Skip to content Skip to footer

بنو إسرائيل والإسراء والإفساد في الأرض مرتين – حلقة شاملة غير مسبوقة | د. يوسف أبو عواد

مقدمة

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم مع الدكتور يوسف أبو عواد. دكتور، أهلًا وسهلًا بك.

يوسف: أهلًا وسهلًا بك.

باسم: في الواقع، حلقة اليوم عندي رغبةٌ أن تكون موسَّعةً أكثر حول مفهوم بني إسرائيل، ومن هم بني إسرائيل الذين كرَّرهم القرآن كثيرًا. في الحلقات السابقة تطرَّقنا للموضوع وألقينا بعض الضوء على هذا المفهوم أو معنى أو من هم بنو إسرائيل. لكن أرغب أن نتوسَّع أكثر؛ لأنه يبدو أنه لا تزال في ذهن المشاهدين زوايا مظلمة حول هذا، حول: من هم بنو إسرائيل؟

يوسف: طيب، أهلًا وسهلًا بك دكتور، وبالسادة والسيدات المشاهدين والمشاهدات. في الحقيقة، نحن تعرَّضنا لأهل الكتاب، والذين أوتوا الكتاب، والذين آتيناهم الكتاب، وأوتوا نصيبًا من الكتاب، وملة اليهود والنصارى. فقد عرض لنا كثيرًا الكلام على إسرائيل وبني إسرائيل، لكننا لم نستقرئ جميع الآيات التي تتحدث عن إسرائيل وبني إسرائيل في القرآن الكريم.

لذلك، ما سنفعله اليوم هو أن لا نترك آيةً، التي ظاهرها تعارض ما طرحناه من أن بني إسرائيل بقية البشر بعد.. ممن بقوا من ذرية نوح. يعني الآية التي تعارضنا سنذكرها قبل الآية التي توافقنا حتى يكون البحث حياديًا وصارمًا.

 

تفكيك مصطلح “بني إسرائيل” في القرآن

يوسف: لكن قبل أن نبدأ، أولًا نفكك كلمة “بني إسرائيل”؛ هي كلمتان: “بني” و”إسرائيل”. لكن “بني” هذه في علم قواعد العربية تُسمَّى ملحقًا بجمع المذكر السالم. بمعنى أنها في الحالة الإعرابية لها صورتان: “بنو” و”بني”. وقد وردت “بنو” في موضع واحد في القرآن الكريم: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: 90]. والسبب أنها فاعل. في باقي المواضع إما أنها تأتي منصوبة أو مجرورة فتكون “بني إسرائيل”. هذه نقطة. و”بني” طبعًا هي جمع “ابن”. إذًا هناك علاقة نسبية قطعًا في الموضوع إلى إسرائيل.

طيب، “إسرائيل” نحن قلنا إنه ذُكر في القرآن في موضعين. الموضع الأول: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: 93]. هذا الموضع أولًا يثبت أنه شخص؛ لأنه حرَّم على نفسه. ويثبت أنه ذكر على فكرة؛ وأنه فرد. قد يقول قائل: هل هو مجموعة مثلًا “إسرائيل”؟ لماذا لا يكون مثلًا “إسرائيل” أنثى؟ لا، نحن بالأدلة لنصل إلى أعلى درجة من الحيادية. الضمير هنا عائد على ذكر: “إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه”.

وفي آية أخرى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ [مريم: 58]. هنا ذُكر “إسرائيل” شخصًا في هاتين الآيتين.

الآن، لا يوجد على مساحة النص القرآني كله، من أوله إلى آخره، ما يثبت أن “إسرائيل” قبل إبراهيم أو بعد إبراهيم. لن تستطيع مهما فعلت في تدبر الآيات وتحليلها أن تعرف هل هو قبل النبي إبراهيم أم بعد النبي إبراهيم. لكن يمكنك أن تقطع أنه بعد النبي نوح.

 

علاقة بني إسرائيل بالأنبياء: هل إسرائيل قبل إبراهيم أم بعده؟

باسم: بعد نوح. طيب الآية الثانية من سورة الإسراء التي تقول: ﴿وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي ‎وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: 2-3]. هذا يعطي انطباعًا أن إسرائيل كان مع نوح.

يوسف: لا الذرية، “ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ”.

باسم: أنا أقصد هنا أن إسرائيل كان مع نوح. إنما الذرية قد تكون جاءت بعد.

يوسف: طيب، هذه الآية على كل حال أنا أعتبرها الآية الأم في بيان من هم بنو إسرائيل. لأن لديَّ فلسفة في النظر في آيات القرآن الكريم مأخوذة من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 7]. وسنأتي لشرح معنى “أم الكتاب” و”المحكمات” في موضعها إن شاء الله في تفصيل الكتاب.

لكن هذه الآية في سورة الإسراء هي الآية الأم في بيان من هم بني إسرائيل. لماذا الآية الأم؟ سنتطرق لها من أكثر من اتجاه. أولًا نحن شرحنا كلمة “بني”. طيب، “إسرائيل” لها معنى؟ يعني هل هو مسمى خالٍ من المعنى أم أنه مسمى له معنى؟ هي مركبة من كلمتين: “إسرا” و”إيل”. طيب، لننظر في سورة الإسراء في الآية الأولى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: 1]. فالإسرا هو مرتبط بالإسراء، و”إيل” معروف جدًا أنه مرتبط باسم الله، هذا معروف في النظر في تسلسل أو تاريخ تكوّن اللسان العربي واللغات العربية الأخرى.

إذن هناك بُعد معنوي في اسم “إسرائيل”، وهو الإسراء إلى الله. لكن ننظر مرة أخرى في الآية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: 1]. هنا أنا أميل إلى أن إسرائيل بعد إبراهيم. لماذا؟ لأن إبراهيم عليه السلام هو الذي أسس المسجد الحرام. يعني إذا تتبعت وقد تتبعنا بتمعن شديد قصة إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم كله، إلا أنه لم يُذكر المسجد الأقصى في قصة إبراهيم، وإنما ذُكر المسجد الحرام. المرحلة اللاحقة بعد إبراهيم عليه السلام هي ماذا؟ هي نقل الأمن والسلم الذي أراد إبراهيم عليه السلام أن يؤسس له ليصل إلى أقاصي الأرض، وهذه هي الإشارة المعنوية بقوله: “أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى”. البعد المعنوي الكبير أن رسالة الإسلام الكبيرة التي أسسها إبراهيم، والتي هدفها نشر الأمن والسلام، لا تقف عند حد معين كمبدأ. لاحظ وليس كغزو وليس كقتال، هو مبدأ، والقرآن دائمًا يتكلم عن مبادئ، هو مبدأ يُراد له أن ينتشر إلى أقصى حد ممكن. الآن، الشخص الذي تولى عملية النشر هذه وحملها على عاتقه لينتقل بها لتصل إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه من أقاصي الأرض، يُسميه القرآن في الآية اللاحقة في نفس السياق يسميه “إسرائيل”. فإذن: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ثم قال مباشرةً: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾. [الإسراء: 1-2]. ونحن قلنا عن الكتاب وسنرجع له بتفصيل على كلمة الكتاب، ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾. إذًا من تبنوا من أبناء إسرائيل، من تبنوا الفكرة التي هي فكرة إبراهيم بالأساس، لكن نقلها ونشرها لتصل إلى أقاصي الأرض، بدأ القرآن الكريم هنا يسميهم “بني إسرائيل”.

طيب، هل هم كل البشر كما قلنا في حلقة سابقة؟ نكمل الآية: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: 2-3]. وأنا أريد من السادة المشاهدين تركيزًا بسيطًا؛ لأنه هنا قواعد الإعراب مهمة جدًا في فهم المعنى. “ذريةَ” هذه جاءت منصوبة، بمعنى أنها ليست جملة مؤسسة؛ لأنه في العربية إذا أردت أن تؤسس جملة تبدأ باسم ترفع الكلمة لا تنصبها، ترفعها لتكون مبتدأ أو خبرًا لمبتدأ محذوف. لكن لما قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾، إذًا الكلام قطعًا عائد على الآية السابقة: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾. هناك احتمالان لا ثالث لهما، وبالمناسبة أنا هنا أقول إن كتب التفسير المعروفة والمتداولة من ابن جرير ومن بعده، إذا قرأت، ارجع واقرأ ماذا يقولون في تفسير ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾، يقول لك معظم ما هو مكتوب في كتب التفسير هنا: إن هذا موضوع آخر، وأنه يقول: “يا ذرية من حملنا مع نوح، سيروا على نهجه، فإنه كان عبدًا شكورًا”، يعني كأنها جملة منفصلة عن الآية السابقة ولا علاقة لها بالآية التي سبقتها.

باسم: بينما هنا، كما تقول، أنها عبارة عن تفصيل لسابق.

يوسف: مئة بالمئة: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. الآن “بني إسرائيل” في الآية مجرورة بحرف الجر “اللام”: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ﴾. هنا قد يكون النصب إما من باب النداء، وهذا هو الأرجح، أو من باب يسمونه النصب على الاختصاص. الاختصاص ليس معناه هنا أنه يخص جزءاً من جزء، وإنما يركز على وصف معين يخص من ذكرهم.

 

الكتاب الذي أوتيه موسى: هل بنو إسرائيل كانوا بدون هدى قبله؟

باسم: أعود بك إلى الكتاب الذي أوتي للنبي موسى كي يجعله لبني إسرائيل هدى.

يوسف: نعم.

باسم: طيب، موسى جاء بعد النبي إبراهيم؟

يوسف: صحيح؟

باسم: لا أحد يعرف الفترة الزمنية كم. في هذه الفترة ما سبقت النبي موسى. هل كان بنو إسرائيل مثلًا بدون هدى مثلًا أو بدون كتاب ليهتدوا به مثلًا؟

يوسف: سؤال جميل جدًا، ولكن سأرجئ تفصيله إلى حلقة الكتاب. إنما كفكرة، نحن قلنا دكتور إن الكتاب نزلت منه أشياء: نزلت صحف، نزل الزبور، نزلت بينات، وكانت هناك الفطرة أيضًا تسير الناس، وإبراهيم عليه السلام سار على الفطرة، ولذلك سمي أمة، هو من نُسب إليه بعد ذلك ممن سار على نهجه من غير الكتاب سُمي “أميًا”، يعني كان يسير على فكرة الأمة الأصلية التي أسس لها إبراهيم، وهي إعادة إحياء الفطرة الطبيعية وتفعيل العقل الطبيعي في التفكر.

فأضرب مثالًا على موضوع التخصيص: أنت تقول مثلًا “مررت بزيدٍ المعلمَ”، هذا موجود في اللسان العربي، بمعنى أنا أخص المعلمَ. طيب هو زيد هو نفس المعلم، لكن تريد أن تركز على وصف في زيد، فماذا فعلت؟ نصبت كلمة “المعلم”.

الآن، الاحتمال الثاني، وأنا أعرف أن الكلام ثقيل نوعًا ما، ولكن فيه إجابة قاطعة ونهائية عن الموضوع. الاحتمال الثاني أن تكون منادى، والمنادى المضاف في اللسان العربي منصوب: “يا أهلَ الكتاب”، “يا أهلَ يثرب”..

باسم: “يا ذريةَ بني إسرائيل”.

يوسف: نعم، وهذا الأقرب والذي مال إليه معظم المفسرين حتى في إعراب الآية: “وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا، (يا) ذرية من حملنا مع نوح. إذًا أنتم يا بني إسرائيل، يخاطبهم القرآن بصفة أخرى لهم، فماذا يقول؟ “يا ذرية من حملنا مع نوح، إنه كان عبدًا شكورًا”.

فإذن “بني إسرائيل” لا يمكن، إذا فهمنا هذا السياق بطريقة مركبة ومنسوجة ولم نفصل آخره عن أوله، إلا أن يكونوا هم ذرية من حُمِل مع نوح؛ إذًا هم كل البشر الذين بقوا من ذرية نوح.

طيب، الآن هناك بين نوح عليه السلام وموسى هناك أقوام: هناك عاد، هناك ثمود، هناك مدين، هناك المؤتفكات، أصحاب الرس، أصحاب الأيكة، تذكرهم الآيات الكريمة. وبغض النظر عن تفاصيلهم، لكن نحن نقول: هذه الأقوام معظمها أبيدت، كما ذكرنا، بعقوبات سماوية. كانت عقوبة السماء، هذا شرحناه بالتفصيل..

باسم: بين عاد وثمود وأصحاب الأيكة، كلهم أبيدوا؟ قبل ظهور..

يوسف: أبيدوا إلا من آمن؛ كان من يبقى مؤمنًا لا يُباد، ينجو. ولذلك استمرت ذرية نوح. كيف استمرت ذرية نوح؟ لو أُبيدوا جميعًا لكانت ذرية نوح لم تستمر.

 

تسلسل ظهور البشر بين نوح وموسى

يوسف: وهنا طرح مهم جدًا، يُشعرك القرآن، على فكرة، على خلاف كل ما هو متعارف عليه، أن تسلسل ظهور الأنبياء من نوح إلى موسى لم يكن يخص بعض أهل الأرض دون بعض. وهذه نقطة مهمة جدًا؛ يعني القرآن يتحدث عن رسالات الأنبياء باعتبار أنها موجهة لكل من كان موجودًا من البشر، لكل البشر الذين استُخلفوا عن من قبلهم في الأرض. فالآن جاء نوح إلى من كان من البشر، الآن قد يكون، والأغلب طبعًا، أنهم في حيز محصور، لم يحصل الانتشار البشري فيمتد الناس وينتشروا إلى قارات الأرض، هم في حيز محصور. ولذلك قلنا إن الطوفان لم يكن يعم جميع الكرة الأرضية، وإنما في الحيز الذي كان فيه البشر أصلًا في ذلك الوقت.

الآن من نجا، وسنأتي إلى من نجا ونفصل فيه، من نجا مع نوح بقي، من نجا سيتسلسل، سيأتي قوم عاد، ويأتي قوم ثمود، ويأتي ويأتي، ثم يُباد معظم هؤلاء الأقوام، ويبقى عدد قليل. هذا العدد القليل، لمّا وصلنا إلى عهد إبراهيم الذي أسّس البيت الحرام، وإسرائيل الذي أسّس فكرة تعميم هذا المبدأ ونشره إلى العالم، هنا بدأت فكرة إسرائيل. ولذلك مُسمى إسرائيل الذي اختاره القرآن مسمى وصفي وليس مسمى كاسم علم مثلًا للشخص.

 

هل النبي إبراهيم من بني إسرائيل؟

باسم: بهذا الفهم. وهكذا فهمت. هل النبي إبراهيم من بني إسرائيل؟

يوسف: النبي إبراهيم لا أستطيع أن أقول إنه من بني إسرائيل كبنوة. النبي إبراهيم يرجع إلى نوح، إسرائيل بدأت فكرته بعد إبراهيم مباشرة. فإبراهيم فكرته بناء الاهتداء إلى الله بالعقل والفطرة وتأسيس البيت الحرام الذي سيكون مركزًا لتكريس هذه الفكرة من حيث هي تأسيس مجتمع مسالم ومؤمن. الآن إسرائيل هو الشخص الذي تولّى بعد إبراهيم المهمة، لكن هل هو من نسل إبراهيم؟ أو في نفس رتبة إبراهيم عليه السلام؟ الذي أميل إليه أنا أنه من نسل إبراهيم وقريب جدًا منه، وسأدلل على هذا ببعض الآيات.

لكن الفكرة كمسمى: لماذا سمي إسرائيل؟ نرجع فنقول لأنه أسرى بالفكرة لله، أسرى بالفكرة أو برسالة الله، فبدأ ينقل فيها. وهذا هو المعنى الرمزي للإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

 

من بقي من البشر بعد طوفان نوح؟

باسم: إذا كانت الآية تتحدث عن مجموعة بشرية أتت من بعد إبراهيم، لماذا ذكرت في سياق النبي نوح؟

يوسف: لأنه لم يبق أصلًا من ذرية نوح، قد أهلك كل من عارض الأنبياء الذين بين فترة نوح وفترة إبراهيم..

باسم:  إلا من آمنوا وهم قليل.

يوسف: نعم.

باسم: ومن أهله.

يوسف: طيب، الآن أنت لما ترى الآيات القرآنية كيف تصف الأمر: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾، في عهد نوح عليه السلام، ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾، ماذا قال: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. [هود: 40]. الآن نريد أن نعود، من الذي حمل في الفلك، أو في سفينة نوح؟ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، الأزواج التي تتأثر بالطوفان في تلك البقعة من الأرض، هذا الذي قلناه. ﴿وَأَهْلَكَ﴾.. يعني أهل نوح، ﴿إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾، منهم، لأنه كان لديه ولد عارض الفكرة وقال: ﴿سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: 43]. ﴿وَمَنْ آَمَنَ﴾. إذًا هناك ثلاثة أقسام أو مكونات دخلت في الفلك أو في السفينة وهي التي بقيت، لأن الله سبحانه وتعالى في آية أخرى يقول عن نوح عليه السلام: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: 77].

وهذه نقطة مهمة جدًا، لما حصل الطوفان من الذي بقي في الأرض؟ الذرية، حتى من آمن لم يتناسل بنص هذه الآية: “وجعلنا ذرّيتَه (فقط) هم الباقين”. هذا ضمير “هم” مهم، هذا يسمى ضمير الفصل ويدل على الحصر في العربية. يعني كان يمكن أن يقول: “وجعلنا ذرية نوح باقين”.

باسم: يعني هذا يوضح أكثر أنه فعلًا إسرائيل جاء بعد إبراهيم.

يوسف: نعم. وآية أخرى أيضًا: 

﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ [المؤمنون: 27]. لاحظ ماذا فعل هنا؟ لم يذكر “من آمن”.

عندنا سياقان الآن، دكتور، السياق الأول: “من كل زوجين اثنين”، و”أهلك إلا من سبق عليه القول منهم”، و”من آمن”. ثلاثة. في السياق الثاني. لاحظ دقة النسيج القرآني:  ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾. أين من آمن؟ هو ذكرها. لماذا؟ لأنه لم يكن منهم نسل. النسل بعد ذلك اقتصر على ذرية نوح.

هذا كما قلنا نربطه بآية في سورة الصافات، السياق في سورة الصافات كيف كان؟ ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ..﴾ هذه هم ضمير فصل يفيد الحصر. كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1].

طيب إذًا: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. وبعد ذلك، لاحظ: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: 75-83].

من شيعة من؟ من نوح. ما هذه القفزة؟ أين عاد وثمود وقوم شعيب الذين ذكروا في سورة الأعراف وذكروا في سورة هود وذكروا في سورة الشعراء..

باسم: واصحاب الأيكة والمؤتفكات.

يوسف: نعم، لماذا لم يذكرهم؟ لأنهم أبيدوا. الآن هو يريد أن يتكلم لك عن تسلسل النسل البشري الذي بقي.

باسم: الذي تم انتقاؤه أو الذي تم اصطفاؤه.

يوسف: بالضبط، تم اصطفاؤه ليبقى حيًا لأنه يتقبل فكرة العبودية لله، وفكرة الاستخلاف في الأرض وفق ما أراد الله.

 

دور إبراهيم وإسرائيل في تشكيل الرسالة العالمية

يوسف: طيب، الآن هذا السياق يُكمل قصة إبراهيم، وقد شرحناها. وهذا السياق، الذي على فكرة، الذي فيه موضوع الرؤيا، فلما ينتهي السياق يقول: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: 112-113]. ثم يقول: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات: 114].

طبعًا مرحلة موسى، لماذا دائمًا تأتي في الآيات الكريمة بعد إبراهيم؟ لأن موسى هو الذي أوتي الكتاب تمامًا كما قلنا. قبل موسى لم ينزل كتاب تام، كانت صحف، كان زبور، كانت بينات.

باسم: طيب، موسى كان عنده صحف.

يوسف: صحيح، وهذه الصحف تكاملت حتى شكّلت كتابًا كاملًا، وسنأتي إلى تفصيله وكيف أوتي الكتاب لموسى بالتفصيل لما نناقش موضوع الكتاب.

لكن الآية الصريحة جدًا في أن الذي.. ﴿ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: 154]، فلذلك تذكر الآيات موسى.

النقلة النوعية التي حدثت في عهد موسى عليه السلام، هو نزول الكتاب. وكان بنو إسرائيل موجودين، صح؟ بنو إسرائيل في عهد موسى كمسمى موجود أم غير موجود؟

باسم: موجود. صح.

يوسف: قال لفرعون: ﴿أَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: 105]، صحيح؟ إذًا موجودون. معناها الفترة بين إبراهيم وموسى تشكل فيها بنو إسرائيل. والقرآن لما ذكر النبوة قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾. واضح، ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ نحن قلنا: إن ممن حملنا مع نوح فقط من ذرية نوح، وليس من الذين آمنوا مع نوح، ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ [مريم: 58].

نعم، إذًا اختصرت الذرية بعد ذلك في إبراهيم وإسرائيل. هل هما اثنان متزامنان وكلاهما من ذرية نوح، أم إن إسرائيل من ذرية إبراهيم؟ القرآن لم يشر ولا مرة أن كل البشر من ذرية إبراهيم، ما في آية تشير..

باسم: صح، ما فيه تفصيل يوضح هذا.

يوسف: إي نعم، لكن تشير إلى أن النبوة من ذرية إبراهيم. النبوة، أما البشر، يقرن إبراهيم وإسرائيل، فهل هما متزامنان أم.. كما قلتُ القرآنُ لم يحسم الموضوع في هذا، لكن كونه لم يحسم، على الأرجح أنهما كلاهما يرجعان إلى نوح.

باسم: أو ربما لم يكن هناك اتصال زمني.

يوسف: وقد لا يكون اتصال زمني، نعم.

باسم: لم يعيشا في مرحلة زمنية واحدة.

يوسف: بالضبط. قد لا يكون هناك اتصال زمني أيضًا بينهما.

 

القرآن ووصف مراحل التشكل البشري

يوسف: طيب، الآن، لذلك يا دكتور، نحن أيضًا نريد أن يلم المشاهد الأفكار التي تحدثنا عنها، لأنها ستشكل منظومة، أنا أقول تعطي عالمية حقيقية للنص القرآني وتعيده إلى ما أُنزل ليكونه، وهو مبادئ. هو مبادئ، وليس.. لم يُنزل القرآن ليكون وسيلة للصراع في حلبات السياسة، ولا يكون وسيلة أو حُجة ليُقام عليه قتال، إلى آخره، وسنثبت هذا أيضًا بأدلة كثيرة جدًا.

ففي سورة الأعراف، لاحظ سورة الأعراف كيف تبدأ: تتحدث عن قصة آدم وخروجه من الجنة وإبليس، ثم بعد ذلك يكون بعض الكلام عن الجنة والنار، تنتقل بعد ذلك إلى قصص الأنبياء: تبدأ بنوح، ثم عاد، ثم ثمود، ثم إبراهيم ولوط، ثم مدين، ثم موسى. هذا السياق، هذا هو ترتيب ظهور البشر، مع أيضًا نزول الرسائل، وليس فقط المشكلة أنه فُرِّغَت، للأسف الشديد، هذه المعاني العميقة جدًا. كيف فُرِّغَت من محتواها؟ أنه مجرد أن تقرأها بعين ما كُتب، يعني في الأسفار اليهودية والتلمود إلى آخره، تشعر أنه كلام عن بقعة جغرافية محددة، بغض النظر عن أنه في الجزيرة، في مصر، في اليمن، أنا لا أريد أن أدخل في هذا المبحث، لكن أنت تشعر أن الآيات والقصص تتحدث عن بقعة جغرافية محددة، فتتساءل: أين باقي سكان الأرض من هذا الموضوع؟ وأين عالمية الرسالات؟ وأين عالمية النبوات؟

لكن إذا فهمت أنه أصلًا القرآن يصف لك مراحل التشكل البشري كيف بدأت، ثم بدأ الانحراف، فنزل الرسل ومراحل الانتشار البشري. الآن، من أين بدأ هذا الانتشار؟ وما هي البقعة الجغرافية؟ هذا مبحث الأركيولوجيين والجغرافيين، يبحثون كما يشاؤون ويجمعون الأدلة. أما أنا لسانيًا، وتدبّريًّا، أنا أقول لك: القرآن لم يقل يومًا إن هذا مقصور على طوائف كانت في بقعة جغرافية معينة وانتهى الموضوع، بل هو يشير إلى أن هذا كل البشر، والكلام عن جميع البشر. ولذلك كان بنو إسرائيل هم كل من بقي من البشر بعد نوح، ممن لم ينقرض بالعقوبات التي أبيدوا بسببها.

 

هل بنو إسرائيل عرق أم وصف إيماني؟

باسم: هل يمكن الاستنتاج أن بني إسرائيل هم ذرية متسلسلة من إسرائيل؟ أم… وهل إسرائيل كان مثلًا تزوج امرأة فأنجب طفلين، وصار تزاوج حتى وصلت إلى مرحلة أنه صار عنده ذرية؟ يعني كيف تم الموضوع؟ يعني كيف؟ يعني هي بدأت من شخص وانتهت بمجموع، كلهم صاروا…

يوسف: إي نعم بدأت من شخص وانتهت بمجموع؛ لأن هذا هو الخيط الذي بقي من نوح. قد يكون هناك خيوط أخرى من ذرية نوح، لكنها أبيدت في العقوبات.

باسم: يعني نحن نتحدث عن كم جيل حتى تشكل بنو إسرائيل أو ذرية؟

يوسف: طبعًا الموضوع أخذ وقتًا. لكن لاحظ في عهد موسى عليه السلام، لما تقول لك الآيات: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: 160].

﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: 12] 

كان العدد قد كثُر لدرجة أنه احتيج إداريًا إلى أن يقسموا إلى اثنتي عشرة فرقة أو سبط حتى يتم التعامل معهم إداريًا. بدأنا نرى ما يحدث اليوم في دول العالم من التوزيع الإداري أو التقسيمات الإدارية حتى يسهل السيطرة، فكان العدد قد كثر في عهد موسى عليه السلام. أما قبل ذلك، لم يكن العدد قد كثر.

لكن تبقى نقطة مهمة جدًا، وهناك اعتراضات طبعًا. نحن إلى الآن جئنا بالآية الأم، فسرناها، ذهبنا إلى سياق الآيات التي تتحدث عن الأقوام، والتي يقول ربنا في آخرها:  ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ * وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾. ثم يقول: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الأعراف: 101-103].

إذًا، سياق ظهور البشر والنبوات بالاقتران مع فكرة بني إسرائيل ومن هم بنو إسرائيل واضح بتأمل سورة الأعراف وسورة هود وسورة الشعراء وسورة القمر مع ربطها مع سورة الإسراء. ونحن، على فكرة، ربما ما جعل هناك غموضًا للموضوع أننا لم نتطرق لآيات سورة الإسراء في حلقات سابقة، مع أنها الآية الأم؛ لأنه لم يكن محور بحثنا الأصلي هو بنو إسرائيل.

 

اسكنوا الأرض: هل هي أرض فلسطين؟

باسم: يعني أنا الآن عندي مجموعة تساؤلات: هل النبي موسى كان من بني إسرائيل؟ كان من ذرية إسرائيل مثلًا؟ هل فرعون كان من ذرية إسرائيل؟ لماذا فرعون مثلًا استعبد بني إسرائيل طالما كان هو منهم ومن ذريتهم؟

يوسف: جميل جدًا، هذه من أقوى الاعتراضات. طيب، نلاحظ دكتور، مرحلة ما بعد فرعون. أول شيء، حتى بعدها سأرجع إلى موضوع فرعون؛ لأنه إشكال كبير على الموضوع. في نهاية سورة الإسراء، لما تأتي الآيات الكريمة فتقول: ﴿وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ [الإسراء: 104]. طبعًا السياق يبدأ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ [الإسراء: 101]. لاحظ: “فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم”، وركز في “إذ جاءهم”، يعني هل هو جاء لبني إسرائيل وفرعون ليس مشمولًا؟ هذا تساؤل. 

﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا * فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا * وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ..﴾ [الإسراء: 102-104]

الآن هم يقولون لك: آه، يفسر الأرض، يذهب فيفسر الأرض مثلًا بأرض فلسطين. يا أخي، الكلمة عامة جدًا، لأنه أصلًا من بقي من البشر، هؤلاء كل البشر الذين بقوا بعد إهلاك فرعون، تمام؟ فسكنى الأرض معناها أنتم المستحقون الآن لإقامة رسالة الخلافة التي أصلًا خُلِق آدم من الأول ليقوم بها، والباقي رفضوا الموضوع من أصله.

باسم: هل المقصود بالسكن أن يسكنوا من الأرض، أن الجماعة لم يكن لديهم مكان يقيمون فيه، أم المقصود فيها أنه الآن صار بإمكانكم أن تستقروا وتعمروا؟

يوسف: إي نعم، بالضبط، هذا هو؛ لأن السكون، لاحظ الكلمة من السكون.

باسم: لا يعني أنهم كانوا موجودين في منطقة أخرى ولا أن قال لهم خذوا..

يوسف: الكركبة والربكة التي كانت موجودة تعيق عملية الإعمار التي أرادها الله. هو الهدف الأصلي من خلق الإنسان، واضح: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 62].

الهدف الأصلي أن يعمر الإنسان الأرض قدر ما يستطيع، فيطور فيها ويبني ويزيد، وهذا هو المعنى للعبادة، وسنأتي إليه أيضًا في النظرة الشمولية التي نحن نراجع فيها المفاهيم التي تكلمنا فيها.

 

فرعون واستعباد بني إسرائيل: هل كان من بني إسرائيل؟

باسم: طيب، دعني أعود إلى نفس السؤال، يعني الآن نتحدث عن موسى الذي ربي في كنف فرعون.

يوسف: نعم.

باسم: وفرعون استحيا بني إسرائيل.

يوسف: جميل.

باسم: والنبي موسى إذًا يعرف الأسباب التي دفعت فرعون لاستحياء بني إسرائيل، مثلًا؟ كونه.. نتحدث عن ذرية واحدة.

يوسف: لا، وفرعون هو من بني إسرائيل، هو باقٍ من البشر من عهد نوح، صح؟ هذا سؤال أيضًا، كما تفضلت به قبل قليل.

طيب، الآن سنسير في بعض السياقات: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾. صح؟ ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: 104-105]

سؤال: نحن قلنا قبل ذلك أن موسى عليه السلام أُرسل إلى بني إسرائيل، والكتاب الذي أنزله الله إلى موسى جعلناه هدى لبني إسرائيل. طيب، هل الكتاب ليس هدى لفرعون؟ وهل موسى لم يُرسل إلى فرعون؟

ألم تقل الآيات: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 43-44].

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾ [النازعات: 15-19].

أما الكتاب: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: 2]

إذًا، من ناحية النسب، هل فرعون يرجع إلى إسرائيل؟ نعم. طيب، لماذا القرآن يفصل؟ لأن كلمة إسرائيل كما قلنا فيها إضافة معنى، وهذا أسلوب القرآن على فكرة؛ يعني لما كان يتحدث عن أهل الكتاب بشكل عام يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾. لما يتحدث عن الذين هم من أهل الكتاب ولكن أهملوه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، أو: ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ﴾.

يلمح لك بالصيغة إلى أنه لم يستحق المُسمى، فإذا زاد الانحراف وصار انحرافًا شديدًا لدرجة أنه شكّل ملة أصبح يشبه أن يكون لا علاقة لها بالكتاب، يصبح ينادي باليهود أو بالنصارى. هذه طريقة القرآن مع أنه هو نزل فيه الكتاب.

طيب، آية أخرى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾، الآن هذا ليس فرعون في هذه الآية، ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: 134].

طيب، إذا كان فرعون مثلًا ليس من بني إسرائيل، والباقي الذين مع فرعون الذين أيدوا فرعون يقولون لموسى: “لنرسلن معك بني إسرائيل”، هو موسى لماذا يقول: “أرسل معي بني إسرائيل”؟ كما قلنا لأن الوصف ليس فقط وصفًا لنسبهم إلى إسرائيل، بل وصفًا لأنهم ساروا على فكرة إسرائيل.

باسم: يعني لمجموعة من المؤمنين مثلًا؟

يوسف: تبنوا فكرة الإسراء إلى الله. هذا هو، نعم، مجموعة المؤمنين بالضبط. تبنوا فكرة الإسراء إلى الله.

 

بين النسب والسلوك: علاقة فرعون ببني إسرائيل

يوسف: طيب، أنا أريد سؤالًا من السيدات والسادة المشاهدين: لو أن أحدًا من قوم فرعون هؤلاء الذين قالوا هذا الكلام تاب في أثناء السياق وأصبح مع موسى، ألن يُرسل معه؟ يعني هو الإرسال، هل تتخيل أن الله سبحانه وتعالى بعث موسى فقط حتى يأخذ بني إسرائيل وهو موجه لبني إسرائيل كعرق ينتسب إلى شخص؟

باسم: هذا الذي كنت أنوي سؤالك إياه: هل كان ذلك محصورًا ضمن الفهم السائد أن بني إسرائيل أو ذرية إسرائيل هم سلالة متسلسلة من شخص واحد إلى النهاية، أم نحن نتحدث فعلًا عن مفهوم لفظي يوحي وكأن هناك ذرية من سلالة واحدة، ولكن هذه الذرية لها سلوك تعبدي او إيماني واضح مختلف؟

يوسف: هو هذا بالضبط يا دكتور، لو نحن وقفنا على التفسير الدارج لإسرائيل، أنت ستفهم الآيات بهذه الطريقة بعنصرية وعرقية. لماذا؟ لأنه جاء إلى فرعون وقام فرعون قال لهم: أنا أريد بني إسرائيل، أرسلوا معي بني إسرائيل. طيب لماذا؟ يعني هو جاء لقوم لأنهم من عرق معين يرجعون إلى شخص عرقيًا، أم أنّ الكل من ناحية العرق يرجع كما أثبتنا في هذه الآيات إلى أنهم ذرية من حُمل مع نوح. ولكن لما يقول له: “أرسل معي بني إسرائيل”، يعني هم قبلوا الفكرة، أنت لم تقبلها، فلا أستطيع أن أسميك.

باسم: إذًا نستنتج أن فرعون استحيا بني إسرائيل أو اضطهدهم بناء على كونهم من جماعة الذين أسروا إلى الله.

يوسف: بالضبط، وليس لأنه اختلاف عرقي بينهم.. كلهم يرجعون إلى..

باسم: على اعتبار قد يكونوا هم المسلمون أو من المسلمين الأوائل.

يوسف: مئة بالمئة، هذا هو المعنى، ولكن عدوا فكرة الإسلام كمبدأ كما قلنا، يعني هي مرحلة لاحقة لمرحلة النبي إبراهيم عليه السلام.

طيب، وآية أخرى تثبت: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: 90]

باسم: ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.

يوسف: وكأنه يقول: أنا آمنت بفكرة بني إسرائيل كفكرة، وإن كان كنسب هو منهم، ولكن هنا استسلم للفكرة، ولكن قالها طبعًا بصيغة فيها نوع من الكبرياء. وعلى فكرة، هذا أنه لم يُرد أن ينسب نفسه فيقول: خلاص أنا مع بني إسرائيل. هذا نجده في آية مثلًا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: 13]

لاحظ، يغيرون التسميات عند الدعوة إلى الحق، يغير التسمية من باب الأنفة والكبرياء. فهذا الذي كان يحصل مع فرعون. هو فرعون كنسب قطعًا وبدلالة آية الإسراء سيرجع إلى ذرية من حملنا مع نوح، كما قال في الآية التي بعدها: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا﴾.

خلاص إذًا ذرية من حملنا هم بنو إسرائيل، لكن هو لا يريد أن يوصف بهذا الوصف، لماذا؟ لأنه يتكبر عنه، لا يريده، يقول: أنا ربكم الأعلى. هذه فكرته، هذا هو السبب.

والموضوع ليس محصورًا على فرعون، أيضًا من أيد فرعون وآزره. طيب، هناك تحول دكتور، هناك تحول، صحيح؟ الآن، أليس السحرة كانوا مع فرعون؟

باسم: نعم، كانوا.

يوسف: طيب، آمنوا أم لم يؤمنوا؟

باسم: آمنوا، جزء منهم لا شك.

يوسف: جميل، الآن الآيات لما تقول: ما كانوا مع فرعون، لو كانت القضية عرقية أو قومية، كيف تقول الآيات: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: 30-31]

طيب، والذي كان مع فرعون من قوم فرعون فآمن، ألن يكون مع الذين نجاهم الله؟

باسم: منطقيًا يجب أن يكون.

يوسف: إذا دخل ضمن المسمى، معناها فُهمت القضية تمامًا الآن، إسرائيل هي نسبة، صحيح إلى ذرية من حُمل مع نوح، ولكنها لا تُطلق إلا متى ما تبنى الشخص قبل فكرة، قبول فكرة الكتب وفكرة السماء.

 

هل بنو إسرائيل هم كل البشر بعد نوح؟

باسم: يعني كل ما بُني على هذا الفهم، على اعتبار أن بني إسرائيل هم عبارة عن مجموعة عرقية من سلالة موحدة أو متواصلة أو متسلسلة، في الفقه الإسلامي أو في التراث الإسلامي أو في التاريخ العربي ككل أو التاريخ البشري على أنها هي عبارة عن عرق نقي متسلسل، هو عبارة عن قول باطل، تفسير غبي، تفسير غير علمي ولا يتلاءم مع منطوق اللفظ القرآني أو الآيات المتحددة التي تتحدث عن الموضوع.

يوسف: والله، القرآن لا علاقة له بهذا، إذا درسته بحيادية ومنه وفيه وبه.

باسم: هو يمكن الاستنتاج بأريحية مطلقة أن ما يُسمى حاليًا “إسرائيليون” في هذا الأمر لا علاقة لهم بالمطلق.

يوسف: لا، لا، لا، هذا يعني كما تعلم محاولة للاستحواذ.

باسم: أو بالذين يسمون بني إسرائيل في القرآن.

يوسف: هي محاولة للاستحواذ على الاسم لأغراض معروفة، لا علاقة لها بالقرآن. وللأسف المشكلة حتى دخلت في تراثنا. يعني أنا أقول لك..

باسم: هي في صلب التراث ليست فيه فقط.

يوسف: أرجو أنا من المشاهدين الكرام أن يذهبوا إلى تفسير “ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ” ليروا كمية التخبط الموجودة، مع الاحترام، رحم الله المفسرين وأجزل لهم المثوبة، لكن تأثير التراث المنقول من التلمود ومن الروايات الإسرائيلية كيف جعلهم يتخبطون فينسون السياق. يعني كثير منهم طبعًا ينسون السياق، لأنه لا يوجد في ذهنه فكرة أن بني إسرائيل هم “ذرية من حملنا مع نوح”، خلاص، هو بُنيت الفكرة في رأسه أنهم عرق وانتهى. وهذا معناها لن تهرب من فكرة العرقية وأنت تقرأ قصة موسى، ستشعر أنها قصة عرقية بهذه الطريقة في التفسير، وليست قصة ربانية عالمية. لكن إذا رجعت، يعني لممت أطراف الفكرة من القرآن كله، هنا ستعود إلى حالة الاستقرار الطبيعية وتقول: نعم، هذا كلام..

باسم: منطقي.

يوسف: كلام رب العالمين يتحدث عن العالمين كلهم، وعن كل الأرض، وعن كل سكان الأرض، وتسلسل ظهورهم، والأنبياء لجميع البشر، والموضوع واضح.

 

تأثير مفهوم بني إسرائيل على فهم النص القرآني

باسم: طيب، كيف وقع اللبس باعتبار أن النبي يعقوب هو إسرائيل ذاته؟

يوسف: طبعًا، لأنه كيف أريد أن أحولها إلى عرق؟ يعني لماذا أحولها إلى عرق؟ يعني آخذ جهة يعقوب وأترك جهة إسماعيل وأقصر الموضوع على عرق معين، فأفصل البشرية. لا بد أن يربط باسم آخر معروف.

باسم: أعتقد هذا ما قام به اليهود أو الملة اليهودية، أتباع الملة اليهودية هم الذين أحدثوا خللًا في فهم الآيات ومقاصدها، وأصروا على أن بني إسرائيل هم اليهود وأنهم عرق متسلسل يعود إلى النبي يعقوب.

يوسف: بالضبط، وهذا ما جعلنا نقول إن الملة اليهودية هي ملة الانغلاق والانكفاء على الذات والشعور بالفوقية على باقي الناس، هذا معناها، وليس معناها مسميات تطلق وما إلى ذلك.

يوسف: طيب، في نهاية أيضًا قصة موسى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: 137]. هنا، يا دكتور، لو كان الموضوع بقعة، أرجو التركيز، هل كان يقال مشارق ومغارب؟

باسم: صح، لا.

يوسف: مشرق ومغرب. المشارق والمغارب تحتاج إلى مساحة جغرافية كبيرة جدًا حتى يكون للشمس أكثر من مشرق وأكثر من مغرب.

طيب، ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾، من أين حلت البركة؟ من انتهاء المناكفة والمعاندة والوصول إلى حالة السكون. ﴿اسْكُنُوا الْأَرْضَ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾..

باسم: يعني التي هدأت واستقرت.

يوسف: إي نعم. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾، انظر التناسق، ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: 137]

الآن الشاهد: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾، طيب، بنو إسرائيل هؤلاء فيهم ناس كانوا مع فرعون ومن قوم فرعون وآمن. إذًا، هل استحق مسمى بني إسرائيل أم لا؟ وُصف لما آمن دخل ضمن المسمى. إذًا هو نسبًا ينتسب إلى إسرائيل، ولكن لم ينسبه القرآن لماذا؟ لأنه لم يكن يتحلى بالصفة.

باسم: يعني لم يكن من الذين قبلوا الإسراء إلى الله.

يوسف: بالضبط، هذا هو المختصر.

باسم: يعني بقي جزء من الذرية لم يسر في ركاب ثقافتهم الدينية، دعنا نقول تجاوزًا.

يوسف: صحيح. وفي سورة الشعراء أيضًا، لما أغرق فرعون يقول: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 59]. سماهم القرآن بني إسرائيل، مع أن منهم من كان مع فرعون فتاب وعاد إلى الله.

 

ما علاقة بني إسرائيل بالإسراء في النسيج القرآني؟

يوسف: هذا سياق مهم جدًا أريد التركيز عليه، في سورة الدخان ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: 17-23]

لاحظ يا دكتور: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾، و﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾. إذًا من أسرى مع موسى هو من قبل فكرة الإسراء إلى الله، فهو يستحق الوصف الكامل بأنه من بني إسرائيل، وإن كان الكل نسبًا من بني إسرائيل. ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾، و﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾، ولذلك ذُكر، والناس أيضًا يحتارون لماذا جاءت آية الإسراء بعدها مباشرة: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، لكن لما تفهم الآيات تشعر بتماسك النسيج، هنا تفهم أن هذا نسيج، ليس كل آية تتحدث عن موضوع وقفزات بلا معنى إذا أنت فسرت بالطريقة المعتادة للأسف.

 

يا بني إسرائيل: اختلاف أسلوب الخطاب في القرآن

يبقى هناك آيات تشعرك أنه ما زال هناك مشكلة، مثل: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ﴾ [طه: 80]. يقول لك: الآيات تتحدث عن قوم محددين. طيب، هي تتحدث عن كل البشر الذين أسروا مع موسى عليه السلام. هو يتخيل لما يقول القرآن: “يا بني إسرائيل”، يعني هو يتكلم مع ناس غيرنا.

قد يقول قائل: يعني هل هو يتكلم معنا؟ هو الآن لما جاءت فترة الرسالة الخاتمة، أسلوب الخطاب في القرآن تغير، وإن كانت الرسالة الخاتمة هي أيضًا لبني إسرائيل لأنهم “ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ”، لكن صار يخاطبهم: “يا أيها الذين آمنوا”، وصار أسلوب الخطاب اختلف. إنما هي مرحلة من حياة البشر يصفها لنا القرآن حتى نتعلم أيضًا مما صار فيها من أخطاء، لأنه طبعًا وقعت أخطاء بعد ذلك، بعد نجاتهم وكذا في الإسراء إلى الله حصل هناك أخطاء يذكرها القرآن الكريم.

 

أين ذرية إبراهيم؟

باسم: طيب، قبل أن ننتقل: أين ذرية إبراهيم؟

يوسف: ذرية إبراهيم مضمنة ضمن بني إسرائيل.

باسم: صار هناك تزاوج وأصبحوا..

يوسف: ليست قصة تزاوج، هو الآن كل من بقي من ذرية نوح ينتسب إلى إسرائيل، هذا هو، كل من بقي. لكن هل إبراهيم قبل أم بعد؟ لماذا أنا لم أحسم في هذه النقطة؟ يعني هل إبراهيم جاء قبل أن يأتي إسرائيل فيحصل التفرع أم كان مزامنًا له؟ يعني لماذا لم أحسم؟ لأنه لما يقفز من نوح إلى موسى، لأن إبراهيم معروف أنه بين نوح وموسى، في هذه الفترة كان موجودًا، فيعني وقد يكون إبراهيم أيضًا من ضمن المعنى العام لبني إسرائيل، لأنه من ذرية من حمل معهم.

باسم: قصدي من السؤال أن بني إسرائيل كما اتفقنا أنهم هؤلاء الذين قبلوا عبادة الله أو الإسراء إلى الله، وإبراهيم نفسه شكّل ملة حنيفية مستقلة وأُمر المسلمون أن يتبعوا ملة أبيهم إبراهيم. طيب، لماذا لم نؤمر باتباع مثلًا ذرية إسرائيل؟

يوسف: الفكرة ما هي؟ الفكرة: الآيات كلها تشعر كأنه “أسرِ بعبادي ليلًا”، هذه فكرة، فكرة ينبغي لكل مؤمن أن يسير فيها كنشر..

 

تفسير “بني إسرائيل” في سياق الرسالة الخاتمة

يوسف: طيب، مثلًا: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: 211]. هنا اعتراض، يقول لك: انظر، القرآن يخاطب الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول له: “سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ”، جميل، يعني يقول لك معناه أن الاعتراض ما هو؟ أنا أعترض على نفسي، يعني لا أنتظر أن يُعترض عليّ. الاعتراض أنه ما دام يقول للرسول عليه الصلاة والسلام: “سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ”، إذًا هو ليس من بني إسرائيل، وهذا ليس صحيحًا، ليس شرطًا، لأنه يتكلم عن الحقبة قبل نزول الرسالة الخاتمة، كان المسمى للبشر في هذه الحقبة “بني إسرائيل”، فإذن لا يوجد إشكال هنا.

﴿أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 197]. يقول لك: نعم، إذًا هناك طائفتان، طائفة هم علماء بني إسرائيل يعلمون الكتاب، وطائفة أخرى ليسوا من بني إسرائيل، فلا يعلمون الكتاب. هو قال لك: ﴿يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، لم يقل كل بني إسرائيل. إذًا هناك من بني إسرائيل من لم يكونوا يعلمون، ومنهم الأميون.

طيب، ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: 76]. هو الذي لم يتبن الفكرة أو لم يعرف بها حتى لو كان نسبًا يرجع إلى إسرائيل، لماذا سيقص عليه القرآن أمرًا لا يعرفه أصلًا؟ لذلك يقول لك: “إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل”.

وآخر آية يقول: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: 10]. يقول لك هنا فرقتان: بني إسرائيل، وشهد شاهد منهم على صحة الكتاب، والفرقة الأخرى هي فرقة الأميين الذين بُعث فيهم النبي والذين استكبروا ولم يؤمنوا. والجواب بسيط كما قلنا: لا يوجد المعنى الوصفي في الأميين لبني إسرائيل، وإن كان المعنى النسبي موجودًا.

لذلك، عندما تشعر أن القرآن الكريم يقسم البشر إلى قسمين: بنو إسرائيل، وغير بني إسرائيل بعد نوح، هناك سبب واحد وحيد فقط؛ من تمثل الفكرة وسار فيها وعاش التجربة.

باسم: فقد أصبح من بني إسرائيل.

يوسف: ويسميه القرآن في هذه الحالة بني إسرائيل، ويفصله عن الطرف الآخر، ليس نسبًا كما قلنا، وإنما صفة. هذا هو أسلوب القرآن، فيقول لي قائل: لماذا تتكلف؟ أنا لا أتكلف، أنا بدأت من الآية الأم: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾، انتهى. فهذه محاولة لفهم باقي الآيات في ضمن أو في ظل هذه الآية.

 

هل القبائل العربية من بني إسرائيل؟

باسم: طيب: ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75]، هل المقصود بالأميين..

يوسف: هذا في أهل الكتاب. الآن، بنو إسرائيل منهم أهل الكتاب، ومنهم الأميون الذين ليسوا…

باسم: هذا سؤال: هل الأميون كانوا من بني إسرائيل عرقًا دون التمثل للسلوك الرباني أو دون الإيمان بما يؤمنون؟

يوسف: يعني، هم وقفوا عند ما فعله إبراهيم، لذلك سموا أميين.

باسم: أوك، فهمتك.

يوسف: لكن ليس معناها أنهم ليسوا من بني إسرائيل. هذه نقطة مهمة: كنسب، خلاص، “ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ”، يفصل القرآن في المسمى حتى يقول لك: منهم من أخذ كتابًا وسار فيه، ومنهم من بقي واقفًا عند فكرة إبراهيم، وإن كان نسبًا من بني إسرائيل. فكيف يقول لك عنه بني إسرائيل؟ لم يتحقق الوصف، بالضبط كما قلنا عن فرعون وقومه.

باسم: وهل المسمى المشركون والكافرون الذين كانوا في ظرف نزول القرآن، هل هذه الفرق أيضًا كانت جزءًا من بني إسرائيل؟

يوسف: بالضبط، خلاص، كله. دكتور..

باسم: والقبائل التي أصبحت فيما بعد تُسمى القبائل العربية: أوس، وخزرج، وإلى آخره، هذه أيضًا كلها بنو إسرائيل أصبحت؟

يوسف: كل البشر الذين بقوا في الأرض بعد نوح هم “ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ”، هم بنو إسرائيل.

باسم: كل المجتمعات العربية الشاسعة مثلًا أو الكبيرة أو الضخمة أو الممتدة، هم أيضًا بنو إسرائيل عرقًا؟

يوسف: إي نعم.

باسم: وجزء سلوكًا.

يوسف: الآن، أنا أسألك سؤالًا: هل كل العالم نسبًا يعود إلى نوح؟

باسم: ما عندي جواب.

يوسف: هو بعد نوح لا يوجد بشر بقي إلا كلهم..

باسم: على فرض أن الطوفان وقع في بقعة جغرافية محددة كان يقيم عليها مجموعة بشرية فقط في كل الأرض، ممكن دعنا نستفيد أن كل الناس جاءوا من ذرية نوح. ولكن سؤالي: مثلًا، ما كان في الصين مجموعة بشرية تعيش في الوقت الذي كان فيه.. أم لم يكن؟

يوسف: هنا هذه نقطة محك حقيقةً. هو الربط في التاريخ، الآن كما أقول لك مرة أخرى، التأريخ للأنبياء، يعني دكتور، أنت تعلم أن البحث الأركيولوجي والأحفوري والنقوش والعملات، وإلى آخره، يواجه مشكلة عسيرة جدًا في ربط التواريخ الموجودة في الروايات الإسرائيلية والتلمودية جغرافيًا وتاريخيًا بالأنبياء. يقول لك: لم نعثر على شيء.

باسم: دعنا لا نبعد.

يوسف: لا نريد أن نبعد، ولكن ما أقوله: إن ما يصفه القرآن بمرحلة نوح هي قبل أن يصل البشر إلى الصين، وقبل أن يصلوا إلى أمريكا اللاتينية..

باسم: يعني مرحلة متقدمة جدًا على ما وجد فيما بعد من السومريين، وأكاديين، وأشوريين، وبابليين، وصينيين، ومصريين..

يوسف: نعم.

باسم: وإلى آخره.

 

متى بدأ انتشار البشر في قارّات الأرض بحسب الفهم القرآني؟

يوسف: أنا أتبنى فكرة أن البشر لم ينتشروا في قارات الأرض إلا بعد النبي موسى، بدأ الانتشار في القارات. قبلها كان التموضع البشري محدودًا في حيز محدد من الأرض. لما قال لهم الله: ﴿اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ [الإسراء: 104]، و﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: 137].

هنا بدأ الانتشار البشري والتوسع في الانتقال إلى القارات الأخرى، وكان البشر الذين انتقلوا فكرة رسالة الله وفكرة الكتاب وفكرة ضرورة أن يسير البشر على تعاليم الله كلها وجدت عندهم، فمن السهل أن ينقلوها إلى الأبناء، فإذا ما جاءت الرسالة الخاتمة سيعرف أن هذا الكلام ليس غريبًا عليه حين يطرق سمعه.

باسم: خطوة أكثر. الآن لو نريد تطبيق هذا المفهوم على البشرية مثلًا، جماعة في الأرض، لا يمكن الادعاء أن كل البشر جاءوا من عرق أو من سلالة واحدة بل من سلالات متعددة، وإن هناك… أنا لا أؤمن أن الإنسان من سلالات مختلفة، هي سلالة واحدة. لكن فيه اختلافات جينية هنا وهناك. لكن هل يمكن اعتبار أن كل سكان الأرض عرقيًا من بني إسرائيل، أم أنه لا يمكن اعتبارهم من بني إسرائيل بناءً على السلوك الفكري الإيماني؟

يوسف: جميل جدًا. الآن، جميع سكان الأرض عرقيًا يرجعون إلى آدم، يرجعون إلى نوح، يرجعون إلى إسرائيل، تمام، حتى نميز: يرجعون إلى إسرائيل. لكن هل نسميهم بني إسرائيل إذا لم يكن هناك الإسراء إلى الله؟ لا، قرآنيًا لا، لا يطلق عليهم هذا المسمى حتى يتصفوا بهذه الصفة. ثم بعد نزول الرسالة الخاتمة ترك هذا المُسمى، فصار الخطاب أعلى. لأنه..

مرة أخرى دكتور، ما هو الهدف من الإسراء إلى الله؟

باسم: الإيمان.

يوسف: الإيمان. لاحظ إبراهيم عليه السلام لما قال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 81-82]. ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا.. ﴾ ماذا؟

باسم: ﴿آَمِنًا﴾ [البقرة: 126].

يوسف: فمن هنا تولدت كلمة إيمان أصلًا، على فكرة، من هنا تولدت.

باسم: الإيمان يعني أن تكون مطمئنًا في حياتك على حقوقك، على هذا المقصود بالإيمان، أم أن تتبع السنن القانونية الكونية.

يوسف: وهذا قلناه وسنعيد يعني آياته الأم في التسلسل، سنعيده. لكن: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: 126]، هذه رسالة إبراهيم.

 

هل بنو إسرائيل مسلمون أو مؤمنون؟

يوسف: الآن، الرسالة الخاتمة، لماذا تُرك بعدها أن يخاطب البشر ببني إسرائيل حتى وإن كانوا أسروا إلى الله؟ لأنه أنا وصلت إلى المرحلة الأعلى، وهي تحقيق هذا الأمن الذي يُراد أن يصبح مبدأً يعرفه كل الأرض، سواء تبنوه أم لم يتبنوه، فيقول لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، خلاص، الإيمان المنتشر على مستوى الأرض، ولجميع من يؤمنك من الناس، فهي المرحلة اللاحقة. الآن مرحلة إبراهيم مرحلة الأمة، تمام، والتأسيس، مرحلة إسرائيل مرحلة الإسراء بهذه الفكرة لتصل إلى جميع أنحاء الأرض، وهي فكرة اجتماعية، على فكرة، ليس إكراهًا على عقائد أو غوص في تفاصيل أو إلى آخره، هي فكرة بناء مجتمع بشري كما ينشده كل إنسان طبيعي. ثم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أنه الإسراء وصلنا إلى مراحله الأخيرة وتحقق، فجاء المبدأ الذي صار معروفًا فيه أو يجب أن يكون معروفًا لكل سكان الأرض.

وهذا ما أقرأه في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33]. ليس القصد أن الناس يأخذون الموضوع أنه كأنه تكفل الله سبحانه وتعالى بهذا ونحن لا علاقة لنا، بالعكس، هي إرشاد أنه هكذا ينبغي أن يكون.

باسم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، هو نداء مطلق لكل الذين آمنوا بالإسراء إلى الله، ولكل الذين آمنوا بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وإلى آخره. ولكن هل يمكن مثلًا استبدال اسم بني إسرائيل بالمسلمين مثلًا، أم أن بني إسرائيل هم مسلمون؟

يوسف: من حيث الجملة؟ نعم، بغض النظر عن الأخطاء التي يعالجها القرآن، نعم، بنو إسرائيل مسلمون، وبنو إسرائيل مؤمنون، صحيح، لأنه أصلًا فكرة الإسلام والإيمان أسسها إبراهيم عليه السلام كفكرة، كبداية، لكن انتشارها ليصل المبدأ فيعرفه كل سكان العالم ونحقق مرحلة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، تنتهي، لم نعد فقط في مرحلة الإسراء.

باسم: لو أردنا أن نحدث نوعًا من التمايزات ما بين مسمى المؤمنين وبني إسرائيل والمسلمين، هل يمكن مثلًا ملاحظة تمايزات سلوكية ما بين وصف كل مجموعة؟

يوسف: إي نعم، يعني نرجع في النهاية إلى المعنى اللساني. لما أنا أقول “بنو إسرائيل”، أنا أقصد أنه مرحلة الإسراء إلى الله، معناها أنا كشخص أتبنى المبدأ، لكن أسعى أن يتبناه أخي، تتبناه أسرتي، تتبناه شركتي، مثلًا دولتي، المجتمع البشري كله بأكمله، هذه مرحلة الإسراء، فأستطيع أن أقول في هذه الحالة: بنو إسرائيل. الآن، لما أنظر إلى صفة إنسان أنه يسلم لله، معناها يكف شره عن كل ما خلق، ومن خلق الله، أستطيع أن أسميه في هذه الحالة بوصف المسلم. إذا رأيت إنسانًا أعلى درجة، فأنك تأمنه على مالك، تأمنه على عيالك، تأمنه على كذا، ارتقى في رتبته الاجتماعية، أستطيع أن أسميه مؤمنًا.

إذًا لا تعارض، لكن أنا آخذ زاوية معينة فأركز عليها، ففي هذه الزاوية أستطيع أن أسمي الشخص بأنه “بنو إسرائيل”، أو أنه “مسلم”، أو أنه “مؤمن”.

 

الضوابط الثلاث للمظلة الإيمانية

باسم: بهذا الفهم إذًا، معناه أن هناك مجموعة من الملل والأوصاف المذكورة خرجت من هذه التغطية، رغم أن الآية تقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: 17]. وإلى آخره.. عدّد مجموعات سلوكية بشرية أيضًا. هل هذه يمكن إدماجها أن تكون بني إسرائيل؟ هم مجموعة من الملل أو من السلوكيات، بغض النظر –بين قوسين- (إيمانية) ضمن هذه المظلة الكاملة؟

يوسف: هو وضع الشرط المطلوب: “مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا”. نعم، هو الكل في الأخير يُخاطب بني إسرائيل الذين هم “ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ. لكن أنا أقول الهدف من هذه الآية، هناك طبعًا آيتان: آية سورة الحج ذكر فيها المجوس والذين أشركوا ويفصل بينهم، لكن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 62]. فيه هدف مهم جدًا يا دكتور: المسميات التي توضع في بطاقات الأحوال المدنية أو يأخذها الإنسان بالوراثة، هل يُحكم عليّ بناءً على مسمى ورثته أو هكذا وجدت نفسي؟ لذلك القرآن يقول لهم: هذه المسميات إن وُجدت، سموا كما تشاءون، وإن كانت التسميات هي بداية التفرق، لكن يرجع إلى الضابط: “مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا”، المسمى لا قيمة له.

باسم: هناك ثلاث ضوابط أساسية تحكم.

يوسف: المسمى لا قيمة له مهما سماه الناس إذا كان حقق هذه الشروط، انتهى الموضوع.

 

لماذا القرآن يتحدث عن بني إسرائيل كثيرًا؟

يوسف: أيضًا، يبقى هناك آية يُعترض بها، وهي آية الإفسادين: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.. نعود إلى سورة الإسراء. طبعًا، الآيات التي تشير إلى أن بني إسرائيل بُعث فيهم أنبياء ورسل وبُعث فيهم عيسى عليه السلام، واضحة جدًا، يعني كل الأنبياء بعد موسى، هذا هو السر. الناس تقول لك: لماذا القرآن يتحدث عن بني إسرائيل كثيرًا؟ يا رجل، هو يتحدث عنكم كبشر في مرحلة الإسراء إلى الله، يعطيكم الصورة كاملة. فكل الأنبياء الذين بُعثوا، بمن فيهم عيسى عليه السلام، واضح جدًا في نصوص القرآن أنهم أُرسلوا إلى بني إسرائيل، صحيح: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: 12]. وإلى آخره من الآيات التي تحدثت عن هذا.

لكن أرجع إلى الآية: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 4]. معناها لما قال في الكتاب، إذًا أنا هنا أقطع بأن الكلام يتحدث عن شيء بعد موسى عليه السلام، لأنه قبله لم يكن الكتاب موجودًا. ولما يقول: “وقضينا إلى بني إسرائيل”، إذًا هو أمر قد قُضي، أمر قد قُضي. طيب، “لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوًا كبيرًا”، الآن تفسير الإفساد ومتى حصل؟ لكن هنا يجب أن نربط الموضوع أن الإفساد هنا كما قلنا في عهد بني إسرائيل، هل هو قبل الرسالة الخاتمة حصل الإفسادان وانتهى الموضوع، ولكن تبقى الآية اللاحقة:  ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: 8]، أم يوجد منه قبل ويوجد منه بعد، وإذا كان بعد، هل من المناسب أن يقول: “وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين”؟ هناك احتمالات. هذه الآية في الحقيقة مفتوحة جدًا على التأمل، لماذا؟ لأنه قد يُقال: إن من رفض الرسالة الخاتمة بدعوى أنه أنا أسير على رسالة موسى وعيسى، فأنا من بني إسرائيل، يعني يبقى المسمى، ولكن هنا المسمى سار كما نقول: معظمه فاقدًا لمعناه، لأنه قال: “لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوًا كبيرًا”. الإشكال الذي يهمني هنا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا﴾ [الإسراء: 5]. يقول لك: آه، إذًا ليس كل البشر بنو إسرائيل. لأنه “العباد لنا” ليسوا من بني إسرائيل! ومن قال هذا؟ يعني لماذا تفترض أنه لما قال: “بعثنا عليكم عبادًا لنا” أنه لن يكونوا منكم؟ يعني لماذا؟

باسم: أنا أتفق معك قد يكون منكم عباد لنا.

يوسف: نعم.

باسم: لكن الآية: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾، يعني يعتبر وكأنه… وهل يعني يقصد فيه: قضينا إلى البشرية بشكل عام في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين، على اعتبار أن بني إسرائيل هم البشرية حاليًا؟

يوسف: يا دكتور، طيب، نرجع إلى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: 30]، لأن قانون إعطاء البشر الحرية والإرادة الطبيعية سيترتب عليه قطعًا… قانون الاحتمالات، لابد أن يحصل هناك إفساد، وأيضًا قانون الإسكان في الأرض وتملك مشارقها ومغاربها والسيطرة عليها، لابد أن الناس ليسوا على قدم المساواة في التقوى، لابد أن يترتب عليه إفساد. لكن لما يقول لك: “قضينا إلى بني إسرائيل”، إذًا سيعم الأمر على معظم البشر، يعني الفساد سينتشر على معظم البشر، إلا “عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ”، الذين ينتهي هذا الإفساد على يدهم.

لكن تنزيله جغرافيًا وتاريخيًا، وإلى آخره، هذا ليس مبحثًا لسانيًا أصلًا، فلا أريد الدخول فيه. فقط لأنه يعارض فكرة أنه هل إسرائيل هم عن جميع البشر فعلًا أم لا.

باسم: تشكيل هذا الفهم وتعزيزه في الوعي ببساطة: الآية هذه تصبح التي داخ كل المفسرون فيها: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾، داخوا، (الناس فيها. دايخين).

يوسف: والله، أنا أقول لك: هي تشير إلى المبدأ الطبيعي الذي سيحصل نتيجة..

باسم: كأنه سنة طبيعية موجودة في الأرض يعني ممكن..

يوسف: إذا فيه إرادة، فيه تمكن، سيحصل الإفساد، وينتشر، فيكون معظم الناس يسيرون وراء المفسدين، هذا أمر. و”مرتين” على فكرة، قد تشير إلى التكرار وليس العدد الحصري، لأنه في الآية الأخيرة ماذا قال: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: 7-8]. إذًا هو يتحدث عن ماذا؟ عن سنة ومقتضى طبيعي لوجود الإرادة البشرية مع السكن في الأرض والتمكن منها. ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾ [لعلق: 6-7]. هي فكرة ستحدث قطعًا من بعض البشر.

 

الحواريون وبنو إسرائيل: هل هم جزء من نفس المجموعة؟

يوسف: طيب دكتور، الآن أركز مرة أخرى: ﴿بعثنا عليكم عبادًا لنا أولي بأس شديد﴾ [الإسراء: 5]، يقول لك: أنا لم أقتنع أنك تقول إن هؤلاء العباد أيضًا هم يرجعون إلى بني إسرائيل، كيف؟ ما رأيك أن أعطيك مثالًا من القرآن الكريم يعبر بنفس الأسلوب: لما تحدث القرآن عن عيسى عليه السلام قال في نهاية السياق في سورة المائدة: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [المائدة: 110]. طبعًا، ليس كل بني إسرائيل، هو قال لك: “فقال الذين كفروا منهم”، لكن كان فيه أغلبية في معارضة عيسى عليه السلام.

طيب، الآية بعدها: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: 111]. آه، ستشعر الآن أن الحواريين ليسوا من بني إسرائيل، صح؟ والحواريون هم من عارضوا فكرة معاداة عيسى عليه السلام، كما قال: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾. يعني، قارن: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾، وهنا قال: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾. [المائدة: 110]. طيب، ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا…﴾.

باسم: يعني هم بني إسرائيل حاولوا الاعتداء على النبي عيسى.

يوسف: إي نعم، طبعًا، أغلبهم. الآن، هل الحواريون الذين خصهم القرآن ليسوا من بني إسرائيل بحكم أنه قال: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ وكأنهم فريق آخر ولا يتبع بني إسرائيل؟ لاحظ الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: 14]. وبعد؟

باسم: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾..

يوسف: ﴿فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾. إذًا الحواريون من أين؟

باسم: من بني إسرائيل.

يوسف: فلما يقول لك: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، تمامًا كما قال عن الحواريين: هم من بني إسرائيل أيضًا، لكن رفضوا موضوع الفساد، لأنهم من كل البشر.

يعني أرجو أن أكون هكذا لم أترك أي آية يمكن أن يُعترض بها على فهم الفكرة إلا وأتيت بها قبل أن يُؤتى بها. لأنني أريد الصرامة، دكتور، يعني أرجو أن ينتبه السادة والسيدات المشاهدون والمشاهدات أننا ندرس القرآن بمنهج لساني صارم جدًا. نحن نريد أن نرى ماذا يقول النص، لا نريد أن نضع قولًا ثم نلوي أعناق النص، مهما قال النص شيئًا سنقوله كما هو في النص، لذلك نحاول الاستقراء التام لكل آيات القرآن حول أي موضوع.

 

فهم جديد لمفهوم بني إسرائيل ودلالاته

باسم: كلام جميل، لكن يعني أنا لاحظت، أو يعني الجديد فيما فُهم من هذا الحوار، أن بني إسرائيل ليست جملة مقصورة فقط للإشارة إلى مجموعة عرقية تناسلت من نسل محدد، إنما أيضًا تلبست لباسًا مفهوميًا له علاقة بالذهاب إلى الله أو بالتوجه إلى الله أو بعبادة الله أو بالإيمان بالله. لكن هذا الجديد أنا أراه، وهذا أعتبره سيساعد الناس على فهم مقاصد الآيات التي قمت بترتيلها حاليًا. لكن كيف يمكن الاستدلال بهذا الفهم العام الذي يحدث، يعني ما المأمول من هذا الفهم لهذه الآيات؟ وتأثيراته أو تداعياته على ثقافة الناس بشكل عام؟ هل من المتوقع أن يكون هناك مثلًا تأثيرات سلوكية سياسية تجاه مثلًا ما يدور من أحداث سياسية حاليًا في المنطقة العربية لها علاقات بالمجموعة البشرية التي تُسمى حاليًا إسرائيل، وهي مجموعة بشرية أيضًا لا علاقة لها بالمنطقة بشكل عام، لا تاريخًا ولا ثقافة، إنما هناك مجموعة بشرية ادعت أنها من بني إسرائيل، لكن على اعتبار أن كل بشري من إسرائيل، فهم جزء منها؟

يوسف: طيب، والله، انعكساته كثيرة جدًا يا دكتور، وأنا أثني مرة أخرى: إنه كعرق، كل البشر “ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ”، فكلهم ينتسبون إلى إسرائيل، لكن القرآن لما يصف: “يا بني إسرائيل”، كأنه أنت تبنيت الفكرة، فإذا لم تتبنها.. لا تستطيع

باسم: فأنت خارج.

يوسف: أنت مثلًا تتبرأ من أبيك، كيف أنسبك إليه؟ لا أستطيع بعد ذلك أن أنسبك إليه، لأنك تبرأت منه، هذه الفكرة.

إذًا، أول نقطة نستفيدها: العرقية التي بُنيت على فكرة إسرائيل، وليس إسرائيل، هذه يجب أن تُلغى، يجب أن تُلغى من العالم. يبدأ من يُلغيها أول من يبدأ بإلغائها هم المسلمون، ما داموا يا دكتور يؤمنون بهذا الكتاب، وإذا كان هناك خلل في الكلام أرجو أن يُظهر بطريقة علمية ومحايدة، يعني ليس فقط مجرد.. لأن السب والشتم أو التشكيك في النيات سهل، لكن أنت بطريقة محايدة أعطني إذا كان هناك خطأ. إذا تبنى المسلمون هذه الفكرة، الموضوع ليس موضوعًا عرقيًا، الموضوع موضوع وصفي. وعلى فكرة، لم يبق، أنا أقول تقريبًا أتينا على كثير جدًا من معاني القرآن، لا أجد إقامة لوزن العرقية في القرآن من أوله إلى آخره.

باسم: وهذه النقطة التي كنت أستطرد إليها: أن هذا يعطينا انطباعًا أيضًا أن كل المسميات التي قُسم البشر إليها، سواء نسبة إلى جغرافيا أو نسبة إلى ثقافة أو نسبة إلى لغة أو نسبة إلى مجموعة عرقية محددة، هي عبارة عن تسميات باطلة، قادت البشرية إلى الهلاك، ومن ثم قادت البشرية إلى صراع دائم. تخيل لو أن كل البشرية سُميت بنفس المُسمى، المُسمى القرآني.

يوسف: نعم.

باسم: فسيصير الحكم على البشر هو على السلوك.

يوسف: صحيح.

باسم: من توجه إلى الله سيكون من المؤمنين، ومن لا يتوجه إلى الله سيكون من غير المؤمنين.

يوسف: تمام، وشرعنة امتلاك أو سرقة الأرض باسم، والله فكرة إسرائيل أو ليس إسرائيل، هذا سيُلغى أساسه أصلًا، يُلغى على جميع البشر. الأرض لمن أثبت ملكيتها بالطرق المشروعة التي يعرفها الناس، والأرض من ناحية السكن والإعمار من سُنة الله أنها ستبقى لمن يقيم فيها العدل، يقيم فيها الإيمان، يقيم فيها الإسلام: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: 55].

فلما تتحدث الآيات عن بني إسرائيل وموضوع الأرض، هي كما قلنا تتحدث عن كل البشر الذين كانوا موجودين، وتتحدث عن إعمار الأرض بالصلاح كما أراد الله وعدم الفساد، ولا تتحدث عن إقطاعات. موضوع الإقطاعات هذا موضوع مقحم ومستحوذ، كما أقول لك: هو موضوع استحواذ، يعني الاستحواذ على الأسماء لغش الناس، كما قلنا مرةً: هل أنا إذا سميت حزب “حزب الله” هل صار حزب الله المذكور في القرآن؟ هل سميت كيانًا أو شيء “إسرائيل” هو إسرائيل المذكور في القرآن؟ هذا غير معقول.

وبالمقابل أيضًا، إذا الناس والله قالوا: خلاص هذا مثلًا، وهذا بيناه كثيرًا، وأنا أؤكد عليه، قالوا: هذا مثلًا يهودي أو نصراني، طيب، تمام، أنت الآن تذهب إلى الآيات في القرآن التي تتحدث عن اليهود والنصارى فتنزل عليه الآيات فقط لأنه في الهوية مكتوب أو في العائلة توورث أنه يهودي أو نصراني..

باسم: دون النظر إلى سلوكه.

يوسف: إي نعم، هذا أيضًا بنفس الميزان.

باسم: أو حتى يمكن دون النظر إلى إسرائيليته، بمعنى دون النظر إلى كونه من الذين يسيرون أو يسرون إلى الله.

يوسف: إي نعم، أو أنه يُسقط عليه الصفات اليهودية المذمومة جدًا في القرآن أو النصارى، وهو لم يتصف بها، هو مسكين صدقًا، صدقًا، وأنا أعرف أن بعض الناس سيُعارض، لكن هناك عدد كبير من الناس يفهم ما أقول، هو اسم، يعني كم، معذرةً، كم الآن من الناس مثلًا مسمى مسلم أو يقول لك يصنف سني وشيعي، والله لا يدري ما الفرق بين سنة وشيعة، أو يقول لك: والله أنا شافعي المذهب، لا يدري شيئًا عن المذهب الشافعي، هكذا يُحاكم الناس، أهذا هو منطق العدالة؟ أم يجب أن يُنظر إلى حقيقة الشخص، المُسمى المتوارث والموجود في بطاقة الأحوال لا يكفي أن تذهب وتنزل عليه الآيات.

هذه المشكلة يا دكتور، هذه طريقة الخوارج الذين كانوا يجهلون كتاب الله. يمسك مسميات موجودة في المجتمع فينزل عليها آيات في القرآن، وبالتالي يترتب عليهم من القتل وخلل الأمن والسلم أشياء فظيعة.

 

متى بدأت البشرية بالخروج عن المسمى الجامع لها؟

باسم: يقودني السؤال قبل النهاية: هل يمكن تحديد نقطة تاريخية ما بدأت تخرج البشرية عن مُسمى الجامع لها الذي هو بني إسرائيل؟

يوسف: نعم.

باسم: كيف أصبح البشر يُسمون هذا أمريكي، هذا إنجليزي، هذا كذا، منذ متى؟

يوسف: هذا مبحث ربما تاريخي، لكن أنت دكتور أثرت في عقلي سؤالًا مهمًا أو بحثًا مهمًا يُركن فيه على علماء الأركيولوجيا والتاريخ، ما هو؟ أنه أنا أتبنى، اعتبر هذا طبعًا قرآنيًا ولسانيًا، أنا أقول لك: أنا أعتبره حقيقة بحسب دراستي للقرآن، لكن تاريخيًا وجغرافيًا وأركيولوجيًا يحتاج الموضوع إلى بحث، صحيح؟ لا بد أن نبحث في التاريخ، في الأركيولوجيا، بالأدلة الجيولوجية والبيولوجية، أين النقطة التي بدأ فيها البشر؟ وأين كان الانتشار؟ ومتى بدأ الانتشار؟ ثم بعد ذلك، هنا نبحث عن أدلة تتعلق بآدم ونوح قبل الانتشار الكبير وإسرائيل، ثم بعد الانتشار الكبير نبحث عن أدلة تتعلق ببني إسرائيل لما انتشر البشر في القارات وكانوا ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: 160] وبدأ انتشارهم، وإلى آخره.

الآن هذا البحث الأركيولوجي، البيولوجي، الجيولوجي قد، وأنا أقول أنا من نسبتي للموضوع مؤكد، سيجعلنا نظفر بالأركيولوجيات والمخطوطات وكذا التي تُسند طريقة سرد القرآن لأحداث انتشار البشر، لكن يُبحث، بحث حر في جميع الأرض.

باسم: دكتور يوسف، أمتعتنا كالعادة، شكرًا لك، إن شاء الله نلتقي في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”.

يوسف: إن شاء الله.

باسم: شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”، إلى اللقاء.