Skip to content Skip to footer

التجربة البشرية في عهد بني إسرائيل وما فيها من انحرافات | د. يوسف أبو عواد

الصفات الانحرافية في ملة اليهود

باسم: أهلا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم. ونلتقي كالعادة مع الدكتور يوسف أبو عواد. أهلًا دكتور.

يوسف: أهلا وسهلا بك وبالمشاهدين.

باسم: وبتطبيقات اللسان العربي المبين وفهم ألفاظ النص القرآني وفق هذه الآلية. في الحلقات السابقة دكتور، كنا نتحدث تقريبًا عن مواضيع جدًا كانت حساسة ولأول مرة تُطرح بالشكل الذي طرحت عليه، خاصة مفاهيم ملة إبراهيم وملة اليهود والنصارى، ومصطلح الأنصار، ومصطلح الذين هادوا، وحتى بني إسرائيل. هذه المصطلحات أُعطيت معنى مختلفًا كليًا بعد أن طبقنا آلية اللسان العربي المبين على فهم هذه المصطلحات القرآنية.

الآن اتفقنا أو تبين معنا أن النبي إبراهيم وضع أسسًا قيمية للبيت الذي بناه لأن تكون نقطة ارتكاز لأي مجتمع يسعى إلى الاستقرار والهداية والإنتاج وإصلاح الأرض. واتفقنا أن بني إسرائيل هم أول من قَبِل العمل وفق هذه الآلية القيمية التي وضعها النبي إبراهيم، ولكن حدث هناك بعض السلوكيات الخاطئة أو السلوكيات المنحرفة عند هؤلاء، الذي استدعى إرسال الكتب وإنزال الكتب وإرسال الرسل أيضًا إليهم لإعادة توجيههم إلى المسار الصحيح الذي وضعه النبي إبراهيم. ما هي هذه الصفات الانحرافية التي وقعت؟

يوسف: نعم، أهلا وسهلا بك دكتور، وبالمشاهدين وبالمشاهدات. في الحقيقة، من أول السلوكيات التي تشير إليها الآيات والتي أشرنا إليها هي تحريف الكلم “عَنْ مَوَاضِعِهِ” أو “مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ”. وهذا التحريف له صور كثيرة، مثل: “فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ”، هذا الخلط المباشر. ومنها أيضًا أنه تحريف المعنى، لذلك قال: “عَنْ مَوَاضِعِهِ” أو “مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ”. معناها: من بعد مواضعه أبلغ، حتى الكلام الذي ثُبّتَ وثبت أنه من الكتاب يُحَرَّف من بعد مواضعه بالتفسيرات وبالتأويلات.

باسم: يعني “عينك عينك” بالتحريف!

يوسف: إذا لم يستطع تحريف النص، يُحَرِّف معناه ودلالته بإدخال الأشياء المقحمة وكلام الآخرين على النص حتى تشوش على الفكرة الأصلية الموجودة في النص.

 

التحريف للتوراة أم للكتاب؟

باسم: طيب، هل المقصود هنا أن التحريف وقع – سواء تحريف بالمعنى أو تحريف بالنص – وقع على التوراة أم للكتاب؟

يوسف: لا، هو للكتاب: “فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ”. نعم، لأن التوراة كان لها في ذلك الوقت من يحكم بها من النبيين الذين أسلموا. حتى على مستوى المصطلحات، أنت تلاحظ النص القرآني يرتب “الذين هادوا” – كما قلنا – في أصلها هي شيء إيجابي: هادوا إلى الله. لكن صار فيه انحرافات. “الذين أسلموا” رتبة أعلى، لذلك قال: “يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا”. و”الذين آمنوا” رتبة أعلى وأعلى. ثم بعد ذلك “الولاية” التي هي “بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ” هذا على فكرة الرتب التي…

باسم: يعني التراتبية في وضع المصطلحات الواصفة للمجموعات أو للسلوكيات هي تخضع لتراتبية تطورية مثلاً؟

يوسف: طبعًا بما ينسجم مع ما يعطي أكثر استقرارًا وسعادة للمجتمع. بدأت الفكرة بالذين هادوا، أنه انحرفنا، لكن عدنا إلى الله بهدوء، ولكن لم يصل لمرحلة الاستسلام المطلق. الذين أسلموا، وصلت كان من النبيين من يحكم للذين هادوا – يعني الذين هادوا لم يصلوا إلى رتبة الذين أسلموا من النبيين. ثم بعد ذلك تتحدث الرسالة الخاتمة عن مرحلة الذين آمنوا. ولو لاحظت أن إبراهيم عليه السلام النهاية التي كان يريدها، هي الإيمان، وحتى فكرة أن المجتمع بعضه أولياء بعض، لذلك إبراهيم عليه السلام لما رفضت فكرته على المستوى الاجتماعي قال: “إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ”. هذه هي الفكرة أنه لا أستطيع أن أصل إلى مفهوم الولاية.

 

ما مفهوم الولاء والبراء في القرآن؟

يوسف: وطبعًا مفهوم الولاية ليس كما أشيع كثيرًا واستُحوذ على هذا المعنى بطريقة سلبية، أنه مفهوم الولاء والبراء الذي شاع لدى التراثيين. الموضوع مختلف تمامًا: مفهوم الولاية في المجتمع هو تحقيق أعلى نظام تكافلي ممكن بين أبناء المجتمع، بحيث تُسَدُّ كل حاجة إنسان تُصيبه جائحة أو مصيبة، تُسد…

باسم: يعني أن يوالي المجتمع بعضه بعضًا.

يوسف: بالضبط. يتبع بعضه بعضًا في حالة الأزمات، لا يُترك فيه فقير، لا يُترك فيه إنسان يتعرض لجائحة أو مصيبة إلا وتُحَلُّ. لا يُترك فيه إنسان عاطل أو باطل. هذه أعلى الدرجات التي يمكن أن يصل إليها المجتمع.

باسم: أو ما يتم تسميته حاليًا التكافل الاجتماعي مثلاً؟

يوسف: بالضبط. فلما تأتيك آية مثلاً: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ”. القضية ليست قضية تصنيف البشرية أعراقًا، أن هذا عرقه كذا وأن هذا عرقه كذا وأن هذا عرقه كذا…

باسم: أو هذا دين كذا وهذا دين كذا.

يوسف: بالضبط. القضية أن السلوك الذي شرحناه – معطيات السلوك اليهودي أو السلوك النصراني بما شرحناه – لا يصلح لأن نصل إلى مفهوم الولاية، لأن فيه أشياء تخالف، تتعارض مع مفهوم الولاية المطلقة. الولاية المطلقة تقوم على أساس أن الجميع كلهم سواء لا فرق بينهم، فبالتالي تستطيع أن تصل إلى مفهوم التساوي في إعطاء الفرص للناس، والتكافؤ والتنافس الشريف بين الناس، وتحقيق مبادئ أو قوانين التأمين التي أصبحت اليوم في كثير من المجتمعات لها صورة عملية. فالإنسان يعيش في أعلى درجات الاستقرار، والمجتمع يتبع بعضه بعضًا. هذا معنى “يُوالي بعضه بعضًا”.

باسم: يعني الولاء والبراء يمكن سحب المفهوم أكثر. اعتبار مثلاً أن الدولة المدنية هي المنتهى أو المآل الأخير الذي تسعى إليه هذه القاعدة (الولاء والبراء).

يوسف: بالضبط. أعلى درجات الولاء هو…

باسم: هو الدولة المدنية.

يوسف: الولاء للنظام المدني الاجتماعي الذي يقوم على مبادئ الأمن والتكافل، وكل إنسان يتحمل فيه مسئوليته. وهذا هو الولاء كما يقال الولاء والانتماء اليوم، وعكسه البراء معناها المناهج المناقضة والمحاربة التي تسعى عكس هذا المفهوم، إما بالغلو واستحداث مناهج أخرى موازية، وانتماءات أخرى خارجية أو إلى آخره، أو بأنه التقوقع على الذات والشعور بالأفضلية على غيرها. هذا لا يصلح أن يدخل في هذا النظام، إذا كان في أمن المجتمع. إذا كان مجتمع آخر لا يمكن أن يتأسس كما تأسس هذا المجتمع. في نهاية الآية ماذا قال: “بعضهم أولياء بعض، من يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون”. لاحظ الموضوع: لماذا نهى عن فكرة التولي لهذه الأفكار والسلوكات؟ لأنها قائمة على مبدأ الظلم، عكس مبدأ الأمن الذي تكلم عنه إبراهيم. “فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (*) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ”. يعني لو ربطت النص ستجد أنه نسيج محكم تمامًا مثل ما أسس له إبراهيم.

فكرة الظلم: إنسان ظالم يتبنى أفكارًا ظالمة كيف له أن يدخل في بوتقة الولاية الكبيرة؟ إذن هو سيذهب إلى حيز البراءة من هذا الظلم الذي هو فيه. طبعًا ليس القضية أن أتبرأ من شخص كشخص، ولا أتبرأ من عرق، ولا كما قلنا هي سلوكات. إذن هذه فكرة “بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ” و”إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ” التي يطرحها النص القرآني، هي أيضًا فكرة اجتماعية كبيرة جدًا وكفيلة بمحافظة…

 

ما نتيجة الانحرافات السلوكية؟

باسم: يعني وكأن النبي إبراهيم كان يسعى إلى إنشاء مثلاً مجتمع فاضل على غرار مدينة أفلاطون (المدينة الفاضلة) مثلاً أو الجمهورية الفاضلة؟

يوسف: مشكلة جمهورية أفلاطون أن الفضل فيها ينسب لجميع الأفراد، هذا لا يمكن أن يكون. إبراهيم عليه السلام كان يسعى للوصول للمجتمع المثالي الذي قد يحصل فيه أخطاء، لكن هناك نظام الدين الذي قلنا عنه الذي هو العقوبات الجزائية.

باسم: وهذا يكون كفيلًا بتعديله؟

يوسف: تردع الإنسان عن خطئه، وهذا هو شيء موضوعي. يعني ما يتحدث عنه القرآن من التجربة الأولى لاستقبال المجتمعات البشرية للكتب والرسل. من النتائج الموضوعية الطبيعية أن يكون هناك انحرافات؛ لأنها تجربة حديثة في التعاطي مع رسالة السماء أن تقبل الرسالة. فحصل هناك انحرافات وسلوكات، يبين النص، يحذر منها حتى لا يقع الناس بعد ذلك – منذ نزول الرسالة الخاتمة – لا يقعوا فيها مرة أخرى، لأنه بان أنها أفسدت وأنها فرقت وأنها أدت إلى حالة الذلة والمسكنة التي يتحدث عنها النص، فيربطها ببعض الطوائف من بني إسرائيل الذين هم – كما قلنا – البشر الذين انتشروا بعد ذلك بعد عهد نوح عليه السلام، الانتشار البشري. فلما يقول لك: “وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ”، ما هي نتائج السلوكات؟ حتى لا يعود البشر إلى مثل هذه الحالة، يحذر من هذه السلوكات.

 

ما معنى “الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ”؟

باسم: قبل الانتقال إلى النقطة الأخرى: ذكرتَ أن “فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ”. هل هنا الكتابة تعني الخط؟

يوسف: لا، هي تشمل موضوع الخط وتشمل موضوع تأسيس النظم ولو بالطريقة الشفهية. لأننا قلنا أكبر مشكلة في الشرك أن تجعل لك اصطناع مناهج موازية للمنهج الرباني البشري الاجتماعي الأمني السلامي الكامل المتكامل.

باسم: لأن الكتاب هنا ليست بالضرورة أن تخط، حتى ممكن يعني…

يوسف: نعم نعم. يعني أنا لما مثلاً تنشأ فرقة أو عصابة متطرفة في ناحية من نواحي المجتمع، فتصطنع لها نظامًا حتى لو لم تكتبه، فهذا هو نوع من الكتابة. جعلوا لهم مجموعة من المبادئ يسيرون عليها، فتنظم طريقة سيرهم المعارضة طبعًا للسير الاجتماعي العام الآمن والمسالم. إذن هو قد يكون على مستوى الكتابة، لكن هذا رمز. يعني في النهاية المهم أنه تحويله في النهاية إلى موضوع عملي.

 

ما هي نعمة الله على بني إسرائيل؟

يوسف: وطبعًا نحن نلاحظ في النص القرآني في سورة البقرة لما بدأ في مخاطبة بني إسرائيل – وهم كما قلنا البشر الذين انتشروا بعد، ممن بقي من ذرية نوح، وبعد ما أسس إبراهيم عليه السلام لهم المبادئ ليسيروا عليه، وبعد ما تولى الأنبياء بعد ذلك حراسة عملية نشأة المجتمع وتسويق ما يحصل فيها.

باسم: تسويقها صح؟

يوسف: صح. يقول: “يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ”. فالنعمة التي أُنعمت على بني إسرائيل هي هذه الذي ذكرناه. لأننا لو تتبعنا كلمة “نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ”، مثلاً يقول لك: “وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.” معناها فيه نعمة لكن رافقها جحود، فهذا ليس شيئًا إيجابيًا. في سياق آخر يقول: “فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ”. يعني يربط موضوع النعمة بأنه مثلاً كثير النقود، مثلاً رزقه واسع، “وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ”. فيقول: “كَلَّا”. يعني كلمة نعمة ليست مربوطة بهذه الطريقة، بكثرة المال أو قلته. وهناك كلمة الخيرية وقد شرحناها. لكن “يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ”. يُمكن حتى أفهم ما هي النعمة؟ أن أربطها بقوله تعالى: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا”. إذن الذي هو انتشار فكرة الإسلام، الإيمان للكتب، الإيمان للرسل، بين هؤلاء القوم هي النعمة التي تتحدث عنها الآيات: “اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ”.

باسم: يعني نعمة الكتاب بشكل أو بآخر؟

يوسف: بالضبط. نعمة الكتاب في تحوله…

باسم: في صيرورته إلى مجموعة من القيم التشغيلية في المجتمع.

يوسف: تمثله الاجتماعي نعم. ولذلك نجد أيضًا ما يعزز هذا أن البحث عن هذا التركيب: “إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ”. طيب ما هي النعمة؟ “إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ”. فلاحظ كيف يربط الموضوع بالكتاب، وهنا يبدأ مصطلح الحكمة بالظهور. لأن الحكمة – كما قلنا – هي الحكم بمقتضى الكتاب، وقد ربطناه بالتوراة. يعني الحكمة هي ليست مبادئ جديدة، لأن بعض الناس يقول: القرآن فيه الكتاب والحكمة، وأنتم تتوقفون مثلاً على تحليل مفاهيم الكتاب الكريم أو القرآن الكريم. طيب ما هي الحكمة أصلاً لو رجعت إلى مفهومها الكبير ستجد أن الحكمة هي وضع الشيء في مكانه، يعني تحويله إلى عمل. ولذلك اللجام الذي يوضع على فم الفرس فيتحكم في تحريكه…

باسم: يحكم؟

يوسف: أي نعم، يطلق عليه هذا المصطلح أيضًا. والإنسان الحكيم هو الذي يضع كل شيء في موضعه المناسب. فلما يقول لك الآن: “وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ”، أو “عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ”، لأن عهد عيسى كان الكتاب يتحول، بدأ فيه في التحول إلى موضوع عملي، فأعطى عيسى عليه السلام القدرة على إدارة هذا التحويل العملي، كتلك القدرة التي أُعطِيَها النبيون الذين أسلموا والذين كانوا أيضًا يحكمون بالتوراة.

إذن نلاحظ أن النعمة المضافة إلى الله دائمًا تقترن النعمة بالكتاب وتحويل هذا الكتاب إلى تمثله الاجتماعي. وطبعًا القرآن جدًا دقيق في هذه التراكيب. لأنه مثلاً لما يذكر “نِعْمَتَكَ” بإضافة الكاف إلى الله على سبيل الخطاب، تلاحظ أن الموضوع يميل إلى الجانب الشخصي. يعني فيه مثلاً في كلام سليمان عليه السلام: “فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ”. ففهم منطق الطير هذا ومنطق النمل هو في النهاية أمر ليس له بُعد أو امتداد اجتماعي، فيه رسالة سنذكرها في مكانها رسالة كبيرة طبعًا. ولكن الفكرة أن هذا ليس هو تحول للكتاب إلى بعده الاجتماعي، فلم يأتِ النص فيه بكلمة “نِعْمَتِي” بإضافتها إلى الياء. وهذا أيضًا: “وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا” حتى يقول: “حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ”. يتحدث عن شأن خاص به وبذريته وبوالديه. فأضاف جاءت الكلمة بصيغة “نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ”، “نِعْمَتَكَ” بإضافتها إلى الكاف مخاطبًا بها رب العزة. إذن “نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ” لما تأتي تقرن دائمًا بالكتاب، بمفهوم الإسلام، بمفهوم تمثل الكتاب إلى صيغته الاجتماعية.

باسم: على عكس ما موجود حاليًا، لأن النعمة مربوطة بعدد الفلوس وعندك بيوت وعندك سيارات. يعني فلان منعَّم بمعنى…

يوسف: هي نعم، لكن لم تُضَف إلى ياء التشريف، لأنها إذا أُضيفت إلى الله إذن هي واقعة في موقعها هنا؛ لأنه تحولت فعلاً إلى تمثلها الاجتماعي. هو الكتاب يتضمن مبادئ إدارة النقود وإدارة الجاه وإدارة غيرها من الأمور بما ينسجم مع سنن الله. لذلك لما تُضاف الكلمة إلى الياء -إضافة الشرف- هذه معناها أنها تحولت إلى تمثلها الاجتماعي المناسب لها.

يوسف: وفق أسس الكتاب هذه التي نزل بها.

 

ما معنى تفضيل بني إسرائيل على العالمين؟

يوسف: طيب “عَلَى الْعَالَمِينَ” يعني ما هو التفضيل الذي مذكور على العالمين؟ لاحظ الفكرة أيضًا هي متعلقة تمامًا بأن بني إسرائيل هم أول من تحوّلت فيهم الرسالة إلى سلوك عملي، فلم يُجْتثُّوا الاجتثاث الذي كان للأقوام السابقة؛ لأنه لم يكن هناك كلية للرسالة، فيعني هذا تفضيل على العالمين، يعني على مَن سبقهم من البشر الذين لم يتقبلوا الرسالة، فيبقى وجودهم، لم ينقرضوا، يعني مع الأيام…

باسم: لاحظ سوء فهم هذا التفصيل الدقيق عند الكثيرين جعل أن يُبدَّل في قراءة “الْعَالَمِينَ” (العالَمَيْن) أو (العَالِمِين) لأن هناك سوء فهم: بماذا فُضِّل بنو إسرائيل على غيرهم؟ هي فعلاً بعدم الاجتثاث.

يوسف: صحيح. وأيضًا سوء الفهم له سبب آخر أنه هو أصلاً في منظوره، بني إسرائيل، عنده إسقاط، يعني لم يأخذ “بني إسرائيل” بفهم قرآني، هو يسقطها على طائفة معينة فيقول لك، فيريد أن ينزع أنه “ليس فيه تفضيل لماذا؟” فيحاول أن يلوي النص بهذه الطريقة. لكن لو فهم أن بني إسرائيل هم كل المجتمعات البشرية التي انتشرت لاختلف الموضوع.

فلما ذكرنا السياق، سياق بني إسرائيل الذين أُخرجوا من ديارهم وأبنائهم. في آخر السياق ماذا قال؟ لاحظ ترابط النسيج القرآني مرة أخرى: “فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ”. الآن انتبه: “وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ”. لو ربطنا هذا بحلقة التدافع وسنة انتهاء العقوبات السماوية التي أشرنا إليها قبلًا، وفهمنا أن بقاء البشرية الآن مرهون بأن أهل الحق يدافعون عن حقهم في وجه أهل الباطل إذا جرى الاعتداء عليهم، دون تدخل عقوبة السماء التي لو تدخلت لكانت ستجتث وينقرض الجيل الموجود. إذن هذا التفضيل ووجود هذه السنة، وتكاثر البشر إلى هذا الحد، وتشكلهم على هيئة كينونة مجتمع يقبل فكرة السماء، ثم قدرتهم على دفع ظلم الظالمين واعتداء المعتدين الذين يسلبونهم الحقوق، هذا هو فضل الله على العالمين الذي ذكره في: “وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ”. هذا ما أبقى على البشرية موجودة وأنهى فكرة العقوبات المجتثة. إذن باختصار: فكرة التفضيل، النعمة هي النعمة بالرسالة والنعمة…

باسم: بالكتاب.

يوسف: بالكتاب، وتحوله إلى تمثله الاجتماعي. و”عَلَى الْعَالَمِينَ” معناها أنهم نجوا من فكرة العقوبات المجتثة؛ لأنه هناك قبول مبدئي بفكرة الرسالة، فهذا هو التفضيل على العالمين.

باسم: هل تعتقد أن هذه الآية هي وضعت التوضيح الأول أن بني إسرائيل الذين تم تفضيلهم على العالمين دعنا نستخدم التعبير الدارج: “أبيدت الأمم التي سبقت وبقي بني إسرائيل ففضلوا على العالمين”، يعني بمعنى هذه النقطة التي تعزز أن فهم أن بني إسرائيل هم البشرية التي ظلت قائمة فيما بعد ضرب الأمم الأخرى أو بعد إفناء الأمم الأخرى أو اجتثاثها؟

يوسف: نعم، صحيح تمامًا، هذا هو التفضيل..

باسم: يعني ربما يسأل سائل يقول: فرعون استعبد بني إسرائيل واستحيى نساءهم، ولم يكونوا هم كل البشرية في تلك الفترة.

يوسف: لم يكونوا هم كل البشرية في هذه الفترة. هو فرعون تم القضاء عليه ومن معه بالاجتثاث.

باسم: إذن بقي بنو إسرائيل.

يوسف: بالضبط. من بقي من البشر بعد ذلك، كل من بقي من البشر هم بنو إسرائيل، ومنهم حصل الانتشار بعد ذلك. وبعد هي مرحلة لاحقة على كل حال. هؤلاء جزء من بني إسرائيل. هؤلاء جزء؛ لأن بني إسرائيل ابتدأ الأمر قبل ذلك، متساوقًا كما قلنا مع نهاية حياة النبي إبراهيم. يعني أنت تتكلم عن فترة موسى، وهي فترة لاحقة. فهؤلاء جزء من بني إسرائيل، وفرعون أيضًا هو جزء من هؤلاء القوم، لكن لم يصل إلى مرحلة أن يستطيعوا أن يجابهوا قوة فرعون. إنما لما انتهت قوة فرعون ومن معه، صار في إمكان من بقي من بني إسرائيل المجابهة. لذلك قال لهم: “ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ”، و “أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ”، وغيرها من الآيات..

باسم: لكن هناك في القرآن أيضًا فيه تعبير مثلاً عن قوم موسى. يعني هناك قوم موسى، وهناك بني إسرائيل بالنسبة للنبي موسى.

يوسف: نعم، وهذا يدلك أن بني إسرائيل أوسع من قوم موسى. يعني قوم موسى الذين اتبعوا النبي موسى، وبني إسرائيل ممتدة إلى بعد زمني أقدم من عهد موسى عليه السلام. هذه إشارة إلى ذلك الآن.

 

ما هو العهد مع بني إسرائيل؟

لذلك يخاطبهم القرآن وفق هذه الأسس: “يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي”. لاحظ الآن يترتب على هذا: بما أنه أنعم عليكم الآن، لو كانوا لم يعاهدوا العهد ولم يقبلوه، لا يمكن أن تقول له: “أوفِ بالعهد”، إلا وقد عاهد عليه. فيقول لهم: “وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ”.

الآن لابد أن نسير في تدبر آيات النص القرآني حتى نفهم ما هو العهد. ما هو العهد؟ الآية هنا لم تشر إلى تفاصيل العهد. العهد أولًا كتعريف: هناك آية تقول: “وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ”.. طبعًا هذه ليست موجهة إلى بني إسرائيل مباشرة، لكن أقصد الفهم اللساني لكلمة العهد. معناها: العهد هو يعني عقد يحصل بين طرفين ويوثق، يعني يصادق عليه؛ لأنه قال لك: ” وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ”، ويؤكد: “الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ”. نفس الشيء: “وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ”. إذن سأبحث عن كلمة ميثاق في النص القرآني أين ارتبطت ببني إسرائيل لأفهم ما هو الميثاق الذي أخذ عليهم. وهو على كل حال سيكون في النهاية مقتضيات الكتاب. لكن بالتفصيل هو “كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ”. فهنا سيأتي تفصيل الميثاق؛ لأنه لو بحثنا عن تفاصيل هكذا: كتبنا كلمة عهد وربطناها ببني إسرائيل، فبحثنا في الباحث القرآني، لن نجد هناك تفاصيل. لكن لاحظ طريقة القرآن: هو ربط العهد بالميثاق، ثم ربط بالميثاق تفاصيل. فإذا ذهبنا مثلاً إلى قوله تعالى: “وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”. نعم، إذن فهمنا أن الميثاق الذي هو يرجع إلى العهد الموثق. طبعًا عهد موثق هو ما طلب منهم أن يلتزموا به من الكتاب الذي أخذ عليهم الالتزام به: “خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا”. هي طبعًا “اسمع” من حوله إلى سلوك عملي. طيب: “وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ”. هذه من المواثيق التي أُخذت عليهم: “ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا”، هذه فصلنا فيها. “لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ”، سنرجع إليها في مكانها المناسب. أكثر آية تفصل الميثاق يعني تذكر بنودًا كثيرة هي “لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ” – في سورة المائدة – “وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ”. لاحظ: “لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ” – التي هي تهذيب. أولًا يبدأ الأمر بتهذيب النفس.

باسم: وتقويمها.

يوسف: أي نعم، يعني الإنسان يكون بينه وبين نفسه يراجع تصرفاته، يُقوّم نفسه. “وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ”، هذا البعد الاجتماعي الذي يحقق الحد الأدنى من القضاء على… لأن الناس إذا كانت فقيرة لا تجد طعامها، لا يمكن أن تفكر بعد ذلك في مصالح اجتماعية وصلاح اجتماعي. فمن أولويات بنود الميثاق القضاء على الفقر. فحتى الفقر ليس فقط على المستوى المادي، يعني كل إنسان عنده قوة في جانب معين يزكي بنسبة من هذه القوة لصالح من يفتقر لهذه القوة. فأعطاك المبدأ الأساسي الذي يؤدي إلى الاستقرار. الآن.. ولذلك تجد أنه من المبادئ الإنسانية التي توصل لها البشر أنه هناك حد أدنى من  الدخل الشهري الذي يوفر للإنسان أو للعائلة، بغض النظر، مادام مواطنًا في مجتمع معين، قبل أن يُطلب منه أي شيء آخر؛ لأنه لا يعقل أنك تخاطبه بأمور اجتماعية كبيرة وواجبات اجتماعية وواجبات مواطنة وهو لا يجد طعامًا.

باسم: جوعان، ليس لديه بيت ينام فيه، مشرد في الشارع.

يوسف: لا يجد قوته. لاحظ إذن: تهذيب النفس، ثم بعد ذلك القضاء على الحاجات الاجتماعية الأساسية الكبيرة. “وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا”. الآن هذا معناها: “آمنتم برسلي”، هذا هو السلوك الاجتماعي. يعني حولتم فكرة الكتاب الذي أنزل إليكم عن طريق الرسل.

باسم: بمعنى هذا هو الميثاق أو هو هذا العهد.

يوسف: هذا هو الميثاق الذي أُخذ على بني إسرائيل. لاحظ هو طبعًا نفس مضمون..

 

ما هي الطريقة التي أخذ العهد؟

باسم: السؤال هنا الذي يمكن أن يتبادر لشخص، يسأل يقول: كيف؟ ما هي الطريقة التي أخذ العهد فيها؟ ما هي المخاطبة؟ يعني كيف تمت مخاطبة بني إسرائيل لأخذ العهد؟

يوسف: هو طبعًا كان فيه رسل، أكيد في هذه الفترات التي أُخذ فيها العهد على بني إسرائيل. وفي فترة موسى عليه السلام يقول: “وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ”. وفيه آية أخرى تشير إشارة: “وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ”. طبعًا تحليل هذه الآيات لسانياً: يعني من الواضح أنه فيه تشديد كبير. يعني المعنى الإجمالي للآيات أنه هناك تشديد كبير على أهمية هذا الميثاق. يعني قرن أخذ الميثاق بأنه تشديد كبير، لابد من الوفاء بهذا الميثاق. لكن تحليل هذه الآيات لسانياً هذا له بعد آخر ومكان آخر. إنما أخذ عليهم الميثاق بحضرة أنبيائهم.

 

ما بنود الميثاق؟

نلاحظ في سورة البقرة: “وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ”. الفكرة الجوهرية: حتى لا يكون هناك مناهج تتعنصر لفرقة أو لعرق أو إلى آخره. لاحظ الآن هنا بين لك جانبًا أسريًا من الميثاق: “وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا”. إذن مبدأ الوالدين. إذا تلاحظ.. ستلاحظ بعد ذلك لما نتكلم عن الصراط المستقيم، كمية التطابق بين الكتاب الذي كان لبني إسرائيل وتمثل في الميثاق العملي، وبين الكتاب الذي أُنزل للنبي محمد عليه الصلاة والسلام. تمامًا نفسه: “وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا”. طيب، واضح حتى ينبني نظام الأسرة على أساس صحيح. “وَذِي الْقُرْبَى” معناها أيضًا حتى لأن الإنسان إذا لم يهتم بأقاربه، من سيعرف عنهم؟ كل إنسان يعرف بحاجته الأقرب فالأقرب. “وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ”. يعني هنا فصّل لك فكرة إيتاء الزكاة. لاحظ، هناك قال لك: “أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة”. فصّل لك إيتاء الزكاة: يعني القدرة أن تزكي ما عندك من قدرات وما عندك من أموال، فتعطي ما يزيد عن حاجتك منها لمن يحتاج. مثلاً: الوالدين إذا كبرا، ذوي القربى من يحتاج منهم، اليتامى، المساكين. طيب وأين: “وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي”؟ لاحظ: “وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا”. يعني فسّر النص في مكانين مختلفين بطريقة كل واحد يفسر الآخر؛ هو قال: “وَقُولُوا لِلنَّاسِ”. كلمة “الناس” عامة جداً: “وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا”. ثم عاد فجمعها حتى لا تظن أن هذا ليس تفسيراً، قال: “وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ”. لأنه هناك جاءك بالكلام الإجمالي، هنا شرحه، ثم عاد فلمه في جملته الجامعة أو جملتيه الجامعتين، أنه هذا كله هو ما تحدثت عنه من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. فإقامة الصلاة: تهذيب النفس لتقوم بهذه السلوكيات بعد ذلك. يعني أنت تجلس بينك وبين نفسك تقيم: هل أنا فعلت كذا مع الوالدين؟ مع ذوي القربى؟ مع اليتامى؟ مع المساكين؟ مع الناس؟ هل كنت محسناً؟ تراجع نفسك وتقيم وتقوم ما تم من خطأ في سلوكاتك. وهذا هو إيتاء الزكاة. لكن يقول: “ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ”. لاحظ العدل والإنصاف إنه حصل التولي عن الالتزام بمبادئ هذا الميثاق. وهذا حصل عند الذين آمنوا أيضًا في الرسالة الخاتمة تمامًا؛ لأنه كما قلنا هو خطاب للبشرية وتحذير أن تقعوا في مثل هذا. ومع ذلك الناس يقعون في هذه الأخطاء.

 

مستوى آخر من مبادئ الميثاق

الآن لاحظ على مستوى آخر من مبادئ الميثاق. طبعًا هذا كلام في غاية الأهمية: “وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ”. يعني: “لا تسفك”، هذا لا تسفك الدم الذي هو القتل واضح جداً. “وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ”، أن تحرم إنساناً حق… تنفي عنه مواطنته وحقه في مجتمعه وأرضه الذي ينتمي إليه، وتزعم أنه ليس من أبناء المجتمع ولا من أبناء الوطن، بغض النظر عن السبب. حسنًا، لا يوجد سبب يجعلك تنفي عن إنسان حقه في مواطنته في المجتمع الذي يعيش فيه. “ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ”. لاحظ.. بعد ذلك ماذا قال: “ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ”. يعني…

باسم: يعني رغم كل هذا.

يوسف: خالفتم مضمون العهد. وما قال: “تقتلون غيركم”؛ لأنه كما قلنا: النص القرآني عندما يتشكل هذا المجتمع المسلم المؤمن، ينظر إليه أنه واحد، بطريقة مخاطبة تشعر من يسمع أنك إذا قتلت غيرك فقد قتلت نفسك؛ لأنك وضعت لبنة – أو لنقل هدمت لبنة – في سبيل هدم المجتمع بأكمله لو اتسع هذا نطاق الفعل هذا. “ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ”. معناها: تتناصرون عليهم ليس بالحق وإنما بالإثم والعدوان، فتسلبونهم حقوقهم الاجتماعية، فتخرجونهم من إطار ما يستحقونه من حقوق المواطنة ضمن هذا المجتمع البشري. “وَإِنْ يَأْتُوكُمْ” – لاحظ يقول لهم – يقول لهم بالمقابل عندكم بعض التمسك: “وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ”. يعني إذا رأيت أنه أسير تدفع له فدية حتى تخلصه من الأسر. معناها: الشعور بالأخوة تجاه أبناء المجتمع الذي كانوا يعيشون فيه. في لحظة يعني يظهر هذا الشعور أنه رآه أسيراً عند مثلاً مجتمع معادٍ أو دولة معادية، فيتحرك الشعور بالأخوة فيفاديه. طيب لماذا فاديته؟ إذن أنت تعرف أنه أخ لك، وأنه ابن مجتمعك، وأنه ابن وطنك، وأنه ابن بلدك. فها أنت تفاديه فتستخرجه أو تخلصه من الأسر. لماذا إذن تسفك دمه أو تخرجه من دياره في حالة أخرى؟ تتمسك ببعض الميثاق وتترك بعضاً. والله يريد منك أن تمسك الميثاق بأكمله. لذلك قال لهم: “أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ”. لاحظ كيف الفكرة يعني تحققون شروط الأمان بينكم ببعض ما جاء في الكتاب وتكفرون، معناها موجود هو، وأنت تعرف أنه موجود لكن تنكره وكأنه ليس موجودًا، تغطي عليه، هذا هو مفهوم الكفر يعني. وكأنه ليس موجودًا، وتحاول تغييبه. فلاحظ اللطافة في الأسلوب: أنه هو أتاهم بما يفعلون، أنه عندك إيجابية، تؤمن ببعض الكتاب، لماذا في ناحية أخرى تكفر بالبعض الآخر من الكتاب؟

باسم: يعني أنا أحب أن أعلق هنا، أنه انظر الشمولية التي يتعامل فيها النص القرآني مع البشر بشكل عام، ويأتي من فهم النص على جزئيات وإسقاطها على مجموعات عرقية محددة بذاتها، فيكون قتل النص، قتل الشمولية الموجودة فيه، وقتل الجمالية في المعاني الموجودة المستخرجة وفق آلية اللسان العربي المبين، وبالتالي أدى إلى أن كثيرًا من المجتمعات تهلك وتدمر، ويكون عدم الاستقرار كنتيجة أساسية في كثير من المجتمعات.

يوسف: نعم، هذا صحيح تمامًا، وله انعكاسات. يعني حتى نحن نجد ممن يعني يقول لك اليوم: أنا مسلم، وأنا مؤمن، ومؤمن برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، لكن في التطبيق العملي يقتلون أنفسهم. وقتل النفس مفهومه أكبر من سفك الدم. لاحظ هو في البداية ذكر سفك الدم، وفي التطبيق العملي يقتل النفس. وقلنا: كل ما يؤدي إلى مثلاً كبح جماح النفس وحرمانها من حاجاتها.

باسم: هو قتل لها.

يوسف: هذا خطوة على سبيل قتل النفس. وهو كثير من الناس يشكك في انتمائك، ويشكك في مواطنتك، ويشكك في كذا من غير ما سبب، أنت لم تتعرض له بأذى ولا أخللت بشيء من النظام الاجتماعي، لكن ليحقق له مصالح ذاتية أيضًا. يعني يظهر هذا السلوك عند طوائف اجتماعية كثيرة، حتى ممن…

 

ما معنى قتلهم الأنبياء؟

باسم: يعني إن سوء فهم مقاصد النص القرآني أو الآيات القرآنية أدى فعلاً إلى إحداث حالة من النزاعات الدموية ما بين المجتمعات نفسها.

يوسف: وللوهلة الأولى، ومن أول نزول الكتاب كان التأسيس لعكس ذلك تمامًا، وهذه انحرافات حدثت. وتشير بعض النصوص إلى الأسباب النظرية؛ مثلاً: “فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ”. هو لما كفر، كفر، ليس معناها هو لا يعرف، يعرف لكن يتغافل..

باسم: وضعها وراء ظهره.

يوسف: بالضبط. “وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ”. نعم، الآن هم الفكرة أنه هل قتلهم الأنبياء يعني مسك منشارًا وقطع النبي نصفين كما يقولون؟

باسم: منعوا أفكارهم يعني.

يوسف: بالضبط، أنت قتلت رسالة النبي، منعتها من أن يتحول أثرها إلى الأثر الاجتماعي المطلوب. هل لك حق بديل؟ يعني طبعًا بغير حق، يعني ما أتيت به حتى تقتل به نبوة النبي، رسالة النبي أن تتحول إلى السلوك الاجتماعي، هو بغير حق طبعًا.

باسم: وهذا تجده في كل المجتمعات على فكرة، هذا من قتل الأنبياء في كل المجتمعات يتم حاليًا في كل الأوقات.

يوسف: ولذلك حذر منه النص القرآني: أن هذا سلوك قد كان في أسلافكم أيها البشر، فلماذا تعودون إليه فتفعلونه؟ وقد كانت نتائجه ما رأيتم من نتائج التشظي والتفرق والمعاناة والذلة والمسكنة التي يشير إليها النص مما حصل للمجتمعات التي حصلت فيها هذه الظواهر.

باسم: الذلة والمسكنة ليست مقصورة على مجموعة مثل ما في ذهن الناس حاليًا على مجموعة محددة، المسكنة على كل المجتمعات نتيجة السلوك.

يوسف: الذلة والمسكنة نتيجة لمن قام بهذه السلوكيات، هي ليست لطائفة محددة أو عرق معين أو إلى آخره، وإلا لم تكن الآية بهذه الطريقة عالمية أصلاً. ولا يمكن للقرآن أصلاً أن يتحدث بطريقة عنصرية، القرآن يتحدث باسم رب الناس وملك الناس ورب العالمين، فالكلام من الواضح أنه عام للجميع.

 

ما معنى “وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا”؟

يوسف: أيضًا من السلوكيات التي تتحدث عنها الآيات: “وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي”.. لاحظ نفس السياق: “يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ…”، ” وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (*) وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ”. لاحظ لما قال لما حدثهم عن الرسالة الخاتمة ماذا قال: “وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ”. يعني أنا لا أطلب منكم أن تؤمنوا بشيء جديد، هو ما نزل هو نفس الذي عندكم. لاحظ ولذلك هنا تفهم ليه: “إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى”، لأن المبدأ واحد: “مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا”، هذا المبدأ الكبير انتهى الموضوع. “وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا”. يعني هذا مظهر من مظاهر الانحراف مما يمنع الناس أن يتحول هذا… رسالة الكتب إلى تمثل اجتماعي، أنه يشتري بالآيات ثمناً قليلاً. معناها المصالح المادية، كثير من الناس الآن حتى ممن يتكلم بلسان الدين يعرف الحق ويعرف أن هذه المبادئ التي نتحدث بها هي حق، لكن حفاظًا على ثمن قليل، على مصلحة صغيرة، على مصلحة مادية صغيرة، ومهما كانت كبيرة ماديًا هي في مقابل صلاح المجتمع واستقرار أمة ووطن والمجتمع البشري لا قيمة لها في الحقيقة، وهي ذاتية وفردية، فيشتري بالآيات ثمناً قليلاً، يبيع الآيات ويحرّف النصوص عن معانيها.

 

ما معنى “وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ”؟

يوسف: “وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ”. هذا أيضًا سلوك مهم جدًا، الحق موجود، تدخل معه باطلاً فتجعله بين قوسين (كوكتيل)..

باسم: لأنه محير.

يوسف: كم قلنا هذا كثيرًا للناس، أنت تعرف أن هذا القرآن حق، صحيح، واضح، لا أحد يشكك في هذا، لكن الآن لما تأتيني بكلام آخر فتدخله على القرآن، وهذا الكلام على الأقل هناك احتمال أن يكون فيه نسبة باطل. الآن يعني.. أريد أن أفهم مسألة أو مبدأ في الإسلام مثلاً أو في الكتاب الذي هو كتاب السماء كله واحد كما شرحنا، لما تخلط الحق هذا بغيره من الباطل فتجعله في كوب واحد أو في وعاء واحد، ما الذي سيحصل؟ سيفهم الناس المسألة باختلاط بين الحق والباطل، سيحصل التشويش ويبدأ الانحراف. وهذا من أكبر الإجرام طبعًا، لأن هذا أنت تُحرف في الأسس النظرية التي تقيم المجتمع، وليس فقط سلوكًا عمليًا.

وقال لهم: “أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ”. لاحظ يرجعهم للكتاب، وهذا سلوك نجده كثيرًا جدًا من يعني ناس يكون لهم سلطة معينة، سواء كانت سلطة دينية أو علمية أو اقتصادية أو سياسية، أنه يأمر الناس بالبر، يأمرهم بالصلاة، حتى تجدها عند بعض الأطباء، يعني يكون عرف مثلاً أن السلوك الفلاني مُضر، فينهى الناس عنه ويفعله. هذا عنصر هدم، لأن القدوة العملية، الذي يأمر والذي يتولى سياق الأمر مهمة جدًا لتطبيق السلوك وتحويله إلى سلوك اجتماعي. الأب لما ينصح ابنه بنصيحة، ثم يجد الابن أن أباه مثلاً نصحه بعدم التدخين ورأى أباه يدخن، أنت الآن ألغيت أثر النصيحة تمامًا. لذلك يقول لهم: “أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ”، وأنت تعرف أن هذا معناه، “وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ”. يعني المشكلة أنك تعرف هذا، فإن كنت لا تستطيع فلا تتحول إلى إنسان آمر، يعني لا تتولى هذه الرتبة وأنت لا تستطيع أن تمثلها سلوكًا عمليًا، لأنك ستفسد. سيكون هذا طريقة في هدم المجتمع الذي أراد الكتاب وأسس له إبراهيم عليه السلام أن يبنى. ولذلك جملة “وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ”، وهم يتلون الكتاب، وردت في سياق الذم فقط في القرآن، يعني وردت هنا: “أتأمرون”.

باسم: يعني أنت تعرفه وتعمل العكس..

يوسف: نعم، لما قال: “وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ”. أنت تعرف أن هذا مناقضًا لمبادئ الكتاب.

 

لماذا الشفاعة والفداء من الانحرافات؟

يوسف: أيضًا من الانحرافات التي هي غاية في الأهمية، فكرة الشفاعة أو فكرة الفداء في تكفير الخطايا التي فيها تعدٍّ وظلم للناس.

باسم: وهذه فكرة كل المجتمعات العربية تعيش عليها أنه…

يوسف: للأسف.

باسم: ممكن نعمل السيئة والرسول يشفع لنا وفلان يشفع لنا، الضريح الفلاني يشفع لي، الولي الفلاني يشفع لي، أنا ابني كذا يشفع لي.

يوسف: بالضبط، أنا ابني حافظ القرآن يشفع لسبعين من أهله، ولا أعرف ما هذا. أين ورد؟ “وَاتَّقُوا يَوْمًا”، مرتين ورد في النص القرآني، ورد مرتين: “وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا”، و”شيئًا” هنا نكرة في سياق النفي، معناها تعم أصغر شيء في الدنيا. “وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى”.. “لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ”. يعني…

باسم: يعني جُردت من الحياة..

يوسف: هذه النفس مهما كانت راقية. انتبه، يوجد سياقان، والقرآن دقيق جدًا. السياق الموجود في الآيات الأولى في سورة البقرة: ” وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا” من النفس “شَفَاعَةٌ” لغيرها، “وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ”، يعني لا يؤخذ منها فداء لغيرها. إذن هذه الآن تتحدث الآية عن نفس تريد أن تحمي نفسًا أخرى. وهذا مبدأ، مبدأ ماذا؟ أن كل فرد مسؤول عن أفعاله، ما فيه واسطات، ولا يؤخذ أحد بجريرة أحد، ولا تلغي شفاعة أحد عقوبة استحقها أحد. أعلى جملة يمكن أن تمثل دستور النزاهة في العالم: “لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ”. في الآية الأخرى قال: “وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ”. يعني لو أحد أراد أن يفديها لن يقبل، ولو شفع لها غيرها لن يقبل. فهي النفس الأولى: “لَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ”، والنفس الأخرى لو أرادت أن تشفع لهذه النفس أو تدفع عنها فداء لا يقبل. يعني حتى يفهم السادة المشاهدون، لو أراد مثلاً يوسف أن يشفع لباسم حتى يلغي عنه عقوبة أو يذهب عنه جزاءً مهما كان يوسف هذا ومهما كان باسم، لا يقبل. في النظام الذي أنزله الله في الكتاب على بني إسرائيل ونزل في الكتاب…

باسم: يعني هذه تعتبر قاعدة أساسية لأي قضاء عادل في العالم.

يوسف: أكبر قاعدة تلغي ما يسمى بالواسطات والمحسوبيات القائمة على العشائرية، على الجهوية، على الجاه، على الرشى المادية، على أي شيء من غير هذا. وهذه سياقات نكرة، النكرة معروف في لسان العرب… إذا أدخل كلمة في سياق نفي وكانت نكرة تعم كل ما تحتها. ما قال: “لا تجزي النفس”، “لا تجزي نفس” أي نفس عن نفس أي نفس شيئا، يعني في أي شيء، “ولا يقبل منها شفاعة”، أي نوع من الشفاعة، “ولا يؤخذ منها عدل”، أي نوع من الفداء المالي أو غيره من المصالح التي يتم تبادلها لتحقيق هدف يؤدي إلى الإخلال بالفساد في تطبيق نظام الكتاب. وتحت أي ذريعة، فهذا تكرر مرتين. والمشكلة الناس ما الذي حرمهم؟ ما الذي حرم المجتمع البشري، المسلمين اليوم والمؤمنين وسائر المجتمع البشري من هذا؟ أنه يظن أن هذا خوطب به عرق معين و”ليس لنا دخل نحن”.

باسم: يعني الإشكالية أنه بتخصيص الألفاظ على مجموعة بشرية محددة هو يعني أدى إلى هذا…

 

الانحراف بتجسيد الآلهة

يوسف: من السلوكات أيضًا التي هي العودة إلى فكرة تجسيد الآلهة، يعني العودة إلى الاقتراب بتحويل الله كأنه بشر أو غيره من الأشياء المجسدة. ولذلك قال: “ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ”، في نفس السياق الذي يتحدث عن بني إسرائيل: “ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ”. أيضًا تشير إلى أن هذا اتخاذ العجل.. “وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ”، فوجد أنهم قد عادوا إلى فكرة…

باسم: التجسيد.

باسم: هل المقصود بالعجل هنا العجل يعني الحيوان الصغير مثلاً عجل، أم المقصود أنه فيه رمزية أخرى؟ أم هو فعلاً التمثيل للعجل نفسه؟

يوسف: والله أنا أخشى ما أخشاه أنّ مُسمى العجل يكون لاحقًا، يعني تمثيل الحيوان الصغير أنه، عجل معناها فيه فكرة أنه الاستعجال في الحكم والاستعجال في اتباعه. هو فيه تجسيد طبعًا، “وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا”، فهو شيء جُسّد وله خوار. يعني المشكلة أين؟ أنه هنا اشتغل من سار على فكرة هذا العجل الذي تشير آيات سورة طه إلى أنه السامري، اشتغل على فكرة أنه يعود، لأنه العقل البشري بدأ أول ما بدأ حسيًا، ثم صار يتطور ويترقى شيئا فشيئا، فاشتغل على فكرة أن يعود به إلى… تجسيدًا ليحقق مصلحة طبعا ذاتية لنفسه. وهذا كل من يحول فكرة الإله أو الله إلى تجسيد، يجسده في صنم، في شيخ طريقة، في شيخ مذهب، في إمام، في قائد فرقة أو عصابة أو إلى آخره، يعود إلى نفس الفكرة. لماذا؟ حتى يجعل له السطوة والقدرة على إعطاء التعليمات لنفسه. فهذه الفكرة حصلت عند بني إسرائيل، ولا تزال أيضا تحصل عند البشر، أنه يدخل وسطاء يزعم فيهم القدسية ويتحدث باسمهم أناس، فيدخلون على المنهج الرباني ومنهج الكتاب، فطبعا سيحصل الانحراف. وهذا السلوك أيضا لاحظ أن القوم في نفس الفترة: “وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً”، مازالوا يتعاملون مع الله كأنه فكرة محسوسة.

باسم: كأنه شيء مجسد.

يوسف: نعم، كأنه شيء مجسد، “فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ”. وما يزال كثير من الناس للأسف ينشغل بالبحث في ذات الله، كل انشغال في البحث في ذات الله، وتبدأ تتكلم أن الله له كذا وليس له كذا. وهذا على فكرة، الأمة الإسلامية كم دخلت في معتركات وصراعات بين الطوائف فيما سُمي بأهل الكلام وأهل الحديث والمعتزلة والأشاعرة، كل هذا صراعات…

باسم: له علاقة بسوء فهم مفهوم الله مثلا؟

يوسف: بالضبط، أنه تحويل فكرة الله إلى فكرة جسد أو بشر. طبعا، هو إذا وصلنا إلى هذا، أنت ستتعامل مع الله كأنه بشر كبير، وستُسقط مفاهيم الكتاب كاملة، لأنه سيصبح هذا الإله يقبل الشفاعة، سيصبح هذا الإله يغفر بكلمات تُقال، سيصبح هذا الإله بعبادات طقوسية يمسح لك ذنوبك ويلغي عنك الاعتداءات التي اعتديتها والظلم الذي اقترفته. لا يمكن لإله غير مجسد يُفهم بطريقة مفهومية بما يتناسب مع مفهوم الله أن يفعل هذا، كما يشير إليه النص، لأنه غني عن العالمين، والعالمون بالنسبة له: “أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ”. هذه هي الفكرة…

 

كيف يقود التجسيد إلى هلاك المجتمعات؟

باسم: هو على فكرة الإيمان بفكرة التجسيد الإلهي أو أن الله مجسد بشيء ما، يعني سيؤدي فعلا إلى انهيار العقل البشري بشكل عام، لأنه فعلا سيؤثر على كل مستويات الحياة اليومية التي يعيشها الإنسان.

يوسف: صحيح.

باسم: وهذا قد يقود إلى هلاك المجتمعات، لأن المجتمعات غير قادرة على فهم التجريد باللفظ المفهومي للفظ الله، وبالتالي ستضيع،  كما هي ضائعة، المجتمعات.

يوسف: سيسهل دخول الدخلاء الذين يضعون الوساطات بين الله وبين الناس، ثم يتكلمون باسمهم ويحدثون ما شاؤوا من تعليمات عنصرية وعرقية وطائفية وجهوية، طبعا لمصالحهم الشخصية. فلذلك لابد من الوصول إلى فكرة التجريد في فهم الله، وهذا نخصص له مجموعة إن شاء الله من الحلقات تناسب المقام.

 

ما معنى “فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ”؟

يوسف: طبعا هنا فيه نقطة في موضوع العجل لابد أن أذكرها: ” وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ”. إذا فتحت، طبعا للأسف، معظم كتب التفسير تقول: بدؤوا يقتلون أنفسهم ووصل الدم إلى كذا، لكن الآية واضح ما المقصود فيها: “اقتلوا أنفسكم”، يعني اقتلوا نوازع النفس هذه التي أدت…

باسم: يعني هذبوا أنفسكم.

يوسف: إي نعم، يعني كما قال: “وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (*) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى”. إذن الموضوع ما تولد لديكم من عبادة العجل سببه النزوع نحو شهوات النفس والسير خلف هواها. أنت تعود فقط إلى فكرة قديمة كانت موجودة عند أجداد البشر المبادين، للحصول على مصالح آنية وقريبة، وتقضي على فكرة مثلا الخوف من المستقبل بخرافات هي في النهاية. فلابد من أن تشتغل على أمراض نفسك هذه، فتهذبها إلى آخر لحظة، وتنهاها عن الهوى، وتعود إلى ملة إبراهيم، إلى التفكير الحيادي، إلى البحث عن الحقائق والأمور، إلى البحث عن أسبابها ومسبباتها، حتى تعود لتصل إلى الحق.

 

ما ضرورة الإيمان المجرد؟

باسم: هل يمكن الفهم أن الإيمان المجرد أو التجريد في فهم اللفظ، لفظ الجلالة الله، هذا المفهوم، أنه يؤدي فعلا إلى تهذيب النفس؟ يعني كلما آمنت النفس بالمجرد، كلما ابتعدت عن التجسيد، كلما تهذبت النفس، كلما فهمت الحياة أكثر، كلما انسجمت مع سنن الكون أكثر؟

يوسف: صحيح، لأن فهم المجردات يعني أو فهم أعلى درجات التجريد وهو الله تبارك وتعالى، يحتاج إلى مستوى عال من المنطق…

باسم: والعقل.

يوسف: تقريبا تغيب فيه العواطف، الغرائز، الشهوات، الحاجات الحيوانية للإنسان. فهذا هو أعلى درجات قتل النفس. وكلما وصل الإنسان إليه طبعا، قتل هوى النفس يعني معناها، كلما وصل إليه فهم الله أكثر، وصار عنده ممانعة من أن يحول أحد بينه وبين الله.

باسم: بهذه الانحرافات التي وقعت بين بني إسرائيل.

يوسف: والبذرة الأولى أين كانت موجودة؟ عند إبراهيم عليه السلام، وشرحنا هذا حتى وهو يخاطب الله: “أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى”. لاحظ فكرة أن أرجع إلى فكرة التسليم لمن هو مثلي، أسلم عقلي، أسلم سمعي، أسلم بصري. إذا كان إبراهيم يخاطب ربه فيقول: “أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى”، فأي أحد دون الله لا تأخذ منه أي شيء، كائنًا ما يكون، تحت سطوة اتباع هوى النفس وغرائزها وشهواتها واستعجال النتائج. من أجل هذا: “اتخذوا العجل”. أي أحد يدخل وسطاء بينه وبين الله، هو كل الهدف أنه يستعجل النتائج، وطريقة بناء الكون وتحقيق النتائج في كون الله الذي بناه ليست عجلة، ليس فيها عجلة، فيه بناء. ولذلك جاء خلق السموات والأرض على مراحل، هو بناء. كل شيء تحتاج أن تصل إليه لابد أن تصبر على بنائه لبنة لبنة وطوبة طوبة، ولا تذهب إلى الأدعياء الذين ينهي لك المرض في لحظة، ويوصلك إلى النجاح، ويزوجك، ويعطيك خمس-ست أولاد في لحظة واحدة. هذا كل مما تعود فيه النفس إلى طبيعتها الدنيئة، وإلى شهواتها، وإلى غرائزها.

 

ما قضية “يوم السبت”؟ وكيف أصبحوا “قردة خاسئين”؟

من ضمن السلوكات دكتور أيضا، يعني آخر ما نتناوله في الخطاب لبني إسرائيل قضية السبت، وهذه قضية شائكة، وأيضا ذهب فهمها باتجاه آخر غير المقصود تماما. ففي سورة البقرة يقول: “وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ”، وطبعا هذا صورة معناها أنه يفقد الإنسان إنسانيته. سأشرح هذا: لماذا قال لهم كونوا قردة خاسئين؟ لكن الآية التي فصّلت موضوع السبت جاءت في سورة الأعراف: “وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ”. هو نموذج لقضية أن السبت، ما تشير إليه الآيات إنه كان يوما، يوم، ومعناها كما يسمى اليوم “ويك إند”، معناها نهاية الأسبوع. لاحظ إلى أي درجة الكتاب وضع المبادئ التي تُعطي حياة اجتماعية مستقرة وهانئة. يعني هذا أحد أسس نظام العمل، أن فكرة الإجازة يجب أن تكون فكرة محترمة إلى نهاية الحدود. يوم السبت إذا رجعنا له لسانيا: ” أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (*) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (*) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (*) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا”، “سباتا” أصلها اللساني “سَبَتَ”، نعم. إذن السبت متعلق بالراحة، معناها يوم السبت الذي فُرض عليهم أن لا يكون فيه عمل، حتى يستعيد الإنسان فيه حيويته، يمارس عمله سائر الأسبوع. بماذا؟ براحة، ومعناها دافعية وحافز تجاه العمل. فما الذي كانوا يفعلونه؟ كانوا يخالفون الأمر فيعملون، وطبعا من تحت أيديهم سيضطر للعمل، ولذلك يقول: “إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ” ، وهنا كانت تأتيهم الحيتان، لأن هذا نوع من الاختبار. يعني الحيتان، يعني يتحدث عن قرية كانت قائمة على الصيد، معناها “تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا” تشق الطرق، لأن هذا نوع من العقوبة الآن. كأن الآية تشير إلى أن الإنسان أو يعني وزارة العمل مثلا في أي مجتمع أو دولة اليوم، إذا لم تعط حقًا لفكرة الإجازة هذه والراحة، وطبعا هي تكون على مستوى اليوم، إن العمل لابد أن يكون له حدود بعدد ساعات معين بحسب ما تشير إليه دراسات تطوير التنمية البشرية طبعا، ولابد أن يكون هناك إجازة أسبوعية والإجازات السنوية. إذا لم يفعل هذا، دافعية العمل في باقي الأسبوع تقل، لأنه قال لك: “وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ”. الإشارة هنا أنه أنت ستخسر أسبوعاً كاملًا أو شهرًا أو سنة كاملة من العمل، بسبب أنك ألغيت نظام الراحة الذي يحتاج إليه البشر بطبيعتهم. وهذه منظومة تؤخذ على مستوى التجار. يعني أنت تجد أحيانا مثلا فئة من التجار، لنقل مثلا: بائعو الملابس، اتفقوا حتى يكون هناك وقت للراحة ووقت للعمل، أن يكون يوم السبت عطلة لهم، أو تغلق محلات بيع الملابس فرضا الساعة السادسة مساءً، الآن ماذا يفعل بعض التجار الذي يريد أن يحقق مصالح ذاتية وفردية؟ يخالف هذا النظام. هذا اعتداء. هذا في نظر القرآن وفي نظر الميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل ليكون رسالة للبشر. هذا نوع من الاعتداء، ولا يجوز أن يترك هذا. والآن لاحظ، كثير من المجتمعات والنظم المدنية تبنت هذه الفكرة، وأعطت صلاحًا، أعطت راحة، والناس أقلمت نفسها أنه عندما أحتاج الخدمة الفلانية أو السلعة الفلانية سأجدها في وقتها المناسب. بينما المجتمعات التي تعمل ليلًا ونهارًا، لا إنتاج، ولا المساهمة في الحضارة العالمية، ولا صناعات، ولا تطور، ولا تقدم. فكم تجد أن الفكرة عميقة وغائبة للأسف، مع أنها أرى أنها واضحة. لذلك لما قال: “قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ”، من طبع القرد إذا… طبعا أنا لا أخذها بمعناها أن التحويل إلى قردة، لأن هذا ليس موجودا في النظام الكوني.

باسم: المقصود تقول السلوك، يعني سلوك.

يوسف: نعم، والقرد لا يتوقف عن الحركة، ولكن حركته غالبًا عديمة الفائدة. فهذا هو الذي قال لهم: كونوا أنتم أردتم أن تكونوا فقط تتحركون وتعملون من غير أن يكون هناك ثمر للحركة. لذلك قال: “خاسئين”، يعني لا توجد ثمرة ولا يوجد نتيجة للعمل.

باسم: دكتور، شكرا لك.

يوسف: الشكر موصول لكم.

باسم: حقيقة يعني أنه ممتع الحقيقة. بودنا نستمر، لكن الوقت عادة، ونحاول أن نؤجل مواضيع أخرى لحلقات قادمة إن شاء الله من برنامج مفاهيم. شكرا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم مع الدكتور يوسف أبو عواد، ونبقى في ظل التطبيقات اللسانية والمدلول اللساني العربي المبين على فهم الألفاظ القرآنية. شكرا لكم، وإلى اللقاء.