Skip to content Skip to footer

ما هو “الصراط المستقيم” في القرآن الكريم؟ | د. يوسف أبو عواد

المعنى الحقيقي للصراط المستقيم

باسم: أهلاً بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”. نلتقي في هذه الحلقة مع الدكتور يوسف أبو عوّاد. كالعادة، دكتور، أهلاً بك.

يوسف: أهلاً وسهلاً بك وبالمشاهدين.

باسم: نحن الآن في خضم تطبيقات لآلية اللسان العربيّ المبين في فهم الكثير من الألفاظ القرآنية والمصطلحات في الآيات القرآنية. تطرّقنا إلى الكثير منها، وبقي عندنا، مثلاً، مصطلح “الصراط المستقيم”. يعني: كيف يُفهم لُغويًّا معنى “الصراط المستقيم” في القرآن الكريم؟

في صِغَرِنا عُلِّمنا أن “الصراط المستقيم” هو عبارة عن خيطٍ رفيع يمتدّ ما بين الجنّة والنار، ويسير عليه الفرد ويترنّح؛ فإن مال يمينًا مال إلى الجنّة، وإن مال شمالًا وقع في جهنّم، وكأنّ الفرد، يعني، يصبح طرزانًا، أو، يعني، على الفرد أن يكون طرزانًا حتى لا يقع، لا يمينًا ولا شمالًا. هل هذا صحيح يعني حقيقةً، أنّه هكذا: خيط رفيع ما بين الجنة والنار؟

يوسف: وفوق النار؟ طيّب. أهلاً وسهلاً بك، دكتور، وبالسيدات والسادة المشاهدات والمشاهدين. في الحقيقة، هذا المعنى الذي ذكرته لا وجود له في القرآن. يعني، لنبدأ بهذه الحقيقة.

باسم: أكيد لا، لكن هو جزء من، يعني، أنا عُلِّمته في الصِّغَر.

يوسف: وأنا عُلِّمته أيضًا، كلّنا عُلِّمناه، وطغى على الفهم حتى غاب المعنى الحقيقيّ لـ”الصراط”. يعني، عندما تقرأ في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فإنّني أمشي على هذه “الشعرة”، فلا أسقط في جهنّم وأذهب إلى الجنّة! يعني، هكذا تفهم، فتُحرَم من المعنى الحقيقيّ للكلمة.

على كلّ حال، يعني، في سورة الفاتحة، نحن نبّهنا في حلقاتٍ سابقة إلى أهميّة ذكر: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وارتباطها بالإيمان، وبأنّ هناك جزاءً عادلًا. وفي السورة أيضًا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وعلى فكرة، قبل أن أبدأ، أُنبّه إلى أنّ كلمة “الصراط المستقيم” لم ترد معرفةً بأل التعريف هكذا في القرآن الكريم إلا مرتين: هذه المرّة في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وفي سورة الصافّات: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ۝ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ۝ وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ۝ وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ ۝ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وذلك فيه إشارة إلى أنّ “الصراط المستقيم” المطلوب أن نهتدي إليه، والذي نزل به كتاب الله إلى النبيّ محمّدٍ، عليه الصلاة والسلام، هو نفس “الصراط المستقيم” الموجود في الكتاب الذي أُنزل إلى موسى. هذا التماسك النسيجيّ في القرآن الكريم، يعني، فعلاً، يُشعِرك بالعجب. إنّ الكتاب، شرحنا نحن أنه أُنزل إلى موسى ثم أُنزل إلى محمّد، عليهما الصلاة والسلام. فحين يُعرَّف بأل، التي تشير إلى الاستغراق، يعني تمام المعنى، “الصراط المستقيم” فقط في الخطاب مع الأمّة، التي هي الأمّة الخاتمة، يعني، ومع أتباع النبي موسى. إذًا، المضمون واحد. وما سيؤكّد أنّ المضمون واحد، ما سنذكره لاحقًا أيضًا من محدّدات “الصراط المستقيم”.

 

التحليل اللساني للصراط

يوسف: كتحليل لُغويّ، طبعًا، كلمة “الصراط”، ابن فارس هنا أعادها إلى “سَرَطَ”، يعني، قال لك: الصاد مُبدَلة عن السين. وفي الحقيقة، لو كانت كذلك، لما استخدمها القرآن الكريم بحرف الصاد هكذا. إذًا، هي لا يمكن أن تكون مأخوذة من السين. وهناك فرق صوتيّ بين السين والصاد لا بدّ من التنبّه له. السين تُشير إلى الانسيابيّة في المسار، أمّا الصاد فتُشير إلى مسار، ولكن كأنّه –يمكن أن نقول– ثلاثيّ الأبعاد، ويحتوي على قفزات، يعني تحوّلات من نقطة إلى نقطة أعلى منها، وهكذا. يعني، كل مرحلة في نهايتها… لأنّه لاحِظْ: حرف الصاد، كما قلنا، السير الثلاثيّ الأبعاد الذي يحتوي على تحوّلات وقفزات، الراء تُشير إلى التكرار المستمرّ، والطاء، بما فيها من قوّة، تُشير إلى وصول إلى نهايةٍ تنقل إلى مرحلةٍ أخرى. لذلك، هو عبارة عن مراحل، ويدخل في نواحي الحياة المختلفة، التي تنظّم المجتمع الآمن، والمجتمع المسلم.

فإذًا، لذلك، حتى على فكرة، في العامّيّات أحيانًا، في بعض اللهجات العربية، “الصراط” تُنطق الصاد بما يُميلها إلى الزاي تقريبًا. نحن نقول “الزّرْط” أو “الصّرْط”، وهو بلع الطعام بصعوبة. لاحِظْ طريقة دخول الطعام إلى البلعوم. ويُقال لك: “زرط الطعام” أو “زلط”، أو كذا. نعم. فالطريقة فيها، نعم، فيها مسار في اتّجاه محدّد ومرسوم، لا حياد عنه، ولكن فيه ما ينبغي أن تتجاوز حتى تصل إلى المرحلة اللاحقة. فهذا هو توصيف “الصراط”. ولذلك، عندما نقرأ، مثلاً: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾…

باسم: فَتَفَرَّقَ بكم…

يوسف: إي، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. إذًا، هناك “الصراط”، وهناك “السبل”، وهناك “السبيل”. “السبيل” عندما تأخذ مسارًا واحدًا مستقيمًا سهلًا في مجالٍ معيّن، في حيّزٍ معيّن، هذا يكون “سبيلاً”. لذلك، كلّ انحرافٍ عن “الصراط” هو انحرافٌ بدعوى اتّباع شهوة، أو اتّباع غريزة، أو اتّباع حاجة نفسيّة، أو أنانيّة فرديّة، أو مصلحة ذاتيّة، فيكون “سبيلاً”. يعني، النفس ترسمه لك سهلًا، فيسهل الانحراف فيه، على عكس “الصراط” الذي يحتاج إلى قوّة، ويحتاج إلى مجاهدة، ويحتاج إلى عمل، ويحتاج إلى سعيٍ حقيقيّ.

وقد ورد “الصراط” بهذا المعنى العام في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾. وقال: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ۝ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾. يعني، هو أيضًا طريقٌ يقود إلى الجحيم، لكنه طبعًا طريق…

 

ما حقيقة وجود صراط مستقيم وصراط جحيم؟

باسم: يعني، فيه صراطٌ مستقيم، وفيه صراطُ جحيم؟

يوسف: طبعًا، فيه صراطٌ مستقيم، وفيه صراطُ الجحيم. الآن، “الصراط المستقيم”، عندما نبحث عنه في القرآن، نجد له صفتين رئيسيتين كبيرتين: الأولى، الاستقامة، والثانية، الاستواء. أمّا الاستقامة، فقد وردت في سورة الفاتحة، وقد شرحنا أن “المستقيم” معناه الذي يعطيك أقصر طريق توصلك إلى قمّة ما أنت باحثٌ عنه، هذا هو الطريق المستقيم، أقصر. ولذلك، في الرياضيات، حتى يقول لك: الخطّ المستقيم أقصر نقطة…

باسم: وأيّ مسافة بين نقطتين، هو أقصر مسافة.

يوسف: أقصر مسافة، نعم. أقصر خطّ يصل بين نقطتين هو “المستقيم”، هذا في الرياضيات. فإذًا، “الصراط المستقيم” هو ما يوصلك، لكن مربوط بكلمة “قوم”، كما قلنا، وكلمة “قيام”، وكلمة “تقوم”، فأقصر نقطة توصلك إلى قمة ما أنت باحث عنه، هذه تكون مستقيمة. وأمّا “السويّ”، فقد جاء في آياتٍ كثيرة: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾. طبعًا، هذه الآية فيها خطاب. وما نلمحه من “الصراط السوي” أي أنه لا يُميّز بين أحد، يعني، البشر كلهم فيه يُعامَلون على قدم المساواة. أنتم بشرٌ ممّن خلق، فهذا الصراط لا يُميَّز فيه أنه، والله، لأنّك من العِرق الفلاني، أو تدّعي للشيخ الفلاني، أو كذا، فأنت سَتُميَّز وتصل أسرع من غيرك، ولأنه شَفَعَ لك فلان أو فلان أو إلى آخره. ولذلك، عندما خاطب إبراهيمُ عليه السلام أباه قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَاتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾. معناها: أنا وأنت سواءٌ فيه، سَنُعامَل بنفس المعاملة. وما يشير أيضًا ويؤكد أنّ هذا هو المعنى، أنّ الآية التي تحدّثت: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾. لأنه فيه خصومة الآن، فيطلبون منه أن يسلك الطريق الذي ينظر فيه إليهما بالتساوي، دون أن يُميّز هذا عن هذا، ولا هذا عن هذا. وهكذا يكون، وهذا أساسٌ مهمٌّ طبعًا للقضاء العادل.

 

ربط الصراط بالمفاهيم السابقة

طيّب، “الصراط”، هل رُبط بالمفاهيم التي شرحناها وذكرناها في سلسلة الحلقات السابقة، في هذا الموسم والمواسم السابقة؟ نعم. مثلًا: ﴿وَكَذَلِك أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا منْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. إذًا، ما ذكرناه من “الروح”، التي هي جزء من أمر الله، يكون به الصلاح. هو أيضًا من محدّدات “الصراط المستقيم”: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. وأيضًا مربوط بالنور: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم منَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ﴾.

طيّب، الآن: ارتباط “الصراط” بالكتاب، والأمّة الواحدة أيضًا. طريق الكتاب، الذي قلنا إنّه مُفصّل، وإنّه بيِّن، وإنه محكم، وإنه لا يجوز الاختلاف فيه: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. معناها “الصراط المستقيم”، مرّة أخرى، يُعيدك النصّ في طريقته العنكبوتيّة في ربط المفاهيم مع بعضها، فيربط “الكتاب” بـ”الصراط المستقيم”.

 

كيف نفهم طلب الهداية مع الصراط؟

طيّب، الآن: كيف نفهم طلب الهداية: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في سورة الفاتحة؟ يعني، نلاحظ أنّ الآية، صحيح أنّها استخدمت “أل”، لكن لم تُعرّف في هذه السورة محدّدات “الصراط” في الآية هذه مباشرةً. فإذا ذهبت إلى الآية التالية، تقول لك: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ۝ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فإذًا، أصبح التعريف واضحًا. أنت معنيٌّ أن تبحث عن “الذين أنعم الله عليهم” في القرآن، وأنت معنيٌّ أن تبحث عن “المغضوب عليهم” في القرآن، وأنت معنيّ…

باسم: ولا الضالّين.

يوسف: فإذا عرفت “الذين أنعم الله عليهم”، فعرفت الطريق. وإذا عرفت “الذين غضب الله عليهم”، و”الذين ضلّوا”، إذًا أنت عرفت ما تبتعد عنه، وما تجتنبه.

 

أين محددات “الصراط المستقيم” في القرآن؟

باسم: يعني، تفسير لفظة “الصراط المستقيم” في سورة الفاتحة، تفصيلها موجود في آيات، يعني، موزّعة في السور القرآنيّة الأخرى؟

يوسف: صحيح، وهذه طريقة القرآن طبعًا دائمًا، وهذا هو النسيج القرآنيّ المتين.

باسم: يعني، لستَ مضطرًا أن تذهب وتُحضِر منجدًا، وتبحث عن “صراط”، وتبحث… أو قاموس لغة.

يوسف: لا، لا، والقرآن بحدّ ذاته معجمٌ لذاته من ذاته. وعلى كلّ حال، حتى الكلمات التي لم ترد إلا مرّة واحدة في القرآن، هناك طريقة لسانيّة لفهم معناها من نفس داخل النصّ القرآني، والتثبّت فيها. يعني، نحن رأينا ابن فارس، وهو  في اعتقادي واعتقاد عدد كبير جدًا من اللسانيّين العرب، أنّه أذكى من تعامل مع فكرة المعجم العربي، المعاجم التي كانت موجودة؛ لأنه حاول أن يجمع الكلمات في أصلٍ واحد. لكن، هو مع ذلك يقول لك: “صَرَط” مُبدَلة من السين، يعني: أصلها “السَرَط”. ولكن، لو كانت مُبدَلة من السين، لا يمكن للنصّ القرآني أن يستخدمها بحرف الصاد هكذا.

باسم: كان يستخدم حرف السين.

يوسف: ونحن رأينا الفرق بين أن تكون بالسين، وأن تكون بالصاد. طيّب.

 

من الذين أنعم الله عليهم؟

يوسف: الآن نريد أن نبحث في “الذين أنعم الله عليهم”، من هم الذين أنعم الله عليهم؟ طيّب، في آية هناك طبعًا: ﴿أُولَئِك الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم منَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾ في سورة مريم. هذه الآية تُشير إلى أنّ “الإنعام” حصل على الأنبياء. وربطنا أيضًا بين “الذين أنعم الله عليهم”، عندما قلنا: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، قلنا إنّ “النِّعمة” حصلت بإنزال الكُتب، أيضًا. طيّب، إذًا، هذا مفهوم. و: ﴿فَأُولَئِك مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم منَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾. إذًا، القرآن يقودك أيضًا أن تبحث في دلالة هذه المصطلحات الأربعة: الأنبياء، ما هي سبيلهم؟ الصدّيقين، الشهداء، والصالحين؛ لتعرف طريقة المنعَم عليهم.

الآن نبدأ في الصفات الواضحة جدًا، يعني، هذه إجمالات كلها: النعمة بالكتاب، النعمة بوجود الأنبياء أو برسالة الأنبياء، النعمة التي تحققت من خلال الصالحين.

ما هي الصفات الآن السلوكيّة التي يربط بها القرآن الكريم كلمة “النعمة”؟ لاحِظ قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. الآن، نعمة الله عليكم: أنّهم كانوا متفرّقين، فأصبحتم بنعمته ماذا؟

باسم: إخوانًا.

يوسف: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. فكرة الأخوّة التي يقوم عليها المجتمع المسلم هي من طريق الذين أنعم الله عليهم. معناها: إذا أردتَ أن تعرف مدى انضباط مجتمعٍ بـ”الصراط المستقيم”، ابحث عن مقدار التآخي الموجود في هذا المجتمع، وإذا أردت أن تعرف مدى انحرافه عن “الصراط المستقيم”، ابحث عن قدر التفرّق الموجود أيضًا في هذا المجتمع.

 

“الصراط المستقيم” والدفاع عن الحقوق

يربط القرآن الكريم أيضًا موضوع “الصراط المستقيم” بالدفاع عن الحقوق، لأنّه كما قلنا أيضًا في حلقة التدافع، لا بدّ أن يتعرّض أعداء الإنسانيّة وأعداء البشريّة لأهل الحقّ، فيُخرجونهم من ديارهم وأموالهم. فلمّا ذَكَر هذا السياق، وقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، قال: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ۝ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾. ومع ذلك، احترز ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وهي حالة اضطراريّة شرحناها بتفاصيلها.

طيّب: ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ منَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ۝ إِنَّمَا ذلكم الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مؤْمِنِينَ﴾. هو قال: ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ منَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾. معناها: أنّ الإنسان مطالبته بما أُخِذ منه، سُلبت منه أرضه، أو سُلب منه ماله، أو أُخذ منه حقّه فقط لأنّه يتبنّى فكرة، والفكرة في الحقيقة إصلاحيّة، فيها بناءٌ لمجتمع. فإنّ انقلابه سيكون، يعني، هناك طمأنة: أنّه لا بدّ في نهاية المطاف أن ينقلب بنعمة من الله وفضل، بغضّ النظر عن النتيجة. والنتيجة قطعًا ستكون في صالح من يدعو إلى الحقّ: ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾.

 

ربط النظام الغذائي بالنعمة والصراط المستقيم!

طيّب، النظام الغذائيّ، رُبط بالنعمة أيضًا، كما قلنا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ﴾…، ثم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فمعناها: النظام الغذائيّ الذي يقوم على البحث عن الطيّبات والبعد عن الخبائث، بقدر التزام الإنسان به، بقدر ما يسير على “الصراط المستقيم”. هذه عجيبة، يعني، بحث الإنسان…

باسم: يعني، البحث عن طعامٍ طيّب، بمعنى طيّب: يعني غير فاسد، غير، مثلًا، معدّل وراثيًّا، غير مصنّع، يعني: الطعام الطبيعيّ هو جزء من “الطيّبات”؟

يوسف: جزءٌ من الالتزام بـ”الصراط المستقيم” بالتالي، طبعًا، لأنّه إذا أنت التزمت بهذا، فأنت تحقّق عليك مفهوم أنك: ﴿أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.

باسم: يعني، الذي يأكل مثلًا “Processed Food” أو مثلًا الأكل المصنّع، يكون خارج نطاق النعمة التي أُنعم بها الله على الإنسان؟

يوسف: إي نعم، يكون قد اتّبع أحد السُبل التي تُحرّف عن “الصراط المستقيم”.

نظام النظافة، الذي تُشير إليه آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. طبعًا، لها تفصيلها في مكانها، لكن المعنى الإجماليّ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. الآن: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. لاحِظ: إذًا، الانضباط بقواعد النظافة الشخصيّة، والمحافظة على نظافة البدن، هذا من “الإنعام”، وهذا إذًا من الالتزام بـ”الصراط المستقيم”.

طبعًا، أنا أقول لك الآن: نحن نريد أن نقارن سعة القرآن، ومدى اجتماعيّته، ومدى تواؤمه مع الحياة. يعني، كتاب حياة. ما عرفته أنت، دكتور، وعرفته أنا صغيرًا، هذا أوّلًا. ثانيًا، ما يقوله عامّة أو معظم من يتكلّم بلسان الفقه، أو لسان الدين، وإلى آخره.

 

الانضباط في المجتمع وإدراك سنن الله

يوسف: طيّب، نظام الانضباط في المجتمع، لكلّ القوانين التي تُنظّم حياة المجتمع، التي عنوانها: “سمعنا وأطعنا”، هل هو نظام “نعمة”، أم، والله، إنّه أنا خاضع، أم أنا ذليل؟ تعتبر نفسك، إذا كنتَ تلتزم بالأنظمة… وأذكرُ أنّه، للأسف، في كثيرٍ من الثقافة عندنا، في بلادنا، يعني، يُعتبر أنّ الالتزام بالنظام معناه: أنا مُسيطَر عليّ، وأنا مُستعبَد! والقرآن يقول لك: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. إذا التزمتَ، مثلًا، بنظام المرور، فرضًا، أو نظام الدوام في وظيفة معيّنة، أو كذا، فقلتَ: “سمعتُ وأطعتُ”، إذًا، هذا من صراط الذين…

باسم: إي، ومن النِّعَم.

يوسف: من صراط الذين أنعم الله عليهم، نعم. الآن، البحث في عالم الحيوان، وإدراك سُنن الله، سبحانه وتعالى، من خلال الحيوانات، والسعي قَدْرَ الاستطاعة لفهم طريقة عيشها، للاستفادة منها بعد ذلك، وعكسها على عالم البشر، هل هو من الاهتداء إلى “الصراط المستقيم”؟ نعم. ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾. لمّا قال: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا من قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾. إذًا، هذا عالمٌ كامل يمكن للإنسان أن يبحثه لغرض أن يُفيد نفسه ويفيد البشريّة، فيكون بهذه الطريقة قد سلك طريق الذين أنعم الله عليهم. إذًا، لاحظ: هذه هي، نماذج كثيرة جدًّا من القرآن الكريم، تربط سلوكيات معيّنة، وتصرفات معيّنة، بفكرة “صراط الذين أنعمتَ عليهم”.

باسم: يعني، الذين أنعمتَ عليهم ليسوا فقط الذين اتّبعوا النبيّ محمدًا، صلّى الله عليه وسلم، حسب ما يُقال في كُتب التراث؟

يوسف: هو، في النهاية، إنّ هذا هو الاتّباع الحقيقي أصلًا. لكن حسب المفهوم، إنّه اتّباع… هم يحصرون. أنت تعرف كيف طريقة إنّك تتّبع النبيّ محمد في ذهنه طقوسٌ وأذكارٌ وإلى آخره، معروفٌ، لكن الإنعام في القرآن، كلما قرأ الناس كلمة: “أنعم الله عليه” أو “أنعمت عليّ”، سيجد محدِّدًا من محددات “الصراط المستقيم” بكلّ بساطة. ونحن استعرضنا ما يمكن استعراضه من النماذج في هذا السياق.

 

كيف يقع غضب الله على الإنسان؟

يوسف: الآن، لو ذهبنا إلى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، بماذا يربط القرآن الكريم “الغضب”؟ طبعًا، لاحظ: “غير المغضوب”، أنّه السلوك الذي يُؤدّيه، في نهاية المطاف، نتيجته كما ينتج عن حال “الغضب”. ما الذي ينتج عن حال الغضب؟ لأن بعض الناس لا يستطيع أن يفهم، يقول لك: كيف “غضب الله”؟ “غضب الله” معناه: أن يظهر في سُنن الله ما نتيجته دمار، ونتيجته هلاك على الفاعل، أو قد يتعدّى ضرره إلى غيره طبعًا. فكل سلوكٍ يعود بالضرر على النفس وعلى الغير، يُولّد “الغضب”. “الغضب” ليس أن تتخيل الله كشخص يغضب ويرضى، لا، هو وضع لك سُنّةً وقانونًا، متى ما فعلتَ أفعالًا معيّنة، فأنتجت نتائج كارثيّة، فأنت سلكت سلوك “المغضوب عليهم” وطريقهم. فمثلًا: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. السعي في قتل الأنبياء، ودعوة الأنبياء، ونهج الأنبياء، وآيات الله، قطعًا ستؤدّي إلى عالمٍ فوضويّ. أن يكفروا.. ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه ۝ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾. معناها: رفض الفكرة لأنّها من فلان أو من فلان، فقط حسدًا، إنّه: “كيف هذا يكون صاحب هذه الفكرة، ولستُ أنا؟” سيؤدي إلى التفرّق بسبب هذه المصالح الذاتيّة، وتحقّق “الغضب”.

من أهمّ الأشياء التي يربط بها القرآن الكريم “الغضب”: القتل. ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا متَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. لأنّ هذا السلوك، ما نتيجته؟ طبعًا، نتيجته: أنت تقتل شخصًا، وأهل هذا الشخص يقتلون، إذًا: دمار المجتمع. هذا هو “الغضب”.

باسم: فالغضب هو عبارة عن تداعيات فعليّة، مثلًا؟

يوسف: سُننيّة، نعم.

باسم: سُننيّة، تنعكس على الشخص الفاعل، أو على المجموعة الفاعلة، سواء أكان المجتمع أو أفرادًا؟

يوسف: صحيح، لأنّ سلوك الأفراد قد يمتدّ إلى المجتمع إذا تُركوا وما يفعلون من الضرب.

باسم: نعم، صحيح.

يوسف: مثلًا: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾. هذا طبعًا لكلّ من يُقدّس أيّ شيء غير الكتاب الربّانيّ الكونيّ، والكتاب المُنزل من السماء، فيُعطي عليه القدسيّة باسم أنّه يتّبع الآباء والأجداد. إذًا، هو يبني فلسفةً ستؤدّي إلى نتيجة سُننيّة “غاضبة”، ليس فيها إلّا الدمار والهلاك.

باسم: يعني، إذًا، قصّة “الغضب”، تعني وكأنّها تُحيل الناس أو الأفراد أن يقوموا بإصلاح الأخطاء قبل وقوعها، خوفًا أن ينعكس “الغضب” على المجموع؟

يوسف: بالضبط.

باسم: وكأنّه حثٌّ على الناس، أو على المجتمع، أو على إدارات المجتمع، أو ما يمكن تسميته بمؤسسات المجتمع المدني، أن تأخذ، مثلًا، الأمور بيدها، وفق الصلاحيّات المُعطاة، لأن تمنع ضررًا قد يقع، خوفًا من أن يكون هناك غضبٌ ينعكس على المجتمع، وعلى الفرد نفسه.

يوسف: وهذا ما يُسمّى “جهات الأمن الوقائي” في المجتمعات، ينبغي أن تقوم بهذا الدور. يعني: تبحث عن الأشياء في تَشكُّلها الأوّل، قبل أن تصل إلى المراحل التي تُؤدّي فيها إلى النتيجة “الغاضبة” هذه. لأنّه كما قلنا: هي نتيجة “سُننيّة”. وكذلك: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾، لاحظ: “الإنعام” دائمًا نظام، نظام على مستوى الصحّة، نظام على مستوى النظافة، نظام على مستوى حتى…

باسم: الأكل؟

يوسف: تحصيل الحقّ في حال وقوع الظلم، نعم. نظام على مستوى الالتزام بالتعليمات، كما قلنا. لكن “الغضب” هو عكس هذا تمامًا، ونتيجته الفوضى العارمة دائمًا.

وطبعًا، القرآن الكريم يُعالج فكرة الأسباب المؤدّية إلى “الغضب” على مستوى نظري، وعلى مستوى عملي. يعني: على مستوى عملي، مثلًا: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا متَعَمِّدًا﴾. على مستوى نظري: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم من ربِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآَبَاؤُكُم﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ من ربِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. لاحِظ: “غضب” هنا مقرون مع “ذلّة”، لماذا؟ لأنّك استحدثتَ الآن وسيط ولاءٍ آخر. تعدّد الولاءات قطعًا سيؤدّي إلى انهيار.

أيضًا، في حال أنّه تعرّضت الأمّة، طبعًا، لاعتداء، كما قلنا كثيرًا، الدفاع عن الظلم في هذه الحالة لا يجوز التلكّؤ. ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ منَ اللَّهِ﴾. وهذا ما يُسمّى “الخيانة”، أو “الخيانة العسكريّة”، في أثناء وقوع حرب، مثلًا، ويتخلّف من عليه واجبٌ عسكريّ عن الدفاع عن الأرض، والدفاع عن العرض، والدفاع عن المال والوطن. لأنّه ما النتيجة؟ النتيجة أنّه ستُستباح الأرض، ويُستباح العرض، ويُستباح المال، وبعد ذلك سيظهر “الغضب” نتيجة “الغضب”.

باسم: يعني، التردّد في الوقوف في وجه الأخطاء السلوكيّة، سواء على مستوى الأفراد، أو حتى على مستوى المجتمعات، سيقود إلى كوارث، يعني إلى “غضبٍ كارثيّ”.

يوسف: نعم، هذا هو المعنى الكبير. على كلّ حال، دكتور، من قوله: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا﴾… أنتَ مطلوبٌ منك أن تقوم بمهمّةٍ فيها حماية للمجتمع، فتلكّأتَ عنها لواسطة، لرشوة، إلى آخره، الآن النتيجة: هذا فعل هذا، وهذا فعل هذا، وهذا فعل هذا… “الغضب” سينتشر، ستنتشر آثاره كالنار في المجتمع، في أنحاء المجتمع كلّه، وعلى أفراد المجتمع تدريجيًّا. طبعًا.

لاحِظ في: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾. نحن قلنا: إنّ الأكل، الالتزام بنظام “الطيّبات” و”الخبائث”، الذي… طبعًا القرآن أعطاك محدّدات كبيرة رئيسة، التي هي “الميتة” و”الدم المسفوح” و”لحم الخنزير”، وشرحنا هذا، ثم أعطاك القاعدة الكبيرة ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، أحالها إلى علم الأغذية وعلم الطب. طيّب، الآن، إذا لم تلتزم بهذا، هل يقود إلى الغضب؟ الآية هنا جمعت الأمرين: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، فهمنا أنّها رُبطت في آياتٍ أخرى بـ”النِّعمة”، طيّب: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾؟ يعني، “الطغيان” حتى فيما أصله “طيّب”، قد يؤدي إلى ماذا؟ إلى نزول “الغضب”. الآن، هناك طعام، مثلًا، أصله طيّب، مثلًا فيه سكّر، لكن بالغتَ، أكلتَ منه كميات كبيرة.

باسم: سينعكس على صحتك، صحيح.

يوسف: نعم، طغيتَ في طريقة الأكل، النتيجة: الغضب. كيف يحلّ “الغضب”؟ يُصيبك السكّري، يُصيبك ضغط الدم، تُصيبك الأمراض التي تأتي، مثلًا، فتؤدّي إلى انهيار الصحّة.

باسم: أو زيادة في التبذير، زيادة في الاستهلاك، وفي النهاية يؤدّي إلى نقص المواد الغذائيّة، مثلًا، أو نقص ما يحتاجه المجتمع.

يوسف: هذا أيضًا جانب آخر، نعم. إنّه الطغيان في التعامل، حتى نقص الأرض، يعني، دكتور، أنت الآن، هناك إشارات كثيرة علميّة تقول لك إنّه قريبًا قد تأتي فترة على مساحات كبيرة من الأرض لا يمكن زراعتها، بسبب الزراعة الجائرة لكميات هائلة، وهذا سببه أصلًا “الطغيان” والزيادة عن الحدّ في تناول الأطعمة، فهذا أيضًا يجور على الأرض. يعني، نهايته يبدأ بالإنسان، يُؤثّر على صحته، ثم يؤثر على المجتمع، كما ذكرتَ. قد يحتاج المجتمع في لحظةٍ من اللحظات إلى الطعام، فلا يجده، في لحظة، بسبب الطغيان في التعاطي معه، ثم الطغيان على الأرض نفسها.

 

تزوير الشهادة كمصدر لغضب الله

طيّب، أيضًا: تزوير الشهادات، وإنكار الحقّ الذي يُؤدّي إلى إبطال الحقوق، لما جاء في سورة النور، فقال: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، لأنّه، طبعًا، هذا سياق فيه محافظة على بناء أسرة أو هدم أسرة. فمُعاكسة أو السعي في شهادة زور تؤدّي إلى إبطال حقّ أو إحقاق باطل –طبعًا مجازًا يعني– معناها، إن صحّ التعبير، هذا ممّا يُولّد “غضب الله”، لأنّه يهدم نظام العدالة القضائيّة التي ينبغي أن يقوم عليها المجتمع.

﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. يعني، الجِدال بعد أن يُثبت الحق، ويستمر الإنسان في المُجادلة، فيهدر وقته ووقت غيره، ويُشغل الناس بتفاهات لا معنى لها، هذا أيضًا ممّا يُؤدّي إلى “الغضب”.

 

هل يرتبط “الصراط المستقيم” بالمسلمين فقط؟

يوسف: طيّب، هل ارتبط “الصراط المستقيم” بإبراهيم عليه السلام، وملة إبراهيم؟ يعني، حتى نربط المواضيع؟ نعم، قال تعالى: ﴿شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ﴾. لاحِظ، ثم وصفه: ﴿وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. إذًا، هو من مجموعة “الصالحين”، والملة التي أسّسها هي “الصراط المستقيم”.

والقرآن الكريم أيضًا يربط “الصراط المستقيم” بنفي “الولد”، وقد شرحنا قضيّة “الولد” في مكانٍ آخر، في حلقة أخرى، فقال: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ۝ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.

يعني، فكأنّ المحدّدات التي نطرحها اليوم هي بمثابة “الجامع”، الموسوعة التي تجمع كل ما طرحناه في الموسمين السابقين.

وطبعًا، “الصراط” مربوط بالإسلام: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾. لاحِظ. طيّب.

 

كيف يَقعد الشيطان الصراط؟!

كيف يُبعد الشيطان الإنسان عن الصراط المستقيم؟

الآن هناك سياقٌ مهمّ: ما علاقة “الشيطان” بـ”الصراط المستقيم”؟ لأنّه أنا، طبعًا، “الشيطان” أتعامل معه كمفهوم، أريد أن أعرف أثره على “الصراط”. لمّا قال: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وهناك فرق، وللأمانة العلميّة، استفدتُ هذه المعلومة من “عالِم سبيط النيلي”، رحمه الله، لمّا تحدّث عن هذه الآية. قال: جميع أو عامّة من كتب عن هذا من المفسّرين، قالوا: “لأقعدن لهم صراطك المستقيم” أي: “أقعد على الصراط”، معناها أن الشيطان بما يُحدِثه من وساوس ونزوات، معناها: يحرف الإنسان عن “الصراط المستقيم”. قال: هذا غير صحيح، لأنّه هناك فرقًا بين “لأقعدن لهم على صراطك المستقيم”، و”أقعدن لهم صراطك المستقيم”. فما يريده الشيطان أعلى من فكرة أن يُوسوس ويسعى لحرف الناس عن “الصراط المستقيم”. طبعًا، هذا أكيد أنّه عمل يعمله، يعني، مثلًا، كما شرحنا هذا أيضًا كثيرًا: كل من يُروّج لِباطل، على مستوى النظام الغذائي، على مستوى نظام النظافة مثلًا، على مستوى تضييع الوقت… إذا كان “الذين يُحاجّون في الله من بعد ما استُجيب له” سببٌ لـ”الغضب”، فما بالك بمن يُشغل الناس بالتفاهات والسفاهات التي لا تبني مجتمعًا، ولا تُنشئ أمّة؟! لكن “الشيطان” هنا هدفه أكبر بكثير. إنّ الطرق هذه، السعي في تغيير جيناتها، أكوادها، شِفرتها الأصليّة. فـ”لأقعدن لهم الصراط نفسه”، أي أنّه الطريق، السنن التي وضعها الله، غاية الشيطان ومن يعمل بعمله.

باسم: تغييرها.

يوسف: نعم، يريد أن يهدم السنّة الأصليّة نفسها، يريد أن يتلاعب في الجينات، يتلاعب في المورّثات، يتلاعب في الأكواد الأصليّة التي بُنِي وأنشِئ عليها الكون. هذا هدف الشيطان.

باسم: معناه أن الشيطان الآن مُسيطر، إذا معظم الطعام مُصنّع، والكثير من الخضروات، يعني، تمّ تعديلها وراثيًّا، وتمّ التدخّل في كثير من الصناعات الغذائيّة عن طريق إدخال كيماويّات فيها. الزراعة تمّ التدخّل فيها، معناه الشيطان مُسيطر؟

يوسف: تمييز المعلومة التي هي “حقّ” من التي هي “جدال بالباطل”، ونشر التفاهات والسفاهات في وسائل الإعلام، وإلى آخره، وإبراز هذا كأنّه هو “الصواب”، يعني: “هذا هو الطريق المستقيم”، فهو “قعد الصراط المستقيم”، معناها: “عوّجه” وثنّاه، وغيّر من آليّته، وليس فقط قعد للناس على “الصراط المستقيم”. يعني، هذا طبعٌ. ولهذا قال: لعنه الله، وقال: ﴿لَّعَنَهُ اللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مفْرُوضً وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَأمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَأمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، فهذا هدف طبعًا، ينبغي أن يُفهم أن الشيطان يسعى إليه.

 

00:30:36

ارتباط النظام التنفيذي والقضائي بـ”الصراط المستقيم”

الآن ننتقل إلى أهمّ نقطتين في الموضوع، وهما: ارتباط النظام التنفيذي والقضائي في الإسلام بفكرة “الصراط المستقيم”، والمحرمات أيضًا. نظام “الحرام” رُبط بـ”الصراط المستقيم” وهذا أوسع ما يمكن أن يُفصَّل فيه.

الآن، في سورة النساء، نجد قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، هذه وحدة نصية بدأت بهذه الجملة. طيّب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. لاحِظ: ﴿بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. إذًا، هنا وضع لنا قاعدتين رئيسيتين في حياة المجتمع، ولطريقة الفصل عندما تحصل خلافات. المحدِّد الأول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. نحن شرحنا عقد الإيمان الكبير بين أبناء المجتمع بعضهم بعضًا، الذي مستنده الله. الآن، عندما يتعلق الأمر بعلاقة بين فرد وآخر، تأتي تاء التأنيث هذه التي تدل على التخصيص، يُصبح هناك قضية خاصة، هذه القضية الخاصة التي بُنيت على هذا العقد الكبير تُسمى “أمانة”، لأنها تخصّ قضية بين طرفين، أو بين طرف وفريق، أو جهة. الآن، أي عقد، أو اتفاق يحصل بين أبناء المجتمع، هو شكل من أشكال هذه الأمانات، كأفراد مجتمع، الله أمرهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها. الآن حصل اختلاف: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. “العدل” معناه: إعطاء كل شيء ما يناسبه، ولا يقتضي بالضرورة “المساواة”.

باسم: ليس بالتساوي، صحيح.

يوسف: هذان المحددان، هما المحددان الرئيسيان وخلاص انتهى، الذي يقوم عليهما نظام العلاقات الاجتماعية، والنظام القضائي الذي ينشده الإسلام.

طبعًا، تلاحظ أنّ عامة المتنطعين، والمتشددين، والذين أنا أسميهم “أعداء القوانين والأنظمة”، أنّه باسم أنّه يقول لك: “هذا ليس قانون الله، هذا ليس حكم الله، هذا يحكم بغير ما أنزل الله”، لماذا؟ لأنّه هناك أنظمة تفصيلية تُنظّم المرور وتُنظّم…

باسم: نعم، وهذا قانون وضعي، وهذا قانون سماوي.

يوسف: نعم، وهو: ما هو قانون السماء؟ هو “العدل”. يقول لك: هناك “أمانة”، بناءً على عقد، بناء على وظيفة، بناء على خدمة بينك وبين فلان، كأفراد أدِّها. حصل اختلاف؟ الآن الحكم يكون بالعدل فقط، بما يُعطي كل صاحب حقٍّ حقّه. ثم قال بعدها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾. لاحظ الآن: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. أعطاك النظام التراتبي الإداري. أولًا: الطاعة الأساسية والمطلقة هي لله. كيف نعرف الله؟ قلنا كثيرًا: يُعرَف الله بسُننه، كتابه الكوني، وكتابه الذي أنزله. طيّب: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؟ معناها لم يقل: “النبي”، ولم يقل: “أطيعوا محمد”، قال: “أطيعوا الرسول”، يعني في “الرسالة”.

باسم: يعني “الرسالة”.

يوسف: لكن هناك تمثل عملي، الآن، لأنّنا نمثل حالة قضاء. إنّ “الرسول” سيكون رأس النظام القضائي، أو السلطة العليا في البلد، التي تُطبّق “الرسالة”، تُحوّلها إلى تطبيق عملي يُناسب العصر. طيب، بناءً على أي مبدأ؟ بناءً على “مبدأ العدل”. و”أُولي الأمر منكم” هم من تحت السلطات العليا، ممن يتولّون مسؤوليات فرعيّة.

باسم: يعني، ممكن أن يكونوا هم السلطات، سلطات تنفيذ القانون، مثلًا.

يوسف: سلطات تنفيذ القانون، أو ممكن أن نقول: مثلًا، مجلس القضاء الأعلى، أو السلطة… نعم، يعني، مجلس القضاء الأعلى. الآن، القضاة الذين هم أقل من هذا، أو المحكّمون في القضايا السريعة، يمكن أن تسميهم “أُولي الأمر” في هذه الحالة. تمام؟ “فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ”، لأنّه قد يحصل نزاع، أريد استئنافًا. لاحِظ الآن: في النظام، المشكلة أنّ ما توصّل إليه البشر بالتجربة العملية، تجد مختصره…

باسم: هو كله موجود في القرآن، في النصوص.

يوسف: فعلًا، في النص القرآني. الآن، حصل نزاع، أنا لم أرضَ بحكم القاضي، يقول لك: “استأنف”، تذهب إلى درجة “الاستئناف”، ثم إلى درجة “التمييز”، حتى تصل إلى أعلى هيئة قضائية. الهيئة القضائية العليا تعود، فتردّ الأمر، ماذا؟ ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾. معناها: كما قلنا، “بسُنن الكون العادلة”، وإلى “الرَّسُولِ”، بمبادئ “الرسالة” الكبيرة، التي أصلًا هي تتوافق مع “السنن”.

وفي آية في سورة الشورى: إذا حصل اختلاف حتى في هذه المرحلة: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. يعني، قد تختلف قراءتي وقراءتك لمبدأ من المبادئ أو تفصيل من التفاصيل الموجودة في “الرسالة”، حتى في “الرسالة”، في القرآن الكريم، ماذا نفعل؟

باسم: نردّه إلى الله.

يوسف: نعم، كيف أردّه إلى الله؟ طيب، لماذا هناك قال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ﴾، وهنا قال: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ﴾؟ نحن الآن نتحدث عن صورة “النزاع”، إذًا، هي صورة تطبيقيّة في واقع عملي، يُعطيك درجات التقاضي المعروفة، بالتجارب الإنسانية، أصبحت الآن مرتبة ومعروفة. لكن إذا حصل اختلاف بين أعلى السلطات، نردّ الأمر إلى “السُنن الكونية”، يعني: نأتي، مثلًا، بأهل العلم المختصّ، في ماذا حصلت القضية؟ في قضية تجاريّة، في قضية اقتصاديّة، قضية اجتماعيّة، قضية إنسانيّة، فنُحاول، من خلال خبرتهم، في معرفة “حقائق الكون” التي بثّها الله، أن نُميّز ما هو الصواب من الخطأ في هذا الموضوع.

باسم: عن طريق أهل الاختصاص.

يوسف: إي نعم، ولذلك، دائمًا نحن نقول: إنّ “سُنن الكون” هي من أهمّ المحدّدات التي يجب أن نستخدمها وسيلةً لفهم النصّ، لأنّها أعلى من النص. النصّ قد يقع فيه اختلاف في الفهم، لما نختلف في فهم وحدة نصية معيّنة، أو حُكم من أحكام النصّ القرآني، ما هو المستند الأعلى من هذا الذي نفصل فيه أن هذا هو الصواب، وهذا هو الخطأ؟ سُنن الله الكونيّة، العامة لجميع البشر، ولجميع الوجود.

 

هكذا الاهتداء إلى “الصراط المستقيم”

ثم بعد ذلك، قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾، يعني قالوا: نحن نسير ضمن هذا النظام الاجتماعي. ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. ما الذي يُريده بديلًا عن نظام العدالة؟ نظام يُحقّق ظلمًا، طغيانًا، يُريد أن يُحقّق مصلحة فرديّة له، يُريد نظامًا يعتمد على رشوة، نظامًا يعتمد على محسوبية، يُفضّل عِرقًا على عِرق، يُفضّل فلانًا على فلان، لأنه يتبع دين كذا، أو دينٌ كذا، مذهب كذا، وملّة كذا. ثم يقول في نهاية السياق، وهو سياق طويل، وفيه على فكرة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. معناها: لاحظ أولًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ﴾، ما هو الإسقاط وفق هذا السياق للآية؟ إنّ “الرسول” باستناده إلى الرسالة، وتحويلها إلى واقع عملي يتناسب مع الزمن الذي يعيش فيه، ينبغي أن تكون “الطاعة”. خلاص، حَكَمَت المحكمة في قضيّة معينة، فلا يجوز هنا التنكّل أو مخالفة الحكم، لأنّه سيؤدّي إلى انهيار وفساد المجتمع. فالرسول يُمثّله كلّ من يتبنّى مبدأ الأمانة، ومبدأ العدل، فيُحوّله إلى واقع عملي في المجتمع، فإذا صدر الحكم، فينبغي أن يُنفّذ. إذا تم التنازع، يُعاد ردّه إلى الجهات الأعلى. إذا حصل الاختلاف، يُردّ إلى الله. انظر كيف النظام؟ ثم قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، لم يقل: “بالله” هنا، لأنّه لا يتحقق، يعني، نظام الأمن التام في المجتمع. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

الآن، بعد ذلك، قال: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم ما فَعَلُوهُ﴾. هذه الآية، طبعًا “لو” تفيد الامتناع، معناها: لا يمكن أن يكتب الله على الناس أن يقتلوا أنفسهم. وحتى فكرة “قتل النفس”، بمعنى قتل شهواتها ورغباتها إلى آخر حدٍّ ممكن، التي جاءت في سورة البقرة، جاءت على لسان موسى عليه السلام، لما شرحنا هذا السياق: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾. لكن الله، سبحانه وتعالى…

باسم: يعني، ليس طلبًا إلهيًّا، إنّما طلب من النبيّ موسى.

يوسف: نعم. أو “اخرجوا من دياركم”، حتى “الخروج من الديار” نحن شرحنا أنّه صارت له ظروف موضوعية، لما قال الملأ من بني إسرائيل: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ولما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾، أي: أنّ “الظروف الموضوعية” الطبيعيّة، وليست هي أصلًا “سنّة كونيّة أصليّة”، معناها: أمر أصلي، هكذا وُجد مع النظام الكوني للكون أو للوجود أو للبشرية. فلذلك قال: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم﴾، وهذا ممتنع، طبعًا. ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ منْهُمْ﴾. الآن، الشاهد، أهم شاهد في الموضوع: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ۝ وَإِذًا لأتَيْنَاهُم من لدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا ۝ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مسْتَقِيمًا﴾.

إذًا، مختصر مفيد: النظام القضائي، الذي يقوم على “درجات التقاضي” التي شرحناها، والتي وصل إليها البشر: هناك محكمة البداية، محكمة الاستئناف، محكمة التمييز، الذي يقوم على أساسين اثنين، لا ثالث لهما: “أداء الأمانات إلى أهلها”، و”العدل”، هو الذي يؤدي إلى الاهتداء إلى الصراط المستقيم.

باسم: يعني، التقسيمات، التقسيمات القضائية التي موجودة في المجتمعات، في غالب المجتمعات، هي تقسيمات مستوحاة من النصّ، وإن الناس لم تقرأ النصّ بهذه الطريقة التي قُرئت فيها لسانيًّا.

يوسف: نعم، التجربة الحيادية البشريّة، بعد تجارب فاشلة كثيرة جدًّا، والوصول إلى أرقى ما وصل إليه البشر، تجد أنه في النهاية كان موجودًا في النصّ القرآني، لو أنّه أُخذ حقّ المأخذ.

باسم: أو أنّ الناس، بالطبيعة أو بالفطرة، تُطبّق الكتاب.

يوسف: صحيح، هو التطبيق الفطري، دائمًا “الصحيح الحيادي” يقود إلى نفس النتيجة التي يدعو إليها الكتاب. وهذا الذي قلناه: هي ثلاثة أمور مؤدّاها واحد: “الفطرة”، “السنن الكونية”، و”الآيات المنزلة في الكتاب”، لا يمكن أن تتعارض. ومن أيّ مسلكٍ سلك الإنسان، بحيادية، وبحثٍ صادق، يصل إلى النتيجة نفسها من غير أيّ اختلاف.

 

ما هو “الحرام” في الشريعة؟

وما علاقته بالصراط المستقيم؟

يوسف: طيّب، الآن في سياق “الحرام”، طبعًا دائمًا يأتي نكرة: “صراطًا مستقيمًا”، لأنّه شرحنا “الصراط المستقيم” العام، فيه محددات كثيرة. لأنّه هنا يتحدث عن “النظام القضائي”، جاء بالكلمة: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مسْتَقِيمًا﴾، أي في هذا الجانب، في جانب إنشاء “نظام قضائي عادل” في الدولة أو المجتمع، وحتى على مستوى البشرية يعني. على فكرة، هذا حتى يرسم سياسة لكيف تُقام “المحاكم الدولية”، وعلى أيّ أساس ينبغي أن تتخذ أحكامها. ولو حصل اختلاف وتنازع، ينبغي أن يُرد الأمر إلى الله. معناها: الله “رب العالمين”. إنه هناك اختلاف: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. ما هي الطريقة؟ هل “سُنن الكون” تقول لك: “اقضِ على عِرق على حساب عِرق”؟ “خُذ أرضًا على حساب شعب”؟ هل هذه “سنن كونية عادلة”؟ يعني، اسأل البشر بطبيعته الأصليّة وفطرته الأصليّة، إذا حصل اختلاف، حتى على مستوى -كما أقول- أعلى هيئات قضائية على مستوى البشر.

طيب، الآن السياق الآخر هو “سياق الحرام”، يعني، ما هو “الحرام” في الشريعة؟ لأنه رُبط بموضوع “الصراط المستقيم” في سورة الأنعام، الآية ما سُمّيت بـ”آية الوصايا العشر”: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾، حتى نعرف “الصراط المستقيم”، ما هي المحرّمات؟

باسم: هي الآية من 151 إلى 153 في سورة الأنعام.

يوسف: يعني، أظن، نعم، هذا الرقم: 153، نهايتها، من 151 إلى 153.

باسم: نعم، من 151 إلى 153.

يوسف: صحيح. فالآن: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. على فكرة، “حرّم” يعني: جعل له “حرَمًا”، وهذا شرحناه. معناها: له “منطقة محرّمة”، لا يجوز أن تتجاوزها لأنه إذا تجاوزتها سنتجر إلى النتيجة السلبية الكبيرة لها، لماذا أقول هذا؟ ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. طيب، هو يقول لك بعض الناس: “هو حرّم أن أُشرك، أم ألا أُشرك”؟

باسم: ما هو الآية تقول إنّ هنا “التحريم” معناها: أعطاك حدودًا.

يوسف: نعم، نعم، وضع “حرمة”.

باسم: ليس حرم عليك أن تقوم بهذا الفعل.

يوسف: نعم، بالضبط، فتُدرك الفرق بين المصطلح الفقهي الذي دَرَج، وليس هو مصطلح القرآن. على فكرة، حتى في كلمة “حرام”، لما القرآن الكريم يذكر لك كلمة “حرام”، ليست هي مصطلح “حرام” الذي يذكره الفقهاء. “الحرام” يعني ما وُضع له “حرمة”، جُعلت عليه، يعني معناها: “منطقة حامية” لجَنابه، لشدة أهميته. يعني، كحرم الجامعة، والمناطق المحرمة الحدودية.

باسم: مثلما يُقال: “بيتك المحرَّم”، يعني تم تحديده.

يوسف: تم تحديده، إي نعم، ووضع أيضًا، لنقل كما قلنا، “منطقة محرمة”. تعرف المناطق الحدودية المحرمة، يعني التي تفصل بين دولتين، حتى لو كان هناك أي اعتداء، دخول المنطقة المحرمة فيه مؤشّر، إنه معناها: “حتى تنتبه”..

باسم: فيه اعتداء.

يوسف: بالضبط. فلذلك: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا﴾، يعني، عدم الشرك ينبغي أن يكون له حدود، معناها منطقة محرّمة، لا تقترب منه حتى مجرد اقتراب. لاحِظ، قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. طيب، ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، هل هو “حرام”، أم شيء له حرمة كبيرة؟ الإحسان إلى الوالدين، نعم، شيء له حرمة كبيرة. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم منْ إِمْلَاقٍ﴾، هذا تحدّثنا عنه في حلقات سابقة كثيرًا، نعم.

 

هل الفواحش مرتبطة بالعلاقات الجنسية فقط؟

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. وهنا وقفة مهمّة: ما هي “الفواحش”؟ في الحقيقة، “الفواحش” هي جمع، يعني جمع لكلمة “فاحشة”. لما تبحث في النص القرآني عن كلمة “فاحشة”، تجد -باختصار شديد- أنها: أي علاقة جنسية تؤدي إلى أو تُخالف الهدف الأصلي من العلاقة الجنسية. بمعنى: الهدف من وجود العلاقات الجنسية، الهدف الأصلي طبعًا، الإبقاء على الجنس البشري، يعني فكرة التكاثر لإبقاء الجنس البشري، وعدم انقطاع النسل.

باسم: الحفاظ على النوع البشري.

يوسف: إي. الآن، لما تجد لوطًا عليه السلام يخاطب قومه، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ منَ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً من دُونِ النِّسَاءِ﴾، تمام؟ ولما يقول: ﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً منكُمْ﴾، و﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا﴾. نعم. إذًا، أول صورة من صور “الفاحشة”، ما هي؟ انحصار علاقة الأنثى بالأنثى، والذَّكر بالذَّكر. لأنّ النتيجة الحتميّة، ما هي؟ انقطاع النسل. لو تمادينا في هذا الموضوع، وانتشرت، لأنّ المثلية قد تبدأ كـ”انحراف سلوكي” له سبب نفسي مثلًا أو غيره، لكن تُصبح ترفًا بعد ذلك، إذا حصل الفجور في المجتمع، فما النتيجة؟ النتيجة: انقطاع النسل. هذه سمّاها القرآن الكريم: “فاحشة”.

طيّب، هل جاءت “الفاحشة” في سياق الكلام مثلًا عن العلاقة بين الذكر والأنثى؟ لاحِظ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم منَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. لماذا؟ تخيّل الموقف: إنسان تزوّج امرأة أبيه، لاحظ كيف تداخل رتب النسب هذا الذي ينتج عنه، مع أنه “نكاح”، ﴿وَلَا تَنكِحُوا﴾، يعني ما قال لك إنه علاقة غير شرعية، قال لك “نكاح”، يعني. لكن لماذا سمّاه “فاحشة”؟ لأنّه يعود على أصل نظام “النّسل والتناسل” بالتخريب والإبطال، فسمّاه “فاحشة”. ومن هنا يمكن أن نفهم: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾. أنّه كل علاقة غير منضبطة، يعني غير موثّقة، ليست موثقة بين ذكر وأنثى، لأنّه قد يترتّب عليها نتائج، ولا يكون هناك مسؤوليات، فينهار نظام الأسرة في المجتمع. أو قد تؤدي، إذا أُتيحت مثلًا العلاقات، ما يُسمى اليوم في العالم -وهذا على فكرة في كل دول العالم ممنوع- الذي هو “نظام الدعارة”، تحويل العلاقة الجنسية إلى تجارة، أو إلى شيء متاح في أيّ مكان ودون أدنى مسؤولية. فالنتيجة: أنّه تحت سطوة الشهوة ستقلّ عملية العلاقات المنظّمة بين الذكر والأنثى، وبالتالي ينقطع النسل.

نعم. ولذلك، هذه تحافظ على نظام النسل في المجتمع: ﴿لَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. لاحظ: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.

إذًا، هو نظام علاقات اجتماعيّ أسريّ. أوّلًا: النظام النظري، معناها: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، عدم تعدّد الولاءات، البشر جميعًا هم متساوون، ولا يوجد وسطاء يدخلون بين الناس، والبشر فيفرضون عليهم بحكم العِرق، وبحكم الدين، أو الانتساب إلى مذهب أو فرقة، أو إلى آخره، ما يُفسد نظام “الوحدة الاجتماعية السالمة المؤمنة”. والعلاقة مع الوالدين، العلاقة مع الأسرة، العلاقة مع المجتمع.

ثم بعد ذلك: حذّر من التعرّض للفئات الضعيفة: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. ثم حذّر من الغش في التجارة: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. ثم عاد إلى النظام القضائي والشهادات: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، ثم عاد إلى نظام العلاقات البسيطة بين الناس: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۝ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. الشاهد: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾، أيضًا نكرة، لأنّه تحدّث هنا عن السياق الاجتماعي: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

الآن، من أعجب العجب، أن يقول هنا: ﴿ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ۝ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾، فربط أنّ هذه التعليمات، “تعليمات الصراط المستقيم” التي ذُكرت هنا في الكتاب، هي نفسها، كما شرحنا في حلقات “بني إسرائيل”، والكتاب نفسها.

 

على من نزلت الكتب السماوية؟

باسم: هل هي، مثلًا، “الفرقان” الذي أُوتيه، أُعطيه للنبي موسى، وأُنزل، وأيضًا أُعطي للنبي محمد، عليه السلام؟

يوسف: نعم، “الكتاب” يُعطف عليه “الفرقان”. “الفرقان” أخصّ من “الكتاب”.

باسم: أخصّ.

يوسف: نعم، “الفرقان” أخصّ من “الكتاب”، و”القرآن” أخصّ من “الكتاب” أيضًا. يعني، المسمّى العام للقرآن الكريم أنه “الكتاب”، يعني هكذا أرى من وجهة نظري. على كل حال، سنناقش هذا في حلقة مفصّلة. لكن “الفرقان” هي من أصلها اللغوي “الفرق”، المسائل التي توضّح فرقًا بين أمرين يلتبسان على الناس، أو يتوهَّم فيهما الناس، أو يقع فيهما الظلم الكثير. الآيات المتعلقة بهذا الجانب تُسمّى “فرقانًا”، يعني. تمام؟

فإذًا، لما ربط الكتابين: ﴿ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ۝ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ۝ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ۝ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾. إذًا، في هذه اللحظة التي بُيِّن فيها “الصراط المستقيم”، لم يبق حُجّةً للأميين الذين لم يعرفوا الكتاب، أنّه: أُنزِل الكتاب على غيرنا. ونحن قلنا: الطائفتان هما قوم موسى أولًا، ثم تعليم الكتاب لعيسى، الذي هو نفس الكتاب الأصلي.

باسم: طيب، لماذا القرآن الكريم هنا استخدم لفظة “طائفتين”؟ يعني، لماذا استخدم هذا التوصيف؟

يوسف: لأنه يتحدث عن قوم موسى وقوم عيسى.

باسم: عيسى ليس له قوم.

يوسف: كيف؟

باسم: ما عنده قوم.

يوسف: بني إسرائيل. ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. هو موجّه لجميع البشر.

باسم: الآن، متفق معك. يعني، النبي عيسى أُرسل إلى بني إسرائيل، لكن بني إسرائيل ليسوا قومًا.

يوسف: صحيح، صحيح.

باسم: لا والد له.

يوسف: هو، الآن، هنا يقول: ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾. هذا الآن، نحن فهمنا من الحلقة السابقة أنّ هناك “أهل الكتاب”، وهناك “الأميّين”. الآن، الطوائف التي أُنزِل فيها الكتاب سُمّيت “طائفتين” هنا. كلمة “طائفة” لا تعني “عرقًا”، لا تعني “عرقًا”، تعني: من “يطوف”، من “يلتف” حول أمر ما. يعني، أنا أقول: من التفّ حول النبي موسى، هذه “الطائفة الأولى”، وليس معناها أنها تنتسب إليه. ومن التفّ حول النبي عيسى، هذه “الطائفة الثانية”. بقيت “الطائفة الأمية”، التي لم يصلها علم بالكتاب، فلا يمكن لها أن تحتج، لأنه نزل الكتاب الآن لها، ولأهل الكتاب السابقين، بمضمون ما في الكتب التي عندهم.

 

هل أنزل الكتاب على جغرافية معينة؟

باسم: دعنا فقط هنا نستطرد استطرادًا خفيفًا. يعني، لست متأكدًا كيف يمكن الحسم أو الجزم فيه. هل استخدام أنّ “الكتاب أُرسل على طائفتين من قبل” بمعنى أنّ “الأميين” لهم طائفة -بين قوسين- “طائفة الأميين” لم يُرسل عليها الكتاب. هل هنا يُشير، مثلًا، إلى جغرافية مختلفة عن جغرافية “الأميين”؟

يوسف: لا يوجد أي إشارة جغرافية في الكلام. الفكرة: أنه لم ينزل عليهم ليست فكرة “لم ينزل”، بل: لم يصلهم الكتاب. لأنه جرى التحريف، والإدخال، والتناقضات، وخلط الكتاب بغيره، قبل أن يصل بصفائه إلى الأميين. هذه هي الفكرة، ليس أنّه “لم يُنزَل”. هو، يعني، أنا أعتقده وأتبنّاه، أنّ جميع الأنبياء أُرسلوا إلى جميع من انحرف من البشر في زمنهم. إذا كان هناك حصل انحراف، فكل البشر مخاطبون برسالة النبي. الآن، فكرة: أنه، والله، يُسقط لك رسالة، مثلًا، إنه رسالة هود أُرسل إلى عاد. طيب، من هم “عاد”؟ هم من انحرف من البشر في عهد النبي هود. من هم “قوم نوح”؟ هم من انحرف من البشر في عهد النبي نوح، من انحرف عن “الفطرة الأولى”. فرسالة النبي حين يُرسل، لا تكون خاصة أصلًا ببعض البشر. لا يوجد في القرآن الكريم شيء أنه…

باسم: تخصيص.

يوسف: لأننا فهمنا أنّ ما يأتي به النبي واحد، هو ما أتى به جميع الأنبياء، ولا فرق بينهم. وما وُجد في الكتاب الذي نزل على موسى، هو ما وُجد في الكتاب الذي لدينا. وليس هناك فرق، “الدين واحد”، و”الكتاب واحد”، و”دعوة الأنبياء واحدة”، وهي موجهة لجميع البشر الذين انحرفوا عن سلوك الفطرة الأولى. ومن لم ينحرف، فهو ملتزم تلقائيًّا أصلًا بتعليمات الكتاب.

 

كتب سماوية لم يُعلن عنها بالقرآن

باسم: سؤال أخير قبل أن نغلق: هناك أنبياء لم يَقصُص القرآن عنهم، وتركهم. هل يمكن الافتراض أنّ هؤلاء الأنبياء، مثلًا، أوتوا كتبًا، أو ألواحًا، أو… يعني، هل… أو تمّ إنزال شيء عليهم؟ وإذا تمّ الإنزال، مثلًا، نحن نتحدث بافتراض، لأنّ القرآن لم يشأ أن يذكر ذلك. افتراضًا: أن هؤلاء الأنبياء الذين لم يَقصُص القرآن عنهم أي شيء، وكأنّ القرآن يقول: إنه حتى لو أُوتي كُتبًا مثلًا سابقًا، لا شيء معروف عنها. كيف كان تعامل النص القرآني، أو السماء، كيف كانت تتعامل مع هؤلاء الناس الذين أُرسل إليهم أنبياء، ولم يُقصَص عنهم شيء؟ لمَ القرآن لم يُخبر عن هؤلاء الأنبياء، وعلى من أُرسلوا في تلك الأمم؟

يوسف: طيب، الآن، أولًا: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾. معناها: ما يحتاجه الناس بعد نزول القرآن من سِيَر الأمم السابقة، قُصَّ في القرآن الكريم، وانتهى. ما لم يُقصّ، إما لأنه يُمثّل شيئًا مكررًا قُصّ مثله، فيُغني عنه، أو لأنه لا حاجة لقصّه، لأنه لا علاقة للمجتمع البشري بعد نزول القرآن الكريم به.

وفكرة أنه أُوتي بعض النبيين، نعم. قد يُقال، لأنّه لاحظ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾، الآن فرّق: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. ففكرة “الكتاب”، نعم، قد وُجدت عند بعض النبيين الذين لم يقصّصهم القرآن، ولكنه واحد. وما لم يُذكر، أُغنى عنه ما ذُكر، وهذا هو.

باسم: شكرًا لك، دكتور يوسف. يعني، الحديث كان جميلًا وشيقًا، وإن شاء الله نلتقي في حلقات جديدة من برنامج “مفاهيم”، ومناقشات، وتطبيقات أخرى من “اللسان العربي المبين” على المفاهيم القرآنية.

يوسف: الشكر لك، وللسادة المشاهدين.

باسم: شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”. إلى اللقاء.