Skip to content Skip to footer

ثبات المفهوم اللساني وتحرك المعنى | سامر إسلامبولي

تحدثَ سامر إسلامبولي، الباحث والكاتب السوري، خلال لقائه د.باسم الجمل، عبر برنامج “مفاهيم”، عن ثبات اللسان العربي وحركة المعنى؛ وما المقصود بثبات المفهوم في اللسان العربي؟ ومفهوم حركة المعنى؟

المفهوم اللفظي في اللسان

قال سامر إسلامبولي، الباحث والكاتب السوري: “في الحلقات السابقة ناقشنا مثلاً نشوء اللسان العربي؛ خلوه من التطابق أو التماثل مع وجود ترادف بالمعنى الجديد أو المعنى اللساني. لكن فيه قاعدة أن المفهوم اللفظي في اللسان هو أنه ثابت كلفظ؛ لكن المعنى متحرك، ما المقصود بذلك؟

وأضاف إسلامبولي: “علماء الفيزياء يقولون إن المادة لها مجموعة من الأبعاد؛ اختاروا منها أربعة لتدريسها مبكراً للطلاب؛ فقالوا الطول والعرض والارتفاع والزمن. الواقع أنه فيه بُعد المفروض كمان يذكروه للطلاب مبكراً؛ لأنه هو قبل الزمن، هو الحركة؛ لأن الزمن وليد الحركة، ما فيه حركة ما فيه زمن إطلاقاً. الزمن وليد الحركة التراتبية. الحركة هي حركة تحدث. حركة حدثت؛ يعني حركة تحدث، حركة ستحدث؛ يصير فيه شيء اسمه التتابع، هذا التتابع في الحركات هو الذي ولد الزمن. فإذا كان الكون قائماً على حالة الثبات؛ الزمن يتوقف فوراً”.

التتابع الحركي والأفعال

وتابع الباحث والكاتب السوري: “فإذن الزمن وليد الحركة؛ هذا الشيء الموجود في الواقع، هو انعكس على اللسان العربي، فظهرت في اللسان العربي هذه الحالة؛ حاكمته (حركة التتابع الحركي) ظهرت بالأفعال، تتابع الحركات اللي هو فعل ماض، فعل حاضر، فعل المستقبل. هي تتابع الحركات. حركة حصلت حركة تحصل حركة ستحصل، فمنها أخذوا ما يُسمى الأفعال. فعل ماض، فعل الحاضر، فعل الأمر (أو الأزمان)؛ الزمن يعني حصروها بثلاثة كاصطلاح، والفعل الماضي أدق من الزمن الماضي؛ يعني الفعل الماضي مجرد أنت قُلت فعل، فالزمن وليد، مجرد أنت.. اثبت وجود الحركة أنت، اثبت ضمناً معه الزمن”.

الفعل والزمن متلازمان

واستكمل سامر إسلامبولي: “ما فيه زمن من دون حركة، ما فيه حركة من دون زمن، (والفعل لا يسبق الزمن)؛ متلازمان، يعني منذ حدوث الفعل يحدث؛ مجرد بدأ الفعل بدأ الزمن معه، بنفس اللحظة؛ لأنه حركة. فإذا بدأ الفعل قبل الفعل ما فيه حركة؛ معناها ما فيه شيء، لأنه كله بيتحرك. فإذن ما الشيء، هو بالأصل من أحد أبعاده، طوله، عرضه، الارتفاع. هذه صفات لازمة لها؛ فمجرد أن المادة وجدت، وجدت بأبعادها، دون أي فاصل زمني إطلاقاً. وكذلك موضوع الحركة بعد لازم للمادة. فصار خمسة أبعاد؛ هي المفروض تُدرس للطلاب بالمقررات الدراسية المبكرة. طول وعرض وارتفاع الحركة، الزمن؛ فالحركة مهمة كثيراً جداً”.

اللسان العربي.. اللسان صورة صوتية عن الكون

وقال الكاتب والباحث السوري: “هذا الواقع الموجود في الكون؛ انعكس على اللسان العربي؛ كون اللسان هو صورة صوتية عن الكون. فظهر في الحركة. طيب، في شيء آخر كمان.. علماء الفيزياء، فيزياء الكوانتُم، العناصر ثابتة. ليس كحركة؛ أقصد كبنى كواركات مثلاً، بروتونات كذا. عناصر ثابتة؛ بس هذه العناصر ممكن تتشكَّل بأشكال لا متناهية. أصل الوجود كله طاقة. إذا حللنا الأمور، نرجع كلنا فيزياء لكوانتُم ما تحت الذرة. طيب هذا الكلام أيضاً انعكس على اللسان العربي؛ فصار فيه ثبات المفهوم، اللي هو المعنى، وحركة المعنى وقت بيتشكِّل؛ يعني وقت بيستخدموا المتكلم في سياق معين. مثل العناصر هذه الكوانتُمية اللي هي ما تحت الذرة بتتشكّل. التشكُّل تبعها يختلف من صورة لصورة. والعناصر واحدة ما بتتغيَّر. ما بتتغير أبداً”.

الوجود كله عناصر واحدة.. الصفة العربية للسان

وأضاف إسلامبولي: “يعني أصل الوجود كله عناصر واحدة. العناصر الكوانتُمية هي بمثابة ثبات المفهوم للجذر في اللسان العربي. يعني إذا مثلاً كلمة (كتب) هي بمثابة العناصر الكوانتُمية. (كتب) ما لها معنى. كما أن العناصر الكوانتُمية ما لها صورة؛ ما تشكَّلت لسه. فهي ما لها صورة. وقت تتشكَّل تصير لها صورة. الصورة هذه محكومة بالعناصر؛ العناصر حاكمة لها، بس ظهرت بصورة معينة. هذه الصورة هي أحد الاحتمالات؛ ممكن تظهر بصورة ثانية. احتمال آخر، واحتمالات كثيرة جداً مع ثبات العناصر. تتغير فقط علاقاتها. هذا الكلام نفسه انعكس على اللسان العربي بالضبط. الحركة وثبات المفهوم، تحرك المعنى. فصار اللسان له الصفة العربية، له الصفة المنطقية، له الصفة الروحية؛ سنن حاكمة له؛ لسان عربي”.

ثبات المفهوم وتحرك المعنى.. متى يصير للأرقام معنى؟

وتابع الباحث والكاتب السوري: “فطلعت معنا القاعدة هذه التي هي اصطلاحية؛ حطوها من ناحية لفظية، هي تعبير عن الحالة الكونية، ثبات المفهوم والمبنى، ثابت إيه.. ثبات المفهوم وتحرك المعنى. لذلك نركز دائماً؛ فيه مفهوم، فيه معنى، اللي ضربنا فيه مثلاً على موضوع أرقام الرياضيات وأعداد الرياضيات. أرقام الرياضيات؛ الحساب واحد اثنان ثلاثة مفاهيم ذهنية تجريدية ما لها واقع، ما لها معنى؛ يعني إذا أنا سمعت أحد عَم يلفظ الأرقام، ما بتشكّل بذهني أنا أي معنى إلا مفهوم ذهني تجريدي؛ حالة رقمية. متى يصير للأرقام معنى؟ إذا كان فيه معدود. فيه معدود، فيصير اسمه عدداً؛ تنتقل من حالة أرقام إلى حالة أعداد، مع الحفاظ على قيمته الرياضية.. ما تغير، بس ارتبط بالشيء؛ فلذلك وقت بنقول خمسة كتب، غير خمس تفاحات؛ بس رقم خمسة كقيمة رياضية مفهوم ثابت تجريدي.. هذا الكلام أيضاً ينطبق على اللسان العربي”.

واستكمل سامر إسلامبولي: “المفهوم ثابت كمفهوم جذري ضمن الحالة الفيزيائية؛ ثابت. بيتحرك المعنى من خلال تعلقه بالشيء. والتعلق بالشيء أمر غير محدود. المعنى بدّه متكلم. المعنى دائماً بدّه متكلم. وهذا شيء طبعاً مستخدم بين الناس؛ بس ما بيشعروا بهذا الكلام. خصوصاً باللغات الأعجمية يعني. إذا بيلفظ الإنسان كلمة معينة فوراً بيطلب منه ضعها في جملة. افهم عليَّ شو بتقصد؟ وقت يقول ضعها في جملة، معناها أنت كمتكلم وضعت معنى لها. فإذن المعنى دائماً يحتاج إلى متكلم. المتكلم يضع هذه الكلمة في سياق؛ فبيظهر المعنى اللي هو قاصده”.

اللسان العربي حيوي ومنطقي

وأجاب الباحث والكاتب السوري عن سؤال “إذا وضعت أمامك مثلاً لفظة (حار)، تقول لي ما الحار؟”، قائلاً: “نعم؛ حتى مثلاً (كتب)، كتب شو؟ فتقول لي ما فهمتها، ما أنا فهمتها كجذر، كمفهوم جذري. (كتب) كلمة تدل مثلاً على الضغط، الدفع الخفيف، وبعد ذلك التجمع؛ بس هذا مفهوم، ولكن أنت ماذا تقصد؟ يعني ما المعنى اللي بدّك إياه تحمله لهذا المفهوم؟ بدّك تحطه بالسياق. (كتب زيد الدرس)، (كتب زيد كتابه على زينب). المعنى عَم يختلف من سياق إلى سياق. فهذا انعكس على اللسان العربي؛ فصار إذن اللسان العربي لساناً حيوياً، لساناً منطقياً. طبعاً فيه نقطة كمان مهمة جداً. كما أنه الواقع يقوم على الفعل؛ الفعل هو الأساس لأنه بالواقع. الفعل يعني حركة. هذا أيضاً انعكس على اللسان العربي”.

الأصل في اللسان الأفعال لا الأسماء

وقال سامر إسلامبولي: “فالأصل في اللسان هو الأفعال وليس الأسماء؛ فإذن الكون قائم على الفعل. فالقاعدة بالكون أنه الفعل بدّه فاعل. الوجود الكوني فعل، هو حركة معناها بدّها محرك؛ لأنه الحركة هي فعل وليست كياناً قائماً بذاته. لا بد لها من محرك. اللي هو فعل، فعل بدّه فاعل. هذا الكلام الكوني هو منطق، صاغ المنطق فصارت قاعدة منطقية؛ لا بد لكل فعل من فاعل. نفس هذا الكلام انعكس على اللسان العربي؛ مثل المنطق بالضبط. أن الفعل بدّه فاعل. فإذا وجدنا فعلاً في جملة، نبحث عن الفاعل مباشرةً. أين هو؟ فالكون هو مصدر لصياغة المنطق، ووضع أسسه.. الكون هو أيضاً مصدر لتأسيس اللسان العربي. فحاكم المنطق وحاكم اللسان. أي منطق لا يعتمد على الواقع لا قيمة له، صار حالة عرفانية اعتباطية؛ أي دراسة لسانية قاعدية لا تعتمد على الواقع لا قيمة لها إطلاقاً. فإذن الواقع هو مصدر للمعلومات، هو اللي بيضبط المنطق، هو اللي بيضبط اللسان العربي”. 

القرآن نزل بلسان عربي مبين.. خطابه يتوافق مع الكون تماماً

وأضاف الباحث والكاتب السوري: “وبنفس الوقت هو موضع للدراسة والتفكير، فمن الواقع وإليه، فصار تفكيرنا دائماً واقعياً.. القرآن نزل أيضاً بنفس المواصفات بالضبط؛ كونه نزل بلسان عربي مبين، وكونه صدر من الخالق ذاته، فكان خطابه يتوافق مع الكون تماماً.. فلذلك هو طلب الرب نفسه؛ أن أسقطوا كلامي على الواقع، لتدرسوه وتفهموه من خلال رؤية مصداقيته، وأمرنا نسير في الأرض؛ (قُل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق). فإذن كيف بدأ الخلق؟ لا يكون من دراسة النص اللساني (كمان تنظرون كيف كان عاقبته)؛ عاقبته، نعم؛ هي سنن تاريخية، كمان السنن التاريخية دراسة التاريخ؛ كيف هلك؟ كيف نجح وشكَّل نهضة؟ فبيطلع معنا قانون هلاك أو نجاح المجتمعات. لذلك القرآن كان مليئاً بوجود المادة التاريخية؛ لأنه المجتمعات والتاريخ كعمر أطول من الإنسان. أنا ما باستطيع أدرس هذه الأمور. بدِّي فترة زمنية طويلة؛ فرب العالمين جاب مادة معينة.. ما أحاط بالتاريخ؛ أن القرآن ليس كتاب تاريخ.. محاور، مفاصل اللي بتهم الإنسان، إنه إذا درستها بتقدر تشكِّل أنت فعلاً، منهجاً تاريخياً، وتعرف كيف المجتمعات تنهض وكيف تهلك. أعطانا السنن هيك..”.

وتابع إسلامبولي: “كون نؤمن أن القرآن من عند الله عز وجل، فبنتعامل معه كبرهان، وبنطبقه على الواقع. الدراسة تعاقبت.. الذين ظلموا معناها عَم تنتبه أنه إذا أنت تمشي أنت بنفس الطريق، في نهايتك بنفس النهاية. نفس النهاية بالضبط. وشوف كمان اللي نجحوا؛ عملوا نهضة. المتقين؛ نعم كمان إذا أنت أخذت نفس المعطيات فأيضاً حتوصل إلى ما وصلوا إليه. هذا منهج تاريخي؛ ثبته القرآن. إذا بنرجع نحن للفكرة الأساسية، ثبات المفهوم اللساني وتحرك المعنى. هذه القاعدة قاعدة كونية منطقية لسانية، قام القرآن عليها؛ كونه نزل بلسان عربي مبين، اللي عبَّرنا عنه أنه ذو نشأة فطرية فيزيائية.. هذه الفكرة كتير مهمة، لازم يعني الإخوة اللي عَم يتابعوا، ينتبهوا لهذا الشيء، وهذا يقتضي أن كل صوت في اللسان العربي له مفهوم فيزيائي، ندرسه ونحدده؛ فبيطلع معنا المفهوم التجريدي اللي بده يحكم استخداماتنا في السياقات، بده يحكمها؛ اللي هو ثبات المفهوم؛ تحرك المعنى. تحرك المعنى من خلال ثبات المفهوم. مفهوم ضابط للاستخدامات كلها في أي سياق كان..”.

ترادف عربي مبين

واستكمل إسلامبولي: “بناء طبعاً على هذا العرض أن اللسان العربي لسان كوني؛ ظهر أيضاً الترادف؛ لأن الكون كله قائم على الترادف، علاقات الكون كله؛ كل قد علم صلاته؛ فالصلاة هي العلاقة، الصلة، ففيه علاقات موجودة في الكون. هذا ترادف عربي مبين، له الصفة الكونية؛ القرآن نزل بلسانه، عربي مبين؛ ضبط الموضوع واعتمد على الترادف. اللي هوّ وجود؛ كلمات مختلفة بالمبنى تتشارك بشكل جزئي بالمعنى، ما تتطابق، مع الاحتفاظ لكل كلمة بدلالتها (ونحن هنا لم نقصد بالترادف اللي بالمعنى اللساني التقليدي) نعم، من باب ردف الشيء بالشيء إذا اتبعته به دون دمجه؛ ومنه الرديف اللي بيركب على الدراجة خلف واحد، فصار رديفه.. لكن صاروا هنا الاتنين بس مشتركين بالركوب، بس منفصلين بالوجود صح، فيه ترادف؟ نعم فيه ترادف بالكون. فيه ترادف بالمنطق؟ فيه ترادف. فيه ترادف باللسان العربي؟ فيه ترادف. القرآن استخدم الترادف؟ طبعاً؛ لأنه نفس المواصفات كله بيرجع لخلق الله”.

وقال الباحث والكاتب السوري: “اخترت مجموعة من الكلمات؛ منها (ضرب). (ضرب) المفهوم الثابت لها (الضاد والراء والباء). (ضرب) كلمة تدل على دفع شديد مكرر، منتهٍ بجمع مستقر. هذه الحالة الفيزيائية، طيب إذا بِدنا نحاول نحن نسوّي لها تعريف أكثر لنقربه للحالة الثقافية؛ فبنقول (ضرب) كلمة تدل على إيقاع شيء على شيء. هذا اللي هو دلالة الضاد. إيقاع شيء على شيء؛ يترك فيه أثراً. هذا الكلام ممكن ينطبع على حالة مادية في الضرب في الأرض سفراً؛ ممكن ينطبق على حالة معنوية. مثل ضرب الأمثال. هنا (ضرب) وهنا (ضرب). طيب مَن يحدد هنا؛ مادي هنا، معنوي؟ السياق (ضرب) واحدها مفهوم، السياق كله عَم يحدد، يعني بدّك تاخد المفهوم نص ككل.. الضرب في الأرض؛ واضح السياق إذا أسقطته على الواقع؛ لأنه الإسقاط دائماً أسقطه على محل الخطاب. أسقطته على الواقع بتلاقيه فيه فعل مادي”.

(اضرب) بين الدلالة المادية والمعنوية.. أمثلة

وأضاف سامر إسلامبولي: “فإذن كلمة (ضرب) هنا تدل على الدلالة المادية. معنى مادي (ضرب الأمثال)، حالة معنوية تتعلق بالفكر والدراسة والتفكر؛ فإذن حالة معنوية. وكلتا الصورتَين المادية والمعنوية محكومتان بالمفهوم، وضابطهما. لكلمة (ضرب) بالدليل والدلالة المعنوية. نقرأ آيات قرآنية لنثبت الفكرة. قال تعالى (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر).. إلخ النص. لاحظ أنه كلمة (اضرب بعصاك الحجر) بالدلالة المادية. وقال (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب)؛ أيضاً هنا فضرب الرقاب حالة مادية. بينما الدلالة المعنوية قال تعالى (ألم ترَ كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء). واضح السياق ككل؛ يعني هذه نقطة مهمة جداً. الله ما طالب منا نحن نفهم المفردات. والقرآن وقت ما نزل، النص ليس مهمة القرآن، يوصل شرح مفردات للمتلقي. لا فيه نص كامل هذا المفهوم كامل للنص، عندما يسمعه المتلقي ممكن ما يقدر يعرف معاني المفردات. بعض المفردات لسانياً؛ ما معناها بالضبط؟ لك أنا ما باعرف. طب فهمت شو المقصد من النص ككل؟ يقول لك فهمت، وصلني المعنى. هذا الذي أقصده؛ المشرع. أكثر من هيك ما بدّه هو. هذا اللي بدّه مبسوط. الدراسة اللفظية لكل حرف أو لكل هذا مهمة العلماء. لا يعقلها إلا العالمون. فإذن هذه الأمور ليست لعامة الناس. عامة الناس، وما المطلوب مني؟ أعمل واحد اتنين تلاتة أربعة. هذا المطلوب منك؛ إيمان بالله واليوم الآخر، عمل صالح، حسن إسلامك وإيمانك. أنت إنسان، مواطن صالح؛ التفاصيل ليست لك”.

وتابع الباحث والكاتب السوري: “التفاصيل للعلماء والباحثين؛ هنا بيظنوا أنه والله يسرنا القرآن للذكر، فهل من مدكر؟ يظنون أنه يسرناه للذكر بمعنى سهولة فهمه. لا ما هذا المقصود أبداً.. المعنى العام يعني أنه والله سهل أي إنسان طفل بيقرأه، بيفهمه؛ لأ ليس صحيحاً. القرآن قول ثقيل، لا يعقله إلا العالم والدارس. أما النصوص التي هي محل خطاب للناس جميعاً، هي فقط نصوص الدين حصراً.. حرام، حلال؛ هي ما بِدها ذكاء ولا بِدها تدبُّر، وما بينتهي هذه النصوص؛ أمر بالتدبر، تدبّر فيها، لا ما فيها تدبر هيك، هي فيها فهم، فيها فقه.. (حُرمت عليكم أُمهاتكم) بدي أتدبَّر فيها؛ لا يوجد فيها تدبُّر.. فيها فهم. بس الوالدة والمحارم النكاح؛ يعني محرم نكاحها، نقطة انتهى. كل مَن يسمع النص بيفهم. وبتقدر تترجم هذا الكلام لأي إنسان في العالم بأية لغة بلغته. أنا بدِّي أقول لك، ما المحارم؟ تعدد له إياها بلغته، بيفهم عليه النصوص الأخرى، بِدها تدبُّر”.

“حُرمت عليكم أمهاتكم”.. لماذا لم يحدد شكل التحريم؟

وأجاب الباحث والكاتب السوري عن سؤال “آية تحريم المحارم (حُرمت عليكم أمهاتكم)؛ لماذا لم يحدد شكل التحريم؟ كان مقصوداً؟ هل كان مفهوماً أنه مثلاً بالمعنى التقليدي؟”، قائلاً: “عدم وجود كلمة النكاح بالنص؛ لأن النص نزل من عليم حكيم لطرف آخر متعلم عاقل عالم بما ينزل، والمتلقي عارف؛ يعلم مقصد المتكلم. لذلك دائماً فهم النص هو علاقة جدلية بين المتكلم والمتلقي. العلاقة الجدلية بينهما بفهمه النص؛ فالمتكلم عندما يريد أن يضبط نصه يضبطه بشكل محكم. فطيب؛ لماذا حرمت؟ يعني؛ هل يعني ذلك أنه لو ما حرمه كان ممكن الناس تأتي؟ طبعاً؛ ممكن لأنه هذا الأمر ليس حالة يعني فطرية، لا هي حالة ثقافية.. الأم، الأخت وما شابه ذلك، وهذا بالتاريخ كان موجوداً طبعاً. غير الأم؛ دائرة المحارم كبرت واكتملت في القرآن.. فالتحريم جاء تدريجياً حتى أغلق المحارم كلها. فكونه حرمها؛ لأنه بالنتيجة الأم أنثى أو الأخت أنثى أو الخالة أنثى. ذكر وأنثى، وكل ذكر هو زوج الأنثى، وكل أنثى هي زوج الذكر.. أزواج؛ طبيعي العلاقة بينهم كمان طبيعية. فإذن لا بد من تنظيمها؛ فنزل النص بتحريم المحارم”.

وأجاب إسلامبولي عن سؤال “هل يمكن المقابل من ناحية التركيب.. حُرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم.. وحرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير؟”، قائلاً: “طبعاً، هل يوجد ناس مثلاً تأكل الدم؟ أيوة فيه، وما زال إلى الآن. إفريقيا إلى الآن يأكلون الدم. طيب، فيه ناس تأكل ميتة؟ فيه. فيه ناس تأكل لحم بشر؟ فيه. يعني لا يوجد مانع عندهم. فالمشرع لذلك نزله. أما وقت باكون الأمر هو في الأصل لا يقبله الإنسان، فطرة. لذلك ما نص المشرع على تحريم أكل لحم البشر كنص؛ وهو شيء مهم جداً. هل يسوي القاعدة الأصولية عند علماء الأصول أنه الأصل في الأشياء الحلال إلا ما ورد النص في تحريمه. فإذا سكت فهو حلال، فممكن ييجي إنسان يسأل أين تحريم أكل لحم البشر؟ أعطني النص، حسب القاعدة ما فيه نص بهذه الحرفية. إذن هو حلال. فهم منطقي؛ بس قاصر جامد. فيه تحريم للإنسان أكل لحم البشر؟ أيوة فيه تحريم. طيب، نازل أين؟ نازل بنقطتَين؛ أول نقطة مع تحريم السباع. النقطة الثانية تحريم قتل الإنسان. الميتة؛ حرام في الأصل أكله. يعني مَن، ولّا البشر حرام أقتله علشان أكله؟ طيب باستناه ليموت، فأنا ما قتلته؛ فبأكله ميتةً. الميتة حرام.. (لا ممكن يذبحه ويأكله)؛ لا، قتله، ما بصير تقتله؛ لأنه له حرمة بحياته. ما باصير تقتله ظلماً وعدواناً. هذه النقطة الأولى ظلم وعدوان. النقطة نازل تحت السباع. السباع محرمة في القرآن. كل ذي ناب للحيوانات اللي بتأكل لحوم محرمة. طبعاً كمان بفهم معين ليس حالة؛ يعني من خارج القرآن. لأ كله بالقرآن. فهمت عليك؛ فإذا داخل البشر في هذه النقطة الثالثة والأخيرة أن الإنسان ينفر من هذا الشيء..”.

ليس من أسلوب القرآن أن يشرع ما هو تحصيل حاصل

واستكمل الباحث والكاتب السوري: “(أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً؟) شيء بينفر منه الإنسان. فكل هذه الأمور جعلت أنه ما ينص عليه النص القرآني مباشرةً؛ لأنه تحصيل حاصل. يعني مثلاً التنفس ضروري جداً؛ الإنسان إذا ما اتنفس بيموت.. مع ذلك ما فيه نص يحضك على التنفس. طيب، لماذا؟ لأنه تحصيل حاصل. وليس من أسلوب القرآن أن يشرع ما هو تحصيل حاصل. لا بيحاول دائماً يعطيك معلومة جديدة. إذا المعلومة أنت بتعرفها؛ فما فيه داعي تقول لي إياها. ما بييجي، باقول لك القرآن 1+ 1= 2. ما أنا باعرف 1+ 1= 2. ما فيه داعي تقول لي إياها. إذا قُلت لي إياها عبس، وحشوف. نفور فطري، الإنسان وقت اكتسب الوعي نفر من أكل جنسه. هذا كثير موجود حتى بالحيوانات. فيه فصائل ما بتعرف، صارت غيرة؛ مهما صار في أكل يعني. حالات استثنائية طبعاً ما لنا فيها”.

المفهوم اللساني.. المفهوم والمعنى وخطأ الباحث القاتل

وتابع إسلامبولي: “فإذا بنرجع إلى كلمة (ضرب) هنا النص الثاني. عَم نحكي على (ضرب) بالدلالة المعنوية. (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له). الأول (ألم ترَ كيف ضرب الله مثلاً؟)، الثاني (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له).. إلى آخر النص. دلالة (ضرب) هنا، النص الأول والثاني، دلالة معنوية. النص الثالث (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه). كمان الدلالة معنوية. فإذا بدنا نثبت نحن طبعاً هذه قاعدة كتير مهمة جداً. واقع فيها كتير من الباحثين. عندما يشهرون قاعدة أنه الكلمة في القرآن لها معنى واحد. أينما أتت. يعني مثلاً إذا درسوا نصاً معيناً فشافوا أنه هذا النص استخدم هذه الكلمة بمعنى معين، فبياخدوا هذا المعنى بيثبتوه، وبيسحبوه على كامل مساحة النص القرآني أينما أتت هذه الكلمة؛ يفهمون بالدلالة الكلمة التي يفهمونها من النص السابق. هذا خطأ قاتل بالنسبة إلى الباحث. سببه ما قدروا يفرق بين المفهوم والمعنى. المفهوم ثابت؛ المفهوم اللساني. القرآن استخدم المفهوم بمعانٍ مختلفة. أما استخدام هذا المفهوم واشتقاقاته وتصريفاته فيختلف المعنى باختلاف السياق، فصار فيه قاعدة الآن تحت (إذا اختلف المبنى اختلف المعنى). صار في عندنا قاعدة أن الكلمة في اللسان العربي لها مفهوم واحد لساني، وتظهر معانيها المتغيرة حسب اختلاف السياقات، وتظهر لها دلالة مادية أو معنوية محكومة بالسياق، أما مو معني واحد، معانٍ متعددة..”.

“قتل”.. لا تعني فقط الموت وإزهاق الحياة

وأضاف الباحث والكاتب السوري: “هذا كلمة ضرب.. نيجي لكلمة (قتل). كلمة (قتل) تدل على توقف شديد، مع دفع خفيف ينتهي بحركة لازمة ثقيلة. طبعاً هذه التعريفات يعني ممكن المتلقي يفهمها من خلال المحاضرات كلها؛ فبيعرف ما المقصد بالضبط إنه توقف شديد هو دلالة حرف (القاف)، دفع خفيف، و(التاء) حركة لازمة ثقيلة، هو (اللام) مجموع الأصوات الثلاثة (قتل) هي اللي عَم تعطي هذا المفهوم الفيزيائي التجريدي. هلا فيه استخدام الثقافة (القتل)، هل كلمة القتل كما هو شائع بين الناس، فلان قتل فلاناً أي أزهق حياته؟ لا، ليس بالضرورة كلمة (قتل)، لا يشترط لها أن تنتهي بإنهاء حياة الإنسان (أو لا تنتهي بالموت)؛ أي ليس بالضرورة أن تنتهي بالموت، لا؛ هي مجرد قتل، ممكن تصل إلى صورة القتل لأقصى صورة لها، وهو إزهاق الحياة؛ يعني أكيد الإنسان الذي أزهقت حياته تم قتله من خلال وسيلة معينة، أما ليس بالضرورة كل كلمة أو فعل (قتل) يعني أزهق حياة الإنسان. فإذن (قتل) الشيء، وهذا بنستعمله طبعاً، وهذا شيء مهم عند الناس.. يستعملونها بحياتهم بس ما بينتبهوا لك.. أنا قتلت هذا الأمر دراسةً، شو قتلته؟ يعني أشبعته دراسةً؛ حاولت أدرك كل ما فيه، حتى قدرت أنا وين فيه ثغرات، وين فيه كذا.. سدّيتها وملكت الموضوع. بنستخدمه كمان بالطعام (اقتلوا الثوم والبصل) مثلاً، اللي هو الرائحة تبعهم المؤذية المنفرة، اقتلوها؛ بشو؟ بالطبخ؛ عشان تروح.. فإذن القتل عما صار يبدأ من تقليص فاعلية الشيء إلى الحد الأدنى.. ممكن التقلص ينتهي بإنهاء حياته كاملاً، هذا الكلام بيفيدنا بموضوع إنه ليس أينما وجدت كلمة (قتل) في القرآن تعني الموت أبداً وليس مطلباً قرآنياً قتل الناس بمعنى إزهاق حياتهم؛ ليس مطلباً بخلاف القتل.. قتل مطلب، بس ليس إزهاق الحياة، تقليص فاعلية العدواني والمجرم، قلص فاعليته، (قاتلوا الذين لا يؤمنون)؛ هل يعني قاتلوهم هنا تعني اقتلوهم؟ لا؛ قاتلوا طبعاً هنا القتال..”.

اقتل وقاتل

وأضاف سامر إسلامبولي: “وقاتلوا يعني من الكلمات التي تدل على اشتراك فريقَين فيه، فرق ما بين (اقتل وقاتل).. (اقتل) معناها الفعل عَم يصدر من واحد؛ يعني (قتل زيد عمراً) فعل القتل صدر من واحد. أما (قاتل زيد عمراً)، معناها الفعل القتال متبادل بينهما؛ فلذلك في القرآن دائماً القتال متبادل، يعني في فئة عدوانية هاجمت على المجتمع المسلم المؤمن، فهذا المجتمع المسلم بده يضطر مكرهاً (كتب عليكم القتال وهو كره لكم)، ما أحد بيحب القتال، القتال دمار وعنف؛ ما أحد بيحبه، طبيعة الإنسان السوي بينفر من القتال، طبيعة الإنسان الفطري بيميل إلى السلم والسلام، فكتب عليكم وهو كره لكم، إذا بتلاحظ الفعل مبنٍ للمجهول (كُتب) يعني ليس الله الذي كتبه”.

 

وتابع الباحث والكاتب السوري: “معطيات في الواقع هي التي دفعتك للقتال.. شو هي، العدو هو اللي كتبه عليك، أنا ما بدّي قاتل، لأ، بدك تقاتل، وهجم عليَّ؛ فأنا اضطررت.. هو كُتب القتال، مَن الذي كتبه؟ الواقع والمعطيات والظروف اللي صارت؛ هي أجبرتني على اتخاذ قرار القتال”.

“كُتب” عليكم الصيام

 وأجاب إسلامبولي عن سؤال “هل يمكن تطبيق نفس هذا الفعل على (كُتب عليكم الصيام)؟”، قائلاً: “نعم طبعاً؛ (كتب عليكم الصيام) غير تبع شهر رمضان، شهر رمضان ما فيه كُتب، (فمَن شهد منكم الشهر فليصمه). إذن صيام رمضان واجب (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).. هذا ما له علاقة برمضان؛ كونه صنَّف فصار الصيام، رمضان ما له علاقة بـ(كُتب)، هو واجب أمر مطلوب من الإنسان أن يصوم شهر رمضان. هذا خلصنا من الموضوع.. جينا على (كتب)؛ هنا (كُتب عليكم الصيام)، هل المقصود هو نفس صيام رمضان ولّا شو؟ عَم ياخد دلالات، عَم ياخد دلالات أوسع الصيام.. الصيام من الإمساك، هل الإمساك بس عن طعام وشراب؟ لأ الإمساك عن كل شيء، حسب الوضع اللي أنت متعرض له، هل أنت متعرض إلى حالة مرضية فبتمسك عن الطعام والشراب اللي بيأذيك؟ هل أنت متعرض إلى الظلم الاجتماعي وغلاء معيشي، صوم؛ بمعنى لا تتعاطى هذه الأمور؟ يعنى إذا أردت أن ترخص مثلاً مواد معينة، صُم.. (لعلكم تتقون.. نتقي، ماذا نتقي؟)؛ نتقى ما ترتب على هذا الظلم والغلاء فإذا صُمت اتقيت الغلاء، سلعة معينة غليت صام المجتمع عنها، طبعاً الصيام هنا ليس فرضاً. هذه حالة، ظاهرة اجتماعية، هذا بخلاف رمضان، رمضان حالة فرضية الصيام (كُتب عليكم الصيام) ظاهرة جماعية.. أنا مو لحالي باقاطع، ما بيصير شيء. لا، ظاهرة بالمجتمع  مثلاً إذا كان يتعلق الأمر بغلاء مواد معينة بيقاطعوها، فإذا قاطعوها كسدت هذه البضاعة في المجتمع يوماً، اثنين، ثلاثة، فبيضطر أصحابها ينزلوا أسعارها”.

الجهاد والقتال.. شرع القتال للدفاع عن النفس ورفع الظلم والعدوان

وقال سامر إسلامبولي: “قُلنا إن القتال كُتب على المجتمع الإسلامي وهو كره للإنسان، (كُتب عليكم القتال وهو كره لكم)؛ لأنه الإنسان بينفر، الإنسان السوي السلمي بينفر من القتال، لأنه أذى وفساد ودمار، ففيه ظروف خارجية معطيات ودوافع هي أجبرته على اتخاذ قرار القتال، ليدافع عن نفسه؛ لذلك شرع القتال في الإسلام بالقرآن للدفاع عن النفس ورفع الظلم والعدوان؛ ليس للمبادرة إطلاقاً.. لا يوجد ما يُسمى بجهاد الطلب المطروحة بالفقه. طبعاً بيخلطوا ما بين الجهاد والقتال؛ ليس كل جهاد قتالاً، كلمة الجهاد أوسع من القتال، الجهاد ممكن يجاهد الإنسان بماله، ممكن يجاهد بوقته، يجاهد بعلمه؛ بنشر العلم، بالوعي. ومطلوب من الإنسان أن يكون مجاهداً في حياته، قف دون رأيك في الحياة مجاهداً.. لازم أنت تكون مجاهداً في الحياة”.

اتخذوا القرآن عضين.. إشكالية المفاهيم

وأضاف الباحث والكاتب السوري: “كل جهاد الحياة جهاد؛ بطلب العلم، بطلب الرزق؛ بأشياء كثيرة.. دائماً فيه جهاد، ضمن قيم وأخلاق؛ يتخلل الجهاد لظرف طارئ العدوان، القتال.. فإذن القتال من أجل هدف نبيل اسمه جهاد، أما إن كان القتال عدوانياً فما اسمه جهاد، صار اسمه عدواناً، جرائم.. فإذن القتال الذي يُسمى جهاداً، يعني ليس كل القتال جهاداً، لا؛ القتال النبيل الذي يهدف إلى الدفاع عن النفس ورفع الظلم عن الآخرين، ممكن تدافع عن آخرين، شعوب معينة.. فهذا اسمه جهاد، أما ما سوى ذلك فما اسمه جهاد، فإذن شرع القتال في القرآن لصد العدوان ورفع الظلم وترك الناس أحراراً في إيمانهم أو كفرهم. قال تعالى وهذا نص ثابت (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)؛ لأنه كتير فيه ناس بتتصيَّد من اللا دينيين وغيره إنه بالقرآن في أمر بالقتل.. اقتلوا، (واقتلوهم حيث ثقفتموهم)؛ هذا عَم يتعامل مع النص القرآني تعاملاً شيطانياً، عضوده.. نصف الكلام لا جواب له، ولو كان كلام الله؛ لذلك حذر الرب أنه يتعامل مع القرآن بشكل معضود، اتخذوا هذا القرآن عضين.. عم بتجزأ، ما بيصير تاخد (فويل للمصلين) وتبني عليها أحكاماً، بيطلع معك مفاهيم شيطانية.. (لا تقربوا الصلاة) بيطلع معك مفاهيم شيطانية. طب هذا كلام الله، إيه؛ بس ما كملته، اجتزأته من سياقه فبيطلع معك مفاهيم شيطانية..”.

الحل هو الترتيل

وقال الباحث والكاتب السوري: “إذن ما الحل؟ الحل هو الترتيل، اللي هو قاعدة منهجية، بعد المنهج اللساني لدراسة القرآن، أول قاعدة بتيجي هي الترتيل، ترتل الآيات المتعلقة بالموضوع.. كليات الآيات عَم تدرس القتال في القرآن، بجمع آيات القتال كلها الموجودة على مساحة النص القرآني، اللي تتكلم عن القتال؛ بارتلها وباجمعها، وبعدين فيه عملية تقليم.. تقليم، ترتيب أولويات؛ أي نص قبل أي نص؟ هل يا تُرى نص قاتلوا الأول، ولّا اقتلوا الأول؟ أي نص الأول؟ فهنا النصوص المحكمة الأساسية هي التي نطلعها الأول، مين اللي بيقول لنا هذا النص أول المنظومة الأكبر، هل القتال هو المنظومة الكبرى والأساس في علاقات الناس مع بعضهم؟ لا، ما المنظومة الكبرى؟ منظومة السلم والسلام (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)؛ فإذن الأصل في العلاقات، الناس والمجتمعات، هو التعارف؛ التعارف ينتج عنه تعايش، ينتج عنه تعاون، ينتج عنه سلام وتبادل العلاقات.. هذا الأصل. طيب، القتال بناء على هذه المنظومة، بتحكم منظومة القتال، القتال حكم ظرفي طارئ، أحكام طوارئ متعلق بالعدوان. فإذن؛ النص الأول بمنظومة القتال اللي هو تحت منظومة السلم والسلام، بيبدأ أول نص، هو اللي تلوناه (وقاتلوا في سبيل الله)، وقولنا نحن (قاتلوا) دائماً كلمة تأتي تتعلق بطرفَين؛ ما قال (واقتلوا)، لأ (وقاتلوا) معناها قاتل.. قاتل معناها فيه طرف تاني عَم يقاتل، فأنت معك، عندك خيار إلا أن تقوم تقاتل، فصار اسمه قتال، وتقاتل.. (قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم)، صار هذا النص هو رقم واحد بمنظومة القتال كحكم ظرفي.. هلا نصوص القتال الأخرى التي تأتي بصيغة (اقتلوا) تحت منه؛ يعني خطاباً لمجتمع في دائرة الحرب، ليس في دائرة السلم، اقتلوهم، هذا النص (اقتلوهم حيث ثقفتموهم) موجه.. خطاب لمجتمع عَم يقاتل، فوقت يكون فيه قتال بين طرفَين، طبيعي جداً إنه يكون خطابك خطابَ قتال لا سلم، ما بوقت تطرح مفاهيم سلمية، لأ، ليس وقتها؛ لأنه قتال، فبتطرح (واقتلوهم) وحضهم على القتال. أما إذا انتهى القتال، هذه الآيات كلها وقفت ظرفية طارئة؛ لأنها وقفت، شو بيرجع بيرجع، تفعيل المنظومة الأساسية اللي هو السلم والسلام؛ هذا الأساس”.

 

“قاتلوهم”.. شرط بدء الطرف الآخر بالقتال

وأجاب إسلامبولي عن سؤال “معنى (قاتلوهم) لا تعني إنه روح احمل هذه البندقية ولّا هذه العصا والسكينة، وروح اضرب الناس؟”، قائلاً: “لا؛ شرط يبدؤون هم بالقتال، لأنه النص صريح، قاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا.. شو لا تعتدوا؛ لا أنت تبدأ، لأنه إذا بدأت صار عدوان.. القتل تقليص فاعلية الشيء، وليس هدف القرآن من الإنسان المسلم أنه يزهق حياة الناس، ما الله أنزل القرآن لإزهاق حياة الناس إطلاقاً. يعنى الأصل في الإنسان المسلم حتى عندما يقاتل يحاول أن يحافظ على حياة الطرف الثاني ما استطاع.. ما يزهق حياته إلا اضطراراً؛ يعني هو الطرف الثاني، هو يُكرهه على إزهاق الحياة؛ لأنه إزهاق الحياة ليس مطلباً، بينما حياة الناس مطلب؛ فأنا حريص على حياتي إنه ما تزهق حياتي أنت، وحريص على حياتك كمان، فما استطعت أنا باحاول أقلص فاعليتك دون إزهاق حياتك، فإن تم زهق حياة الطرف الثاني دون قصد منِّي وليس مطلباً دينياً إطلاقاً، وإنما أكرهتنى أنت على أن أصل إلى هذا المستوى؛ لأنه أنت مستمر بالعدوان، بدّك تقتلني وتزهق حياتي..”.

 

كيف نفهم قاتلهم الله؟.. “قتل” بين الدلالة المادية والمعنوية

وأضاف الباحث والكاتب السوري: “هذا دلالة كلمة (قتل)، جَت بالدلالة المادية وجَت بالدلالة المعنوية.. الدلالة المعنوية قال تعالى (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون).. (قاتلهم الله أنى يؤفكون) لا يُقصد فيها الدلالة المادية، يقصد فيها الدلالة المعنوية، والسياق عَم يعبر أنه دعوة بالهلاك والثغور لهم، أما ما المقصود؟ قتل مادياً.. فـ(قاتلهم الله) أي قلَّصَ قواهم وفاعليتهم، الله يستخدم دائماً مع الخلق السنن التي وضعها لا يتجاوزها؛ لأنه ألزم نفسه بها، الله وضع السنن وألزم نفسه بها؛ حتى تستقيم الحياة ويستقيم الوجود الكوني والزمان، (ولن تجد لسنة الله تبديلاً) فهذا التثبيت من أجل حياة الإنسان لا من أجله هو؛ لأن هذه السنن موضوعة وضع بالنسبة لله لا ملزم فيها، هو وضعها بس ألزم نفسه فيها؛ إنه أنا ما أبدلها عشان تستقيم حياتي”.

 

“وقاتلوا في سبيل الله”.. ما المقصود بـ”في سبيل الله”؟

وتابع سامر إسلامبولي: “الله لا يقاتل أحداً.. مثلاً الكلمة اللي مرّت معنا سابقاً (وقاتلوا في سبيل الله)، ما المقصود في سبيل الله؟ مع أن كلمة الله موجودة، في سبيل الناس، كلمة في سبيل الله في القرآن، وين ما وجدت، تستطيع أنت تفهم، مو تزيل كلمات، طبعاً في سبيل الله.. في سبيل الناس؛ في سبيل الناس الحفاظ على البيئة؛ من أجل الناس، لأنه فساد البيئة هو فساد للإنسان، لوثت المياه أذيت الإنسان؛ فالحفاظ على البيئة هو للإنسان. الإنسان هو محور الوجود الكوني؛ فلذلك في سبيل الله تعني في سبيل الناس.. (مَن ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) الله هو الغني الحميد، مَن يقرضه؟ ما أحد يقرضه. المقصد إقراض الناس المحتاجين، إذا أقرضته كأنك أقرضت الله؛ لأنه الله هيرد لك هو الثواب، ويعطيك إياه، (إنما هي أعمالكم أحصيها لكم)؛ هو غني حميد، الحي القيوم الغني الحميد؛ فهنا نفس الشيء (قاتلهم الله)، الله لا يباشر القتال هو بنفسه، وليس هو خصمهم، (فأذنوا بحرب من الله)؛ الله ليس طرفاً في المعادلة”.

 

“فأذنوا بحرب من الله”.. هل الله طرفاً بالمعادلة؟

وأجاب إسلامبولي عن سؤال “يعني (فأذنوا بحرب من الله) معناه فأذنوا بحرب من السنن الإلهية؟”، قائلاً: “جيد، نعم السنن الإلهية؛ أي مجتمع بيتعاطى سنن الهلاك، هذا عملياً تعاطي ما يُسمى حرب الله، حاربت الله يعني شو حاربت الله؟ عندما خالفت العلم، محاربة السنن، محاربة الحق.. حاربت الحق، حاربت الله، حاربت السنن.. صدام مع الوجود، حاربت الله، هذا هو الحرب. أما الله فليس طرفاً بالمعادلة، يعني ما في السؤال اللي بينطرح أين الله مما يجري من الأحداث؟ الله ليس طرفاً بالمعادلة.. بالمعادلة فيه إنسان لإنسان، إنسان صالح مقابله إنسان مجرم فاسد، معركة بينهما”.

 

وأضاف الباحث والكاتب السوري: “والذي يطبق سنن الله هو المنتصر.. يطبق سنن الله مع الالتزام بالمفاهيم والقيم؛ فهو المنتصر. أما والله إنسان بسيط بالصلاة والأمور هذه ما له علاقة بهذه السنن أبداً.. هذه حالات وجدانية؛ الأصل لذلك (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) ما أعددت شيئاً ما بتنتصر. طيب أنا مسلم، ليس شرطاً تنتصر، ما بتعرف تسبح، تغرق. طب أنا مسلم باصلّي، قانون العوم له قانون؛ فإذا دخلت إلى البحر دون معرفة قانون السباحة بدك تغرق، والكافر لأنه بيعرف يسبح فينقذ نفسه.. ليش، كلانا عباد الله، الكفار عباد الله، والمسلمون عباد الله.. كلمة عباد؛ لأنه عامة الله رب الجميع، رب المؤمنين ورب الكافرين؛ بس المؤمنين التزموا، الكافرين كفروا.. ليش استخدموا حريتهم؟ لذلك برهان الحرية الفلسفي بيظهر بالكفر أكثر من الإيمان، وقت تشوف الإنسان أنه كفر يعني رفض أمراً، وأنا أدرك تماماً معناها.. هو حر، صاحب قرار، وحر بس يتحمل نتيجة قراره”.

وعلَّقَ إسلامبولي على الآية “وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا”، قائلاً: “نعم مؤمنين من الأمن، كمان النقطة هنا مهمة، ليس أينما أتت كلمة مؤمن في القرآن تعني المعنى الشائع بين الناس اللي هو يعني مؤمن بالله.. لا؛ ليست بالضرورة نفس كلمة المسلم، مسلم لا تعني مسلماً بالله، لا؛ في مَن أسلم وجهه لله، وفيه مَن أسلم وليس لله؛ لكنه أسلم.. فإذن فيه مسلم كوني ممكن يكون لا يثبت وجود الله، ممكن يكون ملحداً، بس أسلم كونياً، فنستطيع نسميه مسلماً إذا كان سلمياً في نفسه كمفاهيم سلمي في سلوكه الاجتماعي.. هذا اسمه مسلم، بس مسلم لمين؟ مسلم كوني أو ما يُسمى مسلم إنساني فقط.. موضوع تاني. الحساب عند الله؛ هذا غيبي، أما اسمه مسلم وبيتعامل معه على هذا المفهوم، مسلم سلمي مواطني، ومؤمن نفس الشيء بالضبط، فيه مؤمن كمان كوني؛ لأنه طبعاً المسلم والمؤمن، المؤمن هو الإنسان الذي يتفاعل مع الكون؛ مع الوجود والمجتمع، مؤمن من الأمن، فهذا إنسان أرقى من المسلم، المسلم بس إنسان سلم الناس من لسانه ويدَيه، بس ما عَم يتفاعل مع المجتمع”. 

المؤمن والمسلم

وأضاف الباحث والكاتب السوري: “المسلم سلم الناس من لسانه ويده لحاله، ما عَم يأذي أحداً، هذا مسلم طيب، والمؤمن من أمنه الناس، إذا بتلاحظ الحديث المعروف جاي كتير مهم، إنه المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم.. معناها المؤمن هو مسلم، تفاعل مع المجتمع، وصار إنساناً فعالاً في المجتمع، يأمنه الناس على أموالهم وأعراضهم”. 

وقال إسلامبولي بشأن “المواطن العادي الملتزم مثلاً بقوانين المجتمع، لا يأذي الناس” قائلاً: “هذا مسلم؛ الأول التزم بحاله بس ما أفاد المجتمع بشيء أبداً، ما أضر المجتمع، بس ما أفاد المجتمع.. مواطن يتفاعل في المجتمع يقدم خدمات في المجتمع فهو مؤمن فوق الإسلام.. المؤمنون مو بيكتروا على مساحة نص قرآني.. فالله غني حميد، إيماننا بالله إنما من أجل أنفسنا وكل ما نفعله من أحكام أو حتى عبادات وجدانية إنما هو من أجل أنفسنا، الله غني عن الجميع..”.

 “فإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا”

وتابع الباحث والكاتب السوري: “طائفتان من المؤمنين على إطلاقه؛ يعني طائفة فيها أمن والطائفة الثانية أمن مو مجرمين، مو شرط يكونوا مؤمنين بالله، مو بالضرورة مؤمنين؛ لكن حصل قتال بينهم لظرف ما، معطيات معينة، صار فيه قتال بينهم.. هلا وجب على طائفة ثالثة طبعاً راح تكون مؤمنة، تتدخل بتوقف القتال فوراً. أول عملية طائفة مؤمنة، فهذه الطائفة طبعاً بتكون فيه قوة، أول خطوة توقيف الحرب مباشرة فوراً دون أي شروط. توقيف مباشر لحقن دماء الناس؛ لأن حياة الناس كتير لها قيمة، ما فيه أنه واحد اتنين عشرة ما لهم قيمة.. لازم يكون فيه رقم كبير لحتى نقدر نتعاطف فيه؛ إذا وصل القتلى إلى بعد عشرة آلاف ممكن نتدخل، لشو هؤلاء ليه أكياس بطاطا، إنسان، الإنسان والجنس الإنساني متكافئون، مَن قتل نفساً كأنما قتل الناس جميعاً، فالمسألة عند الطغاة، عندهم الناس القتلى بيعدوهم بالآلاف، أربعة آلاف، عشرة آلاف؛ كأنهم عَم يتعاملون مع أكياس شيئية، بطاطا وما شابه.. ذلك فإذا الطائفتان صار فيه قتال لظرف ما، أول عملية هو توقيف الحرب؛ لحقن الدماء والمحافظة على الناس، هلا بييجي بيصلحوا بينهم وبدهم يرضوا بالصلح بأي شكل، ببعض التنازلات، بيرضوا هلا؛ فإن تم الصلح والاتفاق بين الأطراف الثلاثة، صار فيه بينهم ما يُسمى عقد وميثاق.. هلا أية طائفة منهم بصرف النظر الأولى ولّا الثانية نقضت هذا الميثاق أو العهد، يتم قتالها، ليه؟ صارت عدوانية”.

الفعل “اقتتل” أو “اقتتلوا”.. هل القتال هنا “المادي”؟

وأجاب إسلامبولي عن سؤال (هل القتال “مادي” في الفعل “اقتتل” أو “اقتتلوا”؟)، قائلاً: “طبعاً الاقتتال هو اقتتال مادي هنا، والاقتتال طلب القتال، اقتتل طلب القتال مع الطرف الثاني، والطرف الثاني عَم يطلب منه القتال، فاتنين، طالبين القتال، واتنين عَم بيروح منهم ضحايا”.

حيوية اللسان العربي

وقال إسلامبولي بشأن الآية “وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا”؛ لماذا لم يقل الله (اقتتلتا)؟: “هذه النقطة كتير مهمة، والسؤال كتير مهم، وهذا من حيوية اللسان العربي، وقت ما نسقطه على الواقع، جيب مثال بسيط جداً بيبسط الفكرة.. لو عندنا فريق قدم وفريق تاني، بدّي أحكي عنهما، أنا شو باقول؟ ممكن أقول (لعب الفريقان)، وممكن أقول (لعبوا) (الفريقان لعبوا) (على اعتبار أن كل فريق هو عبارة عن مجموعة) فالقرآن استخدم هذه النقطة بالذات؛ إن الطائفة مجموعة.. فهنا جمع، هذا إسقاط.. اللا ديني لعدم علمه بهذه الدقائق اللسانية، خطـأ لساني أو نحو؛ باعتباره أن هو مثنى، لماذا صار جمعاً؟ لا؛ هنا جمع بالأصل، لماذا؟ هنا جمع فريق، جمعه، عناصره 11 لاعباً ودول 11 لاعباً، فبيصح أقول أنا (الفريقان لعبوا مع بعضهم)، ليه؟ لأن كل فريق جمع، وقت باقول (الفريقان لعبا) أنا بدّي وقف؛ لأنه الفريق ممكن تطلق على الواحد فريق، أول فريق، تاني، واحد هنا ولا أديش ما باعرف ما فيه معلومة وقت ما قال لعبوا دوغري.. أن فهمت هذا الفريق مجموعة، وهذا الفريق مجموعة.. مو واحد وواحد، لضبط الفكرة بثنايا الاستخدام للكلمات اللسانية..”.

قتل.. المعنى الشائع والمعنى المادي

وتابع الباحث والكاتب السوري: “فإذن (قتل) الدلالة المادية والدلالة المعنوية، وصلنا إلى الكلمة الثالثة؛ وهي مهمة جداً.. كلمة قطع، قطع تدل على توقف حركة يعقبها دفع قوي بعمق وامتداد (القاف والطاء والعين) ظهر هذا المفهوم بدلالة مادية أيضاً وأخرى معنوية؛ يعني هذه بنكررها حتى تثبت بذهن المتلقي إنه دائماً تسمع كلمة لا فوراً يذهب ذهنك للدلالة المادية؛ لأن الدلالة المادية هي نتيجة العقل التجسيدي، هو العقل الطفولي.. هذا اسمه المعنى الشائع، كمان واقع فيه كتير من الباحثين، وقت بيسمعوا كلمة بياخدوا المعنى الشائع، والمعنى الشائع هو المعنى المجسد، يعني أبسط معنى المادي”.

 

وأضاف إسلامبولي: “فيه اصطلاحات مشكلة كمان، أما إذا تقيد باللسان لك عَم ياخد المعنى التجسيدي، لا.. المعنى التجسيدي مو هو أصل، هو أحد الاستخدامات، فيه استخدام آخر بيكون معنوياً، فإذن كلمة قطع ممكن تكون دلالتها مادية، ممكن تكون دلالتها معنوية.. هل هذا مستخدم في الحياة الاجتماعية الثقافية؟ طبعاً، قطع الأرحام حالة معنوية، قطع ثمار الشجرة مادي.. إذا الثمار أزلتها عن مكانه اسمه قطع.. والقطف صورة ثانية.. قطع، قطف، والأمور هذه التي تيجي بـ(القاف، طاء) لها عدة أمور، (قطع) وقفت نموها، يعنى عملياً لأنه قطع هو توقيف النمو، (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها)، فهنا قطعت يعني وقفت نموها. طيب متى يصير مثلاً القطف؟ القطف بعد النضج، إذا نضجت تصير تقطفها، أما ما قبل ذلك ما اسمه قطف، قطعتها؛ وقفت أنت عملية نضوجها، فكانت هنا المعركة اللي حصلت، يعني النبي قام بتوقيف نمو هذه الثمار، بصرف النظر شو هي؛ لقطع الإمداد الغذائي، ما أزال الشجرة، فهموها بالتفاسير (قطعتم) أنه أزال الشجرة كلها، لا؛ ما أزال الشجرة، لأنه إزالة الشجر فساد في الأرض، لازم تحافظ عليها، أما توقيف الثمرة فترجع تحمل مرة ثانية بالموسم الثاني.. (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة)؛ فإذن القطع هنا توقيف فاعلية الشيء فقط، دلالة مادية أو دلالة معنوية..”.

“قطع” غير “بتر”.. إذا اختلف المبنى اختلف المعنى

واستكمل إسلامبولي: “هذا يوصلنا وأنت عَم نقرأ النص القرآني لتثبيت الفكرة (ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون).. وصلنا إلى نص مهم جداً تطبيق لهذه القواعد اللسانية، (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) لاحظ أيديهما، مو (يديهما) ؛ أيدي جمع، وهما للطرفين، فهنا فاقطعوا أيديهما، هل بمعنى ابتروا؟ نحن اتفقنا في البداية إذا اختلف المبنى اختلف المعنى؛ فقطع غير بتر، البتر هو فصل كلي لجزء من شيء، ومنه بتر اليد، بتر القدم، فصل جزء منها بشكل كلي، ومنها بتر الساق؛ يعني الصورة هذه بيمثلنا نحن شجرة كتير بتهم بالموضوع، إذا عندنا نحن شجرة بنلاقي نحن كلمة القطع تتعلق بالثمار.. البتر قبل نضوجها، نعم البتر بالساق تبترها وتخلّي جزءاً من الساق ظاهراً فوق التربة، هذا اسمه بتر.. فيه عندنا الفعل الثالث (جث)، إزالة الشجرة من الجذور، إزالتها كلها، فصار عندنا (قطف) قطع للثمار، عندنا (بتر) الساق، عندنا (جث) الشجرة إزالتها من الجذر.. نقرأ الآية كمان لأنها مهمة، قال تعالى (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار)، هذا الجث يعني شيل من الجذور، من أساسها.. البتر للساق، القطع للثمار، ثلاثة معانٍ.. نص السرقة جاي بفعل قطع، ما بيصير تقول صح هو جاي قطع بس معناه بتر؛ لا، هذا تحريف، هذا تحريف.. لا، ما غيرت كلمة قطع، غيرت بالمعنى أنت آمنت بأحرف، بس (ق- ط- ع)؛ لكن حطيت أنت معنى من عندك؛ هذا اسمه تحريف الكلمة عن مواضعه، هذا اسمه تحريف.. فهل النص القرآني حرفه المسلمون؟ نعم حرفوه. كيف؟ بالمعنى، بالتفسير، بالدراسة، حرف.. صار القرآن بوادٍ، ودراسته بوادٍ ثانٍ، فقالوا إن هنا اقطع..”.

 

يحرفون الكلم عن مواضعه.. كيف؟

واستطرد سامر إسلامبولي: “مثل يحرفون الكلم عن مواضعه.. الكلمة لها موضع، لها معنى، لها دلالة؛ اكتسبت هذا الكلمة؛ لكن حطوا لها إيه؟ معاني من عندهم، فحطوا كلمة (بتر) في التفسير بدل كلمة (قطع)، فصار (بتر اليد) وصار حكم فقهي موجود، وبترت الأيدي عبر التاريخ، أما هو المقصود قطع، والقطع توقيف، توقيف لهذا الشيء تماماً عن فاعليته. شو المطلوب؟ السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما؛ الأيدي هنا جمع، ليست (يديهما)، كلمة اليد في اللسان العربي لا تعني بالضرورة العضو، اليد تعني القوة الطائلة، وسُمِّي العضو (يداً)؛ لأن هو فيه قوة طائلة، فسمِّى، فهنا عكسوا الموضوع ساووا التسمية العضوية، هي الأصل، بنوا عليها كل الدراسات هذه؛ معنى مادي، أما المعنى الأساسي فالقوة الطائلة، بس هذا المفهوم اللساني بيظهر بدلالة مادية؛ مثل اليد، العضو، وبيظهر دلالة معنوية؛ مثل (يد الله فوق أيديهم)، الله ما له يد عضوية، ليس كمثله شيء، وجوده الأزلي مغاير للوجود الحادث اللي هو فعل..”.

قوة الله الطائلة

واختتم الباحث والكاتب السوري: “قوة الله الطائلة بنستخدمها أيضاً.. المفارقة بنستخدمها بالحياة المعيشية.. نحن فلان إيده طويلة، ما بنقصد نحن الطول المادي، فلان إيده واصلة؛ نقصد فيه عنده قوى، واصل لمراكز النفوذ، علاقات، إيده طويلة؛ يده واصلة.. هذا بالعامية، نعم إيده طويلة صار لص، فلان له أيادٍ بيضاء، عندي أعمال من الخير والمعروف قوي، عَم قدم لي إياها، ما بنستخدمها بس ما بينتبهوا.. فإذن (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) هنا الأيدي جمع تعني إيه؟ القوة الطائلة التي بيستخدمها السارق أو السارقة، بيستخدم قوة، أدوات، بصرف النظر شو هي؛ سواء إلكترونية، تقنية أو بدائية؛ بيستخدم القوى، أي القوى بيستخدمها، اقطعوها.. شو يعني؟ امنعوها، وقفوها، صادروها. أما ممكن الإنسان يصير يسرق وماله يد عضوية أصلاً؛ يعني ممكن السرقة الآن صارت بالتقنية، بيسرق ملايين ممكن ما يكون له يد.. ممكن يستخدم غيره، ممكن يستخدم أدوات؛ فإذن المقصد هنا توقيف ومصادرة جميع أدوات وقوى هذا السارق. طيب، بس يعني وبنكافئه بعدين، لأ، كمالة النص إنه له عقوبة، فإذن أول عمل (نحطه في السجن مثلاً)، أما ما بيصير تقتله، لا يحق لك لأن تقتله أبداً. إنما بتصادر القوى تبعه كلها..

ممكن تصادر إذا عنده ممتلكات حسب ما تم القبض عليه، شو عنده؟ أموال أو شيء، ممكن يتصادر؛ كغرامة، صادرت أدواته، تقنية وغير تقنية، أو العصابة إذا عنده عصابة، كمان وقفتها.. فبعدين فيه عقوبة قادمة يقدرها هو بنفسه، تتناسب مع جرمه، لا تصل إلى القتل؛ لكن ممكن يُحكم عليه بسنة، سنتين، ثلاث، أربع، خمس، حسب ما يراها، رادعةً هذه العقوبة للسارق”.