ملة إبراهيم
باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم. وكالعادة، نلتقي بالدكتور يوسف أبو عواد، واستكمالًا للأفكار التي تم طرحها في الحلقات السابقة التي تتحدث عن المفاهيم: مفهوم الدين والإسلام. وتحدثنا عن مظاهر الانحراف عن الدين، وماذا يعني الغلو في الدين، والارتداد عن الدين. كل هذه تم طرقها كمفاهيم سلوكية، وتم التعبير عنها في الكثير من الآيات القرآنية. ووصلنا إلى مرحلة في الحلقة السابقة إلى مرحلة الحديث عن الملة وملة النبي إبراهيم. وتبين وكأن الملة هي عبارة عن استنتاج تراكمي لمجموعة من السلوكيات التي تم التعبير عنها في الكثير من الآيات، حتى أصبح لدينا ملة قد تبدو ملة سلوكية إيجابيا وملة سلوكية سلبيا. الآن، ارتباط ملة، ارتباط الملة بملة النبي إبراهيم، والحث على اتباع ملة أبيكم النبي إبراهيم، ماذا يُفهم منها؟
يوسف: نعم، هو في الحقيقة، دكتور، بعد الشكر طبعًا على التلخيص لما سبق، لابد أن ننبه قبل أن نرصد، الطريقة الصحيحة إذا أردنا أن نفهم، بما أن القرآن لم يشرح بطريقة مباشرة، على طريقته في استحثاث العقل وتتبع التفاصيل، لم يشرح بطريقة مباشرة النقاط التي تمثل ملة إبراهيم، وإنما بثها في النص القرآني بما ينسجم مع فكرة أنه كتاب هداية وكتاب ذكرى. لكن نريد أن ننبه، لأن بعض الناس قد يقولون: أنتم قلتم إن دين الأنبياء واحد، ولماذا التركيز على، هل اختلف دين إبراهيم عن دين غيره؟ الجواب طبعًا لا، الدين واحد. لذلك لما جاءت آية: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا}، لما قالوا: {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}، لاحظ رجع إلى الأساس النظري. فقال: {قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ}. لكن ما تعرض له إبراهيم من تجربة مجتمعية وتجربة أسرية، وتنقل فيها بين مجموعة من الأقوام الذين يتبنون مجموعة من الأفكار، أتاح له من المجال أن يحول المبادئ التي أنزلها الله إلى جميع الرسل، أن يحولها إلى ناحية عملية، بما لم يتح لغيره من الأنبياء، لأن باقي الأنبياء أصلًا لم تكن تقبل الدعوة، أو كان يبعث في قوم خاصين لديهم انحراف سلوكي معين خاص. لكن إبراهيم عليه السلام، بُعث في أكثر من مكان، وناقش أكثر من فكرة، فظهرت في حياة إبراهيم من المعطيات ما جعلت التطبيق العملي الذي مارسه إبراهيم.
باسم: أشمل.
يوسف: إي نعم، أشمل، ويمكن أن يكون قدوة حتى خوطب به النبي محمد عليه الصلاة والسلام. {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}، لأنه طبعًا واجه من الظروف الموضوعية ما يشبه ما واجهه إبراهيم عليه السلام، وكذلك من بعده من الأمة. فهذا هو السر. وحتى أنت لما تجد على لسان يوسف عليه السلام: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ.} إذن هي كأساس نظري هي واحدة لا يوجد اختلاف، إنما المعطيات العملية هي التي تجعلنا نبحث ما هي السلوكات إذن التي حصلت مع إبراهيم منذ بداية حياته كما يطرحها نص القرآن الكريم. وما بعد ذلك، فنلاحظ مثلًا في سورة البقرة أن الله تعالى يقول: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. هنا طرحنا أيضًا في حلقات سابقة أن فكرة الرسول هي فكرة استحقاق، بمعنى أن الرسول من خلال الحياة العملية يثبت أنه الأحق لأن يكون مبلغًا للرسالة، ليكون بعد ذلك قدوة في تطبيقها العملي. وهذا على فكرة هو هدي الرسل، وهو الحكمة التي سنفصلها لاحقًا. الرسول في حياته العملية لا يزيد على الرسالة، ولا يلغي شيئًا منها، ولا يضيف، ولا ينسخ. هو يطبق عمليًا ما قاله منطوق الرسالة المتمثل في الكتاب. فإبراهيم عليه السلام ابتلي بكلمات، ومعناها هو طبعًا الكلمة مفهومها أعم بكثير من القول، لأنه من معاني الكلم مثلًا: كلمه يعني جرحه. فالكلم هو إحداث نوع من التغيير في نسيج معين قد يكون له الأثر الإيجابي أو الأثر السلبي بحسب ما تفعل.
باسم: عن طريق قول الكلمة مثلًا.
يوسف: هذا أحد التجليات. القول هو لماذا سُمي قولا؟ هو أحد أفراد الكلم، لأنه موجة صوتية تحدث اهتزازًا في الأثير أو في البيئة المحيطة عن طريق التغيرات الصوتية هذه. لكن الكلمة قد تطلق على الفعل وتحويل الكلام إلى فعل أيضًا، فيسمى هذا كلمًا، أو يسمي هذا كلامًا. فلما يقول لك: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}، أو {فَتَلَقَّى آَدَمُ..} مثلًا {فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ}، معناها أن كلمات هي أقوال أو إيحاءات بتصرفات لابد أن يفعلها. فتاب عليه، وليس مجرد أنه كلام دندن به، وقال لابد، الجانب…
باسم: أو من قبيل: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ}.
يوسف: { حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ}. نعم، هو يقول لك: { حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ}، معناها يسمع فقط مجرد سماع، أم أنه تصل إليه الرسالة فيستجيب للكلام؟
باسم: فيسمع ويفهم ويطبق.
لماذا جعل الله إبراهيم إمامًا؟
يوسف: إي نعم، طبعًا، لأنه هو كما شرحنا أيضًا، إنه مشرك، معناها عنده ازدواجية في النظام الذي يرجع إليه. فلا بد أن يسمع ما هو الصواب، ويبدأ بتطبيقه حتى يعود كمواطن يمكن اندماجه في المجتمع. فإذن، إبراهيم أتم الكلمات، وهذا ما افتُرق به عن غيره أنه طبقها في غاية ما يمكن من التطبيق العملي. هنا قال الله له: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}، يعني أنت تستحق الآن بهذا أن تكون قدوة، لأنه أيضًا فكرة الناس أن الرسل شيء قضى الله أن يكونوا رسلًا، هذه تعزل الناس عن الرسل، عن التطبيق العملي لفهم الرسالة. يصبح الرسول كأنه نزل من السماء، كأنه ملك. ولكن الرسول هو في الحقيقة إنسان، لكنه استطاع أن يطبق تطبيقًا عمليًا لمبادئ الرسالة التي جاء بها. فكان إبراهيم عليه السلام أتم الكلمات التي أعطاه الله إياها. ولاحظ الحس الأسري والأممي عند إبراهيم يظهر من هذه الآية، من أول ما يشير إليه القرآن في سلوكيات إبراهيم، {قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}، يريد أن يكون هناك خلفه أسرة صالحة. طبعًا ليست القضية قضية إنه ممكن يقول الناس إنه حرص على.. هذا حرص الأب على أبنائه، كما ذكرت، دكتور، وركزت على فكرة ملة أبيكم إبراهيم. فلما جاء الله سبحانه وتعالى فرد عليه {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. يعني حتى لو كانوا ذريتك، إذا كان من الظالمين، لن يستحق أن ينال هذا العهد. لأن القضية في النهاية ترجع إلى إثابة للفرد على سلوكه هو، وليس لأنه ينتسب إلى النسب الفلاني أو غيره. والآن، {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.} وهذه موضوع الرؤيا سنأتي له بتفصيله إن شاء الله، لأنه أيضًا يساء فهمه كثيرًا، ويعني
باسم: نعم، رؤية إبراهيم.
يوسف: إي نعم، لكن في مكانه، ومكانه المناسب بعد أن نأتي إلى سياق سورة البقرة، هذا الذي: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. في السياق: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ}. فلاحظ الآن فكرة مباشرة، كما قلنا، الشعور الأممي والفكرة الإصلاحية التي لا تقتصر على فرد، ليس له هم في مصلحة فردية، لا، شعور أممي. قال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا}. هذا هو، الاستقرار الجغرافي، الأمن في رقعة جغرافية، تحقيق الأمن، مجتمع آمن. هذا بداية، بداية لابد أن تكون موضوعية لنشر الصلاح.
باسم: يعني لازم يكون فيه نقطة انطلاق أو مكان للانطلاق في الفكرة بتطبيقاتها..
يوسف: بالضبط، لابد أن يكون هناك نقطة انطلاق لها تمثل مكاني وتمثل زماني، حتى يمكن أن يتحول الموضوع. لأنه في الأخير هي قصة حضارة، هي قصة نمو، قصة تطور. وكل قصة لابد أن يكون عنصر الزمان وعنصر المكان حاضرًا فيها، وإلا لا يمكن أن تتحول إلى قصة تطبيقية عملية. فهنا قال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا}. وفي سورة إبراهيم قال: “رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا”. وفكرة الأمن يعني الأمن الاجتماعي التي شرحناها وطرحناها حاضرة في ذهن إبراهيم عليه السلام من الوهلة الأولى. لم يكن البلد متبلدًا، يعني لم يكن أصلًا تحقق مفهوم البلد. لاحظ إبراهيم لماذا سُمي أمة، لأنه بنى شيئًا جديدًا مخالفًا لما كان عليه قومه المنحرفون. فأولًا دعا بتبلد البلد، والدعوة طبعًا: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا}. نحن قلنا أن هذا الدعاء معناه أنه هي إشارة فقط، إشارة لفظية لتحول هذا إلى سعي وإلى عمل. ولذلك تبع هذا سعي من إبراهيم عليه السلام، ليس أنه جلس ينتظر إجابة ومعجزة من السماء حتى يحصل البلد، يتبلد البلد ويحصل الأمن في البلد.
ما معنى البلد؟
باسم: هل المقصود بتبلد البلد بمعنى أن تستقر مثلًا؟
يوسف: إي نعم، هو تبلد البلد، معناها أن تستقر. ولذلك سُميت بلدًا، أن يحصل فيها جو الاستقرار، وينشأ فيها قوم يضبطهم ضابط الأمن الكبير الذي يشير إليه القرآن في أماكن متعددة ومن جوانب كثيرة تجعلك..
باسم: يعني التبلد مقصود فيه استقرار المجتمع أمنيًا أو أمنًا؟
يوسف: إي نعم، استقرار المجتمع والظروف المهيئة للحياة أن تكون موجودة. فهذا هو التبلد. صحيح، هو يؤخذ بناحية سلبية في الاستخدامات المتعارفة، “إنه إنسان بليد”، لكن البلادة هنا أو التبلد هو السكون والاستقرار المطلوب لأن تنشأ حضارة. ولا يمكن أن تنشأ حضارة من غير استقرار وسكون.
باسم: بالتأكيد، صح.
يوسف: ولذلك أكد هذا بكلمة: “آمنا”، {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ}، معناها، طبعًا إبراهيم حصر فكرة أن الرزق بمن آمن بالله واليوم الآخر، لأنه أخذ الفكرة الآن لما قيل له: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. أراد أن يتمثل الفكرة، لكن تمثلها بطريقة أن الرزق الذي يغذي الإنسان، معناها يبقي حياته، حصره بمن حقق مفهوم الأمن. فجاء رد الله تبارك وتعالى عليه، {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ}، يعني حتى الذي كفر. وهذا طبعًا إشارة يشير إليها القرآن في كثير من الآيات: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}. وأن فكرة حرمان الإنسان، مهما كانت الأسباب، حتى وهو قد يعاقب على تصرف تصرفه، لا يجوز أن..
باسم: تمنعه.
يوسف: تحول فكرة الطعام والشراب وحاجات الحياة الأساسية إلى سلاح يحارب الناس به، كما..
باسم: هي الآن تعتبر هذه، يعني مجرد حرمان مجتمع ما، تعتبر جريمة في حق البشرية.
يوسف: إي نعم، والتي تخالفها بعض الجهات أو بعض الكيانات، معناها تستخدمها سلاحًا للسيطرة وكذا، تعاقب شعبًا بأكمله بحرمانه من الطعام أو حرمانه من الشراب وحاجات الحياة الأساسية. فلما جاءت هذه الفكرة في ذهن إبراهيم عليه السلام، جاء الرد من الله فقال: {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ}..
باسم: ومن كفر، يعني حتى الذي يكفر، ما لازم أن تحرمه من..
يوسف: إي نعم، الحقوق الأساسية. فأمتعه قليلًا. وكلمة أُمتعه طبعًا، الناس أحيانًا، هذاه الإسقاطات أيضا، يأخذونها على فكرة المتعة، يعني “Enjoy in English” مثلًا، ولكن هي في الحقيقة في النص القرآني “المتع” هو أن توفر للإنسان من الدعم اللوجستي ما ينقله من نقطة إلى نقطة، يعني حتى ينتقل.
باسم: التي هي من “المتاع”، يعني توفير أمتعة له تهيئ له حياته الطبيعية.
يوسف: بالضبط، أقرب شيء إليها في اللسان العربي هي كلمة “المتاع” الآن وليس المتعة. فقال: {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا}، يعني أهيئ له ما ينقله ويساعده على البقاء حيًا يعني، {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} إذا بقي طبعًا على حاله التي هو، {أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}. ولاحظ كلمة أضطره، هو لم يترك خيارًا آخر إلا أن تكون نهايته سيئة.
باسم: أن يضطر، أي يذهب. صح.
يوسف: إي نعم، فالنص كان واضحًا. ونلاحظ التعقيب الرباني أحيانًا على الفهم الذي كان يفهمه إبراهيم عليه السلام. الآن بعد ذلك قال: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}. ثم قال، معناها طبعًا البيت كما قلنا، هو يريد أن يجعل البؤرة المكانية التي ينطلق منها شعاع النور وشعاع الهداية ليعم جميع أنحاء الأرض. ولذلك قال: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}. أيضًا لاحظ كلمات السلم وكلمات الأمن في ثقافة وفلسفة وفكر إبراهيم عليه السلام، كيف أنها حاضرة تمامًا. {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ}.. إلى آخره. الآن..
منهج إبراهيم لبناء الأمة
باسم: عفوًا، هذا الفهم الذي كان متوفرًا لدى النبي إبراهيم، يعني فهم إنساني راقٍ، ولهذا استحق لقب أمة.
يوسف: إي نعم، هو فكر ينشئ أمة مسالمة، أمة مؤمنة، أمة تتوفر فيها الحقوق الأساسية، التي مهما بلغ تصرف الإنسان، يعني أرقى مفاهيم حقوق الإنسان التي يمكن أن تقرأها الآن، مما توصل إليه البشر، وحتى الحريات سنرى مقدار الحريات التي تمثلها سيرة إبراهيم عليه السلام، أرقى ما وصل إليه البشر في هذا العصر.
باسم: يعني إذن، الحث على إطعام الكافر وعدم منعه من الطعام أو من ضرورات الحياة، كانت جزءًا من هذا السلوك. بالتأكيد، يعني كان هناك فيه رقي في النظرة إلى كيفية أن يتعايش البشر ضمن بقعة جغرافية موحدة.
يوسف: وتوفر لهم الحقوق، حتى المخطئ، الحقوق الأساسية توفر له، ويعطى الفترة الكافية ليصحح من خطئه.
باسم: على عكس ما يحدث حاليًا في أيامنا.
يوسف: طبعًا، هذا المنهج لو اتُخذ لبنى أمة بشرية عالمية، كما هو طموح كل إنسان في الحقيقة، ليس انتهازيًا ولا أنانيًا، أن يصل البشر إلى حالة من السلم العالمي والأمن العالمي المطلق، هذا فكر إبراهيم عليه السلام على فكرة، هذا هو فكره: الأمن المطلق والسلم المطلق على مستوى العالم.
باسم: ولهذا الحث في القرآن على ضرورة اتباع ملة إبراهيم.
يوسف: إي نعم، وكلمة البيت أيضًا، لاحظ الكلمات لما تحللها تحليلًا لسانيًا. البيت، البلد، الأمن، السلم الذي يرد في لسان إبراهيم عليه السلام، كلها تشير إلى استقرار إلى طمأنينة. إلى بيئة مناسبة لأن يعيش الناس، وبالتالي يبنون حضارة، تكون لهم حقوقهم موفرة جميعها، مطمئنون ومتعاونون، والحس بالأسرة دائمًا، والحس بالأسرة ثم بالقوم ثم بالأمة بأكملها. هذا نلمسه في كلمات إبراهيم عليه السلام كثيرًا في سياقات النص. لذلك، هذا النص نفسه لما انتهى، يعني في نهايته قال: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}. لاحظ لم يقل..
باسم: يعني الذي يتخلى عن هذا النمط من الحياة الهادئ الآمن المستقر هو السفيه.
يوسف: هو ليس فقط سفيهًا، هو سفه نفسه. يعني نفسه بالنسبة له صارت مفعولًا لسفاهته. يعني سفاهته وصلت إلى نفسه، لأن السفه معناه اللانظام، هو الطيش، هو عدم وجود وجهة، عدم وجود هدف في الحياة. هذا كله مظاهر سفه. الآن، سفه فلان نفسه، يعني إذا أنت تبنيت مبدأ غير هذا المبدأ البشري السلمي الأمني العالمي المجتمعي الأممي، إذن أنت تسعى في طريق أن تجعل نفسك إلى غير ما اتجاه. ليس لك اتجاه ولا بوصلة في الحياة، فلذلك ستغرق في العشوائية، وتغرق في الفوضى، وتغرق في اللاهدف، وأن لا تعرف سببًا ولا هدفًا للحياة وفي ثمار العمل الذي تعمله.
باسم: يعني النبي إبراهيم بجدارة استحق لقب “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً”.
يوسف: هذا هو تمامًا.
هل طلب الله من إبراهيم قتل ابنه؟
يوسف: الآن لما نذهب إلى السياق {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ}، هذا سياق مرتبط جدًا بسياق سورة البقرة الذي ذكرناه في بناء البيت. وإن لم يكن الغالبية العظمى ممن تصدوا لتفسير القرآن أشاروا إلى هذا، لكن قال: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ}، الآن أنت يجب أن تربط حتى تفهم ما هي قصة الرؤيا التي رآها إبراهيم وتفسرها في نطاق المنظور القرآني. يعني يستحيل، لاحظ نحن قلنا في الآية التي سبقت في الحلقة الماضية: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ}، معناها تزيين قتل الولد. هذا لا يأتي من الله، لا يمكن. ففكرة أن يفهم أن إبراهيم أُمر بقتل ولده، هذا يعني، هذا لا يمكن أن يكون اختبارًا ربانيًا، معاكس لفطرة الأبوة وفطرة الإنسانية. يستحيل أن يكون هذا هو المعنى، لكن المعنى كيف يُفهم؟
باسم: يعني لا يعقل أن يحاول رب العالمين اختبار إبراهيم عن طريق طلب منه قتل ابنه ليثبت إخلاصه لله مثلًا.
يوسف: لا يمكن، نعم.
باسم: لا يمكن.
يوسف: وأنا على فكرة فكرت في هذا الموضوع طويلًا، ولكن وجدت الدكتور أعتقد قصي هاشم رحمه الله رحمة واسعة، هذا الرجل من أحسن من تكلم عن هذا الموضوع، واستخدم الأدوات اللغوية واللسانية في تحليل هذه القصة. فلما رأيته تكلم في هذا، يعني أعطاني نوعًا من الطمأنينة إلى ما كنت أفكر فيه.
باسم: الله يرحمه، صح.
يوسف: فقال: { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ}، هو ركز حتى في كلامه على فكرة “معه”. لماذا قال: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ}؟ وفي الآية الأخرى قال: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}، يعني بمصاحبة إسماعيل. أي أن إسماعيل قد بلغ من القدرة على السعي ما بلغه أبوه إبراهيم. فصار قادرًا أن يسعى معه في العمل الذي يسعى هو فيه. فلذلك قال، الآن اربط، حاول أن تربط الآيات، يفسر بعضها بعضًا. فلما بلغ معه السعي،
باسم: يعني أنت تقصد، عفوًا، لأن فيه إشكالية هنا، حتى إشكالية ثقافية، وتحولت إلى موقف سياسي. ما بين هل المقصود فيه النبي إسماعيل هو الذي رأى الرؤيا أم النبي إسحاق؟
يوسف: نعم، الذي رُئِيت فيه الرؤيا، الذبيح يسمونه.
باسم: الذبيح، هل الذبيح هو إسماعيل أم هو إسحاق؟ أنت تقول، يعني {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} أنه هو النبي إسماعيل، باعتبار أن إسماعيل هو لما..
يوسف: يرفع إبراهيم.
باسم: يرفع إبراهيم القواعد.
يوسف: هذا اعتباط، هذا على مستوى النص القرآني بأكمله. لأن من قواعد تحليل اللسان أو النص أيضًا أن تفهم المضامين العامة للنص. وهذا النص طبعًا هو كتاب الله. لكن لو مثلًا ذهبنا، حتى يفهم الناس الفكرة، عندما تتحدث سيكون هناك سمات أصلًا لكلام أي كاتب أو إنسان، بحيث لو تقرأ أحيانًا كلامًا منسوبًا له، تقول هذا ليس لفلان، ليس عليه سيماء كلامه. فالآن هناك وحدتان نصيتان متباعدتان. إحداهما في سورة البقرة، والأخرى في سورة الصافات. وأيضًا عندنا سياق نصي للوحدة النصية نفسها، يعني: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ}.. إلى آخرها، في نهاية القصة ماذا قال؟ {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ}. إذن الكلام الذي قيل قبلًا
باسم: كان عن إسماعيل.
يوسف: نعم. يعني لسانيًا لا يمكن أن يأتي هذا التتابع إلا أن يكون الكلام لم يكن عن إسحاق، لأن التبشير بإسحاق جاء في مرحلة لاحقة. على كل حال، القضية طبعًا ليست قضية أسماء ومسميات أو تفريق على هذا، لكن هذه حقيقة أيضًا، لأن القرآن يكشف بعض الحقائق التي تم تغييرها أو تحويرها أو تحريفها لأسباب في الحقيقة تريد أن تنصر أو تفضل عرقًا على عرق، وتعمل عنصريات.
باسم: أو مجموعة بشرية على مجموعة.
يوسف: إي نعم، طيب. فقال: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى}. الآن، هل الذبح معناه مقتصر على أن تزهق الروح؟ أم أن مفهومه أوسع من هذا بكثير؟ يعني: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}. هل كان من صور الذبح التي مارسها فرعون أن يقتل من لا يبقى فيه مصلحة، ممكن يقتله فيزهقه إزهاقًا تامًا؟ لكن الذبح هو استنفاد ما في الشيء من طاقة.
باسم: طاقة الشيء.
يوسف: قدر الاستطاعة. ولذلك أنت حتى يقولون لك: والله هذا مثلًا، حتى الخضار مثلًا التي فيها نوع من الحرارة مثل البصل والثوم، تذبح طبخًا. تذبح طبخًا، معناها أنه يذهب ما فيها من حرارة أو ما يلسع اللسان.
باسم: لا، وحتى في حياتنا اليومية نستخدم أنه يعني هذا الشغل ذبحني، يعني بمعناها أتعبني أو استهلك كل قواي..
يوسف: إي نعم. فإذن هو يعني ما رآه إبراهيم عليه السلام: {أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}، وطبعًا الرؤيا هي كانت رؤيا مؤكدة، لأنها مؤكدة بـ”إني”، ومؤكدة بالفعل المضارع: {أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى}، معناها كان يرى ما يوحي له أنه سيدخله في عمل يستهلك طاقته، يعني يتعبه، وهو ما زال بلغ السعي، القدرة على العمل والعطاء، حديثًا. فهو أشفق عليه من هذا.
باسم: يعني فالرؤيا سبقت بناء البيت.
يوسف: إي نعم. إذن هذا هو التساوق. هو التساوق أنه سيحتاجه للمساعدة، ويبذل طاقة كبيرة تؤدي إلى استنفاد طاقته في كثير من الأحيان في بناء البيت. هذا: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}، وهو أشفق عليه لأنه يراه ما زال أقرب إلى الطفولة يعني، بلغ السعي، القدرة على السعي حديثًا. فقال: {فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}. {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى}. هكذا قال له: {فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى}. يقول لولده، {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}.
باسم: لاحظ، كأن النبي أو إسماعيل، يعني الولد أو الطفل الذي في هذا الوقت أو الشاب الصغير، فهم أن والده مثلًا مأمور أن يعمل الشيء. استخدم بالفعل المضارع.
يوسف: إي نعم.
باسم: افعل ما تؤمر حاليًا يعني.
يوسف: إي نعم، هو فهم الرؤيا هذه لأنها تكررت. قال: “إني” استخدمها، الكلام دقيق جدًا. استخدام “إني” في لسان العرب يدل على تأكيد الفعل، يعني كأنك تقول: أؤكد على كذا. هذا معنى “إن”. وأرى الاستمرارية، يعني لم تأت الرؤيا مرة واحدة، وإنما جاءت متكررة. ففهم أن هذا جزء من الوحي الذي يوحى به إليه. لكن ما هو مضمون الرؤيا؟ إنه يدخله في نوع. ولذلك ربط، ربط كلمة السعي. لاحظ: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ}، كما يقال: إنسان أصبح عنده طاقة على شيء. فيأتي إنسان مباشرة في أول لحظة، كوّن مبلغًا ماليًا، فيأتي ما يستهلك هذا المبلغ. أنت تشفق عليه إنه حديث عهد بجمع مال. فتأتي إليه بشيء يستهلك ماله، فيه نوع من الشفقة. فلأنه رأى ابنه مثلًا، يعني ناهز البلوغ حديثًا، ثم جاءه الوحي أنه ستستهلك طاقته، وهو ما زال يشعر حديثًا بتكامل قوته. فأصابه نوع من الشفقة على هذا، {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}. ففهم أن هذا أمر، ستجدني. وهنا نقطة مهمة: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}، لو كان الموضوع موضوع إزهاق روح، الصبر على ماذا؟ هي لحظة، يعني أصلًا..
باسم: كان ذبحه.
يوسف: إي نعم. فلذلك الموضوع أمر يحتاج إلى سعي، ويحتاج إلى عمل مستمر، ويستنفد الطاقة. هذا هو، يصل لمراحل فيها استنفاد للطاقة. {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}. فلذلك قال: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}، هذه أكثر نقطة فيها إشكالية. أسلما، لاحظ لما قال: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ}.. {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ}، وهذا أكبر دليل أن الدعاء لما يرد في القرآن ليس معناه فقط اللفظ، اللفظ هو حتى تتذكر ما تفعله. يعني أحيانًا في علم النفس يقولون لك: تكلم بالشيء حتى تزيد من قدرتك على استحضاره. لكن إبراهيم، هل هو لما قال: {وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ}، هو يتحدث عن فعله الذي يمارس فيه، وهو الاستسلام للأمر الذي وجهه إلى بناء البيت الذي سيكون بؤرة لنشر الأمن والسلام. واستعان فيه بولده إسماعيل إلى الطاقة القصوى. لكن: {تَلَّهُ لِلْجَبِينِ}، هذا “تله”، يعني لا أدري كيف يوجد أحيانًا في بعض الكتب أن {تَلَّهُ لِلْجَبِينِ} كبه على وجهه. طيب تلّ
باسم: على أساس أنه خروف.
يوسف: إي نعم، هو التل معروف، يعني في اللسان العربي ما هو التل؟
باسم: تعالى..
يوسف: كل الناس تعرف ما هو التل. إي نعم. إذن التل هو المرتفع. معناها ما معنى {تَلَّهُ لِلْجَبِينِ}؟ هذا قد يكون له أحد معنيين، يعني هو من الأمور التي أنا إلى الآن يحتمل فيها الموضوعين.
باسم: قصي هاشم، الله يرحمه، يقول: {تَلَّهُ لِلْجَبِينِ} عندما وصل، يعني..
يوسف: بناء البيت.
باسم: بناء البيت إلى طول الشخص.
يوسف: إي نعم، إلى طول الشخص، وهو يعني إنه إلى هنا انتهى بناء البيت، فانتهت الاستجابة بالأمر، فيعيد الضمير في هذه الوحدة النصية على ما ذكر في الوحدة النصية الموجودة في سورة البقرة.
باسم: فإذا {تَلَّهُ لِلْجَبِينِ}، يعني الهاء تعود على البيت، يعني؟
يوسف: إي نعم، وقد يكون الموضوع أن هذا أحد التركيبات التي فيها نوع بلاغي. يعني هذا ما يسمى بعلم البيان، إنه {تَلَّهُ لِلْجَبِينِ}، أي أوصله إلى الطاقة القصوى..
باسم: أوصله إلى منتهاه.
يوسف: التي يستطيع أن يبذلها، و”تله” يعني إي نعم.
باسم: أنا أميل إلى هذا الفهم، أنا.
يوسف: هذا يتناسب مع سياق الوحدة النصية نفسها. ففي “بلغ”، يعني قال له: “لا، خلاص، هذا غاية ما أستطيع، لا أستطيع بعد هذا”. {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}. يعني معناها أنه جرى التعويض عن هذه الطاقة التي أجريت
باسم: بالبيت.
يوسف: إي نعم، قد يكون الذبح العظيم هو البيت الذي ستنطلق شرارة نشره للأمن والسلام في العالم. فيبقى أثره، ويبقى في موازين حسناته هو وولده إلى يوم القيامة. فلذلك كان هذا هو الذبح العظيم. وقد يقال: ما شُرع بعد ذلك مما يقترن بالبيت من إطعام الطعام للفقراء والمحتاجين. وهذه نقطة مهمة جدًا. سيأتي وقت إن شاء الله ونخوض في التفاصيل المتعلقة بالنُسك الموجودة حول البيت، وما هي معانيها الحقيقية، وما هو جوهرها. لكن فكرة أن الناس الآن، أحيانًا يذبحون كميات هائلة من اللحوم، الهدف هو أصلًا سد حاجة الفقراء. لاحظ، يغيب الناس عن الهدف. يقول لك: لا، لابد أن تذبح في مكة. طيب، لا يوجد حاجة في مكة الآن لإطعام الفقراء. هل القصد هو إطعام القانع، وإطعام المعتمر، وإطعام الفقير، وإطعام المحتاج؟
باسم: أم ذبح الخروف؟
يوسف: إيصال، يعني إيصال الطعام إلى كل من يحتاج إلى ذلك. وليس المقصود الكبير من هذا أن أخصص الموضوع بمكانية أو حتى زمانية معينة. أنت ترجع بهذا إلى الفكر الطقوسي الذي كان يستخدمه عبدة الأصنام. الفكرة كبيرة جدًا، حتى في موضوع النُسك الذي يتحدث عنه القرآن بمعناه الكبير، هو سد حاجة المحتاجين من الطعام في العالم. هذه هي الفكرة الكبيرة في كل أنحاء العالم، وليس في بقعة معينة. لأنه كما قلنا، هو بؤرة ينتشر منها الخير بمعناه الأممي الذي سمي به أمة.
باسم: لا، لا، صح، معقول.
ما معنى {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ}؟
يوسف: إذن، هذا سياق من السياقات التي تعطيك سلوكات إبراهيم عليه السلام، ولماذا استحق أمة، ولماذا قيل: {اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}. الآن ننتقل إلى الجانب الآخر، وهو الجانب الفكري، لما قال: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى}، ونحن أيضًا قد أشرنا في حلقة سابقة إلى ضرورة أن تتاح حرية التساؤل، خاصة للإنسان الذي يبحث، الذي ناهز البلوغ، وبدأ يبحث، يريد أن يفهم، يريد أن يعرف لماذا هذا المبدأ موجود. وإلا سنبقى نكرس فكرة: {إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} و{… مُقْتَدُونَ}. هناك أشياء مما وُجد عليه الآباء صحيحة، وهناك أشياء غير صحيحة، وهناك أشياء ذهبت أسبابها الموضوعية، كانت صحيحة في زمنها ولم تعد الآن صحيحة. إذا قضينا على هذا الفكر عند الغلمان وعند الشباب الذين يناهزون الاحتلام وما بعده، أنت تعاكس ملة إبراهيم، فأنت تسفه نفسك وتسفه مجتمعًا بأكمله بهذه الطريقة. فإبراهيم يتساءل: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} فقَال له {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ}؟ كان يمكن أن يقول: لست مطمئنًا، يعني عنده حرية كاملة في أن يجيب. لاحظ، قال: طبعًا هنا “تؤمن”، يعني الشعور بالأمن تجاه فكرة إحياء الموتى، لأن الكلمة لها أبعاد قرآنية يعني..
باسم: يعني ما لها علاقة بالتصديق؟
يوسف: لا، لا، أبدًا. هذه أكبر بكثير من فكرة التصديق، أن تشعر بالأمن تجاه الفكرة. لماذا بالأمن؟ لأنه يترتب عليها استكمال، كما شرحنا في حلقة سابقة، استكمال فكرة مجازاة من لم يجاز في حياته الدنيا. فلابد أن أشعر بالأمن تجاه فكرة الإيمان بإحياء الموتى والدار الآخرة، وليس أنه فقط أصدق. إذا لم يكن هناك شعور بالأمن، ويكون هذا من منظومة الأمن الداخلي الموجودة لدي فلن يتحقق مفهوم الإيمان الكبير في نفسي.
ما مفوم آمن في القرآن؟
باسم: دعنا نخرج قليلًا عن الموضوع بما يتعلق بالمعنى المفهومي اللساني لكلمة “آمن” و”كفر” و”كذّب” و”صدق”. يعني هنا “آمن” ممكن مقابلها “كذب”.
يوسف: “آمن” مقابلها يعني لم يشعر تجاهك بالأمن، يعني يقول لك: “أنا غير مؤمِّن لك” يعني بالعامية، “لا أؤمن له”.
باسم: يعني يكذبك.
يوسف: أكثر من أنه يكذبه، ممكن يصدقك في الكلام، لكن يقول لك: أنت وراء كلامك مرامٍ أخرى. وهذا شرحناه في حلقة سابقة لما قال يعقوب لأبنائه، قالوا له: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ}. يعني حتى لو جئناك بكلام صادق، فأنت لا تأمننا، لا تشعر بالأمن تجاهنا، لأنه يعتبر أن هذا الكلام الصادق في الحقيقة وراءه مرام لتوصلك إلى حالة من الخوف، حالة من الاضطراب، حالة من عدم الاستقرار. فلذلك قلنا إن مستند الإيمان لابد أن يكون بالله، بما هو الخالق الأوحد للكون، وبسننه الكونية، وأيضًا أن تؤمن غيرك من شرّك. يعني فقال له: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ}، يعني لم تشعر بالإيمان المطلق تجاه الفكرة، {قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}. إذن، حالة الاطمئنان أعلى حتى من حالة
باسم: التصديق.
يوسف: أنه ثمرة. يعني هو آمن، لكن قال: لا أستطيع أن أنقل هذا الشعور بالأمن إلى مرحلة الاطمئنان. يعني ما زلت، أنت قد تشعر بأنه: أعطوني عقدًا. ذهبت إلى الشركة، أعمل تأمين كذا. مثلًا، أنت تؤمن على سيارتك، تؤمن على بيتك عند شركة تأمين، لكن ما زلت تشعر أنك لست مطمئنًا في طريقة استخدام البيت والسيارة بأن شركة التأمين ستعوضك، لأن فيه بعض الفجوات. فقال: أنا مؤمن، لكنني لم أصل إلى درجة الطمأنينة، والتي هي أعلى من الأمن. لأنه “طمن” الشيء الذي “طمن” معناه انخفض يعني، ليس فقط استقر على الأرض، أخذ له حيزًا في المكان فيقال “طمن الشيء” و”اطمأن”، هذا معناه. والمهم، لاحظ مستوى الحرية التي يعبّر بها ويتفكر بها ويسأل بها إبراهيم، حتى وهو يخاطب ربه سبحانه. تخيل هذا الموضوع، فأنت أيًا ما تكون، عالمًا أو شيخًا أو إمامًا، وتمنع الناس من هذا. من أنت حتى تمنع الناس مما سلكه إبراهيم عليه السلام؟ فقال له بعد ذلك: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى..}. ونحن قلنا إن هذه الفكرة فيها مجال للنظر يعني، هل هو طير وقطعها كما تقول تفاسير، أو إنه طيور، وهذه أيضا كنت قد وقفت على كلام للدكتور قصي هاشم رحمه الله، من أجمل ما يكون أيضا في إعطائها بعدًا آخر..
باسم: إنه تدريب الطيور على..
يوسف: إي نعم، هو ربما حتى الحاضرون والسامعون لم يفهموا البعد الذي طرحه، الفكرة؛ أنت لما تمسك طيرًا مازال في مرحلة ولادته الأولى يمكنك أن تعجنه وتربيه وتروضه بالطريقة التي تشاء، {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} يعني..
باسم: وهو ما زال رضيعا.
يوسف: إي نعم، ضمه إليك ضما شديدا حتى يعتمد عليك ويثق بك ثقة مطلقة. هذا بعد طبعا في النظر في الآية يحتمله النص. النص لا يستبعده على كل حال، قال {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ}، معناها الفكرة التي أعطاها الله لإبراهيم حتى يفهم، لأن فكرة إحياء الموتى. كيف ستُجمع الأجزاء التي.. يعني الجسم تحلل وتفرقت خلاياه، وتحولت من شكل إلى آخر، وأصبحت أشياء كثيرة؟ فكيف يعاد بها بخط رجعة؟ فهو أعطاه فكرة. قال له: أنت كإنسان الآن، لو أنت رَوَّضت مجموعة من الطيور، ثم نشرتها، ما الذي يعيد ضم الطيور إليك بعد أن فرقتها شذر مذر في كل مكان، على رؤوس الجبال؟ يعني ألم يصبح لديك قدرة على أن تلم شتات هذا الذي تفرق؟ وأنت إنسان، لكن لو طبقت هذه الفكرة على مستوى الخالق، فالذرات وخلايا الجسم، وانفصال النفس عن الجسد، لما يتفرق كل شيء في جهة، وتتحول إلى أشكال كثيرة في الطبيعة، الذي أعطاها هذا المسار، وأنشأ فيها هذه البرمجة، يستطيع أن يحدث البرمجة العكسية بعد ذلك، فيعيد جمعها، فيعاد إنشاء الإنسان مرة أخرى، وإحياء الميت. هذه الفكرة التي أعطيت لإبراهيم، شُرحت له طريقة إحياء الموتى بهذه الطريقة. وطبعا هذه طريقة مشهودة ومعروفة عند الناس.
باسم: حتى استخدام رقم أربعة، هل المقصود بأربعة بمعنى عدد أربعة، أم أنه فيه صفة يجب أن تتوفر بالطير، حتى يكون قادرًا على استيعاب التعليم أو التدريب؟
يوسف: إي نعم.
باسم: التي هي صفة الرِبعية أو الرِبع. إنه حتى نستخدم في حياتنا اليومية، تكون مثلًا: جدْي أو شي يقول لك: “ربعي”. بمعنى: “في بداية حياته الأولى”.
يوسف: نعم، صحيح. هي من كلمة الربيع، في بداية اليفوع يعني، ما زال يافعًا حديثًا.
باسم: هو ما زال يافعًا، صحيح. ما زال صغيرًا.
يوسف: فيمكن أن تشكله بما تشاء، لأنه لم يشتد العود، فيأخذ اتجاهًا معينًا.
باسم: إذن، هو المقصود ليس رقم أربعة بمعنى رقم محدد، إنما الحالة التي يكون عليها هذا الطير، بداية، كما نسميها بداية الطيران مثلًا.
يوسف: أنا من باب الأمانة، كما قلت لك، نحن ناقشنا هذا أيضًا في حلقة سابقة. لكن هذا الكلام الذي وقفت عليه للدكتور قصي رحمه الله من أجمل ما يكون. وهو يتساوق تمامًا مع الأبعاد اللسانية التي تشير إليها الآيات. على فكرة، أقول لك، تعرف أن التفسير الشائع لهذه الآية، وحتى لآية: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ}، والذبح وكذا، هذا على ماذا يعتمد فيه أصلًا في كتب التفسير؟ كله على روايات تلمودية.
باسم: على روايات توراة تلمودية.
يوسف: يعني ربما الناس الآن ينصدمون أن هذا التفسير اللساني بعيد عمّا نعرف. لكن ما تعرف هو روايات اليهود وروايات التلمود. وفي الحقيقة، هذا الذي تعرفه أنت. فلما تعود لنص القرآن، لماذا تستبعد هذا الاحتمال؟ ونحن قد يقول لك: طيب لماذا ترفض فكرة الذبح؟ لأن القرآن أصلًا بين لك أنّ قتل الولد هذا لا يكون من أمر الله، هذا يكون من تزيين الشركاء. لا يمكن أن يكون أمرًا من الله، فلا يجوز أن تجعل القرآن عضين، تفهم بعضه هنا بطريقة وبعضه هنا بطريقة أخرى. أنت في الحقيقة هنا لم تفهم رسالة الله في التدبر وجمع آيات القرآن بعضها إلى بعض.
فهذا إذًا السياق الذي يعطينا البعد الفكري، وحرية الرأي، وحرية التعبير، وسعي إبراهيم لفهم أصل الموضوع وفكرته، وكيف نشأ وكيف بدأ، حتى يبني عليه بعد ذلك.
باسم: والسبب الذي لأجله مُنح لقب أمة.
مرحلة نقل الفكرة عند إبراهيم
يوسف: إي نعم، والآن لما انتقل إبراهيم عليه السلام إلى مرحلة نقل الفكرة، وهذه قضية مهمة، وهي حرية التعبير. يعني حرية الرأي، حرية التفكر، حرية التساؤل، الشعور بالأسرة، الشعور بالمجتمع، الشعور بضرورة أن يُبنى المجتمع على السلم والأمن، الشعور بضرورة توفير الحاجات الأساسية لكل أبناء المجتمع. كل هذا مما ذكرناه من سلوكات إبراهيم. الآن انتقل إلى مرحلة حرية التعبير، إبداء الرأي نحو إصلاح المجتمع طبعًا، وبما ليس فيه طعن بالشخص كشخص. لذلك بدأ بأقرب الناس إليه. {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ}.. لاحظ تلطف الخطاب، حتى وأنت ترى أباك، لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تسيء إليه، وتقول له أي كلام نابٍ، أو تعقّه، أو تدخل في أي شيء يخالف البر. ولكن قال له: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا}. يعني يأتيه بألطف أسلوب، وببيان حرصه الشديد عليه. {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ}، حتى سياق استخدامه لكلمة “الرحمن” في هذا السياق يعني: أنت تصر على شيء قد لا يكون فيه خيار آخر إلا أن تُعذب طبعًا، {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا}. ما لاحظه إبراهيم عليه السلام من أبيه أنه ليس فقط مجرد أنه يعبد أصنامًا، أنه يحول هذه العبادة إلى سلوك. هذا السلوك يؤدي إلى نوع من الفجور، ونوع من الكفر العملي الذي شرحناه في حلقات سابقة. ولذلك وجه إليه هذا القدر من النصائح. ففي الأخير قال له: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ}.. {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ}. لاحظ الآن. لاحظ أن أبا إبراهيم كان يحول الأمر إلى سلوك، {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ}. قارن الفرق بين إنسان يتلقى تعليمات من وسطاء غير الله، كيف تسول له نفسه أن يرجم
باسم: ابنه.
يوسف: ابنه، {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا}. يعني هو من طلب منه. لاحظ، هو من طلب منه أن يهجره. وإلا ما كان له أن يتركه أصلًا، فيبتعد عنه، لأن حق البر يمنعه من أن يبتعد عنه. لكن هو قال له: إما أن أرجمك، أو تهجرني يعني. {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ}. لاحظ، {سَلَامٌ عَلَيْكَ}. كلمة السلام، حتى التي نستخدمها نحن، وهي أرقى أنواع التحية. لكن هل معناها.. تعرف أنت لما تقول لإنسان: “السلام عليك” أو “السلام عليكم”، معناها أنك تعطي عهدًا بأن يسلم من شرك. طيب، كم إنسان يدخل عند بائع مثلًا، أو يقول له البائع: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد ذلك يغشه في كل شيء! أين هذا السلام الذي أطلقت عهدًا به؟ وتظنها كلمة؟ هذا هو تحويل الموضوع. فكرة السلام، ما هي فكرتها؟ أو التحية بالسلام، أن تذكر نفسك بأن العلاقة بينك وبين من ستتعامل معه من أبناء المجتمع، يجب أن تقوم على فكرة السلام. فقال له: رغم كل هذا، سلام عليك، لن يصلك مني أدنى شر. وكان يسعى هو أن يبقى ليس فقط في حال سلام، بل في حال أمان. لكنه اضطر إلى هذا اضطرارًا، {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا}. الآن فكرة الاستغفار التي أطلقها إبراهيم، معناها يسعى قدر الاستطاعة. والمغفرة طبعًا أبلغ من فكرة التكفير. التكفير يكون الأمر بسيطًا للسيئة، يعني معناها أن يُغطى فلا يرى. لكن الغفران، هناك ما يسمى المِغفَر الذي يوضع على الوجه، فيحمي المقاتل أثناء الحرب. هذا معروف، معناها الغفران هو أبلغ في إزالة أثر الضرر. يعني معناها سأستغفر لك. الناس يقولون: معناها فقط يقول لك: اللهم اغفر لأبي وانتهى الموضوع. لا، هو كان يريد أن يسعى أن يعوض ويصحح كل خطأ يقع فيه أبوه. يعني ضر فلانًا، أو تسبب كفره في الإضرار بكذا وكذا وكذا. فكان إبراهيم من بره بوالده يسعى كل السعي إلى أن يصحح هذا الخطأ الذي يقع فيه، يعني والده. فلما قال في الآية الأخرى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}. الآن هنا الكلام، معناها إنه لما استفرغ طاقته في كل ما يمكن أن يسد فيه الخلل عن أبيه. وربما على الأغلب أنه توفي على هذا.
باسم: ممكن أقدم ملاحظة هنا، دكتور لو سمحت، أنت استخدمت لفظتين في وصف الأب والوالد. هل نتحدث نحن عن والد إبراهيم أم أبي إبراهيم، على اعتبار أن هناك تمييزًا بين الأب والوالد؟ ربما يكون الوالد هو الوالد البيولوجي، لكن ربما لا يكون هو الأب في التربية، والعكس صحيح.
يوسف: إي نعم.
باسم: هل هنا نتحدث عن أب إبراهيم الذي سماه القرآن “آزر”؟
يوسف: هو سماه “آزر”. طبعًا، فكرة التسمية بدون أن يكون لها بعد لساني. هذا أنا لا أعتقد أنه موجود في القرآن. كل تسمية في القرآن، حتى وهي كلمة “آزر”، لابد…
باسم: تسمية مفهومية.
يوسف: نعم. قد يكون ليس والده. وكلمة “آزر” تشعر بهذا، إنه “آزر” من الأزر، الذي يتحول في كثير من اللهجات إلى واو، “الوزر”، معناها المعاون. يعني الوزير هو المعاون للملك أو للرئيس، فـ”الآزر” هو المعاون لغيره. فقد تكون هذه الأبوة من باب الرعاية. وهذا لو كان، معناه إذا كان إبراهيم يفعل هذا مع أبيه الذي ليس بوالده، فما بالك ما يمكن أن يفعله مع والده أو والدته؟ لأنه ربما لم يدرك والده أو والدته الفترة التي بدأ فيها في مرحلة نقل فكره إلى دعوة الناس إلى الخير، ونشر الفكر الصالح.
دعوة إبراهيم
يوسف: ثم بعد ذلك انتقل إبراهيم عليه السلام بعد هذا الحوار مع أبيه في سياق آخر إلى دعوة قومه. فقال: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}. لكن هنا إشارة: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ}، إنه قبل أن يبدأ الإنسان فيتحدث في فكرة معينة، لابد أن..
باسم: يصل إلى مرحلة الرشد.
يوسف: يصل إلى مرحلة الرشد، والرشد الذي هو ضد الغي. يعني لا يوجد فيما يتبناه وفيما يقوله أي نوع من الغواية، ويستخدم الأسلوب الرشيد في الكلام الذي فيه إصلاح وبناء. فلما تم هذا لإبراهيم، وأوتي هذا، {وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ}، بعد ذلك {قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}. هنا انتقل إبراهيم عليه السلام أيضًا إلى مرحلة أخرى، تمثل أحد السلوكات التي هي ملة إبراهيم، وهي استخدام المنبهات لإيقاظ العقول الغافلة. يعني: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}. تشعر أنه أول مرة يطرح السؤال، فـ{قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ}. لاحظ الجواب. {قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}. هو لم يسبهم، ويسب آباءهم..
باسم: وصف حالهم.
يوسف: وصف الفعل. إي نعم، لأنه حريص كل الحرص طبعًا على أن موضوعه ليس موضوعًا شخصيًا. فهنا هذا الأمر استثارهم. لأنه أنت تتحدث عن سلوك آبائنا، معناها هم سيقولون طبعًا، لأنهم لا يعزلون الأمرين، لأنه كثير من الناس يجعل آراءه كأنها هو. فلا يعزل فكرة الرأي والاجتهادات وأعمالك عنك أنت كشخصك. {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}. معناها يعني الفكرة هنا أنه لفتهم إلى خلق السموات والأرض. ما المشكلة أن تأتي إلى إنسان عنده معبود افتراضي؟ وكما قلنا كثيرًا، أرجو أن يفهم الناس أن قضية الأصنام ليست أحجارًا وضعت وانتهى. هناك سدنة ومتحدثون باسمها.
باسم: هو هنا تحدث عن التماثيل وليس عن الأصنام.
يوسف: ولذلك سماها تماثيل. يعني فيها إشارة لسانية كبيرة جدًا. فشكرًا على هذه اللفتة. ما معنى تمثال؟ يعني أنه يمثل لشيء يمثل لغيره، هذا الغير من الذي يتحدث بلسانه؟ هؤلاء الدخلاء الذين يدخلون بين الله وخلقه.
باسم: الأصنام.
يوسف: سدنة الأصنام والمتحدثون باسم الأصنام، والذين يصطنعون مبادئ تخالف السنن، فيدعون الناس إلى اتباعها، فيحرف بالتالي مسار المجتمع لمصلحة هذه الفئة الانتهازية القليلة. هي نفس الفكرة في القرآن الكريم كله من أوله إلى آخره. لكن أنت حتى تسقط هؤلاء السدنة، لابد أن تسقط الرمز الذي يتخذون منه وسيلة لاكتساب قدسيتهم. فقال لهم: {رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ}. يعني لماذا لا تبحثون عن الله وتعليماته وإرشاداته من خلال بحثكم دائمًا في السموات والأرض؟ وهذا ما قلناه من التوسع في كل العلوم، كل في علمه. هذه الطريقة الصحيحة، لا تجعل من المتحدث باسم الدين رجل الدين، طبعًا هذا مجازًا، لأن كلمة الدين، هو استهلاك للمصطلحات، تجعل منه إنسانًا عارفًا بكل شؤون الأرض والسماء والدنيا والآخرة، وتعطيه صلاحية ليتحكم في عنقك، ويتحكم في رقبتك، وتلغي الطب، وتلغي الفيزياء، وتلغي الكيمياء، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وغيرها. فقال لهم، دائمًا يلفت: {رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}. ثم قال: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ}. أنت تعتقد أن هذا الرمز دلالة قدسيته وصيانة سدنته ومن يمثله، إن هذا الرمز مصون، أليس كذلك؟ سأحدث من الكيد ما يجعلكم تستيقظون. هنا انتقل إلى مرحلة لاحقة، الآن هو حاول أن يوقظ الفكر، لكن التشبع، التقليد، سدنة الفكر، أصحاب السطوة من الفكر دخلوا معه في حرب. إذًا، ما الذي ستفعله؟ لابد أن تأتي إلى بعض الرموز المقدسة، فتثبت لمن يقدسها أن هذا الرمز، لو كان هذا الرمز صحيحًا، لم يكن فيه كذا، لم يكن فيه كذا. يعني سآتيك بنماذج الآن مما تقدسها، يقول لك: إذا كان هذا النموذج صحيحًا، كما قلنا، يعني من النماذج، مثلًا، النماذج التقديسية التي يتبناها أصحاب المذاهب، لو كان هذا النموذج صحيحًا، هذا يقول كذا، وهذا يقول كذا، وهذا فلسفته في هذه المسألة. أنت على ماذا تسير؟
باسم: لا، وفيه أمثلة حية كثيرة، حتى فيه أمثلة كثيرة وقعت خلال العقدين الماضيين من رجال دين كانوا يتمثلون بأنهم الناطقون الرسميون باسم الدين والإله وإلى آخره. صار هو نفسه يكذب نفسه في مناسبة أخرى.
يوسف: نعم، فيجمعون فيديوهات، إن بعض القديم يكذب الجديد، ويكذب القديم.
باسم: إنهم كشفوا أنفسهم بأنفسهم، هؤلاء الذين يُسمون بالتماثيل، أو حتى الأصنام أنفسهم، أو الوسطاء بين الفرد وربه. لكن، قبل الدخول في النقطة الأخرى، قال: {وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}. يعني كيف يشهد إبراهيم على أن الله هو الخالق؟ يعني هل شاهد؟ هل هي شهادة خبرة أم شهادة حضور فعل وعلم؟
يوسف: لا، هو هذا يكتنز منهجًا فكريًا متكاملًا. معناها لما يقول لهم: “أنا على ذلكم من الشاهدين”، يعني…
باسم: يعني شهادة خبير.
يوسف: كن واثقًا أنه أعطاهم مراحل تفكره التي سار فيها وهو يفكر في قضية من هو الإله الذي يجب أن نسير خلف إرشاداته. يعني لما أقول لك: “أنا شاهد على هذا”، معناها أنا سأطرح رحلتي الفكرية وفلسفتي التي سرت عليها حتى وصلت إلى هذا.
باسم: يعني نتيجة تراكم المعارف التي أثبتت له أن الله فعلًا هو خالق الكون وخالق الناس، فيستطيع أن يشهد بخبرته أن هذا تم، أن هذا ما تم.
يوسف: بالضبط، وأعطاهم، شرح لهم الرحلة الفكرية كاملة، حتى إذا كنت أنت تتساءل لماذا؟ أثبت لي، قال لك: أنا صار معي كذا وكذا وكذا وكذا، وفكرت بكذا، فجوابه كذا. وهذه هي طريقة الطرح المنطقية والتساؤلات المنطقية والفلسفية، التي للأسف يرفضها كثير من الناس باسم أن التفكير بالقواعد المنطقية والفلسفية، يقول لك: هذا كفر، وهذا زندقة.
باسم: التي هي طريقة البحث والميثودولوجي.
يوسف: طبعًا، قواعد التفكير. والله نحن في المجتمعات العربية والإسلامية، أنا أقول بالأغلب نفقد ما يُسمى بقواعد التفكير المنطقي. يعني الآن، انشر خبرًا مزيفًا على صفحتك في فيسبوك، وانظر ما أسرع أن يتناقله الناس، فينشروه في جميع الأماكن، ويبنون عليه أخبارًا، ويبنون عليه معتقدات، وتثبيت لعقائد زائفة. كلما حدث شيء في العالم أو خبر، تجد أنه يسرق مباشرة من هؤلاء المزيفين وينشر. لماذا؟ لأنه لا يوجد قواعد التفكير المنطقي، ليست موجودة. وحتى في المناهج مفقودة. يعني نحن عندنا مناهج العربية والإنجليزية والرياضيات، لماذا لا يوجد مادة تُسمى قواعد التفكير، كما لا يوجد مادة تُسمى فقه القانون أو فقه السنن؟ حتى تجد الإنسان يصل إلى أن يتخرج من الجامعة، لا يعرف القانون، لا يعرف البلد التي يعيش فيها، فيقع في مشكلات قانونية بمجرد ما يمارس الحياة، وبعد ذلك يقول لك: الحياة مدرسة، المدرسة يجب أن تكون حياة، قبل أن تكون الحياة مدرسة. لماذا لا تكون مدارسنا حياة يتعلم فيها الإنسان كيف يفكر؟ إذا تلقى خبرًا، كيف يتعامل معه؟ كيف يتأكد من مصداقيته؟ سمع كلمة هنا، كيف يرجع إلى المراجع أو إلى المصادر المعنية فيتأكد منها؟ فهو أعطاهم قواعد منطقية للتفكير، لأنه هم أبدوا حجتهم، ما حجتكم؟ إنا وجدنا آبائنا على هذا. فقط.. {قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا}.
باسم: وكأنهم تفاجأوا من السؤال، أو تفاجأوا أن أحدًا يسألهم عن هذا الموقف.
يوسف: هذا دليل على تخدير، الوضع العام كان عندهم تبنيج الأدمغة، تبنيج العقول عن التفكير إلى درجة: لا، هذا مقدس. وهذا على فكرة سياسة، يعني وضع غشاء، وكلما سمكته، جعلته سميكًا أكثر من قبل رجال الدين تجاه المعتقدات والأفكار الخاصة بهم، التي هم ينقلونها ربما عن آبائهم الحقيقين البيولوجيين، أو آبائهم المذهبيين، وآباء الفرقة، يجعلون غشاءً سميكًا، فيهددك دائمًا، إرهاب فكري. إذا ناقشت كذا وكذا، فأنت دخلت إلى حيز من النار، وكنت، وستعذب على هذا، وسينتقم الله منك، وسيفعل كذا في حياتك. فهذا التقديس، معناها تجد عالمًا بروفيسورًا، وصل إلى أعلى درجات العلم في الفيزياء والهندسة، لكن لما يأتي إلى هذه المجالات، يسلم.
باسم: يسكر دماغه.
يوسف: لإنسان لم يبذل يومًا من التفكير ما بذله هذا البروفيسور في يوم من حياته. لكن لأن غشاء التقديس، هذا الذي أسبغه على آرائه وأطروحاته، يجعل الناس في حالة شديدة من الخوف. فهم كانت حجتهم: وجدنا آباءنا على ذلك. يعني فقط هكذا. فقال لهم: إذن أنا سأعطيك مساري الذي جعلني شاهدًا على أن ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن. هذا المسار شُرح في سورة الأنعام، سنأتي إليه، أو جزء منه، وشُرح جزء منه أيضًا في فكرة: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى}. لأن هذه الفكرة يمكن لك أن تستخدمها كدليل لكل إنسان يسأل عن إحياء الموتى. والقرآن طرح طبعًا أفكارًا أخرى عن إعادة إحياء الأرض بعد موتها، مثلًا، كفكرة أو دليل على إمكانية إعادة الأشياء التي ماتت. على كل حال، شرح لهم هذه المسارات التي سار فيها حتى وصل إلى هذا. مرة أخرى أشكر هذه اللفتة المهمة للوقوف على كلمة “شاهد”. ما معنى “شاهد” هنا؟ لأن بعض الناس تأخذها أنه: {وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}. طيب، يعني تعود لتقديس فكرة الشخصنة، يعني أنا شاهد على هذا. لم يقصد هذا بأي حال من الأحوال.
باسم: هو شاهد بخبرته المتراكمة.
يوسف: إي نعم، أن يلفت انتباههم للمسار الفكري والقواعد المنطقية التي سار عليها من مرحلة الشك، مرحلة عدم الطمأنينة، إلى الوصول إلى اليقين بأنه ما أنتم عليه ليس صوابًا، وربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن، ويحاول أن ينقلهم من فكرة التمثيل بما هي تجسيد، ووقوف مع الحدود الحسية، إلى فكرة: اذهب إلى التفكير الأعلى، التجريدية التي تطرحها قواعد المنطق والفلسفة بجانبها المفيد يعني. لماذا لا تتوجه إلى رب السموات والأرض الذي فطرهن؟ لذلك قال في سورة الأنعام: “إني وجهت وجهي”. لم يشخص، ولم يمثل، ولم يحدد. وهذا طبعًا ما يتطلب منا، يعني نحن واجب علينا في هذه الحلقات، حقيقة، أن نشرح ما هي الصفات التي يذكرها القرآن عن الله. يعني كيف نفهم الله في القرآن؟ هل هو بالطريقة التجسيدية التي صارت عند كثير، عند العامة وعبر التاريخ من المسلمين، أم الموضوع فهم بطريقة خاطئة، وابتذل، وحدثت فيه صراعات في الحقيقة لا معنى لها؟ فهو وجه وجهه للذي فطر. كيف يمكن أن يكون مخطئًا من كان هذا حاله؟ لا يمكن. على مستوى اليقين الداخلي. {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}. لا أحدده بمكان ولا زمان، ولا أبحث في الذات. خلاص انتهى، من قام وراء هذا الخلق للسموات والأرض، فأنا متوجه إليه. والتعليمات الآن والإرشادات، ها هي في السموات والأرض. لا تجعل حائلًا يحول بينك وبين أن تصل إليها باسم التقديس.
باسم: يعني هذا حث على التفكير، حث على الفعل، حث على التجربة العملية والتجارب العلمية. يعني حث كامل على الإنسان أن يبحث في فهم سنن الكون ليفهم الله.
يوسف: صحيح، ووضع في مسار لا يحتمل الخطأ. لأنه أنت تقول: أنا توجهت للتمثال الفلاني، وهذا توجه للشيخ الفلاني، وهذا توجه لإمام المذهب الفلاني. طيب، أنا أتوجه للذي فطر السموات والأرض. فيه احتمال للخطأ؟
باسم: لا، أكيد لا.
يوسف: لا يمكن. طيب، يقول لك: كيف تفهم الذي خلق السموات والأرض؟ هي السموات والأرض أمامك؟ اجتهد. إذا أردت أن تذهب وتفهم حقلًا معينًا، فادرس قوانينه الناظمة لهذا الحقل، أو ارجع للنص، فادرسه باللسان العربي الذي أمرك أن تدرسه به. المساران يعطيان نفس النتيجة. دراسة الكون تعطيك نفس النتيجة التي تعطيك إياها دراسة النص القرآني. ولكن في كثير من الأحيان، على فكرة، النص يعيدك إلى الكون. يعني القرآن الكريم لم يأت ليشرح لك قواعد الفيزياء، ولا قواعد الكيمياء، ولا الأحياء، ولا علم الاجتماع، ولا علم النفس. أعطاك جواهر، يعني بؤر، وقال لك: انطلق وادرس. يريدك أن تنمي عقلك. أصلًا، هذه من أهم رسائل الاستخلاف التي خلق الإنسان من أجلها. {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}. لا تنتظر أن يأتيك كل شيء جاهزًا. كيف ستدخل رحلة النمو والتطور العقلي الذي أراده الله لك أن تدخلها؟
باسم: يعني لأنه حتى الكثير من الناس الذين فعلًا، يعني عطلوا قدرتهم على التفكير، عندما تسأله مثلًا، وهو خاصة من الناس المحسوبين على فئات معرفية محددة ما: ألا يوجد رجل دين يفتي لنا بهذه المسألة؟ طيب وأنت دماغك، لمن؟ أين راحت؟ أنت ألا تستطيع التفكير؟ لماذا تحتاج لآخر أن يفتي عنك؟ لماذا تحتاج لآخر أن يفكر عنك؟ هذا جزء من الإشكالية التي يعيشها العقل العربي المسلم.
يوسف: صحيح، ولمناط التكليف أصلًا، إذا كان غيرك سيفكر عنك، لماذا أعطيت العقل؟ خلاص، كنتَ خلقت مبرمجًا للتبع، وهو مثلك. يعني هذه هي الفكرة.
فلما لفت انتباههم، لاحظ في السياق ماذا قال: {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ}. فلما {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا}. طبعًا السياق يقول لك: هذا كذب، إبراهيم كذب، يا جماعة، الكلام يدرس في سياقه. هو هذا الأسلوب الساخر، كما ذكرت، دكتور، قبل قليل. أنت تأتيني إلى نفس المنظّر الذي كان يجعل من نفسه إمامًا لك، فتأتي إلى تسجيل حديث له، فيناقض كل المناقضة، قد يطور الإنسان ويحسن من فكره، لكن الجوهر الفكري الذي بنى عليه كل ما أخذ منك من تبعية، وجمع من أموال، وأنت لا تشعر طبعًا. الآن هو نفسه، الآن أنت تقول: كيف تقول كلامًا يعارض كلام الشيخ الذي سمعته؟. فتقول له: لا، هو شيخك الذي قال، لست أنا.
طبعًا، أنت لا تقول لإعادة القدسية وإسباغها على الشيخ. أنت تريد الهدف، تستخدم الأسلوب الساخر لتبين له سقوط الفكرة، إلى أي درجة هي فكرة ساقطة، وفكرة سفيهة. فقال: لا، هذا كبيرهم {فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ}. الأسلوب، يدخلك في معترك. معناها عصف الذهن الذي لم ترد أن تدخله بطرح الموضوع فكريًا. يحاول، وهذا من الشفقة طبعًا عليهم وعلى القوم أن يجرهم جرًا إلى فكر: يا رجل، شغل عقلك، وفكر، واجتهد قليلًا، ستبين لك الحقيقة. لم يكن عليها غباش. طبعا هذا هو السياق الذي ورد. في سورة الأنبياء، لم تكن لهم حيلة بعد ذلك إلا أن قالوا: {حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا..}. طبعًا هم قال: {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ}. يعني لتصيبهم لحظات. {فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ}. يعني بعض الناس كثيرًا ما يطعنون فيما يعني هناك إساءة أحيانًا في التعليقات، ولكن هو بينه وبين نفسه يفكر. يقول: طيب، الرجل يتكلم بنص القرآن، وغيره يتكلم بالنص، ويحلل لك الكلمات بتحليلها، بالرجوع إلى تحليلاتها العربية. فيصيبه حالة إنه: والله نعم. لكن الانجرار مرة أخرى إلى ما ألف عليه، إلى منطقة الراحة كما يقال، تعيده مرة أخرى. {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ}. يعني هذه القدسية والهالة تبين أنها..
باسم: كذابة.
يوسف: هراء، لا قيمة لها في الحقيقة. {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}. يعني فيعود فيقول لك: لا، هو الشيخ معذور، الشيخ حصل معه كذا، أو الإمام الفلاني للمذهب، أو صاحب المذهب، لا، هم فعلوا وما فعلوا. يبدأ يبحث عن تبريرات لما كان يقدسه. حتى لو رآه في أسوأ الحالات، يقول لك: لا، أنا صدقته، وكذبت عيني. تخيل إلى أي درجة. وكما قلنا، هو غشاء التقديس الذي يضفى على هذه الأشياء. فيجعل الإنسان في حالة من اللامنطقية.
تقديس الخرافات
ثم بعد ذلك ينتقل إبراهيم عليه السلام في سياق آخر، الذي هو سياق سورة الأنعام، إلى النقاش حول موضوع آخر، وهو موضوع التقديس لأشياء أخرى خرافية. معناها ربط بما لا يوجد فيه رابط منطقي. {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً}. هذا طبعًا ربط ليربط السياقين. لاحظ القرآن تحدث عن موضوع الآلهة، وتحدث عن موضوع أبيه وحواره مع أبيه. الآن أراد أن يربط لك الموضوعات ببعضها. {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. يقول لك قائل: لا، هو الله الذي أجبره أن يرى. يا رجل، ألم تر رحلته في التفكر؟ مرة أخرى نقول: هو اجتهد قدر ما يستطيع، ووظف ما أعطاه الله من وسائل. لما يقول لك: {نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، ليس معناها أنه أجبره الله على هذا، فأحدث فيه شيئًا.
باسم: هيأ له سُبل الرؤية، واستخدم الأدوات الحقيقية.
يوسف: هو أعطاه الأدوات، هو فعلها. يعني كيف أراه الله ملكوت السموات والأرض؟ الرحلة التي ذكرناها عنه في موضوع التفكر، وموضوع البناء، وموضوع السعي. ألم يكن هو اجتهد في كل هذا، وفكر، وسعى، وعبر عما بداخله حتى وصل إلى ما يقتنع به؟ أم هو أجبره الله إجبارًا على هذا؟ فلما يقول لك: {نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، معناها بفعله هو، لما انساق إلى هذا، وجد أن الموضوع مفتوح أمامه.
باسم: تفتحت الأمور أمامه.
يوسف: من السهل أن يصل إليه.
باسم: دكتور يوسف، الله يفتح عليك.
يوسف: وعليك.
باسم: شكرًا، أخذنا الوقت. إن شاء الله نكمل في حلقة أخرى عن الملل ومفهوم الملة، وكذلك نستكمل ما بدأته عن النبي إبراهيم، كيف استحق لقب ملة، وكان إبراهيم حنيفًا مسلمًا أيضًا. وإن شاء الله نناقش في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم. إلى اللقاء.