أصول المناظرة والمحاججة عند إبراهيم
باسم: أهلاً بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم، وكالعادة مع الدكتور يوسف أبو عواد. تحياتي دكتور، أهلاً وسهلاً. من زمان لم نرك. في حلقات سابقة تحدثنا، أو كنا نتحدث، عن لفظة “ملة”، مفهوم لفظة “ملة” التي نسبت إلى النبي إبراهيم “ملة أبيكم إبراهيم”. وتحدثنا أيضاً عن مفهوم لفظ الإسلام، ومؤمنين، وكفار. في الحلقات. أحبّ أن نلقي مزيداً من الضوء على مفهوم الملة الإبراهيمية، والتي حضّ القرآن كثيراً المسلمين على الالتزام بها واتباعها في حياتهم.
يوسف: نعم، أهلاً وسهلاً بك وبالسيدات والسادة المشاهدين والمشاهدات. حقيقةً، في الحلقات السابقة، سلطنا بعض الضوء كما تفضلت دكتور، على بعض السلوكيات. ونحن كنا قد اتفقنا، وبنينا، أن الملة هي تحويل الفكرة النظرية إلى سلوك عملي. ولذلك كانت لدينا ملة إبراهيم، وملة اليهود، وملة النصارى، وغيرها من الملل التي تُذكر للأقوام السابقة. وذكرنا أن الله ابتلاه بكلمات: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}. ولم تُفصل هذه الكلمات، لأن تفصيلها في كل ما نذكره من سيرة إبراهيم عليه السلام. فهذه السيرة المذكورة في الآيات هي الكلمات التي ابتلاه الله بها، خاصة قبل أن يصبح إمامًا، يعني قبل مرحلة بناء البيت، اكتمال بناء البيت التي هي نقطة التحول إلى أن يكون إماماً، ويكون أمة بعد ذلك لمن بعده.
فمن ضمن ما ذكرناه طبعاً مرحلة الشك، التي سأل الله فيها أن، يريه كيف يحيي الموتى. ومن ضمنها أيضاً بعض المحاججات التي نذكرها. وطبعاً القرآن الكريم فيه نسق على مستوى القرآن كاملاً. ففي الآيات التي ذُكرت في سورة مريم وناقشناها، كانت حواراً بينه وبين أبيه، وقد تطرقنا إلى هذا. ثم بعد ذلك في سورة الأنبياء تشير الآيات إلى حوار بينه وبين قومه، وأيضاً تطرقنا إلى هذا. وحوار إبراهيم عليه السلام مع قومه أيضاً له أماكن أخرى في القرآن الكريم، ومن ضمنها سورة الشعراء. ففيها تقول الآيات: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71)}. الآن لاحظ المحاججة. وهنا ما نستفيده من إبراهيم عليه السلام هو القدرة أو طريقة تعلم المناظرة التي تُفحم الخصم في أقصر أسلوب ممكن. قال: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73)}. يعني أعطني إثباتاً أن هناك استجابة، هناك أفعال لهذه الآلهة، هناك تحكم. يعني أنت حتى تتبع إلهًا، لابد أن تثبت أن له تحكماً في الكون. لأن مفهوم السمع، طبعاً إذا ربطناه بالله، فهذا لابد أن يُشرح بطريقته الصحيحة في مكانه. وستكون لنا سلسلة من الحلقات، أنا أعدك وأعد المشاهدين أيضاً، حول كيف نفهم الله. يعني ليس التحليل، لأنا حللنا، إذا تذكر دكتور، مفهوم الله والإله والرب، ولكن الصفات المقرونة بالله في القرآن الكريم، كيف نفهمها: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74)}. هذه هي الحجة. الآن {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)}. وكلمة “عدو” بعض الناس يفهم منها أنها إعلان الحرب. وهذا طبعاً تداخل في المصطلحات، لأن الناس تُسقط العدو على القتال، على الجهاد، كله بسبب فكرة الترادف التي شاعت في الكتب القديمة. فصار هناك تداخل كبير في المصطلحات. والعدو هنا يقصد به الاجتناب؛ أنه هو في جهة، وأنا في جهة. المبدأ الذي أدعو إليه شيء، وهذا المبدأ الذي تؤسسون عليه حياتكم على أن يكون بينكم وبين الله وسطاء افتراضيون هو شيء آخر.
ثم لاحظ كيف عرّف لهم رب العالمين بطريقة لا يمكن الإجابة عليها: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)}. هل تستطيع أن تدعي أن أحداً من هذه الوسطاء خلقك؟ طيب، هل تستطيع أن تدعي أنه وضع فيك برمجة التوجه في حياتك؟ يعني مفهوم الهداية هنا مفهوم كبير جداً. يعني يهديني كيف؟ منذ لحظة الولادة، كيف يتشكل الجنين؟ يهديه كيف يرضع من ثدي أمه؟ يهديه إلى طعامه؟ يهديه إلى حاجاته الطبيعية؟ هذه البرامج إبراهيم عليه السلام قال ما الارتباط بين هذه الآلهة التي تزعمون وبين البرامج الموجودة في داخلي أنا وفي داخلكم. يعني بالضرورة، هل كانت هذه الآلهة موجودة؟ هل لها تحكم في هذه البرامج؟ إذن فلتغير فيها، ولذلك قال: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)}. راح نظر إلى البيئة. لاحظ توسيع النظرة والقدرة على التفكر وفتح الآفاق أمام عينيه وأذنيه وعقله كي يتفكر: “والذي هو يطعمني ويسقين”.
باسم: يعني خاطبهم بأسس الحياة: الطعام والشرب.
يوسف: بأسس الحياة، والعودة إلى ما نقوله دائماً من الالتفات إلى ملكوت السماوات والأرض. يعني الطعام الآن، من الذي جعل الأطعمة التي يتناولها الإنسان تحتوي على ما يحتاجه من البروتينات مثلاً، ومن الكربوهيدرات، ومن المعادن والفيتامينات؟ ما الذي جعل الإنسان مثلاً يتعطش إلى الماء إذا احتاج جسمه إليها؟ هذه برمجة. ثم جعل الماء الموجود في الخارج، يعني الماء ليس جزءاً من الجسد. هذا التناسق العنكبوتي الشبكي الموجود في الكون بما يتوافق مع حاجات الإنسان. فهو يقول لهم: هذا شيء عالمي. لاحظ دائماً مشكلاتنا من أكثر نشر الأفكار المتشددة في جميع الاتجاهات. يعني على فكرة، الأفكار الدينية المتشددة، أفكار بعض المثقفين المتشددة، تعنتهم تجاه رأيهم، عدم قبول الرأي الآخر، ما هو التصندق داخل منطقة جغرافية، أو يعني حقبة تاريخية محددة. يعيش في صندوق فعلياً، يحصر نفسه في منطقة جغرافية فيها تفاصيل طبعاً. المتصندقون هؤلاء تجد لهم تفاصيلَ من القصص مثلاً يروونها، ويبنون دينهم، حتى اعتقاداتهم، يبنون عليها ولاءها، ويصنفون العالم أيضاً بناءً عليها، وهذا على حق، وهذا على باطل، وهذا في الجنة، وهذا في النار. طيب، لو وسعت أفقك كما كان إبراهيم عليه السلام يفكر، فنظرت إلى العالم، نظرت إلى الدول، إلى الصين وأمريكا اللاتينية وغابات إفريقيا…
باسم: ثقافات أخرى، مجتمعات أخرى.
يوسف: والحضارات القديمة، وقرأت عنها ثم وسعت عقلك، هل يمكن أن تبقى بهذا التصندق وتقف مع هذه الجزئيات الصغيرة من القصص وما يُروى في الكتب مما لا أحد يستطيع أن يعرف ما هو الصواب فيه من الباطل؟ فلاحظ، ذهب بهم من الصندوق الصغير إلى العالم بكل ما فيه بلا حدود. فهذا هو: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)}. أيضاً قانون الشفاء من المرض. يعني أنت إذا زعمت أنه، وكما يحصل عند كثير من الناس الآن، أن هذا الولي، هذا النبي، هذا الوسيط، هذا الكذا، هو الذي يشفيك، يعني يملك قانون الشفاء. طيب لماذا مثلاً لا يستطيع أن يعيد مشلولاً إلى حاله الطبيعي؟ لماذا لا يستطيع أن يعيد إنساناً وُلد أعمى إلى حالته الأصلية إلى الإبصار؟. لماذا تقف حدوده عند الأشياء التي تحدث أصلاً مع وجود أدوية، ومع وجود تخلط عوامل كثيرة مع بعضها، ثم تزعم أن الشيخ الفلاني، أو أن الولي الفلاني، أو أن المشعوذ الفلاني هو الذي تسبب في شفاء المرض. لكن قانون الشفاء الكبير، ووجود، يعني في الطبيعة نفسها التي خلقها الله، وجود ما يشفي الإنسان، المسؤول عنه هو الذي يتوجه إليه إبراهيم عليه السلام. فيبحث بالتالي عن قانون الشفاء كما هو، كما وضعه الله، دون أن يدخل في الوسط التجار والمشعوذين والمتكلمين باسم الدين والدخلاء على غير مجالهم وعلى غير علومهم: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81)}، أيضاً تكلم عن السنة الأصلية للوجود التي هي موجودة أصلاً قبل آلهتكم هذه. ثم بعد ذلك انتقل إلى: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)}.
استنتج طبعاً بكل هذه الاستنتاجات الطبيعية أنه لابد أن يكون هناك يوم للجزاء، لأن الجزاء، نلاحظ أنه لا يتم في الدنيا.
لماذا طلب إبراهيم الحكم؟
يوسف: وفي هذا المجال، بعد ذلك، تحول إلى الكلمات التي: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83)}. هذه الطموحات الآن، لاحظ الدعاء لما يأتي على لسان الأنبياء أو غيرهم من الصالحين الذين يشير إليهم القرآن، هو كأنه وضع خطة للإنسان، ما الذي يريد أن يصل إليه في حياته. فيتكلم بالدعاء. الدعاء له، يعني، سيكون له إن شاء الله حلقة منفصلة لـ(كيف نفهم الدعاء بطريقة صحيحة). لكن إبراهيم، لما بذل كل ما في وسعه، الآن أصبح عنده مجموعة من الأهداف. وقد وصل إلى مرحلة أن القوم طلبوا منه أن يهجرهم، كما ذكرنا، فقال: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا}. لابد عنده طموح أن يكون له حكم ليبني أمة، أمة صالحة..
باسم: ولهذا طلب الحكم.
يوسف: إي نعم، طبعاً. أمة ترتبط بملكوت السماوات والأرض، أمة تحارب الخرافات، وتحقق معنى الوحدة الاجتماعية الآمنة المسالمة التي دعا إليها في الآيات التي ذكرناها في الحلقة السابقة أيضاً. فلذلك قال: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84)}، أيضاً هذه نقطة مهمة جداً. إنه كثير من الناس، مثقفون وعلماء، لا يكترث إلا بالزمن الذي يعيشه، ليس عنده فكرة الامتداد الفكري، أن يصلح أجيالاً وأمماً لاحقة، لا يشعر بالمسؤولية تجاه فعله بعد موته.
باسم: صح.
يوسف: كل ما يريده هو ما يحقق له مصلحة أو لمن يخصه في حياته الدنيا. فتجده يفسد كميات هائلة من الأرض، يفسد كميات هائلة من الطعام، يكنز كميات هائلة من المال. لماذا؟ لأنه ليس عنده فكر أممي، يسير مع عمود التاريخ الممتد إلى المستقبل. ولكن إبراهيم عليه السلام يقول: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84)} ثم: {وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85)}. لاحظ كيف الفكرة. الآن ما حصل من أخطاء تتعلق به قال: {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86)}. وقد قلنا إنه سعى، بالتحليل اللساني لكلمة “اغفر”، أن يعوض كل من تعرض لظلم بسبب كفر أبيه في حياته. فلما انتهى، كانت غايته: {وَاغْفِرْ لِأَبِي}، هو أمل، {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ}. ولكن هذا أيضاً فيه إشارة إلى قدر كبير من الإنسانية التي يتحلى بها إبراهيم، والتي معناها الشعور بالبشر حتى المخطئين منهم. سنشير إليها أيضاً في مواضع أخرى. وهذا سياق ذُكر في سورة الشعراء.
مبادئ الإسلام اجتماعية وليست فردية
الآن في سورة الصافات، أيضاً سياق آخر ذُكر لحوار إبراهيم مع قومه، ويستفاد منه دروس أخرى طبعاً. وبالمناسبة، هذه طريقة القرآن في عرض الأمور التي تقوم على عنصر القصة. يأتيك بمشاهد مختلفة في أماكن مختلفة، ثم سنرى كيف أن هذا حاصل عن نسيج، نسيج محكم ومتشابك في ثنايا النص القرآني. وهذا ما يجعلنا نتوثق أن آلية التدبر مهمة جداً لفهم مقاصد القرآن. ففي سورة الصافات قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83)}. عن نوح عليه السلام، لما ذكر نوحًا قال: من شيعته، يعني من سار في شعاع دعوته. كان من ضمن من سار في شعاع دعوته إبراهيم: {إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84)}.
باسم: يعني هنا عفواً، من شيعته ليس من جماعته؟
يوسف: لا، لا. نحن شرحنا معنى الشيع، وهناك شيعة واحدة فقط يدعو إليها القرآن: شيعة الأنبياء، شيعة الدين الحق، الذي هو دين الإسلام والأمن الذي يحقق مفهوم الاستسلام لله والأمن له، ثم الأمن الاجتماعي والإسلام الاجتماعي. وعلى فكرة، هذه نقطة مهمة جداً نحن طرحناها ولا نزال نطرحها. لم تكن المبادئ المذكورة، مبادئ الإسلام ومبادئ ما في القرآن، يوماً فردية أبداً، هي من لحظة تشكل كلماتها الأولى التي تعبر عنها..
باسم: جماعية.
يوسف: هي مبادئ اجتماعية. يعني سلمك لله، ما الذي سيفيدني إذا لم يتحقق إلى سلم اجتماعي؟ أمنك لله أو تجاه الله أو بالله، ما فائدته إذا لم يتحول إلى أمن اجتماعي؟ تمام؟ ولذلك من الجمل المنيرة: “المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم”. هذه جمل منيرة يمكن مثلاً أن نستشهد بها، لكن نحن نريد أن نركز في تحليل النص بدون أن نخرج عنه.
ما قيمة الرهبنة والانقطاع للعبادة عند الله؟
باسم: يعني من يكرس كل حياته في عزلة، في مكان، في مغارة أو في كهف يتعبد لله، أنه لا فائدة منه؟
يوسف: هذا لا قيمة له عند الله، هذا سلوك لا قيمة له، الله سبحانه وتعالى أنزل الكتب وأرسل الرسل لبناء مجتمعات مسلمة مؤمنة.
باسم: ليس لبناء صوامع الواحد يتعبد فيها؟
يوسف: طبعاً. ولذلك قال: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ}. وليس هناك رهبانية. نحن ليس عندنا الترهبن هذا، أن أتبتل وأنقطع عن الناس. ما الفائدة؟ ما الثمرة؟ هل الله في حاجة إلى هذا الانقطاع الذي تفعله؟ كأنك تشعر أن الله بحاجة لفعلك، هذا الذي ذكرناه كثيراً. أنت تستنقص مقام الله لما تفعل هذا، كأنك تشعر أن فعلك هذا يفرح الله ويفيد الله وينفع الله. لكن ما الثمرة؟ الله ما يريده من الناس هو تحقيق أرقى مستوى من الحياة الاجتماعية السالمة والآمنة والمطمئنة. وهذا ما نجده، وهذه الجذور ما نجدها في كلام إبراهيم عليه السلام. حتى على مستوى التفكير، بحث أولاً كما قلنا عن الإيمان فوجده، لكن لم يصل إلى الاطمئنان فسأله، سأل الله الاطمئنان في فكرة إحياء الموتى. تمام؟
مبدأ الحيادية في القرآن
معنى “جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ”
فإذن هو يؤسس لفكرة اجتماعية. نعم: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84)}. وهذه نقطة مهمة جداً. والقلب، كما أشرنا أيضاً، يشير إلى التفكير بمعناه الكبير، وربطناه بالنفس في حلقات سابقة. لكن هنا نقطة في غاية الأهمية، إنه من يبحث، لاحظ مبدأ الحيادية الكبير الذي تتكلم عنه اليوم كل مؤسسات التعليم. يقول لك من شروط البحث العلمي أن يكون الإنسان محايداً. والناس أيضاً. أنا أحب، بما أن هذه حلقات لاحقة، أحب أن أجيب على كم كبير أحياناً من التعليقات التي ترد في الحلقات. يقول لك: لماذا تتكلم فقط في النص القرآني؟ لأن حيادية العلم هكذا تقتضي. أنت تريد أن تفهم النص. النص متكامل. لا يمكن لأحد كائناً من كان أن يقول إن القرآن ناقص وإن هناك من يكمله. هذا كتاب الله، كيف تقول عنه ناقصاً؟
باسم: بالضبط.
يوسف: فلذلك حيادية البحث تلزمنا، حتى نفهم رسالة القرآن، أن لا ندخل على خطه شيئاً آخر. لأنه لن نصل إلى النتيجة التي يشير إليها القرآن. بعد ذلك يمكننا أن نصفي..
باسم: أن تأتي بتعزيزات أخرى لما قاله القرآن..
يوسف: يعني هي تطبيقات أنا أسميها. أسميها فقط تطبيقات تشهد أنه تحول إلى عمل فقط. لكن نصفيها بماذا؟ بالمنظار الذي خرجنا به من كتاب الله. هذا هو ما كان ينبغي أن يسير أصلاً في تاريخ الأمة منذ بدايته. هذا الذي كان ينبغي أن يسير، فـ{جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}، ليس هناك نتائج مسبقة وضعها: أريد أن أصل إلى هذا. ليس هناك ما قاله الآباء والأجداد. ليس هناك أنني نشأت تابعاً لهذه الفرقة وهذه الفرقة. نحن نجد كثيراً من الباحثين الذي يدعي الحيادية الآن. يذهب فيبحث، يبحث على بياض كما قال هو. لكن تتفاجأ أنه بعد رحلة بحث عشرين أو ثلاثين سنة عاد إلى نفس ما نشأ عليه. هل يعقل؟ كنت مثلاً تتبع الديانة المسيحية أو اليهودية أو الإسلامية، لكن كنت في المذهب الفلاني وعلى طريقة فلان وفلان. فبعد كل هذا البحث، لماذا رجعت؟ أنا أعتبر أن هذا عدم سلامة قلب في البحث. مستحيل أن تكون رجعت إلى نفس النقطة إلا كما يسمونها بـ”منطقة الراحة” فقط، إن هذه أقل جهداً عليك، لا تتعبك، تشعر بالأمن لأنها مرتبطة بالطفولة فقط.
فإبراهيم عليه السلام، على فكرة، هذه المجاهدة الفكرية التي دخلها ليست أمراً سهلاً، ولا تسهل على معظم الناس. والناس يظنون أننا نحن، حتى لما نشأنا على هذه الحلقات والحوارات. دكتور باسم، أنت تعرف أن الانتقالات… نحن عشنا في مجتمعات، في المجتمعات التي نخاطبها، ونحن نشأنا بين الأسر التي نشأتم أنتم بينها، يعني السادة المشاهدين والسيدات. لكن الفكرة، هذا ليس أمراً سهلاً. أن تسعى إلى إعادة التفكير، وتغربل، وتصفي، وتصل إلى الحق، قطعاً سيأخذ جهدك، سيأخذ معاناة، ستتعرض لكثير من الكلام. لكن في النهاية، ما الهدف؟
باسم: مسألة أن يأتي الإنسان لموضوع بحثي بقلب سليم ليست سهلة.
يوسف: إي نعم، طبعاً.
باسم: يعني أن تعمل “delete” لكل شيء، أو تمحو كل شيء ما هو في ذهنك، وتتلقى الموضوع ذي البحث أو الموضوع الذي أنت ستبحث فيه بدون أي خلفية معرفية مسبقة، ليست سهلة. ليس أي إنسان يقدر أن يعملها. فالشرط أن يأتي من يأتي الله بقلب سليم، يعني أن تكون فعلاً مستعداً لكل الطرق، طرق البحث الحيادية التي ليس لها علاقة بالخلفيات المسبقة.
يوسف: وهذا ما طبقه إبراهيم. أنا لا أدري لماذا لا يتجرأ معظم رجال الدين وعامة من يسمون بالشيوخ، لماذا لا يتجرأ أن يقول للناس إن إبراهيم، حتى في فكرة الوصول إلى الرب، الرب ليس الإله. الرب يعني معناها المدبر، الموجد، الخالق. بحث بسلامة، معناها تخلص من كل شيء مسبق، وبنى في داخله القناعات بناءً واثقاً به، لم يسر فيه على التقليد. لاحظ تفكره في خلق السماوات والأرض، الذي سنرجع إليه في سورة الأنعام، {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا}، يعني كان ما يراه من الافتراضات وما يسمعها، سعى أن يجمع أكبر قدر ممكن من الافتراضات الموجودة عند أبيه، وعند قومه، وعند أقوام آخرين ذهب إليهم. ثم بعد ذلك يضع هذه الافتراضات فيختبرها، كما يفعل العلم المحايد اليوم. وليس كل العلم حتى محايداً، تعرف أنه حتى من يسمون بالعلماء أحياناً يدخل عليهم الدفع، وتدخل عليهم عقيدة مسبقة، ومصالح وجهويات، وإلى آخره. فهذا القلب السليم كفيل أن يصلح العالم حقيقةً. وهذا الذي بدأ به إبراهيم. فكر بربه، ثم فكر بإلهه، ثم فكر حتى بإحياء الموتى. حتى لما عرف ربه، سأل بصدق ما هي الطريقة التي تقنعني بأن الموتى يعاد إحياؤهم؟ فبحث على بياض. ولذلك قال: {إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}. فلما فهم، راح يتساءل: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85)} يريد أن يرى الافتراضات الموجودة فيحاكمها إلى سلامة القلب هذه، بحيادية. {أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86)} هكذا قال: {أَئِفْكًا} يعني هل لأساسكم هذا إثبات، أم هو مجرد إفك؟
باسم: كذب يعني؟
يوسف: خداع، لا حقيقة له. يعني أين حقيَّته؟ هو الإفك من أحد أضداده الحق. أين حقيته؟ أرني تطابقه مع ما أنت تجعله عليه. يعني أنت جعلته إلهاً، أين الحقية في جعله إلهاً؟ أين الدليل؟ ولذلك قال: {أَئِفْكًا آَلِهَةً} طيب هذا دون الله، لأن هذا ليس فاطر السماوات والأرض. عندك دليل على هذا؟
باسم: يعني آلهة مخترعة، يعني زي “fake news”، الإفك؟
يوسف: إي نعم. فهذا هو: {أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87)}. لاحظ يعني، وأين رب العالمين من معادلاتكم؟ طبعاً لا يوجد جواب. {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88)}. وهذه نقطة مهمة جداً. هذه اللحظة التي نظر فيها إبراهيم عليه السلام إلى النجوم هي لحظة أنه ألغى الافتراضات الأرضية التي رآها عند أبيه وقومه، مما كان يتوجه إليه ويعبد. وطبعاً، كما قلنا، تؤخذ عنه المناهج في فهم الحياة. فماذا فعل؟ اتجه إلى الأعلى.
باسم: إلى الكون العظيم.
يوسف: انتقل إلى مرحلة أكبر، لأنه لم يجد في الأرض، فيما حوله، ما يسعفه لأن يصل إلى الصواب. {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89)}. وطبعاً السقم هنا المقصود به أنه دخل في حالة نفسية صعبة، لأنه طبعاً هذه حالة اضطراب وحالة من التفكير ليس فيها استقرار. ومن لا يصبر على هذه الحالة سيبقى كما هو، على فكرة، في حضيض الأفكار، وفي تقاليد الآباء والأجداد على الخطأ وعلى الباطل من غير فلترة. {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90)}، طبعاً، لأنه لم يتحمل الحالة. معظم المجتمع الآن، لما يسمع إنساناً يفكر، يقول: خلاص، اتركوه، ارجعوا إلى حياتكم الطبيعية.
باسم: لئلا نوجع رأسنا.
يوسف: إي نعم. لاحظ كيف عاد حتى يثبت، وهو حتى نفسه يقتنع القناعة التامة. {فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ}، معناها دخل بنوع من التخفي. {فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91)} طبعاً يهزأ. هو يريد ماذا؟ لا يريد فقط أن يسقط العقيدة بطريقة منطقية. يريد أن يختبر مدى سخافة وانهيار العقيدة، لأن هذه مرحلة أخرى. يعني الآن أنت يأتيك ناس فيقول لك: والله، هذا مصدر لتفهم العلم الفلاني، أو مصدر حتى لتفهم الدين الإسلامي. هذه هي مصادر. عندك مصادر لفهم الإسلام، عندك مصادر لفهم الأحياء، أول خطوة تقول له: على ماذا بنيت قناعتك بأن هذا مصدر نفهم من خلاله دين الإسلام أو دين الأنبياء؟ يقول لك: والله، قال فلان وقال فلان، ووثق فلان وضعف فلان، مثلاً. هذا مثال. طيب، الآن أنت تقول له: طيب، يعني لو كان هذا من الله، يعني دخول اجتهاد البشر في الوسط هكذا، ألا يجعل هذا فيه شيء من الظن على الأقل؟ معناها سيختلف الناس. هل يعطيك الله دستوراً فيه اختلاف؟ يعني تبدأ أنت تثبت بطلان الفكرة بدليل خارجي. الآن بعد ذلك، ماذا فعل إبراهيم؟ دخل إلى نفس الفكرة فحولها إلى هزء، إلى سخرية، حتى لو على مستواه الشخصي. قال: {أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93)}. الآن لما استنتج أن هذه الآلهة لا قيمة لها في الحقيقة، وهي مجرد إفك تماماً، وليس لها أي قيمة من خلال البحث عن الهزء الداخلي. وكما نقول كثيراً، كثيراً ما يعتمد الناس على الروايات والمنقولات. ولو أخذت كثيراً حتى من هذه الروايات وقارنت بعضها ببعض، ستجد كم يضرب بعضها بعضاً، وكم فيها حتى من الإساءات، وكم فيها من اللامنطقية. فما الذي فعله إبراهيم بعد ذلك؟ نقل الفكرة إليهم، أشعرهم. {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93)}. لما قال: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا}. في سورة الأنبياء أيضاً فسر ما الذي فعله، لأنه ما شعر به أراد أن ينقل الفكرة إلى المجتمع، لأنه يؤسس لفكرة أمة، يؤسس لأن يكون إماماً. {فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94)}. والزف هو الحركة التي فيها فوضى. يعني حرف الزاي دائماً يدل على الذهاب والعودة بطريقة، لما تضيف إليه حرف الفاء، معناها انفتاحية ليس فيها ضابط. ولذلك الناس تقول زفة العريس وكذا، ترى أنها لا تسير على نظام. يعني فيها نوع من الفوضى، وكل إنسان يفعل ما يريده، إلى آخره. يعني ليس فيها الانضباط المعروف. فحركة الناس في الرد دائماً على أصحاب التفكير والعقل فيها فوضى، وليس هناك نظام. على عكس ما يدعو إليه هو. هو يؤسس لنظام، يؤسس لمجتمع، لأمن، لسلم. المهم، {فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)} ما النتيجة؟ {ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97)}. طبعاً، لا يوجد رد. هو أفحمهم. فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا: {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ}.. طبعاً هنا جاء التدخل الرباني، لأنه على فكرة هذا أيضاً، أنا أقول سنشرحه في وقته المناسب في فكرة الدعاء، الإنسان متى ما فعل كل ما يستطيعه من الأسباب التي في يديه، هنا يأتي ما يسمونه، من يدرسون الطاقة، ويسمونه قانون الجذب. لكن هو بهذه التسمية، وطبعاً كثيراً ما يتاجرون به. لكن أنا أقول الصحيح فيه، أن الإنسان متى ما فعل كل ما في وسعه من الأسباب التي بين يديه، ستسير سائر أسباب الكون باتجاه هدفه النبيل. لأن باقي الأسباب لن تكون تحت يديه. يعني كيف أتحكم في ردات أفعال الناس؟ كيف أتحكم في أمور قد تكون موجودة في الطبيعة؟ تلقائياً ستجد أن هناك سنة وضعها الله أصلاً. بقدر ما كنت صادقاً في أن تصل إلى الهدف، ستتماهى معك سائر الأشياء التي لم تكن تحت سيطرتك، فتسير في الاتجاه الذي تريده.
باسم: معقول جدًا.
يوسف: فلذلك {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)}. لما انتهى من هذه العقائد الأرضية، ونظر نظرة في النجوم، لاحظ قوة السبك القرآني على مستواه كاملاً. الآن لما ذهبنا إلى سورة الأنعام، وجدنا ماذا؟ {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74)}. لاحظ، اختصر كل ما ذكرناه في سورة الأنبياء وسورة الشعراء وسورة الصافات وسورة مريم في جملة، حتى يعطيك رابطاً. وهذه طريقة القرآن. من لا يسير مع القرآن ولا يتدبر بهذه الطريقة لن يفهم. لأن القرآن لن تفهم ما فيه من رسالة بناء كبيرة حتى ترتقي بعقلك إلى قدر القرآن. فلاحظ، اختصرها في جملة واحدة. لماذا أقول اختصرها؟ لأنه قال بعدها: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)}. إذن انتهى من النظر فيما عند قومه من الأرضيات والعقائد الزائفة المصطنعة، ثم توجه إلى السماوات حتى يفهم ماذا هناك من عقائد. {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا}. الآن بدأ. طبعاً، هذا أيضاً افتراض. من الناس من تعبد كواكب. وعبادة الكواكب أيضاً لا تزال فكرة. إن الناس يربطون ما يحصل لهم من أحداث، تجارة هذه تعرف دكتور إنه..
باسم: مثل تجارة الأبراج.
يوسف: نعم، تجارة الأبراج وتجارة العلم بالغيب والحظوظ، وإلى آخره.
باسم: والتنبؤات..
يوسف: نحن قلنا كثيراً، كل إله يُفترض أو يُفرض بين الناس، والله، يكون له متحدث باسمه، هذا المستفيد الحقيقي. هذه الآلهة لا تدري أصلاً، لا تنفع ولا تضر، التي وُضعت. لكن المتحدث باسم هذه الآلهة، المتحدث باسم الكواكب، باسم النجوم، باسم الآلهة المصطنعة، الأصنام، التماثيل، إلى آخره، هو المستفيد. فيسرقون، يسرقون البشر. يضحكون على عقول الناس. فلما {رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ}، يعني رأى أن حدود النطاق الزماني والمكاني للكوكب ليست شاملة للسماوات والأرض، للخلق، {قَالَ لَا أُحِبُّ..}، لا يمكن أن يكون إلهاً حدوده مكانياً وزمانياً محصورة في نقطة معينة. وكذلك، ذهب إلى ما هو أكبر منه، إلى القمر. ثم ذهب إلى الشمس: {هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ}. لاحظ، الآن هؤلاء قوم آخرون. عبادتهم يعني ارتقوا أكثر قليلا عن مرحلة التماثيل. {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ}، نفس الفكرة: {بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)}. يعني أنا خالص من هذا. لا يمكن أن أقيم نهجاً. أقيم أمة، أنشئ مجتمعاً سالماً آمناً بناءً على هذا، لأن هذه فوضى. هذا لا ينشأ بناء عليه مجتمع آمن ولا مجتمع مسالم. كل واحد يسير على هواه، كل واحد يسير على شيخ، كل واحد يسير على طريقة، كل واحد يسير على مذهب. وهذا صار عندنا في الأمة الإسلامية كما تعرف، كثيراً، لأنه وضع أصحاب المذاهب وأصحاب الفرق بين الناس وبين الله. فالنتيجة: التشتت. وكل… ونحن قلنا إن علامة وسيما المجتمع الذي يريده الله أنه مجتمع متحد، لأنه قال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}. ووقفنا عندها وقفة، أرجو السادة المشاهدين أن يعودوا إليها إذا لم يكونوا التفتوا إليها.
باسم: وقلنا أن ليس للرسول شيئاً..؟
يوسف: إي نعم، المجتمع المتفرق الرسول بريء منهم. هذا ليس المجتمع الذي أراده الرسول، لأن الرسول سار على ملة إبراهيم وبنى مجتمعاً متحداً. نعم، هذا الذي قاله: {قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)}. عاد إلى فكرته الأصلية الكبيرة: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ..}.
باسم: {لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}.
يوسف: {لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)}.
لماذا لم ينزل كتابٌ على إبراهيم؟
يوسف: قد يقول قائل: طيب، لم ينزل عليه كتاب، وإن كان ذُكر في آية أنه “صحف إبراهيم وموسى”. صحف، لكن هذه الصحف ليست كتاباً، لأن الكتاب مفهومه ما يعطيك النظام الكامل والمتكامل لما تحتاجه. هذا لم يكن ولم ينزل على إبراهيم. ممتاز. هذا ما دعونا الناس كثيراً أن تفكر فيه.
أيها الإخوة، الكتاب الذي نزل هو ما استفاده إبراهيم من السماوات والأرض. يعني عندك فطرتك وعندك السماوات والأرض. لا يمكن، لا يمكن. وعلى فكرة، هذا أصلاً تحدٍ يطلق، يطلقه كتاب الله. أنك ابحث في الكون كما تشاء، فإذا وجدت أن السنن الكونية التي تنظم سيرورة، وصيرورة السماوات والأرض أو فطرتك تعارض المبادئ التي يدعو إليها الكتاب، فلن يكون هذا الكتاب للذي خلق السماوات والأرض. وإبراهيم اكتفى بأمر واحد فقط: أن يستنتج كيف يفهم وكيف يتعامل مع كل شيء من السماوات والأرض. يعني من خلال تتبع السنن الموجودة في السماوات والأرض. وهذا هو السر في عمق تركيزنا على قضية السنن، لأنه هكذا نشأت الملة العملية التي أسس بناء عليها نواة لمجتمع آمن ومسلم. وكان أول من أقامها بهذه الطريقة. لم ينشأ قبلهم مجتمعات بهذه الطريقة التي يذكرها.
ما معنى النجوم التي نظر إليها إبراهيم؟
باسم: عندي استفسار هنا. لما نظر إلى النجوم، هل النظر إلى النجوم جلس يراقب ويعد في النجوم مثلاً؟ يعني كيف نفهم النظرة إلى النجوم؟ هل النجوم المقصود فيها هنا هي فعلاً الكواكب أو النجوم المضيئة في السماء، أم هي النجوم بمعنى مستويات معرفية؟ أم من لفظة “تنجيم”؟ مثلاً في تونس يقول لك: “ما ننجمش”، يعني “ما بعرفش”.
يوسف: نعم، طبعاً. نحن كما قلنا، كل مفهوم له انعكاس أو إسقاط حسي لا يمكن أن يكون متوقفاً على هذا الإسقاط الحسي، هو أحد الإسقاطات.
باسم: أحد الإسقاطات؟
يوسف: النجم، ما الذي يميزه عن غيره؟ النجم هو نقطة تولد. يعني هو بؤرة. إذا نشأ نجم، دارت حوله كواكب، والمجموعات النجمية تشكل المجرات، والمجرات تشكل ما تراه في السماء. إذن هو ورد، ذهب يفكر في بداية تولد الأشياء. وليس فقط نظرته في النجوم أنه أنظر إلى نجم، لأنه كلمة “نظر” غير “رأى”. فيها عمق في التفكر، وفيها تمهل.
باسم: يعني نحن نستخدمها، نقول: “دعني أنظر في الموضوع”، دعني أنظره، أدرسه..
يوسف: إي نعم، فيها تمهل. تقول “أنظره”، “أنظره” يعني أمهله. إذن الموضوع فيه تمهل، ليس فيه أنه رآها أو نظر إليها نظرة عابرة. لا، هو نظر إليها فأخذ منها رسالة كبيرة وصار يبحث فيها: كيف يتولد كل شيء، وأساسه الأول يسير مع كل شيء حتى يصل إلى نقطة بدايته. فيبدأ يتتبع المسار دون التلويثات التي دخلت من الدخلاء الذين يدخلون بين الله والبشر. هذا هو الصفاء، والبياض، والنقاء.
باسم: يعني ليس مجرد أن جلس في زاوية ما في الأرض ووضع رجلًا فوق رجل، وبدأ يتابع في النجوم؟
يوسف: لا يمكن أبداً، أبداً. هذه الآية تكتنز معنى كبيراً جداً. ولذلك قال: “إني سقيم”، لأنه لما شعر بالبون الشاسع والفرق الهائل بين ما عليه الناس من هذه التقليدية السطحية العجيبة والضياع، وما تشير إليه فكرة النجوم وطريقة تولد الأشياء دون أن تدخل عليها المعتقدات الزائفة في الوسط، وجد هذا الفرق الكبير. فأشعره، بالأسى. أشعره بالسقم فعلاً. يعني شعر بأنه مريض تجاه هذا الفرق الكبير بين ما الناس عليه وما حقيقة السماوات والأرض عليه.
كيف وضع إبراهيم المنهج العلمي؟
باسم: فعلاً، يعني كلما تُمعن النظر، كلما تدقق أكثر في معنى ملة إبراهيم والسلوك الذي اتبعه إبراهيم في الاستقصاء وفي المحاكاة وفي الاستنتاجات. حقيقةً هو أول من اختط التنظير الفكري أو الأكاديمي أو النظرة الأكاديمية للبحث في الأشياء بحيادية مطلقة.
يوسف: صحيح. هو وضع المنهج العلمي كاملاً؛ منهج علوم المنطق والعلوم، قواعد التفكير، ثم منهج العلم التجريبي، يعني The Science اليوم. هو فعلياً، إذا تأملت سيرته تجد ذلك. لذلك نحن نقول لك دائماً القرآن يعطيك ما يتوافق مع الكون أو مع السماوات والأرض. طيب، هذا المنهج العلمي متى توصل إليه البشر؟ متى بدأوا يبحثون بصرامة؟
باسم: من مئة سنة، من مئتين، ليس أكثر.
يوسف: وحيادية مطلقة في كل شيء. وللأسف، هذا كان في القرآن. وللأسف، معظم تاريخنا الإسلامي كان البحث العلمي قائماً فيه على مسبقات. يعني كل شيء موضوع له مسبقات ونتائج موضوعة سلفاً، والبحث سيوصل إلى هذه النتائج.
باسم: هل يمكن، مثلاً، باختصار أو بإيجاز، أن نعرف ملة النبي إبراهيم هي الميكانيكية أو هي النظرية أو من طريقة البحث التي اتبعها النبي إبراهيم في الوصول إلى الأشياء ومحاكاتها ومن ثم الاعتقاد فيها؟
يوسف: إي نعم. هي طريقة البحث المحايد تماماً للوصول إلى ما يتبناه من أفكار، ثم يبني عليه أعمالاً.
مفهوم البيت في ملة إبراهيم
يوسف: ولكن هي أيضاً مقترن فيها قيم وأخلاق دائماً. هو على مساره، لاحظ، لم يؤذِ أحداً، لم يرفع السلاح في وجه أحد، ولم تذكر الآيات أن قومه رفعوا السلاح. إنما ألقوه في النار. لكن هو وحيد، ما الذي يفعله؟ فماذا فعل؟ قال: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27)}. مثل تماماً آيات: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)}، {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. لأنه هو مجتمع كامل يرفض مبدأ الإسلام. هل أُكرهه؟ أنتم أحرار، ستلقون نتيجة عملكم. هذه المبادئ التي تسيرون عليها سترون ما ينتج عنها من اختلال في السلم والأمن الاجتماعي وحدكم وبأنفسكم. فأسس، لذلك جاءت فكرة تأسيس البيت. لاحظ، هكذا يُفهم مفهوم البيت عل فكرة.
باسم: يعني فعلاً، هذه تعطي إضاءة أوسع لمفهوم البيت في مبنى ملة النبي إبراهيم.
يوسف: إي نعم. ولما يقول لك: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}، لاحظ الآن كيف ستفهم الدلالة لهذه الجملة باختلاف كبير جداً عن أن تجسدها فقط بأن هذا مقام موضع قدمي إبراهيم عليه السلام وخلاص، وأحولها إلى ركعتين. انظر كيف قُزّم المعنى وذهبت حقيقته. المقام يعني الطريقة التي قام بها إبراهيم ووصل إلى هذا، وبدأ ينشئ في وادٍ غير ذي زرع، ينشئ نواةً لمجتمع يكون هذا المجتمع يعيش وفق هذه الفطرة السليمة. فهذا المقام هو الذي ينبغي أن يستخدمه الإنسان وسيلة ليهذب نفسه بناءً عليه. يعني يتخذه نموذجاً يهذب نفسه بناءً عليه. هذا هو. لاحظ كيف.
باسم: فعلاً مذهلة.
قيم النبي إبراهيم
باسم: أنا حقيقة، كلما أمعن النظر وأتعمق في فهم مفهوم الملة عند النبي إبراهيم، تكبر بهذا النبي الكريم العظيم وطريقة البحث التي اتبعها للوصول إلى الله.
يوسف: صحيح. وطبعاً القيم التي تعامل فيها مع الناس. يعني لاحظ إكرامه للضيف. لما جاء، فجاءهم بعجل حنيذ، وجاءهم بعجل سمين، وتلقاهم بأحسن أسلوب. لاحظ القيم العربية التي كانت موجودة، هو الذي أسس لها أصلاً. هذه فكرة {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31)}. فقال: ماذا؟ صار يجادلهم. يعني {يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74)}. يعني يقول لهم: لا، لا تنزل عقاباً فيهم. لاحظ كيف الحس الإنساني، حس الأب الذي يبني ولا يهدم، الذي يسعى إلى أن يبحث عن آخر رمق من الأمل حتى في أفسد أنواع الناس. وهذا قارنه بسلوك كثير ممن يزعم أنه من أمة الإسلام. نبتت نوابت كثيرة تزعم أنها تريد أن تصلح وأن تنشئ صلاحاً. ولكن هي تقتل هذا، وتضرب هذا، وتقول لك أقيم الحد على هذا، وتعاقب هذه لأنها لا أعرف ماذا عملت، إلى آخره من السلوكيات التي لا تمت أبداً إلى طريقة النبي إبراهيم عليه السلام. فـ{يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ}، لاحظ الحلم، و{أَوَّاهٌ} شديد التأوه على ما عليه الناس. لأنه يريد مصلحتهم، لا يريد أن يصل إلى مصالح فردية، لا يريد من وراء ذلك شيئاً. {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75)}. فلما يئس أنه لا سبيل، يعني لم يبقَ في القوم خير، قال على الأقل: {إِنَّ فِيهَا لُوطًا}. لاحظ قلقه على من؟ يعني هذه مرحلة لاحقة. لاحظ الفكر الأخلاقي، إي نعم. فقال: {لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ}. فلما اطمأن، حاول قدر الاستطاعة أن يجادل في أن يُصرف العذاب، لعله أن يكون فيه أمل. فلما لم يكن هناك فيه أمل، صار يجادل: {إِنَّ فِيهَا لُوطًا}. هذه الطريقة التي بناها أو بُني بها إبراهيم.
منهج إبراهيم الذي سار عليه العالم المتقدم
يوسف: فلما نقرأ بعد ذلك: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}. نحن نفهم الآن ما هي الطريقة. أنهم حاولوا أن يكون الصلاح في هذا المجتمع بأن طرحوا فكرة. المجتمع رفض الموضوع. أنتم أحرار، لكن لا يمكن أن، أبقى في مجتمع يعيش على هذا التشظي، وهذا التفرق، وهذا التشيع، وهذا عدم السلم وعدم الأمن. فراح لوحده ينشئ مجتمعاً ليكون نموذجاً، لعل ممن لم يستيقظ لحظة أن يستيقظ، فيرى أنه،لاحظ السلم ولاحظ الأمن. وعلى فكرة، كما قلنا، كثير من الدول التي قامت في العصور الحديثة أخذت بمبادئ إبراهيم. صحيح الأسس النظرية يمكن أن تكون غابت، لكن هي هذه قوانين وسنن ربانية عادلة. بقدر ما تأخذ…
باسم: منهاجية السلوك اليوم؟
يوسف: بقدر ما تأخذ منها تعطيك نتائجها. يعني تحقق مبدأ السلم، تحقق مبدأ الأمن. بالله عليك، كم أنتج هذا المبدأ من استقرار وقوة في الدول التي حققت هذا؟ صحيح قد يكون في السياسات الخارجية هذا لا يُطبق، لكن أنا أتكلم عن إثبات حقيقي واقعي تاريخي موجود أمامنا اليوم يثبت النتائج. طيب، تبني العالم المنهج العلمي المحايد الذي بحث فيه إبراهيم بقلب سليم، لاحظ كم التطور والانفجار المعرفي الهائل الذي وصلنا إليه. لكن لو بقينا على قضية الخرافات وقضية أن هذا الشيخ قال إن هذا حرام، الشيخ قال إن هذا حلال، كلما خرجت تقنية أو كذا، وتلفزيون وتليفون وكذا…
باسم: يسأل الشيخ: “حرام ولا حلال؟”
يوسف: بالضبط. فبقينا لا مساهمة حقيقية لنا، حقيقة، للأسف، في نشأة الحضارة اليوم. ونحن الأمة الوحيدة، حتى هذا للأسف يتركز في الجانب العربي. يعني أنا أنظر، مثلاً، إلى مثل ماليزيا، إلى غيرها من الدول، هناك تطور. لماذا؟ كأنه لابد أن نعيد التفكير. نحن لا يمكن أن نكون نسير على الملة، ملة إبراهيم عليه السلام، بهذه الطريقة والنتائج التي نراها اليوم جاثمة أمامنا.
كيف تم تحويل الدين في مجتمعنا؟
باسم: يعني دائماً نستغرب أنه كيف تم تحويل الدين إلى طقوس تشجع على الكسل والاتكال؟ بأي منطق؟ كيف وصل أن الدين صار مرمّزاً كله بشكل طقوس يومية تؤدى يقوم بها الشخص بدون أي فائدة تُذكر، لا له ولا للمجتمع؟
يوسف: إي نعم. لما جُعلت هذه جوهر الدين. لا، هي ليست فقط جوهر الدين، هي أيضًا أيضاً تُكفّر الخطايا والذنوب. يعني…
باسم: أنه انتهت، اجلس في البيت، وعدّ على العداد الصيني، و خلاص، أنت في السليم.
يوسف: وخلاص، صلِّ وصُم، واذهب إلى الحج، ومُسحت كل خطاياك، وأنت ممتاز، وأرضيت الله و أفرحت الله. ولكن في الحقيقة، لا. وأيضًا على طُرقها، ليس على طريقة. لاحظ، كل هذا على طُرق، تختلف بين السنة والشيعة، تختلف بين المذاهب. وهذا المذهب يُبطل فعل هذا، وهذا يُبطل فعل هذا. ثم لما يُحوَّل إلى الناحية الاجتماعية، إلى ماذا يتحول؟ إلى تعصب للرأي.
باسم: إلى صراع دموي؟
يوسف: إلى احتداد، إلى احتراب، إلى عدم احترام الرأي الآخر. لا يوجد أصلاً عندنا قواعد النقاش والحوار واحترام الرأي الآخر، والأدب أصلاً في التكلم مع المخالف. وبالتالي النتيجة: مجتمع متفرق. أي عدو يريد أن يبث فيه سم فرقة..
باسم: بكل سهولة.
يوسف: سهل، سهل هو، لأن الوقود موجود. يعني الآن يأتيك ناس يبثون فرقة مبنية على القبلية، يبثون فرقة مبنية على المذهبية، يبثون فرقة مبنية على الدين.
باسم: على القُطرية، على القُطرية الجغرافية، على القُطرية السياسية.
يوسف: إي نعم. يقول لك: لا، والله، هم الذين فرقونا، وهم الذين نجحوا. هو أعطاك شرارة. لو لم يكن هناك وقود، لا يمكن أن تشتعل الشرارة، تذهب في لحظتها.
لكن الوقود موجود، هو أشعل في وقود موجود. إذن هذا الوقود لابد أن ننتهي منه، ولابد أن يتطور الناس بأفكارهم ويتغيروا حتى يصبح لنا..
باسم: صار لابد من أن يتم توضيح وشرح ملة النبي إبراهيم على حقيقتها.
يوسف: إي نعم.
باسم: إنها ليست مجرد ملة، يعني، يطلق لحية ويقصر الثوب.
يوسف: ولا علاقة له بهذا.
باسم: لا، ليس علاقة بالملة. الملة هي عبارة عن بحث أكاديمي علمي حقيقي، يعني، مناقشة الحياة وكتاب الحياة وكتاب الكون. كل هذا مطلوب منك أن تعرفه حتى أنه فعلاً تدّعي أنك تكون جزءاً من ملة النبي إبراهيم، حتى تصبح أداة فاعلة في الحياة.
يوسف: وها هو القرآن، كما رأينا، نحن سعينا أن نأتي بكل قدر الاستطاعة ما قيل عن إبراهيم. طبعاً التدبر ما زال مفتوحاً، وتحويل هذا إلى مناهج يتولاها كل أصحاب علم في مجال، هذا لا نهاية له. هذه حركة بناء لا تنتهي.
أين النسك والطقوس من الدين؟
يوسف: لكن أنا أطرح مرة أخرى سؤالاً، لأن الناس يتساءلون: بالله عليكم يا إخوان، أين تجدون في كل ما ذكرنا تفاصيلَ للنُّسك أو للطقوس التي كان يفعلها إبراهيم؟ أين تجدون أعداداً لأذكار كان يذكرها إبراهيم؟ أين في كل هذه السيرة التي أثنى القرآن عليها وقال: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)}؟ لأنه الدين الذي أنزله الله لنا دين بناء مجتمعات وبناء أمم، وليس ديناً فردياً.
باسم: لإصلاح الفرد.
يوسف: أشياء فردية، بينك وبين نفسك تمسك بما يصلح نفسك. لكن في النهاية أنا يهمني الأثر الاجتماعي، وهذا هو مربط الحساب أصلاً يوم القيامة الذي سيحاسب الناس بناء عليه. ولو كانت هذه التفاصيل فعلاً جوهرية لرأينا تفاصيلها. هي إشارة واحدة: “وأرنا مناسكنا وتب علينا”، وانتهى الموضوع، لم تُفصل.
باسم: أو “قصروا أثوابكم”، كانت جاءتنا آية “قصروا أثوابكم”.
يوسف: “قصروا أثوابكم وأطيلوا لحاكم، واذكروا بعدد مئة وثلاثين وسبعة وثلاثين”، وإلى آخره.
باسم: أستغفر الله العظيم..
يوسف: كما قلنا، هي مجرد تذكير بينك وبين نفسك لنفسك بما تؤمن به وتستقر عليه. هي فقط مجرد تذكير، وهذا معروف طبعاً في علم النفس. يعني البعد اللساني فقط ليذكرك، وليس لأن تبني عليه غفران الذنوب وأن تجعله الصلب والجوهر المقصود.
باسم: يعني اتباع ملة النبي إبراهيم هي عبارة عن منهاجية حقيقية في البحث في الحياة، وتطوير الحياة، والعيش برغد الحياة، والاستمتاع بها. وعبارة عن منهاج علمي في البحث، ليس أنها مجرد لفظة.
يوسف: إي نعم. منهاج حياة.
باسم: هي منهاج حياة؟
يوسف: منهاج حياة، نعم. فكري وعلمي.
باسم: أسُس فكرية وعلمية وأُسس واضحة.
يوسف: وأخلاقي أيضاً، نعم. أبعاد ثلاثة تجد فيما ذكر عن إبراهيم عليه السلام: الفكري، والعلمي، والأخلاقي. والاجتماعي، طبعاً. ماذا بعد ذلك؟
ولذلك هنا، كان يحق لنا نحن كأمة إسلامية: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا}، أن نقف عند هذه الآية زمناً طويلاً. لأنه بما أننا لسنا أمة، متفرقون، كل متشظّون، إذن هذه الآية لو وقفنا عندها لبان الأمر أمامنا، منذ فترة ومنذ زمن طويل. لكننا لا نقف، فقط نقول: قال فلان وقال فلان، واختلفوا..
باسم: وفيه حث واضح في القرآن على اتباع ملة أبيكم إبراهيم، فيه حث واضح، ليس فيه لبس.
يوسف: صحيح، صحيح.
باسم: لا أحد فكر في ماذا تعني حالة الحث؟ لا أحد فكر ماذا تعني هذه الملة؟ ما هي الأسس التي تصبح عليها هذه الملة، أي يصبح الناس عليها؟
يوسف: هو قال: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ}، فقط {وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا}، عاد إلى فكرة الأمن، {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)}. والناس يقولون لنا: المؤمن، يعني، أنت أرجعته إلى فكرة الأمن؟ نعم، الأمن الاجتماعي الذي مستنده رب العالمين. هذا قلناه كثيراً. حتى إبراهيم في نهاية حججه، ماذا قال؟ قال: {أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا}. لأنه أنا أشكل مجتمعاً آمناً ذهب منه عصر الخوف. فكيف أخاف؟ أنا انفصلت عما تفعلون أنتم، وأسست لنواة ليس فيها خوف. ثم قال: {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ} بعد كل هذا؟ إذن ما هي رسالة إبراهيم؟ ثم قال: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}. أيضاً ركز: ما هو عكس الإيمان الذي ذكره؟ عكس الإيمان الذي ذكره خطأ تخطئه، أم سلوك، أم طول لحية، أم قصر ثوب، أم شكل لباس، إلى آخره. {وَلَمْ يَلْبِسُوا}، {أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)}. هذه الجائزة التي كان يبحث عنها، هذه الثمرة التي يريدها على المستوى الاجتماعي.
باسم: يعني الاستقرار، الأمن؟
يوسف: إي نعم. {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ}. هذا هو.
لماذا بشّر الله إبراهيم بالأنبياء من ذريته؟
يوسف: وتشير الآيات، طبعاً، إلى أن المجتمع، ما معنى أن الله بشره بعد ذلك بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب؟ وجعل النبوة في نسله. الأمر واضح، هي سنة، سنة يا جماعة. المجتمع متى ما كان فيه أكبر قدر من الصلاح، صار مجتمعاً صالحاً كالذي أنشأه إبراهيم عليه السلام. الجيل القادم قطعاً سيكون جيلاً ممتازاً.
باسم: سيرث نفس الأسس؟
يوسف: هكذا نفهم البشرى التي جاءت لإبراهيم.
باسم: سيرث نفس الأسس، ملة النبي إبراهيم؟
يوسف: إي نعم. هذا هو معنى البشرى، وهذا معنى امتداد النبوة بعد إبراهيم عليه السلام. {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}، والبيت الذي جعله إبراهيم للطائفين والعاكفين والركع السجود. هكذا تُفهم في هذه السياقات، لا أن تحول إلى أحجار، وتحول إلى طقوس، وتحول إلى كلمات وأعداد.
باسم: يظل السؤال قائماً: كيف تمكن الناس من تحويل طريقة بحث كاملة، ولها شروط وميكانيزم خاص بها، إلى مجرد طقوس تُمارس هنا وهناك، لا تغني ولا تسمن من جوع؟
يوسف: هو سؤال مطروح. من عنده الجواب يدخله من خلال الآيات إذا استطاع، الموجودة في القرآن عن إبراهيم عليه السلام.
توصيف ملة اليهود وملة النصارى
باسم: الآن ننتقل إلى موضوع آخر. هناك توصيف له علاقة باليهود والنصارى بأنهما ملتان. نحن تحدثنا أن هناك ملة إبراهيم، وهناك ملة اليهود، وهناك ملة النصارى. هل هذه الملل بنفس السلة؟ هل هذه الملل بنفس المستوى؟ لماذا شجّع القرآن الناس على اتباع ملة إبراهيم ولم يشجع الناس على اتباع ملة اليهود أو ملة النصارى؟ وهل هنا نقصد اليهود بالتعبير السياسي الدارج حالياً عند مجموعة من الناس، أنهم مجموعة عرقية محددة سواء تعيش في أوروبا أو بين ظهرانينا؟ هل هم جزء من بني إسرائيل؟ هل هم بنو إسرائيل؟ هل النصارى هي المسيحية؟ هل المسيحية هي النصارى؟ يعني فيه خلط. هل حالياً موجود، إنه متعارف عليه بين الناس، أنه يوجد الديانة اليهودية، يوجد الديانة المسيحية، يوجد الديانة الإسلامية؟ هذه الخلطة، كيف يعالجها النص القرآني انطلاقاً من تشجيع النص القرآني وحث النص القرآني الناس على اتباع ملة إبراهيم وعدم الحث على اتباع ملة اليهود أو ملة النصارى؟
يوسف: نعم، في الحقيقة النص القرآني الذي نعرف أن الله عز وجل قال عنه إنه تفصيل لكل شيء، لا نجد فيه تعريفاً مباشراً. لأنه ليست هذه طريقة القرآن أصلاً. هي طريقة البناء الفكرة في الدماغ، بناءً تماماً كما هو كل شيء في الكون. عندما تعطي أحداً شيئاً جاهزاً، في الحقيقة أفقدته معظم قيمته. أما إذا سار معه بخطوات البناء، هنا تترسخ المعلومة وتحدث القيمة المطلوبة. فكلمة يهود أو كلمة نصارى ليس لها تعريف. وطبعاً من الخطأ أيضاً أن نسقطها على أن الناس تأخذ.. يوجد ناس تسمي نفسها حزب الله، وفيه ناس تسمي نفسها لا أعرف، أسماء.
باسم: نعم.
يوسف: هل نسقط ما ورد في القرآن، مثلاً، عن هذه الكلمات؟
باسم: يعني حزب الله على أساس حزب الله اللبناني؟
يوسف: أروح أسقط ما ورد عن حزب الله في القرآن على حزب الله مثلاً، الموجود هذا خطأ. وكذلك نفس الفكرة، ليس كل من سماه الناس اليوم يهودياً أو حتى سماه أبوه، أو هو يسمي نفسه ولا يدري.
باسم: هو المقصود بهذا النص.
يوسف: إي نعم. إنه يهودي أو نصراني. حتى تفهم من هو اليهودي الذي يتحدث عنه القرآن ومن هو النصراني، لا بد أن تسير مع تتبع الآيات القرآنية كما هي المنهجية التي نتتبعها، ونلاحظ الصفات والسلوكيات التي ربطت الآيات فيها اليهود والنصارى. ونحذر من قضية إسقاط المصطلحات هذه.
من أين تولد مصطلح اليهود والنصرانية في القرآن؟
يوسف: الآن هناك سياقات كثيرة تتحدث عن اليهود وتربط بهم صفات، هم والنصارى مع بعضهم. يعني اليهود والنصارى. لكن قبل هذا، المصطلح لسانياً من أين تولد؟ لما نتتبع نحن، آيات القرآن الكريم، فنبحث في الجذر. هي كلمة “يهود” تعود إلى كلمة “هاد” “يهود” “هوداً”، و”الهود” معناه العودة. هذا معنى، يعني قريبة من كلمة “عاد”، كلمة “هاد”، لأنها جاءت في سياق حديث موسى: لما {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ}. وقال: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ}. قال: {إِنَّا هُدْنَا}، يعني رجعنا إليك، فـ{قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}. لهذا بدأ هنا يظهر هذا المصطلح في القرآن الكريم. فعندما ظهرت كلمة “الَّذِينَ هَادُوا”، وظهرت كلمة “الْيَهُودُ”، لكن إضافة الياء إلى كلمة “اليهود”، أو أحياناً تأتي على شكل تنوين في آخر الكلمة “هوداً”، هذه الإضافة تشير إلى أنه فقدت الكلمة معناها، وتحولت إلى حيز معين محصور على فئة منغلقة على ذاتها. يعني لم تأتِ الإضافة في بداية الكلمة. لما أضفت ياء في بداية الكلمة، أو أضاف النص ياء في بداية الكلمة، كأنه معناها أنهم أخذوا الاسم، ولكن فقد الاسم جوهره. هذا معناه، لأن كلمة “ياء” تشير إلى حالة من التحول. لاحظ الكلمات التي تبدأ بياء في اللسان العربي قليلة جداً، مثل “يَئِسَ”، وهي حالة تشير إلى نهاية الأمل، و”ينع”، وهي حالة تشير إلى الانتقال من حالة الشجرة في الخريف إلى بدايته، و”يَبِس” أيضاً. إذن هم كانت البداية أنهم هادوا، معناها عادوا مع موسى بعد ما فعلوه من أفعال. لكن أضيفت الياء، فكأنها حولت هذه العودة إلى فكرة محصورة، منغلقة زمانياً ومكانياً على فئة معينة. سيذكر لك القرآن بعد ذلك ما هي صفاتهم.
باسم: يعني هي عبارة عن توصيف سلوكي وليس توصيفاً لمجموعة بشرية محددة؟
يوسف: لا، لا. ليست مجموعة، وليست مرتبطة بعرق. هي في كثير من الآيات تربط ببني إسرائيل، وهذا سنذكره لما نتحدث عن التفاصيل المتعلقة ببني إسرائيل لماذا. لكن حتى بني إسرائيل أصلاً القرآن يعالج الفكرة كعلاج سلوكي. لكن لماذا ينسبهم لإسرائيل؟ له جوابه في مكانه. كما ينسب على كل حال بني آدم لآدم. يعني هذه ليست قصة طويلة. الفكرة أن كلمة “النصارى”. طيب، الآن “النصارى”، هل ورد مفردها لأنه جمع؟ يعني إذا أردت أن أضع له مفردًا، هل أقول ناصر، أم نصير، أم نصار، أم نصراني؟ القرآن قال لك: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا}..
باسم: {وَلَا نَصْرَانِيًّا}.
يوسف: {وَلَا نَصْرَانِيًّا}. نعم. يعني إذن المفرد “نصراني”. الآن “نَصَر” في اللسان العربي معروف “النصر”: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ}. طيب، لكن المشكلة ماذا؟ إضافة الألف والنون إلى الكلمة تشير إلى التعمق والزيادة عن الحد في الكلمة.
باسم: نعم، صح. جاع، جوعان، عطشان.
يوسف: نعم. جاع جوعان. وعطش عطشان.
باسم: نعسان.
يوسف: وغضب غضبان. ونعسان، وفرحان، ويأسان. إذن التشبع بالصفة زيادة عن الحد العادي. هنا التشبع بالنصر معناها هذه، لأن فكرة النصرانية، لما نتتبع الآيات القرآنية، سنلاحظ أن أصلها قائم على زيادة النصر. لأن النصر، أنت تنصر مبدأً في النهاية، وليس شخصاً. فمتى ما بدأت تزيد عن الحد، تتحول الفكرة إلى التشخيص، والتصنيم، والتمثيل. فلذلك وصلت فكرة النصرانية إلى أن تجعل عيسى ولداً لله، بمعنى أنه يؤخذ عنه كما يؤخذ عن الله، ويغفر ذنوباً كما يغفر الله. وطبعاً عيسى لا علاقة له. الوسطاء الدخلاء الذين بين الناس وبين عيسى يزعمون طبعاً هم من يفعلون هذا. وعيسى لا. نقول طبعاً إن عيسى.. هذا في عالم المسلمين كثير جداً من يقول لك: أنا ناصر مثلاً للنبي، ومعزر للولي الفلاني، وللصاحب الفلاني، ويرتفع بهذه الدرجة إلى أن يكون نصرانياً له. فيجعله هذا التشبع الزائد بالنصر يغلو في التدين، فيخرج عن المسار المطلوب. فهذه الفكرة الجامعة، أو التحليل اللساني للكلمتين.
باسم: يعني لما الحواريين قالوا: “نحن أنصارك إلى الله”.
يوسف: إي نعم. الآن هذه فكرة مختلفة.
باسم: مختلفة؟
يوسف: أنصار، مفردها ناصر، أو أقصاها نصير. يعني ينصرك في الحق، لا يتجاوز ما هو مطلوب.
باسم: أما نصراني تجاوز.
يوسف: إي نعم. النصراني تجاوز الحد في النصرة، فوصل إلى موضوع الغلو.
باسم: يعني على وزن فعلاني؟
يوسف: فعلاني، نعم. فعلاني يعني الألف والنون تشير إلى التشبع الزائد، والياء تشير إلى شدة الانتساب. فالمبالغة في عملية النصر بحيث تخرج عن جوهرها هي ما ولدت لنا كلمة نصراني. وتولد، كما قلنا، ما يشبهها في المذاهب الإسلامية.
الصفات المشتركة بين اليهود والنصارى
يوسف: الآن هناك صفات مشتركة يشير إليها القرآن بين اليهود والنصارى.
باسم: وأنا أعيد للتذكير أن اليهود والنصارى ليس المقصود بهم المجموعات السياسية، أو يعني هذه لا يتم إسقاطها على ما هو موجود حالياً، لا..
يوسف: ليس تصنيف الأحوال المدنية، ولا حتى تصنيف المسلمين ومثلاً..
باسم: هذه لفظة قرآنية نحاول فهمها لسانياً ومدلولها اللساني في القرآن.
يوسف: إي نعم، هذا هو. يعني النصراني باختصار هو كل إنسان نصر شخصاً أو شيئاً. فكما قلنا، يعني صار يبحث في… لأنه بعض الناس، حتى قلت هذه الفكرة، يبحث في الصفات الجسدية مثلاً للأنبياء أو للرسول عليه الصلاة والسلام. ما الثمرة؟ ما هي الثمرة؟ ألهذا بُعث النبي؟ يعني الصفات الجسدية؟
باسم: يعني ممكن تسميه محمداني؟
يوسف: كتب، كتب أُلفت في هذا. ها، ممكن تسميه، أو هو نصراني بتعبير القرآن.
باسم: نعم، هو نفس التعبير، صح؟
يوسف: إي نعم. أنت الآن بدأت تخرج. ذهبت إلى شيء خارج نطاق الرسالة وخارج الهدف. ما هو الهدف؟ يعني ثم بعد ذلك أدخلوا طبعاً في هذا كثيراً من الخرافات التي الناس تظنها حقائق، ولكن هي لا دخل لها بالرسالة، والرسول عليه الصلاة والسلام بريء منها أصلاً. لأنه أنت وصلت إلى فكرة النصرانية حقيقة في هذا الاتباع. وطبعاً لما تصل إلى هذا، للأسف، الزيادة هذه تعود على الجوهر بالإبطال. كما أن زيادة الياء، كما قلنا في اليهود، حولت الموضوع من عودة إلى الله، إلى انغلاق، وتحول على الذات، وانعزال عن العالم، واحتقار للشعوب الأخرى، كما سيظهر في الآيات. طيب، في أول نص نجده في القرآن الكريم: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}. نعم، طيب. فكرة طبيعية الآن. من كان يهودياً أو كان نصرانياً. النصراني من جهة التقديس، يعني وصل لما يمكن أن نسميه مجازاً، يعني بالاصطلاح الدارج، “تقديس” لما يتعلق به، لعالم، لشيخ، لداعٍ، إلى آخره. فسيزعم في الأخير أن هذا تقديسه صحيح، وطريق الجنة. فإن لم تفعل هذا، أنت في النار. وإن شككت ونزلت من المساحة، أنت في النار. ومن تهود فصار يهودياً، انغلق وانطوى على ذاته، وترك حالة الرجوع والتفكير والإنابة. أيضاً سيزعم أن هذا الانطواء الذي هو فيه يجعله هو الأفضل، والباقي في النار طبعاً. ولذلك هذه الفكرة ينبني عليها استحلال الدماء، واستحلال الأموال. يعني لما تذكر الحروب الصليبية، شُبع من أسسها بفكرة مثل هذه. لما تذكر مثلاً الحركة الصهيونية شُبع من أسسها بفكرة مثل هذه. ما الذي ولد استحلال دماء أطفال؟
باسم: ويمكن إسقاطها على أي مجموعة من هذه النوعية؟
يوسف: ويمكن إسقاطها على كل من يفعل هذا. أنا أقول لك، حتى الجماعات الإرهابية..
باسم: حتى الأحزاب السياسية الإسلامية وما يسمى بالإسلام السياسي..
يوسف: طبعاً، طبعاً. في تاريخ الإسلام، الجماعات الإرهابية التي زعمت أنها هي طريق الجنة، ومن يخالفها في طريق النار. ألم تفعل هذا وتستبيح الدماء، وتقطع الرقاب، وتفعل أفعالاً؟
باسم: أنا في رأيي الموضوع بحاجة… يعني نبدأه من البداية. يعني يحتاج لوقت.
يوسف: تتبع الآيات، إي نعم.
باسم: دائماً الوقت يسرقنا. ونكمل في حلقة جديدة حول توصيف اليهود والنصارى بأنهما ملتان في القرآن. ومن ثم ننطلق في توسيع وإلقاء مزيد من الضوء على هذين اللفظين القرآنيين. دكتور يوسف، شكراً لك. شكراً لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”.