Skip to content Skip to footer

تعقيب على الورقة البحثية “تناقض أخلاق أسفار موسى والأسفار اليهودية” لعباس يونس العيدي | د. عدنان ملحم

قدَّمَ الدكتور عدنان ملحم، الباحث والأكاديمي بجامعة النجاح الوطنية الفلسطينية، ورقةَ بحثٍ، خلال حلقة نقاش “نقد السردية التوراتية” في عمان – الأردن، نظَّمها مركز “مجتمع” للدراسات الثقافية والتاريخية، قراءةً وتعقيباً على ورقة لعباس يونس العيدي، الكاتب والباحث العراقي، والموسومة بـ”تناقض النظم الأخلاقية – السلوكية بين أسفار موسى والأسفار اليهودية”.


 

وننشر نص الورقة البحثية للدكتور عدنان ملحم، الباحث والأكاديمي بجامعة النجاح الوطنية الفلسطينية، في ما يلي:

-1-

التوراة أو العهد القديم خلطة دسمة من الحكايات والقصص والأساطير والأحداث والنصوص التي تسجل تاريخ بني إسرائيل منذ بدء الخليقة حتى منتصف القرن السادس قبل الميلاد، ويعتقد الباحثون أن الانتهاء من عملية تحريرها المتواصلة تمت في الفترة الممتدة من 450 – 164ق.م.

تأثير الحضارات والثقافات والأديان على مسيرة بني إسرائيل

ويبدو واضحاً حضور حضارات وثقافات وأديان بلاد الرافدين (السومرية والآشورية والبابلية) والشام (الكنعانية والفينيقية والآرامية) وإيران القديمة (الزرادشتية والمازدكية والمانوية) ومصر القديمة، والأناضول (الحيثية والليدية) واليونان القديمة وشبه الجزيرة العربية، طاغياً في مكوناتها. كما يمكن رصد تأثير هذه المصادر على مسيرة بني إسرائيل: قبلياً ودينياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً.

ويتفق معظم علماء اللغويات والنصوص والتاريخ والجغرافيا والآثار على أن التوراة أو “العهد القديم” هي نتائج عمليات طويلة من التطور والتفاعل والتغيير.

علاقة شعب الله المختار مع بلاد كنعان

وشهدت الساحة العلمية والفكرية أبحاثاً جادة عن علاقة “شعب الله المختار” مع بلاد كنعان، وانتقدت تفاصيلها ونصوصها وتواريخها، وقدم علماء كبار مثل فاضل الربيعي وكمال الصليبي نظريات مكتملة أثبتوا من خلالها أن مسرح الرواية اليهودية الدينية والتاريخية هو شبه جزيرة العرب، وليس فلسطين، واتهموا صناع الاستشراق الأوروبي الحديث والمعاصر بأنهم يقفون وراء هذا التزوير لأسباب عقائدية واستعمارية خالصة.

يتطلب البحث في مواضيع مختارة تناولتها التوراة أو”العهد القديم”، قراءات ودراسات معمقة عما أسلفت، لأن النص مهما كان شكله ونوعه هو نتاج تفاعل ما بين المكان والزمان والإنسان، ولذا فإن التعامل معه بصيغة الكمال والثقة سيؤدي حتماً إلى نتائج ونهايات غير دقيقة أبداً، كما أن اقتطاع روايات بعينها دون أخرى، سیرسم لوحات تاریخیة ونقدیة غیر صحیحة.

ملاحظات على مساهمة الدكتور عباس يونس العيدي

اطلعت على مساهمة الدكتور عباس يونس العيدي والموسومة بـ “تناقض النظم الأخلاقية – السلوكية بين أسفار موسى والأسفار اليهودية”، وأود بعد الإشادة بجهده الكبير أن أسجل الملاحظات التالية:

أولاً: تعامل الباحث مع الروايات التوراتية التي اعتمد عليها بعيداً عن عمقها التاريخي والجغرافي والأثري واللغوي والنصي والنقدي المقارن، ولم يدرسها في حاضنتها المكانية والزمانية.

ثانياً: تمترس أو تمركز الباحث خلف حقيقة شبه ثابتة تؤكد أن أسفار موسى بن عمران الخمسة: (التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، التثنية) كتبها شخصياً وتعبر عن كنه وجوهر الشريعة الموسوية الحقة، لم تمسسها قوى التزوير والتحريف أبداً، عكس الأسفار والنصوص التوراتيّة الأخرى.

ثالثاً: اعتبر الباحث أن هدف جميع النصوص التوراتية بمختلف مناهلها هو نشر التسامح والمحبة والعفو، وأن أية نصوص أخرى خرجت عن هذا المسار أو الهدف، قد جرى أو تم تزويرها أو تحريفها أو عدم فهم مراميها من قبل الرواة أو السّارد أو النساخ، ولم يقدم تفسيرا مقنعا لدموية تاريخ بني إسرائيل المروي أو المزعوم كما أوردته إصلاحات التوراة المختلفة، وعن سبب سلوكهم الفعلي المخالف – حسب رؤيته – مع جوهر التعاليم اليهودية السمحة.

رابعاً: يرى الباحث أن الكثير من الروايات التوراتية التي تضم في تفاصيلها العنف أو القتل والدمار تحمل في مضامينها دروساً إلهية عن الصبر والحكمة والتربية والتعليم.

خامساً: أمن الباحث أن الروايات التوراتية التي تتحدث عن عنف ودموية الرب (يھوه) والآباء الأوائل والأنبياء هي صناعة يهودية بشرية، ولم يقدم قراءة نصية أو نقدية لسبب وظروف دخولها إلى النص التوراتي، وسعى جاهدا لتبريرها أو الدفاع عن رموزها دون دليل مقنع أو واقعي.

سادساً: لم يناقش الباحث بعمق النصوص التوراتية التي تناولت وعود الرب (يھوه) لبني إسرائيل “بأرض الميعاد” وتفاصيل صراعهم مع القبائل التي كانت تمتلكها أو تسكن على جوانب الطرق المؤدية إليها أو حولها، باعتبار أن قتلهم وطردهم وسحقهم دون وجه حق وتعدٍ فعلي من قبلهم على “شعب الله المختار”، هو خرق للسلوك الأخلاقي الموسوي.

سابعاً: تبنى الباحث الرؤية الدينية اليهودية والمسيحية للنصوص التوراتية في سعيه لعرض وجهة نظره عن البعد الأخلاقي والسلوكي لمضامينها، وسعى لتقديم تبريرات وتفسيرات لأي نص يتضمن تفاصيل عكس ذلك، وتجاهل بشكل كامل الرواية الدينية الإسلامية عنها.

ثامناً: اعتقد أن الباحث لم يقدم نقداً كافياً أو عرضاً معمقاً حول العنف والقتل والدم في الروايات التوراتية وتأثيرها على العقلية والسلوك اليهودي، يتناسب مع حجم ما حشده من صور وتفسيرات عن التسامح والمحبة في دواخلها، كما أن صورة الضحايا بمختلف مسمياتهم ظلت خارج إطار التعاطف أو الفهم الكافي.

تاسعاً: السلطة والجنس والمال هي محركات العنف الأساس داخل الرواية التوراتية، وأظن أن الباحث لم يتعمق في دراستها ولم ينجح في ربطها بالإطار العقائدي والقبلي اليهودي، وخاصة أن معظم أحداث التاريخ تدور في فلكها.

أسفار التوراة الخمسة والتراث اليهودي

أسفار التوراة الخمسة: (التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، التثنية) وأطلق عليها أيضاً اسم أسفار موسى ونسبت إليه وأكد التراث اليهودي بأنه من تلقاها من الرب وكتبها شخصياً، ويرى الكثير من العلماء والمفكرين والباحثين بأن لا صلة له بها، وأنها كتبت بعده بفترات طويلة على يد مجموعة من المؤلفين.

سفر التكوين خارطة أخلاقية

يعتبر سفر التكوين العمود الأساس للكتاب المقدس كله، وهو نص روحاني سلمي، هدفه ربط الفرد بالسماء وترسيخ المنهج الإنساني الاجتماعي المتسامح والمتعاون، ويُعنى بالقيم الأخلاقية البسيطة الموازية للبنى التحتية للمجتمع، ويقدم المصدر والتفسير المبدئي لجميع العقائد الكتابية الرئيسة.

يُعَدُّ خارطة أخلاقية هدفها صناعة أركان وأسس السلام والتسامح والعفو والأمن الاجتماعي العام، وحل الصراعات بين العشائر المختلفة، وتفهم أخطاء الآخرين وبواعثهم، والحيلولة دون اشتعال الحروب بينها. وتعتمد محركات هذا السفر بشكل تام على القدرات المطلقة للإله الواحد الأحد (يھوه)، وتحكمه بكل شيء يحدث في الكون.

مساران أخلاقيان

وللدلالة على هذا التحليل عرض الباحث ستة نصوص من سفر التكوين وصنفها ضمن مسارين أخلاقيين وسلوكيين اثنين هما:

أولاً: الحسم الدموي العنيف وتمثل في تفاصيل قصة قتل قابيل لأخيه ھابيل وهجوم إبراهيم على ممتلكات ملك عيلام كدر لعومر لتحرير ابن أخيه لوط، وانتقام أبناء يعقوب من شكيم بن حمور الحوي وعائلته ومناطق إقامته بسبب سبيه لأختهم دينة بنت يعقوب.

وقد اعتبر الباحث هذه الأحداث خارجة عن سياق الواقع الزماني والشخصي والاجتماعي الذي حدثت فيه، وعد حادثة قتل قابيل لأخيه ھابيل صراعاً رمزياً فردياً، وحرب إبراهيم مع كدر لعومر منافيه ومعارضة لمكونات شخصية النبي المسالم، ومجزرة أبناء يعقوب ضد شكيم بن حمور الحوي خروجاً عن نظام عشيرة الأمومة، وعدم قدرة على فهم مسيرة النضوج المستمر للأحكام والشـرائع والتحـريـمات التي صنفت وتحكمت في علاقة الأفراد بالمجتمع.

وحسم الباحث وجهة نظره تجاه قصص هذا المسار ورأى بأنها تتناقض مع عصر الآباء، وأحداث سفر التكوين الذي تتحكم فيه قيم العفو والتسامح، ولذا فهي دخيلة على وقائع هذا السفر، ونسبت أو أضيفت إليه لاحقاً على أيدي النساخين الذين فشلوا في دراسة ومعرفة تاريخية الحدث من خلال تحليل تفاصيله، وربطها بالمكان والزمان والأبطال.

ثانياً: الحسم الأخلاقي الذي ختم قصص الخلافات بين إبراهيم وأبيمالك ملك الفلسطينيين حول سبي الأخيرة لسارة زوجة الأول وإعادتها له معززة مكرمة، وبين يعقوب وأخيه عيسو حول أموال وممتلكات أبيهم، وبين يوسف بن راحيل وإخوته الذين خضعوا لنوازعهم وغيرتهم الشخصية واضطرابهم النفسي ورغبتهم بعطف واستئثار أموال والدهم.

واعتبر الباحث طريق وسبل معالجة هذه الخلافات تكريساً لجوهر السلوك السامي الذي يمتاز به مجتمع الآباء المؤسسين؛ من عفو وتسامح وألفة ومحبة وسمو.

سفر الخروج.. النص الأهم

يعد سفر الخروج النص الأهم الذي يضم تفاصيل ولادة ونشأة وحياة موسى بن عمران ومراحل قيادته وزعامته لبني إسرائيل، وولادة أو تشكل مبادئ وأسس ديانته وشريعته والنظم والقوانين المنبثقة عنها، كما يعتبر الموضع الذي رصد واقع ومضمون وعلاقات مجتمع بني إسرائيل مع المكونات السياسية والعشائرية والدينية في الأماكن التي استقروا فيها أو هاجروا إليها. ويمكن تلخيص محتويات السفر الثاني من أسفار موسى بأنه ترجمة دقيقة لخروج بني إسرائيل من أرض مصر إلى “أرض الميعاد”.

حقائق من قصة موسى وخروج بني إسرائيل من مصر

استعرض الباحث قصة موسى وخروج بني إسرائيل من مصر كما أوردها سفر الخروج، ليؤكد على الحقائق التالية:

أولاً: موسى نبي ديانة جديدة وجهتها (يھوه) – إله الكون الواحد-، وترتبط جذورها عميقة مع دعوة وطقوس إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وهدفها إحياء الصلات والعبادات المشتركة.

ثانياً: موسى نبي سلام صاحب دعوة حرية يرفض القوة والحروب والثورات والدم والقتل، لم يحمل سيفاً أو رمحاً بل عصا خشبية يتوكأ عليها ويدير بها شؤونه، ولم يرغب بتسليح أفراد شعبه ودفعهم إلى الفوضى والثورة ضد مستعبديهم بل دعاهم إلى التعامل السلمي الصبور.

ثالثاً: لم يستخدم موسى وھارون في حوارهما وصراعهما مع فرعون سوى معجزات (يھوه) دون تحريض على العنف أو الخداع أو المراوغة، وأعلنا أمامه مراراً سعيهما إلى إقامة مجتمع عادل يخلو من العبودية والفقر والطبقية، وطلبا منه السماح لبني إسرائيل عبادة ومخاطبة إلههم الوحيد، والخروج إلى الصحراء خوفاً أن يبتليهم ربهم بالوباء أو القتل.

رابعاً: لعب (يھوه) دوراً في ردع فرعون وبث الرعب في داخله من دعوة موسى، وقتل كل حيّ في مصر سواء كان إنساناً أو حيواناً، ونشر الأمراض والكوارث فيها لكي يسهل خروج بني إسرائيل منها. وأغرق فرعون وجيشه في البحر لإتاحة المجال لموسى وبني إسرائيل إكمال مسيرتهم نحو”أرض الميعاد”.

خامساً: قام موسى بخطوات هامة لإنضاج الشريعة والأحكام الموسوية، وتنظيم عباداتها وأحكامها وإبراز المسموحات والممنوعات فيها.

سادساً: أدى غياب موسى عن بني إسرائيل للعبادة إلى تمرد أخيه هارون على سلطته وقيامه بصناعة إله على شكل عجل ذهبي عبده شعبه مما أغضب (يھوه) وهدد وحدة المؤمنين وقناعاتهم.

واعتبر الباحث أن هذه الثورة أو التمرد هو فعل يتماشى مع التفاعلات القبلية داخل المجتمع الإسرائيلي هدفها سد ثغرة عدم رؤية (الإله) من جهة وغياب النبي القائد والرائد من جهة أخرى.

سابعاً: بعد خروج بني إسرائيل من مصر بقيادة يوشع بن نون تصادموا مع قبائل العماليق العربية، الذي فرضوا القتال والصدام والدم على بني إسرائيل. واعتبر الباحث أتباع موسى غير معتدين على أحد بل هم مدافعون عن أنفسهم.

سلمية الديانة الموسوية

أكد الباحث من خلال تناوله للأحداث المختارة من سفر الخروج على سلمية الديانة الموسوية وحرصها على عدم الصدام مع أحد، وإذا سلك أتباعها فعلاً مناقضاً لذلك، فإنهم قد دُفِعوا لذلك عنوة. وقدم موسى كرمز ديني مسالم يحرص على العفو والتسامح والحوار، ويسعى لنشر دعوته بالكلمة الحسنة والخطاب الهادئ، بعيداً عن السلاح بشتى أصنافه، والدم والقتل بمختلف أشكاله.

وعندما يرتكب موسى أعمالاً وتصرفات عنف وقتل، يسارع الباحث لعرض تبريرات لأفعاله، ويعتبر حادثة قتل موسى -قبل أن يبعث رسولاً إلى فرعون- لرجل قبطي مصري لا يعرفه أصلاً ولا علاقة له به عملاً فردياً غير مسؤول، جاء رداً على شدة معاناة أبناء شعبه في مصر، وتعرضهم للتنكيل والسخرة والأعمال الصعبة، ويرى إصدار موسى أوامره لبني لاوي بالتخلص من جموع المتمردين على دعوته والمشاركين لأخيه هارون في صناعة وعبادة العجل الذهبي عملاً مدروساً؛ هدفه تكريس خدمة اللاويين لربهم وعقيدتهم، ضارباً بعرض الحائط مقتل ثلاثة آلاف رجل منهم من الضحايا الأبرياء.

4.

سفر اللاويين

يوصف سفر اللاويين بأنه نص ديني هدفه التأكيد على الشرائع أو الأحكام أو الممارسات الطقسية والأخلاقية والقانونية التي يتوجب على بني إسرائيل اتباعها بعد انطلاق مسيرة ديانتهم الموسوية، ويهدف إلى ربط المجتمع الإسرائيلي بالواقع الجديد في جميع المجالات، ومساعدته في التحول من عصر الأمومة إلى عصر الأبوة، ومن مرحلة القبلية إلى عهد القيم والقوانين والضوابط المحكمة. كما يشكل قفزة نوعية واضحة هدفها تغيير قواعد الزواج والطهارة والكفارة والقداسة والشرائع والقرابين والكهانة، وزيادة صلة بني إسرائيل بإلههم وديانتهم ومجتمعهم.

ويأتي إبراز الباحث لمحتويات ودلالات هذا السفر؛ إيماناً منه بالدور الذي لعبته نصوصه في إعلاء القيم الأخلاقية داخل المجتمع الإسرائيلي، وتوجيهها أفراده نحو أسس المحبة والتسامح والانضباط، والالتزام بأحكام الجزاء وطقوس الديانة الموسوية الجديدة المختلفة.

وغاب عن الباحث الربط بين الصراع المحتدم داخل المؤسستين الدينية والعشائرية أو الدنيوية حول فهم المتغيرات السلوكية والمجتمعية التي تمت داخل المجتمع الإسرائيلي، الأمر الذي أدى إلى الردة العقائدية، وهذا ما فسرته الحوارات بين الملك يوشيا بن آمون، وجمهور الكهنة والكتّاب من أركان حكمه وسلطته، وربما كان السبب الحقيقي وراء ترك أو تغييب أو ضياع نصوص هذا السفر الهام وقتاً طويلاً.

5.

نظر إلى سفر العدد بأنه قراءة لواقع وإمكانات بني إسرائيل أثناء مكوثهم في صحراء سيناء، وقبل استيلائهم أو وصولهم إلى “أرض الميعاد”، وهو محاولة لدراسة وحدة المجتمع الإسرائيلي، وعلاقات مكوناته بعضها ببعض، وصلاتهم بالإله (يھوه) والنبي موسى على حد سواء.

3 قصص عاشها موسى في مسيرته الصعبة مع شعبه

استقطع الباحث ثلاث قصص عاشها موسى في مسيرته الصعبة مع شعبه، برزت فيها مكونات شخصيته المتميزة بالتسامح والمحبة والألفة.

أولها: بعد أن تزوج موسى امرأة كوشية، احتجت أخته مريم على ذلك، وحرضت أخاها هارون عليه، فعاقبها (يھوه) بالبرص، فتوسل موسى الإله أن يصفح عنها ويسامحها ويرأف بها ويشفيها ففعل ذلك. وعلل الباحث تصرف مريم بأنه ناجم عن احتجاجها على التغيرات التي أحدثتها القوانين الموسوية على شروط الزواج داخل المجتمع الإسرائيلي.

ثانياً: عندما تمرد جزء من الشعب الإسرائيلي على موسى وطالبه بأمور حياتية ودينية تبتعد عن جوهر دعوته، أراد (يھوه) معاقبتهم بقوة، لكن نبيهم الرحيم الحليم ناشده ألا يفعل ذلك وأن يسامحهم فتم له ما طلب.

ثالثاً: أرسل موسى مجموعة من رؤساء بني إسرائيل لاستطلاع أحوال أرض كنعان بهدف الانتقال إليها، إلا أنهم أوصوه بعدم فعل ذلك؛ بسبب استقرار شعب العمالقة الجبار القوي المقاتل فيها، وانتشار المدن الخصبة الحصينة على أراضيها، وانقسم بنو إسرائيل بين دعاة العودة إلى مصر أو المسير إلى “أرض اللبن والعسل”، وغضب (يھوه) غضباً شديداً، وأراد إنزال وباء عليهم يجتثهم من الحياة، إلا أن موسى ناشده الرحمة وغفران ما ارتكبه شعبه، فاستجاب لما طلب.

سياسة تسامح موسى مع العشائر

**وأشار الباحث إلى سياسة التسامح التي اتبعها موسى مع العشائر التي صادفها بنو إسرائيل في طريق مسيرتهم إلى أرض كنعان، رغم موقفهم المعادي لأسباب عقائدية وتحالفات متضاربة، واضطر موسى إلى إصدار الأوامر لشعبه من أجل السيطرة على أراضي القبائل المعادية وقتالها من أجل تحقيق هدفه الأساس الوصول إلى”أرض الميعاد”.

ومن المثير للانتباه تجنب الباحث الحديث عن أرض كنعان ووعد (يھوه) لبني إسرائيل بامتلاكها أو العودة إليها ومناقشة ودراسة وتحليل هذه النقطة من جميع الجوانب، وربما من باب تعارضها مع عنوان بحثه الموسوم بالتسامح والعفو في الديانة الموسوية؛ لأن سحق وقتال القبائل الأخرى دون وجه حق وصدام فعلي هو عمل دموي وغير أخلاقي أصلاً.

6.

أسفار الأنبياء مجموعة من القصص والأحاديث الدينية والتاريخية والأدبية ترصد واقع بني إسرائيل في فترات مختلفة، تم تناقلها عبر الأجيال المتعاقبة ويعتقد بأنها كتبت في أواخر القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وتزخر بمظاهر العنف والقتل والاغتيال والاغتصاب والصراع والانقسام وحرق المدن وتهجير السكان الآخرين من مناطقهم، وتقسم إلى مجموعتين: الأولى: الأنبياء الكبار؛ وتشمل أسفار يشوع والقضاة وصموئيل الأول والثاني والملوك الأول والثاني. والثانية: الأنبياء الأواخر: وتضم أسفار أشعيا وأرميا وحزقيال، وأسفار الأنبياء الصغار، وهم اثنا عشر نبياً؛ وهم: هوشع ويوئيل وعاموس وعوبديا ويونان وميخا وناحوم وحبقوق وصنفيا وحجي وزكريا وملاخي.

واقع بني إسرائيل.. 9 حكايا

اختار الباحث تسع حكايا من مجموعة أسفار الأنبياء الكبار ليستعرض واقع بني إسرائيل وظروف تطور رؤيتهم الدينية والسياسية والاجتماعية.

أولها: دخول خليفة موسى يشوع بن نون (أريحا) مع بني إسرائيل، وأبادوا جميع سكانها، وأحرقوا ودمروا مكوناتها، وسلبوا كل ثمين فيها من ذهب وفضة، وأودعوه خزائن (يھوه)، وهتفوا ورقصوا على أنقاض المدينة، ولعن قائدهم كل من سيقوم لاحقاً بإحياء أي جزء منها لدورها في الشرور. ويعد سقوط أريحا أول نصر لنبي إسرائيل في المنطقة، وأشرف الرب (يھوه) على مراحل حصارها واحتلالها وبشر يشوع بن نون بالنصر.

ثانيها: هاجم جيش بني إسرائيل بقيادة يوشع بن نون مدينة عاي الواقعة غرب (أريحا) وأباد سكانها وأحرقها، وصلب ومثلَ بأجساد قتلاها، وفي مقدمتهم ملكها، وتم ذلك بدعم وتخطيط وإشراف وتوجيه من (يھوه)، وهو درس هام لبني إسرائيل بأن الثقة فيه ستؤدي حتماً إلى النصر. وأراد إكرام جيش بني إسرائيل وتوزيع الغنائم التي نهبوها عليهم، جراء إخلاصهم ومجهودهم واستعدادهم المتواصل للدفاع عن عقيدتهم.

ثالثها: هزم جيش بني إسرائيل بتشجيع من القاضية والنبية والشاعرة دبورة بقيادة زوجها باراق ابن أبينوعم الجيش الكنعاني في معركة جبل طابور بقيادة سيسرا -قائد جيش يابين ملك كنعان- وهرب الأخير إلى سهل صعنيم في جنوب البلاد واختبأ عند ياعيل زوجة جابر القيني، فأسقته الحليب المسموم وهشمت رأسه بوتد خيمتها، واعتبر عمل القاتلة عملاً بطولياً جاء تنفيذاً لإرادة (يھوه) في التخلص من أعداء بني إسرائيل.

رابعها: أذاق المديانيون الذين امتدت أراضيهم من خليج إيلوت إلى مؤاب وطور سيناء بني إسرائيل الذل والهوان، فحث ملاك الرب (يھوه) الشاب جدعون بن يوآش الأبِيعَزري من بلدة عفرة على قيادة جيش بني إسرائيل وهزيمة الأعداء فتم ذلك، وانتصر عليهم، إلا أنه بعد ذلك صنع صنماً لقومه عبدوه وتركوا عبادة ربهم.

خامسها: أنجب القاضي جدعون بن يوآش سبعين ولداً أحدهم يدعى أبيمالك بن يربعل ابن أمة من شكيم، فحرض الأخير أخواله لقتل إخوته ليتسنى له تزعم عشيرته، فتم له ذلك. وأظهرت القصة عدم وفاء بني إسرائيل لصانع أبرز انتصاراتهم ضد المديانيين جدعون بن يوآش والد القتلى والقاتل.

سادسها: نذر فيفتاح الجلعادي من سبط منسى، أحد شخصيات بني إسرائيل العائد من جبهة الحرب منتصراً على بني عمون، تقديم أول من يخرج من باب بيته لاستقباله هبة للرب (يھوه) فخرجت ابنته الوحيدة، فأوفى بنذره وقام بإحراقها مستسلمة لإرادته ورغبته. ويبدو أن الرب وافق على هذا النذر، ولو لم يرغب لأوقفه، كما فعل في حادثة نذر إبراهيم الخليل ذبح فلذة كبده إسحاق كدلالة واضحة على عدم قبوله الذبائح البشرية، على عكس القصة التي يناقشها هذا النص. وربما يثبت ذلك التدخل البشري في تحرير التوراة لتعبر عن عقلية وظروف المرحلة التي صنفت القصص فيها.

سابعها: اغتصبت وقتلت مجموعة من رجالات سبط بنيامين سَريّة لأحد أبناء سبط لاوي عندما كانت في ضيافة أحد أفرادها، فقام المكلوم بتقطيع جثة الضحية ووزعها في مختلف أنحاء البلاد ليحكم الناس في قضيته، فاجتمع رجالات أسباط بني إسرائيل وطالبوا زعامات سبط بنيامين بتسليم الجناة الأشرار فرفضوا، فاندلعت الحرب بينهما. وأدار (يھوه) المعارك بنفسه، ومنح النصر لسبط الجناة مرتين ثم هزمهم في الجولة الثالثة، وسمح لأسباط بني إسرائيل قتل جموع سبط بنيامين وحرق وتدمير مدنهم وبيوتهم.

ثامنها: اشتهى داود ملك بني إسرائيل بثشبع بنت أليعام امرأة أحد قادة جيشه البارزين ويدعى أوريا الحثي، فضاجعها وحملت منه، وأرسل زوجها إلى جبهات القتال المتقدمة بهدف التخلص منه فقتل في عملية اغتيال صريحة. وقام (يھوه) بإنهاء حياة الطفل عند ولادته عقاباً لداود على فعلته الشنعاء وسلط ابنه آمون ليضاجع إحدى شقيقاته وتدعى ثامار، فقتله أحد إخوتها ويدعى أبشالوم، وانشق عن والده ونشبت بينهما حروب وعداوات طويلة، وتدخل (يھوه) مرة أخرى وقتل أبشالوم عقاباً له على تمرده على أبيه.

وتقدم القصة صورة زعيم إسرائيل الذي لا يتمتع بأي خلق ولا انضباط ولا مسؤولية، كما تعكس تصرفات (يھوه) المضطربة فهو يأمر بتنفيذ عقوبات غير منطقية وظالمة لا تتماشى مع مكانته.

تاسعها: رفع (يھوه) من مكانة عشيقة داود وزوجها منه وأنجبت غلاماً شرعياً يدعى سليمان، أصبح فيما بعد ثالث ملوك بني إسرائيل الأوائل الأقوياء البارزين، وقد عاش المذكور حياة ترف ونساء تجاوزت الحدّ الذي أحاط بوالده وابتعد شعبه عن دعوة موسى كثيراً، مما حدا بـ (يھوه) إلى معاقبة بني إسرائيل وقسم مملكتهم إلى قسمين: مملكة يھودا ومملكة إسرائيل، فهل اختلقت القصة لتبرير هذا الانقسام التاريخي؟

الحكايا التسع وجوهر الشريعة الموسوية السمحة

والسؤال الذي يطرح نفسه، ماذا أراد الباحث أن يقول من وراء اختياره وعرضه لمثل هذه القصص المنتقاة من أسفار الأنبياء؟

لا تعبر هذه الحكايا عن جوهر الشريعة الموسوية السمحة، بل تعارضها بشكل واضح، كما أنها تناقض الأسس والقواعد التي أوردها موسى في أسفاره الخمسة الأولى.

وتعكس هذه القصص حالة الانقسام والتشرذم والتردي في دواخل بني إسرائيل، وسيطرة تراث المجتمعات والقبائل المحيطة عليهم، الأمر الذي أدى إلى انحراف شامل عندهم في جميع المجالات.

وتعد تفاصيل القتل والدم والعنف الواردة في متنها بعيدة عن أخلاق وقيم الدعوة الموسوية، وعن سلوك وأخلاق بني إسرائيل.

إن جهل سُراد هذه القصص لمكونات الشريعة الموسوية وعدم إلمامهم بأسفار موسى الخمسة الأولى، هو أحد الأسباب وراء ظهورها في أسفار القضاة.

**يريد الباحث التأكيد مجدداً على أن الديانة الموسوية هي منبع سلام ومحبة ووئام وعفو، وإذا ظهر منها غير ذلك فهو دخيل عليها ولا يعبر عنها.

هوامش:

1. انظر: زياد منى، جغرافية التوراة: مصر وبنو إسرائيل في عسير، رياض الريس للكتب والنشر، (لندن – بريطانيا)، ط1، 1994.

2. شفيق مقار، قراءة سياسية للتوراة، رياض الريس للكتب والنشر، (لندن – بريطانيا)، ط1، 1991.

3. شلومو ساند، اختراع الشعب اليهودي، ترجمة سعيد عياش، مدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (رام الله – فلسطين)، ط2، 2013.

4. فاضل الربيعي، فلسطين المخيلة، أرض التوراة في اليمن القديم، مجلدان: الأول، دار الفكر (دمشق – سوريا)، ط1، 2008. الثاني، دار الفكر (دمشق – سوريا)، ط1، 2010.

5. كمال الصليبي، التوراة جاءت من جزيرة العرب، ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية، (بيروت – لبنان)، ط5، 1994.

6. كيث وايتلام، اختلاق إسرائيل القديمة: إسكات التاريخ الفلسطيني، ترجمة سحر الهنيدي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة رقم 249 (الكويت – الكويت)، ط1، 1999.

7. محمد جدوع، كنعانياً بين الأسفار التوراتية والسرديات الصهيونية، دار كيوان للطباعة والنشر والتوزيع (دمشق – سوريا) ط1، 2009.

النصوص المشار إليها في الهوامش:

(تم سرد النصوص والإصحاحات المشار إليها في البحث من سفر التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، يشوع، القضاة، صموئيل، الملوك وغيرها).

منصة عربية مستقلة للدراسات الثقافية والتاريخية، مسجّلة في لندن. تبنى رؤية نهضوية للمجتمعات العربية انطلاقاً من فهم أن التطور لا يتناقض مع الثقافة والهوية.

البرامج

المحتوى

عن مجتمع

Add Your Heading Text Here

المملكة المتحدة | mujtama.org