصل بالضبط، لأ ممكن يكون منفياً، أي فعل مضارع مو بالضرورة يكون إيش عَم يحصل، لأ منفي، لم يأكل؛ لما يأكل صعب ما صار..”.

واستكمل سامر إسلامبولي: “فلازم كمان يصير فيه دراسة لإعادة المصطلحات لتغطي الأزمنة كلها اللي هي موجودة في اللسان العربي؛ يعني المشكلة مو باللسان، منها مثلاً الإعرابات، مثلاً نائب الفاعل وقت يكون الفعل مبنياً للمجهول؛ مثلاً أُكلت التفاحة، قالوا التفاحة نائب فاعل، في وقت نحن كنا صغار شلون نائب فاعل؟! ما هي اتاكلت، شو يعني نائب فاعل؟ الفاعل هو الذي يأكل، فشلون صارت هي نائبة؟! قال ما بنقصد هي قامت بالفعل، شو بتقصده لكان قال لأنه فيه فعل فيه فاعل، يعني أكل مثلاً زيد التفاحة، وقت ما بنقول زيد؛ نحن ما بندفش التفاحة محله، بتتصل بإيش؟ بالفعل، وبنغير صيغة الفعل من المبني للحاضر للمبني للمجهول، بيصير أكلت التفاحة. طيب وهذه الواو، قال هذه الواو بدل الفاعل، بيصير وبنسميه نائب فاعل إعرابه؛ لأنه قعد بدل الفاعل الكرسي تبعه أو مكانه. طب هذا مو منطق، هذا تعقيد للموضوع. المنطق إنه التفاحة مأكولة، فهي مفعول به قولًا واحداً، فإذن (أكلت التفاحة) الفعل مبني للمجهول، خالصين منه، الفاعل مخفٍ، أما التفاحة فلازم تنعرب مفعولاً به، مفعولاً به مرفوعاً، طالما الواقع إن هي وقعت عليها الفعل، وأكلت، فإذن هي مفعول به. طيب؛ مفعول به مرفوع، إيه مفعول به مرفوع، لماذا رفع خلاف الأصل؟! فالأصل في المفعول به أن يأتي منصوباً عندما يوجد فعل فاعل مفعول به. طيب، راح الفاعل قام صارت هي مرفوعة، بنقول نعلل، بنقول تفاحة مفعول به مرفوع؛ لاختفاء أو غياب الفاعل. انتهى”.

رفض عقلنة النحو العربي.. النحو عقليته آبائية وسلفية 

وقال الباحث والمفكر السوري: “الإنسان فهم تماماً شو المقصد بشكل منطقي، ما بيفوت هذه المتاهات. لا يغيره، ليش؟ ما بدنا نغير هيك، اتوارثنا، ما بنغير النظام، ما بنغيره، فكمان النحو عقليته آبائية وسلفية، لسنا مقيدين نحن؛ هي مصطلحات وضعها فلان وفلان.. أنا ممكن أعدلها بكل سهولة، فلازم مجمع اللغة العربية بمصر، بأي مكان، في البلد.. يجتمعوا ويغيروا المصطلحات. كان فيه دعوة من د.ضيف شوقي، عرض على مجمع اللغة العربية بدمشق، بالقاهرة، رسالة صغيرة (عقلنة النحو العربي)، وقدمها وحط اقتراحات؛ منها هذه الأمور وأشباهها.. رفضوه، ليش رفضتموه؟ صواب، عَم بنحكي الأمور، بنحكي صواب، ليش رفضتموها؟ خلاف المألوف، ما بِدنا نساوي نحن قطيعة مع التراث، ولا بِدنا نعيد طبع كتب المقررات الدراسية كله؛ فاتجمد الموضوع، وإلا كان بداية جميلة جداً إنه يعقلن النحو، ويعدد الأزمنة، ويغيِّر كثيراً من الكلمات، إنه مثلاً الأدوات أحرف الجر وما شابه ذلك، إنه إيه عَم تقولوا كلمة، هذه ليست كلمة سمّوها أداة، إنه الكلمة في اللسان العربي هي فعل واسم بس، هذه سموها أداة؛ أدوات كذا، أدوات الجر، سمُّوها أدوات، ما اسمها كلمة؛ لأنه وقت ما تقول كلمة معناها صار لها مفهوم لساني ممكن تستخدمها، يصير له معنى، إنما هي أداة عَم تستخدمها من الأشياء اللي اقترحها يعني، فإذن عندها دراسة الفعل في الواقع، نجد أنه موضوع حصل وانتهى، وفعل يحصل حالياً ويستمر، وفعل يتم طلب فعله لاحقاً بعد زمن الطلب وانتهاء المتكلم منه، ومن ذلك ظهر أنواع الفعل في النظام اللساني حسب ظهوره في الواقع؛ فعل ماضٍ، فعل حاضر، فعل الأمر. طبعاً هذه الأنواع اقترحنا إنه هذه ما بتغطي أساس الأزمنة كلها، لازم يصير فيه تعديل، وطرحنا مثالاً على (قرأ زيد الكتاب) أو (أكلت التفاحة)، فهذا شيء صار ظاهرياً، فإذن أصل النظام العربي كفعل هو ثنائي من حيث الجذر، وهذا الجذر الثنائي ظهر في مرحلة التعقل عند الإنسان، في مرحلة التجمع، قبل ميلاد المجتمع، التعقل جذور ثنائية؛ عندما ولد المجتمع نقطة مهمة نحددها إنه المجتمع هو الأول، ولد المجتمع فتوسع اللسان العربي، وصار فيه ارتقاء من الجذر الثنائي إلى الثلاثي. والجذر الثلاثي استوعب الثنائي؛ دخل معه، صار جزءاً منه؛ مثل (كت، كتب)، فدخل (كت) ضمن (كتب)، فدراسة (كتب) عَم تشمل الجذر الثنائي. هذا الكلام ما بيصير نحن على كلمة ثلاثية، أَنُقَيِّم الحرف الثالث ونتعامل معها ثنائي؟ لأ، أنت قُمت من المبنى، كما أن الزيادة في المبنى زيادة في المعنى، كمان إنه نقصانه من المبنى نقصان من المعنى”.

اللسان العربي ارتقى من الثنائي إلى الثلاثي.. “كت” و”كتب” مثالاً

وأجاب سامر إسلامبولي عن سؤال “بس ممكن للتأكد من فهم فعل ثلاثي أن تعيده إلى الثنائي، مع إضافة معنى الحرف أو الصوت الآخر، ممكن يعطيك قدرة أكثر على الفهم؟”، قائلاً: “ما فيه داعي تعيده، أنت وقت عَم تدرس كلمة (كتب) عم تدرس أنت الـ(كاف والتاء، الثنائية) عَم تدرسه ضمنه، عَم تدرسه بس هون مو (كت)، هون (كتب) فيه صار مبنى زيادة، بدك تدرسها كلها مع بعضها، ثلاثية، (كتب)، أما وقت تدرس (كتب) يعني (كت)، بيطلع معك دلالة الثنائي فقط، ما بيغطي الثلاثي.. هذا يحصل بنفس دلالة كلمة (كتب) ذاتها؛ لذلك أهل المعاجم كلهم اعتمدوا على النظام ثلاثي الجذور، إنه حطوها ثلاثية، والثنائية أهملوا دراستها؛ لأن داخلة بالثلاثي، فإذن عندما ولد المجتمع وتأسس توسَّعَ اللسان العربي وارتقى من الثنائي إلى الثلاثي، وظهر التفكير، فصار التفكير ظاهرةً اجتماعيةً. ظهور الجذور الثلاثية ظاهرة اجتماعية، فإذا اتكلمنا الفعل الثنائي، مرحلة التعقل والتجمع الإنساني، والثلاثي في مرحلة ميلاد المجتمع؛ لا يوجد في اللسان العربي ما يُسمى جذور رباعية أو خماسية أو سداسية، بيدرسوا بالمدارس، بالمقررات، إنه جذر رباعي، ما في جذر رباعي، جذر خماسي أو سداسي، ما فيه.. الجذر فقط ثنائي أو ثلاثي حصراً، وما فوق الثلاثي مضاف ومركب أو مزيد، فإذا بِدِّي أدرسه أنا بِدِّي أحاول أن أقيِّم الأحرف الزيادة، تدرس الجذر ذاته، وبعد ما أدرس الجذر ذاته أضيف الأحرف الباقية، نشوف شو صار، ضربنا مثلاً سابقاً (زلزل)، بادرس أنا (زلزل)، بادرسها من (زل) بس هذا الجذر شو بيطلع معي؟ بعدين بارجع إلى (زلزل)، فبشوف إنه الفعل تكرر، فصار (زل) (زل) (زلزل)، (عس) (عسعس)، بادرسها (عس) وبعدين (عسعس)؛ معناها الفعل عَم يتحرك”.

هل يوجد كلام مركب في القرآن من كلمتَين؟

وقال الباحث والمفكر السوري بشأن “هل ضرورة أن الفعل الرباعي مكرر، مكرر الجذر؟”: “لأ مو بالضرورة؛ بس أنا عَم باجيب أمثلة، لا مو ضرورة، (دحرج) كلمة مركبة؛ (دح) لوحدها و(رج) لوحدها؛ اتحقق هذان الفعلان بشيء معين، (دحرج) اللي هو (دحرج)؛ (دال، الدفع الشديد) (الحاء، اللي هي الأرجحة الشديدة المنضبطة) بعدين بييجي (الراء)، تكرار (الجيم، جهد وقوة، ففعلين، تحقق بوظيفة واحدة؛ فسموها (دحرجة)، أضافوا هيك، بيصير الرباعي أو الخماسي أو السداسي، إضافات. أما أثناء الدراسة فلازم ترجعها إلى الجذر. فإذن (دحرج) بدِّي أدرسها، بادرس (دح) لوحدها، و(رج) لوحدها. كلمة مركبة، هل يوجد كلام مركب في القرآن من كلمتين؟ نعم، هل التركيب اعتباطي اصطلاحي أم هو ضمني؛ ضمن اللسان العربي المنطقي؟ لأ، ضمن اللسان العربي، منطقي ومدروس. مثلاً كلمة (إسرائيل)؛ كلمة مركبة بيدرسها، ما بتندرس إسرائيل، لأ، فككها (إسرائيل) مؤلفة من كلمتَين (إسرا) و(ئيل)، (إسرا) بِدّك ترجعها إلى جذرها (سرى) عملية السريان، (ئيل) اللي هو بداية أو نواة تشكيل كلمة الله، لذلك يقول أهل اللسان، بيقولوا كلمة الله، اسم علم جامد، غير مشتق؛ يعني ما له تصريفات، مثل الأفعال؛ اسم علم جامد، هو جاي من كلمة (ئيل)، (ئيل) تطوَّرَت إلى أن وصلت إلى كلمة الله، (إسرا) (ئيل).. (سرى) من السريان، هو اللي عَم مقصود فيه الحركة الحرة المكررة، السريان؛ ومنها الأمراض السارية المتحركة والمنتشرة، منه (سرى المرض، مثلاً، في جسم الإنسان)، (سرى المرض من جسم الإنسان) حركة هيك أو هيك من سريان”.

وأضاف سامر إسلامبولي: “إسرائيل، (إسرا) فقط، (ئيل) كلمة مضافة، عَم نحكي على (إسرا) فقط، (إسرا) بتيجي إيش؟ من (إسراء) ، (إسراء) عملية الانتقال، فهنا (سرى) بِدّك ترجعها إلى أصلها (سرى) بس، هذا الجذر بتدرسه، فهو (سار)، بس مو إسرائيل، لأ؛ هي كلمة ثانية عَم بتضيف، (سرى) شو بتقصد إذا بِدّك إياه، سار اسم فاعل، فهو سارٍ، سر فهو سارٍ، بس إيه، كلمة تانية اللي عَم بتزيدها (دحرج)، بدك لوحدها دح الرجل ظهر أخيه، ما فيه (رج) بس (دح).. (رج زجاجة الماء)، فعل لوحده، وهذا فعل لوحده؛ بس فيه ظاهرة بالواقع تحقق فيها الفعلان مع بعض، اللي هو الدح، برميل مثلاً، (دحرج) فيه (دح) وفيه (رج)؛ فسموه (دحرج)؛ فعلان مع بعض، فهنا بالقرآن استخدموا (إسرائيل، جبرائيل، ميكائيل)”.

هل “إسرائيل” فعلان؟

وقال الباحث والمفكر السوري بشأن “هل (إسرائيل) فعلان؟”: “لا، اسم؛ هذا اسم كل وحدة لها إسراء؛ بيرجع إلى فعل (سرى)، أما (ئيل) فقط، اللي هي جاية من )آل)، الأصل، أصلها الجذر تبعها (آل، ئيل) بمعنى (آل الشيء) إلى أمر، رجع له، فـ(ئيل) القوة التي نرجع إليها في كل شيء، وكل شيء يرجع إليه، فتطورت إرادة كلمة الله، مَن هو الذي نرجع إليه بأمورنا؟ مَن هو؟ هو المرجع، القوة العظمى التي نرجع إليها.. إسرائيل ليس النبي يعقوب طبعاً قولاً واحداً، النبي يعقوب ابن إسحاق، وابن إبراهيم هو نبي إسرائيل؛ ليس نبياً.. شخص عادي صالح، غالباً هو معاصر للنبي إبراهيم، كما ظهر معي قبل الدراسة وفي رأي آخر، رجعوه إلى النبي نوح؛ هم قالوا ركب معه في السفينة”.

إشكالية مَن حملنا معه في آية “ذرية مَن حملنا مع نوح”

وقال سامر إسلامبولي بشأن آية “ذرية مَن حملنا مع نوح”: “إيه، أشكل عندهم (ذرية مَن حملنا)؛ لا أنا عندي أن إسرائيل ذاته هو ذرية مَن حملنا مع نوح، مو هو موجود مع نوح، هو إسرائيل نفسه وذريته جايين من ذرية مَن حملنا مع نوح، من حملنا مع نوح؛ يعني مو من ذرية نوح، ذرية مَن حملنا مع نوح، ليش مش ممكن تكون ذرية تانية؟ يعني بمعنى مَن حملنا مع نوح؛ الذين تم حملهم مع نوح، لو كان من ذرية نوح لقال فوراً من ذرية النبي نوح، هي ذرية النبي نوح وذريته، وأخد معه ذرية ثانية، ليس من ذريتي بني إسرائيل، وذريتهم من الذين ركبوا بالسفينة مع النبي نوح، مش بالضرورة يكون هو إسرائيل نفسه؛ هو اللي كان مع نوح حسب النص، جاية مع النبي إبراهيم، معاصر له، إسرائيل رجل صالح ليس نبياً حسب الآيات والدراسة؛ يعني بِدها تفصيل”.

وأضاف الباحث والمفكر السوري بشأن آية “.. إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة”: “التوراة نزلت على موسى بعده بكثير؛ فإبراهيم قبل التوراة ما كان يهودياً ولا كان نصرانياً، إبراهيم قبله بكثير؛ فهو معاصر للنبي إبراهيم. ففيه ذرية إسرائيل، فيه ذرية النبي إبراهيم، فيه ذرية النبي نوح؛ ثلاث ذريات موجودة في المنطقة العربية، شبه الجزيرة العربية؛ تكاثروا فيها وتداخلت الذريات؛ لكن معظم النبيين كانوا ييجوا من ذرية النبي نوح أو ذرية النبي إبراهيم أو مِن تداخل ذرياتهم مع بعض أحياناً، بييجي نبي، جزء من ذريته؛ يعني أحد الوالدَين مثلاً من إسرائيل، أما ما بييجي نبي من ذرية إسرائيل خالص ولا نبي يعني من طرف الوالدين؛ كلهم من إسرائيل، لأ؛ لكن من طرف أحد الوالدين ممكن يكون من إسرائيل طبعاً نتيجة دراسة ظنية، ما أحد بيملك براهين، رؤية، ومعطيات اللي بيطرحها الإنسان، فيه صح وأصح. أما ما أحد بيقدر يملك براهين؛ لأنه ما كان أحد عايش بالتاريخ أفهام”.

خرافة تلمودية

وتابع سامر إسلامبولي: “ومرات النص يحتاج إلى دقة أكثر في التفاعل.. الناحية اللسانية كتير مهمة بالترتيب اللي عَم يصير، وإسقاطه على الواقع، ومنظومات.. فنحن يهمنا إذن في كلمات في القرآن مركبة، فيه مركبة؛ منها (إسرائيل) التي تعني (الباحث عن الله) أو عن الحقيقة؛ كون الله هو الحق، اسمه الباحث عن الله؛ لا علاقة له بالنبي يعقوب، والقصة التلمودية؛ إنه النبي يعقوب صارع الرب فصارعه، فألزمه إنه يباركه ويبارك ذريته”.

ليس كل بني إسرائيل يهودياً

وأضاف الباحث والمفكر السوري: “خرافة تلمودية؛ خرافة، كذب؛ النبي يعقوب نبي كريم، ابن إسحاق، ابن إبراهيم؛ لا علاقة له بإسرائيل إطلاقاً. إسرائيل رجل صالح ومن ذريته ذرية بني إسرائيل في المنطقة؛ يعني بالمعنى الشائع اللي نحن بنستعمله الآن عرب بني إسرائيل جزء لا يتجزأ من هذا النسيج الاجتماعي، وعاشوا بجوار ذرية النبي إبراهيم، وبجوار ذرية النبي نوح، وتداخلت الذريات مع بعضها.. فمن بني إسرائيل نحن بنو إسرائيل، نحن مو اليهود ليسوا اليهود. اليهود ملة بني إسرائيل، ذرية؛ فإذن ليس كلُّ بني إسرائيل يهودياً، ولا كل يهودي من بني إسرائيل.. ممكن يجتمعون، ممكن يختلفون؛ فبني إسرائيل كونهم ذرية فهم قسم منهم أتباع النبي موسى، وقسم منهم تبع المسيح، وقسم كفر بالنبي موسى، وكفروا بالمسيح، واستمروا عايشين عندما بعث النبي محمد، قسم منهم اتبع النبي محمد؛ فإذن والقرآن كان يقص على بني إسرائيل، يعني القرآن هل نزل على بني إسرائيل؟ نعم نزل القرآن على بني إسرائيل؛ فإذن كان عَم يخاطبهم، وقت كان النبي في مكة والقرآن نزل عَم يخاطب بني إسرائيل، ولا يعلمهم شيئاً، مختلفون في ما بينهم؛ فإذن كانوا معاصرين للنبي محمد، وموجودين. فإذن هم معنيون بالخطاب؛ هذا الموضوع تفصيلي، بس ما له علاقة فيه”.

الفعل الرباعي.. هل يوجد جذر رباعي؟

قال سامر إسلامبولي: “لا يوجد جذر رباعي ولا خماسي، ولا أي شيء. نضرب مثالاً على الفعل الرباعي، كيف بييجي؟ إذا الجذر هو ثلاثي، الرباعي منين بييجي؟ بييجي بإضافة شيء له ببدايته أو بتركيبته؛ الفعل الرباعي مؤلف من أربعة مقاطع صوتية، فيه واحد من هذه الأصوات مضاف له إما ببدايته أو بآخره، حسب؛ فمهمة الباحث هذا الحرف المضاف، يزيله ليعرف مفهوم الجذر بالضبط. بعدين بيعيد هذا المقطع اللي قامه ليشوف وجه حركة الفعل دون نفي مفهوم الجذر. هذا إضافة له ما بينفيه؛ فالفعل الرباعي أصله الثلاثي، مثل (ضرب) (أضرب)؛ دخل في بدايته صوت الهمزة (أضرب). دخل، طيب هل (أضرب) تجاوزت دلالة الجذر (ضرب)؟ لأ، ما اتجاوزته؛ ساعتها محكومة بالجذر (ضرب)، ولكن دخل الهمزة هذه..”.

الإعراب مبني على الفهم.. لماذا كره الناس النحو؟

واستكمل الباحث والمفكر السوري: “الهمزة عندما تدخل على الفعل الرباعي، بتُسمى همزة الإزالة، فإذا كان الفعل متعدياً بتساويه، لازم، إذا كان لازم بتساويه متعدي ضرب، (ضرب زيد عمراً) بنلاحظ أنه (ضرب) يعني فيه نقطتان؛ النقطة الأولى هي المنطق من باب دائماً إن علماء اللسان يقولون افهم ثم أعرب، ما بيصير تعرب وأنت مش فاهم؛ لأنه إذا ما فهمت ما بتعرب، الإعراب مبني على الفهم؛ لتعرف هذا فاعل، هذا مفعول به.. هكذا، فهنا (ضرب زيد عمراً)، الإنسان بِدّه يفهم فعل (ضرب)، بيلاحظ أنه فيه فعل عَم يصدر منه، هذا يسموه (تعدي المتعدي)؛ يعني اتعدى الفاعل إلى الواقع ووقع على مفعول به؛ فلذلك المتعدي يحتاج إلى مفعول به. هذا الأصل ما بيدرسوه طبعاً للطلاب بهذا الشكل. خلاص احفظهم أنت؛ لذلك كره الناس النحو، مادة صعبة، بينما كان النحو فلسفة وثقافة وتفكير، يعني إذا درسوا النحو بهذا الشكل المعقلن إجبارياً بِدهم يدرسون المنطق، وبدهم يدرسون الواقع؛ الفيزياء، فصارت فلسفة، وأثر بعقليتهم كثيراً جداً، أما درسوها نحواً جامداً مصطلحات، احفظ مضاف إليه، مجرور، بدل مرفوع.. إلى آخره، انتهى الموضوع. فالناس تركته..

فبنرجع إذن (ضرب)، (ضرب، أضرب) إذا ما بنفكر فيها (أضرب زيد عن العمل)، لاحظ (أضرب) الفعل يقوم بالفاعل ذاته، بيسموه فعلاً لازماً، لزمه، ما صدر منه للآخرين؛ فسموه فعلاً لازماً له”.

أمثلة

وأضاف سامر إسلامبولي: “لازم الفاعل.. فإذا بتلاحظ لا يحتاج إلى مفعول به، لا يقبل مفعولاً به. بنجيب أمثلة مثلاً (نام زيد) ما أنت بتسألني المفعول به شو؟ لأ، هو فعل النوم، قائم فيه.. قام زيد، ذهب زيد. كلها أفعال لازمة، بينما تقول لي (قرأ) أقول لك: ماذا قرأ؟ تقول لي (قرأ الدرسَ)، الدرس مفعول به؛ فقرأ فعل متعدٍّ. ضربَ، مَن ضربَ؟ دائماً فيه سؤال ماذا ومَن، مَن ضرب؟ ماذا ضرب؟ طيب فيه مفعول؟..”.

اللازم والمتعدي

وأجاب الباحث والمفكر السوري عن سؤال “يعني كل فعل نستخدمه لنتأكد أنه هل هو فعل متعدٍّ أو لازم؛ لازم نسأل ماذا مثلاً أو مَن؟”، قائلاً: “لا؛ هي إحدى الوسائل، بس هذه ليست عامة، بس إحدى الوسائل المستخدمة.. (نام)، فِيك تسأل ماذا، ماذا نام؟ ما بيظبط السؤال، ما بِده مفعول به؛ لأن بتسأل كيف نام؟ صار ما هو ماذا نام؟ ما بتظبط، ما بِدّه مفعول به؛ فلذلك يقولون الفعل اللازم لا يقبل مفعولاً به، لا يقبل منطقياً، يعني بنييجي نقول حط له مفعولاً به، طيب يعني هذه مثلاً وسائل، هذه صارت زي (أكل زيد التفاحة)، إيه معناها، فيه مفعول به، معناها (أكل) متعدٍّ، فهذه وسيلة، هي الفهم، وإنه تحاول تحطها بجملة، وإذا أشكل عليك الفعل، هل هو لازم، هل هو متعدٍّ، حاول تحط له مفعولاً به، إذا قبل المفعول به فهو متعدٍّ، وإذا ما يقبل المفعول به فهو لازم قولاً واحداً.

(ذهب الولد)، أين؟ حط له مفعولاً به، إلى جار ومجرور، شبه جملة. (ذهب الولد إلى المدرسة)، هذا مو مفعول به، هذه بيسموها (شبه جملة)، جار ومجرور؛ مثل (نام الولد على الوسادة) أو (على الفراش) شبه جملة، المفعول به بيكون الفعل وقع عليها، ما فيه هنا فعل، مفعول به، لا تستطيع أن تضع ذهب الولد، نام الولد، قام الولد.. ما بتستطيع تحط مفعولاً به”.

اختلف المبنى فاختلف المعنى

واستطرد سامر إسلامبولي: “(قام الولد من الفراش)، شبه جملة، جار ومجرور، عَم تعطي حالة أنت الآن، حاله ما آل، أما هنا ماذا مَن، ما بتيجي عليه، بينما قرأ مثلاً زيد، بتقدر تقول لي أنت ماذا قرأ؟ أجاوبك قرأ الكتابَ، طيب بدِّي أستخدم وسيلة ثانية، طيب ما عرفت، يعني أشكل عليَّ الأمر، باقدر أحط مفعولاً به (قرأ زيد الكتاب) قبل المنطق والسياق المفعول به، إذن (قرأ) فعل متعدٍّ فوراً لازم، والمتعدي، هذا اللزوم المتعدي هو قاعدة منطقية ليست اصطلاحية وضعية. لأ، هذا واقع الحال.. هلا نيجي لـ(ضرب) و(أضرب)، (ضرب) فعل إيش؟ متعدٍّ. (أضرب) فعل لازم (أضرب عن العمل)، (ضرب زيد عمراً) صار فيه مفعول به. (أضرب زيد عن العمل) لازم، أنا أضربت وامتنعت عن ممارسة العمل، فالفعل قايم فيني، هذا فعل لازم، هلا شو يعني هذا الكلام؟ وشو بيفيدنا؟ (ضرب) هو الفعل الثلاثي (ضرب) (يضرب)، اسم الفاعل (ضارب) على وزن فاعل، اسم فاعل.. طيب الرباعي (أضرب)، المضارع تبعه مضموم، (يضرب، أضرب) المضارع تبعه مضموم، الأول (يضرب، ضرب، يضرب) مضموم، مفتوحة الياء (ضرب) (يضرب) فهو (ضارب) اسم الفاعل، طيب؛ (أضرب، يضرب) اسم الفاعل ميمي (مضرب)، صار مع إنه الجذر واحد ثلاثي بِدّه يرجع له إجباري، بس بيتغير، صار لازماً ومتعدياً. (مضرب) اسم الفاعل ميمي، مثل (قسط، أقسط)، (أقسط يقسط فهو مقسط)، بينما (قسط يقسط فهو قاسط). طيب (قسط)؛ قسط عندهم كله واحد، لأ هذا غير هذا؛ حتى في القرآن بيختلف ما بين (المقسطين) و(القاسطين). وأما القاسطين الآية القرآنية إنه هي نار جهنم، سورة الجن، المعنى.. أما (المقسط) فمدحه، والله يحب المقسطين، المقسط الله بيحبه، والقاسط في نار جهنم. اختلف المعنى، ليه؟ اختلف المبنى اختلف المعنى، ليس كله واحداً”.

 يطيق- أطاق- طاق.. “وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين”

وقال الباحث والمفكر السوري: “… بالاشتقاقات والتطبيق والتركيب صار فيه زيادة، صار هذا (مقسط) هذا (قاسط) هذا (أقسط).. هذا (قسط)؛ اختلف اسم الفاعل، اختلف.. هذا (قاسط)، هذا (مقسط)، هذا (ضارب) من فعل ضرب، هذا فعل (أضرب، مضرب). طيب، هذا بيفيد بالدراسات؟ طبعاً، بالكلمات القرآنية، بنجيب مثلاً اللي بيهمنا، موضوع (طاق) و(أطاق)، (طاق) الفعل الثلاثي، اسم الفاعل (طائق)، (أطاق) طبعاً (طاق) المضارع تبعها الثلاثي مفتوحة الياء (يطيق)، فهو (طائق). طيب، المضارع الرباعي (أطاق) مضارعها مضموم الياء (يطيق) (مطيق) الميمي، (مطيق) اللي بيهمنا نحن فعل المضارع (يطيق، يطيق)، (يطيق) من (أطاق)، (يطيق) من (طاق). نرجع إلى النص القرآني (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)؛ فهمها المسلمون بمعنى يطيقونه، هي يطيقونه مضمومة الياء من فعل أطاق الرباعي، فهموها من الفعل الثلاثي (طاق)، وقالوا بمعنى (لا يستطيعون)”.

وأضاف سامر إسلامبولي: “(مطيق) هون بقى صفة، دلالة الفعل الرباعي (طاق، أطاق) (ضرب، أضرب)، شو عملت الهمزة؟ أزالت اتجاه الفعل. (أطاق) أزالت الفعل، طاق الشيء إذا قدر عليه بقوة ودون حرج، (طقت هذا الشيء) (أطقت هذا الشيء)، نفس المعنى. (طاق) و(أطاق) هو نفس المعنى؛ جاءت الهمزة هنا للإزالة، أزالت القوة عنك. هذا (طقت) هنا (أطقت)، (طقت) بسهولة وأريحية، عملته دون أي حرج أو كلفة، بينما هنا عندما دخلت الهمزة (يطيق) صار الفعل هو الذي طوقك، يعني أنت الآن لا تستطيع أن تفعله إلا بجهد وقوة وحرج”.

وتابع إسلامبولي: “(وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)؛ (أطاق) الرباعي، يطيقونه طبعاً الهاء راجعة للصيام، وعلى الذين يطيقون الصيام، يعني صار الصيام طوق عليهم، حرج وضيق؛ ففسروها بعضهم (وعلى الذين لا يطيقونه)، وأضافوا اللام، وغيَّروا حركة الياء من الضمة إلى الفتحة؛ تحريف بالدراسة”.

التحريف بالدراسة وخطأ الدكتور شحرور

وأجاب الباحث والمفكر السوري عن سؤال “هل من هنا الدكتور شحرور وقعَ في الخطأ يعني؟”، قائلاً: “إيه، خطأ لساني؛ يعني صار فيه نقاش بيني وبينه بدمشق من زمان في هذا الموضوع، اعتبرها (ثلاثي) وقال إنه يطيق يعني يستطيع، وخطأ تاني هذا عندما فسَّر الطاقة بالاستطاعة.. (طاق) شيء و(استطاع) شيء آخر؛ الاستطاعة هي وصف لكامل القوة الكامنة في الإنسان، اسمها الاستطاعة، بداخل الاستطاعة فيه طاقة إلى مستوى معين. هذه الطاقة تبعك؛ يعني الأمر الذي تقوم به ضمن راحتك دون أي جهد أو كلفة، هذا اسمه طاقة. أما إذا تجاوزت الطاقة تبعك صرت أنت الآن عَم تستخدم القوة المتبقية؛ اللي هي الاستطاعة، أقرب مثل لهذه الفكرة هو المتسابقون في الجري مثلاً ١٠٠ متر؛ فالمتسابقون مثل ما وصلوا إلى ٥٠ متراً، انتهت الطاقة تبعهم بعد ٥٠ متراً، يبذلون فوق طاقتهم جهداً.. فوق طاقتهم، عَم ياخد القوة من الاستطاعة، إذا وصل إلى نهاية السباق ارتمى بالأرض، حتى الاستطاعة راحت. طيب شو النقطة هنا؟ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ما قال ما طقتم؛ لأن الطاقة هي على راحتك، هذه طاقتي أنا ..”.

اللازم والمتعدي في فهم نصوص القرآن

وأجاب سامر إسلامبولي عن سؤال “كيف يمكن الاستفادة من اللازم والمتعدي في فهم نصوص القرآن؟”، قائلاً: “ضربنا مثلاً (وعلى الذين يطيقونه)، إنه جاي هو بالفعل الرباعي من (أطاق) وليس من الفعل الثلاثي (أطاق) ولا مضارعه (يطيق) مفتوح الياء، وهذا الكلام بيغيَّر فهم النص كله كاملاً، فوصلنا إلى الاستطاعة؛ إنه الاستطاعة هي القدرة الكاملة اللي في داخل الكائن، بينما الطاقة جزء منها، فممكن الإنسان عندما يمارس عملاً ضمن جهده وقوته، يستهلك طاقته؛ ولكن ما زال يمارس العمل، لكن بيصير يستخدم الاستطاعة، وهذا يكلفه جهداً، وقوة الاستطاعة أوسع من الطاقة. أما مو الطاقة استطاعة والاستطاعة طاقة، لأ، في خصوص وعموم الطاقة قوة كامنة داخل القدرة الكبيرة اللي هيّ الاستطاعة”.

وقال إسلامبولي بشأن “قصة الذين يطيقونه، يعني صار مفهوم وعلى الذين يطيقونه”: “وعلى الذين يستهلك الصيام طاقتهم ولا يقدرون على الصيام إلا بجهد ومشقة شديدة، صار لأنه من الفعل الرباعي (أطاق)، بينما (وعلى الذين يطيقونه) طبعاً ما بيظبط النص منطقياً، بيصير بس جدلاً لو كان وعلى الذين يطيقونه، صار الصيام ضمن طاقتك وبسهولة أنت تصومه ضمن طاقتك”.

إشكالية خطأ شحرور في “وعلى الذين يطيقونه”

وتابع إسلامبولي ردًّا على “هذه النقطة هي اللي دفعت الدكتور محمد شحرور، إنه اعتبر أنه كونه أنت عندك الاستطاعة أو الطاقة أن تصوم؛ لكن أنت ما بدّك تصوم، فمفروض إيش؟ تدفع فدية”: “الخطأ وقع إن هو عندما فهم كلمة يطيق يعني، (يطيق) أرجعها إلى الفعل الثلاثي، هي من الفعل الرباعي، هذا أول خطأ، الخطأ الثاني وقت فهم كلمة كمان (يطيق) بمعنى يستطيع، لأ، يستطيع أوسع من يطيق”.

وأضاف الباحث والمفكر السوري: “والفدية هي بدل مو كفارة؛ لأنه الكفارة ما فيه معصية ما فيه خطأ. أنا صار فيه عندي حرج بشدة، ما عندي يعنى قدرة أن صوم فما فيه هون شيء اسمه كفارة، فدية مثلاً تفدي نفسك من شيء، مثل امرأة بتفدي نفسها مثلاً من زوجها وقت بتسامحه مثلاً بجزء من المهر..”.

وأجاب إسلامبولي عن سؤال “كيف استطردت الآية (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين… وأن تصوموا خير لكم)؟”: “إيه؛ فمَن تطوع خير له وأن تصوموا خير لكم.. هذا السياق بينقض المفهوم اللي طرحه شحرور، إنه والله إنه تدفع فدية وتفطر وأنت بالخيار يعني أنت حر، تصوم وما بتصوم عادي، بينما النص (وأن تصوموا خير لكم)، لأ، فيه مطلب من النص نحو اتجاه فعل الصيام؛ لذلك (وأن تصوموا خير لكم). إذن الصيام مطلب من البداية؛ الصيام مطلب، طب فيه عندك مشكلة، فيه حرج؟ ما إنك قادر تصوم؟ القرآن كتاب حيوي يتعامل مع الواقع؛ لذلك مثلاً بالفقه بينسبوا قول ابن عباس على نفس النقطة هذه، على الذين يطيقونه، شو معناها؟ قال مثل المرأة الحامل أو الشيخ الكبير بالسن، ما فيه مرض له عذر لوحده، ما فيه مرض، امرأة حامل، طيب يطيق الصيام بمعنى إيه؟ يطيقه، يطوق قدرته، بيشل حركته، بيسبب لها حرجاً، فقا لها اتحولي إلى الفداء؛ لكن هو أن تصومي خير لكِ، الشيخ الكبير بالسن نفس الشيء؛ مو مريض ولا فيه أي شيء، بس يعني بيصيبه حرج، ومنها قياساً عليها ذوو الأعمال الشاقة في المجتمع، ما فيه شيء مرض ولا أي شيء، ومنها بعدين عممها”.

وقال الباحث والمفكر السوري: “الآية الأولى (كتب عليكم الصيام) لا يُقصد بها امتناع عن الطعام؛ ما لها علاقة، نحن هنا عَم نحكي عن صيام رمضان.. ٣ صور بدّك تجمعها هنا في التداخل، إنه بييجي نص بيغطي الاتنين (يعني آية “كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر”)، و(وعلى الذين يطيقونه) و(وأن تصوموا خير لكم) شاملة اللي قبلها، اللي هو كُتب عليكم الصيام، بالمعنى اللي انطرح، أن الإنسان إذا ما عنده قدرة يمتنع عن هذه الأمور، يحاول في المرة القادمة يمتنع، وأن تصوموا خير لكم، وأن تمتنعوا خير لكم؛ اللي أنتم فيها أفضل ما قدران، مو كل الناس عندها القدرة على الإمساك عن التعاطي ببضائع معينة لا بأس”.

تفنيد إشكالية “فمَن شهد منكم الشهر فليصمه”

وأضاف إسلامبولي: “الآية اللي بعد منها بتيجي (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمَن شهد منكم الشهر فليصمه)؛ ما شهد الشهر ما بيصوم، شو حكمه؟ طيب هلا هنا تقاطع النصوص مع بعضها، طيب شهود الشهر مقصود فيه إيه؟ شهود فلكي مو شهادة. المتعارف بين الناس شهر رمضان بيدخل فلكياً على الأرض؛ سواء أنت عرفته أو ما عرفته الناس كلها بتعرف دخل، ودخل على كوكب الأرض كله، طيب أنا ما شايفه آه أو ما شهدته، أنا بمعنى إيه؟ أنا ما شهدته، أنا موجود في النرويج ما شهدته. لشهر رمضان كظاهرة فلكية نهار وليل معتدلان، عَم بيجيني ثلاثة أربعة أشهر ليل، أنا ما شهدته، أو بيأذن المغرب وقت بييجي شهر رمضان حسب التقويم اللي عَم يتعاملوا معه؛ بيأذن الساعة واحدة بالليل، تنتهي الليل بِقَد إيه”.

وتابع الباحث والمفكر السوري: “وشهد هنا بمعنى حضر؛ حضر وعلم، علم إجباري، حضر ظاهرة شهر رمضان فلكيةً في بقعة جغرافية متساوية.. وشهد أي شهد منكم الشهر، طبعاً شهر رمضان”.

هل يمكن مشاهدة الزمن؟

وأجاب إسلامبولي عن سؤال “كيف يمكن أن نشاهد الزمن؟”، قائلاً: “مو تشاهد، تحضر؛ مو الزمن، أثره، علاماته.. دخل شهر رمضان إجباري، بِدّي أدخل، ما بتعرف. بتسأل الناس عن دخل شهر رمضان.. العام 12 شهراً، هي بينها أربعة أشهر، فالعام هذا 12 شهراً بينها شهر رمضان.. وشهر رمضان هو من الأشهر القمرية، شهر رمضان فترة زمنية ثلاثون يوماً أو 29، حسب التقويم، هذا شهر رمضان.. ولفظة شهر هنا هي فترة زمنية تتعلق بمنازل القمر”.

شهر رمضان.. شهر زمني أم شهر من الإشهار؟

وقال الباحث والمفكر السوري بشأن “هل شهر رمضان هنا يعني شهراً زمنياً أم شهراً من الإشهار؟”: “لا؛ يعني وقوع مجموعة من الدلائل البيئية تشعرك بوقوع الشهر.. الإشهار يعني؛ مو الإشهار بس إذا طرحته بهذا الطرح رجعت ما آل الفكرة تبعك إنه هي بالنهاية شهر، هي شهر، وهذه الإشهارات عَم تحصل خلال فترة زمنية، منازل القمر اللي عَم بتصير، هذه كلها إشهارات، كلها مجموعة اسمها شهر، عددها المنازل عَم يتم إشهارها ضمن ٣٠ يوماً، فصار اسمه  شهراً”.

الربط بين الشهر والقمر

وأجاب سامر إسلامبولي عن سؤال “كيف صار فيه ربط ما بين الشهر والقمر؟”، قائلاً: “الشهر كيف يصير، يعني إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً.. والعدة من العدد؛ يعني مو العدة من الأدوات، لأ؛ فيه علاقات.. والسياق أشهر وشهور، كلاهما جمع (شهر)، وتجمع (أشهر) و(شهور) ضمن سياقات معينة، أما كلاهما فجمع (شهر)”.

عدة الشهور ومنازل القمر

وأجاب الباحث والمفكر السوري عن سؤال” لما أقول عدة الشهور، يُفهم منها أن مجموعة من الإعلانات أو مجموعة من القرائن يتم إعدادها، وأن هناك 12 عداداً في السنة من يوم ما خلق الله الأرض، هذه الأشهر ما كانت تُسمى رمضان؟”، قائلاً: “لا؛ ما لها علاقة. الاسم، الأسماء ليست مشكلة، الأسماء إما هي حالة فلكية ظاهرة، هذا العام؛ اللي هو الدورة الكاملة حول الشمس، عام، هذا العام بداخله فيه أشهر من الإشهار لا شك من شهر، هذه الأشهر 12 شهراً.. كلمة شهر هنا عَم تحتوي الإشهارات التي حصلت ضمن هذه الفترة اللي هي منازل القمر، فصار منازل القمر”.

وأضاف إسلامبولي بشأن الدلالة التي تشير إلى منازل القمر، قائلاً: “تقاطع النصوص كلها مع بعضها؛ إنه الشهر هو فترة زمنية، الفترة الزمنية الشهر شو؟ هي منازل القمر اللي منذ ولادته إلى أن يختفي، هذه المنازل هي القمر كلياتها، هي إشهارات، مجموعتها اسمها شهر، كم مرة عَم تتكرر بالسنة؟ 12 مرة، 12 شهراً”. 

وأجاب الباحث والمفكر السوري عن سؤال “يعني آجي أقول فمَن شهد منكم الشهر فليصمه، ومَن لم يشهده لا يصمه؟”، قائلاً: “طبعاً ما بده يصومه أصلاً، يعني إذا كان عندي ثلاثة أشهر ليل، أنا بالنرويج مثلاً، شلون بِدّي أصومه؟ يعني أنا بِدّي صوم شهر، والشهر هو ٣٠ أو 29 يوماً بنهار وليل معتدلَين، فأنا إذا كنت ببقعة جغرافية معينة، الطقس أو الجو مو بهذا الشكل، ثلاثة أشهر ليل، عندي أنا، أو الشمس ما بتغيب لواحدة بالليل، فهذا ما شهدته، أنا ما شهدت ظاهرة شهر رمضان كشهر قمري، كما ينبغي معتدل. طيب، شو أعمل؟ مو علمت بحضور شهر رمضان على الكوكب الأرضي، لأ، هذا الوقت الآن شهر رمضان، نحن بس أنا كوني بالنرويج لم أشهد هذه الظاهرة الفلكية بشكل متوازن، فأنا فوراً ما باصوم، شو باعمل؟ هلا بييجي النص هنا للسؤال اللي أنت طرحته بارجع إلى النص الذي قبله، بياخد حكم الفداء رغم أنه ذاك عَم بيحكي، والذين يطيقونه هنا هاد بياخده ناحية فقهية، صار يلحق بهذاك، ما تقدر تصوم”.

الفعل ومدلول اسم الفاعل

وقال الباحث والمفكر السوري: “اسم الفاعل والفعل.. نبدأ إذن بالفعل، الفعل نحن حكينا أنه الفعل هو ظهر في اللسان العربي نتيجة ظهور الفعل في الكون، إنه اللسان العربي صورة انعكاسية، فيه فعل ظهر الفاعل. طيب بالكون الفعل بدّه فاعل؛ لأنه الفعل لا يوجد له كيان ذاتي، يوجد نفسه بنفسه، الواقع فعل حركة بدّه محرك، فعل بدّه فاعل، فهذا الموجود بالواقع انتقل إلى المنطق، لا بد لكل سبب من مسبب، لا بد لكل حركة من محرك، وبنفس الوقت دخل للسان العربي كمان قال له لا بد لكل فعل من فاعل، فمجرد أنت شفت فعل في الجملة ابحث عن الفاعل، قد تجده وراءه، تجده متأخراً جداً، قد تجده ضميراً، أما فيه فاعل ليه؟ لأنه فيه فعل؛ لذلك أهل النحو وقت بيعلموا الطلاب إنه إذا وجدت فعلاً في الجملة، معناه فيه فاعل، إذا وجدت فعلاً فيه فاعل، ابحث عنه؛ ما بيصير تسكت، ما تعربه، أين الفاعل؟ الفعل بده فاعل، بدك تعربه، إما ظاهر وإما مستتر وإما مقدر”.

الفاعل محور الجملة.. لولاه ما وجِدَ فعل ولا مفعول به 

وأضاف إسلامبولي: “تعربه المقصود توضحه، ومين الفاعل زي ما بتقول، والفاعل ضمير مستتر مثلاً تقديره هو مثلاً، إذا ما كان موجوداً؛ مثلاً (أكل التفاحة) كلمة من الناحية اللسانية صواب، طيب أكل فعل، التفاحة مفعول به، أين الفاعل؟ بدك تعربه، إذا ما عربته الأستاذ بيروحلك تلت الإعراب من العلامة، إذن بيعطيك مثلاً ٣ علامات على هذه الجملة، بيروحلك علامة فوراً، ليه؟ أين الفاعل؟ طيب هلا فيه نقطة هنا مهمة جداً؛ إنه الجملة هذه المرتبطة (فعل، فاعل، مفعول به) ما محور الجملة الأساسي اللي أوجد الفعل والمفعول به؟ هو الفاعل؛ لولا الفاعل ما وجِدَ فعل ولا وجِد مفعول به. إذن محور الجملة هو الفاعل، لماذا؟ لأن هو الأصل، ودائماً الفاعل يسبق فعله بالوجود في الواقع، مَن يسبق: الفاعل أم الفعل كوجود؟ الفاعل دائماً يسبق فعله، ما بيصير فعلك يسبقك؛ لأنه أنا الفاعل، فدائماً الفاعل سابق في وجوده عن فعله، هذا نفس الكلام ينطبق على موضوع إثبات وجود الله.. الله فاعل، فهو سابق في وجوده عن وجود فعله، كون هو أزلي، فإذن هو مغاير لفعله من حيث المنظومة، منظومة الله أحادية، منظومة غير الله فعله ثنائية حركية، الله أحد صمد. المنظومتان مختلفتان تماماً؛ لذلك ليس كمثله شيء إطلاقاً، ولا تدركه الأبصار، ولم يكن له كفواً أحد، هو فوق التخيل أو التصور. التخيل والتصور مرتبطان بحالة الحركية والحادثة، طالما إذن فيه فعل فيه اسم فاعل. اسم فاعل الصيغة، اسم فاعل..”.

كاتب- الكاتب.. سرق- السارق

وتابع إسلامبولي: “فعندنا فعل (كتب) اسم الفاعل لكتب (كاتب)، ضرب (ضارب)، فيه اسم فاعل. طيب، الواقع اللي بنطلع فيه الاتنين.. من خلال الواقع بنلاقي إحنا أن الفعل، الزمن جزء منه، لا ينفك عنه، بينما اسم الفاعل صار اسماً والأسماء لا علاقة لها بالزمن، بيقولوا الاسم هو كلمة تدل على معنى وليس الزمن جزء منه.. كاتب ما لها علاقة بالزمن، ماض، حاضر، مستقبل، ما لها علاقة. بينما (كتب) عم تدل على زمن مضى، طيب شو بيفيد هذا المعنى إذا أسقطناه على الواقع؟ وشو بيفيد اسم الفاعل؟ باقول مثلاً (زيد كاتب) طيب كاتب شو تفيد؟ هل تفيد أن هذا الإنسان يكتب بشكل مستمر لا يقف أبداً؟ لأ في كمان دراسة، في عندنا اسم فاعل معرف بـ(ال) التعريف، الكاتب، وفيه كاتب عندنا مثل في بلاد الشام بيقول (مو كل مَن صفّ الصواني صار حلواني، ولا كل مَن دق مسماراً صار نجاراً)، لأ، دقيت مسمار إيه؟ دقيت مسمار ومسمارين، ما باصير نجاراً، كتبت جملة وجملتين وصفحة وصفحتين ما بيصير اسمك الكاتب، بيصير اسمك كاتباً، وبده تضيفها كاتب صحفتين، كاتب كذا.. بالإضافة، فباعرف أن هذه مو مهنتك، وهذا الاسم الفاعل غير لازم لك، هو حالة مؤقتة، متى يصير اسم الفاعل لازماً بهذا الإنسان؟ عندما يمتهن الفعل، بيصير شغلته، فصار اسمه الكاتب، طبيعته كاتب، كاتب كتابَين وثلاثة وعَم يكتب، فصار اسمه الكاتب، فعندما نسميه الكاتب ليس شرطاً يكون أثناء الكلام عَم يكتب، بس هو كاتب أكيد سابقاً وما زالت مهنته.. ممكن يكتب، فمهنته الكاتب، فإذن اسم الفاعل دون (ال) التعريف، كاتب، ينبغي أن نضيفه لذلك. مثلاً بسورة يوسف، وقت حطوا الصواع في رحل أخيه، فنادى المنادي إنكم يا قوم لسارقون. هنا (لسارقون)، سارقون جمع سارق، اسم فاعل، بس مو معرف، بس جاء متعلقاً بحدث (سارقون)، بهذا الحدث مو شغلته، هو سارق، (السارق) يعني حرامي بالأصل، هذا الإنسان سرق مرة واحدة، فهل الذي سرق مرة واحدة بنسميه سارقاً؟ إيه نعم، بس لازم تحدد شو سرق؟ تفاحة، بنقول سارق التفاحة، بس أما ما بيصير تقول له السارق هكذا بشكل معرف دون إضافتها أو تحديدها بأي شيء، شو معنى هذا الكلام؟ بنيجي لنص السارق والسارقة، معرفين وغير محددين لمضافين؛ لكن أخذ اسم الفاعل المعرف ما عدا السارق والسارقة هنا بالنص بيقصد فيه مين الذين يمتهنون فعل السرقة”.

واستكمل الباحث والمفكر السوري: “والمثبت عليه فعل السرقة سارق كذا، بس سارق كذا ثبت عليه سارق كذا، له عقوبة خاصة، إذا بتلاحظ بقوانين الأرض كلياتها في شيء اسمه ملفات يحتفظ فيها للمجرمين، فأي إنسان بيجي الحديث عهد بيشوفوا له سوابق، فإذا له سوابق بتختلف العقوبة تماماً؛ لأنه أول مرة.. أما واحد أول مرة وابن عيلة وكذا.. يعنى أصلحك الله، ليش هيك عملت؟ يلَّا شهر زمان، أما واحد فايت طالع، طالع فايت عَم يسرق، السارق صارت مهنته هذه.. والقاتل يختلف؛ من مرة واحدة بيصير القاتل، بس القاتل مجرد قتلت طبعاً القتل العمد؛ مجرم قاتل فوراً هلا إذا تكرر القتل صار قتالاً من المبالغة كما يحصل في الواقع، قتالين، أما القاتل فبياخد اسم الفاعل المعرف من أول مرة فقط لقتل الإنسان أو ما سوى ذلك، لأ كمان نفس الشيء الزانية والزاني، إذا بتلاحظ معرفان مهنتهما الزنى، غير الفاحشة، هذه المرة الواحدة فاحشة، فلان مارس فاحشةً، هلا الفاحشة حرام طبعاً، حرام ما في محل خلاف..”.

وقال إسلامبولي: “القرآن كله ما له علاقة بالفاحشة، هو جاي على الزاني والزانية.. والزاني فاجلدوه، هذا الفاحشة، مو زانٍ، هذا مارسَ فاحشة حرام؛ لكن المجتمع ما دخله؟ طب شو الفرق بينهما؟ بالفرق بينهما بنعرف عن الموضوع”.

كل زنى فاحشة وليس العكس

وأضاف الباحث والمفكر السوري: “المهنة كل زنى فاحشة، كل زنى هو فاحشة. العكس غير صواب، مو كل فاحشة زنى. إذن الزانية والزاني يعني الذين يمارسون الدعارة في المجتمعات مهنتهم هدول محل العقوبة. الزانية والزاني إذا بتلاحظ؛ لأنه فعل متعدٍّ للمجتمع، بينما اللي بيمارس الفاحشة فعله لازم وخاص ما بين طرفَين فقط، ما له علاقة. المجتمع ما أذى أحداً؛ لكن المجتمع لا يتدخل بهم، ليه؟ عمل خاص بهم ما حدا يتدخله، أما هذا الزاني تجاوز الدائرة وتعدى على المجتمع، فصار فيه تهديد للأخلاق والمبادئ والقيم في المجتمع، فبيتدخل المجتمع ليردعه، فله العقوبة اللي هي الجلد، ما فيه رجم في القرآن أبداً، هذا الزاني سواء أكان متزوجاً أو غير متزوج، العقوبة الجلد نفسها، وطبعاً بشرط يشهد على فعلتهما طائفة، يعني بيفكروا إنه الجلد حاجة سهلة مو موضوع الألم الجسمي جلده مثلاً ١٠٠ ضربة على ظهره، ضمن شروط صحية ما بيصير تقتله، ما بيصير تكسر ضهره.. إلى آخره. بالنتيجة هو إنسان ما بيصير أنت كمجتمع تدمره، لازم تحافظ على إنسانيته، العقوبة القصوى المزعجة للزاني هي يشهد على عذابه طائفة من المؤمنين، بمعنى حالة إعلامية؛ بتيجي الصحافة والإعلام يغطوا الحدث تبعه، ينبثّ بوكالات الإعلام. صارت فضيحة كبيرة جداً، هذا فلان ابن فلان أخو فلان، أمه فلانة، وأولاده لا.. أولاده يروحوا على المدارس طبعاً، بنحكي على مجتمع هو بالأصل يدين ويجرم الزنى، مو بالأصل مرخصها ومباحة؛ يعني مجتمعات أوروبية وغيرها. لأ، المجتمعات المحافظة، فعندهم إياها شغلة كبيرة، حتى الإنسان بعد هذه العقوبة لن يستطيع أن يرجع يسكن في نفس الحي أو يمارس عمله إجبارياً، هو بده ينفي نفسه بنفسه، ياخد حاله ويطلع برات البلد، إنه ما عاد مقبولاً إطلاقاً، فهذا اسم الفاعل معرف، وغير المعرف الفعل هو شيء بيمارسه الإنسان مرة واحدة، جينا لموضوع الكافر، كمان مهم جداً، طبعاً السارق كمان وضحناها إنه هو المهنة.. قطاع طرق امتهن، أما سرق مرة واحدة ما اسمه السارق، نفس القواعد هذه بِدنا نطبقها كمان على الكفر والكافر، كفر الكافر مو كل مَن كفر بنقدر نقو له إنت الكافر، لأ؛ كفر نقول له كفرت بقولك كذا ممكن أنا الآن عندي كلمات معينة بالنسبة إليك اسمها كفر، لأنه كفر يعني غطَّى، تغطية الشيء”. 

إمكانية الكفر بالرأي

وأجاب سامر إسلامبولي عن سؤال “هل ممكن أنا أكفر برأيك أو تكفر برأيي؟”، قائلاً: “نعم، أنا أكفر برأيك، أنت تكفر برأيي.. إيه، هذا لا يعني أنه أنت الكافر وأنا الكافر، فيه فرق بالدلالات؛ قد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، كفر يعني إيش؟ عم يتكلموا بهذه المقولة، لقد كفر الذين قالوا.. سواء لسان القول أو لسان الحال، هذا المفهوم كفر يعني خلاف الحقيقة؛ لأن الله واحد أحد صمد”.

إشكالية فهم “كفرَ” وَفق “لا إكراه في الدين”

وقال سامر إسلامبولي بشأن إشكالية القول بالكفر: “هنا النقطة إنه مو الشخص كافر قوله كفر، فأنت تناقش قوله يا فلان اللي هو ممكن يكون جاري، صديقي، زميلي بالعمل، أنت يا أخي هذا كلامك كفر؛ لأنه الله واحد أحد، وباجيب له البراهين، وبعدين (لا إكراه في الدين)، اقتنع ما اقتنع هو حر؛ يبقى زميلي، يبقى جاري؛ بنمارس الحياة وياه، نحن سوا مع بعض مواطنين صالحين في مجتمع واحد..”. 

مَن هو الكافر؟.. ولماذا “داعش” كافرون؟

وأضاف الباحث والمفكر السوري بشأن “قُل يا أيها الكافرون”: “الكافرون اسم فاعل، الكافر مفردة الكفرة، مَن هو الكافر؟ التعريف بالقرآن هو الذي يغطي الحقيقة ويعادي أهله؛ يعني صار العدواني المحارب.. العدواني المحارب، تستطيع تطلق عليه اسم الفاعل المعرف دون ما تضيف له أي شيء. الكافر، الكافرون، السارق، الزاني.. ما عاد فيه داعي تضيف شيء خلاص، الكافر شو معناها؟ مو أقواله كفر، لأ؛ سلوكه عدواني هجومي، يعني مثلاً (داعش) الكافرون ليه؟ أفعال تقوم على الظلم والعدوان. الكافرون اليهود، الكافرون ليه؟ مجرمون، ظلم وعدوان، ما لي علاقة بقناعاتهم أنا؛ عشان ما لي علاقة بقناعاتهم، ممكن تكون قناعتك صح الفكرية، وتقول لا إله إلا الله واحد أحد.. وإلى آخره؛ ولكن سلوكك إجرامي عدواني، فأنت الكافر، (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون)، أعبد طبعاً الكلمة العامة، تبدأ من الخضوع والطاعة؛ فلا أنا أخضع ولا أطيع ما تخضعون وتطيعون له؛ من جهاد أنتم عاملينه. الآلهة اللي هنا أرباب الظلم وما شابه ذلك، لأ، أنا أعبد الله الحي القيوم الذي من أسمائه الحق والسلام، فأنا أتمثل بأسماء الله عز وجل، وأطبق الحق والسلام، وأتبعه، هذا اسم المؤمن؛ فإذن الكافر هو رجل امتهن العدوان والظلم في المجتمع بصرف النظر عن قناعته، سمَّى نفسه مسلماً، سمَّى نفسه دينياً لا دينياً، ما بيهم التسميات، أما هو الكافر وهو عدو”. 

هل الكافر عكس المؤمن؟

وتابع إسلامبولي: “الكافر عكس المؤمن؛ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون.. عكس المسلم مجرم، المسلم من السلم والسلام؛ فعكسه جرمي عدواني، المؤمن كافر ضده، يعني رفض الأمن والأمان، صار إرهابياً؛ الإرهابي كافر، ما فيه داعي تضيف له شيئاً أبداً، الكافر يعني رجلاً خرج عن المجتمع”.

مَن يخرج عن العرف والتقاليد في المجتمع كافر 

وقال سامر إسلامبولي: “الذي خرج عن المجتمع وتحول إلى مصدر إرهاب وصار يمارس الأذى والفساد والإرهاب على المجتمع، اسمه الكافر، بصرف النظر هو شو بيقدم نفسه أو شو شكله، بيسمِّي حاله مثلاً أتباع النبي موسى وأتباع النبي المسيح وأتباع النبي محمد، ما بيهم التسميات، ليه؟ لأنه الأمر بالمضمون، هذا هو الفعل اللي هو كفر، الكافر هذه نقطة مهمة جداً.. مثلاً المسيحيين الموجودين بمجتمعنا، لأن بيتمتعوا بنفس المواصفات المواطنة، يعني مثلنا مثلهم، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، مسلمين ومؤمنين بالمعنى اللساني، بالمعنى الكوني، مواطنين؛ ممكن يكون جاري، شريكي بالعمل؛ بنتشارك بنتعاون مع بعضنا البعض، لكن عنده مفاهيم كفر، أما هو مو كافر، هو مسلم، مسلم مثلاً إنساني، وهذا الكلام ينطبق نفسه على المسلمين، حتى بقلب المسلمين بيكفروا بعضهم؛ يعني السلفية والصوفية، وكذا كافر ما بيصير تقول له كافر، قُل له أنا أرى قولك كفراً”.

الكفر عملياً سلوك.. تكفر بماذا؟

وأضاف الباحث والمفكر السوري: “يعني حسب ما كان يقول الدكتور أحمد شحرور إنه الكفر هو يعني مقال.. مقال نعم، سلوك؛ هو عملياً سلوك (وإذا قال لك فلان كفر، لازم تسأل كفر بماذا يا أخي؟)، إيه إذا هو الأصل ما بيصير يستخدمها بالإضافة يعني التحديد اللي هو تسأله كفر بماذا؟ فلان كفر؛ كلمة ما لها معنى، أعطني معنى تبعها، ضيفها، (يعني لا يكفي تقول فلان كافر، كافر بشو؟ أو بماذا؟( إيه إذا كافر دون (ال التعريف) فلان كافر طبيعي، أسـألك أنا بماذا كفر؟ والله كفر بكذا وكذا، جيد. بس نقطة، أما بدك تقول لي فلان الكافر، أنا بافهم منك إن هو مجرم وعدواني، وهذا عَم يشكِّل فساداً للمجتمع أو إرهابي، هل هو كذلك؟ لا، لا تسميه الكافر، بس يعتقد بكذا ويعتقد كذا، إيه قُل كفر بقوله كذا أو كافر بقول كذا.. لا بيجوز تستخدم (ال التعريف) الكافر، ما بيصير، فلذلك بالمسلمين فيه شيء اسمه كفر، أنا أكفر بقولك وأنت تكفر بقولي، كفرت عندما قُلت الجملة الفلانية؛ يعني أخطأت، يعني غطيت الحقيقة، جانبت الصواب. أما ما لك علاقة أنت كشخص، فإذن الكفر كفعل كفر، واسم الكافر يتعلق بأقوال الإنسان ليس بشخصه، أما الكافر فيتعلق بالشخص ذاته (ال التعريف) كممارسة يعني صار إرهابياً ومفسداً في المجتمع”.

وتابع سامر إسلامبولي “وهذا صار اسم فاعل؛ اسم فاعل ملازمه، إذا اتعرف ما بين (سارقون) (السارقون)، لذلك السارق والسارقة، الزانية والزاني؛ أعمال لازمة ممتهنة، فإذا الزنى اللي مرقنا عليها.. وأيضاً الذين كفروا غير (يا أيها الكافرون).. طبعاً الذين كفروا مثلاً بمسألة معينة، هو بحدث معين، هل بالضرورة يكونون مجرمين؟ لأ مو بالضرورة، كفروا بجزئية محددة أو بموقف ما.. بس بهذه الجزئية، هو كفر بها إذا ماحولوا كفرهم من القول أو التصور إلى حالة سلوكية عدوانية للمجتمع، ما بيصير اسمهم الكفار ضلوا إيش؟ كفر فعل، كفر، وإن بقوا في مسائل تصورية، الله ما بيحاسب على التصورات؛ بيحاسب على الأعمال، هذا الحساب تصورات ما لنا فيها.. تصوراتك عن الله غير تصوراتي”.

العمل هو المقياس

واستكمل إسلامبولي: “أنت تصوراتك عن الله غير تصوراتي غير تصورات السلفي غير تصورات الصوفي غير المسيحي؛ الله ما بيحاسب على التصورات إطلاقاً والأفهام والقناعات، يحاسب على الأعمال؛ سواء الجنة أو النار، يعني ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون، نفس الشيء؛ ادخلوا جهنم بما كنتم تعملون، فالعمل هو المقياس؛ العمل الاجتماعي، كمان نقطة مهمة جداً، وليس العمل الفردي؛ يعني مو صلاة وصيام تبعك، هاي بتصلي وبتصوم هي حالة خاصة فيك، يعني مثلاً إذا اعتبروها عملاً، هي أصلاً خارجة عن الموضوع؛ فليست مقياس لصلاح الإنسان”.

الصلاة والصيام وحفظ القرآن ما لها علاقة بمقومات الزواج

وأضاف إسلامبولي: “بينما مثلاً بالمجتمعات، مثلاً بلاد الشام؛ واحد بيخطب واحدة بتصلِّي، أول سؤال بيسأله بتصلِّي؟ وكأن الصلاة هي من مقومات الزواج، بتصلي، وفلانة حافظة القرآن؛ هو حافظ القرآن، هل من مقومات الزواج الصلاة وحفظ القرآن؟ بتلاقي إنسان سيئ أخلاقياً وبخيل ربما وفاشل بحياته، ما له علاقة هاي مقومات الزواج، إله مقومات تتعلق بأسرة الزواج، إذا فاقدها لا يصلح للزواج، بصرف النظر بيصلي أم ما بيصلي.. الصلاة، الصيام، حفظ القرآن ما لها علاقة بمقومات الزواج. فإذن العمل هو مقياس، العمل الاجتماعي وليس العمل الفردي إطلاقاً؛ لذلك تارك الصلاة ما فيه عليه عقوبة.. بالآخرة، ليه؟ لأنه هاي إلك، ليه؟ لأنه فعل لازم ما له متعدٍّ، الله بيحاسب بس على الأفعال المتعدية التي تصدر منك للمجتمع، بيحاسب ويثيب، بيطلع أفعال منك لازمة متعدية؛ خير وصلاح، تعاونوا على البر والتقوى، اعملوا صالحاً.. يثيبك عليه، بيطلع منك أفعال متعدية”.

تطبيقات أخرى لّلازم والمتعدي

وأجاب الباحث والمفكر السوري عن سؤال “ما التطبيقات الأخرى على اللازم والمتعدي في النص، مثلاً فيه آيات؟”، قائلاً: “أنا جبت لك بس اللي كان يهمني (يطيقونه) مثل أما ما بحثت عن مسألة تانية. بس إذا القاعدة وضحت بهذا الشكل بتطبَّق على الكل؛ اللازم والمتعدي وين ما طبقته.. ففي حال تطبيقه فعلاً راح تغير أحكام كتير وفتاوى قيلت من زمان وأفهام قديمة، وحتى دلالة اسم الفاعل؛ الفرق ما بين الفعل والفاعل، راح تغير أفكار كتير؛ ثلاثي ورباعي، هيغير أشياء كتير، كله هيتغير.. فإذا اختلف المبنى اختلف المعنى.. منظومة، يعني المواضيع اللي عَم باطرحها، منظومة كاملة، ما بيصير تاخد منها جزءاً، مثل الرياضيات، منظومة ما بتقدر أنت تأخذ ٦٠٪ منها، وتضرب باقي القواعد، وهاي مو صحيحة، ضربت الرياضيات كلها؛ لأنها كلها متماسكة مع بعضها”.

ناقشَ الدكتور يوسف أبو عواد، أستاذ اللغة العربية، المختص في اللسان العربي المبين، خلال لقائه د.باسم الجمل، عبر برنامج “مفاهيم”، نشوء الخلق أو نظرية نشوء الخلق في القرآن، وكيف بدأ ظهور الكائنات على الأرض؟ ومفهوم الإنبات في القرآن الكريم، وكيف أسهمت العودة إلى الفطرة الأولى في نشوء مظاهر التحضر الإيجابي؟.. وغيرها.

بداية ظهور الخلائق

قال الدكتور يوسف أبو عواد، أستاذ اللغة العربية، المختص في اللسان العربي المبين: “في الحلقتَين الماضيتَين تحدَّثنا عن خلق السماوات والأرض وما يُسمى بالمصطلح الحديث اليوم (خلق الكون)، وبعد ذلك طبعاً السياقات القرآنية تدل على أن ظهور الخلائق بدأ بعد هذه المراحل اللي هيَّ مرحلة الستة أيام. هناك آيات في القرآن الكريم تشير إلى تدرج ظهور الكائنات على الأرض، يعني أنها لم تظهر دفعةً واحدةً، وإنما ظهرت بطريقة متدرجة، مثلاً قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ).. طبعاً ربط الماء بنشوء المخلوقات النامية يعني التي تُسمى اليوم الأحياء، الكائنات الحية، هو أولاً ربط قاطع بمعنى حتى العلم اليوم يقول لك إنه لو كانت هناك خلية واحدة حية؛ سواء أكانت هذه الخلية نباتية أم حيوانية، لا بد أن تكون النسبة الأكبر من هذه الخلية هي ماء، معناها 70% تقريباً من نسبة الخلية ماء، هذا جزم كبير طبعاً”.

وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ

وأضاف د.يوسف أبو عواد: “يعني لاحظ الجملة فيها جزم (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)؛ يعني لو أنه عثر على أي شيء حي ينمو بالطريقة الحيوية المعروفة ولا يعتمد على الماء، سيكون هذا مخالفاً للآية، ولكن ذلك لم يحصل أن عُثر على كائنات لا تشرب الماء، لا تشرب الماء في حياتها قطعاً؛ ولكن طبعاً للوهلة الأولى الناس اعترضوا، قالوا والله وجدنا كائنات لا تعتمد على الماء، لكن بما أنه الخلية أصلاً 70% منها وجميع التفاعلات الحيوية في الخلية، فلذلك هذه الجملة صادقة جداً، في جميع الكائنات الحية الموجودة على سطح الأرض، إنما الآية ما يلحظ فيها أنه قال (فَأَخْرَجْنَا بِهِ)، يعني بالماء، الآن الضمير سيعود على الماء، (وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ)، لا يوجد شيء يعود عليه الضمير إلا الماء، (فَأَخْرَجْنَا بِهِ) يعني بسببه (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ)..”.

الإشكال في “نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ”

وتابع أستاذ اللغة العربية، المختص في اللسان العربي المبين: “هذه عبارة (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ) فيها إشكال قد يُفهم أن معناها جميع أنواع النبات، هذا الفهم المباشر الذي فهمه معظم المفسرين القدماء؛ لكن لو كان هذا المقصود لقال فأخرجنا به كل نبات، والدليل أنه بعدها مباشرةً قال (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)؛ لا يمكن أن يكون (منه) هنا عائدة على الماء، ليه؟ ليس لأنه الأبعد فقط عن الضمير، ولكن لأنه استخدم نوعَين من حروف الجر، يعنى قال، حتى نبسط الموضوع، (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ)، بسببه يعني، نباتَ كل شيء، فالماء سبب مهم جداً وشرط أصيل في تكون كل ما ينبت وكل ما ينمو وكل ما يوصف بأنه حيوي، ثم قال (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)، يعني منه الآن ستعود على نبات كل شيء، الذي ذكر في الآية وليس على الماء”.

مفهوم الإنبات في القرآن الكريم

وقال د.يوسف أبو عواد، رداً على “يعني لفظة نبات هي أشمل من أن تكون مقصورةً فقط على النبات الأخضر اللي احنا بنزرعه”: “وكيف لا تشمل، ونوح، عليه السلام، حين خاطبَ قومه، قال (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا)؛ يعني النص قطع هنا أن لفظة إنبات في القرآن الكريم لا يقصد فيها فقط ما يُعرف اليوم بأنه نباتات، ويقصد به صفة الحيوية التي توصف اليوم بأنها الإحياء أو علم الأحياء أو علم الكائنات الحية.. كل هذا يدخل ضمن مفهوم الإنبات في القرآن الكريم، فالماء ولد ما يمكن أن نسميه الكائن الأول أو الخلية الأولى التي وجدت على سطح الأرض، فكان منها بعد ذلك نبات كل شيء؛ لأنه قال (فأخرجنا منه)، يعني من هذا النبات بتسلسل طبعاً، ومراحل متتالية، كما تثبت الآن أو يثبت علم الأحافير وعلم طبقات الأرض أن ظهور الكائنات كان متدرجاً.. طبعاً المشكلة يعني ممكن الناس تقول نظرية التطور.. وإلى آخره. هو أولاً لا يوجد مانع أن يكون أو أن تكون طريقة الله في الخلق قائمةً على التطوير”.

كل تطور في الكائنات يحدث بطريقة مقصودة

وأضاف أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين: “هذا الفرق؛ نحن لا نقول تطور بمعنى أنه يحصل بطريقة تلقائية أو صدفية أو عشوائية، هذا لا يكون؛ لأن العملية منتظمة وتجري وَفق قوانين وسُنن واضحة جداً، وكل تطور يحدث في الكائنات، يحدث بطريقة مقصودة؛ لذلك نسميه تطويراً.. وَفق القدر الكبير الذي ذكرناه في عدة حلقات، يعني أن كل شيء خلقناه بقدر ووَفق الكتاب الأول يعني، فهذا لا يوجد مانع أن تكون هذه الآلية يعني الفرق؛ مثلاً التطوريون الذين ينحون إلى الإلحاد، هم يقولون إن الانتخاب الطبيعي هو الذي يؤدي إلى تطور كائن عن كائن، عن طريق الطفرات العشوائية التي يعني كثير منها مضر وبعضها منافع، والطبيعة بحكم ظروفها تنتقي النافع والضار، يموت فيفنى.. وهكذا؛ لكن أصلاً عمر الكائنات الحية على الأرض وعمر الأرض وعمر الكون لا يستوعب وَفق قانون الاحتمالات أن يتشكل حمض أميني واحد، وليس كائنات، ملايين الكائنات الحية، فكيف يمكن لهذا الوقت القصير نسبياً أن يكون وَفق الانتخاب الطبيعي كما يقولون، سبباً في نشوء كل هذه الأنواع من الكائنات؟ إذن هي عملية تطوير مقصودة، وكلمة تطوير ليست ابتداعاً ولا هي سعي لأن نوافق ما تذكره النظريات الحديثة، لأ، إنما القرآن الكريم قال والله (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا) (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا).. أينعم الأطوار معناها مراحل؛ سواء أكانت هذه المراحل في وجود الكائن نفسه أو في وجود الكائنات، والتراكمية هذه أشارت إليها أيضاً في سورة فاطر، فقالت (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ)، ما دام يزيد في الخلق ما يشاء”.

فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا.. سر الخضرة الموجودة في الأشجار

وتابع د.يوسف أبو عواد: “إذن ما الإشكال إذا كان الله، سبحانه وتعالى، أخبر أنه يأتي إلى خلق موجود، فيزيد فيه بالنسبة لخلق سابق عليه، يعني هذا ليس فيه أي إشكال، وهذا أصلاً يجري وَفق سُنة كما قُلنا هو لا يعني أنه فيه التدخل المباشر، لأ هو يجري وَفق سنة وقدر وضع أول الأمر واكتنزته اللحظة الأولى التي تولَّد فيها الكون، فقال (فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)، هذا الخضر هو الذي نعرفه اليوم بأنه النباتات، يعني القرآن فرق بين كلمة نبات؛ نبات كل ما ينمو، يدخل في هذا جميع أنواع الكائنات الحية؛ البكتريا والفيروسات والنباتات والحيوانات، الفقريات واللا فقريات، إلى الثدييات العليا، فقال (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ)؛ أي بسبب هذا النبات منه من بعضه، يعني تولَّدَ منه، لاحظ منه هنا تفيد التبعيض مع السببية، هذا الفرق بين (من) و(به) في الأول، قال (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ)؛ يعني بسببه، لكن في الثانية قال (فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ)، يعني من هذا النبات، نبات كل شيء، الذي يمكن أن نصطلح فنسميه الخلية الأولى التي وجدت على سطح الأرض التي نقلت الميت إلى الحي، هذا هو إخراج الميت أو إخراج الحي من الميت، فتولد منها هذه خضر؛ الخضر هذا ما يمكن أن نسميه النباتات بجميع أنواعها أو ما يُسمى اليوم، لاحظ المشكلة صارت تداخل مصطلحات؛ يعني الصحيح أن تسمى خضرات يعني النباتات، إذا أردت أن تسميها تسمية قرآنية صرفة ودقيقة ستُسميها خضرات؛ لكن هذا يشمل أيضاً الفواكه، أنه أصلاً الأشجار كلها، النباتات، ما هي معتمدة على مادة الكلوروفيل، هذه هي المادة سر الخضرة الموجودة في الأشجار، حتى لو لم توجد في الثمرة فهي موجودة في الأشجار، والأشجار يعني لا تتحقق حياتها إلا بها، فهذا هو سر الخضرة الموجودة في الأشجار”.

وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا.. تَتَبُّع الكلمة

وقال أستاذ اللغة العربية، المختص في اللسان العربي المبين، رداً على “إذن الخلل صار في إنه قصر معنى اللفظ إنبات؛ بس قصره فقط على النباتات التي يعني نزرعها إحنا أو يزرعها الإنسان بشكل عام”: “بالضبط هذا يعني عملت تداخلاً لسانياً جعل الناس يسقطون المعنى الذي أنشأ بعد ذلك على مفهوم القرآن أو الكلمة التي ذكرها القرآن؛ لكن إذا تتبعنا الكلمة كما فعلنا (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا)؛ إذن الإنبات هو كل ما ينمو، الخضر، هو كل ما نسميه اليوم نباتات، يدخل فيه الخضراوات والفواكه والحبوب.. وغيرها، ولاحظ النص كيف قسَّمَه فقال (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)؛ نخرج منه يعني من هذا الخضر حباً متراكباً، هذه الحبوب الآن (وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ)؛ يعني الأشجار العالية والمثمرة التي يعني يكون ساقها أقوى وأعظم، وجنات من أعناب، يعني أتكلم عن الكروم، الأشجار، تفصيل بدأ من الحبوب والنباتات الزاحفة أو الأرضية إلى أن وصل إلى أرقى أنواع النباتات (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ). طبعاً الآن، هذه أمثلة طبعاً للنباتات الموجودة على سطح الأرض، هي تعطيك نماذج يعني للأشجار الحبوبية، الأشجار الأرضية الزاحفة على الأرض أو النباتات أو للأشجار العالية، هذا هو، ومشتبهاً وغير متشابه، ثم قال (انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ)؛ والينع هو صفة للخضرة، وهذا التركيز على فكرة الينع فيه إشارة إلى أنه سر حياة النباتات قائمة على هذه الخضرة الموجودة فيها كما ذكرنا، وهي متعلقة بعملية البناء الضوئي والكلوروفيل، (إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)”.

إشكال إسقاط روايات الأسفار اليهودية على الآيات

وأضاف د.يوسف أبو عواد: “الآن لا نستغرب بعد ذلك؛ لاحظ الفهم الذي سنفهمه بناء على التدبر الآن، يعني نحن فعلنا آلية اللسان ففهمنا ما معنى الإنبات، وفهمنا ما معنى الخضر. عندنا آية تقول (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، الآن لو ذهبت يعني تفتح كتب التفسير وكذا، ستقع في إشكال اللي هم يسقطون الروايات، روايات الأسفار اليهودية على الآيات، طبعاً روايات الأسفار اليهودية تقول إنه وروح الله ترف على وجه الماء.. إلى آخر، هذا في بداية الخلق، فقال لك هذا هو معنى أنه كان العرش أول الأمر، الآية أصلاً ما قالت إنه شوف لاحظ دقة النص القرآني، قال (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، طب الرواية أنت تستدل بها الإسرائيلية، أن العرش كان على الماء قبل أصلاً فصل الجلد الذي يسمونه جلداً في تلك الكتب، وفصلنا في هذا أنه كان العرش على الماء؛ لكن هو متأثر جداً بالرواية ولم يفعل الآلية الحقيقية لتدبر النص والبحث عن الآيات المتشابهة، طب لو أكملت الآية الآن لاحظ التدبر الداخلي في الآية نفسها (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، طيب لنربط هذا مع قوله في سورة الملك (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)؛ لأنه فيه قاسم مشترك، ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، طب في سورة الملك (خلق الموت والحياة)، هنا كان عرشه على الماء، إذن معنى كان عرشه على الماء هنا هو خلق الموت والحياة، والعرش من التعريش معناها التعريش، هو إحكام الأمر والسيطرة على الشيء من أعلاه؛ بحيث هذه السيطرة تمسكه إلى آخره، يعني حتى المعرش الآن في اللهجات العامية أنت تعرف المعرش هو شيء أنت تفعله حتى تمسك جميع عروش الشجر من أولها إلى آخرها، فتسيطر عليها، لا تتشتت يمنةً ويسرةً، وهذا على فكرة معنى التعريش، ورد في القرآن لما تحدث عن فرعون وقومه وما كانوا يعرشون، فالآن لما تقول وكان عرشه على الماء معناها أن الأمر الذي تعلق به الماء اللي هو الحياة والموت سببه ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، يعنى معناها أن لأ هو يشير في قوله كان عرشه على الماء أن جعل الماء سبباً للحياة، والموت تحت أمر الله وسلطانه، وتدبيره سببه النهائي ليبلوكم أيكم أحسن عملاً؛ لأنه الكائن الأخير الذي سيظهر هو الإنسان وهو المقصود الأول أصلاً، لأن كل ما سبق مسخر له، فهذا يعني جعل الماء سبباً للحياة الذي سينتهي وَفق امتداد العرش الذي ذكرناه إلى وجود الإنسان، هدفه أن يبلو الناس أيهم أحسن عملاً، يعني اختبار الناس في قضائهم، في القدر الذي أتاحه الله لهم..”.

كان عرشه على الماء = خلق الموت والحياة

واستكمل أبو عواد: “فإذن الفكرة بعيدة تمام البعد عن فكرة إنك تتخيل إنه كرسي، وهذا كرسي أو عرش كان موجودًا على الماء، وهذا التجسيد الذي تجعل فيه، تشبه الله فيه بأنه إنسان، وهذا سيكون له حلقة منفصلة وفيها تفاصيل كثيرة مهمة جداً.. لكن ما يعنينا الآن هو كان عرشه على الماء تساوي خلق الموت والحياة؛ يعني ما العرش المقصود هنا؟ العرش هو الأمر الكلي الذي جعل من الماء ما يتحول إلى كائنات تنتهي بوجود الإنسان، هذا هو خلق الموت والحياة. طيب هنا قال كان عرشه على الماء، لماذا هذا التعريش على الماء؟ يعني الأمر المنتشر الذي ستصل نهايته إلى وجود الإنسان، (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)”.

وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ.. لماذا لم يقل على الأرض أو السماء؟

وأجاب د.يوسف أبو عواد، عن سؤال “لماذا الماء مثلاً؟ لماذا لم يقل على مثلاً الأرض أو السماء؟”، قائلاً: “هو سبب الحياة التي تولَّدت من الموت الأرض ميتة دون الماء، والآن جميع الدراسات الفلكية لما تبحث عن الكواكب الأخرى تريد أن تتأكد من وجود حياة تبحث عن الماء؛ يعني الموجات أو الأجهزة التي تستخدم في الرصد تبحث عن عنصر واحد هو الماء فقط، إذا وجد الماء عرف أن هناك حياة؛ فلذلك قال عن الماء لأن هو سبب الحياة مش قُلنا خلق الموت والحياة، ولذلك ذكر هنا العرش الذي على الماء، وإلا فالعرش الكلي هو على جميع المخلوقات لما يذكر في الآيات الأخرى (ثم استوى على العرش)، هذا العرش يشمل جميع المخلوقات؛ إنما هنا بعد خلق السماوات والأرض جاء هنا الاستواء على العرش بعد أن قال (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، خصَّ هنا الموضوع، وجود الأحياء؛ ليشير لنا إلى أن الحكمة من جعل الماء كائناً حياً ستكون نهايتها هي وجود الإنسان الذي يُبتلى فيعرف أيهما أحسن عملاً، وقال الذي خلق الموت والحياة كما قُلنا، الآن فيه آيات أخرى تشير إلى وجود الأنواع الأخرى من الكائنات، يقول (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ)؛ كثير من الناس الذين تمحلوا يعني في قضية الإعجاز العلمي، فجعلوه يصبح أضحوكة عند يعني الناس؛ إنه يقول لك إنه كل شيء في القرآن هو ظن أن كلمة في الكتاب هنا (ما فرطنا في الكتاب من شيء) معناها القرآن، والمقصود لأ، (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)؛ المقصود كتاب الخلق الذي هو خلق السماوات والأرض وما فيه من القدر الذي ولد جميع هذه الكائنات؛ يعنى الأمر الأول، يعني ما يمكن أن نسميه اليوم الأكواد البرمجية التي مشي الكون بناء عليها، أنشأ أنواعاً من الكائنات، (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ)؛ هذا معناه إلا أمم، يعنى كلمة أمة تشبه كلمة أم؛ معناها يضمها، ضام جامع، يجعلها منتظمة وتسير وَفق نظام شامل كما هي الحال بالنسبة إلى الإنسان، هذه هي المثلية المقصودة، ثم قال (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ)، ليه؟ حتى يشير لك إلى أن التكون هذا المبني على قضية الأطوار وعلى قضية يزيد في الخلق ما يشاء، وعلى قضية أخرجنا منه خضراً، نخرج منه ونخرج منه.. وهكذا وَفق أسس، مش قصة تدخل مباشر، وضع النظام الأول، وصار مصنع الكون وَفق الكتاب الذي لم يفرط فيه في شيء، وكما قُلنا صناعة أو بناء مصنع لا يحتاج بعد ذلك إلى تدخل بشري أقوى وأعظم إتقاناً بكثير من مصنع يحتاج في كل لحظة أو بين لحظة وأخرى إلى تدخل لتصحيح الأخطاء، حتى آلية التصحيح موجودة ذاتياً وسنأتي إلى هذا ونكرره؛ لأنه ذكرناه في حلقة سابقة وسنورد هنا ما يؤكد أن تصحيح ما يحصل من أخطاء ناتجة عن يعني تداخل المخلوقات بعضها مع بعض، موجودة أصلاً في الكتاب المبين، الكتاب الأول، في أم الكتاب الذي لم يفرط فيه في شيء؛ هي سُنن تجري، سُنن تجري لا تحابي أحداً في وجود المخلوقات وفي تنظيم أمورها.. وإلى آخره”.

وَمِن “كُلِّ شَيْءٍ” خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ

واستكمل أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين: “وأكد هذا فقال (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ) (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)، وأيضاً هناك آخر آية يمكن أن نذكرها في تكون الكائنات؛ هي قوله تعالي (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)، وهذه الآية أيضاً في فترة من الفترات في القرن العشرين كانت محل استشكال؛ لأنه لما يعني اكتشفت الكائنات التي تتكاثر بطريقة لا جنسية، قالوا ها قد وجدنا كائنات ليست تسير على نظام الزوجَين، والآية فيها جزم قاطع (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)؛ لكن بعد ذلك لما دخل العلم إلى داخل الخلية فلاحظ أنه أهم شيء في الخلية الذي هو المورث أو الجين أو الكروموسوم، يتكون من زوج من الكروماتيدات، يعني دبلو كروماتيد هذا تزواج موجود داخل نواة الخلية؛ فإذا أرادت هذه الخلية أن تتكاثر ما الذي يحصل فيها؟ تنتفخ، تتفاقم، يتفاقم حجم الخلية، تنفصل الكروموسومات إلى كروماتيدات، ثم وَفق البرمجة الربانية الأولى التي يعني يشملها لفظ الكتاب؛ يتشكل كروماتيد، يزواج يعني يتشكَّل لكل كروماتيد انفصل كروماتيد آخر يتزاوج معه، فتتخثر الخلية ثم بعد ذلك تصبح خليتَين، وكل خلية يعود فيها نفس عدد الكروموسومات المتزاوجة التي يتكون كل واحد منها من كروماتيد.

إذن القضية قضية تزاوج، بل أكثر من هذا، حتى ما ليس بحي؛ لأنه الآية قالت (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)، الآن العلم يعرف تماماً أنه قائم على فكرة الشحنة الموجبة والشحنة السالبة، ولذلك هناك ما يُسمى قانون الديناميكا الحرارية، الذي يعني أن هناك المناطق الحارة والمناطق الباردة في الكون؛ وهو الذي يسبب توسع الكون بالمناسبة”.

هل الزوجان ذكورة أم أنوثة أم شقان يتماثلان؟

وأجاب أبو عواد عن سؤال “مفهوم لفظة الزوجَين؛ هل الزوجان هنا ذكورة أم أنوثة أم شقان يتماثلان؟”، قائلاً: “لأ؛ ليس مشترطاً أن يكون هنا الخطأ ما هو الذي ظن أنه الموضوع يجب أن يكون ذكراً وأنثى، أخطأ في الفهم، وكلمة زوج في القرآن الكريم تعني تكاملَ نصفَين أو يعني جزء يكمل الجزء الآخر.. جزآن يكمل أحدهما الآخر لتكوين شيء، هما وجودهما لا يكتمل وجوده بالصورة المثالية إلا بوجود الجزأين معاً، هذا هو المعنى الكبير لكلمة الزوج، وهذا العلم أثبته أيضاً كما قُلنا يعني، والآية لو قالت لذكر وأنثى كان الموضوع مختلفاً، لكن هي قالت (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)”. 

لماذا لم يستخدم لفظة الخلق بدل الإنبات؟

وأجاب د.يوسف أبو عواد، عن سؤال “وأنبتاكم نباتاً؛ لماذا لم يستخدم لفظة الخلق بدل الإنبات، بينما لمّا بدأ يتحدث عن خلق الإنسان سماه خلق الإنسان، طبعاً فيه الآية في نوح وهو الذي أنبتكم في الأرض نباتاً، كان يقصد للإنسان خطاب موجه لقوم نوح، لماذا لا يتم استخدام لفظة خلق؟”، قائلاً: “بالنسبة إلى قوم نوح نعم؛ لأنه يعني لاحظ نوح، عليه السلام، لما خاطب قومه قال (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) ، وقال (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا)؛ لأنه قوم نوح كانوا متعلقين باللحظة الزمانية والمكانية التي هم فيها، فكانوا يعتقدون أنه ما قدسوه من الأشخاص وما ربطوا بها من آلهة لهم تحكم فيهم، فهو سألهم سؤالاً مفحماً، يعني قال أنتم الآن كلكم الآن موجودون، ولكنكم لستم وجودكم أولياً من الذي أوجد الأطوار السابقة لوجودكم، كان السؤال الذي يريد أن ينبه عقولهم من خلاله؛ يعني كما حصل مع إبراهيم لما خاطب ذلك الملك فقال له (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)، الآن هو لا يريد أن يدخل في نزاع ربما يطول، هم يقولون إن هؤلاء الذين يعني الأتباع (وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا)، أصحاب الجاه وأصحاب المال في القوم، لهم تحكم فيهم، في أشخاصهم، في حياتهم، في أرزاقهم.. إلى آخره، فهو لفتهم، قال دعكم من وجودكم الحالي من الزمن الفعلي الذي أنتم فيه الآن، مَن الذي خلقكم أطواراً؟ مَن الذي أنبتكم من الأرض نباتاً؟ هذا هو، ثم لفتهم إلى كائنات وأجرام سماوية علوية؛ فهذا هو السبب، هنا القضية؛ قضية تركيز على مراحل سابقة، هي ما ستجعلهم يستيقظون. طيب الآن في مرحلة خلق الإنسان؛ نحن نجد أن القرآن الكريم يقول (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)، ويقول (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ)؛ الإشكالية ليست سخر لكم ما في الأرض، وإن كان ممكناً في زمن قديم لم يكن يعرف أنه كيف سخر لنا ما في الأرض؛ لكن الآن نحن نعرف أننا وصلنا بالقدرات والآلات البشرية إلى قاع المحيط، ووصلنا إلى أقوى أنواع الكائنات وسيطرنا عليها باستخدام التكريم الرباني الذي هو العقل؛ عقل الإنسان أقوى سلاح سلح به في مواجهة كل الكائنات الأخرى والسيطرة عليها والاستفادة من خيراتها في ما يمكن الاستفادة منه؛ لكن السماوات قال لك كيف؟ ما هو تسخير السماوات في الفهم البسيط إنه والله الشمس والقمر والنجوم وكذا، لكن هذا يمكن أن يُقال عنه استفادة وليست تسخيراً؛ لأن التسخير معناه أكبر من الاستفادة، حتى ظهر العلم الحديث اليوم وصار معروفاً أن الإنسان تفتق ذهنه واكتشف أجهزة صار بإمكانه أن يحلق في الفضاء فصنع محطة الفضاء مثلاً، وصار بإمكانه أن يصل إلى أطراف الكون باستخدام أجهزة، فيعني يلتقط إشعاعات تُسمى الإشعاعات الخلفية الكونية التي كان موجودة أصلاً منذ اللحظة الأولى لنشوء الكون، فصار كل الكون مسخراً لعقل الإنسان أن يرصده، فيشاهد الإبداع العظيم فيه، وطبعاً كل يعني واحد مثل أينشتاين من علماء الكونيات الذي مرة بعد أخرى يقر أن هذا الكون ينبئ قطعاً عن منظم عظيم وخالق عظيم، وإن كان طبعاً فيه التفاصيل الأخرى؛ بسبب الإشكالات التي كانت موجودة، يعني يحصل الاختلاف، فإذن فكرة خلق التسخير ما في السماوات والأرض للإنسان، العصر الحديث كرس هذه الآية ووضحها توضيحاً تاماً، ربما لم يكن بذاك الوضوح في عصور سابقة، وهذا يدلل على دقة العبارات والألفاظ القرآنية”.

التسخير والنفوذ والسلطان

وأضاف د.يوسف أبو عواد، رداً على “يعني لفظة تسخير توحي وكأن هناك قدرة للعقل البشري وإن كانت كامنة في إمكانية ليس فقط الاستفادة وإنما يعني..؟”: “أينعم؛ يعني مثلاً الجذر (سخر) أو تجده مثلاً (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا)؛ ليس معناها الهزء هنا، معناها التسخير، أن مَن يعني الناس، موجودون بالطبيعة، ولا بد أن يكون هذا، الطبقات بعضها أعلى من بعض، فطبقات منها مسخرة لأخرى، وهذا لا يعني أنه دائماً الأدنى أو الأقل مثلاً من الناحية المادية مسخر للأعلى، قد يكون الأعلى يعني مثلاً الطبيب، يحتاج إلى العامل البسيط، كما أن العامل البسيط يحتاج إلى الطبيب، بغض النظر عن اختلاف المستوى المادي؛ فهذا يستفيد من هذا بوظيفة يقدمها له وهذا أيضاً يستفيد من هذا، التسخير متبادل؛ معناها أن الإنسان أيضاً يمكن متاح له كما قُلنا أن يحدث تغييراً في الأرض وفي السماء؛ لكن في السماء الأمر مشروط بأن يكون هناك صلاح مطلق في هذا الإحداث، لأنه إذا لم يكن هناك صلاح مطلق لا بد أن يوقف تلاعب الإنسان من ناحية السماء كما ذكرت الآية (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)؛ معناها هناك إذن بالنفوذ، ما السلطان؟ أن يكون هناك صلاح أن تستخدم هذا هذه القدرة التي ستوهبها، وطبعاً الآيات تشير هنا إلى أن الإنسان مقبل على مراحل أعلى بكثير من الوصول إلى السماوات وتسخير ما فيها مما هو الآن، لأنه نحن ما زلنا في البدايات؛ يعني من ناحية أنه تسخير ما في السماوات، فيمكن له أن يؤثر ويتأثر، أن يتبادل الكون والإنسان الوظائف؛ كل منهم يستفيد من الآخر، هذا شيء يشير إليه القرآن الكريم، إلى أن الله فتح بابه ونافذته للإنسان، طبعاً تخيل هذه القدرة، ومتخيل التقزيم الذي يحصل في عقول كثير من الناس، إنه لأ إحنا …”.

ثقافة التدين وتقزيم العقل البشري

وتابع أستاذ اللغة العربية رداً على “هذه الملاحظة التي كنت بِدي يعني أحكي فيها؛ أن هناك يعني ثقافة التدين اللي سائدة في كثير من المجتمعات، هي تقوم بعملية تقزيم للعقل البشري، ومنعه عن فهم كل ما يعني خلق إله العقل ليفهم”: “بالضبط؛ فبالتالي ولد نوع من التخلف، يعني الموجات التي تسير عبر الجو عبر الأثير وبين الأقمار الصناعية وبين الأجهزة الخلوية اليوم أليست هي جزءاً من تسخير ما في السماوات، ما هو السماء كل ما علا الأرض؛ لكن إذا أنت سرت بالعقلية إنه أنا والله لن أستطيع، هو قال لك لا أنا حدودي الأرض، الخروج من الأرض هذا يعارض القرآن، هذا كفر، لن يصل أحد إلى القمر، لن.. كذا، يعني بغض النظر طبعاً عن التفاصيل، أنا قرآنياً أقول لك هذا ممكن، نعم هذا ممكن، وما نشهده اليوم ليس إلا بدايةً سيكون ما يتبعه أكثر بكثير مما هو موجود، وإذا لم تتغير العقلية الإسلامية، ستسير الأمم الأخرى تسبقها تأخذ قصبَ السبق في هذا؛ لكن إذا نحن عُدنا إلى النص وفهمنا آفاقه وأبعاده لا بد أن يكون لنا الحظ الأوفر والأعلى في أن نسهم في هذه الحضارة، بل نكون يعني في مقدمة المساهمين فيها، وربما نكون قادةً إذا أمسكنا بالنص، لأنه غيرنا ليس معه نص؛ هو فقط يسير وَفق الطبيعة الإنسانية الفطرية الطبيعية، وأول شيء يجب أن يحصل إيمان بدلالة هذا النص، إذا الناس آمنت بدلالة هذا النص، وتركت الخزعبلات والتراهات، وفهمت أنه هذا النص أتاح الله بناء عليه للإنسان أن يصل إلى آخر آفاق الكون، التي يمكنه الوصول إليها، أنا هنا الإنسان سيتولد لديه الحافز والنشاط والسعي نحو الإبداع والسعي نحو العمل؛ بما فيه الإصلاح، لأنه دائماً تجد أن الآيات (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا)؛ الأرض أول ما أُنشئت واكتمل إنشاؤها، والسماوات أُنشئت على الصلاح، فالمطلوب إنه الإنسان يسير وَفق خطة الإصلاح هذه، ويسهم في الإعمار؛ يعني ممكن يقول لك يعني معناها هل خلق الله الأرض والسماوات ناقصة؟ ليس هذا المعنى، هناك رسالة للإنسان، طُلب منه أن يعمر الأرض، أصلاً هو أنشأكم من الأرض واستعمركم، كان يمكن أن يخلق الأرضَ في أكمل ما يكون، والسماء في أكمل ما يكون، لا يوجد أمراض، لا يوجد زلازل، لا يوجد براكين؛ لكن من أهم ما ابتلي به الإنسان واختبر به، أن يصلح ما يراه، أن يعمر، أن يكمل ما يراه من خلل؛ هذا نوع من الاختبار، بعضه فردي وبعضه مجتمعي.. إلى آخره”.

العودة إلى الفطرة الأولى ومظاهر التحضر الإيجابي

واستطرد د.يوسف أبو عواد: “وكثير من الأمم أدركت هذا المعنى بفطرتها؛ يعني هم تخلوا عنه، يعني أنا أتحدث الآن عن أمم تحضرت وصار عندها علوم كثيرة، هي تخلت عن نصوص ظهر أنها، يعني أدركوا أنها قطعاً لن تكون من الله؛ لأنه طبعاً هي فيها تحريف.. وإلى آخره، بحكم التطورات العلمية.. لما فعلوا هذا الآن أصبح هناك تخلية من هذه النصوص ودلالاتها التي كانت تقف حاجزاً عن التطور العلمي، عادوا إلى الفطرة الأولى، هم لم يصلهم القرآن، طبعاً هذا تقصير من ناحية المسلمين وأتباع الرسالة الخاتمة؛ لم يصلوا بالقرآن بالطريقة الصحيحة. العودة إلى الفطرة الأولى أسهمت في نشوء كل ما تراه من مظاهر التحضر الإيجابي؛ لكن أيضاً اقترن معه شيء سلبي، لأنه الآن لا يوجد رادع، لا يوجد وازع؛ بينما لو كنا نحن المسلمين متنبهين لهذه النصوص، وبعض الناس يقول لي لا تعمم، أنا لا أعمم؛ لكن هذا الأغلب، هذا لا أحد يستطيع أن يقول الآن إنه والله إحنا كشعوب مسلمة نقف في أوائل الشعوب التي أسهمت في بناء الحضارة وبناء التطور والوصول إلى السماوات وإعمار الأرض، معروف إنه نحن نقبع في مؤخرة القائمة، للأسف يعني”. 

العبادة في النص القرآني وإشكالية تفعيل الطقوس

وأجاب د.يوسف أبو عواد عن سؤال “هل تعتقد أن تسويد شكل من أشكال الفهم للنص القرآني بعيداً عن آلية التدبر التي يجب أن تتبع في القرآن، قاد للعقل البشري أو بالذات للعقل الإسلامي العربي، إنه يطمس نفسه بنفسه دون الاستفادة من الإمكانات الموجودة أو التي يفتحها النص أمامه؟”، قائلاً: “مئة في المئة، هذا كلام لا غبار عليه؛ يعني هذه الاستعانة بالمرويات الإسرائيلية وغيرها من أي مكان وخلاص، هو ترك النص، تحليل النص وَفق الآلية التي طالب النص منك أن تستخدمها لتحليله، فعل ماذا؟ أحدث آلية انهيار بدل آلية الإعمار التي يحدثها النص. النص يحدث ما أحدثه خلق الله الأول للإنسان بفطرته الأولى، يريد أن يعمر ويريد أن يبني، عنده طموح أن يصل طموحه، لا يتوقف؛ لكن يأتي مَن يحدد لك هذا الطموح، بماذا؟ هذا حرام، هذا كفر، هذا كذا، هذا كذا.. الآن أنت يعني تكبح جماحك وتذهب طاقتك وتتحول إلى إنسان تغلب عليه الكآبة، ينتظر الموت، لا يريد الحياة، آلية هدم حقيقية عوضاً عن آلية البناء التي نحن نشاهدها، والتي تحث عليها آيات القرآن الكريم، يعني نحن لما ذكرنا قضية العبادة، هل وجدت القرآن من أوله إلى آخره ربط العبادة ولو في آية واحدة بقضية، مثلاً الشعائر الطقوسية؟ هل الشعائر الطقوسية.. هي استعانة في الحقيقة وليست عبادة، هي استعانة للوصول إلى هدف العبادة، هي الحياة في كل قصص الأقوام السابقة لما كان كل نبي يقول لقومه اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، كان يذكر مظاهر من مظاهر الحياة، معناها سِر في حياتك وَفق سنن الله وأنظمته ووَفق فطرتك الأولى، وفق ما فتح الله لك، وما كلفكم وما أعطاك من صلاحيات، دون أن تذهب إلى الإفساد، (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)، هذه هي العبادة في النص القرآني؛ لكن نحن العبادة ما هي في مفاهيمنا؟ إنه والله فعلت مجموعة من الطقوس، فكأنني أفرحت الله، شوف كيف الصورة أو التقزيم الذي جعلنا هو طبعاً أنت الآن”.

كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ.. حلل الكلمات وَفق المنهجية اللسانية

وأضاف أبو عواد رداً على “يعني هي صارت عملية طمس للفطرة أو عملية تشويه أو تلويث للفطرة البشرية أو العقل البشري؛ وبالتالي إعاقته عن فهم النص، وإعاقته عن التقدم”: “هو ليس فقط أعاق، هو أحدث آلية هدم تماماً؛ يعني عوض عن آلية البناء الموجودة في النص الأصلية التي تحاكي الفطرة الأصلية للإنسان، هو ابتكر، اخترع؛ حتى نقل يعني، هو نقل، كله نقل، نقل آلية، هدم فعلياً، هدمت ووصلت إلى النتيجة التي نراها اليوم في العموم، وطبعاً النتائج ماثلة؛ يعني لا يستطيع أحد أن يجادل، إن النتائج ماثلة أمام أعيننا، ما دامت النتائج ماثلة، لا توجد نتائج تطفو وتظهر على السطح إلا يكون هناك أساس ولد هذه النتائج، أساس فكري، أساس ثقافي، أساس عقدي، فلا بد من مراجعة هذه الأسس. ونحن وجدنا، يعني نحن لا نجامل، لو لم نجد في النص القرآني ما نذكره الآن لما كان أصلاً لا يمكن أن ندخل هذا؛ لكن النص القرآني من الواضح تماماً أنه يحاكي ما هو موجود في الكون، وما هو موجود في فطرة الإنسان؛ بشرط أن تنظر إليه بخلفية صافية، فقط بلسان عربي مبين، (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)، حلل الكلمات وَفق المنهجية اللسانية، اجمع الآيات…”.

القدسية فقط للنص

وتابع أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين، رداً على “بعيداً عن تأثيرات تلمودية، بعيداً عن تأثير القراءات الاستشراقية الخاصة بالأسفار اليهودية، بعيداً عن كل الطقوس القديمة التي مورست للطمس أو لتحجيم قدرة العقل البشري على النفاذ إلى آلية النص أو فهم النص أو تدبره”: “طبعاً، وبعيداً أيضاً عن أن تجعل الاجتهادات، الرجال، بنفس قدسية النص؛ هي اجتهادات الرجال، جزء من التاريخ، وهو كتاريخ أية أمة؛ لكن نحن المشكلة أين؟ في ما ورد من اجتهادات، نحن لا نقصد أن نهملها أو نرميها أو لا نستفيد منها، بس نريد أن نصل إلى نقطة مهمة جداً، القدسية فقط للنص، بعد ذلك، ما بعد ذلك هو اجتهادات؛ فنحن ننظر إليها من منظار النص، إذا وجدنا أنها تكرس النص، تعطينا صورة مثلاً، قصة عملية حقيقية تمثل تطبيقاً لآية قرآنية، نعم بها ونعمت، لا بأس؛ لكن نبقي فنركز أنه ليست القدسية بها ولا بناء الأساس عليها، لو ظهر يوماً ما أنها غير صحيحة أو ضعيفة لا يهمنا، لا نكترث لهذا، إنما هي كنوع من الاستئناس بهذه الطريقة، ينبغي أن ننظر إلى كل ما نقل من التراث؛ سواء ما جاء منه من الإسرائيليات أو من الروايات أو غيره من الاجتهادات، أما أنه نحن لما نأتي إلى آية مثل (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، فأأتي إلى الأقوال المذكورة في كتب التفسير المروية عن فلان وفلان وكذا، وأجهل فهمي للآية، لاحظ كيف الفهم المتشكل، قدسية الآية، وقدسية ما نقل كله كأنه خلط في خلاط فجعل شيئاً واحداً، هذا الأسلوب غير صحيح قطعاً، يفهم النص تماماً، يغلق على فهمه، انتهي.. بعد ذلك بإمكانك أن تمحص ما ينقل، هل يتوافق مع النص ولَّا لا يتوافق؟ إذا لم تجده يتوافق، إذن بحثت، ستجد قطعاً مصدره”.

آليات الوصول إلى مقاصد الألفاظ القرآنية

وأجاب د.يوسف أبو عواد عن سؤال “ما الآليات التي تتوفر للإنسان حتى إذا استخدمها يصل إلى نتيجة معقولة ومتطابقة لمرامي أو مقاصد الألفاظ القرآنية؟”، قائلاً: “هو الكتاب نفسه؛ القرآن الكريم نفسه، لم يترك هذا الأمر، يعني هو وضح الموضوع، فقال (بلسان عربي مبين)، وقال (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)، لم يترك الأمر على عواهنه، يعني نحن أيضاً لا نريد إنه بعض الناس يحرف الآيات عن معانيها، فيأتي بمعانٍ غريبة جداً باطنياً وكذا، يفقد النص مكانته ودلالته فعلياً، وبالمقابل بعض الناس يفقد النص دلالته بما يطغي عليه من ضوضاء كثيرة، ويحيطها بالنص، فيعطيها نفس مستوى القدسية”. 

آدم وحوار الله مع الملائكة

وقال د.يوسف أبو عواد: “النص القرآني يشير إلى البداية الأولى لخلق آدم، في قوله تعالي (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، ولم يقل طبعاً هنا إني خالق، إني جاعل، الجعل معناه تحويل شيء إلى شيء، كما ذكرنا، يعني هذا يتوافق تماماً مع فكرة الإنبات؛ يعني هو شيء موجود، هناك تغيير وظيفي سيحصل مع نوع من التطوير، فينتج البشر؛ لأنه قال (إني جاعل في الأرض خليفة) وفي آية أخرى (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ)، وطبعاً البشر أعلى من مجرد الإنسان كما ذكرنا؛ لذلك هو لم يأمر الملائكة بالسجود، وسنشرح ما السجود، إلا لما قال لهم (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي)، هذا الفيصل، هذا هو الجعل، التغيير الذي حصل على شيء موجود مسبقاً؛ التسوية معناها النفس التي (وَنَفس وَمَا سَوَّىٰهَا فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَىٰهَا)؛ النفخ في الروح هو الأمر الرباني الذي يساعد أو يؤدي إلى تفعيل آلية النفس هذه لدى الإنسان، وهو أمر مختلف كلياً عن كل الكائنات السابقة، هو الذي سيجعل الإنسان له القدرة على التصرف ضمن القدر؛ فيختار كذا ويختار كذا، هو الذي سيجعله يتجاوز مرحلة التجريدية ومرحلة الغرائز ومرحلة الشهوات، ليصل إلى الأفكار العليا والأفكار التجريدية؛ لكن قد يقول قائل: ماذا يخبر الله الملائكة أصلاً؟ يعني (وإذ قال ربك للملائكة)، يعني هل هو يستشير الملائكة ولا يفيد من إشاراتهم وهو رب العالمين، وهو لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون؟ الجواب بسيط طبعاً، الجواب هو ما ذكر في الآيات الأخرى (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)؛ هو يقصد أن الملائكة مكلفة بماذا؟ بتنفيذ أوامر الله، وقُلنا كثيراً إن الملائكة نحن لا نراها؛ ولكن مظهرها السنن الكونية المتسقة، طيب الملائكة تعلم أن هناك سنة كونية لا بد أن تسير بالطريقة التي هي عليها، معنى الكلام أن هذا الكائن سيكون من قدرته أن يخالف السنن، فهذا تنبيه للملائكة التي هي مسؤولة عن رعاية السنن الكونية..”.

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.. أمر لا استشارة 

وأضاف أبو عواد: “فلذلك استغربت الملائكة فقالت (أتجعل فيها)، يعني هو قوله (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)؛ هو في الحقيقة ليس استشارة، هو أمر؛ معناها أن تخضع الملائكة لما يتطلبه هذا الأمر من منح الإرادة للإنسان والنفخ فيه، والنفخ فيه بالروح يعني خضوع الملائكة لهذا الأمر، هو سبب إخبارهم بذلك؛ لذلك قالوا (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) وطبعاً كلمة خليفة أيضاً الأصل اللغوي فيها خلف، والخلف معناها شيء يخلف شيء سابق، سابقاً له”. 

لا يوجد شيء اسمه خلافة الله في الأرض 

وأجاب أستاذ اللغة العربية عن سؤال “يعني هنا المقصود بالخلافة ليست خلافة الله في الأرض؛ إنما خلافة ما كان، ما كان يسبق الإنسان مثلاً أو البشر؟”، قائلاً: “لا، لا يوجد شيء اسمه خلافة الله في الأرض؛ الخلافة لما تقول خلف هو الخليفة، لا يجتمع مع مَن استخلفه أبداً، لا يوجد نص واحد أبداً يدل على أن الخليفة يمكن أن يجتمع مع مَن استخلفه؛ يعني مثلاً موسى لما استخلف هارون، لم يكن معه في الوقت نفسه، مستحيل، لا يكون هذا، (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)، فيقول لك هو أمر، المشكلة تعرف من أين تولدت الفكرة؟ إن هو أسقط مفهوم خليفة الذي يعني ظهر أين؟ الخليفة في العهد الأموي والعباسي، لا أعرف بالضبط؛ ولكن أسقط هذا المفهوم على كلمة خليفة الموجودة في القرآن، ثم يعني صار ينظر إلى أن الله هو خليفة الكون، شوف الإسقاط من أين تولد؟ هو فهم أصلاً فهم وتخيل الله أنه خليفة الكون، ليه؟ لأنه رسم لله صورة إنسانية، وبعدين قال لك إنه الإنسان بحكم إنه معه صلاحيات هو خليفة الله في الأرض، وكيف؟ كيف يمكن أن يسمي خليفة الله في الأرض وهو قادر على أن يحدث ما هو معاكس لسنن الله؟ يعني هل يُسمى خليفةً بهذه الطريقة أصلاً؟ إذن هو خليفة معناها خلف خلقاً كان يسبقه، وهذا هو الجعل، وهذا هو الإنبات الذي ذكرناه، وهذا هو التطوير الذي أحدثه رب العزة، تبارك وتعالى، في خلق أصلاً كان موجوداً، فأحدث عليه من التطوير والإنبات ما جعله مهيئاً لنفس جديدة تستطيع أن تختار الخير والشر، وأن ينفخ فيه من الروح التي تفعل هذا الأمر، فهذا معنى قوله (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فلما قالوا (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا) قلنا إنه هذا مخالف لما هم عاشوه؛ يعني وأمروا به دائماً إنه كل شيء سيسير وَفق السنن التي ليس فيها إلا الصلاح، فتعجبوا يعنى كيف يكون فيها الآن مَن يفسد فيها ويسفك الدماء؟ طيب قارن هذا بما أخذ من الروايات والإسرائيليات.. لآخره، وأنا دائماً أحب هذه المقارنة، لأن هناك بون شاسع بين النص بما هو عليه وبدلالته الواضحة جداً، والتي حكمت بين بني إسرائيل في ما كانوا فيه يختلفون وبين النقل، يقول لك كان هناك قبل الإنسان الحن والجن والبن، وأفسدوا في الأرض، فقال الله لهم إني جاعل خليفة من هؤلاء في الأرض، طيب هو الفكرة غريبة يعني صدقاً لو الإنسان يفعل عقله بشكل بسيط، لو كان هذا هو المقصود، أولاً أنت تقول إنه خليفة عن الجن، طب الجن في كل نصوص القرآن لم يذكر أنه انتهى، هو موجود (يا معشر الجن والإنس)، سنأتي لنفهم المقصود التام من هذا؛ لكن لو كان خليفة عن الجن لاختفي الجن، خلاص انتهي، (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ)، انتهى المستخلفون، هذه نقطة. لو كان أنهم قاسوا، وجود قاسوا، الإنسان أو البشر على الكائنات الأخرى، أنه سيفسد في الأرض ويسفك الدماء، طب هو مَن؟ هل أنت مثلاً إذا كان الله قال لهم إني جاعل في الأرض خليفة؛ لأنه مَن سبقهم أفسد، يعني معقول إذا كان عن جد مَن سبقهم أفسد سيجعل خليفة يعود فيكمل الفساد؟! ليه سماه خليفة؟ إذن ما التغيير الذي سيحصل إذا كان هذا الخليفة، الملائكة ستستنج أنه ما دام اللي قبله أفسد، إذن هو سيفسد ويسفك الدماء، إذن لماذا تجعل خليفة معناه كأنه يرسم صورة عن الله، إن هو يكرر شيئاً موجوداً دون أية منفعة ولا أية فائدة؟! يعني الموضوع عجيب صدقاً إنه تفعيل بسيط للعقل يجعلك تعرف أن هذه الروايات يعني سقوطها يغني عن إسقاطها، لا نحتاج أن نتحدث في إسقاط، هي ساقطة أصلاً بالتفكير البسيط؛ إنما كما قُلنا هو الخليفة، هو ما جعل منه الإنسان، ما استخلف منه الإنسان؛ مما كان موجوداً قبله، ولم يكن فيه أصلاً إرادة يعني ولا كان فيه روح الإنسان التي نفخت في الإنسان؛ الأمر الذي يحقق الإرادة الإنسانية، فقالوا أتجعل فيها مَن يفسد فيها ويسفك الدماء…”.

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ

وتابع د.يوسف أبو عواد: “هنا ملاحظة مهمة جداً؛ أنا لا أدري حقيقة كل مَن يسعى إلى فهم الهدف العظيم من وجود الإنسان، ويفسر قوله تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) بأنه العبادات التي يذكرها الفقهاء في كتبهم، إنه كتاب الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج، لاحظ كيف هذا كتاب العبادات، بعدين الباقي سموه المعاملات، يعني تشعر أن الأجزاء الأخرى من الفقه ليست عبادات، خلاص يعني هذه هي العبادات، بينما الآية التي قالت (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) اقرنها مع هذه الآية (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)، ستعلم أن المقصود ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، أن يصلحوا فيها ويحقنوا أو يسهموا في الحياة، يعني ما عكس سفك الدماء (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا) جميل، معناها المفهوم العظيم للعبادة، اعكس الإفساد، الإصلاح، اعكس سفك الدماء، الإحياء.. إذن المساهمة في المحافظة على حياة الموجودات بجميع أصناف الكائنات وبالإنسان نفسه أعظم عبادة، يمكن أن يتعبد بها الإنسان، مش أن يذهب إلى الموت وينتظر لحظة الموت، ويقول لك استنى أن أموت في سبيل الله، أنت خُلقت لتحيا في سبيل الله، أما الموت فهو ضرورة ملحة يلجأ إليها الإنسان إلجاءً، وليس هو الأصل، خلقت لتصلح، خلقت لتعمر ولتبني؛ لتسهم في تطور الأرض بكل ما فيها، ما يمكن أن نسميه كائنات جامدة، والكائنات الحية الأخرى”.

الرسالة الكبرى.. ما العبادة؟

واستطرد أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين: “وهذه رسالة عظيمة تجعلنا نفهم الآن أنه بيقول لك يعني في واحد قال العلم قال الله وقال رسوله وقال الصحابة، هم أولي العرفان، مش عارف شو البيت الثاني؛ يعني منذ عهد قديم طبعاً لم أتذكره، لأني لم أقتنع به منذ اللحظة الأولى، لاحظ كيف يعني يصور لك أنه يعني أنك تنقل كل ما روي، هذا هو العلم. أما إذا ذهبت إلى علوم الطبيعيات، فأنت إنسان دنيوي، أنت تبحث عن الدنيا، أنت لا علاقة لك بالله ولا بالمقصود الذي خلقت من أجله؛ أنت منصرف ملتهٍ بما لا ينبغي أن تلتهي به، بينما القرآن يقول لك عكس ذلك تماماً؛ كل علم تدرسه تهدف به إلى إصلاح الأرض، إلى تطوير وجود الكائنات الحية في الأرض، وإلى إعمار الأرض؛ هو مما يقربك إلى الله، هذه هي العبادة، وأنت تستعين بعد ذلك بالصلاة والصيام، لتزكي نفسك، فتحقق العبادة، وليس العكس، ليست هي الغاية، الصلاة في القرآن سُميت استعانة (واستعينوا) مش هو في سورة الفاتحة قال (إياك نعبد وإياك نستعين)، طب هو لما ذكر الصلاة كالصبر، وسيلة؛ لكن الغاية الكبرى التي يُراد من هذه الوسيلة أن تهذب نفسك فتوصلها إلى أنك تذهب فتخرج في الأرض فتعمرها وتبني فيها وتسهم في تطور الأحياء وغيرها، فهذه هي الرسالة الكبرى التي استغربت الملائكة، إنه سيكون من صلاحيات البشر، طبعاً ليس كل البشر قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها، ليس المقصود الكل؛ إنما سينتج من إعطاء البشر الإرادة بطبيعة الحال، مَن يصلح ومَن يفسد، هم استغربوا طبعاً أنه كيف يصبح لأول مرة مَن يفسد فيها ويسفك الدماء، طبعاً يقول قائل طب كيف عرفت الملائكة أنه سيكون مَن يفسد فيها ويسفك الدماء، فالله أخبرهم، قال لهم (إني جاعل في الأرض خليفة)، ما معنى، يعني أكيد أنه وضح لهم ما المقصود بالخليفة، لكن تخيل أن النص قال (إني جاعل في الأرض خليفة) سأعطيه الحرية والإرادة، فيكون مَن يصلح ويفسد، فقالوا أتجعل فيها مَن يفسد فيها؟ سيصبح هذا إطناباً لا داعي له، والنص الذي يعطي المعنى بأبسط عبارة وأكثر عبارة لا يفعل هذا، فنص القرآن بليغ جداً يحذف ما يفهم من السياق، إذن هم أُفهموا أنه سيكون خليفة من شأنه كذا وكذا، فالتزموا بما يحقق هذه السنة الجديدة التي ستحدث في الكون، فاستغربوا، قالوا (أتجعل فيها مَن يفسد فيها ويسفك الدماء)..

إذن الأمر واضح جداً وبسيط، ثم قالوا (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)، آه، هذا يرجع بنا ويؤكد ما قُلناه، ما معنى يعني أن تقارن الآن (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)، معناها جملة نسبح بحمدك ونقدس لك، معناها المفهومي الأساسي حتى هو عكس الإفساد، وعكس يعني نحن معشر الملائكة بما نمثله من سنن الكون كلها، تدل على تسبيح الله، يعني كلها تفعل ما يجري سنن الله التي تنزهه عن النقص وتقدس هذه الكلمة التي أردت أن أقف عندها؛ لأنه كلمة قدس هي ترجع إلى الأصل الثنائي (قد) والقد يقول لك أتى على الشيء من أوله إلى آخره، ولذلك يقال (قد الفتاة) يعني معناها الشكل الخارجي لجسمها أو (قد الإنسان) بشكل عام، ويُقال على قد كذا، وعلى فكرة في العاميات العربية مهنة القصارة يعني القصير، يكون معه إشي اسمه القدة، القدة والميزان، فيستخدمها لضبط المستوى بحيث يكون مستوًى واحداً، هذا معروف، طيب أضيف لها حرف السين، السين يدل على نوع من التدخل اللطيف في الأمر، يعنى ما معناه قد يحصل أثناء سيرورة الكون لأسباب معينة، إنه بعض الاختلالات، بعض الأشياء؛ لكن هناك آلية تقويم ذاتي تقوم عليها الملائكة داخل السنن نفسها، فتقدس معناها، تعيد الشيء إلى سيرته الأولى، ويكون طبعاً هذا لحكمة معينة أو لسبب؛ لكن آلية التصحيح الذاتي موجودة أولاً بأول، فالتسبيح هو الجريان الأصلي وَفق السنن، والتقديس هو آلية التصحيح الذاتي الموجودة في الكون؛ بحيث إنها تعدل كل ما يمكن أن يحصل من أخطاء”.

معنى “إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”

وأضاف أبو عواد: ” (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، معناها النتيجة النهائية لما سيحصل من وجود البشر؛ أنتم لا تعلمون نتيجتها ولا تعلمون الحكمة منها، والمطلوب ألا تعصوا الله ما أمركم، وأن تفعلوا ما تؤمرون؛ لأنه في النهاية الله عالم الغيب والشهادة، هذا يدل طبعاً أن السلطة الأولى والأخيرة لله، هذا من ضمن ما لم تعلمه الملائكة، أنه كان يقصد بوجود الإنسان، أنه يختبر، أن يمتحن، أن يدخل في مدرسة، أن يساعد في إعمار وتطوير الأرض، هذا هو اختباره؛ فمنهم مَن سيكون يعني حقق الرسالة فأحسن حمل الأمانة، ومنهم مَن سيكون فعل العكس، فأساء بالتالي حمل الأشياء، ثم قال بعد ذلك (وعلم آدم الأسماء كلها)، طبعاً أنا وجهة نظري يعني أن تعليم آدم الأسماء كلها جاء بعد، يعني جاء بعد إسجاده الملائكة له، لأنه (وإذ قال ربك للملائكة) في سياق آخر (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيتُهُۥ وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ)، يعني خلاص استسلمت الملائكة، خضعت للسنة الجديدة، وخضعت للقانون الجديد الذي سينظم حياة البشر؛ إلا إبليس طبعاً، وسنذكر هذا.. انتهي الأمر. الآن سيكشف الله سبحانه وتعالى لهم بعض السبب..”.

وعلم آدم الأسماء كلها.. المرحلة الأعلى

وتابع أبو عواد: “لكن هنا قبل أن أذكر هذا؛ أريد أن أربط بين هذا السياق وسياق سورة الرحمن، ففي سورة الرحمن يعني لاحظ بعض الناس اللي يعني حتى من الطرف الآخر الذين يطعنون في القرآن الكريم لعدم.. في الحقيقة لم يعطِ نفسه فرصة حقيقية ليتدبر، يقول لك (ٱلرَّحمَٰنُ عَلَّمَ ٱلقُرءَانَ خَلَقَ ٱلإِنسَٰنَ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ)، فبيقول لك هو هذا معكوس السياق، الرحمن لازم يقول الرحمن خلق الإنسان علم القرآن علمه البيان أو علمه البيان، وآخر شيء علمه القرآن، ليه؟ لأن هو مسكين يسقط الألفاظ، يسقط المعاني على الألفاظ حسب ما يتوارثه، فتولد عنده مطاعن، فقال الرحمن علم القرآن، القرآن ليس هو البيان الذي علمه آدم، بعد ذلك سأشرح هذا، القرآن معناه مجرد إعادة شيء كما هو، ولذلك جاءت الآية لما كانت تخاطب الرسول، عليه الصلاة والسلام، (لَا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِۦٓ إِنَّ عَلَينَا جَمعَهُۥ وَقُرءَانَهُۥ فَإِذَا قَرَأنَٰهُ فَٱتَّبِع قُرءَانَهُۥ)، طيب أليس أصلاً القرآن نزل عن طريق الملك، عن طريق روح القدس؟ إذن الملائكة عندها قدرة القرآن، القدرة على القرآن، علمتها الملائكة، يمكنها أن تعيد ما تسمع؛ لكن لا يمكنها أن تصل إلى البيان الذي نتج عن تعليم آدم الأسماء، هذا هو الفرق..

لذلك تعليم القرآن سابق على خلق الإنسان، لأنه بوجود الملائكة قبل أن يخلق الإنسان أصلاً، ثم خلق الإنسان، ثم جاءت المرحلة الأعلى التي هي (وعلم آدم الأسماء كلها)، علمه البيان، شوف التناسق العجيب والتعاضد في النص القرآني، (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)، طيب إذن ما معنى علم آدم الأسماء؟ هذه الفكرة أنه ترديد شيء موجود ككلام، معناها هم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، داخل في نفس الإطار؛ لكن تعليم البيان معناها أن يصبح لدى الإنسان القدرة، ليس فقط على التصرف في الخير والشر، لأ؛ أن ينقل هذا الأمر، فيصبح داعياً إلى هذا، إلى غيره.. الآن علم آدم الأسماء، الموضوع بدأ بتعليم الأسماء، كلمة اسم بالنص القرآني واضح جداً أنه المقصود فيها الوسم، التوسيم، ولذلك، والتعليم، موضوع التعليم مختلف عن موضوع الإقراء؛ يعني (فَإِذَا قَرَأنَٰهُ فَٱتَّبِع قُرءَانَهُۥ) هذا هو التلقين، لذلك كثير من الناس يظن أن الله علم آدم الأسماء كلها، فيرجع فيذهب إلى فكرة الإقراء التي هي التلقين، وهذا ليس بصحيح، ما يمكن أن نستنتجه من تعلم الأطفال للغة أو اللسان أن التعلم يجري وَفق أولاً محاكاة الأصوات الموجودة في الخارج، فيعني معناه لذلك قُلت لك هذه مرحلة التعليم، مرحلة لاحقة، بعد أن يعني أخضعت الملائكة لسنة وجود البشر.. إلى آخره، أطلق البشر في الوجود يتعلمون الأسماء؛ فمعناها هو عاش في الطبيعة، فبدأ يحاكي الأصوات الموجودة في الطبيعة، والطبيعة فيها أصوات الحروف، ستلاحظ أنها موجودة، يعني موزعة في ثنايا الطبيعة”.

الطريقة الفطرية الصحيحة

واستكمل أبو عواد: “وهذه هي الطريقة الفطرية الصحيحة التي لم تنحرف بتشكل ألفاظ اللسان؛ إنه يسمع الصوت من الطبيعة، وطبعاً هذا بالمناسبة يعني حتى لا يقول أحد إنه أنت هذا قال به كثير من العلماء السابقين، من ضمنهم، أشهرهم يعني، قال أحمد بن فارس، صاحب معجم (مقاييس اللغة) المشهور جداً، هو تبني هذا الرأي وغيره.. على كل حال هم قالوا إنه المقصود هنا بتعليم آدم؛ أي أنه جعل في دماغه آلية، يعني ميكانيزم تجعله قادراً على أن يسمع الأصوات، فيولد يعني منها ما يتناسب مع ما سمعه، يعني هو يرى صوتاً مقترناً بصورة، مقترناً بمشهد معين.. إلى آخره. الدماغ فيه آلية أن يدرك أن هذا الصوت له المعنى الفلاني، فتبدأ الأصوات صوتاً صوتاً، يعني حرفاً حرفاً، ثم بعد ذلك يتعاضد صوت مع صوت آخر، ثم نصل إلى بعد ذلك، مرحلة الجذور الثلاثية، وأحياناً تجد أن الجذر الثلاثي لا يفي بالغرض، فيضاف إليه حرف رابع يعزز، القوي؛ ولكن هذا نادر..”. 

تشكُّل المعنى.. قدرة فطرية وضعها الله في آدم

وأجاب د.يوسف أبو عواد عن سؤال “ما دام الإنسان بدأ يفهم انعكاسات الواقع، كيف أعطى لهذا الانعكاس أو لهذا الصدى نتيجة واقع، يعني كيف تشكل المعنى في ذهن الإنسان؟”، قائلاً: “هو الله سبحانه وتعالى قال (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، لاحظ الكلمة أيضاً تعلمون، (لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ)، يعني الأفئدة جاءت في آخر المطاف، الأفئدة هي التي تقترن بالمخ والاستنتاج والعقل.. إلى آخره. إذن هو الإنسان يشترك عنده السمع والبصر ولا تدخل عليه الصورة الطبيعية إلا مقترناً فيها المسموع بالمبصر، فيتشكل في الدماغ صورة ذهنية يجردها الدماغ، هذه قدرة فطرية وضعها الله في آدم، ولذلك قال وعلم آدم، يعني ميزها حتى عند الملائكة، لم تكن موجودة، إنما وجدت فقط في آدم؛ إنه يدرك المسموعات ويدرك المبصرات ويستطيع، يتخيل لها أولاً معنًى تجريدياً يحاكيها بجهازه الصوتي، ثم ينقل هذا المعنى المباشر الذي رآه في الطبيعة إلى أشياء مشابهة تشترك في معنى كبير..”.

المعنى المفهومي

واختتم أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين: “وهو ما نسميه بالمعنى المفهومي، يعني مثلاً هو سمع صوت الماء، يعني حرف الخاء وحرف الراء، إذا ركزت في صوت الماء الذي يتدفق في الطبيعة ستجد أن في صوت الماء في الطبيعة ما يشبه صوت الخاء وصوت الراء، طيب أخذ منه الإنسان هذا الصوت (خر) أول ما أطلقه ليعبر عن الماء (خر الماء)؛ لكن صار يوسع هذا المعنى فيطلق هذا على السقوط، يطلق هذا على الانهيار، يطلق هذا على معانٍ كثيرة، حتى يقال مثلاً (خارت قواه) أو (خرت قواه)، لاحظ مع أنها شيء معنوي، ويرسم للقوة صورة يتخيلها بصورة ذلك الماء المحسوس أول مرة، ثم يسقط عليها المعنى الذي أخذه بالسمع والبصر باستخدام الأفئدة وَفق آلية مزروعة، برمجة يعني، برنامج سوفت وير أساسي موجود في الدماغ البشري، وصفه تشومسكي وغيره من علماء اللسانيات العرب أصلاً قبل ذلك يعني حتى”.