Skip to content Skip to footer

أرنولد ليز أو كشف القناع اليهوديّ “العظيم!” | د.علي محمد اسبر

تكشف هذه الدراسة فكر الباحث البريطاني أرنولد ليز حول الجذور التاريخية والدينية لليهودية، وتحلل كيفيات بناء السردية اللاهوتية اليهودية واختلاق الرموز والأماكن المقدسة في ضوء النقد التاريخي والمقارنة الحضارية. تبرز الدراسة الطابع التلفيقي لتراث اليهود، وعلاقتهم بالحضارات القديمة كالبابلية والفينيقية، وما ينتج عن ذلك من جدل حول هوية القدس وأسطورة العرق اليهودي. وتستعرض كيف أسهم هذا التشكيل السردي في ترسيخ ادعاءات تاريخية ولاهوتية تدعم المشروع الصهيوني الحديث.

كشفَ الباحثُ البريطانيّ أرنولد ليز (1878-1956 م) حقائقَ مطموسةً أو معتَّمًا عليها تتعلّق بتاريخ اليهود، فهو يفكِّك الرّوايات التناخيَّة بشجاعة فكريَّة نادرة، فلا يترك ثابتًا من ثوابت اللاهوت المُختلق للحاخامات القدماء أو “الصَّهاينة الأوائل” إلا ويقوم بتقويضه بمنهج نقديّ مُحْكَم توجِّهه رؤيته التاريخيّة الثاقبة واستبصاراته الفكريّة المعمَّقة ورغبته العلميَّة الصَّادقة في كشف خديعة اختلاق أرضهم الموعودة. ولقد تميّز ليز بنظريته عن القُدس التي كرَّستها الروايات التناخية باسم “أورشليم”، فأوضح أنَّ “أورشليم” مدينة فلسطينيّة الأصل ولا علاقة لليهود بها، لا من حيث اسمها ولا من حيث جغرافيتها، وقدَّم دلائل حاسمة على أنَّها لم تكن عاصمة مملكة إسرائيل الموحَّدة ولم تصبح بعد انقسامها عاصمة مملكة يهودا. وبذا يكون ليز صاحب رؤية تأريخيّة فريدة تؤكد على وجود “أورشليم” الفلسطينيّة التي لا تمتّ بصلة إلى التاريخ اليهوديّ، ولذلك رفض أي نوع من الربط سواء عن وعي أم عن غير وعي بين أورشليم واليهود، فقد وقع كثير من الباحثين-وفق ليز- في مغالطة تأريخيّة كبيرة، إذ أصبح مُسلَّمًا بالنسبة إليهم أنَّ قبول وجود مدينة اسمها “أورشليم” يقتضي مباشرة أنَّها عاصمة مملكة إسرائيل الموحَّدة أو مملكة يهودا المزعومتين، وإنكار وجودها يعني إنكار وجود هاتين المملكتين، لذلك جاءت السجالات حول هذه القضيّة في أفق ضيّق قائم على القبول أو الإنكار، بينما يمكن أن تُجَلَّى أطروحة ليز في فكرة أنَّ “أورشليم” اسم من أسماء مدينة القدس، وهذا يقوِّض كلّ ما ورد عن “أورشليم” في الرِّوايات التناخيّة. لكن كما هو معروف حينما يظهر أيّ مفكّر غربيّ محايد يتخذ موقفًا رافضًا للزَّعم بحقّ تاريخيّ لليهود بأرض فلسطين يُلاقى من الصَّهاينة بسيل من الاتِّهامات أو بالطَّمس والتغييب والتهميش من أجل محو ذكره من الدَّوائر الثقافيّة والأوساط الأكاديميّة العالميّة، بذريعة واهية هي “معاداة السَّاميَّة” التي أصبحت أداتهم الناجعة لإسكات أيّ صوت يحمل الحقيقة، فلا يبقى إلا من يصدح بأصداء الروايات اللاهوتيّة/ الصُّهيونيّة. هنا محاولة لتقديم فكر أرنولد ليز تبعًا لأطروحاته الأساسيّة التي تستحق التحليل، وهو نوع من الفِكر امتاز بشجاعة اختفت نهائيًا من الثقافة الغربيّة.

  1. I. انتحال الكهنة اليهود لأسماء الأعلام والأماكن

انطلق ليز من قناعة راسخة بالنِّسبة إليه وهي أنَّ اليهود ليسوا عِرْقاً، ولم يكونوا كذلك قط. وإذا كان حاخامات اليهود يزعمون أنَّهم أُمَّة ذات لغة وتقاليد خاصَّة بهم، فإنَّه لا يوجد أيّ دليل على وجود المكان الذي عاشت فيه تلك الأمَّة في العصور القديمة، ولم يُكتشف بعد أيّ وثائق تشير إلى وجود لغة عبريّة أصيلة، وإنما لغتهم لا تعدو أن تكون مزيجًا من لغات قديمة في مُقَدَّمتها الفينيقيّة. إذ لم تكن فلسطين في حوزة اليهود؛ ولم يكونوا سادة البلاد الواقعة في غرب نهر الأردن، ولا ساحل البحر. وكانت المدن الفينيقيَّة في فلسطين منيعة بإزاء أيّ اختراق يهوديّ. يمكن أن يكون اليهود –في رأي ليز-قد نجحوا في مرحلة تاريخيّة متأخِّرة في التَّسلل إلى أجزاء من البلاد فقط، ولكن حتى هذه الأجزاء عاشوا فيها تحت رعاية سُكانها الأصليين إلى أن تمكَّنوا من الغدر بهم وفي مراحل تاريخيّة مختلفة.

 أكَّد ليز أنَّ الأماكن المقدَّسة في فلسطين، مثل بيت إيل، وبئر سبع، وجازر (=تل الجزر)، وجبعون، وجلجال، والخليل، و”أورشليم”، وشكيم، وغيرها، لم تكن يهودية. بل مقدسات قديمة للسُّكان الأصليين لفلسطين، ليس هذا فحسب بل أخذ اليهود أسماء أبطالهم التَّوراتيين أو التَّناخيين من الشُّعوب القديمة التي سكنت في هذه الأماكن: رام Ram، إله الظلام؛ أبرام Abram، إله الولادة أو الأب لمرتفعات الظَّلام، المرتبط بإله القمر في أور Ur؛ لابان Laban، الأبيض، ربّ الطُّوب والأساسات، المرتبط بإله القمر في حاران Haran؛ دان Dan، إله نجم القطب الحاكم في جنوب شبه الجزيرة العربية، وكان شكله الأنثوي دينا Dinah. (1)

لقد تبنَّى اليهود “ما لم يفهموه”، وأصبحوا في حيرة من أمرهم، ليس فقط في ما يتعلق بـالأبطال التَّوراتيين أو التَّناخيين، ولكن أيضًا في ما يتعلَّق بالعادات والتَّاريخ والمعتقدات والمواقع. ولذلك نبَّه ليز إلى أنَّ اليهود لا يعرفون الموقع الحقيقيّ لجبل صهيونMount Zion ، ولا يبدو أنَّهم يعرفون لماذا لا يستطيعون تحديده. كما إنَّ جبل سيناء Sinai ليس جبل يهوه، ولكن كما يوحي اسمه، هو جبل إله القمر البابلي سين Sin، “ربّ القانون”، وخصوصًا، “ربّ الجنود”: الذي تُعَدُّ أراضيه أيضًا صحراء أو بريَّة سين، ويعود تاريخ عبادته إلى عام 3200 قبل الميلاد على الأقل. كما إنَّ أريحا ليست مدينة الرَّوائح الجميلة والنَّخيل، ولكنها مدينة القمر الصفراء؛ والأُرْدُن هو نهر القمر الأصفر، هذا من ناحية. من ناحية أخرى، حتى لو كانت نساء أورشليم في الأوقات اللاحقة يرتدين “حُليًّا على شكل الأهِلَّة”، فهي ليست “مدينة القمر”؛ ولا، كما هو مُتظاهر، هي موطن السَّلام؛ ولكن كما يوحي اسمها الحقيقيّ، هي مدينة “أوروUru”، إله الطَّاعون، إله الحرب، و”شالم Salem”، إله الشَّمس (في دوره الشِّرير والمدمِّر كإله للموت وسيد الجحيم).” (2)

  1. II. معبد نينيب

أكَّد ليز أنَّه كان هناك في المنطقة التي توجد فيها “أورشليم” -التي عَدَّها مدينة فلسطينيّة الأصل ولا علاقة لها باليهود-معبد وثني لنينيب a temple of Ninip ، الإله الخالق الذي اعتقد البابليون أنَّه أطلق الطُّوفان. بالنسبة لكهنة نينيب، كان الخنزير مقدَّسًا، وبالتالي كان محرّمًا. كان نينيب، مثل ديونيسوس، سيد العالم السُّفلي و”أرواح الأرض”، قبل أن يصبح إلهًا للشَّمس، والصَّخرة Sakhra (الصَّخرة كانت أم إله الشَّمس) مع الكهف أو “بئر الأرواح” تحتها، هي الجزء الأكثر قداسة في المكان الذي يتوهم اليهود أنَّه “أورشليم التَّوراتيَّة”. هنا يقولون “بيت الربّ الإله”، وهنا يزعمون أنَّه كان قُدس الأقداس في الهيكل الذي يزعمون أنَّ سليمان قد بناه. (3)

 كما إنَّ نينيب، مثلما أوضح جورج سميث في مؤلَّفه “الرواية الكلدانية لسِفْر التَّكوين”، كان إله الصيد والحرب، ويُعَدّ ابنًا آخرَ شهيرًا لـ إلو Elu ؛ تمت عبادته مع أبيه في نيبور. وتمت عبادة نينيب أيضًا في آشور وكذلك في بابل. جعلت منه شخصيته كعبقريٍّ حاكمٍ للحرب والصَّيد إلهًا مفضّلًا لدى الملوك المحاربين في آشور. (4)

III. نظريّة جديدة عن حقيقة أورشليم

أنكر ليز أن يكون لليهود أيُّ علاقة حقيقيّة بمدينة “أورشليم”، وأكَّد على نحوٍ لافت أنَّ هذه المدينة موجودة قبلهم في فلسطين نفسها من دون أن تكون لهم أيّ صلة بتشييدها أو تسميتها، وكلّ ما فعلوه أنَّهم نسبوها إلى تراثهم أي إنَّ “أورشليم” مدينة موجودة أصلًا في فلسطين، ولا توجد أيّ صلة لليهود بها، رغم زعم اليهود أنَّ تاريخ “أورشليم” يعود إلى عهد الملك داود، ولكن لم يثبت –في رأي ليز-بعدُ أنَّه كان هناك ملك يهودي اسمه داود يمكن تصوّر وجوده اعتمادًا على النُّصوص التناخية المحرَّفة. إذ لا يوجد في “أورشليم” أيّ أثر لداود أو سليمان، ولا للهيكل الذي يُزعم أنَّ سليمان Solomon، بناه هناك على “صخرة الشمس sun-rock “. هذا، إلى أنَّ ما يسمَّى “إسطبلات الملك سليمان” هي أساسات مُقَبَّبة من البناء الرومانيّ وكنيسة القديسة مريم التي بناها جوستينيان نحو عام 529 م. لم يبن اليهود “أورشليم”؛ كان اسم هذه المدينة أوروشالم Urusalem مستخدمًا قبل حقبة طويلة من “تبنّي” اليهود لها. (5)

والحقيقة أنَّ عالم الآثار الكتابي ويليام ف. أولبرايت أثبت رغم تحيُّزه للسَّرديّة التواراتيّة أنَّ شاليم Shalim كان إله الغسق، وفقًا لما ورد في الأساطير الأوغاريتيَّة. (6)  وهذا يعني أنَّ أصل اسم “أورشليم” لا يرجع للغة التلفيقيّة المتداولة بين اليهود ويسمُّونها العبريّة.

  1. IV. وعد قورش أو الأصول الكتابيّة لمسيح يهوه الفارسيّ

 تأسست أطروحة ليز على فكرة أنَّ مدينة “أورشليم” مدينة فلسطينيّة الأصل ولا علاقة لليهود بها وهي فكرة تحمل دلالات عميقة تقتضي أنَّ وجود مدينة في فلسطين اسمها “أورشليم” لا يعني على الإطلاق أنَّها كانت عاصمة مملكة إسرائيل الموحَّدة أو مملكة يهودا المزعومتين، بل يمكن أن تكون مدينة بناها الفينيقيون على اسم أحد آلهتهم، وأعاد إعمارها البابليون، ثم قام الكهنة والحاخامات بإدخالها في أسفارهم المحرَّفة لتحويلها إلى عاصمتهم المفترضة!

يمكن أن نُرجِّح -وفقًا لنظريّة ليز-أنَّه بعد الغزو الفارسي لبابل، أصدر قورش مرسومًا منح بموجبه اليهود الموجودين في بابل مدينة “أورشليم”. ويمكن أن يكون قورش قد أعطى اليهود مدينة “أورشليم” الموجودة أصلًا في جغرافيا فلسطين لأوَّل مرَّة في تاريخهم كمكافأة لتعاونهم معه، ومن ثَمَّ قام كهنتهم وحاخاماتهم بحياكة أساطير تجعل أورشليم مدينتهم المقدَّسة.

اعتقد ليز لهذا السبب أنَّ الفضل الذي أسبغه قورش على اليهود بوهبِهم “أورشليم” في عام 538 ق.م، يرجع إلى تواطؤهم معه ضدّ البابليين، ذلك أنَّهم نشروا الفتنة داخل مدينة بابل، بينما كانت القوات الفارسية لا تزال خارجها. وارتأى ليز -وفقًا لرؤيته التأريخيَّة-أنَّه كان يوجد في بابل استياء بين عامة الناس-الذين كانوا يعتنقون ديانة الشُّرك-يرجع إلى حدّ كبير إلى الميول التوحيديّة ضمن الطبقة الأرستقراطيَّة البابليّة، فلا بدّ أنَّ الكهنة اليهود كانوا في البداية إمَّا معارضين للتَّوحيد، في ذلك الوقت، أو متآمرين على البلاط البابليّ. (7)

 وترِدُ في سفر إشعياء عبارات تمجيد لقورش على نحوٍ لافت: “هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ لِمَسِيحِهِ، لِقُورَشَ الَّذِي أَمْسَكْتُ بِيَمِينِهِ لأَدُوسَ أَمَامَهُ أُمَمًا، وَأَحْقَاءَ مُلُوكٍ أَحُلُّ، لأَفْتَحَ أَمَامَهُ الْمِصْرَاعَيْنِ، وَالأَبْوَابُ لاَ تُغْلَقُ: أَنَا أَسِيرُ قُدَّامَكَ وَالْهِضَابَ أُمَهِّدُ. أُكَسِّرُ مِصْرَاعَيِ النُّحَاسِ، وَمَغَالِيقَ الْحَدِيدِ أَقْصِفُ. وَأُعْطِيكَ ذَخَائِرَ الظُّلْمَةِ وَكُنُوزَ الْمَخَابِئِ، لِكَيْ تَعْرِفَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الَّذِي يَدْعُوكَ بِاسْمِكَ، إِلهُ إِسْرَائِيلَ. لأَجْلِ عَبْدِي يَعْقُوبَ، وَإِسْرَائِيلَ مُخْتَارِي، دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ. لَقَّبْتُكَ وَأَنْتَ لَسْتَ تَعْرِفُنِي. أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. لاَ إِلهَ سِوَايَ. نَطَّقْتُكَ وَأَنْتَ لَمْ تَعْرِفْنِي.” (إشعياء 45: 1-5)

 لقد أصبحَ الملك الفارسيّ قورش مسيح يهوه وهذا أمر في غاية الأهميّة يستحق تأمُّلًا عميقًا لفهم طبيعة العلاقة بين الرُّوح الفارسيَّة والرُّوح اليهوديَّة.

والحقيقة أنَّ مجال البحث التأريخيّ يبقى مفتوحًا للتأكُّد من السَّبب الحقيقيّ لاختيار قورش لـ”أورشليم” بصفتها مدينةً صالحةً لاستيطان اليهود الموجودين في بابل، فهل يمكن أن يكون مستشارو قورش قد عرضوا عليه أورشليم كمدينة صالحة لاستيطان هؤلاء اليهود للقضاء على ما تبقى النفوذ البابلي في فلسطين؟ لكن ما يمكن تأكيده وفق الدلائل الأركيولوجيّة هو أنَّ اليهود لم يكونوا على الإطلاق سكانًا أصليين لفلسطين وإنما هاجروا إليها على دفعات، ولا يمتنع أن يكون هناك جماعات من اليهود قد هاجرت من أنحاء شتّى واستوطنت في مدينة “أورشليم” الفلسطينيّة الأصل، ووجدت هذه المدينة مناسبة للاستقرار، فكوَّنت فيها مجتمعات حكمها الكهنة اليهود وبسبب سيطرة الإمبراطوريّة البابليّة على فلسطين بحكم التوسُّع الجغرافيّ-وهذا أمر لا علاقة له بغزو بابليّ مزعوم لمملكة يهودا-احتكت الجماعات اليهوديّة الموجودة في بابل بسبب الهجرة أيضًا مع الجماعات اليهوديّة المنظَّمة لاهوتيًّا في أورشليم، واقتنعت  بالهجرة من بابل إلى هذه المدينة، وجاء مرسوم قورش تتويجًا لهذه السَّيرورة التَّاريخيّة، كما يحدث الآن تمامًا، فقد التقى اليهود من مُختلف أنحاء المعمورة في أرض فلسطين لأسباب لاهوتيّة واهية.  هذا إذا أخذنا برأي ليز الذي مفاده أنَّ “أورشليم” كاسم لمدينة القُدس لم تكن يهوديّة أصلًا.

   وعليه، لا بدّ من التمييز بين إمكانيّة وجود يهود في “أورشليم” هاجروا إليها من مناطق مختلفة، ويهود هاجروا إلى “أورشليم” من بابل بعد تيسير قورش لهذه الهجرة. لكن على كلّ حال استطاع اليهود القادمون من بابل أو الموجودون في فلسطين بسبب الهجرة من مناطق مختلفة غير بابل الاستفادة من عناصر في الحضارتين الفينيقيّة والبابليّة لاختلاق خرافة أورشليم التوراتيّة.

 لكن تبقى إشكاليّة رئيسة في هذا الاتِّجاه وهي رواية السَّبي التي يتبناها المؤرِّخون في مختلف أنحاء العالَم –دون دلائل-على نحو حاسم، إذ كيف يمكن تفسير أنَّ البابليين في عهد نبوخذنصر الثاني حاصروا “أورشليم” لأوَّل مرَّة عام 587 قبل الميلاد وقاموا بتدميرها وسبي اليهود إلى بابل، فهذا يعني أنَّ يهود بابل هم أنفسهم يهود “أورشليم” ما يناقض أطروحة ليز عن أنَّ اليهود البابليين لا علاقة لهم بـ”أورشليم” أو بمملكة يهوذا المزعومة التي كانت أورشليم عاصمة لها بعد انقسام ما تُسمَّى “مملكة إسرائيل الموحَّدة”، ولتلافي هذه الإشكاليّة يمكن ترجيح أنَّ قصة السَّبي وفق الرواية الكتابيّة ليست مُلزمة على الإطلاق في البحث التأريخيّ لتتحوّل إلى حقيقة حتى لو كانت مدعومة بأدلة من الروايات الكتابية واللُّقى بما في ذلك النقوش والقطع الأثرية من العصر البابليّ، لأنَّ هذه الأدلة تحتاج إلى فحص أعمق، ولا يجوز قبولها بسهولة أو التسليم بها. ولا يمتنع بحكم سيطرة الإمبراطوريّة البابليّة على فلسطين ووجود جماعات يهودية مهاجرة فيها أن يكون الجيش البابلي قد سبى أعدادًا قليلة من هؤلاء اليهود مع غيرهم من جماعات مختلفة إلى بابل، ومن ثَمَّ قام الحاخامات والكهنة بتضخيم أعداد اليهود المسبيين واختلاق أسطورة كتابيّة أساسيّة عن السَّبي من حادثة عَرَضيّة، وهذا يعني على المستوى التاريخيّ إمكانية وجود جماعات يهوديّة صغيرة منتشرة في أنحاء شتى على نحو متزامن، سواء أكان ذلك في بابل أم فلسطين، وبحكم انتقال هذه الجماعات لأسباب متعدَّدة –من بينها السَّبي-بين فلسطين وبابل أو العكس تمّ اختلاق قصص مبالغ فيها ثم تحوّلت إلى أساطير كتابيّة!

  1. V. تسلُّل الصَّهاينة الأوائل إلى فلسطين من بابل

وَجَدَ أولئك الصَّهاينةُ القدماء المهاجرون من بابل الذين وهبهم قورش “أورشليم”-وهي مدينة فلسطينيّة الأصل وفق ليز-أنَّ المدن والأرياف الفلسطينيّة مأهولة بالسُّكان الأصليين ولكي يحصل اليهود على المأوى والمنازل الجاهزة، تزوَّج العديد منهم من بنات وأخوات هؤلاء الناس الذين لم يكونوا على علم بما يجري، واستقبلوا اليهود بلطف. ولكنَّ اليهود، بعد أن استقروا في البلاد، قابلوهم بازدراء واحتقار فقام الأزواج اليهود بطرد جميع زوجاتهم غير اليهوديات مع أطفالهن من المنطقة. ورجَّح ليز أنّه في تلك المرحلة بدأت حركة استيطان يهوديّة في أورشليم، فقد أجبر الكهنة مجموعات من اليهود على القيام ببناء منازل ومعابد، حيث وضعوا حرَّاسًا على البوابات وحبسوا المواطنين غير الرَّاغبين في ذلك في الليل لمنعهم من الفرار. لكن بحلول عام 430 قبل الميلاد، بدأ –في رأي ليز-بناء “القناع اليهوديّ”، واستمر “تبنّي أو انتحال” الأماكن المقدسة والأبطال والتقاليد والمبادئ الدينية على قدم وساق. لقد جلب المهاجرون معهم فكرة مشوشة عن التقويم البابليّ، والنظام البابليّ للترقيم والأوزان والمقاييس والمال، وكذلك بعض قصاصات الأساطير والطقوس والكتابات المقدسة والفلسفة التي تمكنوا من استيعابها أو الحصول عليها. (8)

بدأت عملية اختلاق التاريخ وتعديل الكتابات المقدسة؛ وقد وصلت نتيجة هذه الأعمال الغامضة إلى يومنا هذا. والحقيقة أنَّ ما يجب الانتباه إليه في هذا المقام أنَّ تاريخ اليهود بل جوهر وجودهم في فلسطين من حيث التنظيم السياسيّ والدينيّ والاجتماعيّ تمَّ تأسيسه استنادًا إلى ما أخذوه من الفينيقيين والبابليين، ويُرَجَّحُ أنَّ هذا التأسيس عينه لم يكن بالمعنى الفعليّ على أرض الواقع، بل كان تأسيسًا سرديًّا أو كتابيًّا.

 

 

 

  1. VI. حلّ إشكاليّة وجود اليهود في فلسطين بعد السَّبي

إذا لم تكن أورشليم في الأصل مدينة مقدَّسة لليهود، وهذا ما يؤكِّد عليه ليز، إلا أنَّ حصولهم عليها أو السَّماح بهجرتهم إليها كان-في رأيه-مكافأة من قورش على تآمرهم معه ضدّ البابليين، فهل يمكن أن يكون قورش هو سبب دخول اليهود البابليين على وجه التحديد إلى أورشليم للمرَّة الأولى في تاريخهم؟

 روى المؤرِّخ فلافيوس يوسيفوس ما قاله قورش: “هكذا يقول قورش الملك: بما أنَّ الله القدير قد عيَّنني ملكًا على الأرض المأهولة، فأنا أؤمن أنَّه هو الإله الذي تعبده أمة بني إسرائيل؛ لأنَّه تنبأ باسمي بالأنبياء، وأنني سأبني له بيتًا في أورشليم، في بلاد يهوذا”؛ لكن يعطف يوسيفوس على هذه الرواية كلامًا يستحقّ الانتباه: (…) ولما قال قورش هذا لبني إسرائيل، سارع رؤساء سبط يهوذا وبنيامين، مع اللاويين والكهنة، إلى أورشليم؛ ولكن كثيرين منهم مكثوا في بابل، غير راغبين في ترك ممتلكاتهم.”  (9)

الحقيقة أنَّ يوسيفوس بصفته مؤرِّخًا غير جدير بالثقة ويمكن أن يكون شخصيّة وهميّة، لكن إذا تأملنا جيدًا عسى أن نجد ضالتنا في فلتات قلمه أو قلم من اختلق كتابات يوسيفوس نفسه، فإذا فحصنا عبارة: ” ولكن كثيرين منهم مكثوا في بابل، غير راغبين في ترك ممتلكاتهم”، يمكن أن نكتشف أنَّ هناك يهودًا رفضوا مغادرة بابل، وأرجِّح أنَّهم لم يرفضوا مغادرة بابل إلا لأنَّهم من المهاجرين إليها أو المقيمين فيها قبل أي سبي مزعوم. ولا يُرجَّح إطلاقًا أنَّ جماعات من البشر -وأعني هنا جماعات اليهود التي تعيش في حالة عبوديّة في بابل حسب الرواية الكتابيّة-يمكن أن تؤثِر البقاء في العبوديّة بين البابليين حتى لو كانت تحت الحكم الفارسيّ “الرحيم” –وفق تعبير ليز الساخر-على أن تعود إلى موطنها الأصليّ المزعوم! ويضاف إلى ذلك أنَّ اليهود على امتداد تاريخهم كرَّسوا في عقول النَّاس كافةً تصوّر أنَّهم عِرق دينيّ أو دين عرقيّ وليسوا مجموعة من الأعراق اعتنفت دينًا، لذلك هذا التصوّر الزائف فرض على الحسّ العامّ أنَّ كلّ يهوديّ من أيّ عصر ومَصْر يجب إرجاع أصله مباشرةً إلى أرض ميعاده وربطه بـ”أورشليم” وكأنَّها هيكله العظميّ!

VII. الكهنة اليهود: تاريخ من التمرُّد

  ارتأى ليز أنَّه بالنِّسبة إلى تاريخ اليهود لا توجد معلومات موثوقة عنه طوال ستمئة عام أعقبت سقوط بابل ووقوعهم تحت الحكم الفارسي، أما قصصهم الملوَّنة للغاية… عن روحانيتهم، ومثاليتهم العالية، ووطنيتهم، وصبرهم، وبسالتهم، ومآثرهم العسكرية، وبطولاتهم، ونبل شخصيتهم، إلخ… وانكشاف الكثير من المعجزات لهم، فهي قصص لا تستند إلى أي سند تاريخيّ موثوق. ولكن أوضح ليز أنَّه بحلول عام 350 ق.م تقريبًا، كان اليهود قد أغضبوا أسيادهم الفرس “الطَّيبين!” لدرجة أن هؤلاء نهبوا جزءًا من فلسطين وأسروا العديد من اليهود. وفي عام 332 ق.م، وقع اليهود تحت الحكم اليوناني، وفي عام 320 ق.م، استولى بطليموس على “أورشليم” وأسر عددًا من اليهود ونقلهم إلى مصر، وصولًا إلى عام 63 قبل الميلاد استولى القائد الروماني بومبي على فلسطين ووضع اليهود تحت شرط دفع الجزية لروما. ومثل اليونانيين، سرعان ما اكتشف الرومان أن اليهود رعايا مرهقون؛ لأنَّهم-وفق ليز-يسعون دائمًا وأبدًا أينما حلّوا بسبب كهنتهم أو حاخاماتهم إلى خلق مجتمع داخل المجتمع الطبيعيّ للدَّولة التي يكونون فيها. ومع ذلك، منح الرُّومان للكهنة لليهود العديد من الامتيازات والحصانات، لكن أساؤوا استخدامها جميعًا؛ ومن عام 63 قبل الميلاد حتى قمعهم أخيرًا هادريان في عام 135 بعد الميلاد (باستثناء مرحلة حكم هيرودس)، فإنَّ تاريخ اليهود هو في الأساس سجل للتمردات ضد الحكم الروماني. تمَّ تعيين هيرودس، الذي سُمِّم والده على يد اليهود، ملكًا من قِبَل الرُّومان، واستولى على “أورشليم” في عام 37 قبل الميلاد. قام بتفريق عصابات اللصوص وقُطَّاع الطرق التي غزت فلسطين وافتتح نسبيًّا عصرًا من السلام والنظام. طوال عقد يمتد بين 19 و9 قبل الميلاد، بنى هيرودس لليهود-وفق ليز-مكان العبادة الوحيد المثير للإعجاب الذي امتلكوه على الإطلاق. ولما كان اليهود لا يملكون عمارة خاصة بهم، فقد بُني معبد هيرودس على الطِّراز اليوناني، ولكن هيرودس لم يدَّخر أي جهد أو نفقات لضمان تنفيذ بنائه مع مراعاة الحساسية الدينية للحاخامات المتعصبين وفق التقاليد التي زعموا أنَّها خاصة بهم، حتى أنَّه وضع كرمة كبيرة تحمل عناقيد العنب تحت سماء ذهبية (رمز ديونيسوس) فوق المدخل. وتعمّق ليز في كشف سيكولوجيا الحاخامات الذين لم يتعبوا قط من التباهي بعظمة البناء، لكنهم لم يسمحوا لبانيه بدخول الأجزاء التي يعدّونها الأكثر قداسة من المبنى. ولم يُظهروا قط أدنى مشاعر الامتنان لهيرودس. ولم يذكروا اسمه قط إذا كان ذلك ممكنًا. ويبدو أنَّ السَّبب الرئيس وراء هذا الموقف-في رأي ليز-هو أن هيرودس لم يكن يهوديًا. ومات هيرودس في عام 4 ق.م، وعلى الفور تمرد اليهود مرة أخرى. (10)

VIII . الآخر في الفكر الحاخاميّ

استقصى ليز ماهيّة الأغيار في الفكر الحاخاميّ، فأوضح كيف كان الحاخامات يغرسون بين اليهود كراهية شديدة للأمم كافة. وكانوا يعلِّمونهم أنَّ إقامة أي اتِّصال مع غير اليهود يُعَدّ عملاً من أعمال العصيان للشَّريعة اليهوديَّة. وزرع الحاخامات قناعة راسخة في نفوس المتدينين اليهود مفادها أنَّ أبناء كلِّ الأمم من مواليد الدناءة، وكل النساء غير اليهوديات نجسات. وكان الزواج من امرأة غير يهودية جريمة شنيعة؛ وكان الأطفال المولودون من مثل هذا الزَّواج يُعَدُّون أبناءً غير شرعيين، ولا يحقُّ لهم الحصول على الميراث. وكان الحاخامات يقولون إن الجلوس على المائدة مع غير اليهود، أو دخول بيت غير يهوديّ -الذي كان يعدّونه أشبه بحظيرة للماشية-يُنَجِّس اليهوديّ. كان اليهود ممنوعين من تقديم المشورة أو إقامة صداقات مع غير اليهود، وكانوا يعلمون أنَّ أيَّ فوائد يقدمها غير اليهود لليهود لا تختلف عن سُمِّ الأفعى. وكان الحاخامات يؤكدون أنَّ غير اليهود ليسوا بشراً، أو أنَّهم مجرد وحوش، وأنَّهم أعداء يهوه، وعندما يستفسر أي إنسان من يهودي عن دينه، فمن واجب اليهوديّ أن يجيبه بلعنة مكتومة (يقرأها داخل نفسه) يَصُبُّها عليه، وأن يقدم له تفسيراً كاذباً. ولقد أشار الحاخامات إلى أنَّ “كل غير يهودي يدرس التلمود، وكل يهودي يساعده في ذلك، يجب أن يموتا”، و”يجب قتل كلّ من لا يعتنق الأفكار الواردة في التوراة وأسفار الأنبياء”… علانيةً حيث لا يوجد خطر، وخِفْيَةً حيث يوجد خطر، بوساطة الحِيل. وكشف ليز بذكاء إلى أنّه بحلول القرن الأوَّل كان الحاخامات اليهود يتظاهرون باستمرار بأنَّ أعداد اليهود أكبر مما هي عليه بالفعل، في حين أنهم الآن يتظاهرون باستمرار بأن أعدادهم أقل مما هم عليه؛ كما إنهم في ذلك الزمن الغابر كرَّسوا الكثير من الوقت للتبشير، وخاصة بين نساء الشعوب المختلفة، ولكنهم الآن أغلقوا باب التبشير. (11)

IX .عِلم التزوير الحاخاميّ لأهم المؤلَّفات الكلاسيكيَّة

أكَّد ليز أنَّه منذ زمن بطليموس إلى القرن الثالث الميلادي، كرَّسَ عدد كبير من كهنة اليهود، وخاصة كهنة الإسكندرية، أنفسهم للمهمة غير العادية المتمثلة في تزوير النُّصوص والكتابات، لدعم وتعزيز المزاعم اليهودية. وعلى هذا الأساس فقد انتشرت الكتب التي تحمل أسماء شخصيات أسطورية، أو أسماء أشخاص لم يكتبوا قط سطراً واحداً رغم شهرتهم. كما تم تقديم الإنتاجات الأدبية التي تم تجميعها حديثاً على أنَّها كتابات تعود إلى أقدم العصور؛ وتم تزوير القصائد، وصُوِّرَ الفلاسفة اليونانيون وكأنهم مهتمون بشدة بالكتب المقدسة اليهودية؛ وتمَّ تصوير الشُّعراء زوراً على أنَّهم متأثرون بالدِّين اليهوديّ، وتمَّ الاستشهاد بتنبؤات الوحي بشكل مخادع على أنها تخبر عن مصير عظيم لليهود.

 لقد أصبح التزوير في الواقع-وفق تعبير ليز السَّاخر-عِلماً بين الكهنة أو الحاخامات اليهود، العلم الوحيد. ومن بين المؤلفات الخيالية العديدة التي قاموا بتزويرها في ذلك الوقت ما يسمى بـ “رسالة أريستياس Letter of Aristeas”. (12)

ولقد سُمِّيت هذه الرسالة على اسم مرسِلها المزعوم أريستياس المرمري الذي أرسلها إلى أخيه واسمه فيلوكراتس، وتتحدَّث عن دوافع الإقدام على الترجمة اليونانية للتوراة، هذه الترجمة التي تسمى أيضًا السبعينية، وزعم مرسِل الرِّسالة أنَّه أحد رجال بلاط بطليموس الثاني فيلادلفوس (حكم من 281 إلى 246 قبل الميلاد). ولكن لم تُذكر هذه الرِّسالة مع مقبوسات منها إلا عند مؤلِّفين من يهود الإسكندريّة، فقد وردت في كتاب حياة موسى لفيلون الإسكندريّ (نحو 15 م) وفي كتاب آثار اليهود ليوسيفوس (نحو 93 م)، وفي كتاب الفيلسوف المشَّائي اليهوديّ أرسطوبولس الإسكندريّ (نحو 160 قبل الميلاد). ويُعَدّ من مهازل التَّاريخ أنَّ تتحوَّل هذه الرسالة إلى وثيقة تاريخيَّة معتمدة لولا أن كشفَ النهضويّ الإسبانيّ خوان لويس فيفيس (1493-1540 م) عن أنَّها رسالة مزوَّرة، لكن ما يستحق أعلى درجات الانتباه أنَّ هذه الرسالة رغم كونها مزوَّرة فقد وردت-كما تبيّن-عند فيلون الإسكندريّ وفلافيوس يوسيفوس وأرسطوبولس الإسكندريّ-وجميعهم من اليهود. وهذا يعني دون أيّ مجال للشك أنَّ هؤلاء المؤلفين اليهود كانوا شخصيات وهميَّة اخترعها الكهنة اليهود لصناعة تاريخهم أو على الأقل أُقحمت هذه الرسالة في مؤلَّفاتهم لإثبات صحتها ما يعني في كلتا الحالتين أنَّ هذه المؤلَّفات غير جديرة بالثقة!

 هذا، وأكَّد ليز أنَّه تمَّ توظيف أسطورة أورفيوس من الميثولوجيا اليونانيَّة لخدمة اليهود؛ فعلًا كان رأي ليز صائبًا تمامًا فقد تم تصوير شخصية أوروفيوس بكل صفاتها في الفنّ اليهودي المبكر. ويظهر أوروفيوس وهو يرتدي قبعته ويعزف على القيثارة أمام بعض الحيوانات في لوحة حجرية في كنيس دورا أوروبوس (=كنيس يقع في سوريا على نهر الفرات) في القرن الثالث من أجل الدِّلالة ليس على أورفيوس نفسه، بل على “الملك داود” وهو يعزف على آلة الكنارة (القيثارة).

   تقول الباحثة المتخصِّصة في الدِّراسات الدينيّة كارين ستيرن: ” كان اكتشاف كنيس يهودي يعود إلى القرن الثالث الميلادي في الموقع القديم المعروف الآن باسم دورا أوروبوس (في سوريا الحديثة) في عامي 1932/1933 بمثابة صدمة للعالم الأكاديمي. وحتى تلك النقطة، افترض كثيرون أنَّ اليهود لن يبنوا مثل هذا الهيكل المزخرف للعبادة -في العصور القديمة أو غيرها -بسبب تحريم الصُّور في الكتاب المقدس العبريّ.” (13)

   ولقد ورد فعلًا: “لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ.” (خروج 20: 4)

 وعليه، يظهر دون أي مجال للشَّك أنَّ بعض الكهنة اليهود أرادوا تصوير الملك داود صاحب المزامير بصورة أوروفيوس، أي إنَّهم انتحلوا الميثولوجيا اليونانيَّة لإظهار “الملك داود” يُطرب الوحوش بعزفه على طريقة أوروفيوس. كما إنَّهم جعلوا هسيود وهوميروس يتغنيان بالسَّبت اليهودي؛ وصوَّروا إسخيلوس ويوربيديس وسوفوكليس بصور المُعترفين بأفكار يهودية عن يهوه؛

ونبَّه ليز إلى أنَّ أكبر عمليات التزوير التي قام بها الكهنة اليهود -خارج فلسطين-هي مجموعة كبيرة من تنبؤات سيبيل Sibylline Oracles وهي مجموعة من الأقوال الكهنوتيَّة المكتوبة باللغة اليونانيَّة السداسيَّة المنسوبة إلى سيبيل العرَّافة التي نُسبت إليها بدورها السيبيليات أو العرَّافات، أو النبيَّات اللائي نطقن بوحي الآلهة في حالة جنونيّة بما يتسق مع نهاية العالم على طريقة الكتاب المقدَّس العبريّ. تنتمي “السيبيليات” إلى ذلك الجزء الكبير من الأدبيات الزائفة التي ازدهرت مع بداية العصر المسيحي (نحو 150 قبل الميلاد – 300 ميلادي)، وتتألف من أعمال مثل سفر أخنوخ، وعهد الآباء الاثني عشر، وسِفْر اليوبيلات Book of Jubilees (سِفْر التَّكوين الصغير)، وصعود موسى، ومزامير سليمان، وصعود إشعياء، وسِفْر عزرا الرابع. وقد ازدهر إنتاج هذا النوع من الأدب في الإسكندرية في عهد البطالمة. (14)

أوضح ليز أنَّ الطريقة الخاصَّة التي تنقل بها السيبيليات النصائح والتحذيرات إلى الرجال تجعلها أداة رائعة في أيدي الدُّعاة اليهود؛ وقد تحولت السيبيليات إلى نبيَّات ليهوه: فقد تنبأن بحروب رهيبة وكوارث مروِّعة، وبعدها، قيل إن اليهود سيتولون السيادة ويقودون الأمم إلى عصر مبارك من السَّلام العالمي، إلخ. (15)

  1. IX.   أصول الكتب اليهوديّة

 لقد أكد كثير من المؤرِّخين أنَّ اليهود مبتكرو ومالِكو أدب فريد من نوعه لا يقدَّر بثمن؛ وهو أدب يشكِّل ينبوعًا هائلاً للمعرفة والعلوم والقانون والشِّعر والتَّاريخ والدِّين، ولا يضاهيه أي أدب آخر في العالم. ولكن أوضح ليز أنّه عند الفحص، نجد أنَّ هذه الادعاءات مبالغ فيها. فالكتابات اليهودية ليست فريدة من نوعها، ولا تقدم خصيصة أصليَّة واحدة. ويمكننا أن نثبت أنَّ اللغة المستخدمة، والأسلوب، والفكر، وطريقة العرض، والوزن، والطريقة التي يتم بها عرض ما هو مكتوب (مثلًا، نظام وضع العنوان أو الترويسة)، والعديد من العبارات، والتشبيهات، والجُمل، وحتى أجزاء كاملة من الأعمال، قد تم “تبنيها” من كتابات الفينيقيين والبابليين والمصريين واليونانيين وغيرهم من الشعوب. مثلًا، وكما قد يُظْهِر المزمور الثالث والعشرون أنَّ أصله يعود إلى بابل، فإنَّ العديد من آيات المزمور الرابع والمئة تكاد تكون متطابقة حرفياً مع آيات إحدى الترانيم التي كتبها أخناتون، الذي حكم مصر من عام 1385 إلى عام 1375. ق.م. وساق ليز أمثلة توضيحيّة: توضع كلمة “هللويا Hallelujah ” في بداية ونهاية العديد من المزامير، بالطريقة التي اعتاد الإغريق القدماء أن يضعوا بها كلمة (” ἐλελεῦ = Eleleu Ie= إليلو إي” وتعني صرخة ألم أو رثاء أو حزن) في بداية ونهاية الترانيم الأقدم كثيراً لأبوللو. ولا تُعَدّ الكتابات اليهوديّة قديمة أيضاً. فاليهود، إن كانوا قد وُجِدوا في ذلك الوقت، لم يمتلكوا فنَّ الكتابة قبل عام 900 ق.م على أقرب تقدير. وبالتالي، لا يمكن لأي “وثيقة” يهودية أن تكون أقدم كثيراً من عام 800 ق.م. وهذا يعني أنَّه بعد أكثر من أربعة آلاف عام من كتابة المزامير الدينيَّة العميقة للأكاديين الأوائل. (16)

كما إنَّ القصص التي اخترعها الكهنة تقدم لنا ضوءاً جانبياً على مزاعمهم بشأن “قِدَم” كتبهم. وعلى هذا فإنَّ هؤلاء الكهنة يزعمون أنَّه بعد مئة عام تحديدًا من سبي “الأسباط العشرة”، وقع الحدث البارز الذي جعل حكم يوشيا (648-609 ق.م) “الملك الصالح!”(17) الذي كان يسيطر عليه الكهنة مجيداً (ملوك 2: 22: 1). ففي عام 622 قبل الميلاد “عثر” كهنة يوشيا فجأة على “سِفْر الشريعة”! ” فَقَالَ حِلْقِيَّا الْكَاهِنُ الْعَظِيمُ لِشَافَانَ الْكَاتِبِ: «قَدْ وَجَدْتُ سِفْرَ الشَّرِيعَةِ فِي بَيْتِ الرَّبِّ». وَسَلَّمَ حِلْقِيَّا السِّفْرَ لِشَافَانَ فَقَرَأَهُ.” (ملوك 2: 22: 8)

لم يقبل ليز القصص عن يوشيا وكُهَّانه الذين لم يواجهوا أي صعوبة في قراءة هذا السِّفْر العتيق، لأن الملك ورئيس الكهنة والشعب كانوا جميعًا مندهشين من محتوياته: “فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ كَلاَمَ سِفْرِ الشَّرِيعَةِ مَزَّقَ ثِيَابَهُ.” (ملوك 2: 22: 11) ولكي يتأكدوا تمامًا من أن الكتاب “الذي وجدوه” هو حقًا كلام إلههم يهوه، سألوا امرأة تدعى خَلْدَة، فقالت إنه كذلك، وانتهى الأمر عند هذا الحدّ: “فَذَهَبَ حِلْقِيَّا الْكَاهِنُ وَأَخِيقَامُ وَعَكْبُورُ وَشَافَانُ وَعَسَايَا إِلَى خَلْدَةَ النَّبِيَّةِ، امْرَأَةِ شَلُّومَ بْنِ تِقْوَةَ بْنِ حَرْحَسَ حَارِسِ الثِّيَابِ. وَهِيَ سَاكِنَةٌ فِي أُورُشَلِيمَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَكَلَّمُوهَا. فَقَالَتْ لَهُمْ: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: قُولُوا لِلرَّجُلِ الَّذِي أَرْسَلَكُمْ إِلَيَّ: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا جَالِبٌ شَرًّا عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ وَعَلَى سُكَّانِهِ، كُلَّ كَلاَمِ السِّفْرِ الَّذِي قَرَأَهُ مَلِكُ يَهُوذَا (…)” (ملوك 2: 22: 14-16)

نبَّه ليز إلى أنَّه لا يمتلك الكهنة اليهود أي وثائق أصلية من أي نوع على الإطلاق، وفي مقدور الباحث بصبر عن المخطوطات الأصليّة لكتبهم المحرَّفة أن يكتشف أنَّ أصولها ملتبسة بما في ذلك الوصايا العشر وترجومات أونكلوس Onkelos (=هو الترجوم الشرقي (البابلي) الرسمي “الترجمة الآرامية للتوراة”) ويوحناثون Johnathon (الترجمة الآرامية لقسم الأنبياء من الكتاب المقدس العبري المستخدم في بلاد ما بين النهرين السُّفلى “بابل”) ليس هذا فحسب بل خضعت هذه الأصول المحرَّفة أصلًا لتزييف حصل لاحقًا على يد كاهن يُدعى عزرا أو إسدراس Esdras، نحو عام 444 قبل الميلاد. ومع ذلك، لا يُعرف ما إذا كانت هذه الكتب مقدسة أم لا. إن الحاخامات اليهود يحبون أن يزعموا، في ما يتصل بهذه الأسفار، أنَّ موسى كتب كلّ الشرائع، وداود كتب كلَّ المزامير، وسليمان كتب كلَّ الأمثال، إلخ، ولكن الكتب أنفسها التي تُنسب إليهم تفشل في دعم هذه الفكرة. ففي كلِّ حالة، تثبت هذه الكتب أنَّها من عمل العديد من الكُتَّاب، وعلاوة على ذلك، فإن الأمر يتطلب إثبات أنَّ هؤلاء الأنبياء والملوك المشهورين عاشوا فعلًا بين اليهود، ذلك أن جميعهم تقريبًا “أبطال مصطنعون”، أي أخذهم اليهود من بيئاتهم الحقيقيَّة وكتبوا الكتب المنحولة ونسبوها إليهم.  (18)  

 والحقيقة أنَّ اللاهوتيّ البروتستانتيّ أوتو آيسفيلت (1887-1973 م) كان قد ركَّز على مسألة فائقة الأهمية في كتابه “مقدمة إلى العهد القديم، بما في ذلك الأسفار المنحولة والمخطوطات الزائفة، بالإضافة إلى مخطوطات قمران المنحولة والمخطوطات الشبيهة بها. تاريخ تكوين العهد القديم.(1964 م)” أقول ركز على مسألة تُكمل رؤية ليز تتعلّق بدراسة الانتقال من مرحلة قبل أدبيّة شفهيّة إلى مرحلة أدبية مكتوبة في ما يتعلّق بأسفار التَّناخ، ويقصد آيسفيلت بـمصطلح “قبل أدبي” الدلالة على زمن طويل قبل ظهور أقدم القصص والقوانين والأمثال والأغاني المحفوظة في التناخ، وكذلك على الطبقة تحت الأدبية التي استمرت طوال مدَّة تكوين أسفار الكتاب المقدَّس العبري أي-في رأيه- من نحو 1200 قبل الميلاد حتى ظهور المسيحية، إذ كانت هناك تكوينات تحت أدبية تنتقل شفهيًا من جيل إلى جيل، ومن مكان إلى آخر، قبل أن تدخل في مجال الأدب المكتوب. كما إنَّ درجة وتحوُّل هذه التكوينات إلى أدب مكتوب تختلف مصادرها وأساليبها الأدبية عبر المراحل الزمنية، حيث كانت أقوى في البداية وأضعف في النهاية. لكن رجَّح آيسفيلت بذكاء أنَّه كان لدى بعض قادة القبائل اليهوديّة قبل دخولهم فلسطين كتبة أجانب (بابليون أو مصريون أو فينيقيون) للتعامل مع الثقافات المجاورة. وبعد دخولهم إلى فلسطين، اخترعوا استخدامًا للكتابة البابلية والمصرية والفينيقيَّة على نحو تلفيقيّ ما أفضى إلى ظهور ما يُعرف باللغة العبريّة. (19)

 هذا، وعُني ليز بتبيان أنَّ أسفار التَّوراة، وغيرها، تُظْهِر تناقضات عديدة، وتحتوي على قصص مختلفة تتعلق بالموضوعات أنفسها، ولكنها متعارضة مع بعضها بعضًا. ولم يُكتب سِفْر التثنية إلا بعد مرور نحو ألف عام على حياة النبي موسى المفترضة وفق التَّاريخ الكتابيّ، ولم يتم تجميع أجزاء كبيرة من سِفْر التكوين والخروج والعدد واللاويين إلا في بابل، وتُعَدّ مزامير داود من بين أحدث الكتب التي تم تجميعها، وبعضها يرجع إلى العصر اليوناني. كما تمَّ جمع سِفْر الأمثال، ونشيد الأنشاد، وحكمة سليمان-وفق ليز-بعد أكثر من 500 عام من حكم سليمان المُفترض. كما يُعَدُّ سِفْر يشوع مَثَلاً عن كيفية اختلاق الكهنة اليهود لتاريخ زائف، مستمدّ من الأساطير الشعبيَّة لشعوب مختلفة، لزيادة هيبتهم. إنه عمل سبعة أو ثمانية مؤلِّفين. كما يكشف اختلاف أساليب الكتابة-كما ارتأى ليز-أنَّ كلًّا من سِفْر إشعياء وسِفْر القضاة من عمل نحو ستة مؤلِّفين؛ وأمَّا سِفْر دانيال هو مَثَل على الطريقة التي خلط بها الكهنة والحاخامات التاريخ وزوروه لتحقيق أهدافهم الخاصة. فقد كُتب لأغراض الدعاية، وإثارة التمرد والتحريض ضدّ الحكم اليونانيّ عام 167 قبل الميلاد. وهذا يعني أنه كُتب بعد نحو 350 عامًا من الوقت الذي يُدَّعى أنَّه كُتِبَ فيه، وبعد مدَّة طويلة من وقوع الأحداث “المتنبأ بها” فيه. ورغم هذا، فإن معرفة الكاتب بالتاريخ كانت غير دقيقة بشكل ملحوظ. ورغم أنه من المفترض أن هذا السِّفر قد كُتب في وقت لم يكن اليونانيون معروفين فيه بعد، إلا أنه يحتوي على عدد من الكلمات المقدونية، ويشير إلى أحداث وقعت في حقبة الحكم اليوناني لفلسطين! (20)

   وأكد ليز أنَّ التاريخ الوارد في الأسفار اليهودية، مثل سِفْر أستيرEsther، وسِفْر يهوديت Judith، وما إلى ذلك، غير مُثبت. كان كاتب “يهوديت” قليل البضاعة من الجغرافيا والتَّاريخ. لقد تم تغيير التقاليد القديمة بشكل منهجي من قبل اليهود وتطبيقها على أنفسهم. إن قصة أيوب ليست يهودية. وقد يتبين لنا أن مزموراً تلو مزمور قد نُسِخ من أصل بابلي.

هذا، وحينما كان الكهنة والحاخامات مشغولين بجمع أسفار مثل يهوديت والمكابيين وحكمة سليمان ومزامير سليمان نحو عام 100 قبل الميلاد، كان كتَّاب مثل فيرجيل وهوراس وشيشرون وأوفيد ولوكريتيوس وغيرهم قد ظهروا في روما، ناهيك عن كتَّاب الإغريق والآريين؛ في حين احتوت الأعمال المصنفة تحت اسم “زرادشت” في مكتبة الإسكندرية على مليوني سطر! وتعود أقدم المخطوطات اليهودية إلى القرن العاشر الميلادي. إن هذه القصص الحاخاميّة ليست أصلية ولا موثوقة. فكل منها من عمل العديد من الكُتَّاب وقد تم تحريرها وإعادة تحريرها عدة مرات. إن حكايات وأساطير اليهود ليست خاصة بهم؛ ففي كل حالة تقريبًا “تبنَّى” اليهود هذه الحكايات والأساطير من غيرهم. (21)

XII. أصول الأساطير التَّوراتيَّة

   أحصى ليز بدِقَّة قصص سِفْر التكوين من قبيل الخلق، وجنة عَدْن، وليليث، وآدم وحواء، وشجرة الحياة، والثعبان، والإغراء، والسقوط، والكروبيم Cherubim (=كائنات سماويّة مجنّحة)، والبطاركة العشرة قبل الطوفان (=آدم، شيث، أنوش، قينان، مهللئيل، يارد، حنوك، متوشالح، لامك، ونوح)، وبرج بابل، ونوح، والطوفان، والفلك، والحمامة، وغصن الزيتون، والغراب، وذبيحة نوح، وقوس المطر، والعهد، إلخ، ووجدها كلَّها “مقبوسة” من أديان حضارات قديمة. ولقد تمت صياغة كل هذه القصص في شكل شِعري وتسجيلها في بابل قبل آلاف السنين من ظهور اليهود. كما إنَّ قصص ذبيحة أبرام، ومصارعة يعقوب، و”سلم” يعقوب المزعوم (الذي كان “زقورة” بابلية=معبد مُدَرَّج)، ويوسف في الجُب، وزوجة فوطيفار (=زليخة)، وطفولة موسى، وعصاه المعجزة، وصراع السحرة، وأوبئة مصر، وشق البحر، وعمود النار وعمود الدخان أو السحاب، وضرب الصخرة، وجبل الإله المغلف بالضباب والذي يصدر الرعد والبرق، وألواح الشريعة، ووجه موسى اللامع، وقرنيه، وقيادته لحشد كبير، واسمه، وثعبانه النحاسي (تم اكتشاف كوبرا نحاسية مؤخرًا في جازر)، إلخ، وصُدرة هارون، والعجل الذهبي، وفتنة قورح، وردّ الشمس والقمر، وقتل يهوه للتنين، والضفائر السبع لشعر شمشون، وشمشون والأسد، وساحرة عين دور (=امرأة استشارها الملك شاؤول لاستحضار روح النبي صموئيل)، وداود وبثشبع (=زوجة داود)، وحكمة سليمان، وحكم سليمان، وحريمه، وقصوره، ومعبده وقصره الفخم، والمحنة التي عاناها بشرب الماء المقدس، وما إلى ذلك، كلها يمكن أن نثبت أنها مستمدة من تراث ديني لشعوب أقدم كثيراً من اليهود. (22)

XIII. تركيب الكهنة اليهود لصور غير حقيقيّة عن الأنبياء

   اعتقد ليز أنّه لم يكن أنبياء مثل موسى وداود وسليمان قادة لليهود قط؛ إنَّ شخصيات هؤلاء الأنبياء -وفق الأسفار المحرَّفة-كانت كلّها أشكالًا “مُرَكَّبة” لا علاقة لها بشخصياتهم الحقيقيّة، وهي مصنوعة من “أجزاء” كانت في معظمها قديمة، ولقد “تبناها” الكهنة اليهود لإعطاء صدقيّة أكبر لتباهيهم بـ “ماضيهم العجيب القديم”. وهكذا، غيَّب الكهنة اليهود الشخصية الحقيقيّة للنبي “موسى”، واخترعوا شخصيّة مغايرة له جاءت-وفق أسفارهم-من أصول بابلية، وأضافوا إليها حكايات من مصر وشبه الجزيرة العربية. وسواء أكان من الممكن تحديد الأصول البابلية لشخصيّة النبيّ موسى كما وردت في الأسفار المحرَّفة أم تحديدها على أنَّها ترجع إلى أصول يونانيّة عن ديونيسوس أم لا، فإن قِلَّة من المحققين غير المتحيزين لن تعترض على أنَّ أفعال النبي “موسى”-كما صوّرها الكهنة اليهود- ليست سوى نسخة لاحقة من أفعال ديونيسوس، وفي ضوء تحديد “موسى” على أنَّه ديونيسوس، من المثير للاهتمام-وفق ليز- أن نلاحظ أنَّ اليونانيين والرُّومان أكدوا أنه عندما دخل أنطيوخس إلى الحرم الداخلي لإله اليهود في أحد معابدهم، وجد فيه “صورة حجرية لرجل ذي لحية كثيفة يجلس على حمار ويحمل كتابًا في يديه”: هذه الصورة، كما أكدوا، تمثل النبي “موسى”. كانت قصة طفولة النبي موسى شائعة نحو عام 2800 قبل الميلاد. أما قصة الملك داود فقد صنعها اليهود من أجزاء من أسطورة إله العاصفة، مع إضافة بعض التواريخ. أما قصة سليمان فقد صنعها اليهود من أجزاء من إله الشمس السمكة الحكيمة في آشور، ممزوجة ببعض الحكايات التاريخية المتعلقة بملكين أو أكثر من ملوك آشور. أما بالنسبة إلى أوصاف “بلاط الملك سليمان الشهير عالميًا”، والطقوس الرائعة، والحريم، والكهنة العظماء، ونظام العبادة، وما إلى ذلك، فقد “استخرجها” الكهنة اليهود من أوصاف بلاط “ملك أركان العالم الأربعة”، خلال تلك الحقب الرائعة في آشور وبابل التي أبهرت العالَم في وقت كان فيه “زعماء” القبائل اليهوديّة يغزون أراضي بعضهم بعضًا. ونبَّه ليز على نحو لافت إلى تظاهر الكهنة والحاخامات اليهود بالاحتقار المطلق لبناة هذه الإمبراطوريات العظيمة، لكن في المقابل استولوا مع ذلك دون أيِّ تردُّد على الأساطير والأبطال وحتى التَّاريخ والأفكار الدينية لشعوب هذه الإمبراطوريات العظيمة التي كانوا يكرهونها بشدة. (23)

 ولا شك في أنَّ الكهنة اليهود استفادوا من ثقافات الشُّعوب التي سبقتهم، تحديدًا من الفينيقيين والبابليين والمصريين من أجل كتابة أسفارهم، وهذه قضية تحتاج إلى أبحاث معمَّقة. ويمكن في هذا السياق ترجيح أنَّ ليز وإن حاول إثبات انتحال هؤلاء الكهنة اليهود كان لتراث البابليين بالدرجة الأولى، لكن في الحقيقة كان انتحالهم لتراث الفينيقيين أكبر بكثير، ذلك بحكم هجرة الفينيقيين من جنوب شبه الجزيرة العربية ووجود المدن الفينيقيّة في فلسطين واستيطان اليهود أصلًا في هذه المدن.

 لكن للأسف يعترف اللاهوتيون الغربيون بهذه الحقيقة بحياء، فمثلًا يقول المبشر إ. ريتشموند هودجز: “لقد اندثرت الآداب الفينيقية، ولم تترك سوى آثار ضئيلة لوجودها السابق. ومع ذلك، لدينا أدلة كتابية على أن الفينيقيين، في حقبة مبكرة جدًا، كانوا شعبًا مثقفًا يتحدث لغة تكاد تكون مطابقة للعبرية، حتى لو استند ذلك إلى حقيقة واحدة، وهي أن المدينة التي سُميت لاحقًا “دبير Debir”، كانت تُعرف أصلاً خلال السيطرة الفينيقية، قبل فتح يشوع للأرض، باسم “قريات سِفْر Kiryath-Sepher” أو “مدينة الكتاب Book-town”. نعرف أيضًا، من مصادر مختلفة، أن التجار الفينيقيين كانوا غالبًا فلاسفة، وكان القادة القرطاجيون ورجال الدولة مثقفين، وكان الملوك النوميديين Numidian kings، الذين تلقوا تعليمًا وتدريبًا فينيقيًا يمتلكون مكتبات من الأعمال الفينيقية، أو كما في حالة يوبا Juba وهييمسال Hiempsal، كانوا هم أنفسهم مؤلِّفين.” (24)

 وإذا تأملنا فقط في فكرة وجود موضع جغرافيّ اسمه “قريات سِفْر Kiryath-Sepher”، وفقًا لكلام هذا المبشِّر نفسه يمكن لنا أن نخمّن استنادًا إلى هذا الاسم ذاته أنَّ الفينيقيين كانوا قد خصصوا مدينة صغيرة على الأرجح لنسخ الأسفار أي الكتب وبيعها، علاوة على إثبات أنَّ لفظة سِفْر ليست عبريّة، بل فينيقيّة. دعْ أنَّ قصة “فتح يشوع للأرض” أصبحت مرفوضة نهائيًّا بسبب غياب أي دليل أثري عليها.

 

 

XIV. انتحال الكهنة اليهود لفنون وتقاليد وأعراف غيرهم من الشُّعوب

كان ليز واعيًا بأنَّ أعمال التنقيب في فلسطين، رغم استمرارها مدَّةً طويلة، فشلت في الكشف عن أي أثر لعمل يهودي يمكن حسبانه “فناً. ولقد كوَّن الحاخامات اليهود تصوراتهم عمَّا يسمّونه “هيكل الملك سليمان”، بكلِّ تفاصيله من حيث الهندسة المعمارية والأثاث والطقوس، استنادًا إلى استقراء المعابد الموجودة في بابل. مثلًا، لا يحمل “البحر” النحاسي العظيم الذي يرتكز على اثني عشر ثوراً نحاسياً أي معنى بالنسبة لليهود، ولكنه يشكل سمة أساسية من سمات معابد بابل؛ فقد بدا لهم مهماً، ولذلك “تبناه” اليهود. ونبّه ليز إلى أنَّ منصب رئيس الكهنة، مع القبعة والزي الكاملين، والتسلسل الهرمي، وفكرة أنَّ قصر الملك يجب أن يجاور المعبد حيث يمكن للملك أن يقدم الذبائح، والدار الخارجية، والدار الداخلية، والبوابات العظيمة، وحتى بعض أسمائها، وغرف الكهنة، والأعمدة عند المدخل، والمذبحان، والكهوف الموجودة أسفل المعبد، والثعبان النُّحاسي، والشجرة المقدسة، والحجاب، والمصباح المشتعل إلى الأبد، وقدس الأقداس، والتابوت، وكرسي الرحمة، والكروبيم، وقدسية الرقم سبعة، والمنارة ذات الفروع السبعة، ومائدة خبز الوجوه، والبخور، وطرق التضحية، والشراء والبيع في المعبد، وتلطيخ الدم على قوائم الأبواب، والرائين، والأنبياء، والنبيات، والمغنين، والآلات الموسيقية، والأوعية المقدسة، والخزانة الملحقة بالمعبد، كلّ هذا كان من بين كلّ الأشياء التي كانت موجودة في المعبد البابليّ الأصل. (25)

 يمكن هنا سياقة ملاحظة مهمة جدًا وهي أنَّ الأوساط الاستشراقيّة والأكاديمية والثقافية العالميّة تبنّت في غالبيتها الرواية التناخيّة عن سبي اليهود إلى بابل وكيفية ممارساتهم داخل الإمبراطوريّة البابليّة، فمثلًا ذهب تشارلز فوستر كينت الباحث في الأدب الكتابي-على نحو مخالف لمعايير علم التأريخ- إلى أنه لا بدّ من تأريخ حياة اليهود في بابل اعتمادًا على كتبهم التي يمكن أن تُستنبط منها مشاعرهم الحقيقيّة، فقد قال حرّفيًّا إنَّ: (…) التاريخ الحقيقي لهذه الحقبة المهمة لا يكمن في تسجيل الأحداث الخارجية، بل في الصراعات والتحولات العميقة التي حدثت داخل نفوس اليهود المسبيين، الذين تشتتوا في أنحاء الإمبراطورية البابلية العظيمة. هذا التاريخ لا يوجد في سرد متصل، بل يجب إعادة بنائه من عظات الأنبياء وأشعار الشعراء. هذه المصادر تمثل شهادة رجال مخلصين ومُلهمين عاشوا وشعروا بما تحدثوا عنه، مما يكشف عن الحياة الداخلية للشَّعب اليهودي خلال السبي البابلي بشكل لم يحدث في أي حقبة أخرى من تاريخهم.” (26)

 لكن نجد ليز يقف ضدّ هذا النوع من المزاعم التأريخيّة بل يتوغَّل في أعماق الشخصيّة الكهنوتيّة اليهوديّة مؤكِّدًا أنَّ طقوس اليهود برمتها التي تُعبِّر عن الحياة الداخلية للشعب اليهودي ليست خاصة بهم؛ ولم تتطور بينهم أي سمة منها؛ بل إن طقوسهم مصنوعة، حتى في أدق تفاصيلها، من قِبَلِ البابليين. ولم يكن الكهنة اليهود –في رأي ليز-قادرين على فهم أو تقدير العلم العجيب الذي توصَّل إليه علماء الفلك البابليون، كما فعلت بقية الأمم، وكانوا ينظرون إلى كل دراساتهم المعقَّدة في تحديد التواريخ بحسبانها مجرد سِحْر! ورغم إقامتهم في بابل لم يكن الكهنة اليهود يعرفون كيفية تحديد تاريخ القمر الجديد إلا من خلال الملاحظة المباشرة، ولم يكن بوسعهم إخطارنا بالتاريخ مسبقًا. وكل التواريخ الواردة في سفر المكابيين هي تواريخ “يونانية”.- بل ذهب ليز إلى أبعد من ذلك مبيّنًا أنَّ المال، والنظام النقدي، وأسماء “العملات المعدنية”، والأوزان والمقاييس، وأسماء “الأوزان”، إلخ، والتقويم، وطرق قياس الوقت، وأسماء أيام الأسبوع، وفكرة أسبوع من سبعة أيام، والسبت، والسَّنة السبتية، وأسماء الأشهر، والأعياد والصيام، ووقت السَّنة التي تقام فيها هذه الأعياد، ومراعاة القمر الجديد، إلخ، التي استخدمها الكهنة اليهود ليست خاصة بهم، بل أخذوها من البابليين؛ لكن أهم فكرة في هذا الاتّجاه نبّه إليها ليز على نحو يستحق كلّ عناية بحثيّة هي أنَّ الكهنة اليهود أخذوا من بابل فكرة أنَّ العاصمة هي مركز العالم؛ ومن الواضح أن اليهود لم يكونوا يعرفون السبب القديم وراء ذلك، ولكن بما أن الفكرة بدت على الأرجح أنها تزيد من أهميتهم على المستوى اللاهوتيّ، فقد “تبنوها” وطبقوها على أورشليم التي هي في -رأي ليز-لم تكن مدينة يهوديّة على الإطلاق. (27)

كما إنَّ ليز شدّد على أنَّ الختان ليس حكراً على اليهود، ولا هم من اخترعوه. فهذه الممارسة قديمة، ترجع إلى آلاف السنين، قبل وقت طويل من “تبنّي” اليهود لها. فقد مارس المصريون الختان منذ عهد الأسرة الرابعة (نحو 3766 إلى 3566 قبل الميلاد). وبما أنه لم يكن الختان شائعًا بين اليونان والرومان، فإنَّ العديد من اليهود الذين كانوا تحت تأثير الإغريق -كما أشار ليز-قد شعروا بالخجل من الختان، حتى أن بعضهم خضع لعملية جراحية ثانية لإخفاء التشويه الناجم عن العملية الأولى. وبعد نحو قرن من الزمان، وخلال مرحلة من الحماسة المتعصبة، عدَّل اليهود الأساليب الجراحيّة لجعل الأمر أكثر صعوبة في إخفائه. هذا، إلى أنَّ المحرَّمات، مثل أكل لحم الخنزير، والأرانب، وأوتار الفخذ، والدم، وعادة أكل السمك، والثوم، والفلفل في أمسيات الجمعة، لم يخترعها اليهود، بل “انتحلوها” من شعوب أخرى أسستها. مثلًا، فإنَّ فكرة أنَّ كل من يلمس جُثَّة يصبح نجسًا ويمكن أن ينقل هذه النجاسة إلى الآخرين “تبناها” اليهود من البابليين. (28)

 

  1. XV. أصول الأعياد اليهوديَّة

  يوجد عدد كبير من الأعياد اليهوديّة يبلغ نحو ثمانية عشر عيدًا منها ثمانية رئيسة وثمانية ثانويّة ويُعنى الحاخامات عناية كبيرة بهذه الأعياد، ويُعدّ الالتزام بطقوسها أساسًا للدّين اليهوديّ. (29)

 والحقيقة كان ليز بارعًا في استقصاء أصول الأعياد اليهوديّة، إذ أوضح أنَّ “عيد الفصح” كما يُفترض “يَحتفل بتكوين الشعب اليهودي”، ولكن من الممكن إثبات أنَّه عيد “أخذه” اليهود من البابليين، بما في ذلك حَمَل الفصح ورَش الدم على عتبات الأبواب. لقد “تبنى” اليهود حزمة الزوفا The bunch of Hyssop من كهنة مزديان the Mazdean priests أو من الكهنة الزرادشتيين. كما إنَّ “عيد الأنوار، أو التكريس، أو الحانوكا” ليس حكراً على اليهود، ولا هم من ابتكروه. لقد أخذوه على نحو متأخّر من البابليين، ويبدو أنهم خلطوا بينه وبين أعياد أُخَر. إن “عيد الأنوار”، الذي يشبه “عيد الموتى” (بما في ذلك “عيد جميع الأرواح”)، وإضاءة الشموع لزحل، وحرق الأضواء لأوزوريس، كانت عادات “قديمة” قبل عام 165 قبل الميلاد، وهو التاريخ الذي يزعم الحاخامات اليهود أنه تم فيه تأسيس “عيد الحانوكا Chanuka “. وهناك رأي مفاده أنَّ قصة “تكريس الهيكل” قد تم اختراعها لشرح “عيد الأنوار أو الحانوكا”، تماماً كما تم تأليف كتاب أستير Ester لشرح “عيد الفوريمFeast of Purim “.  وبيَّن ليز أنَّ “عيد المظال” ليس من أصل يهوديّ، ولم ينشأ في البرية كما زعم الكهنة اليهود. لقد كان عيداً قديماً نال إعجابهم بسبب طبيعته الأيروتيكيّة، ولذلك “تبنوه” من البابليين أو جيرانهم. ولقد لاحظ الفيلسوف اليوناني بلوطرخوس أن هذا العيد اليهودي “يتفق تماماً” مع طقوس باخوس، مما يشير إلى تأثيرات يونانيّة. ففي “عيد يهوه” (أو باخوس)، كان اللاويون يهتفون “هاليلويا Hallelujah” أو “أللُّويا Alleluia” (“سبحوا إيا Praise ye Ia “) على أوقات منتظمة، على غرار الصراخ المتكرر “إيا Ia” في عيد باخوس أو ديونيسوس الذي يقام كلّ ثلاث سنوات. بالإضافة إلى ذلك، قيل إن “وقت وطريقة الاحتفال الأعظم والأكثر قداسة لدى الكهنة اليهود هما على غرار وقت وطريقة الاحتفالات المقدسة لباخوس”. هذا، وبالنسبة لعيد المظال وهو أحد الأعياد اليهودية الرئيسة، ويُحتفل به لإحياء ذكرى سكن بني إسرائيل في الخيام أثناء تجوالهم في البرية بعد خروجهم من مصر، لكن نبّه ليز إلى أنَّ المظال booths أو الخيام Succoth كانت في الطقوس القديمة مرتبطة بالكوديشوت Kodeshoth، أو “النساء المُكرَّسات”، المخصَّصات للإلهة العظمى في سوريا، ويمكن ترجمة “سوكوت بنوث Succoth Benoth” إلى “خيام النِّساء المُكرَّسات لفينوس”. وفنّد ليز الزعم بأنَّ “عيد الأسابيع” (“عيد العنصرة”) الذي يُحتفل فيه بـ “تلقي الشَّريعة على جبل سيناء”، إذ أكدّ أنّه ليس عيدًا يهوديًا؛ بل تُرجِّح الدلائل أنَّ “عيد الأسابيع” أو “عيد العنصرة” نشأ كمهرجان حصاد بين الفينيقيين، وهو شعب كان غالبًا ما يحتقره الحاخامات اليهود ويعدّونه وثنيًا. (30)

XVI.النّواح اليهوديّ

  تحدّث ريتشارد دافي في كتابه المهم “تاريخ الحِداد” عن أنَّ عادة ارتداء الملابس السوداء وإقامة مراسم وطقوس الجنائز تعود إلى أقدم العصور. يخبرنا هيرودوت أن المصريين القدماء، قبل أكثر من 3000 عام، اختاروا اللون الأصفر للدلالة على وفاة أحد الأقارب مؤخرًا. كما كانوا يحلقون حواجبهم عند وفاة أحد الأقارب؛ لكن في بعض الحالات… لم يكتفوا بحلق حواجبهم، بل كانوا ينزعون كل شعر أجسامهم. ولا شك أن هذا يفسر سبب وجود العديد من الباروكات المعقدة في مختلف المتاحف المخصصة للآثار المصرية. سيحتاج الأمر إلى مجلد لإعطاء فكرة عن الطقوس الجنائزية الفريدة لهذا الشعب، الذي كان يعتقد أنَّ الموت، إذا صح التعبير، “تخصُّصًا”؛ فقد كانت ديانتهم مكرَّسة بشكل رئيس لعبادة الموتى، وبالتالي لا تزال هناك أعداد لا حصر لها من المقابر الأثرية في جميع أنحاء مصر، معظمها مليء بالمومياوات، التي تتميز توابيتها المطلية بفنّ رائع. (31)

   لكن أحدَث اليهود في تاريخ البشريّة انعطافًا في وظيفة الحِدَاد، إذ أصبح حِدادهم على مدينة، واستقصى ليز ببراعة حقيقة حزن اليهود على “أورشليم” مدَّة طويلة، فأوضح أنَّ من عاداتهم الأكثر تأصُّلًا الذهاب إلى مكان مقدس في “أورشليم للبكاء” والنواح وتمزيق ملابسهم. وهم يدّعون، ويؤمن بعضهم، أنهم يبكون وينوحون على فقدان “أورشليم” و”العظمة” التي يتخيلون أن اليهود كانوا يتمتعون بها في السابق. وتفيد القصص اليهودية أنه على الرغم من أن الرومان منعوا اليهود من دخول “أورشليم”، إلا أنه سُمح لهم فيما بعد بالذهاب، مرة واحدة في السنة في اليوم التاسع من شهر آب، في “ذكرى موهومة عن احتلال أورشليم”، إلى حجر مقدس في المدينة يُسَمَّى “الحجر المثقوب lapis pertussus” ومَسْحِهِ بالزيت والنواح حوله، لكنَّ البكاء على مدينة مفقودة-كما أوضح ليز- ليس أمرًا خاصًا باليهود، فقد ناح العديد من الشعوب الصغيرة على فقدان مدنهم – حتى على لوح مسماري من تاناخ Taanach، يسأل المؤلف آكي-يامي Akhi-yami عما إذا كان هناك أشخاص لا يزالون في حالة نواح على المدن المفقودة، أم أنهم استعادوها -ولكن بالتأكيد لم يَنُحْ أي شعب على فقدان مدينته سنويًا داخل المدينة نفسها مثلما فعل اليهود. علاوة على ذلك، كان هذا الحزن السَّنوي والبكاء والنواح وتمزيق الشعر وشق الملابس شائعًا بين معظم شعوب الشَّرق، وكان يحدث في فلسطين في أغلب الأحيان بعد منتصف الصيف، أي نحو اليوم التاسع من شهر آب. كما كانت نساء مصر يبكين على أوزيريس، ونساء اليونان والرومان يبكين على “مأسوف عليه” واحد، أي باخوس، تمامًا مثل نساء الصين اللائي بكين على ووتيون Wutyune، وبكت نساء آشور وفينيقيا على تموز، كما فعلت نساء بابل و”أورشليم”: “فَجَاءَ بِي إِلَى مَدْخَلِ بَابِ بَيْتِ الرَّبِّ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الشِّمَالِ، وَإِذَا هُنَاكَ نِسْوَةٌ جَالِسَاتٌ يَبْكِينَ عَلَى تَمُّوزَ.” (حزقيال 8: 14) وتابع ليز تحليله موضِّحًا أنَّه منذ القرن الرابع الميلادي، تمكن اليهود من دخول “أورشليم” لممارسة هذا العرف؛ في البداية سنويًا، ولكن بعد ذلك تمكنوا من تمديد أمد حزنهم وإقامتهم في “أورشليم” عن طريق رشوة الجنود، واستمرت محاولاتهم، فأصبحوا يبكون ظاهريًا كل يوم جمعة، ولكن في الواقع كل يوم، وفعلوا ذلك في “مكان البكاء”، وكانوا ينوحون، ويقبّلون الحجارة، ويصلون، ويضعون أفواههم في الشقوق، ويدفعون الالتماسات المكتوبة في ثقوب الجدار من أجل تلبيتها. وليس النواح –في رأي ليز-سوى حيلة، أو جزء من لعبة سياسية، الهدف النهائي منها هو منح اليهود حيازة الحجر المثقوب “lapis pertussus”، و”قبة الصخرة”، و”تل الهيكل”!  (32)

قَصَدَ ليز أنَّ اليهود كانوا يخدعون حكّام فلسطين للسماح لهم بزيارة موقع معين مرة واحدة في السنة، تحديداً في اليوم التاسع من شهر آب (ذكرى خراب الهيكل المزعوم)، للبكاء والنواح عند حجر مقدس (= تحول إلى حائط المبكى الآن) زعموا أنه جزء من بقايا الهيكل. هذا الحجر كان يُعرف باسم الحجر المثقوبLapis Pertussus، حيث كان يحتوي على ثقوب أو فتحات، وكان اليهود يدهنونه بالزيت والعطور كجزء من طقوس الحداد. وهذا يعني أنّهم استغلوا تقديسهم لهذا الحجر من أجل الحصول على المكان الموجود فيه، ثم استنادًا إلى هذه الذريعة الاستيلاء على المنطقة بأكملها، ومن عجائب الأقدار أنَّ هذا يشابه ما يفعله الصهاينة اليوم.

XVII. التوحيد اليهوديّ

لم يكن التصوُّر الذي بناه كهنة اليهود عن يهوه في أسفارهم مقبولًا تحديدًا مع بداية عصر التنوير في أوروبا ولقد استطاع التنويريّ ويليام سكينر (33) تحرّي شخصية يهوه موضِّحًا حقيقة التأثيرات الكارثيّة للتقيُّد بشريعته، إذ لا توجد شخصية أكثر بغضًا بين البشر من شخصية الطاغية القاسي: أمام مثل هذا التوجُّه، تثور كل حواسنا، وتتجمد مشاعرنا جميعًا؛ ومع ذلك، تبرز القسوة واللاإنسانية كأبرز سمات شخصية يهوه. إنَّه “رب الجنود” أو “إله المعارك” هو أحد ألقابه المفضلة لدى اليهود؛ فهو دائمًا يُصَوَّر على أنه يساعد في لقاءاتهم، ويصدر الأوامر الأكثر دموية وانتقامية، ويستمتع بالمجازر والمذابح. أعظم البركات التي يَعِدُ بها عادة هي بركات النصر؛ وأعظم الشرور التي يهدد بها هي الهزيمة. كما يشاركه جميع كهنته المزاج نفسه. ويُحيلنا سكينر للدلالة على قسوة يهوه إلى الإصحاح الحادي والثلاثين من سفر العدد، حيث أمر يهوه النبي موسى بالانتقام له من الْمِدْيَانِيِّينَ -ولا شك أنَّ في هذا تزويرًا للشخصيّة الحقيقيّة للنبي موسى-فاختار النبي موسى اثني عشر ألف رجل لهذه المهمة المقدسة، مع كاهن على رأسهم.

 “وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: اِنْتَقِمْ نَقْمَةً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْمِدْيَانِيِّينَ، ثُمَّ تُضَمُّ إِلَى قَوْمِكَ. فَكَلَّمَ مُوسَى الشَّعْبِ قَائِلًا: جَرِّدُوا مِنْكُمْ رِجَالًا لِلْجُنْدِ، فَيَكُونُوا عَلَى مِدْيَانَ لِيَجْعَلُوا نَقْمَةَ الرَّبِّ عَلَى مِدْيَانَ.  أَلْفًا وَاحِدًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ تُرْسِلُونَ لِلْحَرْبِ. فَاخْتِيرَ مِنْ أُلُوفِ إِسْرَائِيلَ أَلْفٌ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ. اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مُجَرَّدُونَ لِلْحَرْبِ. فَأَرْسَلَهُمْ مُوسَى أَلْفًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ إِلَى الْحَرْبِ، هُمْ وَفِينْحَاسَ بْنَ أَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ إِلَى الْحَرْبِ، وَأَمْتِعَةُ الْقُدْسِ وَأَبْوَاقُ الْهُتَافِ فِي يَدِهِ. فَتَجَنَّدُوا عَلَى مِدْيَانَ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ وَقَتَلُوا كُلَّ ذَكَرٍ. وَمُلُوكُ مِدْيَانَ قَتَلُوهُمْ فَوْقَ قَتْلاَهُمْ: أَوِيَ وَرَاقِمَ وَصُورَ وَحُورَ وَرَابعَ. خَمْسَةَ مُلُوكِ مِدْيَانَ. وَبَلْعَامَ بْنَ بَعُورَ قَتَلُوهُ بِالسَّيْفِ. وَسَبَى بَنُو إِسْرَائِيلَ نِسَاءَ مِدْيَانَ وَأَطْفَالَهُمْ، وَنَهَبُوا جَمِيعَ بَهَائِمِهِمْ، وَجَمِيعَ مَوَاشِيهِمْ وَكُلَّ أَمْلاَكِهِمْ.  وَأَحْرَقُوا جَمِيعَ مُدُنِهِمْ بِمَسَاكِنِهِمْ، وَجَمِيعَ حُصُونِهِمْ بِالنَّارِ. وَأَخَذُوا كُلَّ الْغَنِيمَةِ وَكُلَّ النَّهْبِ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ، وَأَتَوْا إِلَى مُوسَى وَأَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ وَإِلَى جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالسَّبْيِ وَالنَّهْبِ وَالْغَنِيمَةِ إِلَى الْمَحَلَّةِ إِلَى عَرَبَاتِ مُوآبَ الَّتِي عَلَى أُرْدُنِّ أَرِيحَا.  فَخَرَجَ مُوسَى وَأَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ وَكُلُّ رُؤَسَاءِ الْجَمَاعَةِ لاسْتِقْبَالِهِمْ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ.  فَسَخَطَ مُوسَى عَلَى وُكَلاَءِ الْجَيْشِ، رُؤَسَاءِ الأُلُوفِ وَرُؤَسَاءِ الْمِئَاتِ الْقَادِمِينَ مِنْ جُنْدِ الْحَرْبِ.  وَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: هَلْ أَبْقَيْتُمْ كُلَّ أُنْثَى حَيَّةً؟ إِنَّ هؤُلاَءِ كُنَّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، حَسَبَ كَلاَمِ بَلْعَامَ، سَبَبَ خِيَانَةٍ لِلرَّبِّ فِي أَمْرِ فَغُورَ، فَكَانَ الْوَبَأُ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ.  فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ. وَكُلَّ امْرَأَةٍ عَرَفَتْ رَجُلًا بِمُضَاجَعَةِ ذَكَرٍ اقْتُلُوهَا.  لكِنْ جَمِيعُ الأَطْفَالِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَمْ يَعْرِفْنَ مُضَاجَعَةَ ذَكَرٍ أَبْقُوهُنَّ لَكُمْ حَيَّاتٍ. (عدد: 31: 1-18)

 نكتشف هنا نوعًا رهيبًا من أوامر يهوه إذ حصل اليهود على حقّ تدمير مدن الْمِدْيَانِيِّينَ وحرقها والقيام بقتل كلّ ذَكَر وخطف الأطفال وقتل بعضهم وسبي النساء وقتل بعضهن، إضافة إلى نهب المواشي والبهائم والأملاك، وهذا يعني أنَّ يهوه أمر بمحو مدن كاملة من الواقع، ولا يغيب عنّا أنَّ هذا الوعي اللاهوتيّ التدميريّ راسخ متأصِّل في صميم إيمان الحاخامات المتشدّدين، وهذا ما نشاهده اليوم في غزَّة!

كان ليز من المتابعين القلائل لهذا الاتِّجاه النَّقدي الذي ظهر في عصر التنوير مع ويليام سكينر، فقد رفض ليز ادِّعاء شائعًا مفاده أنَّ اليهود كانوا موحِّدين في بداية تاريخهم. وعَدَّ هذا الادِّعاء مضللًا تمامًا، لأن اليهود القدماء كانوا في الأصل وثنيين ومن ثَمَّ فُرض عليهم التوحيد قبل أن يكونوا مستعدين لتلقيه، ثم، تحت تأثير البابليين، أصبحوا موحِّدين. ولم يتوقفوا عن عبادة الأصنام إلا بعد أن مكثوا في بابل حقبة من الزمن. وفي بابل أيضًا، وفي الوقت نفسه تقريبًا، “تبنوا” عبادة الشيطان ساتان Satan، والروح الشريرة أسموديوس the demon Asmodeus، إلخ، وقصص الملائكة المتمردين ومعركة السماء، وبشكل متحمس، فكرة الخلود والبعث. هذا، وقبل نحو عام 430 قبل الميلاد لم يختلف كهنة اليهود عن جيرانهم إلا أنهم كانوا أقل ثقافة وتحضرًا، ولكن بعد أن أصبحوا عابدي إله واحد (حتى لو كان هذا الإله إلهًا مُنتحلًا)، أصبح الكهنة اليهود متعصبين مهووسين بفكرة مبالغ فيها عن أهمية أنفسهم من حيث عبادتهم وحدهم لهذا الإله. ومع ذلك، ارتأى ليز أنّه ليس هناك شيء فريد أو أصلي عن اليهود أو آلهتهم. فوفقًا لقصصهم الخاصة، عَبَدَ اليهود الحجارة، وقدسوا شجرة البلوط، وسجدوا للأصنام، وعبدوا العجل. وكان لدى “ملوك” اليهود تيرافيم teraphim أو صنم صغير؛ إذ صوّر الكهنة اليهود الملك داود مُقتنيًا لأصنام في بيته الخاص، وتم إنقاذه بإخفاء صنم بيته في فراشه: “فَأَنْزَلَتْ مِيكَالُ دَاوُدَ مِنَ الْكُوَّةِ، فَذَهَبَ هَارِبًا وَنَجَا.  فَأَخَذَتْ مِيكَالُ التَّرَافِيمَ وَوَضَعَتْهُ فِي الْفِرَاشِ، وَوَضَعَتْ لُبْدَةَ الْمِعْزَى تَحْتَ رَأْسِهِ وَغَطَّتْهُ بِثَوْبٍ.  وَأَرْسَلَ شَاوُلُ رُسُلًا لأَخْذِ دَاوُدَ، فَقَالَتْ: “هُوَ مَرِيضٌ.”  ثُمَّ أَرْسَلَ شَاوُلُ الرُّسُلَ لِيَرَوْا دَاوُدَ قَائِلًا: “اصْعَدُوا بِهِ إِلَيَّ عَلَى الْفِرَاشِ لِكَيْ أَقْتُلَهُ.” فَجَاءَ الرُّسُلُ وَإِذَا فِي الْفِرَاشِ التَّرَافِيمُ وَلِبْدَةُ الْمِعْزَى تَحْتَ رَأْسِهِ.” (سِفْر صموئيل الأول 19: 12-17) ونبّه ليز إلى أنَّ هوشع قد نظر إلى أشياء مثل هذه الأصنام، والتيرافيم، وأوريم وتوميم (=حجران صغيران يُحفظان في صُدرة رئيس الكهنة، والنجمة، والإفود (ثوب مطرز بإتقان يرتديه رئيس الكهنة) والعمود الحجري، على أنها أجزاء لا غنى عنها من دين اليهود. وينسب عاموس Amos عبادة زحل إلى اليهود: “(هَلْ قَدَّمْتُمْ لِي ذَبَائِحَ وَتَقْدِمَاتٍ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ بَلْ حَمَلْتُمْ خَيْمَةَ مَلْكُومِكُمْ، وَتِمْثَالَ أَصْنَامِكُمْ، نَجْمَ إِلهِكُمُ الَّذِي صَنَعْتُمْ لِنُفُوسِكُمْ.  فَأَسْبِيكُمْ إِلَى مَا وَرَاءَ دِمَشْقَ.) قَالَ الرَّبُّ إِلهُ الْجُنُودِ اسْمُهُ.” (سفر عاموس 5: 25-27)

أشار ليز إلى أنَّ زحل أو كرونوس هو “القديم”، أبو جميع الآلهة، الذي عبده العديد من القبائل كصنم حجري، وفي فينيقيا، عُبِد تحت اسمي إسرائيل وزحل، مع التضحية البشرية. وللدعاء لزحل كطقس شُركيّ، كان من الضروري للشَّخص ارتداء ملابس سوداء، والاقتراب من المكان المقدَّس في الوقت المناسب (السبت) مثل رجل غارق في الحزن، وحرق بخور مصنوع خصيصًا، وفي اللحظة التي يتصاعد فيها الدخان، لا بدّ من رفع العينين إلى النجم والقول بعبارات شُركيّة: “… أيها الرَّبّ زحل … المظلم، الضار، … الأب الماكر الذي يعرف كل الحيل، الذي أنت خادع، …” امنح هذا أو ذاك.” وفي آشور، كان زحل يحظى بتكريم من قبل حشود من “النساء المقدسات” الملحقات بمعبد آنو. وعبد الكهنة اليهود “ملكة السماء”، عشتار أو ميليتا Mylitta، وأحرقوا البخور لها. وعبد اليهود أيضًا الإله الفينيقيّ مولوخ Moloch، بالإضافة إلى بعل والإله الأوغاريتيّ كموش Chemosh، وقدموا تضحيات بشرية لهم. ويُعتقد بالفعل أن “عيد الفصح” كان في الأصل وليمة مكوَّنة من تضحية بشريّة حيث كان “الأولاد حديثو الولادة” هم الضحية. أحرق آحاز Ahaz أطفاله في النار (انظرْ: سِفْر الملوك الثاني 16: 3)، وكذلك فعل مَنَسَّى (انظرْ: سِفْر الملوك الثاني 21: 6). مثل أسلافه، لم يكن يهوه يهوديًا؛ فقد تم العثور على اسمه في النقوش التي يرجع تاريخها إلى نحو 2800 قبل الميلاد، ومرة أخرى في نقوش أُخَر يرجع تاريخها إلى نحو 2100 قبل الميلاد. وكان مرتبطًا بالقمر واتخذ صفات بعض أسلافه مثل يهرامئيل، وأورا Ura، ورامان Ramman، وآشور Asshur، وجاء تدريجيًا إلى مكانة بارزة في شمال الجزيرة العربية كشيطان للأمراض، وإله للنار، وإله للعواصف، وربما أيضًا كإله للزلازل. (34)

خاتمة

   لقد استطاع ليز أن ينبّه إلى نوع من الدّراسات المهملة في الثقافة الغربيّة بل حتى العربيّة بشكل تام، ولا شك في أن البحث عن كيفيّة تكوين الكهنة اليهود لسرديتهم اللاهوتيّة الهائلة يُسهم على نحو حقيقيّ في تفنيد المزاعم الصهيونيّة التي تأسست أصلًا على هذه السرديّة اللاهوتيّة بل ذهبت بها إلى أبعد أمدائها من أجل إقناع العالم كلّه بأنَّ لليهود حقًّا لاهوتيًّا/تاريخيًّا في فلسطين، وبالتالي يندفع كثير من الناس تحديدًا في العالم الغربيّ إلى التصديق بوجود مثل هذا الحقّ بطريقة تضرّ بالقضيّة الفلسطينيّة ضررًا فادحًا، وهذا ما حدث سابقًا ويحدث الآن!

 

 

 

 

 

 

 

الحواشي:

(1)- Leese, Arnold, The Great Jewish Masque or the Ass in the Lion’s Skin, Guildford, Surrey : Leese’s Bureau of Anti-Jewish Information, 1950, p.3.

(2)- Ibid.

(3)- Ibid, p.4.

(4)-Smith, George, The Chaldean Account of Genesis, Containing The Description of The Creation, The Fall of Man, The Deluge, The Tower of Babel, The Times of The Patriarchs, And Nimrod: Babylonian Fables, And Legends of The Gods, From The Cuneiform Inscriptions. New York: Scribner, Armstrong & CO. 1876, p.59.

(5)- Leese, Arnold, The Great Jewish Masque or the Ass in the Lion’s Skin, p.4.

(6)- Albright, William Foxwell, Yahweh and the Gods of Canaan: A Historical Analysis of Two Contrasting Faiths, Winona Lake, Indiana, Eisenbrauns,1994, p. 187.

(7)-Leese, Arnold, The Great Jewish Masque or the Ass in the Lion’s Skin, p.7.

(8)- Ibid,p.8.

(9)- The Works of Flavius Josephus Translated by William Whiston. Book 11, Chapter 1, (Sections:1-3)

(10)- Leese, Arnold, The Great Jewish Masque or the Ass in the Lion’s Skin, p.8.

(11)- Ibid, pp.11-12.

(12)- Ibid, p.12.

(13)- Stern, Karen, The Synagogue at Dura-Europos.

 https://smarthistory.org/synagogue-dura-europos/ شوهد بتاريخ 21/7/2025

(14)-See: THE SIBYLLINE ORACLES TRANSLATED FROM THE GREEK INTO ENGLISH BLANK VERSE BY MILTON S. TERRY PROFESSOR IN GARRETT BIBLICAL INSTITUTE NEW EDITION REVISED AFTER THE TEXT OF RUCH NEW YORK: EATON & MAINS CINCINNATI: CURTS & JENNINGS [1899]

(15)- Leese, Arnold, The Great Jewish Masque or the Ass in the Lion’s Skin, pp.21-13.

(16)- Ibid, p.17.

(17)-See: Sweeny, Marvin A., King Josiah of Judah: The Lost Messiah of Israel, Oxford University Press, 2001.

(18)- Leese, Arnold, The Great Jewish Masque or the Ass in the Lion’s Skin, p. 18-19.

(19)- See: Eissfeldt, Otto, The Old Testament : an introduction, including the Apocrypha and Pseudepigrapha, and also the works of similar type from Qumran; the history of the formation of the Old Testament. Translated by Peter R. Ackroyd, Oxford, 1965.

(20)- Leese, Arnold, The Great Jewish Masque or the Ass in the Lion’s Skin, p.19.

(21)- Ibid, p.20.

(22)- Ibid, pp. 20-21.

(23)- Ibid, p.21.

(24)- Cory, Isaac Preston, Cory’s Ancient Fragments of the Phoenician, Carthaginian, Babylonian, Egyptian and Other Writers,  London, Reeves, 1876, Editor’s Preface. XXXII.

 (25)- Leese, Arnold, The Great Jewish Masque or the Ass in the Lion’s Skin, pp.22-23.

(26)-   Kent, Charles Foster, A history of the Jewish people during the Babylonian, Persian, and Greek periods, New York, C. Scribner’s sons, 1906, pp.5-6.

  (27)- Leese, Arnold, The Great Jewish Masque or the Ass in the Lion’s Skin, pp.23-24.

(28)- Ibid, p.24.

(29)-See: Shoys, Hayim, The Jewish festivals: history and observance. Translated by Samuel Jaffe, New York, 1962.

(30)- Leese, Arnold, The Great Jewish Masque or the Ass in the Lion’s Skin, pp.23-25.

(31)- DAVEY, RICHARD, History of Mourning, JAY’S, REGENT STREET, W., PUBLISHED AT JAY’S, REGENT STREET, W., 1890,p.3. 

(32)- Leese, Arnold, The Great Jewish Masque or the Ass in the Lion’s Skin, pp.26-27.

(33)-Skinner, William, The God of the Jews; or, Jehovah unveiled: being the character of the Jewish deity delineated, London, 1819, 17-22.

(34)- Leese, Arnold, The Great Jewish Masque or the Ass in the Lion’s Skin,pp.28-31.