Skip to content Skip to footer

مظاهر الانحراف عن الدين في القرآن | د. يوسف أبو عواد

ما أسباب الانحراف عن الدين؟

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”، وكالعادة مع الدكتور يوسف أبو عواد، دكتور، أهلًا بك.

يوسف: أهلًا وسهلًا.

باسم: في الحلقة السابقة، تحدثنا عن مفهوم الدين والإسلام وبعض التطبيقات حول هذا الفهم. أحب أن نغوص أكثر في عمق المفهوم وتطبيقاته حول موضوع الانحرافات التي وقعت أو تقع على الدين. بمعنى، طالما تبين لدينا المفهوم اللساني للدين والتطبيقات التي وضحت ماذا يقصد قرآنيًا بهذا الفهم، أو حتى على مستوى حياتنا الاجتماعية، إذن، الانحرافات التي تقع في السلوك البشري عن هذا الدين، ما أسبابها وما هي تداعياتها على الحياة المجتمعية للبشر؟

يوسف: نعم، في الحقيقة، إذا تتبعنا النص القرآني نجد أنه أحيانًا يربط بين عبادة الله أو عبادة غير الله والانحراف عن الدين. ولابد هنا من التكامل في الأفكار التي طرحناها أو بيان المفاهيم، لأن عبادة الله التي شرحناها وتتبعنا فيها قصص الأنبياء كانت كلها تتعلق بالحياة وفق السنن، سنن الله في الكون، كما رأينا في قصص نوح وهود وصالح وشعيب. فلما نجد على لسان نبي الله يوسف يخاطب صاحبي السجن فيقول: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}. ثم يقول: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}. إذن، عندما تجعل لنفسك معبودًا، تتبعه وتسير وراءه من دون الله، فهذا بلا شك سيعطي نتيجة حتمية أنك ستنحرف عن نظام الجزاء، أن تفهم كيف يؤدي كل فعل إلى جزائه، لأنك أدخلت وسطاء بينك وبين الله، وهؤلاء الوسطاء مهما كانوا، فإنهم في الحقيقة خلق مخلوقون. فالرابط إذن أن الاتباع، سواء. والاتباع طبعًا لا يبدأ لأحجار ولا لأصنام ولا لكواكب ولا لنجوم، كل المصنوعات التي صنعها البشر عبر التاريخ، وجعلوا لها هالة، هي ترجع لأن ترتبط ببشر آخر في الحقيقة، هذا البشر الآخر يريد أن يحتل مكانة الله بينك وبين الله، فيصطنع منهجًا معينًا وخرافات معينة وخزعبلات، ثم يطلب منك اتباعها، ويقول لك: “إذا فعلت كذا، ستكون النتيجة كذا”. وما أكثر المخرفين والذين يؤسسون لخزعبلات، وتسير وراءهم أقوام وعدد كبير جدًا من البشر، يقول له: “إذا فعلت التصرف الفلاني، سينتج عنه الفعل الفلاني”. فتجد أن الإنسان، مثلًا، إما أن يعيش في عقدة الذنب أو عقدة الأمل الزائف في الحقيقة، لأنه لم يفهم السنن وقانون الجزاء من الكون من الله مباشرة، وإنما دخل الوسطاء على هذا الخط، فأدى إلى مفهوم الانحراف عن الدين الأصلي. فهذا هو الربط بين عبادة غير الله وبين الانحراف عن دين الله.

 

ما المقصود بالالتزام بالسنن؟

باسم: أستفسر هنا شيئًا، ربما يعني مشاهد أو شخص يتساءل: ما المقصود بالالتزام بالسنن؟ يعني، تقول لأي إنسان عادي، تقوله: “لازم حتى تعبد الله، لازم أن تلتزم بالسنن الكونية”. ما هي هذه السنن؟ أو كيف يمكن تبسيط فهم السنن للشخص العادي ليشعر أنه فعلًا هو يعبد الله من خلال تطبيق هذه السنن؟ مثلًا، هناك شعار يقول: “يُعبد الله بالأسواق”، بمعنى بالمعاملات التجارية التي يقيمها الناس، في الأسواق تتبدى فيها فعلًا عبادة الله، سواء من الصدق أو الغش أو الكذب أو إلى آخره، أو تقديم بضاعات مغشوشة للناس. يتبين في هذا البعد. هل هذا جزء من السنن، مثلًا؟

يوسف: السنن تنسحب على كل أبعاد الحياة، لأن الله سبحانه وتعالى قال: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}. ومعنى هذا أن النظر في آفاق الكون، في الفيزياء، وفي الأحياء، وفي الكيمياء، وفي علم النفس، وفي علم الاجتماع. يعني، مثلًا، الأسواق هذه قد تخضع لقوانين الاجتماع وقوانين التجارة. المطلوب ليفهم الإنسان السنن، لا يدخل الدراسات الحيادية لجميع العلوم التي لا يدخل فيها تصرف الدخلاء من التجار، والذين يريدون أن يحققوا مصالحهم الفردية على حساب فهم الحقيقة للمجتمع. هذا هو ما يوصل إلى السنن. إذا أردت أن تفهم كيف، مثلًا، تسير التجارة، كيف يسير نظام السوق، هناك دراسات كثيرة تعطيك قوانين تجارية، التصرف أو السلوك الفلاني الاحتكار، مثلًا، ما هي نهايته؟ قد يعطيك نقودًا في بداية الأمر، لكن ما هي نهاية الاحتكار؟ دراسة القوانين من خلال تجارب البشر السابقة، وكل مختص في علمه بطريقة محايدة، وليس وراءها أغراض، يعني ليست دراسات مغرضة، هدفها الوحيد الوصول إلى الحقائق. هذا هو ما يجعل الإنسان يصل إلى السنن. وأنا أقولها طبعًا، وأركز على هذا تركيزًا مهمًا: ليس هناك شيء اسمه شيخ أو إنسان عالم أو متخصص في الدين أو حتى في اللغة، يملك مفاتيح العلوم، فيتكلم ويعطي الناس معايير لكل ما يتعلق بحياتهم، كيف يفهم الفيزياء، كيف يفهم الكيمياء، كيف يفهم الأحياء، كيف يفهم التجارة، كيف يفهم السوق، علم الاجتماع، علم النفس. هذه الأمور لابد أن تُعاد إلى أصحابها الأصليين، والبحث عن المحايدين منهم، وجمع أكبر قدر من الدراسات، وتشكيل القوانين العظمى التي بنى الله عليها نظام الكون، ليس فقط في البناء الذي هو الفيزياء والكيمياء والأحياء، ولكن حتى كما فعل ابن خلدون وغيره في التاريخ وفي التجارة، كما فعل كثير ممن كتبوا كتبًا في هذا. هكذا يفهم الله، وهكذا تُدرك السنن، وهكذا نقضي على الدخلاء وأصحاب المصالح الفردية الذين يريدون أن يعبدوا من دون الله.

باسم: أو الذين يجيرون الدراسات لصالح…

يوسف: هذا نظام التحريف، طبعًا، الذي مارسه اليهود أو فئات من بني إسرائيل. هذا طبعًا أسوأ، إي نعم، لأنه يجير الشيء لمصلحته باسم أن هذا هو الذي فعله الله أو قاله الله أو أشار إليه الله من خلال الكون.

باسم: يعني تحريف الكلم عن مواضعه، أو من بعد مواضعه. هل له علاقة، مثلًا، بممارسات؟ يعني نطرح بحثاً أكاديميًا، هو في الواقع تجييري لهدف مختلف عن الهدف الذي أنشئ لأجله؟

يوسف: إي نعم، هو يا دكتور قضية، أصلًا، تحريف الكلم عن مواضعه ومن بعد مواضعه، وسائر التصرفات التي يذكرها القرآن عن بني إسرائيل هي ما سننتقل له أصلًا في البحث بعد مفهوم الدين. يعني، عندما نذهب إلى الملة ونناقش الملل التي ظهرت، ولماذا هناك آيات كثيرة جدًا تتحدث عن بني إسرائيل في القرآن، هو مرتبط ارتباطاً عضويًا وموضوعيًا بما نتكلم عنه، ولذلك يعرضه القرآن بتفصيل. فطبعًا، هذا له مكانه، وهي أفكار تبنى شيئًا فشيئًا حتى يكون لها أثر كبير بعد ذلك في الحياة.

 

ما بين السنن والقيم

باسم: يظل عندي استفسار آخر، الذي هو: هل هناك تبادلية ما بين السنن والقيم؟ هل القيم هي نتاج فهم، فعالية وتطبيق السنن، أم أن القيم هي تحرك السلوك نحو الالتزام بالسنن؟ مسألة القيم، هل هي استنتاج بشري، مثلًا، أم هل هي فيها نصوص تحرض على هذه القيم أو تحض على القيم؟

يوسف: القيم، هذه مسألة في الحقيقة، بالأصل أن المختص فيها علماء النفس وعلماء الأعصاب، لكن وفق حدود ما أعرفه من النص القرآني، أرى أن القيم مغروسة في فطرة الإنسان أصلًا، في طبيعته الأصلية. القيم، الأخلاق السامية مغروسة في خلق الإنسان وفطرته، كغرس قيمة الجمال، الجمال، مثلًا، قيمة لا يمكن أن تفهم عند الكائنات الأخرى، ولكنها مفهومة عند الإنسان. والأخلاق كذلك، قيمة لا يمكن أن تفهم عند الكائنات الأخرى، ولكنها مفهومة عند الإنسان. لكن هل جرّب البشر مراحل تاريخية في حياتهم لم يكن فيها قيم ورأوا انعكاساتها، ثم استنتجوا بعودة الفهم في آيات الآفاق وفي أنفسهم، كما قالت الآية الكريمة: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ}؟ بعد تجارب طويلة تم التخلي عنها، وهناك طبعًا فلسفات تطرح فكرة أن القيم لو تخلينا عن الأخلاق، لو تخلينا عن القيم، نظام الأسرة، لماذا يجب أن يكون؟ لنجرّب أن يكون، مثلًا، هناك عشوائية في العلاقات بين الذكر والأنثى. هناك فلسفات طُرحت كثيرة في هذا المجال، وسعى أصحابها أصلًا أن تصبح تطبيقًا عمليًا، وقد صارت في بعض الرقعات الجغرافية أو المراحل التاريخية. لكن النتائج هذا حتى يظهر للعالم بطريقة مقنعة، لابد من جمع الدراسات التي تشير: عندما طبق هذا الأمر، عندما تخلينا عن الأخلاق، عن القيم، مثلًا، ركنا فقط إلى المادية، أو ركنا ممكن إلى فكرة القانون وحدها، ما النتائج التي كانت موجودة؟ وأحيانًا يكون هناك أفلام تشير إلى خيال طبعًا، إلى أنه أحيانًا خيال كاتب الفيلم أو السيناريو. كثيرًا ما رأينا أنه تحول إلى وقائع. فهذا المخيال الفني الذي يوجد أحيانًا في كثير من الأفلام، ويظهر فيها بعض النتائج التي يُتنبأ بها، لو تخلينا، مثلًا، عن فكرة الأخلاق، كيف ستكون انعكاسات هذا الأمر على المجتمع؟ فهي في الحقيقة موضوع فطري، وهو أيضاً بالتجارب العملية ثبت أن جزاء التخلي عن الأخلاق، انهيار على مستوى البشرية أجمعها، على مستوى المجتمع الذي يتخلى عن الأخلاق. وما هو البديل للأخلاق؟

 

مفهوم القيم والقوم لسانيا

باسم: هل مفهوم القيم لسانيًا وارد أو صادر أو ناتج عن تقييم للنفس، مثلًا؟ هل وجود القيم في النفس أو في الفطرة هي أدوات لتقييم هذه النفس وتقييم سلوكها اليومي، مثلًا؟

يوسف: كلمة قيمة لسانيًا، التي تعود إلى الأصل “قوم”، أنا بحثت فيها، طبعًا، وما وجدته فيها أنها تشير إلى أقصر طريق توصل إلى القمة. ومن أهم ما فُطر عليه البشر، ومن أهم الأهداف التي ترى أنها غريزة فيك، أنك تسعى إلى التطور. كلما ارتقيت، تسعى إلى أن تصل إلى ما هو أعلى. طبعًا كلمة قيمة، الواو فيها حولت إلى ياء، هذا مهم، يعني، هي أصلها واو “قوم”، فحولت إلى ياء. الخط المستقيم هو أصغر مسافة تصل بين نقطتين. لكن سنجد، مثلًا، فكرة الحنيفية في عهد إبراهيم عليه السلام، لم يكن هناك طريقة للوصول بشكل مستقيم مساوق للمجتمع للوصول نحو التطور. فاضطر إلى أن يستخدم الحنف حتى يصل إلى القمة، معناها الالتفاف عما تعود عليه المجتمع. فإذن، القيمة التي ترجع إلى القوم هي سلوك أقصر طريق يوصل إلى قمة التطور التي يمكن الوصول إليها في وقت من الأوقات. ثم أُخذ منها فكرة أنه قوّم سلوكه، معناها أعاد النظر: هل الطريق الذي سلكه كان هو الأقصر والأخصر للوصول إلى ما يريد، أم أن هناك خللًا وعيوبًا ظهرت، فتحتاج إلى تقويم، معناه التعديل للوصول نحو الطريق الصحيح؟

باسم: هل يُفهم من هذا الفهم أن معنى قوم الجماعة البشرية التي تتماثل في السلوك، مثلًا؟

يوسف: نعم، القوم لم تقم لهم قائمة، ولم يصبحوا قومًا مستقرين ولهم شأن واستقرار جغرافي واجتماعي، ثم لهم بالتالي وجود تاريخي وتأثير في مسيرة البشرية، إلا لأنهم وصلوا إلى طريق تجعلهم قومًا. وإلا لم يكونوا قومًا، فلم تقم لهم قائمة، ولا تشكلوا أصلًا، كانوا مجرد، يعني، مثلًا، شراذم بشرية هكذا متصارعة ومتقاتلة. فلا يقوم القوم إلا عندما يصلوا إلى القوانين الاجتماعية ويفهموا السنن الاجتماعية الموجودة أصلًا في فطرة الله وخلقه الأول، التي تجعل منهم قومًا تقوم لهم قائمة.

 

ما معنى مفهوم الغلو في الدين؟

طبعًا، هناك أيضاً من مظاهر الانحراف التي أدت إلى الانحراف عن الدين، فكرة الغلو، وهذه فكرة مهمة نجدها، مثلًا، في قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ}. وفي آية أخرى: {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ}. فكرة الغلو، التحليل اللساني لكلمة الغلو هي ترجع أيضاً إلى الأصل “غلا” أو “الغلو”، والمعروف فكرة الغليان، معناها أن تخرج عن حدودك بطريقة انفجارية وطريقة عشوائية ليس فيها انضباط. حتى وإن كان أصل الفكرة، أنت إذا أردت أن تسخن الماء، فيصل إلى درجة معينة، هذا الأمر ليس خطأ. لكن إذا بدأ الماء يغلي، وتركته يغلي، ستبدأ فقاعات الماء تخرج بطريقة عشوائية، ربما يكون فيها أذى. الآن، الدين كفكرة، أن تفهم قانون الجزاء وأن تربطه بالله فكرة صحيحة، لكن يمكن أن يتعمق بعض الناس في هذه الفكرة، فيتولد عنها أشياء عشوائية وأشياء غير صحيحة. لذلك لاحظ قال: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ}. إذن، هي فكرة بسيطة، هو كلمة من الله وروح من الله، لكنه ليس ابنًا لله. لما عمق الفكرة في فكرة عيسى عليه السلام، تولد عن هذا أن عيسى ابن الله. المشكلة الآن، ما هي نتيجة هذا الغلو في التعاطي مع فكرة دينية؟ نتيجته أن عيسى، عيسى، رفع. لما يتكلم باسم عيسى، ماذا سيفعل؟ سيكون عنده صلاحية أنه أنا متواصل مع عيسى، وبالتالي سيكون عنده صلاحية أن يحل وسيطاً بين الناس وبين الله، فيقول على لسان عيسى، الذي هو ابن الله، ما ليس من كلام الله، فيؤدي بعد ذلك إلى…

باسم: إلى الغلو.

يوسف: إلى الفوضى والعشوائية والخروج عن نظام الدين الصحيح الذي أراده الله.

باسم: يعني، هذه الآية تقول: {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}، لا تسقطوا الألوهية، مثلًا، على النبي عيسى، مثلًا، هل المقصود به؟

يوسف: هذا تطبيقها في هذه الآية، إنه زيادة، كأنك غليت الدين، فأخرجته عن طبيعته. يعني الفكرة التي بدأت فيها فكرة صحيحة أن عيسى ليس له أب وأنه خُلق بكلمة، لكن غلوت بالفكرة، أخرجتها عن حدها الأصلي، فقلت إنه لا يمكن أن يكون بديلًا إلا أن يكون عيسى ولدًا. يعني، حتى ليس مصطلح ابن، ولدًا لله. طيب، ما معنى أن يكون عيسى ولدًا لله؟ أصبح عندك مصدر ثانٍ لفهم قوانين الجزاء الموجودة في الكون. طيب، هذا المصدر، هل تكلم بشيء؟ لا، المشكلة أنه تكلم على لسانه من يدعي التواصل المباشر به، وغفر الذنوب، وأصدر صكوك الغفران. وهذا، على فكرة، عندنا على مستوى المسلمين مثله. هذا كثير من يدعي الاتصال المباشر والعلم اللدني، ليقول لك: “أنا عندي علم لدني”، فأتلقى العلم من الله مباشرة، وبالتالي يضع للناس من القواعد ما يحرفهم عن فكرة الدين الأصلية. وهذا ليس فقط، على فكرة، في جماعات تُسمى جماعات متصوفة، هذا أصلًا سر تولد الجماعات الإرهابية، تقديس الشيخ، تقديس الزعيم، الأخذ بكلامه، أو كلام حتى بعض الفقهاء القديمين كأنه شيء منزل، مع أن هذا الكلام الذي صدر عن بعض الفقهاء يمكن أن نسميه غلوًا، لأنه هو غلا في فكرة هي في الأصل فكرة دينية، لكن غلاها فخرج بها إلى الفوضى، إلى العشوائية، ثم أصبح الأتباع يسيرون وراءه في هذه الفكرة، تمامًا كما حصل مع أهل الكتاب في الفكرة التي تشرحها هذه الآية.

باسم: فعلًا، قد يكون ذلك على فكرة تفسيرًا دقيقًا لكيفية نشوء هذه (التبديات للإسلام) على شكل مجموعات فعلًا تعيش على الدم، مثلًا، تعيش على القتل أو تعيش على الغلو في السلوك.

يوسف: إي نعم، هو يأخذ فكرة، فبعد ذلك يغلو بها. ولابد دائمًا أن يدخل وسيطٌ بين الله وبين صاحب الفكرة، وإلا لن يحصل الغلو. لابد أن يسند الأمر إلى وسيط وتُعطل الوسائل المعرفية التي ينبغي للإنسان أن يراجع فيها الأفكار، فيقوّمها ويقيّمها. لأن الناس يقرأون هذه الآيات فيسقطها مثلًا على من يعرفهم من المسيحيين، وهذا الإسقاط السيء..

باسم: الميكانيكي..

يوسف: المبتذل الذي يخرج الآية عن فكرتها. هي تتحدث عن سلوك، المسميات هذه على فكرة التي يستخدمها الناس، لا قيمة لها. القيمة في القرآن دائمًا، القرآن يتحدث عن السلوك ويتكلم عن سلوك. حتى عندما يعطي أحكامًا، لا يعطي أحكامًا لمفاهيم مجردة، إنما يعطي أحكامًا لسلوكيات دائمًا. هذا السلوك يترتب عليه كذا. وهذا ما نقوله، فكرة التصنيف والانشغال أن تصنف أن هذا اسمه مسلم وهذا اسمه كافر، ثم تبني عليه أحكامًا، هذا من أسوأ ما ظهر فيه عبر التاريخ، وهو أصلًا من أفكار الغلو في الدين. وتقسيم حتى كان يقسم، كان يقول لك: دار الإسلام ودار الكفر. هذا شيء موجود في الفقه، ترتب عليه، عند بعض الناس الذين يعيشون مثلًا اليوم في أوروبا أو أمريكا أو كندا أو غيرها من الدول، أنه يقول لك: هذه دار الكفر، فاستحلوا دماء الناس ويسرقون مثلًا بطاقات الفيزا بسبب ماذا؟ والله هذا حلال الدم وهذا…

باسم: أنا أعرف ناسًا شيوخًا في لندن فعلًا كان يحلل للناس سرقة المحلات تحت شعار أن هذه دار كفر، وهو يدرك أن السرقة حرام.

يوسف: إي نعم، هذه الفكرة موجودة في الفقه التراثي، نعم، موجودة، للأسف، هي موجودة في كثير من كتب الفقه.

باسم: هي موجودة في التلمود.

يوسف: لكن أين هي في القرآن؟ القرآن يتحدث عن سلوكات، ولا يمكن أن تتحول هذه الفكرة إلى سلوك فيه غلو، إلا إذا كرسنا فكرة التقليد التي كانت موجودة، والتي كل ما نسعى إليه أصلًا أن نعود إلى النص، نأخذ المعلومات من النص القرآني نفسه مباشرة، ونلغي فكرة القدسية. وحتى ما نطرحه نحن من رؤية أو من قراءة، نحن لا نطلب من الناس أصلًا أن يقدسوا ما نقول، إنما نسعى أن يتملك الناس الآلية والأدوات التي يستطيعون أصلًا أن يحاكموا فيها أقوالنا، ويتأكدوا أنها مرتبطة ارتباطاً وثيقًا بالنص أو ليست مرتبطة. لأن كلامنا أيضاً ليس المقصود منه التقديس، نحن نكسب الآلية قدر الاستطاعة للناس ليعودوا إلى النص فيفهموه.

باسم: كلام جميل.

 

ما مفهوم الارتداد عن الدين؟

يوسف: أيضاً من السلوكيات التي أدت إلى الانحراف، الارتداد عن الدين.

باسم: يعني، أنا كان بودي أن أستفسر، كنت أسأل نفس السؤال، يعني كيف يحدث ارتداد الناس عن الدين؟ يعني كيف يرتد الإنسان عن الدين، وخاصة إذا كان الدين جزءاً من الفطرة أو جزءاً من السلوك المتعود عليه الإنسان؟ معناه يصبح مجرمًا، من يرتد عن الدين بالتأكيد سيكون مجرمًا، لأنه ارتد عن الأساسيات أو السلوكيات الضابطة للسلوك الفردي في المجتمع والمجتمع نفسه.

يوسف: إي نعم، والله أعجبتني طريقة طرح السؤال، لأن فكرة الارتداد عن الدين، إذا يعني الآن لو حتى عملت بحث في جوجل أو أي بحث آخر أو سألت الناس، فكرة الارتداد عن الدين معناها أن يعلن الإنسان أنه غير معتقدًا إلى معتقد آخر، مثلًا، يقول لك: هذا ارتداد عن الدين. وبعد ذلك ربطوا بها فكرة أن المرتد يقتل أم لا يقتل، وقصة أحدثت من الضوضاء والإساءة للإسلام قدرًا كبيرًا جدًا في العالم. لكن لما نفهم الدين بالطريقة التي ذكرناها. كما ذكر دكتور، الارتداد عن الدين بالمصطلح القرآني، ما معناه؟ أنك تتمرد على قوانين العقوبات الجزائية التي تقوم على السلم والأمن المجتمعي، معناها تصبح إنسانًا متمردًا. هذا على مستوى الأفراد، ليس هناك شيء اسمه: لأن إنسانًا أعلن عن معتقد معين وغير معتقدًا إلى معتقد، أنه يعاقب على ذلك. العقاب هو على الأفعال، على التصرفات. يعني، النتيجة. ما معناه؟ أنك ستتمرد على النظام، نظام السلم والأمن العام. هل يوجد دولة في العالم تقبل أن يخرج إنسان يتمرد على نظام العقوبات الجزائية فيقتل هذا ويقطع الطريق ويفعل كذا وكذا؟ لا يمكن. لو حصل مثل هذا على مستوى الأفراد، كل إنسان يُجازى بفعله، وهذا أمر طبيعي، وكل قوانين العالم تقر هذا. طيب، على مستوى المجموعات، يعني لما تقرأ آية مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا}، لاحظ هم فهموا فكرة الإيمان وتحقق المجتمع الآمن. لكن قد تعود النزعة الفردية، نزعة الأنانية، تحقيق المصالح الذاتية أو الجهوية أو فئة معينة، فتدفع به إلى التنكل لهذا النظام الآمن لتحقيق مصلحة فردية. يقول لك: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}. الفكرة هنا أنه إذا تنكلت فئة أو حتى مجتمع بأكمله فرفض الفكرة وعاد إلى ما فعلته الأقوام السابقة، عاد إلى نظام التمييز العنصري، عاد إلى نظام التمييز العرقي، إلى هضم حقوق الأقليات، إلى هضم حقوق اليتامى والمساكين والفقراء التي يصر القرآن على ضرورة مراعاتها. ما النتيجة؟ سينهار هذا المجتمع، ولن تقوم قائمة لمجتمع حقيقي منجز صاحب حضارة إلا إذا عاد والتزم بهذه الفكرة. {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}، طيب، هنا الذل ليس ذلًا إيجابيًا؟، المقصود أنه يحقق قانون الأمن أو الإيمان الشامل لمن آمنه من سائر أطراف المجتمع، فتقوم للمجتمع قائمة. و{أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}، نحن قلنا الكفر معناها الفلسفة النظرية التي تولّد الإجرام، وليس كما يفهمه الناس. فبالتالي الآن خرج إنسان على، كما قال: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ}، وشرحنا هذا في دين الله. معناها خرج من خرج عن حدود العقوبات أو خالف نظام العقوبات الجزائية، لا يجوز أن، معناها…

باسم: تسامحه.

يوسف: إي نعم، تسامحه وتجامله وتطبطب عليه كما يقال. لابد من عزة هنا في هذا السلوك حتى تحافظ على بناء المجتمع وبناء الأمة. فلذلك قال: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ}. هذا هو الجهاد الحقيقي الذي يتحدث عنه القرآن، هو جهاد بناء، وليس جهاد هدم. جهاد حفظ دماء، وليس جهاد سفك دماء. وقوله: {لَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} هو مبدأ الشفافية، مبدأ النزاهة، مبدأ مكافحة الفساد الذي عرفته كثير من الدول بالتجارب. لذلك لماذا نقول نحن تجارب عملية؟ نحن نشهد تجارب عملية قامت فيها دول مدنية وحققت هذا المفهوم وحققت مفهوم الأمن، وبغض النظر عن عقيدتها إن صح التعبير أو اليقين الداخلي بالله أو لا، هو قانون، هي سنة كونية، متى ما تحقق مفهوم الإسلام والإيمان في مجتمع، فإن هذا المجتمع سيصبح قومًا تقوم له قائمة وتكون له حضارة.

فلاحظ الفرق الكبير بين مفهوم الارتداد الذي تطرحه آيات القرآن الكريم ومفهوم الردة الذي ينقل عن كتب التراث. لأنه طبعًا يتوسعون كثيرًا في مفهوم الردة. حتى بعض الناس يقول لك: من أنكر كذا، لاحظ هذه فتاوى شاعت في عصر ما سُمي بعصر الصحوة، من أنكر هذا الحكم فقد كفر، والكافر مرتد، والمرتد يستباح دمه وماله، من هذا النوع من الفقه الذي طبعًا ولد بالتالي الجماعات التكفيرية.

باسم: أنا في رأيي يعني يندرج تحت الغلو في الدين أيضاً.

يوسف: طبعًا، تندمج الأفكار في الحقيقة. يعني ما نطرحه حتى الفصل الذي نفعله ليس المقصود منه أن الأفكار لا تتكامل، هو لتسهيل وصول المعلومة. وإلا الارتداد، التعامل مع أو فهم الارتداد بالطريقة المشوهة هذه التي ذكرناها، لم ينتج أصلًا إلا عن فكرة الغلو. وإلا، ها هو النص أمامك، أين تجد في الموضوع كلامًا عن فكرة أن فردًا مثلًا أعلن عن تغيير قناعة معينة؟ لا أنظر إلى قناعاتك هذه بينك وبين الله، أنا أنظر إلى سلوكك وتصرفك الاجتماعي. لذلك ادمج هذا مع {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى}. ما الذي أريده أنا من هؤلاء كمواطنين في مجتمع؟ {مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ}، في الدنيا، هذا طبعًا قبل الآخرة، بالحياة الآمنة والحياة المطمئنة والحصول على الحقوق التي يستحقها كمواطن. وبعد ذلك: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}، حتى في الآخرة. هذه هي الفكرة النهائية. إنما التصورات أصلًا، تصورات الناس عن حقيقة الله والكون، كيف جاء وكذا، هذه لا يمكن أن يتساوى فيها اثنان. لكل إنسان تصوره الخاص في هذا الموضوع.

باسم: بالضبط، تلاحظ الفكرة الشائعة عن فهم الارتداد في الفقه التراثي، إلى أي درجة يشكل سيفًا مصلتًا على رقاب العقل الجمعي عند العرب على الأقل، مثلًا، أو في المجتمعات العربية، وإلى أي درجة فكرة فيها إرهاب، رعب نتيجة تطبيق أنه مجرد أن تنتقد سلوكًا فقهيًا ما تصبح مرتدًا.

يوسف: طبعًا، هو كل مذهب عندما اعتمد شيئًا معينًا، هذه فكرة الغلو. يعني {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}. ولا {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ}. في الحقيقة، عندما تجعل شيخ المذهب أو إمام المذهب أو الطريقة أو مقلدك من الشيوخ، تجعله تمامًا الفكرة التي يتحدث عنها القرآن. إنه أن تقول المسيح ولد الله، هذه الفكرة الحقيقية. يعني كم من الناس اليوم يمكن أن يسمى مسيحيًا، وليست عنده هذه الفكرة؟ لأن الخلل في الإسقاطات والمصطلحات، وكم من الناس يُسمي نفسه مسلمًا، ولكن في الحقيقة هو عنده هذه الفكرة. أدخل وسطاء بينه وبين الله، فصار يكفّر غيره على خلافات أصلًا على فقه هو اصطنعه وآراء هو اصطنعها، فكفر الناس واستباح دمهم. وكم رأينا من الأحداث التي حصلت، أحداث كثيرة. وطبعًا الفاعل في النهاية يشعر أن الذي كان يتبعه {تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا}. راح هو إلى السجن، فحُكم بالمؤبد أو بالأشغال الشاقة الدائمة أو بالإعدام.

باسم: والموجه له ليس له علاقة بالموضوع.

يوسف: بالضبط، الموجه له. أنا صاحب فكرة، أنا لم أفعل شيئًا. لاحظ كيف.

باسم: أنا ما قلته اتبع.

يوسف: إي نعم، وهذا حصل كثيرًا، على فكرة، في الجماعات. كثير من الشباب الذين غرر بهم وذهبوا وذهبت دماؤهم أو ذهبوا إلى السجون، وانتهت حياتهم وفسدت بهذه الطريقة. المنظر الأصلي والكبير لهذه الجماعات بعيد عن الموضوع. هذا هو لماذا؟ لأنه هو يعرف أنه لو حول فكره هذا إلى سلوك سيعاقب، فيأتي بهؤلاء المغررين طبعًا لتحقيق مصالحه الشخصية أو الجهوية.

باسم: التاريخ القريب جدًا يشهد على هكذا حالات، سواء في العشرة أو العشرين سنة الماضية. الكثير من (رجال التدين)، أو (رجال الدين) بشكل عام كانوا يدعون الناس إلى الذهاب إلى منطقة ما للجهاد وإلى آخره والتضحية وكأنه امتلكوا ناصية الفهم الصحيح لتوجيه الناس إلى الدم.

يوسف: إي نعم، وهو أصلا ما الذي جرى على الأمة لولا هذه فكرة التكفير، وأنه إذا تبعت المذهب الفلاني فأنت مرتد، والمذهب الفلاني بالمقابل يرد بنفس الفكرة، هؤلاء مرتدون. فتستباح الدماء وتستباح الأعراض، ولا يبقى هناك حد أدنى من السلم الاجتماعي والأمن الاجتماعي الذي يمكن أن تنهض به حضارة وتقوم به أمة. ثم يقول لك: ما سر التخلف الذي نعيش فيه ونحن الأمة الإسلامية؟ طبعًا، إن صح التعبير، هذا هو. لو رجعنا إلى النص فحاكمنا فكرة كهذه التي تطلق فيها الأحكام على الناس، ثم بعد ذلك توجه سيوف المغرر بهم إليهم، لبان لنا جانب من الجوانب التي أدت إلى ما نحن فيه.

 

ما مفهوم قتل الأولاد في القرآن؟

باسم: وهذا يقودنا إلى فكرة أن الكثير من الآيات تربط ما بين الانحراف عن الدين وقتل الأولاد. وأنت لست تقتل أولادك فحسب، أنت لما تسوق الآخرين إلى القتل أيضاً، فأنت تمارسه بتبرير قتل الآخر للآخر.

يوسف: هذه الفكرة طبعًا فيها آية، {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ}. وطبعًا هنا نلاحظ التقديم. يعني {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ}، حتى يدلك على فظاعة الجرم وإلى أي درجة يغيب عقل الإنسان. “شركاؤهم”، أخرها في نهاية المطاف، يعني يلفت لك الانتباه إلى أي مدى يمكن أن يصل. ونحن رأينا من يقول: أنا ممكن أن أقتل أبي أو أكفر أبي، أو أب يكفر ولده ويتبرأ منه لخلاف في مسائل يسمونها مسائل عقدية. هكذا يسمونها، يقول لك: هذه ليس فيها عذر، المسائل العملية والأحكام الفقهية، هذه قد يقبل فيها الاختلاف، أما المسائل العقدية، ولا يوجد لكلمة عقيدة أي أصل ولا وجود في القرآن. على فكرة. القرآن بالعكس يركز على الأعمال والسلوكيات، وأن يتحمل الإنسان نتيجة أفعاله التي يتعدّى بها أو يحسن بها إلى الآخرين. لكن هم يقول لك: الخلاف في العقيدة، هذا لا يوجد به..

باسم: محسوم يمكن.

يوسف: إي نعم، محسوم.

باسم: لا يمكن التعايش معه.

يوسف: فيكفر الابن أباه، والأب ابنه. أو كما قلت يا دكتور، إنها قد تؤخذ ببعدها الاجتماعي. أحيانًا القرآن يقول: إن أولاد غيرك ممن يشبهك باعتبارك أبا، هو ولد لك. لذلك، أنت لما تجد آية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ}، لاحظ {أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ}. فالطريقة التي يعبر بها القرآن عن مال المجتمع، يجعله وحدة واحدة. هو قال لك: لا تأكلوا أموالكم بينكم. فضمير “كم” لم يتغير. ما قال: لا تأكلوا أموالهم مثلًا: تأكلوا أموالكم. فإذا أكلت مال غيرك، فكأنك أكلت مالك. النتيجة الحتمية لأكلك لمال غيرك هو في النهاية أن تقضي أنت على مالك، لأنه سينهار بناء المجتمع. فلا يبقى قيمة للمال. مثلًا، سيحصل التضخم، ستذهب رغبة الناس في العمل. لما يكون هناك جهات مثلًا متسلطة تأخذ مال إنسان إذا نجح في تجارة أو عمل، كما ذكر ذلك ابن خلدون. ما هي النتيجة؟ يزهد الناس في العمل، تذهب الدافعية تجاه العمل، لأنه يعرف في لحظة من اللحظات سيأتي سطو على ماله. فبالتالي ينهار المجتمع، يحصل التضخم كذلك في المجتمع، تفقد العملة قيمتها. فحتى المال الذي أنت أكلته أصبح لا قيمة له. وفي نفس الآية قال: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}. يعني ما قال: ولا تقتلوا أنفس غيركم. لأن فكرة قتل النفس الغير، إذا ظهرت في مجتمع، ستعود بالقتل عليك أنت، أيها القاتل صاحب الفكرة. هذا هو انعكاس الفعل ونتيجته. فالحديث بهذه الصيغة اللسانية العجيبة جدًا، التي تُشعر بمدى التوحد والتماسك الذي يدعو إليه النص القرآني للمجتمع، صيغة قوية جدًا. وهنا لما يقول: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ}. يعني أنت تعيش في مجتمع فيه عرقان، فيه مذهبان مثلًا أو أربعة، أو طوائف. عندما تربي ولدك على فكرة التعصب هذه بسبب اختلافات الرأي واختلافات في مسائل تاريخية عمرها 1300 و1400 سنة، تبني عليها دينًا. تخيل دين الله يبنى على ماذا حصل بين فلان وفلان في فترة قبل 1300 سنة. تربي ابنك على هذا، ماذا يفعل؟ يذهب ابنك فيقتل ابن أخيه أو ابن عمه أو ابن جاره. إذن، أنت ربيته على فكرة قتل الولد. طيب، قتله سيعود الأمر إلى ولدك فيُقتل. ألم تكن قد ساهمت في قتل ولدك بهذه الطريقة؟ لأنك اتبعت شركاء بينك وبين الله، ولم تعد لتفهم الله من قوانينه الكونية وآياته الواضحة في النص القرآني؟

باسم: يعني هنا قتل الأولاد لا يعني القتل المباشر للولد.

يوسف: هو يشمل صور القتل بمفهومها الواسع. قد يكون قتلًا يصل إلى حد الإماتة، وقد يكون قتلًا يصل إلى الإرهاب الفكري، كما ذكرت دكتور، فيحرم الإنسان من الإبداع، من التفكير، من التعبير عن رأيه أو عن وجهة نظره أو عن المناقشة. كم من الآباء قتلوا أولادهم بمنعه من السؤال. لماذا؟ لأنه شيخ الحي، ذهب الولد إلى الشيخ يسأله: أنا أريد أن أعرف لم أنا وصلت إلى هذا السن، لكن أريد أن أعرف لماذا أنا مسلم مثلًا؟ ما هو التميز؟ يقول له: هذه الأسئلة حرام. مثلًا، يسأله عن من خلق الله. هذه أسئلة طبيعية تحصل عند الإنسان في سن المراهقة. وطبعًا، الشيخ لا يستطيع أن يجيب، لأنه حفظ بعض المعلومات الدينية الموجودة في الكتب حفظًا. يقول له: هذا السؤال حرام، وأنت…

باسم: فيحرم على السائل السؤال.

يوسف: تذهب إلى النار بسبب هذه الأسئلة. طيب، الآن ما الذي فعلته أنت كأب إذا جعلت ابنك تابعًا لهذا الشيخ؟ أنت قتلت عقل هذا الولد، قتلت إبداعه، قتلت طموحه.

باسم: القدرة على التفكير.

يوسف: إي نعم، نحن ندعو طبعًا إلى أن يوجه إلى أن يفكر بطريقة صحيحة ويجاب بطريقة منطقية تضاهي هذا النبوغ العقلي الذي بدأ يظهر عنده. فهذا ما يجعله تعزز حافزيته نحو التفكير ونحو الإبداع، وهذا ما يعزز بناء المجتمع. لكن مجتمعات تقتل أولادها، ثق تمامًا أنها مجتمعات جعلت بينها وبين الله شركاء. وطبعًا، لا أقصد التسمية، أنا أتحدث عن أفعال وعن سلوكيات. فهؤلاء الشركاء زينوا لهم قتل أولادهم، {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ}. لاحظ، الإرداء بالنهاية يعود على الأب نفسه هذا الذي فعل مثل هذا. {وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ}. لاحظ الفكرة، يعني لاحظ التعبير اللساني العجيب: {وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ}. الدين قانون الجزاء والعقوبات وترتب النتائج على أسبابها موجود عندك في نص القرآن، ها هو بين يديك. افتح الآيات، افتح النص، ابحث عن الآيات، استخدم أي بحث قرآني وتأكد. حاول أن تتملك الأصول الأساسية. لكن أن يأتي شريك فيلبس عليك دينك، عليك أنت، لأنه أنت رضيت أن تجعله شريكًا. معناها هو سيأتي بعباءة يلبسها للدين، لدين الله، فيظهر لك بطريقة غير الطريقة الحقيقية التي أنزل الله الدين عليها. لأنه كان مثلًا الدين أبيض، ألبسه لباسًا أحمر، ألبسه لباسًا أصفر، لباسًا أسود. الشكل الخارجي أن هذا دين.

باسم: نسميه لباس الرايات.

يوسف: نعم، الآن الشكل الخارجي أنه دين، هو أخذ الشكل فقط، لكن الحقيقة أن هذا دين الشريك وليس دين الله، والذي تولد عنها قتل الأولاد. وقتل الأولاد يعني قتل المجتمع بأكمله. فهذه هي فكرة الآية. ولاحظ بعدها وامتدادها.

طبعًا، الناس أيضاً للأسف، ونحن يعني نعذر الناس، إلا أنه بعد أن ينتبهوا ويعود تفتحهم الفطري الأصلي، فيسمع هذه الآيات. عندما يقرأ الناس هذه الآيات، هذه آية مغيبة. يعني كم مرة سمعتها؟ أو إذا سمعت من يفسرها، مثلًا، معظم من يتكلم في المنابر وفي المساجد بماذا يفسر هذه الآية؟ إنه وأد البنات، وكان العرب يئدون بناتهم. خلاص، أمات الفكرة حتى لا تتحول…

باسم: يعني قتل الآية.

يوسف: طبعًا، قتل الآية ليس فقط قتل الأولاد، وهذا طبعًا سلوك مطلوب جدًا، وهو سلوك من جزء من تحريف الكلم عن مواضعه، أو حتى من إلغاء الآيات بإلغاء معناها. امتدادها، ولو لم تكن هذه الآية بعيدة.

باسم: أنت لما تلغي مفاعيل الآية المجتمعية والسلوكية، فقد ألغيتها، كوجود.

يوسف: إي نعم، بالضبط. فهي دعوة كبيرة لكل الآباء في المجتمعات، ونحن نعتني قبل كل شيء بمجتمعاتنا التي ننتمي إليها، مجتمعاتنا العربية والإسلامية، أن احذروا أيها الآباء من قتل أولادكم بجعل شريك بينكم وبين الله. حاول أن تربي ولدك على التفتح، على الإبداع، على التساؤلات، على فهم الأمور بأسبابها المنطقية وحججها المنطقية، وأن ينظر ويوظف آيات السمع والبصر والفؤاد التي أعطاه الله إياها، وينظر في التاريخ، وينظر في العلوم الأخرى، فيصل إلى النتائج. هكذا تحيي الأولاد، وتحيي مجتمعًا، وتحيي أمة بأكملها.

 

ما مفهوم تفريق الدين إلى شيع؟

باسم: يعني تفريق الدين إلى شيع أيضاً، انتقال إلى مرحلة أعلى صارت. يعني قتل الأولاد والارتداد والغلو في الدين، يعني أنت تنزل بطريقة أكثر شمولية في تأثيراتها في المجتمعات، يعني حتى تفريق الدين إلى شيع.

يوسف: نعم، طبعًا، هذا أكثر ما عايشناه منذ تولد المذاهب.

باسم: منذ تولد المذاهب.

يوسف: نعم، إلى الآن، ونحن نقول المذهب الفلاني والمذهب العلاني.

باسم: رغم أن هناك فيه حث وتحريض ضد تفريق الدين إلى شيع، لكن ما زلنا نرسخ الحالة التي عايشها الناس ما بين المذاهب والطرق والملل الموجودة في نطاق الدين الواحد.

يوسف: هي إشارة، تعلنها الآية صراحة: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}. لاحظ كيف، الرسالة التي جاء بها رسول الله عليه الصلاة والسلام. تقول الآية: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} ليسوا على رسالتك. هذا معنى: لست منهم في شيء. طيب، لماذا؟

باسم: يعني الرسول ما له علاقة بالمسلمين العرب في هكذا حالة مفرقين شيعًا. الرسول ليس له علاقة.

يوسف: طبعًا.

باسم: ليس له منا شيء.

يوسف: نعم، {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ}. لاحظ، وأحال العقوبة أنهم متوعدون بالعقاب، لأنه هدموا أمة وهدموا مجتمعًا بهذا التفريق. فلذلك، هذه علامة لا أدري كيف غابت عقول الناس عن الالتفات إليها. عندما تسمع داعيًا يدعو أو يتكلم باسم الدين وباسم الله، انظر هل دعوته تجمع أم تفرق إلى شيع؟ يعني سيجعلك تنضم إلى شيعة من الشيع. والشيعة، لاحظ، كلمة من “شع” في الأصل هي، وأضيفت لها الياء لتعطيها البعد الزماني والمكاني. فشع معناها تفرق، كان في الأصل ضوءاً ملتمًّا بعضه إلى بعض، فتفرق، فصار كل شعاع في اتجاه، وكل شيعة من الشيع، {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}، كما جاء في آية أخرى. فإذا سمعت دعوة داعٍ يتكلم باسم الإسلام أو باسم الدين، ورأيت في النهاية أن الدعوة هي دعوة لشيعة من الشيع التي تعيش في هذا المجتمع أو هذه الأمة، وكل من ولد في هذه الأراضي هو ابن هذه الأرض، وله حق أن يعيش في نظام مسالم ونظام آمن. فلما تكون نتيجة الدعوة النهائية هي التفريق والانحياز إلى شيعة من الشيع، فرقة من الفرق، مذهب من المذاهب، إذن، اعلم أن هذا لا علاقة له بالدين. لا علاقة له بالدين، {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}.

باسم: هم مبسوطون على الرواية التي تقول: “تقسم أمتي إلى واحد وسبعين”، أو ثلاثة وسبعين..

يوسف: ثلاثة وسبعين. هذه الرواية تجعل الأمة الإسلامية شرًا من اليهود، وشرًا من النصارى. لاحظ، ما هي الرواية؟ تفرقت اليهود على 71 فرقة..

باسم: 71، 72، 73.

يوسف: والنصارى على 72 فرقة، وستتفرق أمتي، يا للعجب، يعني على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار.

باسم: إلا واحدة.

يوسف: إلا واحدة، وطبعًا، هذه فكرة الفرقة الناجية، هذه طبعًا، وكل فرقة بالنسبة…

باسم: هي فكرة تلمودية بامتياز.

يوسف: طبعًا، وهي طبع يهودي بامتياز، تمامًا. وهي أصلًا تهدم، كفيلة بأن تهدم أمة ومجتمعًا إلى النخاع، لا تبقي فيه شيئًا، لأن فكرة الحكم بأنه من هو الذي ينجو، ومن هو الذي في النار، ومن هو الذي في الجنة، هذا لله. أنت تنظر إلى تصرفات الأشخاص فقط. لا يجوز أن تُسقط على الأشخاص مسميات تقول لي: هذا كافر، وهذا مسلم، وهذا مؤمن، وهذا تقي، وهذا ورع. ما يحاكم به الإنسان هو تصرفاته، والمجتمع وحدة واحدة، ومن يخل بهذا النظام الاجتماعي يعاقب على ما أخل به. ومن يدعو بغير هذه الدعوة لتعصب لجهة أو حزب، فيجعله هو الخير وهو الناجي، وغيره، فالرسول ليس منه في شيء. هذا نص الآية وواضح.

باسم: يعني الآية تقول إن الرسول ما له علاقة بكم.

يوسف: طبعًا.

باسم: واضح الشيء.

يوسف: قد يقول قائل: طيب يا أخي، هناك خلافات. أنا ماذا أفعل؟ لا يوجد خلافات في المعاني الكبيرة هذه التي نتحدث عنها. الخلافات في مسائل تطبيقية، لها علاقة، مثلًا. طبعًا، أنا بالنسبة لي هذه الخلافات عديمة القيمة. يعني الخلافات التي تذكر والتي أدت لتفرق المذاهب، هناك عشر طرق لصفة صلاة النبي، مثلًا، عليه الصلاة والسلام. يقول لك: ضع يدك هكذا، ضع يدك.. لو أراد الله أن يجعل هذا مناطاً للحساب ومناطاً لقبول الناس في الأرض…

باسم: لأوضحه.

يوسف: لأوضح هذا. الصلاة فكرتها واضحة هي تهذيب النفس، انتهي الموضوع، خلاص. الآن، تذهب، مثلًا، لقضية الحج. خلافات شديدة، ويقول لك: “طاف عليه دم، ما عليه دم”. وهذا كلام كله قرأته وحفظته في فترة من الحياة في الفقه الإسلامي. وكما قلنا أيضاً في موضوع الزواج، في موضوع الطلاق، في موضوع الأغذية مثلًا. القرآن واضح، قل: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ} واحدًا، اثنين، ثلاثة”. ثم قال: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}. معناها، مع أن الآية أشارت إلى مبادئ أنه رجس. الآن، ارجع إلى المختصين في علم التغذية، إلى الأطباء، إلى اكتشاف سنن الله. هذا مضر، هذا غير مضر. انتهى حد الشيخ هنا إن صح التعبير، الكلمة مبتذلة، طبعًا، هذه كلمة شيخ. لا تحتاج لا إلى دراسة ولا إلى أكاديميات ولا إلى شيء. فقط بمنظر لحية وثوب، أنت تصبح شيخًا.

باسم: والثوب لازم يكون قصير.

يوسف: لكن، نعم، على كل حال، ما أقصده أنه هنا انتهت حدود من شرح لك النص القرآني. نقل النص نفسه، نقلك إلى المختصين في علم الأغذية، في علم الطب، ليبين ما هو الخبيث وما هو الطيب. انتهت القاعدة، وليس محل بحثها بعد ذلك، كتب ما سمي بكتب الفقه الإسلامي، لكن وسعت وضخمت ورسائل ماجستير ودكتوراه.

باسم: من ناس غير مختصين بالمطلق في الموضوع، يعني لا علاقة لهم بالموضوع.

يوسف: إي نعم، هذا هو أن تجعل بينك وبين الله شريكًا، فتلبسه كأنه فعلًا ولد الله. يعني هذه فكرة التولد، ولذلك جعلنا لها حلقة مستقلة. فكرة الولد، وهذه نتيجتها الطبيعية أن تحصل شيع. وكان في فترة، طبعًا، معروف أن الحنفي لا يصلي خلف الشافعي، والشافعي يكفر الحنفي، وهذا لا يتزوج من هذا، وهذا لا يتزوج من هذا.

باسم: عدا أن السنّي والشيعي، والشيعي والعلوي، والعلوي والنصيري.

يوسف: نعم، طبعًا، هذه قتلت الأمة قتلًا. يعني، أطلقت عليها رصاصة الرحمة. نرجو أنه فعليًا من تبنوا هذه الأفكار، هي أطلقت عليهم رصاصة الرحمة. لكن نحن كل ما نفعله، نرجو أن تخرج أجيالًا تعي وقد رأت النتائج التي حصلت. كانت المجتمعات العربية التي حصل فيها هذا التفرق تعيش مجتمعات آمنة. لم يكن بينهم أي إشكال. يعيشون في نظام أمني واجتماعي. لما بُث، بث سم هذه الفكرة. النتيجة ماذا كانت؟ تفرقت الآن المجتمعات، لا يوجد أمن في الشوارع، لا يوجد أمن، مثلًا، بعد الساعة السادسة مساءً. لا يمكن أن تأمن جارك، بسبب ما بث هؤلاء الشركاء الذين دخلوا بين الناس وبين الله. بثوه في عقول الناس، ففرقوهم شيعًا، وقتلوا أولادهم، وقتلوا مجتمعهم، وغلوا في الدين.

 

التفريق على نطاق جغرافي وحزبي

باسم: إذا هذه الفكرة أيضاً تحاول توسعيها أكثر، تعطيها إسقاطات سياسية حتى على التاريخ العربي. يمكن أن تُدخل سايكس-بيكو الذي قسم العرب إلى دويلات، إلى مجموعات، تحت شعار مجموعات جغرافية سياسية. أيضاً مارس في تفريق الأشياء. حاليًا ما يُرسم للمجتمعات العربية من تجزئة وتفريق، أيضاً يدخل في إطار تفريق الدين إلى شيع، تفريق الناس إلى مجموعة من الفرق المختلفة والمتناقضة، وبالتالي لا يمكن أن تتعايش سويًا.

يوسف: هي قاعدة، القاعدة الميكافيلية المعروفة: “فرق تسد”. هي طبعًا سر من هذه الأسرار. والمستعمر لابد أن يمزق الممزق ليصل إلى السيطرة. يعني كيف يسيطر بسلاح غيره؟ وكيف يستنفد طاقتك؟ يستنفد طاقتك لتحقيق مصلحته هو. هذه الفكرة، حتى هو لا يريد أن يبذل طاقة للوصول إلى مصلحته. يقول لك: لا، اشتغل على فكرة كذا، وها هي موجودة.

باسم: مزق نفسك بنفسك.

يوسف: عزز فكرة التفرق الشيعي السني، عزز فكرة التفرق المذهبي، أحيي أفكار دار الإسلام ودار الكفر، أحيي أفكارًا تؤدي إلى تشويه فكرة الدين نفسه.  كل فكر قومي أو ديني أو مذهبي يمكن أن يفرق الأمة، سيسعى كل مستعمر، وكل من يريد الاحتلال والسيطرة من الجهات الأنانية على مستوى العالم إلى إحيائه لتمزيق الممزق. ولكن هم، على مستواهم أنفسهم، لاحظ أنه…

باسم: حتى وجود ما يمكن تسميته أحزابًا إسلامية، على غرار أحزاب مسيحية، مثلًا، تخدم نفس الفكرة.

يوسف: فكرة أن تضيف كلمة إسلامية، تجارة، تضيفها إلى البنك، تضيفها إلى المدرسة، تضيفها إلى كذا. هي أصلًا تجارة، لا يوجد شيء اسمه: أنا حزب إسلامي وغيري حزب ليس إسلاميًا. الأحزاب لها فكرة واحدة فقط، فكرة أن تصل إلى حاجات فئة معينة من المجتمع، فتنقلها إلى المستويات الأعلى من الدولة. وليست فكرتها أن تنسب نفسك إلى عقيدة أو تنسب نفسك إلى مذهب. هذا طبعًا، لاحظ الألفاظ لما يُتساهل في استخدامها ستنعكس بعد ذلك على…

باسم: هي تدخل في إطار تفريق الدين إلى شيع أو تشظية المجتمع.

يوسف: إي نعم، نعم، قطعًا، لكن فكرة الأحزاب الإدارية التي يقصد منها، مثلًا، أن المجتمع يتكون من مدن ومن قرى، وكل حزب ينقل حاجات من تحته، لا تقوم على أيديولوجية أو فكرة، فكرة عقدية تؤثر على…

باسم: على المصلحة اليومية للفرد.

يوسف: إي نعم، لكن متى ما ألبست هذه الأحزاب المسميات الدينية وجعلتها تحت مسمى ما يسمى بالعقيدة، قطعًا ستؤدي إلى تشظي المجتمع. سيكون مبدأ الانتخاب، هو مبدأ عاطفي في الحقيقة، إن هذا حزب إسلامي، أنا لابد أن أتجه لانتخابه فقط. لكن هو في الحقيقة الأثر الاجتماعي على المجتمع كله من قبل هذا الحزب أو ذاك لا يقاس بالمسميات. وأنا ضد حقيقة فكرة أن تضاف كلمة إسلام إلى أي شيء. لا يجوز لإنسان أن يزعم بنفسه أنه هو إسلامي وغيره ليس إسلاميًا، فالإسلام مبدأ كبير جدًا قد يشمل جميع المجتمعات البشرية. الإسلام بشكل عام، الذي هو المجتمع المسالم، أما الإسلام لله، فهذا طبعًا وقطعًا هو مطلوب، لكن حسابه بينك وبين الله. أنا يهمني السلوك والنتيجة النهائية لهذا الأمر.

 

ما مفهوم الملل في القرآن؟

باسم: لننتقل إلى موضوع تحدثنا بالتدريج عن الغلو في الدين وربط الآيات، مثلًا، الانحراف بين الدين وقتل الأولاد، وتفريق الدين إلى شيع، يعني هذا يقودك إلى تشكيل ملل في المجتمعات.

يوسف: إي نعم.

باسم: وتحدث القرآن عن هذه الملة، ويبدو وكأن الملة نتاج هذا التفريق، نتاج هذا الانحراف عن الدين، نتاج سلوكيات متراكمة قادت إلى تجميع هذه السلوكيات لتنتج عندك ملة، مثلًا.

يوسف: أو نتاج الالتزام الصحيح بالدين. لماذا؟ لأنه الملة لو رجعنا إلى أصلها اللساني، هي في الحقيقة ترجع إلى “الملّ”. “الملّ” في الأصل من الأسماء التي تطلق على التراب إذا ارتفعت درجة حرارته، يسمى ملًّا. طيب، ما علاقة المَلَلْ بالمل؟ أو ما علاقة الملة بهذا؟ الملة في الحقيقة هي التحول إلى الناحية العملية. نحن قلنا إن الدين نظام، والنظام في نهاية المطاف نظري. الآن، عندما يتحول الالتزام أو عدم الالتزام بالنظام إلى سلوك عملي متقلب هكذا، متحرك، حركة حياتية، يطلق القرآن الكريم على هذا المسمى مسمى الملة والملل. يسمّى الإنسان ملولًا لأنه كثير التقلب، الذي يمل، فيتقلب من مكان إلى مكان ومن تصرف إلى تصرف.

الملة هي، تحويل الفكرة النظرية إلى سلوك عملي. هذه هي الملة. ونجد القرآن الكريم تحدث عن الملة، مثلًا، في حق قوم شعيب. {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا}. لماذا؟ لأن شعيبًا عليه السلام، كما ذكرنا، جاء بفكرة تحقيق العدالة التجارية. أهم فكرة دعا إليها: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ}، والنهي عن قطع الطرق، حياة الناس، {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ}. معناها تقطيع الطرق المعنوية والحقيقية على كل من أراد أن يبني مجتمعًا. فأصحاب المصالح الفردية هذه في مجتمع شعيب عليه السلام يريدون أن يبقوا على هذه الملة بالطريقة السلوكية التي هم يعيشونها لتحقيق مصالحهم. فيقولون لشعيب: يجب أن تعود إلى ملتنا. وممكن أن يعرضوا عليه أيضاً أنه سنعطيك جزءاً من الأرباح والقسمة، ولكن اسكت، يعني…

باسم: خلاص.

يوسف: ولا تدعو إلى نظام العدل الاجتماعي. فكانت ملتهم هذه تحقيق مصالح الملأ من القوم، والتجارة “حذاقة” أو شطارة، بقدر ما تقدر أن تدخل أو تأخذ من جيب أخيك، عادي.

باسم: وهذا هو ديدن كثير من المجتمعات، وبالذات المجتمعات العربية.

يوسف: للأسف الشديد، مع أنه حتى السلوك الكوني الذي تُدرس به سنن الله أظهر أن عدم الغش والسير باستقامة في أي عمل خدمي أو تجاري هو ما يولّد الشركات العظمى والإثراء للتاجر. لكن أنى للمجتمعات أن تعقل، مثلًا مصلحي السيارات. أنا أجلس مع بعضهم، يقول لك: ما فيه شغل، لا يوجد شغل في البلد. لماذا؟ لا يوجد شغل. أنت صلحت سيارة لفلان وفلان، فذهب وسأل، فوجد أنك أجبرته أن يدفع خمسة أضعاف ما تستحق، أو أخذت، سرقت. لاحظ، يسرق قطعة صالحة من السيارات حين يبدل قطعة، مثلًا، الفاسدة، يسرق قطعة ويضع مكانها قطعة نصف عمر، كما يقولون، نصف عمر. فالآن هو سيعرف، سيسأل إخوانه، أقاربه، سيذهب إلى مصلح سيارات آخر، مرة على مرة، النتيجة: ليس عندك زبائن. هو أنت لم تبن لنفسك سمعة حقيقية وسمعة ممتازة. فالقانون الكوني في هذا وسنة الله واضحة. لكن الناس للأسف لا يريدون أن يستنتجوا.

وأيضاً أهل الكهف سموا ما كانوا عليه قومهم ملة. {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ}. فهذا أيضاً ورد في حق أهل الكهف. و{مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ}. هذا الكلام جاء على لسان القوم المخاطبين برسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، الرسالة الخاتمة. فلاحظ، قالوا: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ}. إذن، الملة، السلوك العملي هذا له أساس نظري. يعني الملة التي كان عليها المشركون، مشركو العرب حين نزل فيهم القرآن، هناك أساس نظري يؤسس، لابد في النهاية للسلوك العملي هذا أن يبنى على أساس نظري. وهم قالوا: ما سمعنا بما يدعو إليه محمد في الملة الآخرة. إن هذا إلا اختلاق. فيريدون أن يبطلوا، مع أن السلوك الذي تشير إليه جميع كتب السيرة والقرآن الكريم، يعني، سلوك النبي محمد ومن صحبه من الصحابة كان سلوكًا أمينًا، سلوكًا صادقًا، سلوكًا يبني مجتمعًا. فلما لم يستطيعوا أن يهدموا فكرة الرسالة الخاتمة من خلال الطعن في السلوك، ذهبوا يطعنون في أساسها النظري. يقولون: “ما سمعنا بهذا. لا آباؤنا ولا أجدادنا سمعنا بفكرة التوحيد هذه التي يدعو إليها محمد، وأن يكون مصدرك الله سبحانه وتعالى وحده”. لم يهدموا العمل، لأن العمل ممتاز، والجميع لا يمكن لأحد أن يطعن في هذا العمل. فكيف تهدم الملة المحمدية؟ بهدم أساسها النظري، فقالوا: “ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة”. ولم يستطيعوا أن يقولوا: “ما رأينا أن هذه الملة ملة خير أو ملة صلاح أو ملة بناء أو ملة إعمار للمجتمعات”.

وأيضاً الملة ترتبط بالسلوك الظالم. {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ}. فإذن هم يقولون لرسلهم: لابد، كما قال قوم شعيب، أيضاً هذه آية عامة طبعًا، جاءت في سورة إبراهيم: لابد أن تعودوا في ملتنا. طيب، لماذا لم يسمح لهم الله أن يعودوا؟ لأن ملتهم قائمة على فكرة الظلم. فإذن، توزعت الملة في آيات كثيرة تتحدث إما عن الرسل بشكل عام، إما عن قوم أهل الكهف، إما عن قوم شعيب، مثلًا. وفي آية مثل: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى}. يعني ما الرابط الآن اللساني بين جملة {إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى}، بفكرة ملتهم؟ تستنتج أن الهدى هو السلوك العملي. ولذلك يقول لك: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}. عندما تتحول من مرحلة الفكرة النظرية إلى الخروج إلى ميدان العمل، أنت تحتاج إلى الهداية. لذلك قال الله عز وجل رادًا على الفكرة: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى}. لاحظ التكامل. أي أن ما يدعو إليه اليهود والنصارى، وسنشرح فكرة اليهود والنصارى ومعناها اللساني في القرآن في مكانها، هو دخول بين الله وبين خلقه. لأنه لو كان ما يدعون إليه هو سنن الله وآياته كما هي من غير أي تغيير ولا تحريف، معناها سيكون هذا هو هدى الله. لكن ما يدعون إليه هو هدى آخر، طبعًا، ليس هدى، هو طريق إلى الضلال. فلذلك قال لهم: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ} حصرًا {هُوَ الْهُدَى}. هذا معنى التركيب بهذه الطريقة: {إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى}، أي ليس هناك هدى غيره.

لكن بماذا أكمل الآية؟ {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ}، إي نعم، ولذلك نحن حذرنا. لما تريد أن تعرف أن الأساس النظري لملة صحيح أو لا، انظر إلى مدى دخول الهوى في هذه الفكرة. هم كانوا يصوغون المبادئ وحتى يحرفون في القوانين والأسس التي يسيرون عليها وفق أهوائهم، وفق تحقيق مصالح معينة لجهات معينة.

باسم: طيب، الملة مرتبطة بشكل قوي، مثلًا، بالنبي إبراهيم عليه السلام.

يوسف: نعم.

باسم: لماذا؟ حتى يوجد حث على اتباع ملة إبراهيم أو ملة أبيكم إبراهيم.

يوسف: صحيح، هذه فكرة أبيكم أيضاً، الإشعار بالحنو يعني والرعاية.

باسم: وميز هذه الملة عن ملة اليهود والنصارى.

يوسف: صحيح، بالضبط. في الحقيقة، هذا موضوع ممتد جدًا. ونحن كما قلنا، الملة هي السلوك العملي الذي يُمثل إما التزامًا بدين الله بما هو قانون العقوبات الجزائي وسنن الله الصحيحة، أو غير ذلك من الانحرافات. لكن، إبراهيم عليه السلام، حتى نفهم ملته التي أمر القرآن باتباعها في قوله: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، لابد من أن نتتبع السياقات والمحاورات التي وردت مع نبي الله إبراهيم، مع أبيه، ثم مع قومه. لأنه في كل جزئية من هذه الجزئيات أحد محددات وتوصيفات ملة إبراهيم. فلذلك، يعني، يجب أن نسير مع السياقات التي وردت في حق إبراهيم عليه السلام.

باسم: في رأيي أنه ممكن هنا الوقت.

يوسف: نؤجلها لحلقة قادمة.

باسم: نؤجلها للحلقة القادمة، ما رأيك؟

يوسف: نعم، هي تستحق حلقة في الحقيقة.

باسم: تحتاج إلى جهد أكثر وإلى شرح أكثر.

يوسف: إي نعم، نعم.

باسم: بالتالي، إن الوقت صار ننهي.

يوسف: تمامًا، لا بأس.

باسم: شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم. وفي الحلقة المقبلة، إن شاء الله، سنوفي فكرة ملة النبي إبراهيم عليه السلام حقها من الشرح والتوضيح. إلى اللقاء. 

الحلقات